الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين....

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 15-11-2018, 01:42 AM الصفحة الرئيسية

مكتبة بدرالدين محمد الأمير بلول (بدر الدين الأمير)
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
31-03-2007, 03:24 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين....

    ضمن فعاليات مهرجان الدوحة الثقافى 2007 الذى يستمر حتى الخامس من هذا الشهر
    ومهرجان الدوحة الثقافى هو مهرجان سنوى عالمى تتلقى فيه كل فنون واداب المعمورة مع
    جانب كبير من المبدعين فى شتى دروب الابداع بالاضافة للفنون الشعبية والتراثية
    ومن أهم الندوات التى اقيمت خلا ل المهرجان لهذا العام ندوة ( الأدب والمنفى) شارك فيها
    كل من:
    أدونيس
    واسينى الأعرج
    سيف الرحبى
    كمال أبو ديب
    فريال غزول
    فيصل دارج
    أحمد يوسف
    فخرى صالح
    محمد لطفى اليوسفى
    نبيل سليمام
    وقد أصدر المجلس الوطنى للثقافة والفنون والتراث بدولة قطر وهو الجهة المنظمة للمهرجان
    كتاب بعنوان الادب والمنفى متضمنا الاوراق التى قدمت خلال تلك الندوة سوف احاول تقديم جانب
    منها هنا علها تكون مفتاح لادب منافينا بعد الانقاذ
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-03-2007, 04:35 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    بيان المنفى تقديم( عبدالله ابراهيم)
    المنفى ليس بقعة غريبة فحسب ، إنما هو مكان بتعزر فيه ممارسة الانتماء. يخرب المنفى قدرة
    الانتماء ، ويحول دون ظهور تلك الفكرة البراقة. ولطالما وقع تعارض بل انفصام بين المنفى
    والمكان الذى رحل/ ارتحل إليه ، وندر أن تكللت محاولات المنفيين بالنجاح فى إعادة تشكيل
    ذواتهم حسب مقتضيات المنفى وشروطه . ومن الحق أن يوصف ذلك بأنه ( شقاء أخلاقى) دائم فالمنفي
    هو من اقتلع من المكان الذى ولد فيه ، لسبب ما ، وأخفق فى مد جسور الاندماج مع المكان الذى
    أصبح فيه فحياته متوترة ، ومصيره ملتبس ، وهو يتآكل باستمرار‘ ولا يلبث أن ينطفى بالمعنى المباشر
    ليتقد مرة أخرى ، بالمعنى الرمزى فهو ينطوى على ذات ممزقة هتكت عذريتها ، ولاسبيل الى إعادة تشكيلها
    فى كينونة منسجمة مع نفسها ، أو مع العالم.
    وأدب المنفى مزيج من الإغتراب ، والنفور المركب لأنه يتردد بين وهم الانتماء المزدوج إلى هويتين ثم ، فى
    نفسه ، عدم امكانية الانتماء الحقيقى لأى منهما ، فلذلك هو أدب يقوم فى رؤيته الكلية ، على فكرة تقويض
    الهوية الواحدة، أى الهوية المطلقة ، والصافية ويقترح هوية رمادية متنوعة العناصر والمكونات وبصفته
    هذه يعد أدبا عابرا للحدود الثقافية ، والجغرافية ، والتاريخية ‘ ويخفى فى طياته إشكالية خلافية، كونه
    يتشكل عبر رؤية نافذة ، ومنظور حاد ، فيتعالى على التسطيح ، ويتضمن قسوة عالية من التشريح المباشر لاوضاع المنفي
    وعلى حد سواء كل من الجماعة التى أقتلع منها ، والجماعة الحاضنة له ، لكنه ينأى بنفسه عن الكراهية ، والتعصب ،
    والغلو وهو يتخطى الموضعات الجاهزة والنمطية ويعرض شخصيات منهمكة فى قطيعة مع الجماعة التقليدية ، لكنه ينبض
    برؤية ترتد نحو مناطق مجهولة داخل النفس الانسانية . ويتسم أدب المنفى ، فضلا عن كل ذلك بالقلق الوجودى ، ويسكنه
    الحراك ، والانشقاقية ، وفيه تعوم الاسئلة الكبرى ، وهو مدونة كاشفة لمصائر البشر حينما تدفعهم نوازع العنف الأعمى
    إلى تمزيق شملهم ، فيلوذون ، بأماكن بديلة بحثا عن أمان خادع.


    ولنا عودة لباقى البيان
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-03-2007, 08:01 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    شكرا يا امير يا ود الامراء

    والله اسماء كبيرة كم كنت اتمني الالتقاء بهذه النجوم

    ادونيس واسيني الاعرج وعبد الله ابراهيم واعتقد انه عراقي الجنسية

    والله المنافي شتت كل المبدعين /ات وبؤس السياسة والساسة في المناطق

    المتخلفة اورث الفقر والتهجار مزيدا من اخبار ترد النفس لنا وشكرا لذلك


    واصل مددك الثقافي لك الامنيات الطيبة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-03-2007, 10:11 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: Sabri Elshareef)

    أخى صبرى الشريف تداخلك فى هذا البوست يشكل عندى قبيلة
    من المتداخلين ولاجلك واجل من هم على شاكلتك سوف اواصل السرد
    يواصل الاستاذ/ عبدالله ابراهيم بيان المنفى بقوله:
    يصف ( إدوارد سعيد) بواعث النفي ، وآثاره ، وملامحه فيقول: المنفى
    هو أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة ، لانه لم يكن يعنى أن يكون المنفي
    أشبه بمنبوذ دائم لايشعر أبدا أنه بين أهله وخلانه ، ولاينسجم البتة مع
    محيطه ، ولايتعزى عن الماضى ، ولايذقه الحاضر والمستقبل إلا طعم المرارة ..
    والمنفي يعيش حالة وسطية ن فهو لا يندمج فى محيطه الجديد ، ولا يتخلص كليا من عبء
    البيئة الماضية. تضايقه أنصاف التداخلات ، وأنصاف الانفصالات ، وهو مصاب بهوس الحنين،
    الى ذلك هو عاطفى من ناحية ومقلد حاذق لايعلم به أحد، من ناحية أخرى .. ويضيف: يجبر
    المنفى المرء على التفكير فيه، ويالها من تجربة فظيعة إنه الشرخ المفروض الذى لا التئام
    له بين كائن بشرى ومكانه الأصلى ، بين الذات وموطنها الحقيقى : فلا يمكن أبدا التغلب على
    مايولده من شجن أساسى.. فمآثر المنفى لا ينى لا يقوضها فقدان شىء ما خلفه المرء وراءه إلى الأبد
    يرسخ المنفى عجزا عن الإنتماء إلى عالمين ، وتعذر الانتماء ، يقود إلى نوع من الترفع الفكرى
    والرهبنة الروحية ، والعقلية وذلك قد يفضى إلى العدمية ، ولكن قد يظهر العكس - كمايخلص سعيد-
    فالمنفيون الكبار عبر التاريخ هم الذين أوقدو شرارة الأمل فى نفوس شعوبهم، وألهموهافكرة الحرية
    وقادوها إلى شواطىء الأمان فالنفى ما إن يتخطى الذاتية المغلقة إلا ويصبح كائنا عالميا يتطلع
    إلى تغيرات شاملة .. والمنفيون ينظرون إلى غير المنفيين نظرة استياء وسخط فهم ينتمون إلى محيطهم
    أما المنفى فغريب على الدوام . يقضى معظم حياته فى التعويض عن خسارة مركبة بخلق عالم جديد
    يبسط سلكتنه عليه . ورد عن أحد الرهبان فى القرن الثانى عشر الميلادى قوله: الإنسان الذى يجد
    وطنه أثيرا لم يزل غرا طرى العود ، أما الذى يرى موطنه فى كل مكان فقد بلغ القوة ، غير أن المرء
    لايبلغ الكمال إلا إذا عد العالم بأجمعه أرضا غريبة عليه ،فالغض هو من ركز حبه فى واحدة من
    الأرض ، القوى هو الذى شمل العالم بحبه ‘ أما الإنسان الكامل فهو الذى أطف جذوة الحب فى أعماقه.


    والنا عودة للاوراق المقدمة فى تلك الندوة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-03-2007, 11:03 PM

عبدالمنعم خيرالله
<aعبدالمنعم خيرالله
تاريخ التسجيل: 27-08-2006
مجموع المشاركات: 688

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    متابعين معاك يا ود الامير
    وليك الود
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 04:49 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: عبدالمنعم خيرالله)

    اهلا صديقى عبدالمنعم ومرورك هنا سرنى كثيرا
    ولعلنى أضيف لك وللاخوة المتصفحين والمتداخلين
    انه من العسير ان أأتى باوراق الندة كلها عبر هذه
    الشاشة ولكنى سوف اختار بعض من تلك الاوراق والاختيار
    اختيار تذوقى شخصى وليس لاهمية كاتب دون الاخر او افضلية
    ورقة على غيرها انما الامر تذوق شخصى وارجو اضيف به شىء لكل
    من هم فى المنافى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 05:53 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    الشاة المائة
    ابراهيم الكونى:
    (إن كان للإنسان مئة خروف ، وضل واحد منها ، أفلا يترك التسعة والتسعين
    على الجبل ويذهب يطلب الضال؟ وإن أتفق أن وجده فالحق أقول لكم أنه يفرح
    به أكثر من التسعة وتسعين التى لم تضل) إنجيل متى(18،13،12)

    1 سليل الصحراء مبدع يتارجحه بين اغترابين: اغتراب بسبب الهوية الصحراوية
    المغتربة عن نفسها كوطن ، واغتراب بسبب الطبيعة الاغترابية للابداع كرسالة
    ، الفضاء المتيتافيزيقى الذى للمعاجم أن تسميه صحراء ماهو إلا غتراب فى بعده
    المجسد برغم محاولاتنا فى أن نضع له حدودا جغرافيا المكان، الصحراء ظل مكان ،
    ولم تكن يوما حقيقة المكان 0 الصحراء وطن اللاوطن ومكان اللمكان لانها ميتافيزيقيا
    المكان ولهوية الضائعة لمفهوم الأوطان.
    الصحراء بعد مفقود ما ظل ناموسها الاول يحرم المقام فى المكان ولا يعترف بغير العبور
    دينيا الصحراء لهذا السبب نكران للظاهرة فى مقابل الوصية ماظلت ترى الركون إلى المكان
    عبودية وفى الاستقرار خطيئة وفى المكانية عدوا الصحراء إذا قررت أن تصير وطنا فلن تكون
    سوى وطن الرؤى السماوية ( كما يصفها روبرت موزيل) لأنها كيان إستعمارى لأنها بدل أن تقيم
    فى الجسد لتقترب عن ملكوت الرب ، تغربت عن الجسد لتستوطن عند الرب عملا بوصية القديس بولس .
    وهو مايعنى أن الصحراء ليست مساحة لممارسة الحرية، ولكنها الحرية مجسدة . والحرية اغتراب
    الصحراء لاتباع فى رحلة اللأمكان واحة عندما تقرر أن تهب الخلاص ، ولكنها تستنزل من بعدها المفقود
    نبوة فاذا حدث ووجد المبدع نفسه مغلولا بقدر الانتماء إلى هذه الأعجوبة فان المفارقة لابد أن تجعل
    منه طريدا لا تجعل طريدا فحسب ، ولكنها تجعل منه غريبا مجبولا بختم علامة قدرية لئلا يقتله كل ن
    وجده مثله مثل الشقى قابيل . ذلك أن وصية البعد المفقود (المستعارةعن هوية الصحراء كوطن لايعترف
    بمنطق الوطن ) تستجوب البحث عن وطن له وجود لا فى المكان وحسب ، لكن فى الزمان أيضا . لان المكان
    يصير وطنا ولا الزمان ينقلب تاريخا إذا لم تهب على القرينين رياح الوصية إذا لم يتسربلا بأنفاس الروح هنا بيدأ مريد الإبداع رحلة أغترابه الثاني ليصير له هذا الإغتراب ميلاد ثانيا . يغدو الاغتراب
    مركبا ، وينقلب المنفى قدرا ، الأن الإبداع طبيعته لا تتغذى من ينابيع الهوية الدنيوية ولكن من ينابيع الهوية الضائعة من ينابيع الهوية الاغترابية . من ينابيع الحرية والجدل بين هذين الطبين
    الاغترابيين المجهولين بالفقد لابد أن يستعيد هوية المحال إذا لم يقطع عليهما الانتحار الطريق. لان الإبداع جار الأبدية الخالد. كما أن الاغتراب قوت يومه الخالد.



    ولنا عودة لباقى ورقة الروائى الليبى ابراهيم الكونى

    (عدل بواسطة بدر الدين الأمير on 01-04-2007, 07:42 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 07:38 AM

ايزابيل حلبي

تاريخ التسجيل: 28-12-2006
مجموع المشاركات: 0

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    استيقظت والدموع في عيني... انه يوم الشعنينة وجدت نفسي مغتربة في الصحراء

    قرأت الادب والمنفى وابتسمت نعم "المكان يصير وطنا"

    ومن هم حولي يغدون العائلة

    ولك بدر الدين دوام الصحة والاستمرارية

    شكرا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 07:44 AM

عشة بت فاطنة
<aعشة بت فاطنة
تاريخ التسجيل: 06-01-2003
مجموع المشاركات: 4572

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: ايزابيل حلبي)

    Quote: أدونيس
    واسينى الأعرج
    سيف الرحبى
    كمال أبو ديب
    فريال غزول
    فيصل دارج
    أحمد يوسف
    فخرى صالح
    محمد لطفى اليوسفى
    نبيل سليمام

    يا بختكم
    بهذه العقول
    وشكرا ليك أخي لهذا النقل
    ومتابعين ..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 09:00 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: عشة بت فاطنة)

    عشة يابت فاطنة
    فعلا يابختنا بجانب هذا
    هناك المسرح والسنما والشعر والتشكيل الموسيقى
    شكرا سيدتى وسرنى وجودك هنا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 08:47 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: ايزابيل حلبي)

    السنيورة ايزابيل حلبى
    يقول جبران خليل جبران:
    ( وطنك فى عيني محبتك
    وانت بخارجه اكثر وضوحا
    من كونك بداخله)
    وياسيدتى كلنا فى المنفى ومنفيين
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 09:24 AM

اساسي
<aاساسي
تاريخ التسجيل: 20-07-2002
مجموع المشاركات: 16527

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    من المدهش ان يكون في الندوة الروائي الرائع واسيني الاعرج هذا الكاتب (مختلف) اظن وهذا لنفسي انه من اعمدة النقلة النوعية للرواية العربية الرجل يكتب بالهام مختلف خيال بديع خصب القراءة له تعدا ترفا لدي اكاد اكون من الذين التهموا جل رواياته ... كم احسدكم عليه يا بدر الدين
    ولكن يساورني سوال هل حديثه ممتعا كرواياته؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 09:44 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: اساسي)

    اساسى هلا بيك اساسى هنا
    فى تقديرى ياصديقى أن فى داخل أى روائى
    ترقد حبوبة وطفل ومومس ومجرم ومتصوف
    يمنحون الروح خبز المعرفة وحين تجلس تسمعهم تحس بكم
    من الدفء الغير محتمل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 10:36 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    تتمّت ورقة الروائى ابراهيم الكوني:

    الصحراء في النهاية لم تخلق لتهب التجربة الدنيوية . الصحراء خلقت لتهب النبوة. والنبوة هي التي
    تبدع التجربة ؛ لتنسج من خيوط التاريخ في الصحراء حسب تعطل وظيفة الزمان ، لأن الصحراء أخيراً هي الوجود الدنيوي مغترباً. نحن لا نملك الحق في ان انقول العالم جسد وما الصحراء إلا روحه مالم نعترف أن الأرض لا تستعيد روحها الربوبية ، لتصير كلها روحاً: ما لم تستنزف حتي النهاية تلك الروح التي تتبدى لنا مجسدة في المياه لأن الماء روح استقرت (أي اغتربت عن نفسها) بالتجسيد. أما الروح فليست سوى الماء إذا تحرر (أي إذا اغترب عن نفسه) بالتبدد.

    2

    ما معنى أن يتقبل الرب قربان هابيل ويرفض قربان شقيقه قابيل ؟ أليس هذه المحاباة عمل من قبيل الاكبار لرسالة المهاجر في مقابل إنكار البهتان الذي يتلبس صاحب الاستقرار؟ ألن يعني هذا أخيراً أن الهجرة مبدأ مجبول بالقداسة (من حيث هي حرية) ، كما أن الاستقرار ماهو إلا إثم من حيث هو عبودية؟

    الواقع أن المتون المقدسة لا تكفي بأن تلقننا بهذه الامثولة، ولكنها تمضي إلي أبعد عندما تحدثنا عن الكيفية التي عالج بها الرب خطيئة ادم . فقصاص النفي من الجنة لم يكن سوى استجابة للظمأ إلي الحرية وليس خشية من نيل الخلود بالانتقام من شجرة الحياة . أعني أنه تلبية لحاجة دلل عليها التحريم بالاكل من شجرة التميز بين الخير والشر . وهو تمرد تنعته الكتب المقدسة بالخطيئة الاولي فتتوعده مع صاحب هذا الخيار بداية بالبحث عن أكباش فداء في الحية وقرينتها بهدف تخفيف العبء علي آدم وإظهاره في الجريمة ضحية لا شريكاً ، ونهاية ً باللغة التي استنزلها على هذين الشريكين من دون آدم الذي اكتفى بأن لعن الأرض بسببه دون أن يلعن هو!

    أفلن يكون هذا غفراناً مسبقاً لصاحب الخطيئة؟ ألن يدل هذا على ذلك الحب المستبطن الذي أخفاه صاحب الشأن إزاء خليله جزاًء رهيب ، يسطيع أن يقدر مدى خطورته سوى صاحب الشأن الذي لم يكن يوماً سوى الحرية مجسدةً في رمز؟

    وجسامة خيار كالحرية رهين بامر آخر جلل أيضاً وهو : الخطيئة . أي أن الحرية عمل لابد ان يعبر جحيم الخطيئة برهاناً يحقق القران مع مبدأ الحرية . ولكن التجربةلا تنال الاعتراف بدون قصاص . ولهذا كان المنفى الحيلة الوحيدة للتكفير عن الثورة لأن المنفى جنس من الصلاة . والرب عندما دفع بصاحب الحرية إلى رحاب هذا المنفى لم ينته من أمره، بل اقتفى مسيرته من خلال ذريته أيضاً. وقد بارك حامل الوصية العابرة بقبول قربانه ليبرهن للأجيال على ضرورة اعتناق عقيدة الرحيل في مقابل عقيدة الاستقرار مطلقاً اسم (أبناء الله) على هذه السلالة تمييزاص لها على أهل الاستقرار (كما يرد في الاصحاح الثالث من سفر التكوين). وكان بإمكان هذا الانقسام بين الفريقين أن يستمر إلى الأبد ليحقق انقلابا في مسيرة المله البشرية لو لم تقم قبيلة الاستقرار هذه بإغواء قبيلة الله المرتحلة بأجناس الحسان فاقترنوا أيضاً ليصابوا بعدوى الركون إلى الأرض.

    وبرغم هذا المصاب إلا أن الخيار رفضوا العبودية ورحلوا ليبقوا على إيمانهم ، ليبقوا على حريتهم، يبقوا على حقيقتهم بأن الارتجال أقدر سبيل لمحور الحدود بين السماء والأرض ، بين الوجود والعدم ، بين الحياة والموت ، بين الفناء والخلود. وصاحب الشأن الذي حرم آدم من فردوسه نصبه على أرضه خليفة يوم جعل له من الرحيل ديناً . يوم حرما جعل من الحرية وطناً بديلاً . وقد تعمد أن يستنزله في البرية لييسر له العبور . هذه الرية التي مهدها لتصير له حرماً يمارس فيه صلاة الحرية. ولو لم ير في البرية هذه الحرية لما أمر المكابر فرعون بأن يطلق شعبه ليعبده في البرية (سفر الخروج). وهو ما يعني أن فعل الحرية ماهو في حقيقة البدئية سوى ضرب من صلاة التي لا تجوز إلا بالسير في ركاب السيرورة المعبر عنها في المتن المقدس ب (البرية).

    3

    ولكن لماذا صارت الحرية قريناً للعبادة؟ لماذا صارت الحرية كيقين بديلاً للصلاة كشعيرة؟ الحرية تجربة إيمانية لأنها عزلة. والعزلة تأمل . كما أن التأمل أنبل ضروب العزلة لأنه صلاة الإنسان الدين. أي ليس صلاة الشعيرة التي يقول عنها(كانت) انها مجرد أمنية موجهة إلى الرب . صلاة التأمل ليست تجربة نرثها أباً عن جد،لأن المبدأ الموروث دائما مجرد مسلمة. والمسلمة هي الحرف الذي قال عنه القديس بولس بأنه يميت في مقابل الروح التي تحيي. وخطورة هذه التجربة تمكن في قدرتها على نفي الإيمان وخلع المسموح الدنيوية على كاهله مما أدى دائما إلى ما نسميه بلغة اليوم (الانحراف الديني). في مقابل هذه الممارسة ينتصب إيمان الخطاة الذين اصطفاهم صاحب الشأن بعد أن اكدوا بنار الألم.

    ولكن لماذا لم يدفع صاحب الشأن مريده إلى رحاب الاغتراب؟ لماذا صار الاغتراب شرط الخلاص؟ يدفع صاحب الشأن مريده إلى رحاب الاغتراب تعبيراً عن محبة لا حبا بالقصاص. ذلك أن شرع صاحب الشأن قد قضى باستحالة الفوز بعلم ما لم يخضع مريد العلم لتجربة ألم. وما يبدو لنا في هذه المسيرة ضلالاً يستعير في ناموس صاحب الشأن اصطفاء . فالأخيار في هذا العرف وحدهم يجبلون بضلال. وفي إنجيل متي نقرأ الوصية المذهلة التالية (إن كان لإنسان مئة خروف وضل واحد منها ، أفلا يترك التسعة والتسعين على الجبال ويذهب يطلب الضال ؟ وإن اتفق أن يجده فالحق أقول لكم أنه يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل) فرح صاحب الشأن ، إذاً ، بصاحب خلال تاب أكبر بما لا يقاس من فرحه بصاحب شعائر لم يتحمم بسلسبيل الاغتراب.
    ولهذا نرى الأوطان لا تنوح على ابنائها الذين سكنوا إليها، ولكنها تبكي لفراق أبنائها الذين اغتربوا .ربما لان الاوطان تدري أن الابناء الذين خرجوا لم يغتربوا الا ليبشروا برسالتها. لم يغتربوا إلا ليصيروا للأوطان فديةً. والدليل أن الأوطان لا ينقذها أبناؤها الذين تشبثوا بصدرها ، ولكن خلاصها ياتي عادةً من خارجها على يد أبنائها الذين اغتربوا . ف ((أوديب)) الذي أخضعته أقدار صاحب الشأن لتجربة إثم عظيم ليصير بسببها مهاجراً عظيماً انقلب في سيرورة منفاه تميمة أبطلت الطلسم لتنفيذ مدينة(طيبة) من كابوس التنين الذي جثم على صدرها ، لأن الوصية تقول أن من تحرر وحده يستطيع ان يحرر.

    وما قيل عن (أوديب) يقال عن (أورست) الآثم الآخر الذي خرج للتكفير عن جريمة قتل الأم بالاغتراب فصارت تجربة ألمه العظيم سبباً في تلك القداسة التي لولاها لما احرز أهل وطنه في حربهم مع الأعادي نصراً. لقد احتكموا إلى معبد دلفى فأشارلهم الإله عل لسان العرافة بالبحث عن رفات (أوريست) ودفنه في بلادهم إذا شاءوا أن يحرزوا على عدوهم غلبةً.

