لماذا فشلت المعارضة السودانية في أحداث التغيير؟؟؟
حروبُ الرسائلِ والمبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق
ندوة سياسية كبرى بواشنطن الكبرى بعنوان اى وجهة للمعارضة السودانية ما العمل
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 03-01-2017, 06:02 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

كتاب عن الشخصية السودانية دراسة منهجيه للمظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية/د. صبري مح

05-09-2011, 04:36 AM

بكرى ابوبكر
<aبكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 02-04-2002
مجموع المشاركات: 19171

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
Google Plus
كتاب عن الشخصية السودانية دراسة منهجيه للمظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية/د. صبري مح

    بسم الله الرحمن الرحيم







    كتاب عن الشخصية السودانية

    دراسة منهجيه للمظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية








    د. صبري محمد خليل



    الناشر: هيئه الخرطوم للصحافة والنشر

    مقدمه
    هذه الدراسة هي محاوله لتفسير المظاهر الفكرية والسلوكية المختلفة للشخصية السودانية،استنادا إلى منظور فكرى معين، وتتضمن العناوين الرئيسية التاليه:
    مدخل نظري (الفلسفة ومنهج المعرفة والفلسفة الاجتماعية).
    تعريف الشخصية (بين علم النفس والفلسفة والعلوم الاجتماعية).
    مذاهب التعريف بالشخصية السودانية .
    الانتماء المتعدد للشخصية السودانية.
    المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية.
    تحليل للأبعاد المتعددة المظاهر الفكرية والسلوكية (البعد الاجتماعي،الفكري، العلمي. الاقتصادي، السياسي، التربوي ، التعليمي، التدينى، الصوفي).
    التدين الشعبي السوداني وتفسيره لبعض المفاهيم الاسلاميه وأثره على أنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية .
    العادات والتقاليد السودانية .
    اللهجة السودانية .
    تحليل منهجي للأمثال السودانية .
    الأمثال السودانية وبعض القضايا الفلسفية.
    امكانيه و كيفيه تغيير الشخصية السودانية مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون.






