Post: #1
Title: عبد الفتاح البرهان وتدمير الدولة: كيف قادت القيادة العسكرية السودان إلى الهاوية؟ 2 كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 02-07-2026, 06:22 AM
05:22 AM February, 07 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
عبد الفتاح البرهان وتدمير الدولة: كيف قادت القيادة العسكرية السودان إلى الهاوية؟ 2-3
6/2/2026 خالد كودي، بوسطن
رابعًا: التحليل النفسي للزعامة الهشّة — النرجسية الدفاعية والهروب من المسؤولية تكشف مقاربات علم النفس السياسي والتحليل النفسي أن أنماط القيادة السلطوية في السياقات الهشّة لا تنشأ بالضرورة من فائض ثقة، بل كثيرًا ما تكون نتاجًا لبنية داخلية فقيرة وقلقة، تعاني من هشاشة التقدير الذاتي وضعف الإحساس بالشرعية. وفي هذا الإطار، تُفهم شخصية القائد السلطوي "مثل البرهان" لا بوصفها تعبيرًا عن قوة مستقرة، بل بوصفها آلية تعويض نفسي عن شعور دفين بالتهديد وعدم الأمان. ١/ النرجسية التعويضية: السلطة بوصفها علاجًا للقلق الداخلي يربط سيغموند فرويد بين النرجسية والدفاعات النفسية التي تلجأ إليها الذات حين تعجز عن بناء تقدير مستقر لذاتها عبر الإنجاز الواقعي والاعتراف الاجتماعي الموضوعي. فالنرجسية، في هذا السياق، لا تعبّر عن حبٍّ مفرط للذات، بل عن خوف عميق من فقدان القيمة! في المجال السياسي، تتخذ هذه النرجسية طابعًا "تعويضيًا"، يظهر خصوصًا لدى القادة الذين لم يؤسسوا شرعيتهم عبر مؤسسات فعّالة أو نجاحات استراتيجية قابلة للقياس. وحين تغيب هذه الأسس، تتحول السلطة إلى وسيلة لترميم الذات، لا إلى أداة لخدمة المجال العام. وتتجلى هذه النرجسية التعويضية عادةً في مجموعة من السلوكيات المتكررة، منها: - الإفراط في استعراض القوة العسكرية والرمزية. - تضخيم صورة القائد في الخطاب الرسمي والإعلامي. - استخدام لغة التحدي والمواجهة بوصفها بديلًا عن التخطيط الواقعي. - رفض التسويات بوصفها "إهانة" شخصية لا خيارًا عقلانيًا. في هذا النمط، لا تُفهم الهزائم باعتبارها مؤشرات على خلل في الاستراتيجية أو الإدارة، بل تُترجَم نفسيًا كاعتداء على صورة الذات. ومن ثمّ، يتحول النقد إلى تهديد وجودي، والمراجعة إلى خطر على الهوية القيادية نفسها، ما يدفع القائد إلى مزيد من التصلّب بدل التصحيح. ٢/ الهروب من الحرية: التسلّط بوصفه آلية دفاع يقدّم إريك فروم في تحليله الكلاسيكي للسلطة تفسيرًا مكمّلًا لهذا النمط، حين يربط الاستبداد بما يسميه "الهروب من الحرية". فالفرد الحرّ، في المجتمعات الحديثة، مطالب بتحمّل مسؤولية القرار، والاعتراف بالخطأ، وتحمّل نتائج الفشل. وهذه المتطلبات، نفسيًا، ثقيلة على الشخصيات غير المستقرة داخليًا. لهذا، يلجأ بعض القادة إلى التسلّط بوصفه ملاذًا نفسيًا:
فالسلطة المطلقة تعفيهم من المساءلة، وتمنحهم وهم السيطرة، وتخفّف من قلق الاختيار. في هذا السياق، لا يكون الاستبداد تعبيرًا عن إرادة قوية، بل عن خوف عميق من: - الاعتراف بالحدود الذاتية - مواجهة الواقع المعقّد - تحمّل مسؤولية القرارات الخاطئة - الانخراط في تسويات تتطلب تنازلًا رمزيًا وبدل أن تُفهم الحرية السياسية بوصفها قدرة على إدارة الاختلاف والتعقيد، تُعاد صياغتها بوصفها تهديدًا للنظام النفسي للقائد، فيُستبدل بها منطق السيطرة والإخضاع. ٣/ من الهشاشة النفسية إلى أزمة