سدّ النهضة والحرب في السودان كتبه الطيب الزين

سدّ النهضة والحرب في السودان كتبه الطيب الزين


02-07-2026, 06:11 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1770441065&rn=0


Post: #1
Title: سدّ النهضة والحرب في السودان كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 02-07-2026, 06:11 AM

05:11 AM February, 07 2026

سودانيز اون لاين
الطيب الزين-السويد
مكتبتى
رابط مختصر



**

ليست الحرب التي انفجرت في السودان في الخامس عشر من أبريل مجرّد اشتباك بين قوتين، ولا هي انفجارا عابرا في سياق سياسي مأزوم، بل هي طبقة ظاهرة من صراع أعمق، صراع تتداخل فيه الجغرافيا بالمصالح، والثورات الشعبية بموازين القوى، والمياه بالسيادة، في فضاءٍ ظلّ لعقودٍ طويلة مسرحا لمعارك غير معلنة على المستقبل. ولعلّ التحوّلات الكبرى التي شهدها القرن الإفريقي خلال العقد الأخير — الثورة الإثيوبية وبناء سدّ النهضة، ثم الثورة السودانية التي حاولت أن تسير في الاتجاه نفسه — تمثّل المفتاح لفهم ما جرى ويجري.
ففي إثيوبيا، لم تكن الثورة مجرّد تبدل في الوجوه، بل كانت زلزالا سياسيا أعاد توزيع السلطة بين الأقاليم، وأنهى احتكارا طويلا للحكم، وفتح الباب أمام مشاركة واسعة لكل مكوّنات المجتمع. ومن رحم هذا التحوّل العميق خرج مشروع سدّ النهضة، لا بوصفه منشأة هندسية فحسب، بل بوصفه إعلانا عن ولادة إثيوبيا جديدة: دولة تسعى إلى التحرّر الاقتصادي، وتعزيز استقلال قرارها الوطني، وإعادة صياغة موقعها في حوض النيل.
لقد أصبح السد رمزا لنهضة تستند إلى الإرادة الشعبية، ودليلا على قدرة المجتمعات حين تتحرّر من قبضة النخب القديمة على إعادة تشكيل مصيرها.
وفي السودان، كانت ثورة ديسمبر 2018 بداية مسار مشابه. فقد أطاحت بنظامٍ استبدادي طويل، وفتحت الباب أمام حلم كان قريبا من التحقق: بناء دولة مدنية، واستغلال الموارد الوطنية الهائلة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، واستعادة السيادة على القرار السياسي. كان السودان، لو تُرك لمساره الطبيعي، قادرا على أن يدخل مرحلة جديدة من النهضة، وأن يصبح شريكا إقليميا قويا لإثيوبيا، وأن يساهم في إعادة تشكيل معادلة القوة في حوض النيل. غير أن هذا الاحتمال كان كفيلًا بإثارة مخاوف القوى التي لا تريد لإثيوبيا أن تستقر، ولا للسودان أن ينهض، ولا للمنطقة أن تتحوّل إلى فضاءٍ ديمقراطيٍّ مستقل.
فنهضة السودان كانت ستعني دعما مباشرا للموقف الإثيوبي في ملف المياه، وتوازنًا جديدًا في حوض النيل، ونهاية لهيمنة القوى التي اعتادت التحكم في السودان لعقود، وظهور محور إقليمي جديد قائم على الإرادة الشعبية لا على التبعية. لذلك لم يكن ضرب الثورة السودانية هدفه إجهاض التحوّل الديمقراطي فحسب، بل كان أيضا ضربة غير مباشرة لإثيوبيا، ومحاولة لإعادة ترتيب موازين القوى عبر إضعاف الدولة التي كان يمكن أن تكون الشريك الأقوى لها.
وجاءت حرب الخامس عشر من أبريل لتكون الأداة الأكثر عنفا في هذا المسار. لم تكن الحرب صراعا على الخرطوم وحدها، بل كانت صراعًا على المستقبل: على من يملك حقّ تعريف السودان، وعلى أيّ مشروع سيحكمه، وعلى ما إذا كان سيصبح دولة مستقلة ذات سيادة، أم ساحة مفتوحة لإعادة تدوير النفوذ. كانت حربا على الثورة السودانية، وعلى إمكانية قيام نهضة سودانية شبيهة بالنهضة الإثيوبية، وعلى التوازن الجديد الذي كان سيغيّر معادلة مياه النيل. وهكذا يصبح واضحا أن الحرب في السودان ليست حربًا على الجغرافيا وحدها، بل حربا على سدّ النهضة أيضًا، عبر ضرب الدولة التي كان يمكن أن تكون سندا له.
إن التجربتين السودانية والإثيوبية تكشفان حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن الوعي الديمقراطي حين يتجذّر لا يغيّر شكل الحكم داخل الدولة فحسب، بل يغيّر معادلة القوة في الإقليم كله. فالثورة الإثيوبية أنتجت سدّ النهضة، والثورة السودانية كانت قادرة على إنتاج نهضة مشابهة. وشراكة ديمقراطية بين السودان وإثيوبيا — تستند إلى إرادة شعبية حقيقية — كانت ستغيّر وجه المنطقة بأكملها، وتحولها من منطقة حروب ومجاعات وتدخلات خارجية إلى منطقة استقرار وإنتاج غذائي وتعاون اقتصادي ونفوذ شعبي لا نفوذ عسكري.
هذا بالضبط ما تخشاه القوى التي لا تريد لثورة السودان أن تنجح، ولا لثورة إثيوبيا أن تستقر، ولا لسدّ النهضة أن يتحوّل إلى رمز لنهضة إقليمية مشتركة. فالسودان، لو استكمل ثورته، كان قادرًا على أن يصبح قوة زراعية ومائية واقتصادية هائلة، وأن يدخل في شراكة استراتيجية مع إثيوبيا تعيد تشكيل القرن الإفريقي بأكمله. لكن الحرب جاءت لتدمير هذا الاحتمال، ولإعادة السودان إلى دائرة الفوضى، ولمنع قيام محور ديمقراطي جديد في حوض النيل.
سدّ النهضة إذن ليس مشروعا إثيوبيا فحسب، بل هو رمز لتحوّل سياسي واقتصادي في المنطقة. والحرب في السودان ليست صراعا داخليا فحسب، بل هي محاولة لإجهاض تحوّل مشابه كان يمكن أن يعيد تشكيل حوض النيل بأكمله. إنها حرب على النهضة، لا على الأرض وحدها. حرب على الإرادة الشعبية، لا على السلطة فقط. حرب على المستقبل، لا على الحاضر وحده.

الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.