1-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها كتبه خالد كودي

1-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها كتبه خالد كودي


03-09-2026, 11:26 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1773052003&rn=0


Post: #1
Title: 1-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 03-09-2026, 11:26 AM

11:26 AM March, 09 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر



1-2بين عيال النخب وعيال الدعم السريع والدولة التي صنعت الحرب ثم أدانت ضحاياها

8/3/2026 خالد كودي، بوسطن

قراءة أخلاقية–تاريخية في تجربة السودان مع الشباب منذ 30 يونيو 1989

تكشف الحرب الدائرة في السودان عن مأزق فكري وسياسي عميق في خطاب قطاع معتبر من الأحزاب والتنظيمات المدنية التي تتركز تاريخيًا في الوسط والشمال النيلي. فبدل أن تتعامل هذه القوى مع الحرب بوصفها لحظة تاريخية تفرض مراجعة جذرية لمسار الدولة السودانية وأخطاء نخبها المتراكمة منذ الاستقلال، اتجه خطابها إلى اصطفاف عاطفي وسريع إلى جانب الجيش الحالي باعتباره الممثل الوحيد للدولة وحارس بقائها. غير أن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة تاريخية مركزية، وهي أن المؤسسة العسكرية نفسها كانت، عبر الانقلابات المتكررة وإدارة الحروب في الأطراف، أحد الأعمدة البنيوية في صناعة الأزمة السودانية وإدامتها. فالحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل لم تكن حادثة معزولة، بل كانت نتيجة مباشرة لبنية سياسية اختلط فيها الحكم بالعسكرة، وتداخلت فيها الدولة بالمؤسسة العسكرية على نحو جعل الجيش فاعلًا رئيسيًا في تشكيل السلطة، وفي إدارة الصراع داخل المجتمع.
لقد اعتمدت الدولة السودانية، في مراحل مختلفة من تاريخها، على آليات متعددة لتجييش المجتمع وتعبئة شبابه في الحروب. فمن جهة، جرى تعبئة أبناء المدن والجامعات في إطار الخطاب الأيديولوجي للدولة، كما حدث خلال فترة حكم الإنقاذ حين جرى تفويج طلاب الجامعات والمعاهد العليا إلى جبهات القتال تحت شعار "الجهاد"، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى خزانات بشرية للحرب. ومن جهة أخرى، جرى استدعاء أبناء المناطق المهمشة عبر أنماط مختلفة من التجنيد غير النظامي، من المليشيات المحلية والقوات شبه العسكرية التي استخدمتها الدولة في إدارة حروبها في الأطراف. ورغم اختلاف المسارات الاجتماعية التي قادت هؤلاء الشباب إلى ساحات القتال، فإن الهدف النهائي ظل واحدًا: توظيف الأجيال الجديدة في خدمة مشروع السلطة، سواء عبر التعبئة الأيديولوجية في الجامعات أو عبر التجنيد العسكري المباشر في مناطق الهامش.

