لماذا يخاف عبدالله علي ابراهيم من ذهاب الكيزان* ؟ كتبه الطيب الزين

لماذا يخاف عبدالله علي ابراهيم من ذهاب الكيزان* ؟ كتبه الطيب الزين


02-10-2026, 11:14 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1770718450&rn=0


Post: #1
Title: لماذا يخاف عبدالله علي ابراهيم من ذهاب الكيزان* ؟ كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 02-10-2026, 11:14 AM

10:14 AM February, 10 2026

سودانيز اون لاين
الطيب الزين-السويد
مكتبتى
رابط مختصر



*



لفت نظري ما خطه الاستاذ حاتم الياس فقد كتب نصا عبر عن وعي نقدي نادر تحتاجه الساحة الثقافية والسياسية لانه فتح الباب لقراءة الانسان من خلال مواقفه وبيئته والمثقف من خلال بنيته والموقف السياسي من خلال جذوره العميقة. عبدالله علي ابراهيم لا يمكن فهمه خارج البيئة التي انتجته فالانسان ابن بيئته والبيئة هي التي تشكل وعيه وحدود رؤيته وهي التي تمنحه ادوات الفهم او تحبسه داخل قوالبها. البيئة التي خرج منها عبدالله هي بيئة المركز السوداني الطفيلي النرجسي مركز لا يرى الا نفسه ولا يعترف الا بمصلحته مركز تشكل تاريخيا من الطائفية المتاثرة بثقافة الاقطاع ومن الامتيازات الرمزية التي ورثتها النخب ومن التعليم التقليدي الذي لم ينتج معرفة علمية بل اعاد انتاج الوعي القديم ومن غياب المشروع الوطني الذي يربط بين الدولة والمجتمع ومن تدخلات خارجية رأت في السودان هامشا يجب ضبطه لا دولة يجب بناؤها. هذه البيئة تنتج مثقفا يزين نفسه بالشهادات ويستند الى ذاكرة نضالية جاهزة لكنها لا تنتج بالضرورة مثقفا عضويا قادرا على نقد ثقافته ومجتمعه وتاريخه. المثقف العضوي وحده قادر على الخروج من الوحل الذي صنعته الطائفية والقبلية والامتيازات وقادر على قراءة الواقع وتحليل الثقافة وتفكيك المجتمع وصياغة رؤى جديدة لكن عبدالله رغم قدرته النظرية لم يتحول الى هذا المثقف العضوي بل بقي اسير ذاكرة طبقته واسير سردية المركز التي ترى نفسها حارسة للدولة. الكيزان بدورهم ليسوا نقيض عبدالله بل ابناء نفس البيئة التي انتجته فهم خرجوا من الطائفية نفسها ومن التعليم التقليدي نفسه ومن غياب الوعي العلمي نفسه ومن الريف المقهور والمركز المتضخم ومن البحث عن سلطة لا عن مشروع. الاختلاف بين عبدالله والكيزان اختلاف موقع داخل نفس البنية لا اختلاف مشروع ولذلك يجمعهما الواقع نفسه بتشوهاته الثقافية والسياسية. هذه البنية لم تتشكل صدفة بل صنعتها عناصر تاريخية وسياسية متراكمة منها الطائفية المتاثرة بثقافة الاقطاع التي حكمت الوعي والاقتصاد والسياسة وغياب الوعي العلمي الذي جعل الخطاب العاطفي والديني والقبلي يطغى على العقل والاطماع الخارجية خصوصا مصر التي تعتمد على نهر النيل فعملت على ابقاء السودان ضعيفا ومفتتا وصراع القطبين الراسمالي والاشتراكي الذي وظف المؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث والسودان نموذج واضح ثم ظهور النفط في الخليج وتوظيف بعض دوله عائداته لادامة التخلف في محيطها باستثناء الامارات التي بنت نموذجا مستقرا والكويت التي مارست قدرا من الديمقراطية. هذه العناصر صنعت دولة هشة ونخبة خائفة ومجتمعا بلا مشروع ووعيا سياسيا بلا جذور. لذلك حينما قفز الطاغية عمر البشير الى السلطة عبر انقلاب الجبهة القومية الاسلامية وظف ابناء زعماء طائفتي الانصار والختمية اعتقادا منه انه بذلك يسيطر على القطيع لان الوعي التقليدي المتخلف يرى المجتمع كتجمعات يمكن شراؤها او اخضاعها لا ككيان سياسي له ارادة ومصلحة. هذا الواقع هو الذي ادى الى موت جون قرنق بحسرته وانفصال الجنوب واستمرار الازمة وتفاقمها لان مشروع قرنق كان محاولة لاعادة تأسيس السودان على اسس جديدة لكن الوعي التقليدي المتخلف والمركز الطفيلي النرجسي والطائفية والامتيازات وقفت كلها ضد هذا المشروع. والتوحش والبربرية والهمجية التي مارسها الكيزان كانت امتدادا طبيعيا لهذه الثقافة فقد استخدموا الدين لقتل العقل والجيش للوصول الى السلطة والمال لشراء الانتهازيين والسلاح لقهر الثوار والسجون والمعتقلات لكسر ارادة المناضلين. في هذا السياق يصبح خوف عبدالله علي ابراهيم من ذهاب الكيزان خوفا وجوديا لا سياسيا لان ذهاب الكيزان ليس سقوط جماعة سياسية بل سقوط زمن كامل سقوط المسرح الذي وقف عليه اليسار والاسلاميون والطائفية والعسكر سقوط الذاكرة التي عاش عليها عبدالله وطبقته سقوط الامتياز الرمزي الذي منحته لهم الدولة القديمة سقوط البيئة التي انتجته واعطته معنى ودورا. ذهاب الكيزان يعني ذهاب الاخر الضروري الذي يعرف به عبدالله نفسه ويعني ان التاريخ الذي بناه اليسار عن المطاردة والسجون يفقد قيمته ويعني ان الدولة القديمة المختطفة تنهار وان قوى جديدة من الهامش الاجتماعي والجغرافي تدخل المسرح ويعني جريان الدماء في شرايين الاغلبية المهمشة في احزمة الفقر ويعني انتهاء احتكار المركز لادارة التغيير الذي لم يتحقق رغم مرور سبعة عقود على استقلال السودان. الازمة السودانية ليست ازمة كيزان او يسار او عسكر بل ازمة بنية تشكلت من الطائفية والجهل العلمي والتدخل الخارجي وصراع القطبين وتوظيف الجيش والمال الخليجي وغياب المشروع الوطني وهذه البنية انتجت عبدالله والكيزان والعسكر والاحزاب الطائفية والدولة الهشة والحروب والانقلابات والدماء. هذه البنية الخربة لا يمكن اصلاحها ولا يمكن تفكيكها الا عبر مثقف عضوي جديد قادر على نقد الثقافة والمجتمع وصياغة مشروع وطني جديد يستند الى العقل والعلم مشروع لا يقوم على الطائفية ولا على المركز ولا على ذاكرة الماضي. السودان يحتاج الى قطيعة معرفية لا الى تسوية سياسية يحتاج الى مشروع وطني لا الى اعادة تدوير النخب القديمة يحتاج الى دولة تعزز ثقافة السلام والامن والاستقرار لا دولة تنشر ثقافة العنف والحروب والفوضى يحتاج الى وعي علمي حقيقي لا الى اوهام وجهل وتضليل يحتاج الى تحرير العقل قبل تحرير السلطة.

الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.