    ولكن ماذا عن غربة (أوليس) الذي كاد أن يكون البطل الذي أوجد الاغتراب كمفهوم؟ وصايا الأجيال تسمى ذلك (لعنة طروادة) التي لحقت بكل الأبطال الذين اشتركوا بوضوح إلى أن غربة ذلك الداهية لم تكن سوى درساً مقدراً من صاحب الشأن يرمي إلى معنى أن يجد الإنسان نفسه فجأة طريداً بلا وطن .
    هذا الوطن الذي لم تكن له (إيتاكا) سوى استعارة لا حرفا وهو الوطن الذي تكن له أن يسترده كفردوس مفقود إلا بعبور بحور الآلام ونيل غفران صاحب الشأن . الإنسان إذاً، مبدأ اغترابي بالسليقة حتي أنه لا يذهب ليلقى عصا الترحال إلايوم يخون رسالة المنفى. هذا المنفى الذي لم يكن ينبوعاً للابداع لولا اشتراكهما في الهوية . فالابداع أيضاً تجربة في شق عصا الطاعة. أعني أنه أيضاً خطيئة. هذه الخطيئة التي تستوجب الإبحار في غمر الآلام لتكفير المقاييس أحب الإبداع، ساعة الإبداع، ذات مغتربة عن نفسها بكل المقاييس . وهو ما يكسبها هوية ميتافيزيقية في رحاب هذه المجازفة البطولية يستعيد الطريد وطنه. يستعيد البُعد المفقود في الوطن ليصير الوطن فردوسه المستعاد بعد فردوسه المفقود.



    (عدل بواسطة بدر الدين الأمير on 01-04-2007, 07:22 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 02:14 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    فوق وشكرا يا ود الامير لكلامك الفوق واصل هذا المدد

    ده زاد لكشاوير اتعبت الاقدام وحتما سنصل لعالم خالي من الكلسترول السياسي

    للمنع او المصادرة او المعافرة لك حبي وننتظر وهذا الكوني الروائي الليبي

    ساحر ويسحرك بالابداع الجميل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 02:25 PM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    لو كان لي قلبان لم أندم على
    حبّ، فإن أخطأت قلت: أساتَ
    يا قلبي الجريحَ الاختيارَ!.. وقادني
    القلبُ الصحيحُ إلى الينابيع
    محمود درويش


    محاولة لرفع البوست معاك الي الاعلي وانت الاعلي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 08:12 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: Sabri Elshareef)

    صبرى ياشريف الكلام والتكلم
    أود افتعال خصومة تفاكرية او تحرش ذهنى
    معك ومع أيتام حلاج القرن المنصرم المحمود
    انى أرى ان الروائى ابراهيم الكونى قد كتبكم
    من خلال ورقته تلك والكونى صحراوى لا يضل الطريق
    الى المدينة وانا ابن مدينة خصها المحمود بأكثر من عام
    للانقطاع والتأمل كمحطة مقابلة لمدينة النشأة والتكوين عنده
    ( رفاعة و أربجى)
    اين هذا من ذلك؟!
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 09:34 PM

محمود الدقم
<aمحمود الدقم
تاريخ التسجيل: 19-03-2004
مجموع المشاركات: 6627

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)


    للدكتورة ثريا العريض مقولة تتمأس على قاعدة علم النفس، ان المنفى يفرز ثلاث انماط من المنفيين:
    -شخص نافر من المجتمع الجديد المنفى كون العادات والتقاليد.. الخ مختلفة وتتباين [اناه] الشخصية مع [الانا الاعلى] -المجتمع الجديد- فيصاب بحقد تجاه [الانا الاعلى] او [النحن] الجماعية ويتحول لمجرم.
    - شخص امتهن المنفى ولم تتوازن [اناه] مع [الانا العليا] المجتمع الجديد فيرتطم الى داخله ويصاب بالجنون.
    -شخص امتهن المنفى فتوزانت [اناه] مع [الانا] الاعلى او المجتمع الجديد، فتحول الى مبدع، الى اديب، الى لهب من العبقرية.
    الامير بدرالدين الامير بجيك راجع ان تبقى في العمر لحظات، عشت.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2007, 10:18 PM

عبدالمنعم خيرالله
<aعبدالمنعم خيرالله
تاريخ التسجيل: 27-08-2006
مجموع المشاركات: 688

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: محمود الدقم)

    ونحن الاسعد يا ود الامير
    واصل هذا الدفق الذى يعبر عنا جميعا
    فى منافينا سواء كانت اختيارية ام قسرية
    وبفعل فاعل, ليك المحبة والود
    نحن فى انتظار المزيد
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 06:31 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: محمود الدقم)

    محمود الدقم
    يامنافى داغستان
    فى رجاء عودتك لهذا المنفى الاسفيرى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 07:10 AM

Amira Ahmed

تاريخ التسجيل: 28-11-2004
مجموع المشاركات: 344

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    الأستاذ بدر الدين

    صباح الاشراقات الجميلة

    هذا بالجد بوست رائع ... واحد من قلة نادرة في هذه الباحة تشعر أنك تود قراءته وأنك ستعود اليه كثيرا فيما بعد ... أرجو ألا

    تبخل علينا بالمزيد!


    لدي ايضاً رؤيتي الخاصة لمعني "الوطن" و"المنفي" ... وأرى أن احدى وسائل التكيف مع واقع المنفى هو ما يفعله المنفي ببناء وطن خاص به على طريقته ... ليس بالضرورة أن يكون هذا "الوطن" بقعة مكانية ذات حدود جغرافية واضحة ولكنه دائما ما يكون "وطنا افتراضيا" يحمله المنفى داخله ليخلق لذاته مساحة حتى - لو كانت "افتراضية" - في واقع الغربة الجديد.

    ربما أعود لهذا لاحقا ًبتفصيل أكثر .

    مودتي واحترامي

    أميرة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 07:57 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: Amira Ahmed)

    أميرة لك احمدإطلا لتك وإطرائك
    وسوف تجدين فى ورقة المثير للجدل دوما الشاعر الكبير أدونيس
    التى سو اوردها لاحقا مايمكن تسميته بنسبه لك والتقينا فى نفس القارب
    اجدد تقدير لك وتهمني عودتك لهذا المنفى
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 11:26 AM

Sabri Elshareef

تاريخ التسجيل: 30-12-2004
مجموع المشاركات: 21083

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    فوق لحين العوده وسلامي لزوار البوست الجميل
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 03:28 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: Sabri Elshareef)




    مكان آخر في ما وراء الوطن والمنفى
    أدونيـس
    1

    جاء في لسان العرب أن النفي هو إخراج الإنسان من بلده. وعرف عن العرب نوعان من النفي: نفيُ المخنث . ( كان الزاني الذي لم يُحصن ينفى من بلده الذي هو فيه إلأى بلد آخر ، وهو التغريب الذي جاء في الحديث . ونفي المخنث يعني أن يقر في مدن المسلمين.) ففي هذه الرواية التي يوردُها لسان العرب أن النبي"أمر بنفي رجلين اسمهما هيت وماتعُ وكانا مخنثين في المدينة ." لكن ، هل عرف العرب النفي، بالمعنى السياسي؟ أو هل يحدث اليوم ، أن تحكم سلطةُ عربية على سياسي يعارضها بنفيه وطرده؟ والجوابُ في حدود علمي هو:لا.

    هناك طبعاً، سياسيون وكتابُ ومفكرون وعمال عرب تركوا بلدانهم إلى بلد ان أخرى، طوعاً أوكرهاً، في ظروف صعبة ذاتياً وموضوعياً. وهذا امرُ آخر نابعٌ من التوق إلى الهجرة. والهجرةُ في عمقها ليست في ذاتها منفى، بقدر ما هي ، على العكس ، خروج من صحراء الداخل ، تحركها رغبة في الحرية والانعتاق. إنها رغبة الخروج من الآخر. إنها تضمر، بالأحرىـ تحدياً للمخاطر ورفضاً للطغيان، وتطلعاً للعمل والتقدم. والحق ان معظم المهاجرين العرب قد يفضلون، اليوم ، البلدان التي يعيشون فيها على بلدانهم الأصلية، لأنها تتيح لهم أن يستعيدوا أنفسهم المستلبة، وأن تتفتح عبقرياتهم، وأن يعيشوا أحراراً . هكذا تتيح لهم أن يتابعوا سيرهم على الصراط الإنساني، الخطر الضيق، لكن الأخلاقي والخلاق، مرددين مع الشاعر العربي القديم:
    "وكل بلاد اوطنت، كبلادي" أو:
    "وطول مقام المرء في الحي مخلقً لديبا جتيه،فاغترب تتجدد"
    كان المخنث والزاني ينفيان بوصقهما يمثلان مرضاً، أو يعارضان وضعاً دينياً. اخلاقياً. أما المعارض ، سياسياً، فلم يكن ينفى، وإنما كان يقُتل غالباً. فقد كان ينظر إليه بوصفه يمثل خروجاً على السلطة القائمة بأمر الله ورعايته. وإذا نجا من القتل فمعنى ذلك أنه هاربُ أو ثائر، وقتله مرجاً إلى حين، إلا إذا تراجع وتاب ، وأظهر من جديد الطاعة لولي الأمر. غير أن هذا كان نادراً جداً . ولا نعرف في الماضي العربي إلا حالتين واضحتين بارزتين من النفي الذي يمكن أن يُقال عنه إنه "سياسي" بالمعنى العام: الاولى هي نفي الشاعر طرفة بافراده، كما عبر،( إفراد البعير المعبد)، والثانية هي نفي أبي ذر الغفاري الربذة في الصحراء.
    وفي العصر الحديث ،مارست سلطات الاستعمار في البلدان العربية النفي السياسي(نفي عبد القادر الجزائري، وعرابي، والبارودي، وسعد زغلول ) . أما الدولة الوطنية التي قامت بعد الاستعمار ،فلم تلجأ إلى النفي، وإنما إلى أساليب أخرى أكثر فعاليةً في استئصال المختلف المعارض .
    وهذه الدول لم تُنتج في الواقع إلا المختلفين. ذلك أنها لم تتأسس على اختيار حر، ولم تبن نظامها على ما يشمل الجميع ، أكثرية وأقليات، وإنما ارتكز نظامها على أقلية خاصة مرتبطة عضوياً به، هي الجماعات الموالية. وهكذا ترك طريق المنفى التلقائي مفتوحاً ، غالباً امام المختلف.في الدين، في الطائفة، في الراي، وفي البحث عن السبل التي تضمن الحياة الكريمة.
    وتختلف مكانة الاقليات بين بلد عربي وآخر . ففي بعض البلدان العربية ليس لها أى حضور سياسي، أو حتى أي تمثيل برلماني. ولا يقتصر الأمر على الأقليات الدينية. فالأقليات الإتنية سارت هي كذلك في طرق المنفى ، كمثل الأكراد.أما الأقليات من الأديان والإتنيات القديمة كالصابئة والآشوريين والكلدان والمندئيين والسريان، فإنها تعيش نزفاً سكانياً خطيراً . في هجرتها شبه الجماعية إلى بلدان العالم.
    إن غياب النفي، سياسياً ، بحكم تصدره السلطة في المجتمع العربي، اليوم ، ظاهرةُ تستدعي التأمل. إنها تشير ، أولياً، بالنسبة إلي، إلى أن فكرة الحرية ليست قائمة عضوياً، في الحياة العربية ذلك أن فكرة الفرد أو الشخص المستقل ، سيد إرادته وفكره وعمله، وسيد مصيره، ليست هي الأخرى، قائمة." الجماعة. الامة" هي الوجود السياسي والثقافي الاكمل ، وقاعدة هذا الوجود ، ومعياره. إنها في الدين برايه، فهو مخطئى وإن أصاب ": قول فقهي شرعي يوكد ما أقول . فليست الحقيقة، بحسب هذا التفكير، انبثاقاً ، أو نتيجة للقاء المتواصل بين الفكر والواقع . وإنما هي موجودة مسبقاً في النص الديني وفي تاويله الذي يحوز الاجماع. والفرد إذا ً محتوى في الجماعة. الامة. إنه ثنية في ثوب .
    أشير هنا إلى أنني لا امزج ،كما قد يبدو، بين الحكومة الدينية القائمة على الاجماع(المفترض) وبين الدولة الجديدة التي ليست دينية حديثة ولا هي دينية ولكنها تعطي لنفسها عصمة الدولة الدينية الفرد في الدولة الدينية لم يكن موجوداً قانونياً. والفرد هو المواطن في دولة اليوم أي صاحب الراي ما دام يقترع ويشكل أساساً لا نتخاب الحاكم .لكن المشكلة هي استمرار المفهوم الديني للدولة ومعه مفهوم الرعية بدل المواطن وإعادة إنتاج العلاقة السلطوية الدينية نفسها.
    هكذا قد يلفظ الفرد من الامة، بوصفه مرضاً، أو غير ذلك ، تبعاً للحالة. ليس له أنا، أو ذاتية مستقلة، بحيث يقدر أن يخالف راي الجماعة. الامة ، ويظل مقبولا ، أو جزءاً منها ، دون أن يرفض أو يُكفر ، أو يُقتل . يتعذر على سبيل التبسيط. أن تقبل الجماعة . الامة شخصاً فيها ، مثل نيتشه، أو داروين، أورامبو. شخصاً يقول حقيقته هو ،ضد الحقيقة التي تقول بهاالجماعة. الامة التي ينتمي اليها وتظل مع ذلك حاضنة له، قابلة به حريصة على حقوقه وحرياته. ذلك أن الجماعة . الامة لا ترى من الفرد أوفيه إلا دوره الديني والدور الاجنماعي الثقافي المرتبطبه هكذا لا يتكلم الفرد بأناه وإنما يتكلم بدينه كما تنقله الجماعة.الامة . أو لنقُل : الدين هو الذي يتكلم في الفرد وبه ، فلا ذاتية له . ويقدر كل فرد هنا أن يقول:" حياتي ليست أنا"،لأنني لست أنا من يبتكرها ، وإنما هي معطاةُ لي، على نحو جاهز ومسبق. هكذا يمضي الفرد في المجتمع العربي الإسلامي حياته بحثاً عن حياته، وبحثاً عن نفسه. إنه يولد منفياً مزدوجاً : تراثياً ومدنياً. وعليه أن يتحرر من منفى التراث الاصل ، ومن المنفى الاخر ، المنفى. النظام الذي يستمد أسسه من ذلك التراث.
    لنقل إن بنية الطغيان في الحياة العربية، منذ نشوئها سياسياص، حتى اليوم ، أدت إلى الأمور التالية التي يعيشها العرب راهناً:
    1- ليس النظام هو الذي يتبع واقع البلاد ،بل البلاد هي التي تتبع واقع النظام.
    2- اٌلغيت فكرة الوطن، وحل محلها النظام.
    3- الغي النفيُ، سياسياً، وحل محله القتل.
    هكذا ،كما غير الطغيان في الحياة العربية معايير المواطنة والحرية والعلاقة مع الآخر، غيرت إرادة التحرر في الوقت نفسه، معايير الوطن والمنفى. لم يعد الوطن حيث الولادة والعائلة، بل حيث الحرية والعمل . وصار ما يسمى المنفى مكاناً للطمأنينة والعمل ، وإمكاناً لممارسة الحرية ومختلف النشاطات الابداعية.
    أقول، إذاً لا يكون المنفى في المكان وحده . المنفى قائم كذلك داخل الذات . في اللغة ذاتها. وقد يكون أشد هولاً في مسقط الراس منه في أي مكان آخر. أقول، إذاً، ولُدت منفياً. فمنفاي الاول ، الحقيقي المتواصل ، هو الوطن الذي وُلدت فيه ، والثقافة التي ربيت عليها . وسوف أقص عليكم حكاية منفاي داخل مواطنيتي. دون تستر وراء قضية، دون دعاوى رسولية أو رسالية ،دون حجب للفردي الخاص باسم الجمعي العام ودون أي نزوع إيديولوجي يحرف ويموه ويرائي. ساقصها كما عشتها. لن أكون كمثل كثيرين يتكلمون على قضايا يتخيلونها أو يتمنونها . وعلى بشر لا يعرفونهم، فيما يتجاهلون الأساسي الحي: الإنسان الذي فيهم. هكذا لا يكون الكلام آنذاك إلا حجاباً.
    عندما أجد نفسي في حالة أكُبتُ فيها ما يتوجب علي أن أكتبه ، فإنني أكون في منفى. أو على الأقل في حالة تشبه المنفى. عندما أكون مجزاً ، مشطوراً: جسدي مقيم حيث ولد ، وعقلي يتغذى من عالم لم أولد فيه، ومن ثقافة ليست ثقافتي ، فانني أكون في حالة نفي، أينما كنت جغرافياً. فالمنفى اسم لتجربة لا تنحصر في الهجرة من مسقط الراس، والاقامة في بلد آخر. وعندما أتكلم لغة أخرى، داخل اللغة . الام ، خروج من الرحم إلى العالم. كأن أمي التي أخرجتني إلى العالم هي التي تنفيني من أحشائها . لا ملجاً لي حتى في اللغة. تائه فيها . مشرد فيها. كانني أنا نفسي، أنفي نفسي. ومنفاي هنا يتحرك باستمرار : لا أتوقف عن نفي نفسي، لكي أعرف كيف أحظى بها أحسن الوصول إليها . ولن أصل . لحسن الحظ. لان الوصول هنا نوع من من الاندراج في ركود المادة.
    المنفى هو المكان الذي ينظر إلى لون بشرتي وأسماء أجد ادي ليحدد لي هويتي. هو الذي يرسم لي نطاق الحركة ودرجة الحقوق ونسبة المواطنية ومسافة التامل ومرجع الاسئلة. غن كنت لا أملك حرية فكري كاملة، أو كنت لا أملك تقرير مصيري وتوسيع وجودي الفكري، إن كنت لا أقدر أن أطرح اسئلتي بلا مواربة وأعلن تحفظاتي بلا تقية وأناقش القضايا الجوهرية الكيانية بلا حدود ولا كوابح ومحرمات فكرية من اي مستوى كانت، فإما أن أتمرد وإما أن أقبل المنفى. فالمنفى الفعلي هو الإطار الثقافي الذي يحد من شكوكي وتساؤلاتي حول الكون والمصير . وبديهي ، بالمقابل أن أقول بحرية المختلف في الراي و التفكير . المنفى هو أولاً غربة الإنسان عن ذاته وحريته الفكرية. هو الحجاب على العقل ورباط الأسئلة وتمويه القلق والحيرة وقبول الإذعان والتسليم بدل التعبير والمساءلة.

    2

    أقول، إذاً ولدت منفياً.
    قصا بين القرية التي ولدت فيها فاتحة المنفى . ديناً ، وفناً، وعلاقات . حفظت معظم القرآن غيباً وانا في الثانية عشرة من عمري. الخط والقراءة في "الكتاب" تحت شجرة في الهواء الطلق . قرات دواوين الشعراء العرب الكبار ، برعاية أبي وتوجيهه وارشاده. غير أنني في هذا كله، كنت أشعر في قرارتي أنني أتعلم كذلك المنفى. كأن قصا بين لم تكن في سريرتي مقاماً بقدر ما كانت انتظاراً. وكان يخيل إلي أن بقائي فيها لن يجديني في أي شيء . وساظل ما دمت فيها كمن يسائل الحجر ، ويناقش الريح.
    في ذلك العهد كانت المنطقة التي نشأت فيها لا نزال تعاني من التهميش والعزلة والاهمال. وكانت جميع سبل الخروج مقفلة، إلا اثنان: الجندية ومجال العلم والتعليم . كانت الجندية خارج عالمي وأحلامه. وكان العلم مستحيلاً بسبب الفقر وغياب المدرسة . فجأةً، لا اعرف كيف . رسمت خطة للخروج من القرية .في شكل حلم من احلام اليقظة . كانت سورية قد نالت استقلالها ، وتحولت إلى هذه الجمهورية ، وانتخب رئيسها الاول شكري القوتلي. وقد شاء ان يزور المناطق السورية ، ليتعرف على هذه الجمهورية، بالمشاهذة والتجربة . قلت في حلمي: سياتي إلى منطقتنا. إذاً، ساكتب له قصيدة. سالقيها امامه. سوف تعجبه. وسوف يطلبني بعد سماعها لكي اراه. وسوف يسالني: ماذا يمكن أن نقدم لك؟ وسوف أجيبه: ليس في قريتنا مدرسة ، وأريد أن أتعلم . وتم الحلم كما رسمته. وصار واقعاً حياً. وربما ، كان علي، لكن في إطار آخر ، أن أكتب جواباً عن هذا السؤال: كيف يتحول الحلم إلى واقع؟
    خرجت من القرية إلى المدرسة التي كانت الأخريرة في سورية ، بين مدارس البعثة الفرنسية العلمانية، وكانت في مدينة طرطوس . وبعد سنتين، اُغلقت هذه المدرسة نهائياً. وانتقلت إلى مدرسة من المدارس الوطنية، التي بدات تنشئها الجمهورية السورية الناشئة. كان خروجي إلى المدرسة الفرنسية العلمانية ، فاتحة لخروجي في اتجاه عالم آخر ، عبر القرية التي ولدت فيها . وبدات اشعر بتجسدات منفاي الاصلي. في الطائفة ، في الحياة الاجتماعية ،وفي الحياة السياسية والايدلوجية. بدات اشعر بالمقابل، أن علي أن أخلق عالماً خاصاً .أن اتخلص من هذا المنفى، أن أتساءل أولاً عن انتمائي الطائفي. وأن أتخلص من هذا الانتماء وأتساءل عن عزلة الطائفة، وعن هذه الجزر المغلقة على بعضها بعضاً. من أنا في الطائفة؟ ومن هذه الطائفة؟ اجتماعياً، ومدنياً ، كانت القرية الرمز المدني لهذه الطائفة . والفلاح رمزها الاجتماعي. وكانت المدينة تنظر إليها بنوع من التعالي، حيناً، ومن الازدراء والكراهية حيناً، مع يتبع ذلك من تصوير نمطي متدن دينياً واجتماعياً، ومن الشفقة حيناً آخر . كان التاريخ هو الذي يفكر ويقوم . وكانت المدينة لسانه الناطق.

    3

    كيف أخرج من المنفى؟ سؤال طرحه ويطرحه كثيرون غيري . وربما قدموا أو يقدمون أجوبةً غير أجوبتي. هو إلى ذلك سؤال لن أجيب عنه بلغة عامة لغة المواطن العربي الذي نفته الدولة بحيث يفقد مواطنيته، ولا يعود موجوداً الا اسماً ورقماً. ولن أجيب عه بلغة ناطق باسم قضية أو نظرية . ساجيب عنه انطلاقاً من تجربتي الشخصية الخاصة كما أشرت. فالتخصيص هنا هو الجدى، والاكثر إضاءة. لا اريد ان احتجب في نقل ما اراه الحقيقة، وراء اي حجاب، كما أشرت والمقدس. كل مكبوت، كل ما لا يقال ليس إنكار للحقيقة وحدها ،وانما هو انكار للانسان ذاته. إذا شاء المجتمع أن يحترم كينونته، فإن قوته الوحيدة في ذلك هي إنسانيته الحرة والمفتوحة. دون ذلك لن يكون اكثر من قطيع.