الحكم عند الجمع بين النرجسية التعويضية والهروب من الحرية، تتكوّن بنية قيادية مأزومة، قوامها: - ذات غير مطمئنة إلى شرعيتها. - حساسية مفرطة تجاه النقد. - ميل دائم إلى التصعيد بدل المراجعة. - خلط بين الكرامة الشخصية والمصلحة العامة. وتُفضي هذه البنية إلى نمط حكم يتغذّى على الأزمات، لأن الأزمات توفّر للقائد فرصة إعادة إنتاج صورته بوصفه "حاميًا" و"منقذًا"، حتى وإن كانت هذه الأزمات نتيجة مباشرة لخياراته. من هذا المنظور، لا يمكن فهم السلوك السياسي للقيادات العسكرية المأزومة بوصفه مجرد أخطاء تكتيكية، بل بوصفه تعبيرًا عن ديناميات نفسية عميقة، تجعل من الفشل حافزًا لمزيد من العناد، ومن الهزيمة سببًا لتكثيف الخطاب التعبوي، ومن العزلة السياسية دافعًا لمزيد من الانغلاق. وهكذا، تتحول الزعامة الهشّة إلى حلقة مفرغة: ضعف الشرعية يولّد نرجسية، والنرجسية تولّد تصلّبًا، والتصلّب يولّد إخفاقًا، والإخفاق يعمّق الهشاشة. وفي غياب وعي نقدي داخلي أو مؤسسات رادعة، تستمر هذه الحلقة بوصفها نمطًا مستقرًا للحكم، لا عارضًا مؤقتًا.
خامسًا: استحالة "النصر الكاسح" في حروب السودان — بنية الدولة، ديناميات التمرّد، وحدود الحسم العسكري منذ اندلاع الحرب الحالية، راهن عبد الفتاح البرهان على تحقيق ما سمّاه "نصرًا حاسمًا" يمنحه شرعية المنتصر، ويعيد ترميم هيبة القيادة العسكرية، ويوفّر له إشباعًا نفسيًا وسياسيًا بوصفه "قائد المعركة". غير أنّ هذا الرهان لم يكن، في جوهره، مبنيًا على قراءة علمية لطبيعة الصراع السوداني، ولا على فهم عميق لبنية الدولة والمجتمع، بل على تصور تبسيطي يفترض أن الحرب يمكن حسمها بمنطق القوة المجردة. في الواقع، تُظهر دراسات النزاعات الأهلية والحروب الداخلية أن الصراعات في الدول الهشّة، ذات البنية المنقسمة تاريخيًا، نادرًا ما تُحسم عسكريًا بصورة نهائية. ويرجع ذلك إلى جملة من العوامل البنيوية التي تجعل "النصر الكاسح" وهمًا سياسيًا أكثر منه هدفًا قابلًا للتحقق. ١/ خلل بنية الدولة كمحرّك دائم للتمرّد تعود جذور استحالة الحسم في السودان إلى طبيعة الدولة نفسها، بوصفها دولة تشكّلت تاريخيًا على: - مركزية مفرطة في السلطة والثروة - تهميش واسع للأقاليم - غياب العدالة في توزيع الموارد - ضعف مؤسسات الوساطة والتمثيل - احتكار النخب المركزية للقرار في مثل هذه البنية، لا يُنظر إلى الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، بل بوصفها جهاز سيطرة يعمل لصالح فئات محدودة. ونتيجة لذلك، تتحول قطاعات واسعة من المجتمع—في الهامش والريف والأطراف—إلى بيئات قابلة للتمرّد، ترى في السلاح وسيلة دفاع وبقاء، لا خيارًا إيديولوجيًا مجردًا. وبهذا المعنى، فإن الحرب في السودان ليست صراعًا بين جيش و"متمرّدين"، بل تعبيرًا عن أزمة دولة غير محلولة، تتجدّد بأشكال مختلفة كلما فشلت النخب في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي. ٢/ الطبيعة الشبكية للصراع المسلح تتميّز الحروب السودانية الحديثة بطابع "شبكي" معقّد، لا يقوم على جبهتين واضحتين، بل على: - تعدد الفاعلين المسلحين - جماعات ثورية واعية - تغيّر الولاءات - تداخل العسكري بالقبلي والاقتصادي - اقتصاد حرب قائم على النهب والتهريب والجبايات - تحالفات ظرفية متحركة في هذا السياق، لا تواجه القيادة العسكرية خصمًا مركزيًا يمكن