Post: #1
Title: 1-2من أمريكا تطلب النخب الحل… لا الفهم
(الهروب من تجربة الحرب الأهلية) كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 02-10-2026, 11:17 AM
10:17 AM February, 10 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
9/2/2026 خالد كودي، بوسطن
أولًا: الحرب بوصفها تجربة وجودية قراءة في كتاب (جمهورية المعاناة: الموت والحرب الأهلية الأمريكية) This Republic of Suffering: Death and the American Civil War يكتسب هذا الكتاب أهمية استثنائية في سياقنا الراهن لأنه يقدّم نموذجًا تحليليًا يتجاوز قراءة الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا أو صراعًا على السلطة، ليعيد تعريفها كتجربة وجودية–أخلاقية أعادت تشكيل معنى الدولة، والمواطنة، وقيمة الحياة الإنسانية Drew Gilpin Faust نفسها في الولايات المتحدة الامريكية. تنطلق المؤرخة الأمريكية والرئيسة السابقة لجامعة هارفارد من سؤالٍ جذري: ماذا يفعل الموت الجماعي بالمجتمع حين يبلغ من الاتساع ما يكفي لتفكيك البُنى الرمزية والأخلاقية التي كانت تُبرِّر العنف وتُطبِّعه؟ في هذا الإطار، لا تُقرأ الحرب الأهلية الأمريكية (1861–1865) بوصفها مجرّد صدام عسكري بين الاتحاد في الشمال والكونفدرالية في الجنوب، بل كأزمة حضارية كشفت جوهر النظام الاجتماعي والسياسي في الطرفين. فالجنوب لم يدافع عن العبودية بوصفها ممارسة اقتصادية معزولة، بل كنظام حياة متكامل: بنية إنتاج زراعي، وتراتبية اجتماعية، وثقافة "شرف" عنصرية، ورؤية للعالم تُحوِّل استعباد الإنسان إلى أساس للاستقرار والهوية. أما الشمال، فرغم معارضته السياسية للرق، لم يكن في بدايات الحرب منطلقًا من موقف أخلاقي جذري، بل من حرص على وحدة الدولة والسوق والنظام الدستوري، مع تردّد واسع في تفكيك العبودية بوصفها نظامًا اجتماعيًا كاملًا. بهذا المعنى، لم يكن الصراع في بدايته مواجهةً بين "خير مطلق" و"شر مطلق"، بل بين نموذجين للدولة، يتقاطعان في كثير من التناقضات ويختلفان في حدودها. This Republic of Suffering فوست، في كتابها كيف أدّى هذا الصراع—بكلفته البشرية الهائلة—إلى تحوّل الولايات المتحدة إلى ما تصفه بـ"جمهورية العذاب/المعاناة"، حيث لم يعد الموت حدثًا فرديًا أو طقسًا دينيًا خاصًا، بل ظاهرة سياسية جماعية فرضت نفسها على المجال العام. لقد أجبر تراكم الجثث، والمفقودين، والمقابر المؤقتة، والجنائز الجماعية، الدولة والمجتمع على إعادة تعريف العلاقة بين الجسد والسلطة، وبين الفقدان والاعتراف، وبين الذاكرة والمسؤولية. في هذا السياق، لم يعد بالإمكان الاستمرار في تزيين الحرب بخطابات الشرف أو الشرعية الشكلية؛ إذ كشف الموت الجماعي العنف البنيوي الذي قامت عليه العبودية، وفضح تواطؤ مؤسسات الدولة والمجتمع معه، وفرض—تدريجيًا—انتقالًا من سياسة التردّد إلى أخلاق الضرورة. ومن هنا، تكتسب قراءة هذا العمل أهمية خاصة في سياقات الحروب المعاصرة، ومنها السودان. فهي تفتح أفقًا نقديًا لفهم كيف يمكن للحروب، حين تُواجَه بوعي تاريخي وقانوني وأخلاقي، أن تتحوّل إلى لحظات لإعادة تأسيس الدولة والمواطنة، أو—حين يُتهرَّب من أسئلة الموت والكرامة والذاكرة—أن تُعيد إنتاج العنف في صيغ جديدة. فالدرس العميق الذي تقدّمه فوست هو أن المجتمعات لا تتجاوز حروبها بالقوة وحدها، بل بقدرتها على تحويل المعاناة إلى وعي، والموت إلى مسؤولية، والذاكرة إلى أساسٍ لعقد سياسي واجتماعي وقانوني جديد.
