Post: #1
Title: الواحدة ظهراً… ساعة كسر العمود الفقري لمنظومة الإخوان في السودان كتبه حامد محمد
Author: حامد محمد
Date: 03-19-2026, 05:06 PM
05:06 PM March, 19 2026 سودانيز اون لاين حامد محمد-السودان مكتبتى رابط مختصر
عند الساعة الواحدة من ظهر اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026 بتوقيت السودان، لم يعد ما يجري في الخرطوم مجرد تطور سياسي عابر، بل لحظة مفصلية تتكثف فيها ضغوط وتحركات دولية وإقليمية غير مسبوقة تستهدف تفكيك واحدة من أكثر المنظومات السياسية والتنظيمية تعقيداً في تاريخ السودان الحديث: منظومة الإخوان المسلمين التي تمددت في جسد الدولة طوال عقود.
ليست هذه مجرد مواجهة سياسية بين خصوم متنافسين، ولا صراعاً عادياً على السلطة، بل معركة طويلة مع بنية تنظيمية تشكلت بصبر شديد منذ انقلاب عام 1989، حين نجح التيار الإخواني في تحويل الدولة السودانية من مؤسسات وطنية إلى شبكة نفوذ متداخلة تخدم مشروعاً أيديولوجياً مغلقاً. خلال تلك السنوات، لم تكتفِ هذه المنظومة بإدارة الحكم، بل عملت على إعادة هندسة الدولة نفسها: اختراق المؤسسات، السيطرة على مفاصل الاقتصاد، إعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، وبناء منظومة ولاءات معقدة جعلت الدولة تبدو وكأنها تعمل بوجهين؛ وجه رسمي، وآخر خفي تحركه شبكات التنظيم.
لكن التاريخ يعلمنا أن البنى المغلقة قد تبدو صلبة لسنوات طويلة، قبل أن تأتي اللحظة التي تتشقق فيها فجأة تحت ضغط الواقع. ويبدو أن السودان يقف اليوم أمام تلك اللحظة تحديداً.
فالمجتمع الدولي الذي ظل لسنوات يتعامل مع الأزمة السودانية بمنطق إدارة الأزمات، بات اليوم أكثر ميلاً إلى تفكيك جذور الأزمة نفسها. ولم يعد خافياً على أحد أن استمرار نفوذ منظومات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة يشكل ـ في نظر كثير من العواصم المؤثرة ـ أحد أبرز أسباب تعثر الانتقال السياسي وتكرار الانقلابات ودوامات الصراع.
إن الضغوط التي تتبلور اليوم ليست مجرد موقف دبلوماسي، بل تعبير عن قناعة متزايدة بأن بناء دولة مستقرة في السودان لن يكون ممكناً ما دامت شبكات التنظيم العقائدي قادرة على تعطيل مؤسسات الدولة أو إعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة انتقالية.
ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق فقط بسقوط منظومة سياسية، بل بما سيأتي بعدها. فتاريخ الدول يثبت أن إزالة بنية قديمة لا يكفي وحده لبناء نظام جديد. فالدولة التي أُضعفت مؤسساتها لعقود تحتاج إلى إعادة بناء عميقة تعيد الاعتبار لفكرة الخدمة العامة، وتفصل بين الدولة والتنظيم، وبين السلطة والمشروع الأيديولوجي.
إن اللحظة التي يعيشها السودان اليوم ليست لحظة انتقام سياسي، بل لحظة اختبار تاريخي لنضج النخبة السياسية وقدرتها على تجاوز الماضي. فالمطلوب ليس استبدال شبكة نفوذ بأخرى، ولا إعادة تدوير الصراعات القديمة، بل تأسيس معادلة جديدة تقوم على دولة مهنية، لا دولة التنظيمات.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لصراعات السلطة وللمشاريع الأيديولوجية التي تعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية. واليوم، بينما تشير عقارب الساعة إلى الواحدة ظهراً، يبدو أن البلاد تقف أمام فرصة نادرة لطي صفحة طويلة من تاريخ الهيمنة التنظيمية وفتح باب مختلف لمستقبل الدولة.
قد لا تحسم هذه اللحظة كل شيء، لكن المؤكد أنها ترسل إشارة واضحة: أن زمن إدارة الدولة عبر الشبكات السرية والولاءات التنظيمية يقترب من نهايته، وأن السودان، رغم كل جراحه، ما زال يبحث بإصرار عن طريقه نحو دولة عادلة، شفافة، ومفتوحة لكل أبنائها.
والتاريخ — كما يقول السودانيون — لا ينتظر طويلاً أولئك الذين يترددون عند لحظاته الحاسمة.
حامد محمد
|
|