    مدخل نظري
    تستند هذه الدراسة إلي منظور فكرى يقوم على الاستخلاف كفلسفة ومنهج للمعرفة وكفلسفة اجتماعية.
    الأساس الفلسفي:
    الفلسفة: الدلالة والتعريف فى الفكر الغربي:
    أولا:دلالة اللفظ: ترجع الدلالة الأصلية لمصطلح فلسفة إلى لفظ يوناني مشتق من كلمتي (فيلو) و (سوفيا) أي محبة الحكمة ، ويرى بعض الباحثون أن هذا اللفظ قال به فيثاغورس الذي رأى أن الإله وحده الحكيم، أما الإنسان فيجب أن يكتفي بمحبة الحكمة. غير أن هذا الرأي رفضه البعض لأن فيثاغورس كان معروف عنه الغرور وعدم التواضع ،وهناك من يرى أن سقراط هو أول من استخدمها. وعلى أي حال استخدمه أفلاطون ليميز بين حب الحكمة عند سقراط وادعاء الحكمة عند السفسطائيين.
    ثانيا:تعريفات الفلسفة:وقد تعددت تعريفات الفلسفة في الفكر الغربي طبقاً لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في تعريفها.وسنورد هنا نماذج لبعض هذه التعريفات:
    التعريف الأرسطى: عرف أرسطو الفلسفة بأنها المعرفة،غير أنه ميز بين نوعين من أنواع المعرفة (أو العقول بتعبيره)،فهناك المعرفة العملية (العقل العملي) وتنصب على ما هو عرض (وهو المادة)، والمعرفة هنا وسيلة لغاية هي منفعة الإنسان ،وهذا النوع من المعرفة لا علاقة له بالفلسفة، بل ما يسمى العلوم التطبيقية الآن. وهناك المعرفة النظرية (العقل النظري)،وتنصب على ما هو جوهر (وهو الأفكار) ،والمعرفة هنا غاية في ذاتها هذا النوع من أنواع المعرفة هو الفلسفة، وتضم الطبيعيات والرياضيات والإلهيات،ولكن الإلهيات هي أهم موضوعاتها وقد أسماها الفلسفة الأولى.
    التعريف الوضعي المنطقي:الوضعية المنطقية فلسفة ترى أن القضايا ذات المعنى هي نوعين فقط :قضايا وضعية (تجريبية) وتضم العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء. وقضايا منطقية وتضم العلوم المنطقية والرياضة. أما باقي القضايا ففارغة من المعنى .وبناءاً على هذا فإن الفلسفة لا يمكن أن تتناول قضايا مستقلة وخاصة بها، بل هي منهج في التحليل المنطقي للغة المستخدمة في العلوم.وهكذا حصرت الوضعية المنطقية معيار المعرفة في الحواس واستبعدت العقل لذا وقعت في تناقض واضح هوان تعريفها للفلسفة (منهج لتحليل لغة العلم) ليس من القضايا التجريبية أو القضايا المنطقية الرياضة وبالتالي يصبح فارغ المعنى طبقاً لمنطق هذه المدرسة ذاتها.
    التعريف الوجودي:الوجودية فلسفة ترى أن كل الكائنات سوى الإنسان يسبق ماهيتها (صفاتها وخصائصها) وجودها، فالنجار مثلاً يحدد صفات المنضدة ثم يوجدها، أما الإنسان فهو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، أي أنه يوجد أولاً ثم يختار صفاته بأن يكون خيراً أو شريراً عالماً أو جاهلاً.فالوجود الذي تتحدث عنه الوجودية إذاً هو الوجود الإنساني ،هذا الوجود الإنساني هو الوجود الفردي الذاتي (النفسي).وبناءاً على هذا فإن الفلسفة عند الوجودية وهي منهج يصف الوجود الذاتي ،لذا يرى كيركيجارد أن الفلسفة ليست بحثاً في المعاني المجردة مثل الحياة، الموت، بل المعاني الشخصية مثل أني أحيا إني أمت. وعرف سارتر الفلسفة بأنها تحليل العالم ومن وجهة نظر الإنسان الموجود. وهكذا فان التعريف الوجودي للفلسفة يحيل الإنسان إلى كائن ذاتي (نفسي) متجاهلة أنه وجد من الفكر والمادة لا وجود له ولا حريته إلا في الظروف (المادية والفكرية) التي يعيش فيها.