في هذا السياق التاريخي يمكن فهم الشعارات التي برزت خلال الثورة السودانية، مثل شعار "العسكر للثكنات والجنجويد ينحل"، بوصفها تعبيرًا سياسيًا عن مطلب جوهري يسعى إلى إنهاء عسكرة الدولة السودانية وتفكيك البنى المليشياوية التي نشأت في ظلها. غير أن المفارقة التي تكشّفت لاحقًا تمثلت في أن جزءًا من الخطاب السياسي الذي رفع هذه الشعارات عاد ليتبنى اصطفافًا غير نقدي إلى جانب المؤسسة العسكرية نفسها، متجاهلًا أن هذه المؤسسة كانت تاريخيًا اهم الفاعلين الأساسيين في إنتاج البنى المليشياوية التي يجري إدانتها اليوم. ومن ثم فإن الدعوة إلى تفكيك المليشيات مع الإبقاء على البنية العسكرية التي أنتجتها، دون مساءلة جذرية لدورها في تكوين الدولة ومسارها السياسي، تظل مقاربة قاصرة لا تعالج جذور الأزمة. فالمقاربة الأكثر اتساقًا تقتضي إعادة النظر في المؤسسة العسكرية ذاتها، عبر تفكيك بنيتها التاريخية وإعادة تأسيس جيش مهني قومي يعكس واقع دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية الديمقراطية.
إن هذا الاصطفاف غير النقدي يكشف عن محدودية واضحة في التحليل السياسي لدى قطاعات من النخب، كما يعكس في كثير من الأحيان نزعة ذاتية مرتبطة بالخوف من انهيار الترتيبات الاجتماعية والرمزية التي استفادت منها هذه النخب تاريخيًا داخل مركز الدولة. ولذلك جاء خطابها حول الحرب سطحيًا وغير ناضج سياسيًا؛ إذ اختزل الأزمة في ثنائية تبسيطية بين "الدولة" و(الميليشيا/الجنجويد)، متجاهلًا أن السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: كيف تشكلت، ولصالح من حكمت، وكيف توزعت السلطة والثروة داخلها، ولماذا ظل العنف يتكرر في أطرافها منذ عقود.
ما نسعى إلى تسليط الضوء عليه هنا ليس تبرير أي جريمة أو التساهل مع أي انتهاك أياً كان مرتكبه؛ فالمساءلة والعدالة شرط أساسي لأي تحول سياسي حقيقي. غير أن هذا المقال يسعى إلى كشف اختلال المعايير الأخلاقية والنفاق في خطاب كثير من النخب عند تناولها لمسألة حمل السلاح في السودان. فالشباب الذين التحقوا بقوات الدعم السريع أو بغيرها من التشكيلات المسلحة في مناطق الهامش غالبًا ما يُقدَّمون في الخطاب العام بوصفهم تجسيدًا مطلقًا للانحراف والجريمة، بينما يجري التغاضي عن السياقات البنيوية التي دفعتهم إلى ذلك. وفي المقابل، لا يُنظر بالصرامة نفسها إلى تجارب أجيال من شباب المدن الذين أدوا الخدمة الوطنية الإلزامية خلال فترة الإنقاذ، أو الذين جرى استنفارهم في صفوف الجيش أو المليشيات المتحالفة معه في مراحل مختلفة من الصراع، ثم عاد كثير منهم إلى الجامعات وسوق العمل ليواصلوا حياتهم دون وصم أخلاقي مماثل!
إن هذا التمييز الأخلاقي بين الشباب، على أساس مواقعهم الاجتماعية أو الجغرافية أو الإثنية، لا يعكس معيارًا موضوعيًا للعدالة بقدر ما يعكس استمرار نظرة مركزية ترى في عنف الدولة "ضرورة وطنية"، بينما تصف عنف الأطراف بأنه انحراف أخلاقي وجرم. ومن هنا فإن المقاربة الأخلاقية الأكثر اتساقًا تقتضي الاعتراف بأن حمل السلاح في السودان لم يكن، في معظم الحالات، خيارًا فرديًا حرًا بقدر ما كان نتاجًا لبنية سياسية واجتماعية أعادت إنتاج الحرب وأسبابها باستمرار، ودفعت أجيالًا متعاقبة من الشباب إلى الانخراط فيها بطرق مختلفة ولأسباب متباينة. فالعدالة الأخلاقية لا تقوم على إدانة فئة اجتماعية بعينها، بل على فهم الشروط التاريخية التي صنعت خياراتها، والعمل على تفكيك البنية التي جعلت الحرب قدرًا متكررًا في تاريخ الدولة السودانية.
وفي تاريخ الأنظمة الشمولية، نادرًا ما يُترك التعليم خارج مشروع السلطة. فالدولة التي تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع لا تكتفي بالسيطرة على الاقتصاد أو السياسة، بل تتجه مباشرة إلى المدرسة والجامعة بوصفهما الفضاء الذي تتشكل فيه مخيلة الأجيال وتُعاد صياغة الولاءات السياسية والثقافية. ولهذا ارتبطت التجارب الفاشية في أوروبا، كما في أنظمة الحزب الواحد في القرن العشرين، بإنشاء منظمات شبابية شبه عسكرية تدمج التعليم بالتعبئة الأيديولوجية، بحيث تتحول المؤسسات التعليمية من فضاءات لإنتاج المعرفة الحرة إلى أدوات لإعادة إنتاج المجتمع وفق رؤية السلطة وأهدافها السياسية.
إن تجربة السودان منذ استيلاء حكومة الإنقاذ على السلطة في 30 يونيو 1989 تمثل حالة واضحة في هذا السياق. فقد عمل النظام على تسييس التعليم وتعبئة الطلاب عسكريًا ضمن مشروعه الأيديولوجي، مستخدمًا خطاب "الجهاد" والتعبئة الدينية لتبرير تحويل الجامعات إلى خزانات بشرية للحرب. غير أن المفارقة الأخلاقية والسياسية التي تبرز اليوم، مع اندلاع الحرب في السودان، تكمن في اختلال المعايير التي تتعامل بها بعض النخب مع تجارب الشباب السوداني وفق انتماءاتهم الجغرافية والاجتماعية؛ إذ تُدان بعض أشكال التجنيد وتُبرَّر أخرى، رغم أن جذورها البنيوية واحدة.
ومن هذا المنطلق تسعى هذه المقالة إلى قراءة هذه الظاهرة من منظور تاريخي وأخلاقي عبر مقاربة بين ثلاث دوائر مترابطة:
١/ سيطرة السلطة على التعليم وتعبئة الطلاب والشباب منذ عام 1989
٢/ سياسات المركز التي أدت إلى تطييف الحرب وتجييش المهمشين ضد بعضهم البعض.
٣/ المفارقة الأخلاقية في خطاب النخب المعاصر تجاه أجيال الشباب الذين وجدوا أنفسهم في التشكيلات المسلحة
إن فهم هذه الدوائر المتداخلة ليس مجرد تمرين فكري، بل خطوة ضرورية لفهم كيف أعادت الدولة السودانية إنتاج الحرب عبر أجيال متعاقبة، وكيف يمكن كسر هذه الحلقة التاريخية التي ظل السودان يدور داخلها لعقود.