تُبيّن أطروحات كتاب "جمهورية العذاب/ المعاناة" أن الحرب الأهلية الأمريكية لم تكن مجرّد صراع عسكري انتهى بتسوية سياسية، بل كانت لحظة تاريخية أعادت صياغة معنى الدولة، والمواطنة، والإنسان نفسه. فقد حوّل الموت الجماعي مسألة الفقد من شأنٍ خاص إلى قضية عامة، وأجبر الدولة على ابتكار سياسات جديدة للتعامل مع الجثث، والتوثيق، والتسمية، والاعتراف بالقتلى بوصفهم مواطنين لا أرقامًا. كما كشف انهيار الطقوس الدينية والاجتماعية التقليدية عن عجز الثقافة القديمة عن استيعاب حجم الكارثة، ما استدعى نشوء أشكال جديدة للحداد والذاكرة العامة. وفي هذا السياق، أصبحت إدارة الجسد المقتول—من الدفن إلى الإحصاء والتوثيق—جزءًا من توسّع سلطة الدولة الحديثة، ومن إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع. الأهم من ذلك أن فوست تُظهر كيف تحوّل الاعتراف بالموتى، وتسجيل أسمائهم، وحماية قبورهم، إلى عنصر من عناصر عقد المواطنة ذاته، وكيف نشأت ثقافة تذكارية جديدة (المقابر الوطنية، النُّصُب، السرديات التاريخية) بوصفها استجابة أخلاقية وقانونية للفقد. وفي المقابل، فضح الكتاب الخطابات التي طبّعت العنف وجمّلته، وأوضح كيف استُخدمت مفاهيم مثل "الشرف" و"الدستور" لتبرير القتل وإخفاء كلفته الإنسانية. في ضوء هذه القراءة، تتكشف مفارقة سودانية عميقة: فبينما تطالب قطاعات من النخب السودانية الولايات المتحدة بالمساعدة في حلّ الأزمة الآنية المرتبطة بالحرب، تتجاهل في الوقت نفسه التاريخ الأمريكي الغني والمعقّد في التعامل مع الحرب الاهلية واثارها. فالمشكلة ليست في غياب الدعم الخارجي بقدر ما هي في غياب الإرادة المعرفية للتعلّم من تجربة تاريخية كشفت كيف تُدار المأساة بعد توقف السلاح، وكيف تتحول المعاناة إلى منظومة قانونية وأخلاقية واجتماعية تعيد بناء الدولة. إن الولايات المتحدة لا تمتلك فقط نفوذًا سياسيًا، بل تمتلك—قبل ذلك—خبرة تاريخية عميقة في تحويل الحرب من حدثٍ مدمر إلى مسار طويل لإعادة تعريف المواطنة، والذاكرة، والعدالة. غير أن كثيرًا من النخب السودانية تتعامل مع هذه التجربة بمنطق نفعي ضيّق: تطلب التدخل لمعالجة اللحظة الراهنة، لكنها لا ترغب في استيعاب الدروس البنيوية التي أفرزتها تلك الحرب، ولا في مواجهة الأسئلة المؤلمة التي طرحتها حول الجسد، والموت، والمسؤولية، والسلطة، والذاكرة. وبذلك، يصبح الخلل ليس في نقص "المساعدة"، بل في غياب مشروع تعلّم تاريخي جاد. فالتجربة الأمريكية تُعلّم أن الحروب لا تُغلق بوقف النار، بل بإعادة بناء منظومة الاعتراف بالضحايا، وتأسيس سياسات للذاكرة، وربط العدالة بالمواطنة، وتحويل الفقد إلى التزام قانوني وأخلاقي دائم. أما الاكتفاء بالمطالبة بحلول سريعة دون استيعاب هذه المسارات، فلا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في صور جديدة. وعليه، فإن حجة هذا المقال تقوم على أن السودان لا يحتاج فقط إلى دعم خارجي ظرفي، بل إلى استثمار معرفي عميق في تجارب تاريخية كبرى، وفي مقدّمتها الحرب الأهلية الأمريكية، بوصفها مختبرًا إنسانيًا وقانونيًا واجتماعيًا لإدارة الكارثة وما بعد الكارثة علي حد سواء. فالتعلّم من هذه التجربة—لا استهلاكها سياسيًا—هو الشرط الضروري لتحويل الحرب السودانية من مأساة مفتوحة إلى لحظة تأسيس وطني حقيقي.