    الحكمة كمصطلح مقابل للفلسفة في الفكر الإسلامي:أما في القرآن فإنه استناداً غلى التصوير ألتنزيهي لله تعالى الذي يقوم على أن لله تعالى الوجود المطلق الذي لا يحده قيد من الزمن زمان أو مكان ولا يمكن للإنسان أن يتصوره بخياله المحدود، واستناداً إلى مفهوم الاستخلاف الذي يقوم على إظهار الإنسان لصفات الله تعالى في الأرض فإنه قد تجاوز موقف هؤلاء الفلاسفة اليونانيين حين جمع بين وصف الله تعالى بالحكمة (والله عزيز حكيم) (المائدة: 38) ووصف الإنسان بالحكمة (يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ..) مع إيضاح أن الحكمة الإلهية مطلقة والحكمة الإنسانية محدودة. فمصطلح (حكمة) فيما نرى هو مصطلح القرآن المقابل لمصطلح (فلسفة) في الفكر الغربي وهذا ما يمكن استنباطه من ورود مصطلح الحكمة في القرآن بمعاني كالعقل والعلم والفهم والإصابة في القول(1، 2).
    الفلسفة الإسلامية: يستخدم مصطلح الفلسفة الاسلاميه للدلالة على معنيين:
    الأول: الفلسفة الاسلاميه التقليدية التي اتخذ فلاسفتها الفلسفة اليونانية نقطة بداية لأن الشعوب التي ضمتها الدولة الإسلامية كانت تسود بها عقائد وأديان ومذاهب مغايرة،واتخذت من الفلسفة والمنطق اليونانيين أدوات أو أسلحة للدفاع عن هذه العقائد، فكان على الفلاسفة الإسلاميين (الذين عنوا أساساً بالدفاع عن الدين الإسلامي في وجه هذه العقائد والمذاهب) ومحاربتهم بنفس سلاحهم أي الانطلاق من ما هو مسلم بصحته لديهم (الفلسفة والمنطق اليونانيين) للوصول على ما هو مسلم لدى الفلاسفة الإسلاميين (الدين الإسلامي) مع الإقرار أنه قد أصابهم نوع من التبجيل للفلسفة والمنطق اليونانيين كنتيجة لطول استخدامهم لها كأدوات أو أسلحة بخلاف علم الكلام الذي اتخذ من مفاهيم الدين الإسلامي نقطة بداية لأن المتكلمين خاطبوا أساساً المسلمين وانطلقوا من ما هو مسلم لديهم (الدين الإسلامي). وبعبارة أخرى فإن الفلسفة الإسلامية التقليدية قد كانت محاولة لبناء عقلانية إسلامية ذات خطاب موجه (بصورة أساسية) إلى شعوب تسلم صحة الفلسفة والمنطق اليونانيين ولا تسلم بصحة الدين الإسلامي بخلاف علم الكلام الذي كان محاولة لبناء عقلانية إسلامية ذات خطاب موجه (بصورة أساسية) إلى جماعات تسلم بالدين الإسلامي.
    الثاني: الفلسفة التي تنطلق من اتخاذ المفاهيم ألقرانيه الكلية مسلمات أولى لها، ثم محاوله استنباط النتائج الفلسفية لهذه المفاهيم متخذه من اجتهادات أهل السنة الكلامية نقطه بداية لا نقطه نهاية. وهو المعنى الذي نستخدمه في هذه الدراسة.
    الاستخلاف كفلسفة اسلاميه: ومضمون الاستخلاف كفلسفة اسلاميه محاوله تفسير محاور الوجود الثلاثة( الله تعالى، الإنسان ، العالم) استنادا إلى ثلاثة مفاهيم: (التوحيد، الاستخلاف، التسخير).
    التوحيد هو إفراد الربوبيه والالوهيه لله تعالى ، ومضمون توحيد الربوبيه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق ،يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) (1). و مضمون توحيد الإلوهية أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة، يقول ابن تيمية ( .... ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ..... ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره)..
    فالتوحيد يتعلق بإفراد الوجود المطلق فعلا وغاية لله تعالى، والوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به وبتعبير الغزالي( فهو القيوم لان قوامه بذاته ،وقوام كل شيء به ،وليس ذلك إلا الله تعالى)(2).
    وعالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية"اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى" يقول ابن القيم( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها).