كسره بضربة واحدة، بل شبكة مصالح وقوى محلية تتكيّف باستمرار مع موازين القوة. وكلما ضعفت جهة، أعادت إنتاج نفسها عبر تحالفات جديدة أو تموضع جغرافي مختلف وهذا النمط من الصراعات يجعل من "الحسم النهائي" هدفًا شبه مستحيل، لأن الحرب لا تُدار من مركز واحد، ولا تنتهي بسقوط عاصمة أو قاعدة ولان جزور المشكلات التي أدت للحرب لاتزال قائمة! ٣/ تفكك الجبهة العسكرية نفسها من العوامل الحاسمة في فشل استراتيجية الحسم غياب الجبهة الوطنية–العسكرية الموحّدة. فالجيش السوداني، في سياق الحرب، لم يعمل بوصفه مؤسسة منسجمة ذات عقيدة وطنية جامعة، بل ضمن: - انقسامات داخلية. - تفاوت في الولاءات. - اعتماد على مليشيات محلية قبلية ودينية. - تسييس القيادة العليا. ـ تآكل الثقة بين المستويات المختلفة. هذا الوضع أضعف القدرة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، وحوّل العمليات العسكرية إلى ردود فعل متقطعة، لا إلى حملة منظمة ذات هدف سياسي واضح. ٤/ غياب المشروع السياسي المصاحب للقوة تُظهر تجارب النزاعات أن القوة العسكرية، لكي تنتج استقرارًا، تحتاج إلى مشروع سياسي موازٍ يمنحها معنى اجتماعيًا وأخلاقيًا. في حالة البرهان، غاب هذا البعد نهائيا. لم تُطرح رؤية متماسكة لـ: - مستقبل الحكم - شكل الدولة - العدالة التاريخية والعدالة الانتقالية - إعادة توزيع السلطة - المصالحة الوطنية وبغياب هذا الأفق، تحوّلت الحرب إلى مجرّد صراع على السيطرة، لا إلى مسار لبناء نظام جديد. ومع كل تقدم تكتيكي، كانت الشرعية تتآكل بدل أن تتعزز، لأن المجتمع لا يرى في الحرب مشروعًا للخلاص، بل استمرارًا للأزمة. ٥/ ديناميكية الاستنزاف بدل الحسم في ظل هذه الشروط البنيوية، دخلت الحرب في نمط "الاستنزاف المتبادل"، حيث: - لا يملك أي طرف القدرة على إنهاء الصراع في الأمد القريب - تستمر المعارك بوتيرة متقطعة - تتزايد الكلفة الإنسانية - يتآكل الاقتصاد - تتفكك الروابط الاجتماعية هذا النمط لا ينتج منتصرين حقيقيين، بل أطرافًا منهكة، عاجزة عن تحويل تفوقها المؤقت إلى نظام مستقر باستدامة ٦/ البعد النفسي: وهم العظمة في مواجهة الواقع على المستوى النفسي، راهن البرهان على أن النصر العسكري سيعوّض هشاشة الشرعية ويعيد إنتاج صورته بوصفه "القائد المنقذ". غير أن الواقع الميداني اصطدم بهذه الصورة المتخيّلة. فبدل النصر الكاسح، واجه: - حربًا طويلة، - خسائر مستمرة، - تآكل الدعم، - ضغوطًا دولية متزايدة، - عزلة سياسية. وهنا يظهر ما يسميه علماء النفس السياسي بـ"إحباط العظمة": الفجوة بين صورة الذات المتضخمة والواقع الموضوعي. وكلما اتسعت هذه الفجوة، زاد التصلّب، وتراجع الاستعداد للمراجعة، وارتفع منسوب العناد. . ٧/ خلاصة تحليلية إن فشل البرهان في تحقيق "النصر الحاسم" لا يعود فقط إلى أخطاء تكتيكية، بل إلى سوء تقدير عميق لطبيعة الدولة السودانية، وبنية المجتمع، وديناميات الصراع المسلح. فالحرب التي تنشأ من أزمة دولة لا يمكن إنهاؤها بالسلاح وحده، والدولة التي تُنتج التمرّد لا تستطيع سحقه دون إعادة تأسيس نفسها، و"الحاضر يكلم الغائب". وبهذا المعنى، تحوّل رهان الحسم إلى جزء من المشكلة لا من الحل، وأسهم في إطالة أمد الصراع بدل إنهائه، وجعل القيادة أسيرة لوهم القوة في واقع لا يستجيب إلا لمنطق الإصلاح الجذري والتسوية السياسية الشاملة.