أولًا: التعليم في الأنظمة الشمولية – الدرس التاريخي
تكشف التجارب التاريخية للأنظمة الشمولية في القرن العشرين أن التعليم لا يُترك محايدًا حين تسعى السلطة إلى إعادة تشكيل المجتمع. فالدولة التي تتبنى مشروعًا أيديولوجيًا شاملًا لا تكتفي بالهيمنة على المجالين السياسي والاقتصادي، بل تتجه مباشرة إلى المدرسة والجامعة كما اسلفنا بوصفهما المجال الذي تُصاغ فيه مخيلة الأجيال وتُعاد فيه هندسة المجتمع. ولهذا ارتبطت هذه الأنظمة بمشروعات واسعة لما يُعرف في العلوم الاجتماعية بـ الهندسة الاجتماعية؛ أي السعي إلى إعادة تشكيل الإنسان ذاته وفق نموذج أيديولوجي محدد.
Hitler Youthفي ألمانيا النازية أنشأ النظام منظمة
التي ضمت ملايين الشباب، وكانت مهمتها إعدادهم عقائديًا وعسكريًا لخدمة الدولة. وقد وصف المؤرخ البريطاني إيان كيرشو هذه المنظمات بأنها "مدارس سياسية لإنتاج المواطن المطيع". وفي إيطاليا الفاشية أسس موسوليني منظمة
لتدريب الأطفال والشباب علي الانضباط العسكري والولاء المطلق للنظام.Opera Nazionale Balilla
Komsomolأما في الاتحاد السوفيتي فقد لعبت منظمة
دورًا مشابهًا في تشكيل وعي الشباب السياسي، وإن كان ضمن أيديولوجيا مختلفة
المشترك بين هذه التجارب أن الشباب لم يُنظر إليهم بوصفهم أفرادًا أحرارًا في مجتمع سياسي، بل بوصفهم مادة خام لمشروع الدولة الأيديولوجي. وقد لخصت الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت هذا المنطق حين كتبت في كتابها أصول الشمولية:
الأنظمة الشمولية لا تكتفي بالسيطرة على الحاضر؛ إنها تسعى إلى امتلاك المستقبل عبر السيطرة على الأجيال الجديدة.