    (1)ابن تيميه، درء التعارض،1/98.
    (2) الغزالي، المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
    ولهذا الظهور شكلان تكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته
    يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل
    على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)(1)وتكليفي :يتمثل في الوحي يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته)
    و الاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبيه وألوهيته الله تعالى في الأرض ، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، وذلك على المستوى الصفاتى، اى إظهار لصفات ربوبيه والوهيه الله تعالى (ما دل على وجوده المطلق فعلا وغاية ) في الأرض (عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان ) قدر طاقته المحدودة. يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)(2)
    الأساس المنهجي:
    منهج المعرفة: هو محاوله للكشف عن القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الإنسان.وقد طرح الفكر الغربي عددا من مناهج المعرفة كالمنهج الليبرالي ،المنهج..
    الماركسي، المنهج الهيجلى.
    منهج المعرفة الإسلامي: هو المنهج الذي يتخذ المفاهيم القرآنية الكلية (التوحيد والتسخير والاستخلاف) (بما هي مبادئ ميتافيزيقية غيبية) مسلمات أولى للمنهج تحده ولا تلغيه ، ولهذا الموقف شرعيته في الفلسفة الغربية إذ أن المنهج بما هو الكشف عن القوانين (السنن) التي تحكم حركة الأشياء والظواهر والإنسان يقوم على
    التجربة والاختبار العلميين، ولكنه في ذات الوقت يقوم على افتراضات سابقة على التجربة مثل الموضوعية والحتمية..كما أن هذا لا يعني أن يتحول المنهج إلي منهج ميتافيزيقي بالمفهوم الغربي أي يتحول إلي البحث في مشاكل ميتافيزيقية، إذ المنهج


