الدولة المؤجَّلة- كيف فشل الفكر الإسلامي في السودان في الإجابة عن سؤال الحكم؟

الدولة المؤجَّلة- كيف فشل الفكر الإسلامي في السودان في الإجابة عن سؤال الحكم؟


01-06-2026, 10:07 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767733638&rn=0


Post: #1
Title: الدولة المؤجَّلة- كيف فشل الفكر الإسلامي في السودان في الإجابة عن سؤال الحكم؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 01-06-2026, 10:07 PM

09:07 PM January, 06 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





لم يكن سؤال الدولة في السودان يومًا نقاشًا نظريًا معزولًا عن الواقع، بل ظل سؤالًا عمليًا كُتب بالانقلابات، والسجون، والحروب. ومع ذلك، أخفق الفكر الإسلامي – منذ دخوله المجال السياسي – في تقديم إجابة واضحة ومتماسكة
عن أبسط أسئلة الحكم: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ ولمصلحة من؟
تجربة الإسلاميين في السودان، وعلى رأسها تجربة حسن الترابي، تكشف أن الأزمة لم تكن في الأشخاص وحدهم، بل في التصور نفسه: تصور الدولة في المخيال الإسلامي السياسي
من الشورى إلى الدبابة
قدّم الترابي نفسه بوصفه مجددًا للفكر الإسلامي، ومفكرًا قادرًا على التوفيق بين الإسلام والديمقراطية. لكن الاختبار الحقيقي لأي فكر سياسي لا يكون في الكتب ولا في المنابر، بل في لحظة السلطة. وعند تلك اللحظة، سقط الخطاب، وبقيت الدبابة
انقلاب 1989 لم يكن خطأً عابرًا ولا اضطرارًا تاريخيًا، بل كان التعبير الأكثر صدقًا عن مأزق الفكر الإسلامي
حين يفشل في الوصول إلى السلطة عبر الإرادة الشعبية، يلجأ إلى القوة باسم النص
وهنا ينكشف التناقض الفادح: كيف لفكر يتحدث عن الشورى أن يدفنها بالدبابات؟ وكيف لمشروع يرفع شعار الأخلاق أن يؤسس لأطول عهد استبدادي في تاريخ السودان الحديث؟
الحاكمية - المفهوم الذي عطّل السياسة
استعان الإسلاميون بمفهوم “الحاكمية” لحسم مسألة السيادة لصالح السماء، لكن النتيجة العملية لم تكن دولة لله، بل دولة للأجهزة الأمنية. فعندما يُقال إن “السيادة لله”، فإن السياسة لا تُلغى، بل تُنقل من المجال العام إلى غرف مغلقة يقرر فيها من يحتكر تفسير النص
في السودان، لم تنتج الحاكمية عدلًا ولا كرامة، بل أنتجت-- تجريم المعارضة
مصادرة المجال العام
وتحويل الدولة إلى أداة أيديولوجية قمعية
وهنا لا يعود السؤال: هل فشل التطبيق؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل كانت الفكرة نفسها قابلة لغير هذا المآل؟
الدولة كغنيمة لا كعقد اجتماعي
تعامل الإسلاميون مع الدولة لا بوصفها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين متساوين، بل كغنيمة يجب السيطرة عليها لحماية “المشروع”
ولذلك لم تُبنَ مؤسسات مستقلة
لم يُحترم التنوع الاجتماعي والثقافي
لم تُرسَّخ المواطنة المتساوية
كانت الدولة أداة تمكين، لا إطارًا للعدالة. وكانت النتيجة دولة هشة، انهارت أخلاقيًا أولًا، ثم سياسيًا، ثم عسكريًا، حتى انفجرت في حرب شاملة لم تترك مؤسسة قائمة
الحرب الحالية هي حصاد الفشل
الحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست قطيعة مع الماضي، بل امتداده الطبيعي. إنها ثمرة مباشرة لعقود من- عسكرة السياسة
تديين الدولة
وتفريغ المجتمع من أدواته المدنية
كل خطاب إسلامي يتحدث اليوم عن “الدولة” دون اعتراف صريح بهذه المسؤولية التاريخية، هو خطاب إنكاري لا إصلاحي، ومحاولة لإعادة تدوير الفشل بلغة جديدة
ليست أزمة تطبيق… بل أزمة تصور
القول إن الإسلاميين “أساؤوا تطبيق الإسلام” يهرب من جوهر المشكلة. فالأزمة الحقيقية أنهم لم يمتلكوا أصلًا تصورًا حديثًا للدولة
لم يحسموا مسألة السيادة، ولم يقبلوا بسيادة الشعب دون وصاية، ولم يتعاملوا مع المواطنة باعتبارها حقًا كاملًا لا منحة مشروطة
الدولة الحديثة لا تُدار بالمقاصد العامة ولا بالشعارات الأخلاقية، بل بدستور واضح، وقانون متساوٍ، وفصل للسلطات، وآليات محاسبة تتيح للمجتمع محاسبة الحاكم وعزله
وكل فكر يرفض هذه الأسس، مهما حسنت نواياه، سينتهي بالضرورة إلى الاستبداد
لا دولة بلا قطيعة فكرية
إذا أراد الإسلاميون، أو من تبقى من تياراتهم، أن يكونوا جزءًا من مستقبل السودان، فعليهم أولًا القيام بقطيعة فكرية شجاعة مع إرث الانقلابات وتديين السلطة
عليهم الاعتراف بأن ما جرى لم يكن “اجتهادًا”، بل جريمة سياسية بحق الدولة والمجتمع
إن إنقاذ السودان لا يمر عبر أسلمة الدولة، بل عبر تحرير الدولة من الأيديولوجيا، وإعادة السياسة إلى المدنيين، وترك الدين في موقعه الطبيعي: ضمير المجتمع، لا أداة حكم
غير ذلك، لن يكون سوى تكرار مأساوي للتجربة نفسها… بأسماء مختلفة، وكلفة أعلى لكل السودانيين.