تجربة السودان: هوس الهندسة الاجتماعية
في السودان اكتسب هذا المنطق بعدًا خاصًا مع صعود الحركة الإسلامية إلى السلطة في انقلاب 30 يونيو 1989. فقد كان المشروع السياسي للإنقاذ مشبعًا بما يمكن وصفه بـ هوس الهندسة الاجتماعية؛ أي الاعتقاد بأن المجتمع يمكن إعادة تشكيله من أعلى عبر أدوات الدولة، وأن "الإنسان الجديد" يمكن صناعته من خلال التعليم والتعبئة الأيديولوجية الاسلاموعروبية
هذا التصور لم يكن منفصلًا عن تقاليد فكرية تعود إلى مايسمي ب "حركات الإصلاح" الديني والسياسي في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر، حيث ظهرت فكرة أن الدولة يمكن أن تصبح أداة لإعادة صياغة المجتمع أخلاقيًا وثقافيًا. وقد تبنت الحركة الإسلامية السودانية هذا التصور في صيغة أكثر راديكالية وجلافة، حيث أصبح التعليم أحد أهم أدوات هذا المشروع
وهكذا لم تعد المدرسة والجامعة فضاءين لإنتاج المعرفة الحرة، بل تحولت إلى مؤسسات لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية محددة. وقد تجسد ذلك في نظام الخدمة الوطنية الإلزامية الذي لم يكن مجرد تدريب عسكري تقليدي، بل منظومة تعبئة سياسية وأيديولوجية تجمع بين التدريب العسكري والخطاب الديني التعبوي المعبر عن رؤية السلطة.
داخل هذه المعسكرات خضع آلاف الشباب لبرامج مكثفة من التنشئة السياسية والعقائدية تهدف إلى إدماجهم في المشروع الأيديولوجي للنظام. وفي هذا السياق تشبه التجربة السودانية، من حيث منطقها التعبوي، التجارب التي عرفتها منظمات الشباب في الأنظمة الشمولية الأخرى، حيث يُدمج التعليم بالتنشئة السياسية والعسكرية في إطار مشروع هندسة اجتماعية واسع.

ثانيًا: مشروع الإنقاذ تحديدا– تسييس التعليم وتعبئة الطلاب
عند وصولها إلى السلطة عام 1989 شرعت حكومة الإنقاذ في إعادة هيكلة النظام التعليمي والجامعي بما يتوافق مع هذا المشروع الأيديولوجي. وقد تجلت هذه السياسات في إدخال الخطاب الجهادي في المناهج التعليمية، وإنشاء منظمات طلابية مرتبطة بالحركة الإسلامية، وفرض الخدمة الوطنية الإلزامية، إضافة إلى تفويج الطلاب إلى جبهات القتال.
وقد أصبح ما عُرف باسم "ساحات الفداء" جزءًا من الخطاب الرسمي للدولة، حيث كانت القوافل الطلابية تُرسل إلى جبهات الحرب في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق، ولاحقا دارفور.
وكان كثير من هؤلاء الطلاب ينتمون إلى الجامعات والمعاهد العليا، وهي مؤسسات ظل الوصول إليها تاريخيًا غير متكافئ في السودان. فمنذ الاستقلال تركزت فرص التعليم العالي بصورة كبيرة في الخرطوم ومدن الشمال النيلي.
وهكذا نشأت مفارقة تاريخية لافتة: أبناء النخب الذين أُتيح لهم التعليم العالي كانوا يُعبَّأون عقائديًا ويُرسلون إلى الحرب باسم "الجهاد"، بينما كان أبناء المناطق المهمشة يُستدعون إلى الحرب عبر آليات مختلفة من التجنيد العسكري أو المليشياوي بما في ذلك ماعرف ب"الكشات"- لكن النتيجة النهائية كانت واحدة:
جيل كامل من الشباب يُدفع إلى الحرب باسم الدولة.

استمرار وهم الهندسة الاجتماعية
المفارقة اللافتة اليوم أن بعض النخب السياسية التي تنتقد تجربة الإنقاذ لا تزال، في جوهر خطابها، أسيرة المنطق ذاته. فبدل الاعتراف بتعقيد المجتمع السوداني والحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، ما تزال قطاعات من هذه النخب تتخيل إمكانية "إصلاح المجتمع" عبر مشاريع أيديولوجية شاملة!
إن هذا الميل إلى تصور المجتمع بوصفه موضوعًا لإعادة الصياغة السياسية — سواء باسم الدين أو باسم الدولة أو باي اسم اخر — هو في جوهره استمرار للمنطق الذي غذّى الأزمات السابقة.
فالتجربة السودانية خلال العقود الماضية تكشف بوضوح أن المجتمعات لا تُبنى عبر مشاريع إعادة تشكيل فوقية، بل عبر بناء مؤسسات عادلة تسمح للمجتمع بأن يشكل نفسه بناء علي تعدده.