    (1)ابن تيميه، مجموع الفتاوى،1/48
    (2)الالوسى،روح المعنى،ص223
    بعد ذلك هو النظر في سنن الله تعالى في الطبيعة والمجتمع أي معرفتها والتزامها كي ننجح في تحقيق ما نريد (قد خلت من قبلكم سنن قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).ويترتب على هذا أن هذه السنن الإلهية تحكم حركة الإنسان كونه إنسان، بصرف النظر عن كونه مسلم أو كافر، كما يجوز أخذها من أي مصدر مادامت صحيحة، أما المفاهيم القرآنية السابقة الذكر والتي تشكل المسلمات الأولي للمنهج (فلسفة المنهج) والتي تمثل بعده ألتكليفي فمقصورة على من يؤمن بها (يسلم بصحتها). و هي من بعد لا تلغي معرفة والتزام الإنسان بهذه السنن الإلهية بل هي ضمان موضوعي مطلق لاستمرار هذه المعرفة وهذا الالتزام .
    و يقوم الاستخلاف كمنهج للمعرفة على أن صفات الربوبيه (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
    شكل تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ،وهى على نوعين:
    السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف:
    الحركة: "والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيى به الأٌرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".
    التغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
    التأثير المتبادل: وهى ما يمكن استخلاصها من مفهومي الغنى والفقر، فالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر نوعان: فقر إلي الله تعالى، وفقر إلي غيره من المخلوقات، والنوع الأخير هو ما يعبر عنه علميا بالتأثير المتبادل.
    السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى .
    كسنه "الكدح إلى الله " ( اى الترقي الروحي المادي من خلال صراع المتناقضات في ذات الإنسان) المقصورة على الإنسان).
    شكل تكليفي : يتمثل في القواعد التي مصدرها الوحي والتي تحدد جانبه التكويني ولا تلغيه.
    يترتب على هذا أن هناك أيضا بعدان لهذا الترقي أو الكدح إلى الله:
    بعد تكويني: النقيضان فيه الواقع والغاية ومضمونه أن حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات: المشكلة:اى التناقض بين الواقع وغاية في الذهن، وقد عبر القرآن عن هذه الخطوات بمصطلح المسألة:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس"."يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"
    الحل:اى إلغاء التناقض بينهما في الذهن ، وقد عبر الفقهاء عن هذه الخطوة بمصطلح الحكم . كما عبر القرآن عن الحل الرافض للوقوف إلي أحد النقيضين ويؤلف بينهما بالوسطية والقوامة:"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً". "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً"..
    العمل:اى إلغاء التناقض بينهما في الواقع بتنفيذ الحل في الواقع، وقد أشار القرآن إلي هذه الخطوة." إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات... "
    بعد تكليفي: النقيضان فيه المطلق في مستواه الصفاتى لا مستواه الذاتي ، اى صفات الالوهيه (لا صفات الربوبيه) كمثل عليا مطلقه يسعى الإنسان لتحقيقها دون أن تتوافر له امكانبه التحقق النهائي لها) والمحدود(اى الواقع المحدود بالزمان والمكان) ، لذا قرر القرآن والسنة أن هذا الوجود الإنساني قائم على صراع المطلق والمحدود وهو ما عبر عنه القران والسنة بالجهاد في الله أو جهاد النفس: فيروون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال :"رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر". وأورد أبن تيمية الحديث " المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله"كما قرر علماء أهل السنة أن الوجود الإنساني هو سير لا ينقطع إلي الله، يقول ابن القيم (فإن السالك لا يزال سائراً إلي الله تعالى حتى يموت ولا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي) .
    وهذا البعد يحدد البعد التكويني ولا يلغيه فيكمله ويغنيه فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته ، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها وأسلوب العمل اللازم لعملها.
    الأساس الاجتماعي:
    الفلسفة الاجتماعية وعلم الاجتماع:يجب التمييز (لا الفصل) بين الفلسفة الاجتماعية وعلم الاجتماع ، ومصدر هذا التمييز الفرق بين الفلسفة التي تتصف من ناحية الموضوع بالكلية (تفسير كلي للوجود) والتجريد (تتناول مفاهيم مجردة من الزمان والمكان)واستخدام المنهج الاستدلالي العقلاني من الناحية المنهجية. والعلم الذي يتصف من ناحية الموضوع بالجزئية (يبحث في جزء من أجزاء الوجود) والعينية (يبحث في وقائع معينة زماناً ومكاناً ) واستخدام المنهج الاستقرائي التجريبي من الناحية ألمنهجيه, وبالتالي فان الفلسفة الاجتماعية تبحث في المجتمع الإنساني ككل (الكلية) من خلال دراسة المفاهيم السابقة على البحث الاجتماعي(التجريد) باستخدام المنهج الاستدلالي. بينما علم الاجتماع يبحث في وقائع اجتماعيه معينة زماناً ومكاناً (الجزئية والعينية) باستخدام المنهج الاستقرائي.والعلاقة بين الفلسفة الاجتماعية وعلم الاجتماع هي علاقة الكل بالجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه.
    الفلسفة الاجتماعية الاسلاميه :والفلسفة الاجتماعية الاسلاميه هي النشاط المعرفي العقلي الذي يبحث في المسلمات النظرية الكلية السابقة على البحث العلمي في الظواهر الاجتماعية الجزئية العينية، و يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن الاقتصاد ضوابط موضوعية مطلقة لها.
    الاستخلاف كفلسفة اجتماعيه اسلاميه:أما الاستخلاف كفلسفة اجتماعية اسلاميه فيستند إلي مفهوم الاستخلاف الاجتماعي و هو إبدال وتغيير قوم بقوم آخرين، قال تعالى ﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ (الأعراف: 129).
    فالاستخلاف الاجتماعي هو تحقق لسنة التغيير الكلية في المجتمعات ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ ﴾ ( الأنعام:133).