ثانيًا: من حرب الحفاظ على الاتحاد إلى حرب تحرير العبيد — ومن صراع السلطة إلى سؤال التأسيس تُظهر تجربة الحرب الأهلية الأمريكية، كما تحللها درو غيلبين فوست، أن الحروب نادرًا ما تبقى أسيرة الأهداف التي تبدأ بها. فهي غالبًا تنطلق بدوافع محدودة ومعلنة، ثم تُعيد الوقائع الميدانية، وتراكم الضحايا، وانكشاف التناقضات البنيوية، تشكيل معناها ومسارها. لم تبدأ الحرب الأمريكية بوصفها ثورة أخلاقية ضد العبودية، بل كحربٍ محافظة هدفها المعلن إنقاذ الاتحاد من التفكك. وكان كثير من ساسة الشمال وجنوده—كما تُبيّن فوست—إما متواطئين أخلاقيًا مع نظام الرق، أو عاجزين عن مواجهة كلفة تفكيكه الجذري. لم يكن هذا التردّد مجرّد ضعف أخلاقي، بل تعبيرًا عن عقلية نخبويّة تخشى القطيعة، وتفضّل ترميم النظام القائم على إعادة تأسيسه من جذوره. غير أنّ منطق الحرب ذاته—لا خطب السياسيين ولا شعاراتهم—هو الذي كسر هذا التردّد. فالموت الكثيف، وانهيار البنى الاجتماعية القديمة، وهروب العبيد إلى خطوط الشمال، ثم التحاقهم الفعلي بساحات القتال، فرض كلّه سؤالًا لا مهرب منه: ما معنى اتحادٍ يُعاد بناؤه على أساس العبودية؟ هنا، كما توضّح فوست، يتحوّل الموت من "خسارة بشرية" إلى قوة كشف تاريخية، تُسقط الأقنعة الأخلاقية، وتُعرّي تواطؤ النخب، وتجبر الدولة—قسراً—على الارتقاء إلى مستوى المأساة التي صنعتها. بهذا المعنى، لم يكن إعلان تحرير العبيد عام 1863 "منحةً" أخلاقية من سلطة مستنيرة، بل نتيجة انكسار تاريخي فرضته الوقائع: جسدٌ أسود يحمل السلاح دفاعًا عن دولة لا تعترف به، ومعسكرات مكتظة بآلاف الهاربين من الرق، ومقابر جماعية تُسائل كل خطاب عن "الشرعية" لا يقوم على الكرامة الإنسانية. ومن هنا بدأ التحوّل من نزاعٍ دستوري إلى حرب تحرير، تُوّج لاحقًا بالتعديلات الدستورية الثلاثة التي ألغت العبودية، وأعادت تعريف المواطنة، ووسّعت الحق في التصويت. كانت هذه التعديلات ثمرة صراع دموي أعاد تأسيس الدولة على قاعدة جديدة—غير مكتملة، لكنها غير قابلة للارتداد إلى الوراء. تُضيء المؤرخة فوست هذه اللحظة بوصفها انتقالًا قاسيًا من سياسة التردّد إلى "أخلاق الضرورة": حين يفشل الإصلاح التدريجي، تفرض الكارثة مسارها. وهذا الدرس يتقاطع مع شهادات تاريخية كبرى. فبعد هيروشيما وناغازاكي، كتب غونتر أندرس عن "الفجوة البروميثية" بين قدرة الإنسان التقنية وخياله الأخلاقي، ليؤكد أن الكارثة تُجبر السياسة على إعادة تعريف ذاتها. وبعد الحرب العالمية الثانية، نبّهت حنّة آرنت إلى أن الشرّ لا يحتاج دائمًا إلى وحشية، بل إلى بيروقراطية تؤجّل القرار الشجاع حتى تتراكم الجثث. وفي الكونغو، كشفت كتابات إفريقية معاصرة كيف يحوّل تواطؤ النخب "إدارة الأزمة" إلى صناعة دائمة للموت باسم الواقعية والاستقرار. الخيط الناظم بين هذه التجارب واحد: الحروب تبدأ غالبًا بأهداف