    ولنا عودة لباقى ورقة الشاعر الكبير أدونيس

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2007, 04:48 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    تتمّت ورقة الشاعر أدونيس وكعهدنا به
    يوغل فى الحفر:
    4

    كانت الايدلوجية السياسية التي تبناها ابناء جيلي او معظمهم، لكي أكون أكثر دقة، تسير في السياق التقليدي القديم. وكانت في هذا الاطار توصف، في احسن حالاتها، بانها ترتيب وتحسين وتزيين . وفيما كان كل من أبناء جيلي يقول فخوراً مزدهياً : أنا أنا ، مشيراً بالانا الثانية، إلى الماضي العربي، كنت أتمتم في ذات نفسي حائراً متردداً: أنا أنا. الفترة التي عرفت فيها يقظتي على العالم والافكار والاشياء، كان يقودها منطق الهوية. الهوية المزدهية حتى الغطرسة، والمكتفية بذاتها . وكان يمثل هذا المنطق ، على نحو أخص، حزب البعث العربي، رافعاً القومية العربية الى مستوى المسلمة الميتافيزيقية ، كما لو انها لا هوت ثان. هكذا لم يكن يرى في الاخر الذي يعارضه الا الفساد والشر. لا ازال اذكر الاستاذ الذي كان يدرسنا التاريخ، عبد الحميد دركل . كانني اراه الان يروح وياتي في الصف ،مزهواً بكلامه على العروبة والاصل القومي العربي، والوكن العربي الواحد،والامة العربية الواحدة، ورسالتها الخالدة الواحدة. لا يزال يرن في اذني قوله:"هناك أشخاص يقولون بالانتماء إلى السومريين والبابليين والآشوريين والفراعنة والفينيقيين . هؤلاء حشرات يجب ان نسحقهم بأقدامنا."
    كان هذا المنطق امتداداً للمنطق الاصولي، من حيث انغلاقيته، وسهره على صحة الأصل، وفكره الاقصائي الطغياني. وكما كان الاول عدواً شرساً لكل انتماء غير عربي، داخل البلاد العربية ، كان الثاني عدوا شرساً لجميع الفرق الدينية المنشقة عن الجسم الرسمي للامة، الذي يمثله اهل السنة.
    كنت في هذه الاثناء قد انخرطت في حركة فكرية سياسية هي الحزب السوري القومي الاجتماعي، ظناً مني انه يجسد الصورة المغايرة، المرجوة، للصورة السائدة في المجتمع السوري، وإذاً للثقافة السائدة .وانه تبعا لذلك يخرجني من منفاي. منفى الاقلية. تمثلت لي هذه الصورة اساسياً في الدعوة إلى العلمانية ،أي إلى بناء مجتمع ينفصل فيه الدين عن السياسة، بحيث يكون تجربة شخصية لا تلزم احداً إلا صاحبها. تمثلت أيضاً في النظرة اللاعرقية الى المجتمع ، والقول : في البدء كان التعدد. أعني أن المجتمع مزيج بشري ثقافي في كل موحد، يتخطى أي انتماء عرقي. ويوضح هذه النظرة مفهوم وضعه انطون سعادة. مؤسس الحزب ، سماه"السلالة التاريخية" التي تنصهر فيها الاعراق والثقافات.
    ويذكر هذا المفهوم بما طرحه، فيما بعد ، الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز، وما سماه بال(ريزوم) أو الجذمور ، كما يترجمة المنهل. ويقول لنا الجذمور ، كما تقول السلالة التاريخية : في البدء كان التعدد. فالجذمور مجموعة من الجذور تتلاقي وتتشابك، أصلياً. والآخر إذاً بدئياً عنصر مكون من عناصر الذات . لا ذات الا متشابكة مع الآخر. وهو مفهوم يجنبنا فرض التعريب أو قمع الجماعات الاتنية والاقليات الدينية والغاء الهويات وقسرها على الذوبان في هوية عربية واحدة. يجنبنا كذلك الفرز الاتني اللغوي والاجتماعي ، فلا يعود المجتمع مجموعة من العناصر المفككة، المتضاربة، كل منها ينظر إلى الآخر بوصفه عدواً، وانما يصبح متحداً اجتماعياً، مدنياً واحداً. التهجين، التعددية، التركيب، هي في هذا الاطار ،عبارات ليست مجرد صفات او حالات .إنها كذلك افعال تتم في التفاعل اعادة التشكيل ، بحيث تتعذر معرفة الاصول، وتزول مفهومات الانتماء القومي إلا إلى المجتمع والارض التي تحتضنه. هذا هو البعد الاساسي، وربما الوحيد الذي جذبني إلى هذا الحزب .أما البعد التنظيمي الهرمي فكان يقمع التنوع ويتشدد ازاء الراي الشخصي. كان فيه نوع من المفارقة: يحتضن التعدد الاتني من جهة، ويفرض ،من جهة ثانية، فكراً أو وحدياً، يقصي المختلف.
    في هذا الافق تغيرت نظرتي الى العروبة . فإذا كانت دون مضمون حضاري معر في نقدي تساؤلي منفتح وعادل تصبح مسالة عرقية أو بمثابة مسالة عرقية رغم ما عرفته الارض العربية من تمازج الشعوب. في هذا، الافق أيضا، خرجت من اسمي، لكن بأسلحة الآخر الذي يحيا في .أو لاقل : اسم أدونيس إظهار للاخر الذي في ،اوهو أنا بوصفي آخر. غير أن هذا الاسم صار إثماً. عمق منفاي ، داخل بلادي وداخل ثقافتي. ولا يزال يثير لي المشكلات على أكثر من صعيد.

    هكذا في البيت في المدرسة ، في المؤسسة ،في الشارع، كل شيء كان يبدو لي كان سلطة خفية كامنة تحول دون أن يكون الانسان سيد حياته ونفسه. كانه يحيا: جسمه في مكان ، ونفسه في مكان أخر .وأخذ شعوري يزداد بانني شخص محكوم ،مسير ويحال بينه وبين ان يدافع حتى عن نفسه. تحاصره السلطه أينما اتجه، وكيفما اتجه. لا السلطة السياسية وحدها،بل السلطات الاخرى، الدينية والاجتماعية ،الحزبية، والثقافية.تنتهي الاخلاق في مثل هذا العالم الى ان تصبح مؤسسة ضخمة للنفاق. وينتهي العالم الى ان يصبح لا مبالاة ،والانسان الى ان يصبح وحشاً. النضال من اجل اذلال الانسان :هذا هو جوهر السلطة التي نشات في ظلها .ولا فرق في ممارسة هذه السلطة بين العسكري والسياسي، الكاتب والشرطي، الشاعر والتاجر، في هذا الحزب أوذاك. جميعهم في النوع واحد . واذا كان هناك فرق بين واحد وآخر، فهو فرق في الدرجة لا في النوع. ومنذ بداية الخمسينات، من القرن المنصرم تحديداً، صرت ألمس بالخبرة أن الانسان في الحزب اي حزب او في المجتمع ، ليس موجود إلا بوصفه جزءاً من منظومة سياسية او من النظام القائم او تابعاً له. الآخرون إما متهمون او مجرمون سلفاً. وعليهم إذاً إن يواصلوا حياتهم، أن يفككروا ويعملوا، في اغاء كامل لحرياتهم وذواتهم.
    وشيئاً فشيئاً صرت أشعر أن نشاطي السياسي ليس أكثر من أصبه فيكأس لا قعر لها. ولم يكن ذلك الماء إلا حياتي ذاتها .وهذا ما أخذ يطرح علي سؤال المعنى.ما معنى أن يكون الانسان سورياً أو عربياً أو مسلماً؟ وما يكون معنى الفكر ، ومعنى الشعر ؟ ومن الانسان ،قبل كل شيء؟
    هكذا في أواسط الخمسينيات عبرت الاختبار الكبير الكاشف:لمناسبة قضية تورط فيها بعض مسؤولي الحزب الذي انتميت إليه، جيء بأعضاء الحزب بالمئات من أقاصي سوريا، دون أي علاقة محتملة بوضوع المحاكمة ،لنهم برئوا في النهاية أوخرجوا بمنع محاكمة ،لكن بعد محن عديدة. وقد جيء بي من حلب وأنا في خدمة العلم, ومع أنني خرجت بمنع محاكمة إلا ان الثأر امتد إلى ميدان الشعر .بل صار مجرد وجودي وشعري نفسه موضع تساؤل بل يُعد عدواناً وتهديداً . وتبين لي الحصار المزدوج :قمع فكري من جانب الحزب العقائدي، وقمع بوليسي من جانب الدولة ومؤسساتها تمثل بوقائع غريبة لا أجد هنا المجال للحديث عنها .وعندما بلغ القمع من الطرفين مستوى الحرية الفكرية والفنية ،فضلاً عن السجن مجدداً بلا دعوى، توجب أن أبحث عن الحرية في آخر . ومع أن المنفى، بالنسبة إلي ليس في الخارج ،وإنما هو في الداخل فقد اخترت بيروت حيث كان الإنسان يقدر ،على الاقل ، أن يعيش منفاه في الداخل ،وحيث المعركة من أجل الحرية الفنية والفكرية ممكنة. وجاءت في هذا السياق مجلة "شعر" وفيما بعد مجلة "مواقف" أفقاً ووعداً. وقد اتاحتا لي ،على الاقل ،أن أخوض معركة الحرية الشعرية والفكرية بحسب قناعاتي. وإذا كان خوض المعركة فاتحة أساسية وأفقاً فانه لم يكن آنذاك حاسماً.

    5

    المنفى إذاً، بالنسبة إلي ليس في الخارج،كما أشرت، انما هو في الداخل. هكذا لم يؤثر في منفاي تغيير الأمكنة. وبما أن المنفى، بالنسبة إلي،ليس مسالة جغرافية، وانما هو مسالة ثقافية، فغن العلاج، إذاً لا يجيء من خارج ، بل من الداخل . والسؤال هو نفسه: ماذا أفعل داخل ثقافة أشعر أنني منفي فيها ومنها؟.يتمثل هذا المنفى ،ثقافياً، في الروية الأوحدية، الدينية والسياسية، إلى الحياة والانسان ،تلك التي تقود المجتمع العربي،وتؤسس لوجوده. ما تقول هذه الروية؟ تقول إن دور الانسان ليس في الكشف عن حقائق جديدة ،وإنما هو في شرح الحقائق أخرى ، باطلة حكماً. عدا أنها تحمل رفضاً معرفياً للاسلام الذي هو الوحي الاخير.
    ومعنى ذلك أن المستقبل لا يمكن أن يحمل حقائق أكثر صحة من تلك التي حملها هذا الوحي.
    والثقافة إذا ، علماً وفناً ،ليست إضافة ،وإنما هي انبثاقات من النصوص، شرحاً وتفسيراً، وما نسميه بالتقدم ،إذا، لا يعني الاتيان بشيء لم يكن موجوداً، وإنما يعني إبراز ما كان كامناً في النصوص ويعني التحسين والتجميل. إذ لا يمكن ،وفقاً لهذه الروية ،أن نتصور نشوء فكر أكثر تقدما من فكر النبوة الاسلامية ،أو نشوء عمل أفضل من عملها ، والا فاننا ننكرها. والمعيار إذاً ليس خارج هذه النبوة، وإنما هو في داخلها . ومهمة الانسان ليست في البحث عن قول أفضل أو عمل أفضل، وإنما هي في الحرص الكامل على محاكاة النبوة، قولاً. وجهد الانسان ، يقتصر إذاً على النقل، واضعاً العقل نفسه في خدمة هذا النقل. فليس هناك،وفقاً لهذه الروية،ماض ليكون هناك مستقبل.ولم يكن عصر النبوة تخلفاً لتجيء بعده عصور متقدمة. التقدم على العكس، يمكن في العودة إلى ما مضى إلى الاصل، على نحو متواصل إلى قيام الساعة. وبما أن التقدم الكامل أو الاكمل موجود في النبوة . أي موجود في الماضي، فأننتقدم اليوم هو أن نقتدي بهذا الماضي، سياسةً وثقافةً. الماضي هو مستقبلنا. والدين والسياسة والثقافة كل لا يتجزاً ، وفقاً لهذه الروية.

    6

    كان علي ، لكي أكون نفسي أن أنفيها من هذا المنفى. لا في خارج أجنبي، بل داخل هذا المنفى ذاته، داخل شعبي وثقافتي ولغتي. كان علي أن أبتكر مكاناً آخر ، في ما وراء الوطن والمنفى.
    وفيما أخذت أعيش في هذا المكان الآخر ، كان معظم أبناء جيلي شعراء ومفكرين،يعيشون ويفكرون ويكتبون دون ان يطرحوا أي سؤال جذري على هذه الروية ،أوعلى أصولها. وتلك نقطة افتراق عميق بيني وبينهم. وفي هذا الأفق تحديداً ، لا أعد لغتي جزءاً من اللغة الشعرية العربية السائدة، او اللغة الفكرية السائدة. والفرق بيننا هو الفرق بين قبول البناء القائم وتحسينه وتزيينه، بين إعادة النظر فيه، وإعادة بنائه على أسس جديدة، وفي أفق جديد.
    ازداد عملي تعقيداً عندما وعيت أن النص الديني الاسلامي لا ينفصل حكماً وطبيعة عن مشكلات الثقافة الغربية ،عبر تجانسه مع النص التوراتي وحياً وتاريخاً. فالعلاقة بين النصين وثيقة جداً، وهذا يعني أنه لا يمكن الفصل بين الثقافة العربية.الاسلامية ،والثقافة الغربية اليهودية.المسيحية.

    المظهر الاكثر تعقيداً في هذا الاطار هو أنه أتيح للنصوص الدينية اليهودية والمسيحية عقول خلاقة وحرة تعيد قراءتها وتأويلها في ضوء الشغف الانساني إلى المعرفة والتقدم والسيطرة على المادة واكتشاف الكون. هكذا فصلت عن المدينة، واتيح لها أن تبتكر مدنيتها وشرعها المدني وقوانينها المدنية وثقافتها، دون أن تسي إلى الايمان الديني، دون أن يفرض الدين تعاليمه عليها بذلك تحقق النهوض في الغرب ،مؤسساً على الفصل بين عالم الدين الذي صار تجربة روحية فردية خاصة وعالم المدينة، الجمعي المدني المشترك .وهذا ما لم يتح للنص القرآني. بق محجوباً بقراءته الشرعية الفقهية،استناداً إلى قراءات السلف بوصفه نصاً تعليمياً في الامر والنهي،في معزل عن الانقلابات المعرفية الكبرى،وفي إهمال كامل للتطور الانساني، وللثقافة بعامة،والعلم بخاصة .وبقي العالم الاسلامي. العربي يرزح في قيوده، معرفياً وسياسياً واجتماعياً. ويشعر الانسان اليوم،إن كان صادقاً حقاً، أن الحجاب الذي يسدل على النص القرانني، يجعل من الدين قوة مادية تغتصب النا وتغتصب مثالات النا كلها، وأنه ليس لدى المسلمين. العرب في العصر المثالات الانسانية .المدنية،أى مثال مدني. إنساني مشترك، على أي مستوى.

    7

    الداخل الذي أنتمي إليه منفى، لا أنتمي إليه.هكذا أتحرك بين ضفتين في داخلي :ضفة الأصل، وضفة البحث والانتظار .بين ماض أسس للظلم والقهر ،للالغاء والاقصاء ومستقبل مجهول. معلقاً بينهما في وضع شخص يرفض العودة إلى الوراء ، ولا يعرف إلى اين سيصل به المطاف. انتظاراً لنهاية المطاف، أطوف في هذا المكان الآخر ، داخل لغتي، بلغتي. صار الشعر، بالنسبة إلي، اكثر من الشعر.صار محيطاً تلتطم فيه أطراف العالم والاشياء كلها ،ذاتاً وموضوعاً، داخلاً وخارجاً، طبيعة وصيرورة. صار وطن حريتي وميدان أسئلتي ونمردي. وكان علي أن أحوله إلى أسطورة لكي تتصادى مع أسطورة المنفى.وفي هذا ما قد يفسر انهماكي في التاريخ .فقد كان علي لكي أضيء منفاي، أن اضيء الجزور التي جئت منها .وفي هذه الاضاءة، أشعر أن المنفى، داخلاً وخارجاً،هو البعد المحرك في الانسان .ذلك أنه يتيح توظيفاً وتحريراً عاليين للطاقات الانسانية ، على مستوى المخيلة ،وعلى مستوى الواقع،وعلى مستوى الابداع .يتيح الحياة في تماس مباشر مع حركية العالم. كانما الانسان لا يحيا حقاً إلا وهو يبتكر منفاه،كما يبتكر وطنه. وكان الخارج إنقاذ من الداخل في أحيان كثيرة ,أو كان الاجنبية أو الغربة ، في أحيان كثيرة ، تتيح ابتكار وطنية عالية فيما وراء الجزور والاصول، والسلف والتاريخ .أو كان الذات تولد هي كذلك في الاخر.

    8

    قلت مرة في قصيدة كتبتها في باريس(لا الخارج بيتي، والداخل ضيق علي) . في هذا ما يفسر ذلك المكان الآخر الذي أعيش فيه، في ما وراء التخوم. في منفى. وطن ، في ما وراء المنفى والوطن. واللغة العربية هنا لغتي. لغة انتمائي الانساني والثقافي، هي مدار هذا المكان . وهي طينه والافق ، ومادة المعنى وهي فضاء التمرد وسماء الحرية. الوطن هنا ذائب حاضر في المنفى. المنفى هنا ذائب مقيم في الوطن. ولد جسدي في هاوية وصار هو نفسه هاوية. فليس المنفى شيئاً أضيف إلى حياتي. انه حياتي نفسها.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2007, 00:49 AM

Aymen Tabir
<aAymen Tabir
تاريخ التسجيل: 02-12-2003
مجموع المشاركات: 2609

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    استاذي العزيز بدر الدين الامير
    التحايا والشكر
    اذ كان ما كان هما ، واعني هذا الاندياح الفكري والاضاءه الثقافيه لاوراق بمثل هذه اهميه ..
    الأدب والمنفى موضوع شبعان ودسم بمحاور غنيه وبحث شيق في اعماق المنتوج الادبي القديم والحديث واعني في ادبنا العربي .
    سانتظر طرحكم الكامل للاوراق المقدمه . ولي عوده لبعض الاضاءات خاصة فيما يتعلق بمحتوى الحاله والمنتوج الادبي للمنافي .
    بي امل وشوق اذ اتمنى ان تكون واحده من الاوراق قد تناولت تجربة المدارس القديمه جبران وإيليا وتجربة شعراء أبولو المترفه ودور الازمه بمعنى الحاله في تعميق الحس الابداعي وتطوير اللغه .
    جالس حداك ومتابع يامتنان
    لك الود
    ايمن السر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2007, 07:41 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: Aymen Tabir)

    أخى أيمن السر
    سرنى وجودك هنا
    وفعلا كما ذكرت انت الندوة كانت دسمة الحديث والمتحدثين
    وقد استمرت لمدة ثلاثة أيام لذا ارجو ان اوفق لاجلك واجل
    من هم على شاكلتك من المهتمين فى نقل الجانب الاكبر من تلك
    الندوة وفى تقديرى انها تهمنا كسودانيين بشكل خاص في ظل مانافينا
    العديدة والمتعددة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2007, 04:38 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    أراضي المنفى ، وطن الكتابة
    واسيني الأعراج
    1- جدي كان حاضرا يومها...

    كان الربيع، ولكن القلب كان حزينا ومنتهكا. شيء غامض كان يشتعل في الداخل كالحرائق المهولة، ولم أكن قادرا على مقاومته. هكذا ياتون ... وبصمت يذهبون . لست أدري كيف جاءتني هذه الجملة وانا أقف مع كمشة من الأصدقاء على قبر محمد ديب ،يوم دفناه في مقبرة فرنسية مسيحية صغيرة إلى جانب أقارب زوجته، وقبر رجل منسي لم يبق من اسمه الإكلمة: آيت التي تعني في اللغة الأزيغية "آل" على أطراف باريس .لقد كان ديب أبا مؤسسا للأداب الوطني الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، ومناضلا من أجل وطن خذله، ولكنه ظل وفيا له وللكتابة، لأنها لم تخنه أبدا حتى يوم وفاته، بل حتى بعد ذلك بسنوات، إذ نشر آخر نصوصه : لايزا(1) بعد موته.
    الذي أغرقني في نوبة من الالم الذي لا اسم ولا طعم له إلا الخوف من المبهم، هو الموت في الصمت والعزلة، وبعيدا عن جزء حي من الذاكرة. وكان يمكن أن يتحول موت محمد ديب إلى تظاهرة وطنية لودفن في الجزائر، ولو وجد وطنا يُشغل بأديب ،ويدرك بقليل من النباهة فقط ، أن كاتبا مثل ديب هولقية ثمينة لا تتكرر أبدا، لكن الأوطان تلتفت باستمرار صوب البياض والفراغ لكي لا تري خرابها في عيون الفنانين والكتاب المغلقة قبل الوقت. الجرح الذي مس ديب كان كبيرا وعظيما ولم بإمكانه إلا أن يموت وحيدا بعد ان عاش أكثر من خمسين سنة منفيا، في عزلة لا شيء يملأها إلا الكتابة، والكتابة فقط.
    السؤال المعتم الذي كان يدور بصمت في رأس الكمشة التي ودعت محمد ديب هو : هل نموت جميعا هكذا ، في صقيع هذا الربيع الذي غابت شمسه؟ لا نساوي حتي مساحة قبر في أوطاننا؟ تراجيديا المنفى أنها لا تترك لك وقتا للتفكير وهي تداهمك بوسائلها الأكثر فتكا: النسيان . هكذا سيموت الآخرون.
    عندما التفت نحوي، أجدني ضائعا داخل المسافات التي لا ينتهي امتدادها. يبدو لي أن حياة الترحال المستمر ورثتها عن جدي الموريسكي الذي عندما انغلقت عليه سبل الدنيا في غرناطة (في القرن السادس عشر) ، التفت نحو العدوة الخرى . لم كتبه أو ما بقي منها بعد رماد المحرقة التي أكلت كل شيء. وولى وجهه شطر مدينة المارية(2) التي حملته سفنها وقذفت به نحو أرض لم يكن يعرفها ولكنه كان يحس بأنينها. قيل له : سيقتلك أهلك هناك ، فلا أحد يعرفك. قال : لن أبقى في أرض لذتها في حرق الكتب. سأذهب مهمت كانت العواقب. قيل له : اذهب ولكنك ستعود، المنفى دائما شيء مؤقت يبدأ بكلمة عابرة. وينتهي بسؤال معقد. قال : عندما نحط الرحال في مكان ما ونستقر فيه، لا يوجد المؤقت أبدا.
    المنفى ليس لعبة مؤقتة نفككها ونرتبها كما نشاء، صيرورة تتحكم في ذواتنا أكثر مما نتحكم فيها. تأكلنا الحياة ولكن عندما يطل علينا الموت من شقوق النوافذ تقفز في أذهاننا أرضنا الأولى، حبنا الأول وتربتنا الأولى وحماقاتنا الأولى. أغمض عينيه وسافر ليستقر على حافة بحر أمسيردا (3) ، عندما يكون الجو جميلا تبدو جبال إسبانيا واضحة وأعتقد أن جدي ، في لحظات الألم والغبن والكبرياء وصفاء الذهن، كان يصعد إلى أعلى قمة من قمم جبال زندل التي تطوق منطقتنا ، ويرمي بصره بعيدا ويستعيد أندلسا صارت ضبابا وذرات حلم مستحيل.
    عتدما حلمت حقائبي للمرة الأولى ، في ذلك الشتاء البارد ، لم أتذكر الشيء الكثير من حياتي البسيطة واليومية ، فقد صار كل شيء امامي أبيض لا معا وبلا لون ، ولكني لم أستطع أن أتفادى خزرة جدي الساخرة من الحياة وهو يرحل بكتبه ويحاول أن يحمي منها من حرائق محاكم التفتيش المقدس ما استطاع ، متحملا الأدخنة ولسعة النيران المشعلة.
    المسافة بيني وبين جدي الندلسي الموريسكي كانت كبيرة ،أكثر من أربعة قرون، ومع ذلك ، وأنا أحمل حقائبي بمشقة ، رايته أمامي ، ينظر إلي بحزن ثم يلتفت نحو جباله الأولى لكي لا يراني أرحل ، بلا دراية ولا قصدية، كنت أقوم بفعل عكسي وكان السنوات والقرون اختزلت لقوم بنفس فعله، لكن هذه المرة مقهورا من بشر يشبهونني في كل شيء إلا في اليقين؟ كل ما كان في كان هشا وممزقا ومهتزا. يقيني الوحيد كان هو الحرية في أن أكون أنا قدر ما أستطيع . الحرية فقط . لم يكن الطلب صعبا ولكنه كان مستحيلا.

    في الطائرة الشتوية التي سحبتني إلى باريس في شهر ديسمبر من سنة 1993، تساءلت و أنا معلق في الفراغ:هل يبدأ المنفى هكذا ، بلغة لفظية، ثم بكلمة مبهمة ثم بسؤال مربك لكل يقين، يعمق الحيرة أكثر مما يفكها؟ أدركت يومها ان ما كان يحدث للآخرين في الدنيا، يمكن أن يمسنا نحن كذلك، الذين نعوم في لذة اليومي الذي لا نتصوره درجة قسوته التي تصل إلى حد فصلنا عن تربتنا؟

    2- شهوة المتخيل
    المنفى؟ ننس ونظنُ أن ذلك لا يحدث إلا للآخرين. المنفى كلمة صغيرة تخبىء وراءها إرثا بشريا ثقيلا ومرا ، مخترقا بالاشواق والفقدان ومؤثثا بالسعادات الصغيرة غير المرئية. ولهذا، فكلما سمعت كلمة منفى، ينتابني إحساس غريب بالبياض، وهذا السؤال المرتبك والهش: مامعنى المنفى بالنسبة لفنان منفاه الأول هو عتاده ولغته التي يكتب بها كما يقول رولان بارث (4) ؟ هو في المنفى من حيث هو كاتب؟ اللغة تصنع عالما موازيا يعج بتفاصيل الحياة التي نحس بانتماء اتها لنا ولكنها لا تنتمي في نهاية المطاف إلا اللغة ونظامها الصارم . وإذن أين يتجلى هذا المعنى العميق الذي تتبطنه هذه الكلمة المولدة للخوف ولمختلف الاهنزازات الداخلية؟ هل المنفى هو افتقاد الأرض التي شيد عليها الفنان ذاكرته وأشواقه ؟ فكم من أرض يملك الكاتب إذن: أرض الطفولة التي يفقدها في سن مبكر ولا تستعيدها إلا الكتابة بشهواتها المختلفة ومخيالها الذي يهزنا بمتعته كلما توغلنا فيه؟ أليس فعل الكتابة عن المكان هو اعتراف ضمني بالفقدان؟.