    والاستخلاف الاجتماعي بما هو تغيير قوم بقوم لا يتم للناس جملة بل خلال وحدات اجتماعية متعددة ( قوم أو أمة بتعبير القرآن)؛ وهي سنة التعدد التي أشار إليها القرآن: ﴿ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ( الشورى 8), ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾( النحل: 93). وهذا التعدد مضطرد خلال الزمان: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ ( الرعد: 30), كما أنه مضطرد في المكان: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً﴾ (الأعراف 168).
    أطوار الاستخلاف الاجتماعي:
    إن الاستخلاف الاجتماعي لا يتم جملة واحدة، بل خلال أطوار هي ذات الوحدات الاجتماعية التي يتم خلالها الاستخلاف الاجتماعي؛ وهي نامية خلال الزمان. غير أن الارتقاء من طور إلى طور ليس انتقال ميكانيكياً (كما في الكائنات الأخرى)؛ بل يتوقف على الناس فهناك إمكانية أن يظل قوم في طور معين لا يتجاوزه إلى غيره أو أن ينتقلوا إلى طور أعلى؛ لذا نجد في زمان معين قوم من طور وآخرين من طور أعلى أو أدنى. وإن كل طور لا ينعدم بالترقي إلى طور آخر؛ وإنما يندرج من الطور الأعلى فيصبح الأخير متضمناً له تضمن الكل لجزئـه.
    أ-الأسرة:
    يقرر القرآن أن الأسرة هي أول أطوار الاستخلاف الاجتماعي ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ (البقرة 25) كما أنها وحدة التكوين الاجتماعي الأساسية لكل الأطوار التالية: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الروم 21).
    ب- العشيرة:
    ويستمر انتشار البشر ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ (الروم20). فتصبح الأسرة كطور قيداً على الاستخلاف، فيرتقي الناس إلى طور العشيرة؛ ولكن لا تنعدم به الأسرة، بل تتضمنها تضمن الكل لجزئه وفي هذه الأطوار أرسل الله تعالى نوح: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً ﴾ (الحديد 20) ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ (هود25). ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: 80)، وعن أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال: (قال: قد يأوي إلى ركن شديد – الملائكة التي نصرته- لكنه عنى عشيرته) (رواه أحمد).
    ج- القبيلة:
    ثم يستمر انتشار البشر فتصبح العشيرة كطور قيد على الاستخلاف الاجتماعي، فيرتقي الناس إلى طور القبيلة؛ ولكن لا تنعدم به العشائر، بل تتضمنها القبيلة تضمن الكل لجزئه: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات 13)، وقال (ص): " إن الله خلق الخلق، ثم جعلهم قبائل فجعلني خيرهم قبيلة" (رواه الترمذي). وتتميز القبيلة بالأصل الواحد فكان مقياس الانتماء إليها هو النسب، ولا تتميز عن غيرها بالأرض المعينة؛ أي الديار لحركتها من مكان إلى مكان، كما جاء في القرآن في وصفه لبني إسرائيل: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ (البقرة: 84-85).
    د- الشعب:
    ثم كان طور الشعب وفيه أرسل الله صالح عليه السلام ﴿ وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ (الأعراف:74).
    وعندما جاء الإسلام كانت المجتمعات إما في طور الشعب، أو طور القبيلة ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ (الحجرات13). أمَّا أدلة أن الشعوب طور متقدم على القبيلة - أنه متميز بالاستقرار على الأرض، وان لم يكن دائماً- كما في الآية السابقة في وصف ثمود.قال التهانوي: " الشعب الجماعة الكبيرة كعدنان ودونه القبيلة
    هـ الأمة:
    بعد أن كانت الأديان السابقة تتميز بأن الدعوة فيها مقصورة على جماعة معينة، ولكل أمة رسول - جاء الإسلام كدعوة عالمية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾، وأن عالمية الدعوة كانت بشرى بالعالمية، كطور من أطوار الاستخلاف الاجتماعي: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ (النور 55). وعندما جاء الإسلام كانت المنطقة العربية بين طوري القبيلة والشعب ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾. غير أن هذه الأطوار لم تكن تصلح أن تكون وحدات طور العالمية؛ إذ أن كل طور استخلاف اجتماعي لا ينشأ من العدم، بل يكون بمثابة كلٍّ يتخذ الطور السابق له - أجزاء لـه.
    * إن علاقة الانتماء في القبيلة النسب. ورغم أن الأنساب تاهت في طور الشعب؛ فأن آثارها باقية فيه.
    * إن طور القبيلة لم يتميز بالاستقرار في الأرض. ورغم أن طور الشعب يتميز بالاستقرار؛ إلا أنه استقرار غير دائم.
    فكان السائد على البشرية خصائص الطور القبلي من عصبيه وإخراج الناس من ديارهم، فكان لابد من ظهور طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي. فكان ظهور الأمة الذي يتميز بالآتي:
    مناط الانتماء اللّسان لا النسب: إذا كان مناط الانتماء إلى قبيلة النسب. فكان الإسلام دعوة لتجاوز الطور القبلي بدعوته إلى التخلي عن العصبية.
    * قال (ص): " ليس منا من دعي بدعوى الجاهلية " (رواه البخاري، ومسلم والترمذي). وبيَّن أن مناط الانتماء لطور الاستخلاف الاجتماعي (الأمة) هو اللسان، قال (ص): " إلا أن العربية اللسان.. إلا أن العربية اللسان". لذا قرر (ص) أن من تحدث العربية فهو عربي، وإن كان غير عربي النسب والأصل: " الولاء لحمة كلحمة النسب..." (رواه أبو داؤود والدرامي). و هذا الأمر لا ينطبق على أمة العرب وحدها، بل سائر الأمم؛ لذا جعل القرآن تعدد الألسن آية من آيات الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ (الروم: 22).
    الديـار: أي الأرض الخاصة؛ لذا نهى القران عن إخراج الناس من ديارهم.
    و- العالمية:
    إن عالمية الدعوة في الإسلام كانت تعني أن غاية الإسلام الارتقاء بالبشرية إلى طور الاستخلاف الاجتماعي العالمي (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (النور 55)، لما كان كل طور الاستخلاف الاجتماعي لا يتكون من العدم، بل يتخذ الطور السابق له وحدات لتكوينه، فيتضمنها تضمن الكل لجزئه؛ فأن الأمم هي روافد طور العالميـة.