سادسًا: المقاربة الفانونية للاستعمار الداخلي — الجيش السوداني كأداة دولة ما بعد الاستعمار وثقافة النخب يقدّم فرانز فانون إطارًا بالغ الدقة لفهم كيف تتحوّل أجهزة الدولة في مجتمعات ما بعد الاستعمار—وخاصة الجيش—إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة بدل تفكيكها. ففانون لا يتعامل مع "الاستقلال" بوصفه لحظة تحرّر نهائي، بل بوصفه انتقالًا ناقصًا قد تستولي فيه نخبة محلية على جهاز الدولة الاستعماري كما هو، وتستخدمه لإدارة المجتمع بالمنطق نفسه: الضبط، والترهيب، وإعادة توزيع الامتيازات داخل مركز جديد. في هذا المعنى، يصبح "الاستعمار الداخلي" استمرارًا للاستعمار الخارجي بأيدٍ وطنية، وباللغة الوطنية، وتحت شعار السيادة. ١/ الجيش في بنية ما بعد الاستعمار: من حماية الوطن إلى حماية المركز في الدولة الحديثة، تُصاغ العقيدة القتالية للجيش حول حماية الحدود والدستور وسيادة القانون. أمّا في دول ما بعد الاستعمار التي لم تُنجز إعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة، فإن الجيش غالبًا ما يُربّى—مؤسسيًا وثقافيًا—بوصفه حارس النظام القديم لا حارس المجتمع.
هنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ"عقيدة أمنية مركزانية": ترى التهديد في الداخل قبل الخارج، وتتعامل مع الاحتجاج السياسي والتعدد الثقافي بوصفهما "خطرًا"، لا بوصفهما حقًا. وهكذا تُستبدل الوطنية بالمركز، ويُستبدل الدستور بالأوامر، ويُستبدل المواطن بـ"الرعية" ٢/ الكلية الحربية والتنشئة: كيف تُصنع المحسوبية كـ"ثقافة دولة" حين نتحدث عن الجيش السوداني بوصفه مؤسسة متأثرة ببنية ما بعد الاستعمار، فإننا لا نعني فقط قرارات القيادة السياسية، بل نعني منظومة التربية والانضباط والمعايير التي تُنتج الضباط وتُعيد إنتاج تصورهم لأنفسهم وللمجتمع.