    هل هي أرض الشباب ، التي سرعان ما تنطفئ داخل مجتمعات مختلفة تحاسبك في حبك وفي تنفسك لانه لا يشبه تنفس الآخرين وخرج عن نظام المجموعة الذي يجب أن لا تُخترق إذليس لك في نظام الهيمنة والسيطرة ، ان تحب، أن تتحرك كما تشتهي ، أي أن لا تكون أنت ولكنك تكون الآخر الذي يشتهي أن يرى صورته المقهورة والمختلفة فيك مما يضطرك إلى ترك أرضك والذهاب بعيدا نحو أرض أخرى ،وربما كانت الكتابة والفن هي وطنك الموازي ؟هل المنفى إذن هو الارتحال عن أرضك، التي ليست هي أرضك الولى ، باتجاه أرض أخرى يفترض أن تمنحك الامان والمحبة وبعضا من الراحة والحرية خصوصا، لان التنقل لو اختزل في الرغبة في العيش والاستمرار في الحياة، يفقد معانيه العميقة والحية. فالمشكلة ليست في الحفاظ على النوع لانه آيل إلى الزوال ويحمل موته ضمن رصيده الجيني الثابت؟ عن أي شيء يبحث الكاتب إذن وهو يغسل يديه من وطن ورثته له التربة وخطابات الاهل والساسة المحنكون؟ عن وطن الحياة الكريمة؟ عن وطن العيش الحر، حيث يمشي ولا يلتفت وراءه كلما سمع وقعا خشنا لا حذية لم يتعود على سماعها ؟ عن وطن الكتابة الذي ينشئ فيه كل حياته الموازية الجمياة؟ وإذن ماهي الخسارات اللاحقة التولدة عن هذا الترحيل القسري من أرضه الصغيرة التي نبت في حدائقها كأية زهرة باتجاه توطين ليس دائما فعلا هينا؟ وماذا يمنح له هذا التنقل من اكتشاف جديدة يحافظ بها على الاستمرارية بمعناها الوجودي وليس البيولوجي فقط؟ أي الأسئلة أختار الإجابة عنها وسط هذه الغابة من المبهم وأنا أشعر بنفسي معنيا بها كلها؟
    معنيا بقوة، لأن بها كلها رائحة من حياتي الصغيرة التي لا أراني بدونها. المنفى كالمرض، لا ياتي دفعة واحدة، يتربي في الأعماق إلى أن يصير قنبلة موقوتة تنفجر حين تشاء.

    3- شجاعتي في منشفتي
    لنبدا من المنفى الاول.
    خسرت قريتي التي بنيت فيها الذاكرة الأولى وشيدتها على فقدان الوالد(1959) في الحرب التحريرية ولم أحتفظ في ذاكرتي إلا بوجهه الطيب وهو يعود من منفاه الاختياري كعامل مهاجر في فرنسا، وهو يغسل وجهي صباحا ثم يضع على رأسي المنشفة الكبيرة وهو يضحك: هل تراني الآن يا واسيني؟ و أتذكر أني كنت أقول له : أراك، وأحاول أن أصنع له صورة من وراء المنشفة ، تشبهه ،وأحيانا أجمل.
    ولماذا ذهبت إلى فرنسا؟ أفضل دائما أن أساله تحت ظلام المنشفة لكي أتجرأ على طرح أسئلتي التي لا تنتهي ، فيجيب: للعمل . قريتنا فقيرة جدا ولا تمنحنا الشيء الكثير للعيش ونضطر للخروج قهرا وليس اختيارا. بلاد فرنسا(هكذا كان يسميها ، وهي ترجمة حرفية لكلمة كان يقولها المغتربون: La France Le Pays de) متعبة لأننا نعمل بمشقة فيها ونحمل الأشياء الثقيلة على ظهرنا وبين أيدينا ولا نتشكى، لأننا إذا فعلنا ذلك سنطرد. الكثير منا يموتون بفعل التعب أو الحوادث المؤلمة، يسقطون من أعالي البنايات أو تسقط على رؤوسهم الكتل الثقيلة. أعاود السؤال : وأنت ألا تختف من ذلك كله؟ أحيانا، ولكن ماذا بأمكاني أن أفعل؟ يجيبني بعد صمت طويل . لكن ... في فرنسا حدائق وأمكنة للراحة ، ومدن نظيفة كذلك ، نتعلم فيها كيف نقرأ ونكتب. أساله من جديد وأنا مستمتع بظلام المنشفة التي تمنحني حرية الكلام ، بحيث أحسه وأراه كما أشتهي ولا يراني: هل تعلمت القراءة والكتابة هناك؟ يجيب وهو لا يخبئ ابتسامته التي أحسها ترتسم على شفتيه الرقيقتين، والتي تزيد من يقينه: تعلمت. سيدة طيبة تعمل معي، علمتني. أتساءل ولا أطرح السؤال: امراأة تعلم والدي؟ هذا الأمر لا يوجد عندنا . بملعنة وخبث طفولي، أتذكر أني أدخلت والدي في المصيدة. لابد أن تكون هي نفسها المرأة التي تتحدث عنها كل نساء العائلة والتي يقال إنها سرقت والدي من أمي. هناك من يتمادى في خياله ويقول إن له أبناء معها . أمي لا تصدق أو تحاول أن تتظاهر بذلك . أساله مرة أخرى بلغة أقل يقينية: فرانساوية؟ طبعا فرانساوية ، يجيبني والدي. أتوغل في السؤال : لماذا لا تأخذ أمي معك وترتاحان هناك. يرد ولا اشعر أنه تأثر لسؤالي :هي هنا في بيتها وأرضها وتسهر على الجميع وأنا هناك أحاول أن أخفف عليكم مشقة الحياة . أكاد أساله : بابا هل هي نفس الرومية (5) التي يتحدثون عنها ؟ مثلما سمعت في حوارات جدتي وامي وخالاتي على الهامش عندما أسترق السمع مثل أي طفل شقي كبر بسرعة ولم يتفطن لسنه الآخرون؟ فجأة ينزع المنشفة من على رأسي ويتضح النور ، فأتوقف عن أسئلتي في باحة الدارو أجلس في حجره انا وحسن أخي ، نشرب القهوة الصباحية. يقول وهو يضحك ولا أدري صدق ما كان يقوله: سيدنا علي هكذا كان يفعل، يضع الحسن على اليسار والحسين على اليمين.


    4- من سرق كتاب اللذة؟
    والدي الذي أدخلني إلى المدرسة الفرنسية والجامع(6) ، استشهد حتى قبل أن أطرح عليه كل أسئلتي التي ما تزال إلي اليوم معلقة في الذاكرة كأية آنية عتيقة تحمل سرها في قدامتها . أمي سارت على هدي وصيته التي تركها وراءه قبل أن تأكله حيطان ثكنة سواني العسكرية ويموت تحت التعذيب الهمجي في صيف 1959.تسألني أمي من حين لآخر عن أحوالي في الجامع: فارد بحماس : انتهيت من حفظ الربع الأول من القرآن الكريم ، وزوقت لوحتي العديد من المرات وبدأت أجلس في الأماكن الخلفية للجامع الأماكن الخلفية تعني أنه أصبح بإمكاني أن آخذ نسخة من النسخ العشر من القرآن وأطلع عليها وأسال الفقية عند الضرورة. أحزن أحيانا لان والدي ذهب قبل أن أخبره بقصة نسخة القرآن في الأماكن الخلفية. استشهد وهو لا يعرف أني تعلمت كما كان يشتهي وأصبحت اقرأ واكتب. لكني لم أحك له عن نسخة القرآن العجيبة التي عثرت عليها في رف المكتبة في نهاية القاعة التي كنا نتعلم فيها .كانت النسخة تحمل نفس الغلاف الحمر .لم تكن تشبه النسخ الأخري في محتواها مطلقا ولا حتي في خطها الذي كان أكثر رقة من الخط القرىني. قلبتها طويلا بسرية كبيرة ولم أكن قادرا على تحملها : سرقتها .فقد فهمتها بسهولة كبيرة لأن كلامها لم يكن كالقرآن الذي تعودت عليه.
    فكرت أن أسال سيدي الفقيه (المعلم في الكتاب) ولكني لم أفعل أبدا . عاودت التهجي و محاولة الفهم، الغريب أني لم أكن أجد أية صعوبة في القراءة. بل أن شهوتي كانت تستيقظ كلما قرأت النص . كلما انتهيت من القراءة ،كنت أخبئ نسختي من وراء النسخ الأخرى حتى لا تأخذها يد غيري. ربما كانت أنانيتي أوربما كان خوفي من أن تسرق . فجأة صرت أحلم بها وبما قرأت . ليلا ، عندما أستعد للنوم ، أرى كل ما فيها يرفرف حول رأسي ويتحول إلى نساء جميلات وعفاريت وحيوانات خرافية وغابات لا حدود لها وذئاب كثيرة . ولكن هذا كله لم يشفني من حبي لهذه النسخة.
    كان الكتاب ، في عيني ، كبيرا وبداية الدروس في المدرسة الفرنسية تسرق من وقتي. في إحدى المرات وأنا في الخلفية أفكر فيما يمكن فعله، بدأت أعطي لنفسي كل مبررات الدنيا لإخراج النسخة من الجامع : قرآن لا يشبه القرآن ؟ مكتوب بخط غير خطه؟ فيه حديث غريب عن الحب والنساء والسلاطين والعفاريت؟ فيه حتى الخرافات التي تشبه ما كانت ترويه لنا جدتي؟ هل يعقل أن يبقى الكتاب في الجامع وهو مكان مقدس ؟ وانتهيت إلى تحريم بقاء النص في الرف الخلفي . في صدري واعتذرت منه وقلت له إني متعب وخرجت . عند الباب أوقفني . لم أستطع أن أرفع رأسي مخافة أن يرى كل شيء في عيني .تذكرت منشفة والدي ، كم كانت جميلة إذ كان بإمكاني أن أقول ما أشاء بدون خوف من أن يروا ما يتراقص في عيني من كذب جميل . شعرت بالكتاب ثقيلا في صدري . فكرت أن أتركه وأهرب . قال لي : ما بك وتلمس رأسي. ثم أردف : حرارة . مازلت أسمع صوته وأنا أتخطى عتبة الجامع: اسمع يا وليدي ، قل لمك تضع لك الزعتر وقشور الليمون من عسل النحل ... عسل النحل الحقاني، مش الفالسو (7) ، أسمعت وإلا لا؟ فجأة صرت خفيفا وصار الكتاب لا يزن شيئا.
    عندما وصلت إلى البيت كنت محموما بالفعل ولكن من شدة الخوف، قلت لأمي غطيني ونمت محتضنا قرآني. لم أحلم يومها ، ولم أر أى كابوس ولكني كنت داخل غيمة بنفسجية جميلة. بعد أيام، خاطت له جدتي كيسا خاصا وهي تقول : هذا كلام الله ويجب ان يوضع في مكانه اللائق .كنت أضع الكتاب داخله كلما انتهيت من القراءة. كانت جدتي كلما مرت في باحة البيت، بعصاها وسطل مائها للوضوء ، ورأتني أقرأ بلا توقف، ابتسمت من فرط السعادة . لا تخبئ فخرها أمام خالاتي: واسيني وليدي، هو الوحيد من أبنائي الذي تعلم لغة أجداده وقرآنهم . جدتي مثلها مثل أمي، مثل بقي أفراد العائلة الكبار سنا، لا يعرفون لا القراءة ولا الكتابة. يعرفون القرآن من غلافه الأحمر ومن ورقه الطيب المائل إلى صفرة ما ومن رائحة القرآن .عندما كبرت قليلا، اكتشفت أنه لم يكن قرآنا ولكنه كتاب "ألف ليلة وليلة" في جزئه الأول ، بأوراق وحروف ورائحة لم تكن بعيدة عن رائحة القرىن ، وربما كانت رائحة المكان نفسة.
    إلى اليوم مازلت أنقاذ نحور رائحة الكتب قبل أن أكتشف عناوينها. لا أعرف طبعا اليد التي وضعته هناك، في ذلك الرف الصغير ، ولا اعلم إذا ما كان علي أن أشكرها وأقيل يدها بحرارة أو أرفضها لأن كل ما حدث لي فيما بعد مترتب عن تلك اللحظة التي فتحت فيها خطأ كتاب ألف ليلة وليلة. تلك اللحظة غيرت نظام حياتي وأحاسيسي نحو الأشياء و أدخلتني غمار التجربة وقذفتني داخل عالم لم أكن مهيا له ، إذ كان يمكن في أحسن الظروف أن أتحول إلى فقية يدرس القران في القرية ،ومع بعض الحظ،الى مهرب للكتاب والخضر والفواكه، على الحدود المغربية الجزائرية . ولهذا كلما صفوت الى نفسي، اقول : طؤبى لتلك اليد واعتذر منها لأني سرقت متعتها، فقد وضعت في مسلكي اجمل نص قربني من الخيال والكتابة واللذة وأبعدني عن مهالك اليقين.
    تلك ارضي ووطني الأول الذي فقدته وتحول اليوم إلى عالم من الرموز لا وجود له إلا داخل اللغة والأحاسيس. وذلك منفاي، إذ كلما تذكرته تمنيت ان اراه ثانية فقط لقول ما خبأته، وأفعل ما لم أستطع فعله وقتها.





    ولنا عوة لباقى ورقة الروائى الجزائرى
    واسيني الاعرج
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

03-04-2007, 08:49 PM

Aymen Tabir
<aAymen Tabir
تاريخ التسجيل: 02-12-2003
مجموع المشاركات: 2609

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    الاخ العزيز بدر الدين الامير
    مجهود جبار والاوراق جد غنيه وخصبه ، واصل التقديم وبعد ما تخلص ياريت المناقشات تتعمق حول كل ورقه لانو زي ما قلته واقعنا الحالي مثال لحالة الادب والمنفى . منتوجنا ، تصويرنا للمعاناه ، والحنين ، الوطن جوانا ، التاقلم ، محاولة الابداع ، الهام المبدع وتصويراته ، كل ما أبدا أقرا الاوراق بلقى انو محاور ومحاور تفرض ذاته وبتعلن حوجته للتعميق والقرايه اكثر واكثر . معاك
    لك الود
    ايمن السر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-04-2007, 04:00 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    تتمّت ورقة الروائي الجزائري واسيني الأعرج

    (5). مصيري بين قطعة قماش وقصاصة جريدة
    أرضي الثانية لم تسلم من الفقدان. مدينة تلمسان الأندلسية الجميلة . كنت صغيرا عندما دخلتها للمرة الأولى وانا خائف من منها ومن جبروت المدن الكبيرة. لم ابن معها في البداية علاقة ود كتلك التي في القرية . سبع سنوات قضيتها في النظام الداخلي تشبه الانضباط العسكري في كل شيء في الدراسة. و الأكل والشرب والملبس وأحيانا حتى في التفكير وردود الفعل . يصير الإنسان مؤقتا كالساعة.
    كل شيء بدأ بصدفة جميلة ليست بعيدة عن صدفة كتاب ألف ليلة وليلة. عندما خرجت الجريدة في ذلك الصباح من صيف 1976 ، كنت حزينا. بحثت عن اسمي ضمن قائمة الناجحين، لم أعثر عليه، مع اني ظللت أكرر كالمجنون أمام عمر الزابا، ومحمد مالكي ، ومحمد شعيبي، أصدقائي الذين نجحوا: كنت الوحيد من أبناء القرية الذ فك العملية الحسابية بشكل صحيح ووجد النتيجة النهائية :4 ،0 التي أعلن عنها مركز الامتحانات . عبثا بكيت إذ لم يسمعني أحد ما عدا امي وجدتي. وبدأت أهيئ نفسي للفلاحة والتهريب. لم يكن امتحان السيزيام (8) الذي بنيت عليه أحلاما كثيرة ، هذه المرة من حظي. بكيت وحزنت ليس فقط لأني رسبت في أول وأهم امتحان ولكن لأني شعرت أني خذلت أبي في قبره وأبكيت أمي.
    كان زوج خالتي أحمد ،في زيارة للحاج سليمان ، أحد أقاربه الذي كان يسكن في مدينة الحناية، وهي ضاحية من ضواحي تلمسان. أثناء الحديث بينهما ،قال الحاج سليمان لزوج خالتي: مبروك على ميزار (اسم أمي) نجاح ابنها في السيزيام ، وجدت ذلك بالصدفة في صحيفة (9) لف لي البائع فيها قطعة كتان اشتريتها من عنده . وأنا أتسلى بقراءة قوائم الناجحين في تلمسان ، وجدت اسم ابنها واسيني. بحث عن الجريدة ، وكان يمكن أن لا يجدها ويتبخر كل شيء في الهواء ، وأعطاها لزوج خالتي. أمي لم تنتظر طولا عندما عرفت أن اسمي موجود ضمن قوائم الناجحين في تلمسان ،لأن أبناء الشهداء وضعوا في هذه القائمة حتى يستفيدوا من النظام الداخلي، وهو ما لم نكن نعرفه. أخذتني أمي من يدي وركبنا أول حافلة متجهة إلى تلمسان . عندما فتحت أبواب فتحت ثانوية ابن زرجب كنا أول من يستقبلهم المدير . عندما بدأ يقلب بسرعة البطاقات ليتأكد من نجاحي ووجودي في هذه الثانوية ،قفز على اسمي، فصرخت : اسمي ... يا سيدي ، لقد تجاوزته . أول شيء تأكدت منه هو تاريخ الميلاد إذ حتى تلك اللحظة لم أكن متأكد من أي شيء . قلت وأنا لا استطيع كتم سعادتي : واسيني ... واسيني ... أنا يا سيدي المدير 8-8-1954 ، لا يمكن أن يكون شخص غيري . ضحك وسحب البطاقة وسجلت في الثانوية . عند الباب انفجرت بكاء و إلى اليوم ، كلما تذكرت الحادثة انفتحت شهيتي للبكاء عندما عدت إلى الدار ، بكيت أيضا لمدة يومين وبعدها نسيت كل شيء. عدت إلى تلمسان للدراسة في مدينة لم تعد تخيفني . أتساءل أحيانا عن غرابة هذه الصدفة التي أخرجتني من دفء القرية ولكن كذلك من بؤسها وفقرها ، ماذا كان سيحدث لي لولاها؟ لم أفرح في حياتي بشهادة مثل فرحي في امتحان السيزيام ،السنة اولى متوسط حتي شهادات : السرتافيكا (10) والبروفي (11) (شهادة التعليم العام) والياكالوريا ،والليسانس ، والماجستير ، والدكتوراه المزدوجة بين دمشق وباريس ، لم تحسسني بأي شيء سوى أنها منحت لي بعض الأمان في حياتي لا أكثر لا تساوي شيئا امام السيزيام.

    اليوم، مات معظم أبطالي وهو لا يعلمون بالخير الذي قدموه لي :جدتي التي منحتني سحر الحكاية بخرافاتها وقصص أجدادها الندلسيين ، سيدي الفقيه الذي لم يكن يغفل أبدا عن السؤال عن الربيعية وهي ربع دينار يوضع في كفه كل يوم أربعاء ، زوج خالتي أحمد الذي أصر على البحث عن القصاصة الصحفية التي لفت فيها قطعة الكتان ، الحاج سليمان وهو لا يدري أبدا أن فضله علي لا يقاس بثمن، المدير الذي سجلني وهو لا يدري وهو يتخطى اسمي سهوا في البطاقات التي كان يتفحصها ، انه كان يرميني في قبر بارد لو قال لي : نعتذر ، اسمك غير موجود . حتي القرية لم تعد القرية ولم أعد أعرف ناسها إلا القلة ، ومحت كتل البيطون كل ضياعها وحدائقها ومائها الذي كانت تنز به الأرض . مات الكثير من أبطالي وسقطت حجارة الولي الصالح سيدي بوجنان ، الذي ظل يحمي القرية من كوارث الطبيعية ،ولم يبق إلا قرآني ، كتاب ألف ليلة وليلة ، في طبعته البولاقية الحجرية ، برائحته التي حافظت عليها بين اوراقه وهو كل زادي في سنوات الترحال الأخيرة.

