فشل دولي في مواجهة جرائم مليشيا الدعم السريع كتبه د. ياسر محجوب الحسين

فشل دولي في مواجهة جرائم مليشيا الدعم السريع كتبه د. ياسر محجوب الحسين


02-09-2026, 11:12 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1770631944&rn=0


Post: #1
Title: فشل دولي في مواجهة جرائم مليشيا الدعم السريع كتبه د. ياسر محجوب الحسين
Author: د. ياسر محجوب الحسين
Date: 02-09-2026, 11:12 AM

10:12 AM February, 09 2026

سودانيز اون لاين
د. ياسر محجوب الحسين-UK
مكتبتى
رابط مختصر



أمواج ناعمة





منذ اندلاع الحرب الحالية في السودان إثر تمرد قوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023 التي تحولت إلى مليشيا متمردة، تفاقمت الأزمة الإنسانية لتصبح واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي – ولا سيما الأمم المتحدة والقوى الكبرى – أعلن مرارا عن قلقه من العنف وجرائم الحرب والانتهاكات، إلا أن ردود الفعل العملية كانت محدودة أو غير كافية لوقف جرائم مليشيا الدعم السريع أو لحماية المدنيين المعرضين للخطر. بحلول فبراير الحالي، وصل الصراع يومه الألف، مع تقديرات تصل لأكثر من 150 ألف قتيل، وفقا لتقارير منظمات إنسانية مثل منظمة الصحة العالمية، بينهم آلاف الأطفال في هجمات مباشرة على المدنيين. ووفقا لتقارير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ومنظمات أخرى؛ إذ هناك ما يزيد على 12 مليون شخص نزحوا داخليا وخارجيا (نحو 9.3 مليون داخليا وأكثر من 4 ملايين لاجئ في دول مجاورة)، مما يجعل النزوح في السودان الأكبر في العالم اليوم. إلى ذلك تضرب المجاعة مناطق دارفور وبعض مناطق كردفان، حيث يعاني أكثر من 21.2 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، و4.2 مليون طفل وامرأة من سوء التغذية الشديد. وتشير تقارير الأمم المتحدة أيضا إلى آلاف المدنيين الذين يغتالون خارج إطار القتال، بما في ذلك الإعدامات الميدانية والتطهير العرقي. هذه الأرقام لا تزال مرشحة للارتفاع، حيث إن القتال يمتد إلى مناطق حضرية مزدحمة بالسكان ويعيق وصول الإغاثة.
لقد وثق مدافعون حقوقيون والأمم المتحدة سلسلة من الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم حرب وتشكل بلا شك جرائم ضد الإنسانية: الهجمات العشوائية على المدنيين في الأسواق والأحياء السكنية والمناطق المحاصرة، مثل هجوم مطلع فبراير 2025 على سوق في أمدرمان الذي أسفر عن نحو 56 قتيلا و158 جريحا على الأقل، وهجوم "درون" في فبراير الحالي قتل على إثره 24 شخصا، بما في ذلك 8 أطفال. بالإضافة إلى مجازر منظمة بحق المجتمع العرقي في غرب دارفور، ومنها مجزرة أرداماتا في نوفمبر 2023 التي أدت إلى مقتل 800-2000 شخص، غالبهم من جماعة المساليت وغيرهم من السكان غير العرب. كما تم توثيق العنف الجنسي واسع الانتشار؛ حيث وثقت منظمة العفو الدولية في تقرير أبريل 2025 حالات اغتصاب جماعي، واستعباد جنسي، واستخدام العنف الجنسي أداة لإذلال السكان وفرض السيطرة، مما يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. يضاف إلى ذلك تدمير المخيمات والبنى التحتية المدنية: كالقصف المستمر لمخيمات النازحين مثل "زمزم" و"أبو شوك"، الذي أدى إلى سقوط مئات الضحايا وتدمير مساكن ومرافق صحية ومدارس. كل هذه الأفعال تعد انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، ومع ذلك بقيت معظمها دون مساءلة.
منذ بداية العام الحالي، تصدرت وسائل الإعلام تقارير عن هجوم مليشيا الدعم السريع على قوافل مساعدات إنسانية، بما في ذلك قوافل تابعة لهيئات الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي فليس هناك أدلة صارخة من هذه؛ ففي هجوم حديث بطائرة مسيرة (درون) على قافلة إغاثة في ولاية شمال كردفان، قتل 24 شخصا بمن فيهم ثمانية أطفال أثناء محاولتهم الفرار من العنف، كما دمرت شحنات من الغذاء والدواء. قبل ذلك بيوم، تعرضت قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي لهجوم مما أسفر عن قتيل وإصابات إضافية وتدمير الغذاء، في مؤشر واضح على أن الجهود الإنسانية ليست بمأمن من الهجمات. كما وثقت "هيومن رايتس ووتش" هجمات مشابهة في 2025 على قوافل في دارفور، مما أدى إلى مقتل عمال إغاثة. هذا التصعيد يبرز انعدام الاحترام التام للقانون الدولي الإنساني من جانب مليشيا الدعم السريع، ويكشف عن عجز المجتمع الدولي في حماية البنى الأساسية للحياة البشرية. يضاف إلى ذلك دعم دول إقليمية للمليشيا، مما يعيق الجهود الدولية.
بيد أنه لا يمكن إنكار أن هناك تحولا في خطاب المجتمع الدولي تجاه الأزمة في السودان؛ فقد أدان مجلس حقوق الإنسان (UNHRC) إطلاق العنان للبحوث والتحقيقات، وطالبت بعثة الأمم المتحدة بتطبيق حظر أسلحة ومساءلة الجناة. منذ العام الماضي، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على قيادات المليشيا مثل عبد الرحيم دقلو، الأخ غير الشقيق لقائد التمرد "حميدتي" ونائبه، ومدد مجلس الأمن عقوباته حتى أكتوبر 2026. لكن الفرق بين التصريحات والتحرك الفعلي واضح: لا توجد عقوبات حقيقية أو إجراءات رادعة تمنع مليشيا الدعم السريع من ارتكاب المزيد من الفظائع، ولا توجد قوة حماية فعالة على الأرض. وهذا بلا شك يعكس ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، خصوصا مقارنة بالتغطية والاستجابة لمناطق أخرى.
إن إخفاق المجتمع الدولي في تنفيذ إجراءات رادعة أدى إلى: مأسسة النزوح والفقر والمعاناة لملايين السودانيين، وتوسع الفجوة الإنسانية في مناطق المدن الكبرى والريف، وتفاقم تعقيدات إدارة الدولة السودانية وتهديد استقرار كامل الإقليم؛ إذ يؤثر النزوح على دول مجاورة، مما يزيد من التوترات الإقليمية.
أمام هذه المعطيات، لا تكفي الإدانة اللفظية؛ بل هناك حاجة إلى إجراءات دولية ملموسة تشمل: فرض حظر أسلحة فوري على جميع الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات، مع تعزيز عقوبات الأمم المتحدة القائمة. والقيام بتحقيقات مستقلة وتقديم المسؤولين عن الفظائع إلى العدالة الناجزة، بما في ذلك جرائم العنف الجنسي كجرائم ضد الإنسانية. ودعم السلطات السودانية الشرعية لتوفير حماية فعالة للمدنيين وقوافل الإغاثة. في غياب هذه الإجراءات، سيبقى المجتمع الدولي شاهدا سلبيا على واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية دموية في العصر الحديث، حيث تظل معاناة المدنيين السودانيين هي الخاسر الأكبر.