    تعريف الشخصية
    الشخصية لغة:
    الشخص في اللغة العربية: سواد الإنسان وغيره يظهر من بعد ، وتشاخص القوم :اختلفوا وتفاوتوا.. في القاموس المحيط(شخص :بدن وضخم، والشخص: الجسيم والسيد، والمشاخص: المختلفة والمتفاوت). و في لسان العرب(الشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد، والشخص كل جسم له ارتفاع وظهور… ورجل شخيص إذا كان سيدا. وشخص الرجل فهو شخيص أي جسيم وشخص وشخوصا ارتفاع) .أما(الشخصية) فكلمة حديثه الاستعمال لا يجدها الباحث في أمهات معاجم اللغة العربية، فإذا وجدت في بعض الحديث منها فهي تعني :صفات تميز الفرد من غيره، كل ما في الفرد مما يؤلف شكله الظاهر الذي يرى من بعد،التفاوت.
    أما في اللغتين الإنكليزية والفرنسية، فكلمة الشخصية(personality) (person alite) مشتقة من الأصل اللاتيني (persona) ، وتعني هذه الكلمة القناع الذي كان يلبسه الممثل في العصور القديمة حين كان يقوم بتمثيل دور،.وقد أصبحت الكلمة، على هذا الأساس، تدل على المظهر الذي يظهر فيه الشخص .
    وبهذا المعنى تكون(الشخصية) ما يظهر عليه الشخص في الوظائف المختلفة التي يقوم بها على مسرح الحياة.
    الشخصية اصطلاحا:
    أولا: في علم النفس:
    واطسون Watson (المدرسة السلوكية):
    تعتبر المدرسة السلوكية بزعامة واطسون أن الشخصية هي نتاج للتعود والتربية والتعلم، يقول واطسون: (أعطوني عشرة من أطفال أسوياء التكوين، فسأختار أحدهم جزافا، ثم أدربه فأصنع منه ما أريد، طبيبا أو فنانا أو عالما أو تاجرا أو لصا أو متسولا، وذلك بغض النظر عن ميوله ومواهبه أو سلالة أسلافه). و أن الإنسان لا تحركه دوافع موجهة نحو غايات بل مثيرات تصدر عنها استجابات. ومن ثمة تكون الشخصية هي مجموعة السلوكيات التي يمكن أن تلاحظ منهجيا دون الرجوع إلى ما يحسه به الفرد من مشاعر أو حالات شعورية. يقول واطسون: (الشخصية هي حصيلة أنواع النشاط عند الفرد بأسلوب موضوعي لمدة كافية من الزمن، وفي مواقف مختلفة، تتيح التعرف عنه عن كثب، كما أنها تمثل مجموع عاداته التي تميزه عن غيره من الأفراد).
    وهكذا فان السلوكية وان كانت قد أبرزت الجوانب الموضوعية للشخصية ممثله في دور البيئة و التعلم فى تكوين الشخصية، إلا أنها تجاهلت الجوانب الذاتية فنظرت إلى الإنسان نظرة آلية ميكانيكية.
    فرويد Sigmund Freud (التحليل النفسي):
    ينظر فرويد للشخصية كترابط تفاعلي بين ثلاث منظومات:
    ألهو: جانب لا شعوري ليس بينه وبين العالم الخارجي الواقعي صلة مباشرة، لذلك فهو لا يعرف شيئا عن الأخلاق والمعايير الاجتماعية، ولا يعرف شيئا عن المنطق والزمان والمكان، فهو مستودع الرغبات المكبوتة.
    الأنا : جانب نفسي شعوري من الشخصية تكون بالتدريج من خلال اتصال الطفل بالواقع عن طريق الحواس، ووظيفته هي التوفيق بين مطالب ألهو من جهة، والظروف الخارجية الواقعية من جهة أخرى.
    الأنا الأعلى : يمثل البعد الأخلاقي في الشخصية، وعمله الرئيسي هو ممارسة الرقابة على الدوافع اللاشعورية الكامنة في ألهو وذلك بواسطة القيم العليا والقواعد الأخلاقية والاجتماعية.
    و ينتج عن تناسق هذه المنظومات نوع من التوازن النفسي، بينما يكون تغلب إحداها على الأخرى تهديدا للتوازن ومنشأ للاضطرابات والأمراض النفسية.
    وقد أكد فرويد على دور الطفولة وخاصة السنوات الخمس الأولى من حياة الشخصية في تحديد سلوكها اللاحق. فالتجارب والأزمات وكذا العلاقات العاطفية والوجدانية للطفل مع أبويه وإخوته، كل ذلك يترك في نفسيته أثرا لا ينمحي، وحتى عندما يصبح راشدا فإن سلوكياته ومشاعره هي انعكاس ونتيجة لهذه الخبرات الطفولية.