    6- النمفى كلعبة مسلية
    كنت أظن ان المنفى مجرد كذبة نجمل بها النصوص. لم أكن أعرف أن لعبة الكتابة ستصبح فعلا جديا . وأن النص الاول الذي نشرته في حياتي الأدبية: ألم الكتابة عن أحزان المنفى (12) ،سيضعني أما اختبار صعب كنت أظنه مجرد لغة لفظية حاسبني عليها الأصدقاء وقتها بأني أتحدث عن شيء لا أعرفه . لم يكن المنفى كذبة ، كان جرحا بليغا.
    قرأت عن حياة كبار الكتاب والفنانين في الحرب الأهلية الإنسانية والحرب العالمية الثانية وغيرهم من الذين طحنتهم الماكنة الفرانكاوية (13) أو الذين اضطرتهم الطاحونة النارية إلى الخروج ، وعن الخراب الذي أحدثته الماكاثية في الفنانين والمثقفين الأمريكيين وغيرهم ، وظننت في اعماقي الطيبة أن ذلك لا يحدث إلا للآخرين واني لست معنيا بهذه التفاصيل التي تسرق من تحت رجلي إنسان أرضه وحنينه واشواقه وحتى مواطنته إذا توفرت . كنت أظنني بعيدا عن رياح هؤلاء الناس العظام الذين، بسبب فكرة صغيرة اسمها الحرية ، تركوا كل شيء وظلموا أوفياء لكتابهم وفنهم . لم أكن أعلم أني ساجد نفسي ذات شتاء بارد أبحث عن مسلك المنفى القاسي بعد أن تركت كل شيء ورائي ولم ألتفت لكي لا أصاب برغبة العودة والتراجع . لم أكن أحمل سوى ابني ، باسم وريما ، وحقيبة صغيرة فيها كتاب ألف ليلة وليلة وبعض دمى ريم التي تركت الباقي في البيت لأني كذبت عليهما وقلت بأنها مجرد عطلة شهر ونعود . ريما وباسم ظلا صامتين . كان يمارسون ما كنت أفعله وأنا صغير . يعرفان الحقيقة ويخبئانها لكي لا أحزن . ماذا بقي اليوم من تلك اللحظة؟ لا شيء، سوى روايات وحياة موازية تشهد أن الألم يومها كان كبيرا . ولكني كنت أخففه بالقول :مؤقت. متى كان المنفى فعلا مؤقتا . جدي الموريسكي لم يكن مخطئا ،فقد عرف ذلك في وقت مبكر . غياب السنة صار فجأة خمس سنوات ، ثم عشر سنوات إمحت بسرعة عجيبة ، ثم خمس عشرة سنة مرت كالريح تاركة أثرها على القلب والجسد . ثم ... لا سنة تشبه اختها أبدا . فجاة تكشف ، وأنت أمام المرآة الطويلة التي تحتل وسط الخزانة ، تصفف ما تبقى من شعرك أو تحلق وجهك المتعب ، ان كل شيء تغير: أنت لم تعد أنت.
    حتي عندما تعود إلى أرضك من حين لآخر ، تشعر بها وبناسها بعيدين . وأن ما كنت تقبل به ، لم تعد قادرا على تحمله. وفجأة تكتشف في المرآة ، ان شعرك صار أبيض بسرعة، ثم بشعرك يسقط كأوراق خريفية ماتت بفعل الغربة . تقترب من المرآة أكثر ، يغطيها بخار تنفسك، ترى وراءك ابنتك ريما التي جاءت صغيرة ولا تعرف سوى اللغة العربية ، قد تعطلت لغتها قليلا وتعرفت على لغات عدة ، وأن الطفلة التي كانت نعشق الدمى والتي ما تزال في رأسك ، تركتها وراءك يوم خرجت من أرضك . ترى ملامحها الطيبة وهي ترسم آخروجه أو وهي ترتب الكاميرا لتنهي من تركيب شريطها عن أطفال الضواحي الباريسية. تفرح ولكنك تقول في اعماقك : هل هذه هي ريما التي اشتهت ان تكون ممرضة لتساعد المتعبين ؟ تتعمق رؤاك في المرآة فتري من وراء الضباب الهارب ، باسم ابنك البكر الذي دخل باريس وهو يحسب الأيام التي تمضي لكي يعود بسرعة إلى مدرسته وأصدقائه ، وقد أصبح اليوم خبيرا في القانون الدولي يحادث صديقته الحميمة فاليريان Valeriane التي تنتظر بفارغ الصبر متى يتزوجان. لقد نجحا في حياتهما ولكنك تتساءل وأنت تعرف سلفا بأنك لن تحصل على أية إجابة مقنعة: ماذا كان يمكن أن يحصل لو بقيا هناك؟ ما ثمن تلك الكذبة المهدئة التي طمأنتهما بها : سنعود بعد العطلة ، وأنت تعرف أنه لا وجود لأي منفى مؤقت في الدنيا ، عطلة بدأت اليوم تزحف نحو العقدين؟ ألم تكسر حياتهما العميقة بعد أن فرضت عليهما منفى لم يكونا مهيئين له؟

    7- منفى الخسارات الجميلة
    من جديد ، تحاول أن تمحو الضباب الذي على المرآة فترى وجهك المتعب ويبدو لك المنفى مجموعة لا تحصى من الخسارات المتتالية، فتبدأ في عملية العد مثلما كان كان يفعل تشيخوف Tchekov وهو يعدد ميراث الكتابة في قصته القصيرة جدا. أستطيع اليوم وبعد خمسين سنة من العمر وربع قرن من الكتابة ان أقول إن رهان المنفى مثل رهان الكتابة خاسر في كل شيء إلا في جوهرة الأبدي : الحرية.
    خاسر لأنه سرق مني ما تبقى من عفويتي واغتصب طفولتي في وقت مبكر . خاسر لأنه وضع حائلا بيني وبين أهلي . عندما أكتب في الظروف الحالكة التي مرت بها البلاد ، كان علي أن أحذر وأحافظ على اسم العائلة ، لأنه ليس ملكي لوحدي. ولاني لم أكن قادرا على فعل ذلك، فكرت منذ البداية ان اتخلى عن اسم العائلة ولا احتفظ الإباسمي الشخصي لنه ملكي. لم تكن العائلة مضطرة ان تتحمل حماقاتي وجنوني ككاتب . خصوصا في الفترة التي أصبح فيها القتل الأعمى عملا يوميا . عندما لا يصل القتلة للمعني ، يمسون عائلته العزلاء . ومازلت إلى اليوم أفكر في التخلص منه لأمنح نفسي حريتها القصوى ، ليس خوفا على مصير العائلة، فالأمور من هذه الناحية تحسنت كثيرا، ولكن رغبة في الانتساب إلى الكتابة بشكل نهائي و أبدي.
    خاسر لأن الكتابة وضعت حاجزا بيني وبين النفاق الاجتماعي المعمم وحسن السلوك الوهمي. كذبت في الحياة وانا صغير للدفاع عن حقي في الحب والحقد. كذبت بلا هوادة على البشر الذين لم أكن أجبهم وأنا في بداية العمر ،لأن الكذب كان وسيلتي للانتقام منهم جميعا وأقسمت كما يقسم الكبار ، أن لا أكون صادقا مع أى واحد منهم. ولكني لم أكن قادرا على الكذب على الكلمات ولهذا اخترت الخروج في ذلك الشتا القاسي وبدات أبحث عن أرض أخرى ، واسميها اليوم وطن الكتابة الحقيقي(14) .
    خاسر لأني عندما اكتشفت لول مرة نص ألف ليلة وليلة في الجامع ، ورحت أنتقل قصصه المثيرة وأدعي امام أصدقائي أنها قصصي ولم أكن أعلم أن لعنة هذا النص المسروق ستتبعني إلى آخر عمري. أستطيع اليوم أقول لصاحبه الذي خبأه بين المصاحف ووضع له غلافا قرآنيا وهميا: هنيئا لك يا سيدي ، إن دعوتك قد أصابتني في الصميم ، عندما نقلتني من الانتظام والاستجابة للشرطية الاجتماعية إلى سؤال الفوضى وجنون المتخيل . وبسبب عدوى الأدب التي أورثنيها كتابك المسحور ،دخلت في عمق الحياة الموازية ، الكثر عنفا، التي لا نصير فيها الإ اللغة التي تتأسس عليها.فوراء كل نص يتخفى شيء عميق ، الكاتب وحده يعرف أسراره و مفاتنه.
    خاسر لأن الذي فكر في قتلي ذات خريف من سنة 1985 وأنا خارج من مقر جريدة المساء التي كانت واقتنع ان البطل لن يكون إلا أنا ، ولكي تغيضه صديقته أكثر (عرفت هذه التفاصيل فيما بعد)، و لولا مدير الجريدة وإقناعه لهذا الرجل الذي لا أعرفه أبدا ، بأني طوال العشر سنوات الماضية كنت في دمشق وانه لا علاقة لي بما كان يحدث له ،وقرأ على مسامعه نهاية الرواية لأن الرجل اشترط ان تقرا عليه النهاية . الخسارة أنه في بلادنا يمكنك ان تُقتل وانت لا تعرف بالضبط لماذا؟ هذه المرة كذلك لم تتخل الكتابة عني ولكنها أظهرت لي أي مجتمع كنت فيه؟ وأي منفى كنت أعيشه وأنا لا أعلم؟ ما تزال أمامنا سنوات طويلة لندرك أن الكتأبة هي نفس إلهي
    Un soufflé divin، محركة ومقدسة إلى أقصى الحدود حتى في أكثر صورها جرأة وتماديا.

    خاسر،عندما اضطررت لترك بيتي الذي شيدته بحب على مدار عشر سنوات ، بشوق كبير وحنين لا يضاهى ورتبت حياتي لكي أسافر مع أبنائي في كل سنة داخل الوطن ، وفي كل مرة نكتشف مدينة حتي نعرف الوطن كاملا . كان حلما طوباويا مستهتا لا يعرف الحقائق المخفية . بلادنا كانت جميلة كعباد الشمس ، تقتني خطوات النور كلما مال نحو الانطفاء لا ستعادته من جديد ، فاحترقت بنفطها وزيتها وخيرها وجهل ساستها . وإلى اليوم لا أرض لي مثلما اشتهي بسبب الكتابة سوى وطن اللغة الذي شيدته حجرة ، حجرة ونفسا، نفسا، وجرحا ، جرحا لن الذين وضعوا اسمي في قائمة المطلوبين للقتل في سنوات الظلام ،لم يسالوني يوما عن نواياي الطيبة تجاه الناس والبلاد ، ولا عن طفولاتي التي احرقتها الشمس الجافة وسلخها برد الشتاء.فانا بالنسبة لطاحونتهم مجرد اسم يجب أن ينتفي أو يشطب إذا أصر على البقاء في دائرتهم.

    خاسر لأني اضطررت ذات ليلة أن أخرج من البيت حاملا ابني وبعض ألبستي و أوراقي وأوراق ابني ومحفظتيها ورحنا نتشرد في فنادق العاصمة أو بيوتات الأصدقاء لكي لا يعرفنا أحد ، متنكرا في وجوه وألبسة لا تشبهني، ينظر إليك بعطف الذي يحبك ، ويتشفى فيك الذي يكرهك.

    خاسر لأني في لحظة واحدة تدحرجت من قمة الاعتراف بوجودي ككائن بشري على الأقل، إلى مهاوي التنكر واللاشيء . فجأة تمحى وتطوى ورقتك . الخوف يوقظ الجبن والشجاعة معا. ويتحول بعض الأصدقاء إلى أشكال رجراجة هلامية بينما يضع آخرون رؤوسهم في المقصلة مقابل نجاتك. و تنزل عليك غشاوة تشبه البياض ، بياض غير الذي تعودت عليه .وتنتشر في أعماق العواطف والرياح الساخنة.تتأكد ان لا أحد تقريبا يعرفك عندما يدخل الموت في كأس القهوة الصباحية التي تتناولها بخوف ، في زاوية مظلمة في المدينة .وهل يختار الانسان منفاه ؟ المنفى ليس إلانتيجة لمجموعة من الانكسارات والخيبات التي تأكل الأقراد والوطان . ثم فجأة يخونك جسدك ،وبصرك ، وذاكراتك؟ هل هو قانون العمر أم الحزن المبكر والمنى؟

    8- موت وحياة بالصدفة
    تعود نحو المرآة المضببة بانفاسك ،حيث يتحول وجهك إلى غيمة هاربة قبل أن تتضح ملامحه . تدرك فجأة أن المنفى لم يكن فقط خسارات متتالية . تشعر به عمرا مضافا إذ كان يفترض أن تموت قبل ذلك بكثير. وأنت تعرف جيدا أن أكثر الأصدقاء تفاؤلا لم يكن يعطيك أكثر من عمر حشرة ، ناموسة أو فراشة، من شهر إلى سنة في سنوات الظلام الأولى . الصدفة هذه المرة كذلك أنقذتني.
    غريب أن يقرأ الإنسان خبر موته في إحدى الجرائد الوطنية ويسمعه في إذاعة ميدي الدولية المغربية الفرنسية وفرانس – أنفو الفرنسية .تذكرت صديقي الكتاب الفلسطيني فوده عليه رحمة الله ، الذي كتب الفلسطيني الطيب وقرأ خبر وفاته أحد مستشفيات بيروت في اجتياح 1982. قاوم باستماتة الاحتلال الإسرائيلي ووزع جريدة المعركة التي كان يصدرها محمود درويش كأي مناضل ملتزم بخياراته. أسترجع مانشيت خبر اغتيالي كما قرأته في جريدة النصر اليومية التي تصدر بقسنطينة: اغتيال الروائي الجزائري واسيني الأعرج . أشعر في البداية بشيء من الزهو ثم ينتابني خوف عميق . أول شيء قمت به هو إخبار أهلي ، أمي خصوصا وتكذيب الخبر وطمأنة كل الأصدقاء الذين كانوا يعرفون مكان إقامتي . أشعر دائما بأن هناك رجلا حماني بصدره ليمنحني كل هذا الزمن وأنا مدين له بالرغم من أنه لا يدري لماذا قتل بالضبط؟ الرجل الذي قتل ، أعتقد خطأ ،كان موظفا بسيطا في الأمم المتحدة ، يمر كل صباح بالقرب من الجامعة قبل أن يذهب نحو عمله. كان اسمه : واسيني الأحرش .لم يكن يعرف وهو يخرج في ذلك الصباح ، أنه سيقتل في مكان رجل آخر .كم اشتهي أن يمنحني الله بعض العمر لاقف فقط على قبره قليلا وأعتذر منه لأن الأقدار التي وضعته أمامي ليبقيصدري من الرصاص القاتل ،لم تسأله في ذلك الصباح الباكر عن رأيه. لهذا فالمنفى في النهاية ليس إلا عمرا مضافا سمح لي بفتح أكثر من باب ظلت موصدة وكتابة أحب رواياتي لدي لأنها نابعة من سحر العماق ، والتعرف على آلاف القراء في وطني، والبلاد العربية والعالم والمرور عبر الترجمة بدون أي جواز ولا فيزا، والدخول إلى أجمل عواصم الدنيا. سمح لي المنفى أن أرى مدنا صنعتها الحياة والكتابة وأن أحلم مئات الأحلام التي لم تكن بها الكوابيس إلا أفعالا زائلة.المنفى علمني أن لا شيء يضاهي الجلوس في أية مدينة في الدنيا ، وشرب كأس بدون أدنى تفكير فيما يحيط بنا، وتأمل غروب شمس او التمادي في بحر نيلي يذكرك بعالمك اللغوي الذي لا يموت. السعادة لا تتطلب الكثير ، سوى بعض الحب والسخاء وقليل من الحرية.

    صحيح أني خسرت أرضا جرحت ذاكراتي ، ولكني ربحت وطنا عظيما ، هو وطن الكتابة. أرض الوحيدة والنهاية. وحدها الصدق. وحدها البقى عندما ينكرك الآخرون .صحيح أن أقسى ما في المنافي هو أن تعرف بأنك ستموت وحيدا في العزلة،خارج أرضك ولكن ،صحيح كذلك أن المنفى يمنحك حياة لم تتخيلها ووطنا تنشئه بسهرك وأظافرك وخوفك ، لن تتخلى عنه مهما كان الثمن غاليا وعسيرا.
    أتساءل اليوم وأنا في قمة صفائي الذهني الذي لا أضمنه بعد سنوات ،وبعد كل هذا الشطط والحزن والعمر الذي لا يقاس بآلام من سبقوني،هل خسرت وطنا حقا عندما خرجت في ذلك اليوم الشتوي القاسي ولم ألتفت ورائي لكي لا أتراجع؟ لا أدري؟بالضبط لا أدري . ولكن أدرك جيدا وبلا أدنى شك :أن نخسر وطنا يفترض سلفا أن نحس أولا بالمواطنة؟ وما أدراك ما المواطنة؟تلك مسألة أخرى ، أكثر تعقيدا وأكثر التباسا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-04-2007, 04:25 AM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 31-12-2002
مجموع المشاركات: 12575

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    شكرا للاستاذ بدر الدين الامير على هذه النفحات
    متى سنكتب عن "الادب والمنفى" في الخطاب السوداني؟؟
    محبتي
    المشاء
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

05-04-2007, 07:25 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: osama elkhawad)

    الناقد والكاتب أسامة الخواض
    ياسيدى والله اهم أهدافى
    من هذا البوست هو أن نفتح الباب للكتابة عن
    منافينا الطبيعية والقهرية ونحن خلال عجاف سنوات
    الانقاذ النفى بشكل جمعى قد اباض على رؤسنا وافرخ
    وفينا من استوطن اوإستبطن المنفي و شخصيا الحالتين يشكلان جزء كبير مني
    سؤالى لك ياخواض هل حقا اصبح السودان منفى وليس العكس أى أن الارض الاخرى
    لم تعد هى منفى كما قال شاعرنا أقول ذلك وفى ذهنى كم من الاصحاب الذين
    عادوا للوطن فى إجازات بعد طول غياب منذ مجى الانقاذ تسألهم
    كيف هو السودان يكون الرد الناس ماعادوا هم الناس و حتى الاصحاب
    حكى لى صديق ان جدته التى عاد فقط لرؤيتها قبل ان تغادر وهو فى المنفى
    انها كانت رافضة لعودته وترجوه ان يغادر بسرعة خوفنا عليه
    ياصديقى هل ذلك الوطن افتراضى أم نحن المفترضينه واصبحنا ابن الفارض وعكسه




    تنهدات( طلع البدر علينا من ثنيات الوداع)
    تأمل ياصديقى ثنيات الوداع تتحول لثنيات ترحيب
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-04-2007, 04:05 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)


    ورقة الكاتب والناقد الجزائرى أحمد يوسف


    اللغة وأدب المنفى
    أحمد يوسف

    هل صارت تيمة المنف في الأدب تعميما والأدب الحديث تخصيصا قاعدة لتوصيف نقدي ومنوالا لتصيف أجناسي، وتحليلا لمحتوى تيما تولوجي ،أم معيارا لرصيد موضوعاته وأساسا لتحقيب تاريخي جديد بوصفه شكلا تعبيريا يتفرد بجماليات خاصة في الكتابة وله مسلكية مخصوصة في التركيب اللغوي وطرائق فريدة في الصوغ الفني؟ ولهذا دخل أدب المنف دائرة المساءلة التاريخية من حيث إنه يؤلف طاهرة إنسانية عالمية تنضاف إلى إشكالات أدب المجهر والأدب المغترب وأدب الخارج ، ولا سيما بعد أن هجر المثقفون والأدباء والفنانون(1) أوطانهم هجرة قسرية أو طوعية ، وجعلوا من المنفى مصدر التأملاتهم ونضالهم من أجل إصلاح العالم الذي أفسد نظامه طغيان البشر .فانتقلت كتاباتهم للبحث عن الممكنات والضرورات في عوالم لم تكن متاحة لهم في أوطانهم ،أوصارت في متناولهم لأنهم وضعوا مسافات قريبة وبعيدة في آن واحد لتأمل النفس البشرية في حالات الإحساس بوطن القسوة والشعور بالإحباط.
    ينبغي أن يتجاوز فعل الكتابة الذهنيات القاصرة في مقاربة هذه الظواهر الإنسانية ، وأن يتطهرمن الروح الانتقامية في النظر إلى الأشياء ، ويتخلص من اآثار السلبية والجراح العميقة القابعة في أغوار الذات التي تنتج تلفظا حاملا لهذه الأثار وخطابا ينزف من هذا الجرح الأليم . فاللغة تعد ترياقا للتخلص من سموم المنفى لدى الفنان ، فهي الطريق الذي يسلكه المنفى لربط أواصر الصلة بينة وبين الوطن ، ولما كان الوطن بعيد المنال تحول إلى مشروع كتابة. فاللغة يتعاضل فبها حسب متصورات جاك لاكان الحقيقي والرمزي والخيالي، ويمكن أن نضيف لها الوهمي .إن للمنفى طرائق تعبير وأسلوب كتابة تتقاطع مع "أدب المجهر" في موضوعاته وقضاياه التي تشتمل على متطلبات الحداثة وضروراتها مثل الحرية والتطلع إلى التقدم وإشراك المرآة في بناء المجتمع ، وتسلك سبيلا مغايرا له علاقة مباشرة براهن التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية قد يتجاوز مظاهر الحداثة إلى ما بعدها، على الرغم من تعدد الهزائم وكثرة الخسائر التي تكبدتها أحلام المنفيين وهي تنشد حق الاختلاف وضرورات الحوار واحترام التعدد والتنوع، ويجمعهم قاسم مشترك يتمثل في الحنين إلى الأوطان.

    يغدو المنفى تيمة راسخة في حياة البشر من حيث هو إجراء عقابي في النصوص القديمة المدنسة والمقدسة على السواء.فمنذ أن اقترف آدم عليه السلام خطيئة الأكل من شجرة الزقوم أخرج من الجنة ، فصارت الأرض بعده منفى ، تجرع من مرارتها إسماعيل وأمه هاجر حينما تركهما إبراهيم عليهم السلام في الصحراء الجزيرة العربية . وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة. ثم اخذ المنفى بعدا روحيا لدى بعض المتصوفة مثل ابن عربي، يبدأ من طور انصال المخلوق عن الخالق ، إلى طور انفصال الجنين عن رحم الأمهات ، ثم ياتي اغتراب العارفين عن عموم الخلق وسواده. وعليه فإن الكتابة الصوفية يحركها المنفى تحريكا ميتافيزيقيا.

    من الواضح أننا بحاجة ماسة إلى عمل أنطولوجي دؤوب لرسم التضاريس المختلفة والمتباينة "لأدب المنفى" الذي كتب في منافي أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية (الأرجنتين والبرازيل وفينزويلا) وأوربا وروسيا وأستراليا وكندا واليابان وفي بعض العواصم العربية(القاهرة وبيروت ودمشق والجزائر)وفي أقبية السجون على امتداد العالم العربي ، ثم القيام ببحث إركيولوجي وتحليل حفري لمضامينه العامة وأشكاله التعبيرية المتنوعة بعد أن تضطلع الدراسات الأنطولوجية بعمليات توثيق عملي دقيق (2) من منطلق أن المنفى بقدر ما يطاول الأفراد يطاول أيضا المجموعات والقبائل والعراق والطوائف والمذاهب ، ومن هنا فإن الأمر لا يتعلق بأمزجة أفراد بقدر ما يتعلق بأنساق ثقافية تهاجر من مرابعها إلى حواضر جديدة فتتفاعل معها سلبا وإيجابا ، وهذا الأدب ليس بظاهرة ترتبط بحقبة زمنية معاصرة ،بل يمتد حسب امتداد التجمعات البشرية : بيد ان الظروف الاجتماعية والتحولات السياسية والتغيرات الاقتصادية التي حدثت في القرن العشرين جعلت من ثقافة حقوق الإنسان شرطا لدخول المجتمعات إلى حلبة التقدم ومعركة التنمية وحضيرة الحداثة .فقننت لها تشريعات دولية لحماية الأفراد والجماعات من تسلط الأنظمة الديكتاتورية والشمولية. فصار المنفي محميا حماية قانونية ، ولكنه يظل موضوع ابتزاز سياسي ضمن منطق ازدواجية المعايير.

    هل الذات التي عاشت مرارة الشتات أو اضطرت إلى أن تتخذ من المجهر سبيلا لها ، أو قذفت إلى جحيم المنفى هي من تحدد لون الكتابة وطعمها ، وتوزعها توزيعا خاصا عبر نسيج النص ؟ هل تكتسب النصوص التي ولدت خارج الأوطان مواصفات ادب المنفى؟ ويبقى التساؤل مشروعا ما إذا كانت هذه الحالات قادرة على إبداع نصوص منبثقة من رحم النتفى ومن أفضيته المتنوعة؟ وهل المكان يظل يحتفظ بسلطة مرجعية في تحديد ماهية هذا الأدب الذي ينتمي إلى المجهر أو المنفى أو الغربة؟ ولكن في المقابل هناك الذات التي تختار المنفى اختيارا طوعيا ، فهل تنطبق عليها مواصفات الذات التي اختارت المنفى اختيار المكره؟ قد يختلف الأمر باختلاف السيقة السوسيوثقافية التي تتحكم في ابينة النصوص ودلالاتها ، وذلك كما هو حال الكثير من الكتاب المغاربة الذين اختاروا أوربا بعامة وفرنسا بخاصة بحكم القرب الجغرافي في وإتقان لغاتها ومعرفة ثقافتها وتاريخها . فهناك من هاجر من الجزائر والرباط وتونس إلى با ريس . فاختاروا المنفى اختيارا لم يمله الإكراه المباشر ، ولكن بعضهم ظل يعيش التهميش والإقصاء في الضواحي البارسية مثلهم كمثل المهاجرين ،ولهذا فهم يعبرون عن هذا الرفض تعبيرا فنيا، ويتجلى أحيانا في عنف اللغة التي تكسر محلات الإزدراء وسوق الكراهية وواجهات الحقد والعنصرية .فهم يمارسون عنفا على صعيد اللغة ةالخطاب . إنهم يقاومون حالات الإقصاء والنفي بإبداع لغة فنية تحاول أن تعيد التوازن المفقود إلى هذا العالم الم تبك في علاقاته وأنساقه . إن ارتباط كتابة المنفى بالمتخيل في الأدب المغاربي كانت مثار اهتمام من قبل الباحيثن الغربيين، حيث أشار بيريت رونار(3) Pierrette Renard إلى تمثلات المنفى واستعاراته في الأدب المغلربي المكتوب باللغة الفرنسية.

