Post: #1
Title: هل تكفي الفعاليات الدولية وحدها للنهوض بالنساء في العالم ؟ كتبه مها طبيق
Author: مها الهادي طبيق
Date: 03-08-2026, 06:20 PM
06:20 PM March, 08 2026 سودانيز اون لاين مها الهادي طبيق-Sudan مكتبتى رابط مختصر
في كل عام ، ومع حلول الثامن من مارس ، يتجدد الخطاب العالمي حول حقوق النساء وتمكينهن . تُنظم المؤتمرات ، وتُطلق البيانات ، وتُعلن الخطط الاستراتيجية التي تقودها مؤسسات النظام الدولي وعلى رأسها الأمم المتحدة . لكن خلف هذا الخطاب الرسمي ، يبرز سؤال أكثر عمقًا : هل حققت المنظومة الدولية فعلًا تحولًا حقيقيًا في حياة النساء ، أم أنها أعادت إنتاج نظام عالمي تديره شبكات مصالح معقدة تُعيد تعريف قضايا المرأة وفق أولوياتها السياسية والاقتصادية ؟ خطاب عالمي واسع… ونتائج متفاوتة منذ سبعينيات القرن الماضي ، أصبحت قضايا النساء جزءًا أساسيًا من أجندة التنمية الدولية. أنشئت مؤسسات وبرامج متخصصة مثل UN Women ، وأُطلقت اتفاقيات دولية مثل ( اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ) . هذه الأطر ساهمت في تحقيق بعض المكاسب منها توسيع تعليم الفتيات في أجزاء واسعة من العالم ، وإدخال مفهوم المساواة الجندرية في السياسات العامة ، وزيادة حضور النساء في المؤسسات السياسية . لكن في المقابل ، ظلت هذه الإنجازات غير متكافئة جغرافيًا واجتماعيًا ، حيث بقيت ملايين النساء في مناطق النزاعات والهامش خارج نطاق التحسن الحقيقي .
النظام الدولي المعاصر يعمل بجانب المؤسسات الرسمية ، تعمل ايضا عبر شبكة متداخلة من الحكومات ، والمنظمات الدولية ، والمانحين ، والمنظمات غير الحكومية الكبرى . في هذا السياق ، تحولت قضايا النساء في كثير من الأحيان إلى ملفات تمويل دولي تديرها برامج ومشاريع قصيرة المدى . الخطابات المعيارية التي تُصاغ في العواصم العالمية ثم تُنقل إلى مجتمعات مختلفة دون مراعاة تعقيداتها الاجتماعية أدت الي نتيجة أن كثيرًا من برامج "التمكين" لم تعالج جذور التهميش الاقتصادي والسياسي ، بل اكتفت بإدارة مظاهره . فمثلا المرأة في مناطق النزاعات تمثل اختبار فشل للنظام الدولي . فالاختبار الحقيقي لأي منظومة حقوقية هو قدرتها على حماية النساء في سياقات الحرب والانهيار السياسي . لكن الواقع يظهر أن النساء في هذه المناطق غالبًا ما يكن الضحية الأولى والأخيرة .
في عدة مناطق من العالم يتحول العنف الجنسي إلى أداة حرب بسبب تفكك شبكات الحماية القانونية والاجتماعية ، مع تزايد معدلات الفقر والنزوح والاتجار بالبشر . ورغم كثافة التقارير الدولية ، فإن قدرة النظام العالمي على إيقاف هذه الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها تظل محدودة للغاية . فإذا نظرنا للسودان كنموذج للهامش المنسي ، في هذا السياق ، تشكل تجربة النساء في السودان مثالًا واضحًا على الفجوة بين الخطاب الدولي والواقع الميداني . من خلال عقود من النزاعات في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ، تعرضت النساء السودانيات إلى نزوح جماعي وفقدان مصادر العيش ، مع تفشي العنف الجنسي والانتهاكات المرتبطة بالحرب ، أضف إلي ذلك التهميش الاقتصادي والاجتماعي المزمن .
ورغم وجود عشرات البرامج الدولية ، فإن أثرها ظل محدودًا بسبب عدة عوامل نذكر منها تركيز المشاريع على المدن والنخب بدل المجتمعات الريفية والهامشية ، ذلك بسبب ارتباط كثير من البرامج بأولويات المانحين وليس باحتياجات النساء أنفسهن . ضعف التنسيق بين العمل الإنساني والإصلاح السياسي الحقيقي هو التحدي الحقيقي الذي يتطلب التغيير من إدارة الأزمة إلى البنية نفسها . فالقضية الأساسية لم تعد في عدد المؤتمرات أو التقارير ، وإنما في إعادة التفكير في نموذج العمل الدولي نفسه . وأي تحول حقيقي في أوضاع النساء يتطلب ربط قضايا المرأة بإصلاح الهياكل الاقتصادية والسياسية من خلال تمكين المبادرات المحلية التي تنطلق من واقع المجتمعات نفسها ، والانتقال من إدارة الأزمات الإنسانية إلى معالجة جذور الصراعات والتهميش .
قضية النساء اليوم تقف عند مفترق طرق . فإما أن تستمر كجزء من خطاب عالمي تديره شبكات المصالح والمؤسسات الدولية ، أو تتحول إلى مشروع تحرر اجتماعي حقيقي تقوده النساء من داخل مجتمعاتهن ،وفي دول مثل السودان ، لن يتغير واقع النساء عبر البرامج العابرة أو الشعارات الدولية ، ولكن عبر تحولات سياسية واجتماعية عميقة تعيد توزيع السلطة والموارد والفرص داخل المجتمع نفسه .
مها الهادي طبيق 8 مارس 2026
|
|