محدودة، لكنها إمّا أن تتحوّل إلى لحظات تأسيس، أو تنحدر إلى دوّامات تدمير مفتوحة، بحسب قدرة الفاعلين على تحويل المأساة إلى مشروع سياسي وأخلاقي جديد. والنخب، في الغالب، تميل إلى إدارة الخراب لا مواجهته، وتؤجّل الخيارات الجذرية حتى تفرضها الحرب بفظاظتها. في هذا السياق، تكتسب التجربة السودانية راهنيتها الخاصة. فقد اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بوصفها صراعًا على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع داخل بنية الدولة القديمة. لم تكن في بدايتها حربًا على طبيعة الدولة، ولا على نموذج الحكم، بل مواجهة بين مركزين للقوة داخل منظومة واحدة. غير أن تطوّر الصراع، واتساع رقعته، وانكشاف طبيعته التدميرية، وتعمّق المأساة الإنسانية، أعاد طرح السؤال التأسيسي نفسه: ما معنى دولة تُدار بهذا الشكل؟ وما جدوى "الشرعية" إذا قامت على أنقاض المجتمع؟ وفي هذا المسار، شهدت الحرب تحوّلًا نوعيًا حين التحق الدعم السريع—سياسيًا—بمشروع السودان الجديد، وانتقل من موقع الصراع داخل الدولة القديمة كمليشيا تابعة لها إلى موقع السعي لإعادة تعريفها، ضمن إطار تحالف "تأسيس" ومشروعه للعدالة التاريخية والمواطنة المتساوية. وبغضّ النظر عن تعقيدات هذا التحوّل وحدوده العملية، فإنه يعكس منطقًا تاريخيًا مألوفًا: القوى التي تنخرط في حربٍ ما قد تُجبَر، تحت ضغط الكارثة، على إعادة تموضعها داخل أفق تأسيسي أوسع وهنا يتجلّى درس فوست بوضوح: الشرعية لا تتكوّن من النوايا الأولى، بل من المسار الذي تفرضه المعاناة. فالدولة لا تتقدّم أخلاقيًا بالوعظ، بل حين تُجبر على الاعتراف بأن بقاءها مشروط بكرامة من يُقاتلون ويموتون باسمها. والانتقال من "حرب الاتحاد" إلى "حرب التحرير" في أمريكا، ومن "صراع السلطة" إلى "سؤال التأسيس" في السودان، ليس تطورًا خطيًا في الوعي، بل قفزة مفروضة بفعل المأساة. بهذا المعنى، فإن ما تقوله فوست—ضمنيًا—يصلح مفتاحًا لفهم اللحظة السودانية الراهنة:
حين يصبح الموت عامًا، لا يعود السؤال السياسي المركزي: كيف ننتصر؟ بل: على أي أساسٍ نواصل الوجود؟ وعلى أي صورة من الدولة نريد أن ننجو؟
ثالثًا: مفارقة الجنوب الأمريكي – من ملاك الرقيق إلى القبول القسري بالمواطنة من أكثر الدروس تعقيدًا في التجربة الأمريكية أن التحوّل الدستوري لم يكن نتاج يقظة أخلاقية جماعية، بل نتيجة هزيمة تاريخية أعادت ترتيب ميزان القوة والمعنى. فعدد غير قليل من نخب الجنوب—بمن فيهم من كانوا جزءًا أصيلًا من منظومة العبودية—اضطروا، تحت ضغط الهزيمة وإكراهات إعادة بناء الدولة، إلى القبول بالتعديلات الدستورية الجديدة، لا بوصفها انتصارًا أخلاقيًا، بل شرطًا سياسيًا للبقاء وإعادة الإدماج. هنا تتبدّى مفارقة تاريخية حاسمة:
العدالة لا تتحقق دائمًا لأن الفاعلين أصبحوا أكثر أخلاقية، بل لأن التاريخ غيّر شروط اللعب.