    هل الأدب العربي الذي ولد في المنفى يمثل حالات ذاتية استثنائية تعبر عن شعور بالانفصام لم يستطيع أن يتحول إلى حالات موضوعية؟ أم أنه – على العكس من ذلك – أدب ولد في فضاء الحرية ، وعاش تجربة المثاقفة فكان نصا ثريا بالدلالات ومنفتحا على لغات جديدة من منطلق أن كل مضمون جديد بفترض بالضرورة شكلا تعبيريا جديدا كما كان يرثي رامبو ذلك؟ يقدم إذوارد سعيد تصورا أشبه ما يكون دقيقا في توصيف كتابة المنف من منظور الطرح المقارن ووضعية المنفيين في الحقب الزمنية القديمة والحديثة . (لقد كان للمنفيين في عصور أخرى ذات الرؤى العابرة للثقافات والقوميات ، وعانوا من ذات ضروب الإحباط والبؤس ، وقاموا بذات المهام النقدية المستنيرة، المُثبتة على نحو ألمعي ، ... الفارق بين المنفيين السابقين ومنفيي زماننا هو حقاً عصر اللجئ ، والمطرود، والهجرة الجماعية) (4) . كما ان هناك كبار الأدباء عاشوا تجربة المنفى الطوعي (همنجواي وتي. أس . إليوت وعبد المعطي حجازي وسيف الرحبي وأزراج عمر غلى سبيل التمثيل) أو القسري مثل دانتي الذي طرد نت فلورنسا وعبد الرحمن بدوي الذي خرج من مصر ، جميس جويس الذي اختار المنى لإنضاج تجربته الأدبية بما توافر لديه من خبرات حول مرارة الإخراج وقسوة الطرد.
    أشار إدوارد إلى الطبيعة الخصوصية التس أسهمت في نجاح كتابات جيمس جويس كونه أدبيا منفيا، وطرح جملة من السئلة التي حاولت أن تقدم مقاربة أسباب النجاح لكتابة المنفى ضمن المشهد العام اللإبداعات الإنسانية . إن هذه النصوص جعلت من المنفى معلما فنيا لضرب من التجارب الإنسانية التي تصور عقوبة الإقصاء من "الوطن الأم" التي تعرض لها الكتاب المنفيون، ودفعوا ثمنا باهظا من أجل رفض إهدار كرامة الإنسان . بيد أن نصوص أولئك الذين تكبدوا "خسارة الحياة هناك" كانت مسكونة بروح المغامرات وحب الاستكشاف . وعليه يتساءل إدوارد عن مكامن الخصوصية التي ينماز بها المنفى،وتجعله يتأبى أن يكون مجرد أداة توصيف سطحية لظاهرة إنسانية . (كيف أمكن لأدب المنفى أن ينبوأ مكانته كموقع من مواقع التجربة الإنسانية الى جانب أدب المغامرات ، أو التربية ، أو الاكتشاف ؟) (5) إن الأدب الذي يختزل كثافة الخبرات الإنسانية وحده الكفيل وحده الكفيل بالحفاظ على حياة العلامات التي تحكم علاقتنا بالوجود وبالاخرين . فحينما تعاني الذات حالات الشرخ بين المنفى والارتباط بالحسين الوطني والقومي يتدخل الفن لخلق التوازن ، وإعادة الأشياء إلى مدارها الطبيعي. ولكن المجرة السيميائية التي يسبح فيها المنفيون والمهاجرون تختلف من كوكب إلى كوكب آخر ، وبحسب الدرجات اللغوية التي يقدمون بها رؤاهم للعالم ، ويطرحون بدائلهم من أجل الانتظام مع وقع الكاوس الاجتماعي.
    من المعلوم أن كتابة المنفى نتاج تجارب أدباء وكتاب وفنانين منفيين ، ضاقت بهم الأوطان ، وتجرعوا ألوان الهزيمة في نفوسهم،وأصناف القهر الاجتماعي والاضطهاد السياسي ، ونال منهم الإحباط منالا يصعب نسيانه . حتى إنهم باتوا لا يثقون في قدرة شعريات الحرف وجماليات تعبيره على استرجاع ما ضاع منهم ، والعودة إلى الوطن فاحتفظوا بطفولته واستبدلوه بوطن الحلم ووطن اللغة ، ولكن إدوارد سعيد يطرح سؤالاً مهما من منطلق فرضية أن " أدب المنفى الحقيقي " بوصفه حالة فقدان هل يمكنه أن ينتقل من مرحلة التوصيف إلى مرحلة العطاء والإسهام في تحفير الثقافة على التحرر من معوقاتها الداخلية ، وإطلاق سراح الذهنيات من عقالها وتبصيرها بأوهامها ، وضرورة الخروج من قهر "ثقافة اليتم" إلى حرية "ثقافة الإبداع" ،وتحويل الصعلكة إلى حافز منتج لضرب من المتصورات الجديدة لإشكال الهوية والانتماء .وإمداد الثقافة الحديثة بدم جديد يتجاوز بؤس الارتداد إلى الذات ولغة النعي والبكاء على ما ضاع . وعلى الرغم من ذلك كله فإن "أدب المنفى " يظل كتابة ألم شريف، ولغته مفتوحة على عوالم الحرية . ومن يتأمل نصوص هذه الكتابة سيلفي وجهتها البحث والمغامرة (6) عن عالم جميل.
    أسهمت في إنتاج أدب المنفى الحقيقي أجيال متعاقبة من المهاجرين والمنفيين . ومن هؤلاء من غادر البيت الول منذ نعومة أظفاره ، ومنهم استقبلت ميلاده أرض غير أرضه . فحملوا معهم الذاكرة والثقافة واللغة، ولكن هذا الزاد اصطدم بثقافات ولغات أخرى ، فكان التثاقف عملية في غاية العسر ، حيث اكتسبوا لغات أخرى ، بعضهم ضارع اهلها في إتقانها ، وكاد ينسى لغته الأم حتى صعب عليه نطقها نطقا طلبقا وأداء سليما . وبمرور الزمن لم يعد الكاتب المنفي يحتفظ بالوطن إلا في صورته الطفولية ، وفي الغالب هو وطن مرسوم في الذاكرة. يكاد يكون أمشاج صور غير واضحة . ولا سيما أن مكان المنفى ظل يزاحم صورة الوطن، بل عمل على تشويش نصاعة الصورة الحاضرة بفعل سحر التقدم ، ومن خلال إكراهات الحاضر وقتامة الماضي طفق الحنين يزداد تارة ، ويخفت تارة أخرى.

    انبثق هذا الضرب من الأدب أيضا في جوالهزائم العربية المتتالية ولإحباطات المتلاحقة ولعل أبرزها هزائم العرب أمام المشروع الصهيوني الذي تقوده إسرائيل في المنطقتين العربية والاسلامية، وإخفاقات التنمية الشاملة. فقد لا حظنا أن هزيمة 67 أعطت الإشارة إلى كتابة مقهورة بالذل والعار ، ومتشحة بالحزن واليأس ،وجاءت في المقابل كتابة تحريضية وثورية ، غير أن الطريف في الأمر أن المنفى الداخلي لدى فرج الحوار وجد في اللغة خلاصه بعد حصار بيروت 1982، حيث وقعها بتاريخ 06/12/1983 ، وهذا يعني انها كتبت قبل سنة 1983. فرأى فرج الحوار في اللغة إيقاعا مقدسا ومرتلا مستوحى من نفحات الكتاب . فكانت اللغة دليله إلى النجاة . علما بأن الروابط بين اللغة والدلالة ليست متلازمة على الدوام، إذا إن صفاء الدلالة غالبا ما يكون سابقا على لحظة انبثقاء الخطاب ، ولكنه يتخلق في أثناء الكتابة المتألمة. إن اللغة مثل السيل الجارف تدمر القلاع الهشة، ولكنها تطهر الأمكنة المبوءة، وتلفظها خارج مجراها . ولهذا اعتاصت على جهابذاة النحو وعلماء اللسان في الإحاطة بملابساتها ووظائفها وقدرتها العجيبة على إضفاء بعد الإنسانية على ذلك الحيوان الرامز. فكانت اللغة المنفيين أكثر من أداة للتواصل وإنما هي الخلاص والسلاح الذي لا يحتاج إلى رخصة الجلادين . وبما أن هذا الكون الذي نعيش فيه يملؤه العنف ، ويحف بجنباته الرعب فإن اللغة تحاول أن تحدث توازنا في ميزان الرعب ، ولكنها تختار أسلوب العنف الجمالي.

    أن الرهان على اللغة سبيل يطلبه الفن حثيثا، ولكن كتابة المنفى وحدها الكفيلة التي تمتلك القدرة على تحويل الثرثرة إلى خطاب دال. فالمنفى يستطيع أن يخرج اللغة من بدئية الصمت ، ويخلصها من مآل اللغو ، ويستعيد مفقودات الذاكرة ، ويستحضر الوطن في صورته الطفولية، ويبني آمالا جديدة لعلها تتراءى له في المستقبل ، وذلك حينما يضفي على واقع التفاعل الثقافي قصدا مغايرا . فتتحول لغة هذه الكتابة من حال الكلام الخديج ، إلى حال الكلام العاقل القلق وأفق الدلالات الحصيفة. فيقذف به إلى ملكوت الإيقاع النابض بالحياة، ويتعرض المعنى إلى انزلاقات النوستالجيا التي تنصهر فيها الطفولة بالذاكرة المخرومة والوطن السليب بالعلامات المعطوية.

    ظاهرة عالمية

    هل أدب المنفى نتاج كتاب المنفى الذين أخرجوا من ديارهم من غير حق؟ ما علاقة هذا الكتابة بتجربة أدب السجون وظاهرة الأدب المهاجر ؟ أم أن هذا الأدب مقصور على الذين أخرجوا من أوطانهم ، وأجبروا على المنفى وهم معبأون بمخزون الذكريات الأليمة؟ هل يمكن حصر هذا الأدب في بلد ما أو في ثقافة ما أو طائفة ما أو في عرق ما؟ مثلما كان الأدب العربي منذ القديم ينطوي على نماذج كثير من ألوان المنفى فإن الأدب العربي الحديث والمعاصر عرف هذه الظاهرة التي فرضها الاستعمار أو أملتها الممارسات الديكاتورية وأفرزتها الأنظمة الشمولية في العالم المعاصر التي لا هم لها سوى مطاردة الخصوم ومقارعة دعاة الاختلاف والحجر على حرية الفكر.

    لا يكمن أن نحصر تيمة المنفى في الأداب العربية أو الأمينية ، لأنها ظاهرة إنسانية عامة . صحيح ان اللبنانيين والسوريين كانوا سباقين إلى رسم المعالم الأولى لأدب المجهر ، بيد أن الفلسطينيين يؤلفون القسم الأكبر من أدب المنفى في العصر الحديث من.1948 ثم تبعهم العراقيون الذين أسهموا إسهاما نوعيا في الدفع بكتابة "أدب المنافي" إلى تخوم الجمال ، وذلك بعدما ضاقت السبل بهؤلاء المنفيين، فلم يسعهم الوطن الذي حرموا من دفئه مثل الجواهري والبياتي وسعدي يوسف ومظفر النواب وغائب طعمة فرمان والراوي ونور الدين فارس ، وقائمتهم تطول .فحولوا الوطن المفقود إلى لغة موكول إليها استرداد ما ضاع منهم قسرا .فتباينت كتابات الأجيال ومواقفهم ورؤيتهم للعالم ، إذ استطاع الجيل الأخير أن يتجاوز الدعاوى المباشرة التي كان يطرحها الجيل الأول بما استجد لديه من خبرات جديدة، فحاول أن يقدم لغة مغايرة في البحث عن "الزمن المفقود" ويثري "أدب المنفى" بأسلوب مستوحى من تقنيات الكتابات الحداثية وما بعدها.

    إن أدب المنفى علامة بارزة في المشهد الثقافي الإنساني ، إنه نتاج تفاعل نصوص بين ثقافات مختلفة المشارب إلى درجة أن إدوارد سعيد يرى أن الثقافة الغربية أبدعها المنفيون والمهاجرون واللاجئون ، ولا نشتط إذا زعمنا أن سر قوة الحضارات تمكن في نزوعها المفتوح على الثقافات الأخرى وقابليتها لحوار النصوص . ولنا في الرعيل الذي هاجر من اوربا الشرقية والمعسكر الاشتراكي سابقا إلى أوربا الغربية فأثرى حركتها الفكرية والأدبية والنقدية (ياكبسون وغولدمان وغريماس وتدوروف وكرستيفا ... الخ). ، وكذلك جماعة فرانكفورت التي هاجرت إلى أمريكا (هوركهايمر وأدورنو وغيرهم). لقد كانت اوربا وأمريكا إلى وقت قريب ملاذا آمنا لهؤلاء الذي أخرجوا من ديارهم ظلما ، وحرموا من الحق في الحياة بسبب معتقداتهم الساسية.
    وعلى الرغم من أن ظاهرة المنفى لا حدود لها في الزمان والمكان ، وهي تتفاوت في الدزجة من الناحية التاريخية ، ومن الإجحاف حصر كتابة المنفى في خدمة فكر النزعة الإنسانية ومتصوراتها، ويشكك إدوارد سعيد في قدرة ما دعونا إليه من إحاطة أنطولوجية أن على صعيد النزعة الإنسانوية وإن على صعيد البعد الجمالي. وأقصى ما يكاد ينتهي إليه هذا الأدب – في نظره – أن تعبر كتابته عن تجربة قد يعيشها كثير من الأفراد فيصبحون فريسة للقلق ، بيد أن مجرد التفكير بأن المنفى حافز من الحوافز التي تدفع بالكاتب إلى الانخراط في منطق النزعة الإنسية ( هو بمثابة ابتذال لما يحدثه المنفى من البتر وضرب التشويه ، ولما ينزله من خسارات بأولئك الذين يعانون منه ، ولما يرد به من خرس على أية محاولة لفهمه على أنه " خيرنا" أليس صحيحا ان النظرة إلى المنفى في الأدب ، بل وفي الدين، تخفي ماهو رهيب وفظيع في حقيقته ، وهو أن المنفى أمر دنيوي على نحو لا براء منه وتاريخي بصورة لا تطاق ، وأنه من فعل البشر ، وأنه ، شأن الموت إنماً من غير نعمة الموت الأخيرة، قد اقتلع ملايين البشر من منهل التراث ، والأسرة ، والجغرافيا؟) (7) ظلت هذه الظاهرة العالمية تغذي الثقافة الأدبية بنصوص جديدة عن طريق التثاقف والتهجين والتناص ، الأمر الذي جعل هذا الأدب موضوعا أثيرا للآداب المقارنة وللنقد الثقافي والمقاربات السيميائية.

    المنفى والصعلكة

    لصعلكة في جوهرها كتابة محرومة من المكان ، ومطرودة من القبيلة ومقصية من المؤسسة ، ومتمردة على الأعراف ، لها صوت ناشز عن صوت الجماعة ، تمارس فعل التدمير في عمود الكتابة، وتستبدله بأنواع من السباب التي تستميز بفضاء الحرية من جهة وقسوة الفقدان من جهة أخرى.
    ولكن قد لا يكون مهما ربط المنفى بالصعلكة أو حتى الاعتراض على مثل هذا الربط إلا أن السؤال الجوهري. لماذا لا يمكن أن نقصي شعر الصعاليك من مشهد الشعر العربي بعامة وشعر ما قبل الإسلام بخاصة؟ كذلك فإن كتابة المنفى علامة فارقة في أدبيات الإبداع الإنساني ، وحالها كحال من ساقه قدره إلى التصعلك .فلم (يعد يرى غير المنفى ، وقد تهور نبته حتى عانق السماء) (8) بيد أن أدب المنفى الحديث يعاني من قسوة الطعن عليه بأنه "أدب الخارج" ويغمز بأنه "أدب عميل" وغير وطني وما إلى ذلك من أوصاف شنيعة لا تليق بنفوس عانت الأمرين ، وأرادت أن تشخص الواقع المرضي لأوطانها وشعوبها ، وفهم أسباب مشكلات تخلفه ، والتعبير عن قضاياه تعبيرا حرا لا يكدره الخوف من الرقابة والاضطهاد.
    إن هذه الكتابة التي تمخضت في الداخل ، وولدت في الخارج في ظل ظروف مريحة إلى حد ما ، ومناخ حر نسبيا كانت أكثر قدرة على التعبير الواضح إلى درجة المباشرة والتقريرية لتبليغ مرسلاتها. (فالمنفي الذي تحركه أفكار وعواطف نبيلة،والذي هرب من الاضطهاد ليس فقط لينجو بنفسه ، وإنما ليحمل رسالة من مضطهدي الداخل إلى أحرار الخارج) (9) هو أدب يحمل في طياته عنفوان اللغة وعنفها وهديرها ، وينفذها من خسارة اللغو. وغذا استحضرنا مقولة فرجيينا وولف فإن ماضي الكاتب المنفى يندس في ذاكرته حتى يضحى سجلا يتلوه على ظهر قلب ، بيد أن الآخرين لا يقرؤون في هذا السجل إلا عنوانه.
    كان مظفر النواب أحد الشعراء العرب الأكثر إحساسا بالتشرد والضياع والنفي، حيث كان سفيرا فوق العادة لقسوة المنفى وضياع المعنى . فهو (مكان قاس وموحش ... غريب) (10) لم يجعله يستقر في أى مكان ، ولم يألفه أى بيان . فاتخذ الصعلكة سلاحا لغويا للخروج من وضع سياسي عربي قاس. وصار يعاني حتى من إرث اللغة ونحوها ، ولعل ذلك جعله يستعين بكتابة الشعر العامي. وقد شكا من قهر اللغة ونحويها البصري والكوفي ،كما ورد ذلك في قصيدته "جسر المباهج القديمة(11)". فاللغة هنا تقدم مشهدا من مشاهد العطب والسلب لواقع المنفى الأكثر مرارة لمن يحمل معه نضاله الشريف، وكرامته المهدورة وعزته المكلومة . فلا يبغي عنه حولا.
    إن المنافي بعامة والمنافي العربية بخاصة أشد قسوة على المنفى الذي يظل فريسة للخوف من التصفيات الجسدية ، ونهبا للابتزاز ، وسلعة للمساومة . (إن الاستغلال والخديعة والتواطؤ، إضافة إلى انعدام المقاييس ، ظواهر تميز هذه المنافي، إضافة إلى الخطر ،أفخاخا تحول المنفي إلى حالة من الخراب واليأس والمذلة) (12) . إن هذا الشعور بالتشتت والضياع يتجسد في أدبيات كتابة المنافي لدى مظفر النواب (13) وسعدي يوسف وعبدالرحمن منيف وغيرهم . وكثيرا من الأحيان يتحول لديهم الشعور بالإقصاء وضياع العمر إلى ضرب من القسوة تجسدها بعض الإبداعات الأدبية والكتابات النقدية . وبلغة غاضبة كان يجلدون وجودهم العبثي ، ويهجون سدنة الحكم.
    إن المنفى والقمع والاستبداد علامات محفزة على الكتابة، فهي تتيح فضاء للتفكير والتامل والنقد داخل الذات الكاتبة . ليس فقط ممارسات أدبية عنيفة تندرج في منطق رد الفعل ، وإنما تؤسس لوضع يسمح بقراءة الذات ورؤيتها على نحو قد لا تتيحه المرآة . فأديب المنفي يستكشف ذاته من جديد ، ويبني علاقات مغايرة مع ذاته ومع الآخرين ومع العالم.

    غربة اللغة
    يمثل عصر البارودي والأميرعبدالقادر السمات الأولى لأدب المنفى في العصر الحديث ، فكان عصر غربة اللغة العربية ، نظرا لتعاقب الوجود العثماني في البلاد العربية وتأثيره بعض التأثير السلبي في اللغة العربية وآدابها ، حيث كانت لغة المعاملات بالتركية، ثم جاء الاحتلال الافرنسي والإيطالي لبلاد المغرب العربي ليعمق الجهل وتفشي الأمية ، حيث حاول البارودي والأمير عبدالقادر إخراج أدب العربية من ركاكته والعودة به إلى المنابع الثرة للشعر العربي في العصرين العباسي والأندلسي . وتتجلى جماليات خطابهما الشعري في القصائد التي تتخذ من المنفى تيمة مركزية ، ومن المعارضاتطريقة في التداخل النصي ، إذ نقف على اصطناع التعبير الإيقوني في كثير من الصور الشعرية ذات التركيب البسيط.

    هناك من يعتقد بأن مصطلح "أدب الخارج " فيه طعن صريح على كتابة المنفى ، وتشويه لمقاصدها لما ينطوي عليه من دس غير خفي يراد به النيل من وطنية هذه الكتابة ، والإمعان في إذاء صدق مشاعرها . إن عامل الغربة فعل قسري لا إرادة فيه لأصحابه . ومن ثم تراهم ينظرون بعين الريبة لمن يصف إنتاجهم بأدب الخارج ، ففي هذا الوصف دلالات ضمنية تحمل تشكيكا لوطنية بعض أدباء المنفى وتحقير الآلامهم وتخوينا لنضالهم. (أن تكون منفيا يعني أنك ، منذ البداية ، إنسان متهم... إنسان المنفى إذن ، وبمجرد أن يضع قدمه على الأرض الجديدة ،تتحدد صفته) (14) وهذه الصفات ينسجها المتخيل من جراء " القمع السياسي " و "الضيق الاقتصادي" و "البؤس الثقافي" وتدفعها عواطف جياشة وأفكار غاضبة من جراء احتلال الأرض واضطهاد الشعوب والموت اليومي والذبح المجاني.

    القيد والحرية
    إن "كتابة المنفى" نصوص تخلقت في رحم واقع القمع والاستبداد والظلم . فقد حال القرن والنفوس تلوك الضنك كما يقول السارد. (نتلمظ شرها نطحن بالناب عنت الكوارث ، ونبض الآتم، وعضل الفواجع) (15) ، ومن جهة ولدت في مناخ الحرية والديمقراطية التي تعيشها شعوب البلاد التي هاجروا إليها مما زادهم إحساسا بالمأساة . وهكذا فإن جسد هذه الكتابة يتوافر على خصيصتين متناقضتين تتمثلان في خصيصة "فقدا" الوطن الضائع وخصيصة"مناخ الحري" المقيد في وطن الغربة . وهو ليس بالجنة الموعودة كما يظن من لم يدفع إلى مضايق النفي ، لأن (القيود القانونية والنفسية المفروضة ، تجعل المنفى مكانا قاسيا وموحشا، وتجل المنفي بقايا إنسان ومشروعا خائبا للأمل والمستقبل ،كما تعرضه للاستغلال والابتزاز بأشكال عديدة ... إن القيود المفروضة تجعل المنفى مكانا وهميا للحرية ، لأنه لم يعد يتيح إمكانية للحركة أو فرصة للتعبير) (16) ، ومن ثم تصبح الكتابة تفسيرا لواقع المنفى وتوصيفا بقسوة الفقدان ، ولكنها في المقابل عاجزة من وجوه عن تغييره ، وغير قادرة على العودة بالذات إلى المكان المنشود. وفي هذا السياق يقول الشاعر الجزائري نبيل فارس (17) في عام 1994 بأنني كنت اعتقد بان الكتابة تنجيني من الموت ، لكنها هي التي أسلمتني إلى جبروته.

    التحريض السياسي
    ولد بعض من أدب المنفى في أقبية السجون ، فكانت لهذه التجارب بصماتها في هذه الكتابة التي تخلقت في رحم ظلمات القهر الاجتماعي والاستبداد الطبقي والتسلط العسكري والإقصاء الطائفي.
    وقد كانت الكتابات التي انبثقت في السجون الإسرائيلية شاهدة على قسوة القهر وألم المذلة. وقد تطرق فاضل يونس إلى هذه الظاهرة في الجذور العميقة، كما تناولها أيضا في الزنزازة رقم 7 من منطلق المعرفة المباشرة لتجربة السجن . وتكاد روايات عبدالرحمن منيف تتشكل علاماتها الكبرى من عالم المنفى وغيابات السجون.
    يشير عبدالرحمن منيف إشارة مباشرة إلى ضرورة أن يضطلع الأديب المنفي إلى التحريض على تغيير الواقع في الكلمة التأبينية التي ألقاها بمناسب رحيل الأديب العراقي غائب طعمة فرمان: (في رسالتي الأخيرة طلبت اليه بالحاح أن نجند كل قوانا من أجل أن نجعل ما تبقى من القرن الذي نعيش فيه عقدا من أجل الحرية، أن نرفع أصواتنا عاليا من أجل الحقوق الأساسية للإنسان ، أن نفضح القمع والديكتاتورية ، وان نحرض الناس من أجل انتزاع حقوقهم الأساسية) (18) . ولعل هذا التحريض يتجسد كثيرا في الأدب الفلسطيني المنفي شعرا ورواية.
    نقف على الرهانات الكبرى لأدب المنفى لدى الكتاب الفلسطينيين بدءا من العقد الخامس من القرن العشرين . وقد كانت لغة "رجال في الشمس" لغسان كنفاني من الإرهاصات الولى التي وضعت اللغة في مواجهة المكان بعامة ولأرض بخاصة. وقد شق على اللغة أن تتكلم بلسان غير لسان الرومانسية الثورية ، ذلك لأن الطرد كان بالدرجة الأولى عاملا مباشرا في تلوين لغة الكتابة بمعجم مفارق للكتابات السائدة والأساليب المألوفة. وهذه اللغة مرتبطة بالنفي مطلقا حتى نلفي لها بعض الحضور في طرائق الكتابة لدى من يعيشون في الداخل ، ويعانون من المنفى الداخلي، وهو لا يقل قسوة عن المنفى الخارجي. لقد تعرض الكاتب المنفي إلى الطرد من وطنه مصطحبا بالكلمات الاتيات التي أخرج بها أفلاطون الشعراء من جمهوريته قائلا في معنى كلامه : إننا لا نرغب فيكم ، ونظل نرشقكم بكل المظنات، ونلصق بكم كل التهم، ونقول لكم بانه لم يعد لكم مكان بين ظهرانينا . وهكذا يبدأ المنفى بالكلمات (19) التي يعسر التآم جراحها.
    تحمل هذه اللغة في طياتها نزوعا مقاوما ونوستالجيا صريحة وضمنية في آن واحد . ولهذا نلفي معجمها طافحا بالشعور بالخيبة حينما يكون بين الذات والرغبة بون شاسع في امتلاك المكان ، ويكون التيه واقعا أليما في حياة الإنسان المنفى بعامة والكاتب المنفي بخاصة . تسعى اللغة إلى تقليص المسافات الكبيرة بين الوطن والمنفى . وهذا الإحساس بفقدان الوطن يؤثر تأثيرا مباشرا في الرؤيا للحياة ، ومن ثم إلى الكون وكذا التعامل مع اللغة ، ويأتي الشعر الفلسطيني شهادة على هذا التحول الدراماتيكي للغة.

