الكرسي الذي يأكل جلوسه كتبه ادم ابكر عيسي

الكرسي الذي يأكل جلوسه كتبه ادم ابكر عيسي


02-10-2026, 11:15 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1770718556&rn=0


Post: #1
Title: الكرسي الذي يأكل جلوسه كتبه ادم ابكر عيسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 02-10-2026, 11:15 AM

10:15 AM February, 10 2026

سودانيز اون لاين
ادم ابكر عيسي-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



أصداء الوعي .
ادم ابكر عيسي

_____________



ليست الأزمة في المنصب ذاته، بل في الوهم الذي ينسج حوله؛ وهمُ امتلاك الحق في القهر، واعتقادُ المرء أنه ارتقى فوق المبادئ حينما ارتقى فوق كرسي. هنا تتحول السلطة من أمانة إلى وبال، ومن خدمة إلى سطوة، تترك وراءها جروحاً في كرامة البشر وشقوقاً في نسيج الوطن.

إنَّ من يسكن برجَ السلطة، ويظن أن أقدامه لم تعد تلامس الأرض التي يقف عليها البشر، قد نسيَ جوهرَ إنسانيته قبل أن ينسى نص القانون. هو يرى نفسه شمساً تدور حولها العوالم، وتصبح أوامره نواميسَ، حتى لو مزقت ثوبَ العدالة. وترى حوله أقماراً باهتة تدور في فلكه، تُضيء له طريق الظلم بصفيرها، بدل أن توقظ في داخله صوت الضمير النائم.

تلك هي المأساة: أن تتحول الوظيفة العالية إلى غابة، حيث يسود قانون الأقوى، ويُصبح القهرُ لغة، والاستعلاءُ منهجاً. إنه فسادٌ لا يقتصر على المال، بل هو فسادٌ في الروح، انهيارٌ في القيم، يُذكّرنا بأن الطغيان يبدأ برفرفة فراشة من الاستثناءات، قبل أن يتحول إلى إعصار يدمر كل ما في طريقه.

وما حدث – إن صحّ – في معاملات وزارة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم (مصلحة الأراضي)، ليس مجرد شأن إداري، بل هو جرح في ضمير الأمة. إنه اختبارٌ صريح لمبدأ نردده جميعاً: "القانون فوق الجميع". وهنا، على عاتق من يملكون شرعية التمثيل والقيادة، تقع مسؤولية تاريخية: ليس فقط في محاسبة من تجاوز، بل في تقديم نموذجٍ يُعيد الاعتبار للحق. أن تعتذر القيادة لمن أُهين، ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة وقمة الالتزام. هو إعلان أن الكرسي لا يمنح حصانة، بل يضاعف المسؤولية.

السودان، بعد أن كتب أبناؤه ملحمة الكرامة بدمائهم، لا يمكن أن يُبنى على أسس من الوهم والاستعلاء. الدولة الحديثة التي نتوق إليها تُبنى على مسطرة القانون، وتنمو في تربة المساواة. لا مجال فيها لمن يظن أن منصبه سفينة نجاة تطفو فوق العاصفة، بينما يغرق الآخرون. إنها دولةٌ حيث الكرسي موطنٌ للمسؤولية، لا للامتياز، وحيث السلطانُ للقانون، لا للأهواء.

فليكن رحيل من استخدموا المنصب سكيناً بدل أن يكون يداًَ مُساعدة، هو الخطوة الأولى في تطهير هذا البناء العتيد. ليس انتقاماً، بل استعادةٌ للتوازن، وتصحيحٌ للمسار، ووفاءٌ لوعد الكرامة. فالكرسي الذي لا يحمل إنساناً شريفاً، سرعان ما يتحول إلى قفص يحبس صاحبه، ثم إلى مقبرة تُدفن فيها هيبة الدولة ومستقبلها.

https://www.facebook.com/share/p/1AxLroEarG/