فالقبول بالتعديلات (إلغاء العبودية، المواطنة المتساوية، حق التصويت) كان قبولًا مشروطًا، مترددًا، ومتناقضًا، ولم يمنع لاحقًا موجات الارتداد العنصري وقوانين الفصل. ومع ذلك، فقد أسّس—رغم كل نواقصه—لإطار دستوري للمواطنة، استندت إليه لاحقًا حركة الحقوق المدنية في القرن العشرين لتفكيك بنى التمييز من داخل النظام ذاته. في المقابل، تكشف التجربة السودانية عن نقيضٍ صارخ: نخبٌ تُصرّ على التمركز في مواقعها القديمة، غير آبهة بأن شروط التاريخ قد تبدّلت، وبأن المجتمع تغيّر، وبأن قوانين التحوّل—كما في الطبيعة—لا ترحم من يراهن على السكون. بدل القبول القسري بحدٍّ أدنى من إعادة التأسيس، تفضّل هذه النخب الاحتيال السياسي، والتمترس الخطابي، ومقاومة بديهيات المستقبل: العلمانية بوصفها إطارًا جامعًا منصفا، المواطنة المتساوية، اللامركزية، العدالة التاريخية، إعادة توزيع السلطة والثروة، وتفكيك وهم "الجيش القومي" بصيغته الراهنة. هكذا تبقى "مكانك سرّ"، تُدير الزمن بدل أن تواجهه...للاسف!
رابعًا: نخب السودان اليوم – حربٌ تفتح أفق التأسيس للهامش وتغلقه النخب على نفسها إذا انتقلنا إلى الحالة السودانية، تتكشّف مفارقة تتجاوز مجرّد الإخفاق السياسي: حربٌ شاملة فتحت، بحكم قسوتها وكشفها الجذري، أفقًا تأسيسيًا جديدًا لقوى الهامش، فيما ظلّت النخب السودانية أسيرة بنيةٍ ذهنية مغلقة تفتقر إلى أي أفق لإعادة التأسيس. فقد دفعت الحرب المجتمعات المهمّشة إلى إعادة طرح سؤال الدولة من جذوره: معنى المواطنة، وحدود الشرعية، وطبيعة الجيش، وموقع العدالة، وإمكان بناء عقد اجتماعي جديد. في المقابل، واصل خطاب النخب المهيمنة إدارة الصراع من داخل المنظومة ذاتها، دون استعداد حقيقي للقطيعة مع الدولة التي أنتجت الحرب! لم يتحوّل الصراع الجاري، ولا يُراد له أن يتحوّل، إلى لحظة مساءلة جذرية لبنية الدولة السودانية، بل جرى اختزاله عمدًا في نزاعٍ على "الشرعية"، أو في محاولات لترميم "الدولة القديمة" بإصلاحات شكلية، أو في إحياء متعمَّد لأسطورة "الجيش القومي" بوصفها غطاءً أخلاقيًا يخفي جوهر الأزمة. وبهذا، لا تُطمس جذور الحرب فحسب، بل تُزوَّر أسبابها، ويُعاد تصوير الانهيار البنيوي—الذي راكمته عقود من العنف المُؤسَّس والتهميش—كأنه خلل إداري عابر يمكن تجاوزه من دون المساس بأسس السلطة والامتياز. الفارق الحاسم هنا أن الحرب، في الهامش، تحوّلت إلى فضاء تاريخي لتبلور وعيٍ تأسيسي جديد، بينما ظلّت النخب في المركز تُقاوم هذا التحوّل وتعمل على تعطيله. فبدل النظر إلى الحرب بوصفها فرصة لإعادة تعريف الدولة، جرى التعامل معها كطارئٍ يجب احتواؤه تمهيدًا للعودة إلى ما قبلها. لذلك، لا تكمن أزمة النخب في نقص الحلول، بل في غياب الأفق ذاته: أفق القطيعة، وأفق التأسيس، وأفق الاعتراف بأن الدولة