    تظل كتابة المنفى تسعي ما وسعها الوقت إلى تشييد جغرافيتها النصية، وتأثيث بيتها اللغوي من سلطة التخييل وفتنة المحكي معتمدة على العلامات الرحالة بحثا عن المعنى المفقود ، وتتجاوز حدود الشعور بالحرمان الحاد محبة الأوطان والحنين إليها إلى إبداع فضاء جديد للإنسانية وفهوم مغايرة للهوية . ولهذا أمكن القبول على نحو من الأنحاء برأي جورج شتاينر الذي يزعم بأنه من الصواب الاعتقاد بأن صناع الحضارة ومنقذي الإنسانية من وضع التوحش هم أولئك الفنانون الغرباء الذين صاروا بلا أوطان ، وأصبحوا (شعراء مشردين ومترحلين عبر حدود اللغة . شذاذا ، متحفظين، نوستالجيين ، في غير أوانهم عمداً) (20) . ولعل هذه العلامات الرحالة حافز على استرجاع ما اختل من جغرافية النص ، وما اعتل من جسد الأوطان.
    ينتقل هذا الفضاء من معطى إلى واقع الفعل ، حيث يسهم فيه كل البشر الذين هم جزء لا يتجزا من هذه الجغرافية النصية . صحيح أن المفكرين والأدباء والفنانين والسياسيين رزقوا لطف التعبير عن هذا الوجدان المفصوم والمهارة في تصوير هذه الأنفس المطرودة من مملكة "الاعتياد الطبيعي" والحق في امتلاك ماهو متاح للآخرين دون أن يتجرد المنفي من روح التمرد والنقد ،ولا يضطر لأن يصالح، ويستبدل عينيه بجوهرتين . حتى وإن شعر أنه في وضع "عبور ثقافي" ورحلة "وجود مؤقت" (21).


    لا تصالح
    ..ولو منحوك الذهب
    أترى أفقا عينيك،
    ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
    هل ترى..؟
    هي أشياء لا تشترى...
    لا تصالح
    ولو توجوك بتاج الإمارة.
    إلى أن يعود الوجود إلى دورته الدائرة:
    لاتصالح
    لاتصالح






    ولنا عودة لباقى الورقة
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-04-2007, 04:14 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)



                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-04-2007, 04:27 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)





                   |Articles |News |مقالات |بيانات

10-04-2007, 09:41 AM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)

    تتمّت ورقة الكاتب الجزائري أحمد يوسف


    لغة الجسد : الجسارة اللغوية
    تتجسد الفحولة في كتابة المنفيين بوصفها ممارسة جنسية مقموعة ، واكاد أراها ممارسة عدوانية مقصودة، ويشوبها كثير من الاستفزاز وقليل من السادية وقُل إن شئت قليلا من الماسوشية.
    فالكتابة من حيث هي في الأصل فعل اغتصاب يمارسه الأسود على الأبيض ،بيد أنها تتم في ظروف المنفى التي يتحول فيها الاغتصاب إلى فعل مضاعف . وكل ذلك ينهي بها إلى مسعى استرداد ما ضاع منها من طهارة الوجود . فريشة الكاتب المنفي علام ذات دلالات مفتوحة يتناسل فيها المعنى تناسلا تتحكم فيه المقتضيات التداولية . فالريشة هنا – حسب ما أشار إليها غوستاف فلوبير – إيقونة دالة على فعل الإحساس بالأم والوجع واللذة. وآيات هذا التعبير الإيقوني الذي تصطنعه "كتابة المنفى" يتجلى فى إبداع الاستعارات التي نتألم بها داخل لغة الجسد . ولم يكن هذا اللون من الكتابة بدعا من أدب المنافي حينما مزج بين المرأة والكتابة مزحا استعاريا وصل إلى حد العري. لأن الجنس المباشر الذي نقف عليه في أدب رشيد بوجدرة يتوخى كما يريد له صاحبه خرق الطابوهات في المجتمعات المضطهدة ، ويحاول إبراز مظاهر النفي داخل هذه الثقافات المكبوتة.
    لعل سحر اللغة في كتابات أحلام مستغانمي تندرج في هذا السياق على نحو أقل حدة مما نلفيه لدى رشيد بوجدرة أو غيره من بعض الكتاب الجزائيين . فالجسد من حيث هو معطى أنطولوجي يغدو عنصرا جوهريا من عناصر الوجود داخل ادبيات كتابة المنفى ، لأنه أول ضحية تشمله عقوبة النفي فإذا كانت الروح تسطيع ان تفلت من جبروت عسس الرقابة وزبانية القمع ، ويمكن ان تظل قابعة في المكان الذي طرد منه الجسد . لأن مجرد الإقرار بوجود جسد هو إشارة مباشرة لمعرفة تتمخض عن العلاقة المتوترة بين والموضوع.
    وعليه تغدو لغة الجسد وعيا شقيا بمشكلات المنفى وقلق المصير ، كما أن اللغة جسد من الأصوات المتناغمة بأضدادها من حيث الجهر بالرفض والهمس بالحق ،وهي بذلك تخترق جدار الصمت على الدوام في حالة افخلال بنواميس الطبيعة ،وفساد أشياء العالم الجميلة . غن لجوء اللغة إلى تدمير أنساقها التركيبية داخل الفعل الإبداعي على وجه التعميم وكتابة المنفى على وجه التخصيص إنما هو ثورة مضادة لحالات الإرباك التي تطرأ على النفس البشرية ، وعدم تقبل الخسارة المجانية لجمال المكان وسحر الطفولة.
    تصبح اللغة موضوعا فيزيقيا ومسرحا لعذابات الجسد ، حيث يجعله المنفى قوة نافذة لإدراك اللغة على نحو يستكشف فيه منطق اللغة المحايث، ويكاد يتماهى هذا المنطق المحايث مع الجهاز العصبي لجسد الكتابة في فعلها ورد فعلها . ففي كتابة المنفى يتماهى الجسد، الموضوع بالجسد ، الذات وهما يتبادلان الدوار من أجل إضفاء الحيوية على المعنى وصيانته من وضع التأكسد . ويمكن أن نستحضر هنا مقاربة ميرولوبونتي (22) وهو يميز بين المظاهر البصرية المباشرة للجسد التي تظهر على السطح ، وتلامس ما هو محسوس ومدرك إدراكا مرئيا واضحا ، وبين المظاهر الباطنية والجوانية للجسد في تجلياته العميقة ذات الإشارات المتشحة بالغموض . وعليه يغدو جسد اللغة في كتابة المنفى علامة بارزة للوحدة هذه المظاهر.

    يتحد الجسد اتحادا حلوليا مع اللغة ومع أشياء العالم ، ويوحدها عن طريق قوة النزعة الإيقونية ضمن نظرية التعبير التي تحتفي بها الجماليات والسيميائيات أيما احتفاء فالدلالات الإيقونية توحد بين الغياب والحضور ضمن خبرة يكتسبها الجسد المنفي والروح القابعة هناك .ومن منطلق أن استدعاء المعاني إلى الحضور (23) لا تحصل إلا بغياب مسبق سلفا . علما بأن هذه الروح لا تكاد تفارق الجسد أينما حل .فهي تأتيه بالأخبار ما لم يزود . و عليه فان الكتابة مصابة بحالات الذهول أمام هذه المفارقة وأمام مأساة الوجود التي يحياها المنفي ، ويسعى إلى إدراكها بواسطة جسده الذي ترسمه اللغة . وذلك من منطلق أن الكتابة في جوهرها ذات طبيعة أنثوية لكونها مكمن الرغبات وموطن اللذات .فهي تضطلع بدور المرأة على حد تعبير فلوبير.

    إشكالات الهوية
    أن حاجة كتابة المنفى إلى متصورات متجددة للهوية أشد حاجة منها إلى أي مفهوم آخر، وهذا المفهوم يتجاوز حالة التطابق بين "الهنا" و"الهناك" بين طفولة المكان الذي تصطحبه الذاكرة، ويغذيه الحنين، وبين الوطن الطارى الذي جملته العلمانية ووزينته الديمقراطية، ولأن معضلة الهوية غير منفصلة عن جدلية الذات والآخر وعن الذاكرة فإن هذه الكتابة كانت تستعين باستدعاء الجزور للتخفيف من وطأة الخسارة التي تكبدتها الذات نتيجة حرمانها من وطنها الأصلي ، وتبين لها انه من الصعوبة بمكان تعويض هذه الخسارة إلا بالانخراط في مشروع الفن ، لأنه كفيل بالاحداث حالات الاتزان حين تختل الأكوان ،وتتفسخ العلاقات الإنسانية ، وتتداخل الحدود .ينتاب الكاتب المنفي شعور حاد بأنه يعيش بمعزل عن ذاته ،ويغرد خارج سرب المجتمع ، وأنه ينتمي إلى حياة قوامه الإخلال بالنظام العام لطبيعة الأشياء . فتضيق الطوارى مجال حركته.

    ولهذا تتجلى دلالات هذه الحياة المأزومة في عنف اللغة وخروجها عن مدار معجمها المعتاد، وهي لا تكاد تستقر على حال . وعلى الرغم من أن اللغة التي تسعى سعيا دؤوبا لتنشيط الذاكرة واستحضار الأوطان الضائعة إلا أنها تجد نفسها مرمية خارج زمن الطفولة ، وغالبا ما تحتضنها " ثقافة العبور" لتنقلها من سجن تعيس إلى سجن واسع ، ولكنه لا يكاد يختلف عن سجون القسوة والقهر .
    والعزاء الوحيد لهذه اللغة أنها تتنفس بعيدا عن الرقابة الخارجية ،وتروم تقويض الأسوار التي تحتجز الفكر ، وتعتقل العقل . ولهذا فإن كتابة المنفى فيها شيء من "أدب المعركة" و "أدب الشتات" و "أدب المقاومة" و "أدب التحريض" وفي كل الأحوال فإن اللغة في حضرة هذا اللون من الأدب تتكلم بعنف جمالي أكثر مما كان يتوقع لها هيدجر. إنها كتابة تصرخ بصوت عال ecriture a haute voix لتخرق حجاب الصمت المضروب على حرية التعبير . ومن هنا تأتي الكتابة بالفرنسية لدى مالك حداد (24) كأنها لحظة مرضية ليسوا بدعا فيما يكتبونه بغلة غير العربية .فقد كان بعض الكتاب المرموقين منفيين عن لغتهم، وهم يكتبون بلسان غير لسانهم الأم مثل كافكاKafka وإلسا تريولي Triolet Elsa .


    الذاكرة والألم :اللغة والمنفى الداخلي

    أعلن مالك حداد : (أكتب وأعلن بأن عزلتي ككاتب تتضاعف بالقياس ألى عدد قرائي ، أولئك الذين أدعوهم بقرائي المزيفين) (25) . وهذه العزلة تكاد تمتد إلى يومنا هذا ، وينضاف لها الوحدة والاقصاء بوصفهما مظهرا من مظاهر المنفى . فهناك حالات نفي قصوى لدى من يكتبون بغير اللسان الم (26) ، وهي تتحول إلى وضع درامي في غاية الحساسية ، وصل إلى حد التشاؤم في نظر خصوم مالك حداد (27) مع ما يحمله هذا الوضع القاسي من ألم ، ولا سيما في ظل الواقع البئيس للترجمة في ثقافتنا المعاصرة ، وكذا في غياب دور فاعل للمؤسسات الثقافية المسؤولة عن الاعتناء بهذا الدب .فمن يقرأ الشعراء والروائيين الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية سوى عدد محدود من القراء العرب بعامة والجزائريين بخاصة . ولهذا أشار كل (28) من عزيزة ومالك حداد إلى وضع "الفقدان" Perte و"المأساة" drame لدى من يكتبون بغير لغة شعوبهم.
    حينما صدع مالك حداد بعبارته الشهيرة "الفرنسية منفاي" (29) لم يكن يقصد بهذه العبارة الذائعة الشائعة أن يحاكم اللغة الفرنسية من حيث هي لغة مثل بقية اللغات البشرية لا تفاضل بينها لكونها أداة تواصل كما تشير إلى ذلك النظرية اللسانية الحديثة، وغنما كان يشير إلى الطريق المسدود الذي وجد فيه الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية بعامة والأدب الجزائري بخاصة ، ولا سيما أن هذا المنفى انتقل إلى قرائه . لقد كانت الفرنسية اللسان الوحيد الذي يلهج به بعدما حرم من امتلاك العربية لتكون وسيلته المفضلة للكتابة والإبداع . ومن يومها صار القلم ينزف ، وينوء بالوجع ، وما عادت حنجرته تغرد بالإبداع ، فاستطاع أن يضع حدا للعلاقة بين الرفاهية والرخاء والأناقة التي تعيشها الكتابة داخل الثقافة الفرنسية وفقدان اللغة الم مع ما يصحبها من قسوة البعد عن القاري العربي المنفي عن هذه الكتابة.ولهذا يقول مالك حداد (30) : بانني قررت ان أصمت دون ان احس بأي أسى أو أي مرارة وأنا أضع قلمي دون أن يقول بأنه لا أدب جزائري إلا ذاك المكتوب باللغة العربية ، ولا يمانع أن تتعايش اللغتان العربية والفرنسية ، ولكن يصر على التمييز بين فرنسية موليير ذات النزعة الإنسانية وفرنسية بيجار ذات النزعة الاستعمارية والإجرامية، وبين فرنسية دو غول وفرنسية ماسو (31) وغنما يريد للعربية أن تتمتع بسيادتها التي اعتدى على حرمتها الوطنية الاستعمار الفرنسي ، وكانت آماله كبيرة في الأجيال القادمة ،وقد تحقق بعض هذا الحلم فيما نقف عليه من إبداعات متميزة باللغة العربية أو حتى في تحول رشيد بوجدرة إلى الكتابة بالعربية.
    إن الحقيقة المفجعة التي أدركها مالك حداد وجوليا كرستيفا أن اللغة التي نكتب بها لا نتفصل عن الثقافة المعطاة سلفا. فحينما تخوننا الكلمات في التعبير عن مقاصدنا لا نطلب النجدة إلا من لغتنا الأم ، بل نستصرخ بلهجاتنا ونحتمي بعاميتنا . فلما يتملكني العجز في التعبير عن المعنى الخديج" (32) كنت استحضر في مثل هذا المقام اللغة البلغارية وليست الفرنسية كما تقول جوليا كرستيفا التي تلتقي مع آسيا جبار(33) في عبارتها المشهورة "اللغة الفرنسية هي بيتي" ووجه الفرق بين حداد وكرستيفا و آسيا جبار انه لم يستطع أن يتقمص جسده وروحه الفرنسية ،ولم يقبل أن يستبدل هذا الحال بحال رفاهية المنفى أو أن يسمى بغير اسمه الذي يحمل في طياته الدلالات المضمرة وهو مثل الملك الحزين الذي لا يسكن إلا في الأعالي . إن كتابة المنفى لا يسكنها الحنين فقط إلى طفولة المكان ، بل إلى طفولة اللغة الأم ايضا. من منطاق أن طفولة اللغة تربة لها قداستها وسحرها العجائبي وتركيبها المنطقي الخاص ، وتتمتع بحماية الذاكرة . وغالبا ما يلازم هذه الحنين إلى اللغة الأم تأملا فلسفيا ذا طابعا شعريا، وهو ما تجلى في كتابة مالك حداد الروائية التي وصفت بأنها لا تحترم خصائص النوع الدبية وهي أقرب إلى الشعر منها المحكي الروائي . يمثل روح كتابة مالك حداد في حين يأتي في الدرجة الثانية لدى محمد ديب.

    كانت أطروحة الطاهر بكري (34) الموسومة ب "إشكال المنفى في " التلميذ والدرس " لمالك حداد مقاربة دلالية لنص أدبي مكتوب بالفرنسية من الدراسات السابقة إن على صعيد مدارسة تيمة المنفى في أدب مالك حداد وإن على صعيد المقاربة النسقية لخطابه السردي . في حين يجمع عبد الكبير الخطيبي بين مالك حداد والعلامة العليلة "Haddad et la maladie du signe" في أثناء مدارسته لرواية "رصيف الأزهار لا يجيب" فالكتابة الروائية لدى حداد تصبح (تعلة لحكاية حياته وانطباعاته عن الحياة .وفي رواياته الأربع نصادف نفس الموضوعات : الوطن ، المنفى ، معنى السعادة والالتزام ) (35). ولما كان مالك حداد شاعرا ألفينا كتابته تتجاوز المتصورات الكلاسكية لمنطق الأجناس الدبية، وهي تتخذ من تيمة المنفى (36) ركيزة من الركائز التي تبني رؤياهم للعالم . (لقد أعلن حداد مرارا عن شعوره بالنفي داخل اللغة الفرنسية ، وعن مدى "تدهور الكلمات وتلاشيها" . وهو يكتب ليبين استحالة الكتابة) (37) ، وصارت كلمته المشهورة "الفرنسية منفاي" مفتاحا اغلق به أرتاج الكتابة ، وأسلم نفسه إلى سيمياء الصمت الدال . هذا الصمت الذي يتضايف في داخل الكتابة مع المنفى واللغة والذاكرة ، ويندمج في بنية واحدة ليشكل مشهدا غير مألوف في الدب الجزائري المكتوب باللسان الفرنسي.

    هناك ضرب آخر من المنفى له وقع مضاعف لدى ليلى صبار(38) ، وهو نابع من وضع تاريخي لم يكن للكتاتبة فيه أي اختيار ،لأنها ولدت داخل فضاء مزدوج من المنفى :منفى جغرافي لوالدتها التي عاشت في الهضاب العليا بمدينة أفلو في الأربعينيات ، ومنفى لغوي وثقافي وسياسي لوالدها الذي انتقل من العربية(اللغة الأم) إلى الفرنسية (اللغة الثانية) ،حيث وصفت المنفى الأبوي بالإشكالي لكونه عاش المحنة الكولونيالية ، وهي تنحو عليه باللائمة لأنه لم يعلمها العربية لكي تثري تجربتها الأدبية . وعندما نتحدث عن ليلى صبار التي تتخذ من حكايات المنفى بعامة ومنافي النساء بخاصة موضوعا لمحكياتها نشير قبلها إلى آسيا جبار (39) التي تقر بأنها تكتب بلغة المستعمر القديم منذ أربعة عقود ، ولكنها تظل تحب وتتألم وتصلي بالعربية اللغة الأم أحيانا دون أن تغفل الأمازيغية التي لها حضور عميق في الهنود الحمر والأكراد والأرمن والباسك وكل العراق التي ترفض أن تدفن وهي على قيد الحياة .إن كتابة بعض المغاربة متعددة المنافي مكانا ولغة وتاريخا وهوية . إنها كتابة المنفى بالجمع وقد ولدت تحت إكراهات الضرورات التي كانت تستبيح محظورات اللغة .وانطلاقا من هذه الكتابة كانت آسيا جبار تعلن تشبها بجذورها العربية وثقافتها الإسلامية على الرغم من بعض التصريحات التي لا تستطيع أن تغطي على هذا الشعور المتجذر في أعماق الأدباء المغاربة الذي يكتبون بالفرنسية أو بلغات أخرى.

    مالك حداد وكتابة الحداد
    لا ينبغي أن نستعجل لكي نوسم أدب المنفى بأنه "كتابة حداد " ecriture de deuil يصنعها المتخيل الذي يصطرع فيه الحلم بالواقع ،ويشيد صرح موضوعاته الألم ، وتزخرف معماره الفني الأحزان. وعلى الرغم من ان كتابة حداد تلبس وشاح الحداد ، وتندس في حلكة السواد إلا أننا لا يمكن وصفها أيضا بأنها مجرد غنج شعري وتبختر لغوي عابر تضيع في بحاره بلاغة السرد .لم تستطع الطبيعة السوادية أن تغشي بصيرة المنفيين من إدراك لحظات الفرح الاتي، وتقلل من حالات الإحباط والاكتئاب . صحيح أن هذه الكتابة مشدودة غاية ما يكون الشد إلى ذاكرتها النصية الموشومة بآلام الوخز ،لكنها ممدودة أيضا غاية ما يكون المد إلى عالم الفرح الوهاج ، وأعناقها تشرئب إلى الصبح القريب الذي تنفس فيه هذه الكتابة هواء الحرية وأمل الغد الجميل .لا كتابة بلا أمل ، لأنه لا حياة بلا أمل .فالكتابة والحياة صنوان لا تختزل فيهما لعبة البياض والسواد القائمة على مخزون عنفوان اللذة وجماليات عنف الخطاب . وتستمد هذه الكتابة عنفها وتمردها ومن ثم حيويتها من حاجاتها إلى ان تكون كتابة مضادة ومعارضة ونصوص حجاجية.

    تستعين الكتابة بقوانينها السردية الكونية في أثناء تشيد عرشها النصي بتقنيات الوصف والسرد والحجاج ، وذلك من أجل تتبع سيرورات المنفى داخل بلاغة المحكي، والدوار العاملية التي تضفي عليها الأحلام واقعية شفافة ،ويغذي حيويتها عنف الخطاب المتخيل ، فيحولها إلى نصوص واقعية، ولكنها تسبح في العوالم العجائبية وأنسجتها الحكائية والتنويعات الإيقاعية في حركة البحث عن عوالم لغوية جديدة .من الواضح أن أدب المنفى يحتاج إلى موارد الألم وهي تتخلق في رحم النصوص التي تصونها الذاكرة .إن هذه الذاكرة النصية لا تنفصل عن المكان الم ، بل هي المرجع الأساس لهذه الكتابة التي يعبئها الكاتب المنفيون برصيد الألم . تعرضت كتابة مالك حداد نتيجة موفقه من اللغة الفرنسية إلى الغمز طورا وإلى الإقصاء طورا آخر، إذ لا نكاد نفهم ما دبجته الباحثة آرنو جاكلين (40) Arnaud Jacqueline وهي ترى بأن نص حداد الروائي تغطي عليه الأشعار البيضاء ، وأن الإيقاع الإسكندراني كان خلاصه من شقاء الزمن وحماية له من "النثر الفني" ولكنها لاحظت بأن هناك تيمات مهيمنة في رواياته "رصيف الأزهار لا يجيب" التلميذ والدرس و " سأهبك غزالة" تتمثل في (المنفى والفقر والأسطورة). وأن هذا الابداع الإيقاعي يوحي مسحة حزن يتأبى على الظهور في الكتابة ، ولكنه موشوم في الذاكرة خلف ذاك السؤال العلقم :من أنا ؟ فالذي يريد أن يشيد مستقبلا، أزمة لسانية على وجه التحيد ، وإنما هي أزمة تتعلق بالأمبريالية الثقافية . ولكنها تزداد حدة لدى الكتاب الجزائريين.