ثالثًا: تطييف الحرب – سياسة المركز في مواجهة الهامش
لم تكن الحروب في السودان مجرد صراعات عسكرية حول السيطرة على الأرض أو السلطة، بل كانت أيضًا صراعات عميقة حول الهوية والموارد وبنية الدولة نفسها. فمنذ الاستقلال ظل المركز السياسي في الخرطوم يعتمد، بدرجات مختلفة، على استراتيجية معروفة في الأدبيات الاستعمارية والسياسية باسم سياسة "فرِّق تسُد"؛ وهي الآلية التي تقوم على تفكيك المجتمع إلى جماعات متنافسة بحيث يصبح الصراع بين الأطراف أداة لإدارة السلطة من المركز.
وقد وصف المفكر المارتينيكي فرانز فانون هذه الآلية في كتابه معذبو الأرض بقوله مايعني:
"السلطة الاستعمارية لا تحكم فقط بالقوة، بل بتقسيم المجتمع إلى جماعات متنافسة، بحيث يصبح الصراع بينها ضمانة لاستمرار السيطرة."
هذا النمط من إدارة الصراع لم يكن خاصًا بالسودان؛ فقد ظهر في تجارب عديدة عبر التاريخ. ففي رواندا خلال الحقبة الاستعمارية البلجيكية جرى تكريس الفوارق بين الهوتو والتوتسي وتحويلها إلى بنية سياسية حادة، الأمر الذي مهد لاحقًا لانفجارات عنف كارثية. وفي نيجيريا استخدمت الإدارة الاستعمارية البريطانية الانقسامات الإثنية والإقليمية لإدارة الحكم غير المباشر، وهو ما ترك آثارًا عميقة ظهرت لاحقًا في الحرب الأهلية في بيافرا. كما شهدت الكونغو في حقبة ما بعد الاستعمار توظيف الانقسامات المحلية عبر تسليح جماعات متنافسة، الأمر الذي أدى إلى ما وصفه المفكر الكونغولي أشيل مبيمبي بـ "اقتصاديات العنف"، حيث يصبح العنف ذاته أداة لإدارة السلطة والموارد.
في السودان تجلت هذه السياسة في عدة آليات متكررة عبر العقود، من بينها:
١/ تسليح جماعات قبلية في مواجهة جماعات أخرى داخل مناطق النزاع.
٢/ إنشاء واستخدام مليشيات محلية لخوض حروب الدولة بدلًا من الجيش النظامي.
٣/ نقل النزاعات المحلية إلى مستوى قومي عبر إدماجها في الصراعات السياسية الكبرى للدولة.
وبهذه الطريقة وجد كثير من شباب مناطق الهامش أنفسهم يقاتلون بعضهم البعض في حروب لم تكن في أصلها حروبهم، بل حروب دولة تبحث عن أدوات محلية لإدارة صراعاتها. وقد أشار المفكر الغاني كوامي نكروما إلى هذه الظاهرة في نقده لسياسات ما بعد الاستعمار حين كتب مايعني:
"إن أخطر ما ورثته الدول الإفريقية من الاستعمار ليس فقط الحدود، بل أيضًا أساليب الحكم التي تقوم على تفكيك المجتمع بدلاً من توحيده."
عن فكرة مشابهة عندما كتب: W.E.B. Du Bois كما عبّر المفكر الأمريكي الإفريقي
"الاضطهاد لا يستمر فقط بالقوة، بل حين يُقنع المقهورين بأن صراعهم الحقيقي هو مع بعضهم البعض."
وفي السياق السوداني أدت هذه السياسة إلى تعقيد شديد في بنية التهميش؛ إذ لم يعد المهمشون مجرد ضحايا للمركز، بل أصبح بعضهم، بفعل ظروف الحرب والتسليح والتعبئة، أدوات في صراعاته. وهكذا تحولت الحروب من صراع بين الدولة والهامش إلى شبكة معقدة من الصراعات المحلية المتداخلة، حيث يتقاتل أبناء المناطق المهمشة فيما بينهم بينما يظل مركز السلطة محتفظًا بقدرته على إدارة التوازنات من بعيد!
إن فهم هذه البنية ضروري لتفسير لماذا استمرت الحروب في السودان لعقود، ولماذا تحولت بعض المجتمعات التي كانت ضحية التهميش إلى أطراف فاعلة في العنف نفسه. كتب المفكر الكيني نغوجي واثيونغو مايعني:
"الاستعمار لا يترك خلفه الخرائط فقط، بل يترك أيضًا طريقة معينة في تنظيم الصراع داخل المجتمع."

نواصل في الجزء الثاني من المقال:

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)