في كثير من الجيوش "المركزانية"، ترتبط الكلية العسكرية—ضمنيًا أو عمليًا—بثلاثة عناصر: ١/ سردية الدولة الواحدة المركزية: حيث تُصوَّر العاصمة/المركز بوصفه "الوطن الحقيقي"، وما عداه "أطراف" يجب ضبطها. ٢/ معيار الولاء قبل الكفاءة: فتُكافأ الطاعة والامتثال أكثر من التفكير النقدي، ويصبح "الانضباط" مرادفًا للصمت لا للمهنية. ٣/ الشبكات والوساطة: حيث تُسهم المحسوبية—بدرجات متفاوتة—في تشكيل المسارات والترقيات، فتتكون طبقة داخل الجيش تحمي ذاتها وتُعيد إنتاج سلطتها. بهذا المعنى، تتحول المحسوبية من ممارسة فردية إلى ثقافة مؤسسية: ثقافة تصنع ضباطًا يرون أنفسهم أصحاب حقٍّ طبيعي في الحكم، لا موظفين عموميين في خدمة مجتمع متعدد. ٣/ البرهان وغيره: أبناء الثقافة لا استثناءاتها من منظور فانون، لا يمكن اختزال عبد الفتاح البرهان في "شخص" منفصل عن المؤسسة، بل يجب فهمه بوصفه نتاجًا نموذجيًا لثقافة دولة ما بعد الاستعمار: ثقافة تُنتج ضباطًا غير متمردين على بنية المركز، لأنهم—ببساطة—مستفيدون رمزيًا وماديًا من استمرارها، أو مشدودون إليها بوصفها تعريفًا للوطن والشرعية. وهنا يصبح البرهان، ومعه شريحة واسعة من الضباط الذين لم يتمردوا على هذه البنية، أبناءً لثقافة ترى: - أن الجيش هو الدولة. - وأن الدولة هي المركز. - وأن الأمن يسبق الحقوق. - وأن الاستقرار يبرّر تعليق السياسة. - وأن "الوحدة" تعني صمت الأطراف لا عدالة توزيع السلطة. هذه ليست "أخطاء أفراد"، بل لغة مؤسسة تشكلت تاريخيًا داخل دولة لم تُعاد صياغتها بعد الاستعمار على قاعدة المواطنة المتساوية. ٤/ تداعيات هذه الثقافة: دولة قديمة تتجدد بأقنعة جديدة تداعيات هذه الثقافة ليست نظرية، بل تظهر عمليًا في شكل الدولة والحرب والمجتمع، ومن أبرزها: - تسييس الجيش وتآكل المهنية
حين يصبح الجيش صاحب مشروع حكم، يفقد بالتدريج طبيعته المهنية، ويصبح الولاء السياسي معيارًا، ما يفتح الباب للانقسام والاختراق والارتجال الاستراتيجي. - إعادة إنتاج الثورات/ التمرد بدل إنهائه
لأن المؤسسة تعالج التعدد والاحتجاج بمنطق "الضبط"، فإنها تُنتج أسباب التمرد باستمرار: كل حملة قمع تُراكم مظالم جديدة، وكل "نصر أمني" يفتح دورة صراع جديدة. - شرعنة العنف بوصفه سياسة عامة
في عقلية الاستعمار الداخلي، يُنظر للعنف لا كفشل في الحكم، بل كأداة حكم. وهكذا يتطبع المجال السياسي بالعسكرة، ويتآكل المجتمع المدني، وتُختزل الدولة في جهاز قهر. - تحويل فكرة الوطن إلى امتياز
تصبح المواطنة مشروطة بالقُرب من المركز أو بالطاعة للسلطة، لا بحقوق متساوية. وهذه هي لبّ أزمة السودان التاريخية: وطن لا يتسع للجميع إلا بقدر ما يتنازل المهمّشون عن حقوقهم. - إعادة إنتاج الدولة القديمة باسم "الاستقرار"
وهنا تكتمل المقاربة الفانونية: فبدل التحرر من جهاز الدولة الاستعماري، تتم "سودنته" شكليًا مع الحفاظ على جوهره القهري. والنتيجة دولة قديمة تتجدد، لا دولة جديدة تولد. خلاصة: الاستعمار الداخلي كعقيدة غير معلنة وفق قراءة فانون، ما يحدث ليس مجرد صراع على السلطة، بل صراع على تعريف الدولة نفسها: هل هي دولة مواطنة أم دولة مركز؟ هل الجيش خادم للدستور أم وريث للاستعمار الإداري؟
إن البرهان—ومعه قطاع واسع من الضباط غير المتمردين على البنية—يمثلون نمطًا مؤسسيًا يعيد إنتاج الهيمنة باسم السيادة، ويعيد إنتاج الحرب باسم الأمن، ويعيد إنتاج الدولة القديمة باسم الاستقرار. وما لم تُفكَّك هذه الثقافة—بإصلاح جذري للعقيدة القتالية، وبناء جيش وطني جديد خاضع لسلطة مدنية، وإعادة تأسيس الدولة على المواطنة—ستظل "حروب السودان" تعود بأسماء جديدة، لأن الجذر لم يُمسّ بعد.
نواصل في الجزء الثالث.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|