    كان المنفى في الأدب الجزائري اختياريا في أغلبه ، حيث بدأ مع بكر بن حماد في القديم حتى صار من أكبر المعضلات التي تواجه مؤرخي الأدب كيف نكتب تاريخ هؤلاء الذين ولدوا أو عاشوا خارج هذا البلد أو ذاك ؟ وكبف نتعامل مع الأدب الذي كتب في الجزائر من غير الانتماء القومي إلى الجزائر بدءا من القديس أوغسطين إلى ألبير كامووجاك دريدا ؟لكن إذا كان المنفى يستجيب لمقتضيات التعبير ألا يحمل في بناه الكبرى الأثار النفسية والاجتماعية للمنفيين وأسئلتهم الأنطولوجية من نحن؟ ما مكانتنت في أرض غير أرضنا؟ كيف نندمج دون أن نفقد هويتنا؟ إن هذه الأسئلة تؤشر على رسوخ المنفى في أساليب الكتابة التي نلفيها لدى هؤلاء الكتاب المغاربة بعامة والجزائريين بخاصة، وقد املتها شروط سوسيوثقافية فتحولت إلى واقعة تاريخية وثقافية . فإذا كانت الفرنسية غنيمة حرب لدى المغاربة بعامة والجزائريين على وجه الخصوص فإنهم خاضوا بها معركة لا هوادة فيها مع الفكر الاستعماري ،واستطاعوا أن يبزوهم حتي في لغتهم . وكاتب ياسين (42) ونجمته الساطعة فنيا آية من آيات المعركة الكبرى التي كانت تخوضها الجزائر آنذاك . ولكن بعد أن عاد السيف إلى غمده ، وسكت صوت الرصاص . تساءل بعضهم ومنهم مالك حداد وماذا بعد؟ ولماذا الاستمرار في الكتابة بلغة لا تنسينا جرائم من اغتصب أرضنا. صحيح أن هناك من لم يشاطر مالك حداد رؤيته للمسألة، غير أن هؤلاء الكتاب لا ينكرون مشروعية السؤال حول اللغة والهوية ورفاهية المنفى الاختياري. لهذا يشعرون بؤخز الألم حينما يستيقظون وقد وجدوا أنفسهم يسبحون في الكتابة العجائبية التي صارت فريسة فنية يتلذذ بها من كان سببا في منفاهم عن لغتهم.

    وفي الحالات التي نروم فيها تحليل نصوص كتابة المنفى لا بد من التساؤل عن البدايات والتخوم لتيمة المنفى في هذه النصوص . تستمد كتابة المنفى لدى المبدعين الجزائريين طاقتها من خلق فضاء واسع للبحث عن لحظة الاتزان ومساءلة الذات في تحديد علاقتها بأرض ومسؤوليتها في الوجود وموقفها من تاريخها ولغتها . فهناك من الأدباء مثل كاتب ياسين من عاش قسوة المنفى وعندما عاد إلى الجزائر عاش مرارة التهميش .كثير من الكتاب اضطروا إلى اختيار المنفى من حيث اللغة مثل كاتب ياسين ومالك حداد مولود معمري و مولود فرعون وآسيا جبار و رشيد ميموني والطاهر جاووت ونبيل فارس وأنور بن مالك ومراد بوروبون وياسمينة خضرا أو بعضهم وجد الرفاهية في ذلك ، ولم يفكر حتى في الجزائر ، وعلى الرغم من أن جغرافية النص فرنسية بحكم العوامل التاريخية إلا أن فضاء الكتابة امتد إلى ألمانيا وإيطاليا وأمريكا و كندا وحتى إلى المكسيك.

    التناقضات : البحث عن لحظة الانتظام
    لقد عبر هشام شرابي عن الواقع العربي كما يراه المنفيون بأنه عالم مليء بالتناقضات على صعيد الخطابات النظرية أم على صعيد الممارسات العلمية ، وهذا التناقض كما يتصوره النقد الحضاري انبثق من مجتمع أبوي ينبغي أن يعرى إيديولوجيا ، ويفتت سيسيا ، فالفشل الذي أصاب مشروع التحديث في المجتمعات العربية لم يؤدإلى (إخفاق حركة الإصلاح والعلمنة وحسب بل أيضا إلى تعزيز سلطة النظام الأبوي(بشكلية التقليدي والمستحدث) ، وإلى تراجع حركة التحرير وعودة العصبيات الدينية والقبلية والإثنية وانحسار المد القومي مع نهايات القرن) (43). وهذا الشعور يرجع أيضا إلى طبيعة التناقضات التي تعتمل في داخل المفكر و الأديب والفنان وهو يعاني قسوة المنفى،وفاجعة الشرخ بين التخلف والحداثة والخروج من مجرى التاريخ .هذه المجتمعات تبدو راقية على صعيد النصوص النظرية ومتخلفة تخلفا بشعا على صعيد الممارسات اليومية . ومن هنا نلفي كتابة المنفى تنقد هذا المجتمع نقدا حضاريا للوقوف على حقيقة تناقضاته الفكرية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

    ولعل أبرز تناقضات هذا المجتمع أنه حين (يحلم بالوحدة الشاملة يمارس التفتت والتشرذم وفي حين يسن القوانين والدساتير المثالية لا يتعاطي إلا القمع والإكراه ، وحين ينادي بالمبادى السامية والحقوق الإنسانية) (44) ، وانطلاقا من نقد هشام شرابي الحضاري ، وكتاباته التي ولدت في المنفى نستشف ضرورة ميلاد ما يدعوه بميلاد وعي ذاتي يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية التي تسلمه إلى تبني "العقلانية الهادفة" وحظ خطاب اللغة كبير في مشروع المراجعة الشاملة التي يخوضها النقد الحضاري . فأدب المنفى مدعو من وجوه عديدة لاستيعاب مقتضيات هذا العصر الجديد وتحولاته الدراماتيكية ، والتفاعل مع المجرى الجارف لإكراهات العولمة. ولا يحصل هذا المأمول بالمتنيات الجميلة والعواطف الصادقة ، بل لا يتحقق هذا الاستيعاب (إلا إذا تغيرت الذهنيات ، وانبثقت أخلاق جديدة ، حيث لا يتم التغيير بمجرد تفعيل آليات اللغة من اشتقاق ونحت وإعمال الأقيسة وتلطيف المعجم ، بل يجب أن تنخرط اللغة في مجرى تحولات الحياة) (45) . إن كتابة المنفى شهادة حية وصادقة على تاريخ المجتمعات العربية المختلفة التي تمزقها التناقضات ، وتتجلى في لغة الأدب ، حيث نقف على شخصيات روائية مأزومة في الخطابات السردية لاتنصاع انصاعا ضريرا إلى نوع أدبي خالص ، وإنما تعمد إلى التهجينات النصية ، والتداخل بين الأجناس الأدبية ، وتلفت إلى لغة الحياة اليومية الثرية بالدلالات كما نقف عليها في أشعار سعدي يوسف ، وصور متلوية في أشعار يوسف الرحبي.

    الأناقة اللغوية
    إن ما سنشير إليه في هذا المقام قد لا تكاد كتابة المنفى تنماز به عن سائر الإبداعات الأدبية والفنية ، ولكن من مفارقات هذه الكتابة أنها سعت على نحو من الأنحاء الإفادة من الأشكال التقنية التراثية بغية تشييد أناقة لغوية مبهرة لدى الملتقي الآخر ، والخروج على السائد في أدبيات الأوطان المفقودة . ومن مظاهر هذه الأناقة الاحتفاء بالمحكيات المطرسة وبجماليات الاستهلالات بخاصة وشعريات العتبات النصية وأبعادها الرمزية وما تحمله دلالات مفتوحة ذات إيحاءات سيميائية، وهذه تقتضي براعة سردية وخيال شعري خصب لا بتداع أشكال تعبيرية خارقة للمعيار السائد . يأتي خراجها في النهاية لتعضيد سياق إبداعي مفتوح على التداول التراثي القديم .مما دفع الحركات الشعرية والمحكيات السردية ذات التوجه الحداثي أن تنفتح انفتاحا واعيا على صوغ شعري مشبع بالدهشة وكتابة سردية مرتوية بماء التخييل . ولا غرو ان تكون كتابة إبراهيم الكوني ذات مهارة كبيرة في استدعاء العوالم السحرية العجيبة حيث تكتسب الحكاية بعدها الخرافي الاسر.

    خلاصة:
    إن حصر إنتاج أدب المنفى في تيار إيديولوجي أو بلد معين أو طائفة مذهبية من أهميته في كونه أدبا إنسانيا على صعيد المحتوى وجنسا أدبيا على صعيد التعبير .لقد (( وصل بالناقد جورج شتاينز حد اقتراح أطروحة ثاقبة مفادها أن أدب " المهجر " يمثل جنسا قائماً بذاته بين الأجناس الدبية في القرن العشرين ، أدب كتبه المنفيون وعن المنفيين ، ويرمز إلى عصر اللاجئين. وهذا ما يشير إليه شتاينز بقوله:" يبدو صحيحا أن أولئك الذين يبدعون الفن في حضارة شبه بربرية، جعلت الكثيرين بلا وطن ،لابد أن يكونوا هم أنفسهم شعراء مشردين ومترحلين عبر حدود اللغة . شذاذاً ، متحفظين ، نوستالجيين ، في غير اوانهم عمداً) (46) ، ومن ثم تغدو وظائفه السيميائية ذات منحى دلالي مفتوح ينماز بتنوع تيماته وإشاراته وطرائق تعبيره ، وتخطيه للضرورات المذهبية والانجذابات العرقية والأنساب القبيلة . إنه كتابة تتضمن علاماته دلالات الغربة والقهر والقمع والاستبداد والنفي. ومن ثم الحنين إلى الوطان والتعطش للحرية والعيش في كنف الكرامة والمواطنة.
    إن كتابة المنفى نسق سيميائي دال بمشمولاته المادية وإشعاعاته الروحية. ويمتلك هذا الأدب بعنفه الجمالي قدرة على تأسيس لغة متسمة بسواد الحداد وحساسية مفرطة في القلق والحزن والخوف، ولكن الأديب المنفى يقلوم هذا المصير الدراماتيكي بالصراخ التطهيري في وجه جبروت الصمت المخيف مستعينا بسلطان الذاكرة وجسارة اللغة . وكلاهما ينتج دلالات رمزية مفتوحة تجسدها رهانات اللغة على وجه الخصوص . ويكاد يعبر هذا الأدب عن تعالق فريد بين الكتابة واللم بما يحمله هذا الألم من جوانب باتولوجية ونفسية وجمالية . فهو يعكس علامات الوجع الفارقة في كتابة المنفيين والنوستالجيا المتضخمة ، على الرغم من إدراكنا الواعي بأن الألم ظاهرة راسخة في الكينونة الإنسانية الإ أنها أنتجت في هذه الحالات القصوى أدبا يتفرد بلغته وأسلوبه وتيماته ورؤيته لصيرورة الأشياء. وذلك ما تستظهره بلاغة المحكي في كتابة المنفى من جراح غائرة في أنفس الأدباء والكتاب والفنانين الذين أخرجوا من ديارهم وأكرهوا على مغادرة أوطانهم . ولكن كيف نفسر ظاهرة الانتقال من أدب النضال والتحريض حينما ينفى الكاتب في الطور الأول من حياته خارج وطنه إلى طور أخر يكتسب فيه هذا الكاتب جنسية البلد الذي آواه ،وأكسبه حق المواطنة ، فتحول أدبه من كتابة النضال إلى كتابة الاختلاف؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-04-2007, 05:37 PM

بدر الدين الأمير
<aبدر الدين الأمير
تاريخ التسجيل: 28-09-2005
مجموع المشاركات: 14618

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الأدب والمنفى ... ندوة شاركفيها كل من - ادونيس _ إبراهيم الكونى - واسينى الاعراج - وآخرين. (Re: بدر الدين الأمير)



    ورقة الشاعر العمانى : سيف الرحبى
    رئيس تحرير مجلة نزوى الثقافية
    التى تصدر من العا صمة العمانية مسقط

    الطريق إلى الربع الخالي
    (حول الكائن المغترب والتسويات الممكنة)
    سيف الرحبي

    يمكن القول ،بداية، إن الكائن المنفي أو المغترب في برهتنا الراهنة ليس ذلك المقذوف خارج منطقة مكانية بعينها تسمى: الوطن وإنما ذاك الذي أضاع مكانه جزريا في هذا العالم ،وبدأ رحلة التيه الحقيقية التي لا أمل في العودة منها . انطلاقاً من هذا الشعور الحدي لهذه اللحظة المحتدمة بالهواجس لكائن وجد نفسه خارج العالم ،خارج لعبة الاجتماع والتاريخ التي تبعثرت، لحظة هذا الكشف الأليم، شظاياها وخيوطها المحبوكة جيداً في صميم روحه وكيانه .كل ذلك إلى كائن القلق والبحث والترحل بأبعاده الرمزية والواقعية..

    ثنائية الوطن – المنفي التداولة حد الاستهلاك ، لم تعد تضئ شيئا ذا قيمة في هذه الرحلة الليلة المحتشدة بالهوام والأسئلة . لم تعد شيئا الإ ربما للدارس النفسي والاجتماعي وفق مناهجه المحددة سلفا . وحتى عبر هذا السياق انقلبت معايير المنفي والوطن ، وتصدعت . حيث تبادلا الدوار في عملية انقلاب ناعمة مخادعة ، وفق الشروط السياسية والاجتماعية والتعبيرية في أكثر من بلد ومكان وحيث أصبح الوطن هو ما دعي بالمنفي وكذلك العكس.

    عملية الانقلاب هذه تستدعى ، إشكاليات متعددة ، ليس على صعيد الحياة اليومية والمدنية إذ أصبح منفى ،كالمنفي الأوربي، يلبى احتياجاتها ، ومتطلباتها ، أكثر من الأوطان المنكوبة بكافة أنواع التسلط والحروب والانهيار.

    إشكاليات الكائن المنفي الذي يتعاطى الكتابة والتأمل والتفكير . ذاك الذي ندعوه شاعراً ومثقفاً .. مثل كيفية اشتغال المخيلة ، الذاكرة والحنين .. إلى مدى تبحر سفنه حيث لا نجم يهتدى به . بحر مضطرب وظلام عميق .؟ هل مازالت الأمكنة الولى، أمكنة الطفولة دوافع جذب وحنين ؟ هل مازال ذلك النبع الذي تنهل منه مخيلة الكتابة ، بؤرة الأماكن في نشظيها وتعددها ، مرجع الذاكرة في رحلتها الشاقة بين المدن الغربية والناس الغرباء . أم كفت عن أن تكون كذلك وأحكم التيه والانخلاع قبضته الزلية.؟

    ******
    لنفترض أن هذا الكائن الباحث في غاية الكلمات ، عن موطئ قدم ليحط فيها رحال الشاهد والمتذكر ، بدأ رحلة الانفصال عن المكان الولادي ، مكان الخطوة الأولى ، مطلع السبعينات من القرن المنصرم ، أحس في البدء ما يحسه الآخرون من لوعة الفراق للوجوه والأماكن المألوفة الذي استمر فترة من الزمن . وبالاندماج في حياة البلاد الجديدة ، بدأ نازع الحنين والتذكر في الخفوت ، لكن ليس الانطفاء حيث استمرت جمرة الذكرى في التوهج .، وحتى حين أمعن مشهد الترحل بشتى الأصقاع و الأماكن ظلت هذه الجمرة توصل الحياة السابقة لمرابع الطفولة للحيوات اللاحقة ، والتحم الزمن الأول بالأزمنة المتقادمة التي أخذت في التكاثف والمباغتة ، حتى أصبحت على ذلك النحو السريع الصاعق.

    يعود المترحل بعد طول بعاد ونأى ، إلى تلك الأماكن التي حلم بالعودة إليها ، وراودته بكثافة الحلم ولايقظة ، ليجد أن الوقائع تشيد بنيانها بمعزل عن الأحلام ، ونوازع الحنين .. يعاود الرحيل والعودة مرة ومرات وبوتيرة سيزيقية ، ليكتشف كل مرة ما لم يعد بحاجة إلى اكتشاف : خرائب الروح، وخرائب طفولة الكائن والمكان . يقف ناعقا بهجاء قاس وانتباه أقسى إلى هذه الصيرورة الفاجعة المنذور لها بقدرية عمياء صارمة ، حين لا مكان للتسوية ، ولا خيط شمس يتسلل من تلك البيوتات الطينية العتيقة ، حيث كانت تقطن العائلة في الأزمنة التي بدت له نائية أيما نأى وسحيقة

    *****
    ينزع البعد الوجودي للمنفي بأبعاد اجتماعية وسياسية ، وهذه الأخيرة تلهب الأولى وتدفع بها إلى حافة أكثر خطورة ومكابدة. تتضاعف المعاناة وتزوج فالإنسان أو الشاعر الذي دفعت به خياراته في ظروف محددة ودفعت به الصدفة إلى أن يكون ملا حقاً من قبل دولة وأجهزة لا ريب يعيش حالة حافة الجنون والموت ، خاصة وأن هذا الكائن ، الذي نحن بصدد الإشارة إليه ، فرداً يعى فرديته وأفقها بعيداً عن الانضواء القطيعي تحت لواء الجماعة بأسمائها المختلفة.

    بطبيعة الحال هؤلاء الأفراد غالبا ما يكونون من أهل الأدب والفن ، حيث تتوتر المسافة بينهم وبين الجماعة التي تحمل لواء المعارضة اللاهجة باليقين، المبشرة بالنصر الحاسم القريب .تتوتر المسافة وتتسع كما توترت واتسعت من قبل مع تلك الأوطان الافتراضية المحمولة على لغة الشعارات وغنائية الحنين المبسط . ويجد الفرد ذاته مقتلعاً من جديد ومرميا في مهب الجهات العاصف . يسارع إلى لملمة أشلائه ، ومحاولة التخفيف من فداحة الخسارة بمعناها الجذري . أنه يقف وحيدا في مراة مدماة مشروخة ، هشاً وضعيفا أمام بطش الوجود متعدد الوجوه ، والمصادر ، والأهداف ، هو الأشبه بالكائن التجريدي من غير أهداف واضحة ، والذي ولد من صفحات كتاب قرأه ذات مرة ، وبقيت صورته الوحيدة في راسه تميمة يلوذ بها من فتك التلاشي والخراب .تتسارع حلقات المنفي إلى الاستواء والنضج ، ليجد مرة أخرى ليس على مشارف الربع الخالي ، تلك الصحارى الجبلية الرملية التي ولد في أتونها ، وإنما في القلب منه واقعا وأفكارا ، مسار حياة ورمزا.

    ******
    ينكسر المنفي الصلب بصفاته وأهدافه المحددة ، ويوغل المغترب المنفي في تيه الصحراء ، باحثا في ضوء هذا الانكسار عن سبل جديدة يستطيع مواصلة ما تبقى من حياته ، ربما يجد بعضها في الكتابة والكتب / في المرأة والتحديق جيدا في المغيب المحتدم بالأشباح الجميلة كل مساء
    ربما تذكر المنفي وهو في غمرة هذا الصراع المرير مع شرطة الوجودي والتاريخي ، في عهوده البعيدة حين كان يجلس على المشارف المطلة على الصحراء العاتيه ، المكللة بغناء الروح ، وسط العوز والفقر – تذكر القوافل المرتحلة بين التخوم والأودية والشعاب ميممة شطر مجهولة بالنسبة إلى الطفل الذي كانه في ذلك الزمان.

    تذكر وراودته في اللحظة لمحة وجيزة من العود الأبدي النيتشوي ، تلك الدائرة الجهنمية لرحى العذاب البشرى كما يود تأويلها حيث العدم يطبق قبضته على الكائن كما تطبق عواصف الربع الخالي قبضتها على القوافل المترحلة ببشرها وحيواناتها . العود الأبدى بهذا المعنى إمعاناً وتعميقاً لمأساة الوجود وليس ضوءاً في اخر النفق أو مخرجاً لدوائر الوجود المغلقة . وتذكر كائن المنفي أيضا مرأى الطائرة لأول مرة . لكن ما أثار مخيلته أكثر وأشعلها مرأى القطارات التي لم يشاهدها من قبل حتي في السينما والتلفزيون اللذين لم يكونا موجودين آنذاك.

    في بداية السبعينات ، حين نزل القاهرة ليلاً ، وذهب ليسكن في حي الدقي المتاخم لحى بولاق الدكرور ، سمع صفيرا يشبه النحيب حسبه في اول الأمر صفير بواخر راسية في عرض البحر ، لكن حين انجلى ليل القاهرة عن بدايات الصباح ، ذهب إلى مصدر صوت الصفير ، ليشاهد تلك القوافل الحديدية العابرة السكك والقضبان . وحين عرف أن هذا المارد الخرافي اسمه (قطار) ذهب ليفتش عن أصل كلمة قطار . فوجد أن العرب كانت تسمى الناقة الطليعية في القافلة (القاطرة) . لا حقا سينفجر مشهد القطارات على مصراعيه واقعاً وكتابة.

    ******
    حين يصل الإنسان الذي دعوناه بالكائن المغترب والمنفي ، والمترحل . حين يصل إلى هذا الشرط المتفجر لوجوده يدخل حالات هذيانية شتى.. كأن تتلبسه الضغينة على محيطه كما تتلبس المؤرق الذي جافاه النوم في الليالي الموحشة ، تجاه طمأنينة النيام وهدوئهم . تراوداه هواجس عدائية تصل إلى حدود تخيل مجزرة بكامل ضحاياها ، لكنها تظل مجزرة في المخيلة واللغة ولا تتجاوزهما .
    فهو من فرط العواطف وربما اليأس لا يستطيع أن يؤذى حتى بعوضة كما يقول المثل الدارج . وليس بقادر إلا على تدمير ذاته بالتحديق والتأمل في المشهد الدموي المحيط الذي يتناسل وحشية وانحطاطا لا مثيل لهما . عليه أن يتدبر تسويات أخرى أكثر انسجاما ونبلا مع محيطه وذاته الممزقة.

    *******
    يصل المترحل إلى نوع من الوضوح الكاسر ، ذاك الذي يحمل شفافية اليأس ، وقوة انكسار المل : لم يعد للتجوال في خرائط الجغرافيا حلم كشف وإشراق لا للرحيل ولا للعودة لا للوطن ولا للمنفي، تهشمت في مخيلته ووجدانه هذه الثنائياتلتحل محلها خارطة متناقضات داخلية متموجة بجمال وقسوة خاصين . هذه الخارطة ، بستان الداخل ، هي التي يحاول تعهدها بالسقي والرعاية عبر خيارات جمالية يرتئها . في هذه الحالة تتحول خرائط الخارج بسراباتها وحقائقها إن وجدت ، إلى امتداد أرومة جمالية ، لبستان الداخل بسراباته وحقائقه التي ربما تتجلى ولو كإشراقات عابرة كنوع من تسوية ممكنة مع وجود وعمر هارب.

    ********
    ما أشرت إليه من هواجس ومشاهد تشكل ثيمة الكتابة ولبها ، واحتها المضطربة التي تنزع دائما إلى الاتساع ، والامتداد ، لتستطيع لم شمل هذا الكائن المتشظية المصدعة بالموت والغياب . هذا النزوع أو الطموح لبناء وطن مواز عبر الكتابة يتحمل كل هذه الأعباء من الفواجع والمهازل ، لا محالة له من توسيع رقعة الكتابة ومفهومها من الدخول في حقول التجريب والخروج على ماهو متفق عليه وسائد . التجريب والخروج في هذه الحالة ضرورة وليس ترفاً أو نزقا عابرا، شرط وجود وإبداع . انفجار الأحشاء بعنف الداخل والخارج في الصورة والعبارة لتستحيل الكتابة إلى منازلة مفتوحة مع العالم . تحاول الذات الكتابة في هذه المواجهة أن تتلبس أقنعة شتى وتحشد أسلحتها وحيواتها المختلفة : أزمنة بدائية تسطع على صفحة المسودة الأولى للخلق . حيوانات وجوارح المندفعة من الحشي إلى التجريدي والمرئي المباشر إلى الغيب المتعالي.
    في وهم هذا الوطن الموازى أو أي اسم آخر ، الذي يسمى الكتابة ، تحلم الذات الكاتبة أن تلامس قبس وحدة وجود مبعثرة في الاصقاع ، وأن تنقذ ما أمكن وسط جلبة الإعصار والهشيم.


    ********
    هذه الرؤية التي تسترشد بسارتر، ربما تتقاطع مع رؤية المتصوفة للاغتراب كون الحياة رحلة اغتراب بكاملها بدأت منذ انفصال الإنسان الأول ونفيه خارج الجنة ليعيش وذريته اللاحقة ، ذلك الحنين المحتم بالعودة إليها من جديد.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de