القديمة، لا خصومها الظاهرون، هي أصل المأزق. الأخطر من ذلك أن قطاعات واسعة من النخب لا تكتفي بالتمسّك ببنية الدولة القديمة، بل تنخرط بوعي في حمايتها، عبر الالتفاف على الأسئلة التأسيسية، والاحتيال بالمصطلحات، وتدوير أوهام "الإصلاح"، ومحاولة تسويق سرديات مُخفَّفة للمجتمع الدولي تُنكر أن ما ينهار ليس نظامًا سياسيًا بعينه، بل نموذج دولة كامل. تُقدَّم الحرب بوصفها انحرافًا استثنائيًا عن المسار الطبيعي، لا نتيجة حتمية لتاريخ طويل من العنف المُأسس، ويُصوَّر الخراب كأنه سوء إدارة، لا تعبير عن بنية حكم قائمة على الإقصاء والعنصرية وتفويض القوة.. في السودان—كما في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر—العنف ليس طارئًا على الدولة، بل مكوّنٌ تأسيسي في تشكّلها التاريخي. غير أنّ النخب السودانية ترفض الاعتراف بهذه الحقيقة، لأنها تُفكّك الأسس التي قامت عليها امتيازاتها. فالدولة السودانية بُنيت على: - تاريخٍ طويل من العبودية والاسترقاق المُقنّع، - تراتبيات عرقية وثقافية جرى تثبيتها بالقانون والعرف، - تهميشٍ جغرافي ممنهج حوّل الأطراف إلى ساحات استنزاف دائم، - واحتكارٍ مركزي للسلطة والثروة أفرغ مفهوم المواطنة من مضمونه لكن، وعلى عكس ما فرضته الحرب الأهلية الأمريكية—حين أُجبرت النخب، رغم تردّدها، على القبول بلحظة تأسيس دستوري أعادت تعريف الدولة—تسعى النخب السودانية اليوم إلى الهروب من لحظة التأسيس. تريد حربًا بلا ذاكرة، ونهاية بلا قطيعة، وسلامًا يُعيد تشغيل المنظومة نفسها التي أنجبت العنف. تُصرّ على العودة إلى ما قبل الحرب، وكأن الدولة القديمة بريئة من الدم، وكأن العنف حادثٌ عارض لا بنية حكم وثقافة! بهذا المعنى، لا تُدار الحرب في السودان كسؤال عن إعادة بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والمواطنة، بل كفاصلٍ دموي يُراد له أن ينتهي بإعادة إنتاج النظام ذاته—مع بعض الرتوش الخطابية لإرضاء الخارج. وهو رهانٌ ثبت تاريخيًا، وأخلاقيًا، أنه محكوم بالفشل: لأن الدول التي ترفض مواجهة جذور عنفها لا تخرج من الحرب، بل تُدوِّرها، وتؤجّل انفجارها التالي، وتدفع مجتمعاتها إلى تكرار المأساة بأشكال أشدّ قسوة. إن إدانة هذه النخب ليست موقفًا أخلاقيًا عابرًا، بل ضرورة معرفية وسياسية. فكل محاولة لتزوير جذور المسألة السودانية، أو لتجميل الدولة القديمة أمام الشعب السوداني او امام المجتمع الدولي، هي مشاركة مباشرة في إنتاج الحرب القادمة. والفرق بين الخروج من الحرب والبقاء داخلها، لا يُقاس بوقف إطلاق النار، بل بالقدرة—أو العجز—عن كسر البنية التي جعلت الحرب ممكنة، ومقبولة، ومتكرّرة. نواصل في الجزء الثاني، ونعالج: قوات الدعم السريع — بين الجريمة والبنية التاريخية.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|