    وهكذا فان فرويد ينطلق في تعريفه للشخصية من أن العامل الاساسى الذي يتحكم في اتجاه الفرد وسلوكه في المجتمع، المحاولة الفردية الشعورية وغير الشعورية لحل التناقض بين الغريزة الجنسية كمحرك أساس للفرد وبين الضوابط الاجتماعية التي تحول دون حرية إشباع هذه الغريزة (1)
    ثانيا:في الفلسفة:
    ديكارت(R.Descartes ):
    لقد انطلق ديكارت من الشك في كل شيء، إلا أنه لم يستطع أن يشك في كونه يشك، وما دام الشك تفكير فقد توصل ديكارت إلى أنه يفكر، وهكذا فجوهر الشخص البشري هو كونه أنا مفكر، فالإنسان هو وحده القادر على ممارسة التفكير، وهو لا يتحدد في كونه يفكر فحسب، بل إنه يعي أنه يفكر، وهذا هو الوعي بالذات أو الوعي المنعكس على ذاته.
    إن صفات الجسد هي صفات عرضية وزائلة، ولذلك فهي لا تمثل حقيقة الشخص بل يجب أن نبحث عن الخاصية الجوهرية والثابتة والتي تمثل حقيقة الشخص وتميزه عن غيره من الكائنات، وهذه الخاصية هي التفكير، وفي هذا الصدد بين ديكارت أنه بالدرجة الأولى أنا مفكر. ولذا فوجود الإنسان مرتبط بوجود الفكر، فأنا موجود مادمت أفكر، فإذا انقطعت عن التفكير انقطعت عن الوجود، وهذا ما تدل عليه عبارة الكوجيتو: "أنا أفكر، أنا موجود"
    وهكذا فان ديكارت يركز على التفكير النظري كمحدد أساسي لفهم الشخصية فأهم خصائص الشخص عند ديكارت: جوهر: ثابت ،لاما دي : من طبيعة روحية، فكرية وعقلية. بسيط: أي أنه غير مركب ولا يمكن تقسيمه إلى أجزاء.
    (1)عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام،بيروت،مركز دراسات الوحدة،1986.
    كانط(E. Kant ):
    يقرر كانط في البداية بأنه إذا نظرنا إلى الإنسان من زاوية الطبيعة والحيوان فإنه لا يكتسب بذلك إلا قيمة رخيصة ومنحطة، وسيصبح بمثابة بضاعة يمكن أن تباع وتشترى، كما سيتم التعامل معه كوسيلة لا كغاية.لكن عندما ننظر إلى الإنسان من الزاوية الإنسانية فإنه يصبح شخصا يتمتع بالمواصفات التالية: لا يقدر بثمن أو سعر، ذات أخلاقية ومسئولة، يعتبر غاية في ذاته وليس مجرد وسيلة،كائن ذو كرامة وقيمة مطلقة غير قابلة للمساس،كائن يفرض احترامه على الآخرين، كما يجب عليه أن يحترم الإنسانية التي تقبع في شخصه وذلك من خلال التزامه بالمبادئ والقيم الأخلاقية.،وهذا يعني أن الشخص هو أيضا كائن حر ومريد، أي أن له القدرة على الاختيار بين عدة إمكانيات،الشخص البشري يتمتع أيضا بالمساواة مع الآخرين في الإنسانية.لقد بنى كانط تصوره لمفهوم الشخص على أساس الوعي الأخلاقي لا على أساس الوعي المعرفي كما هو الشأن عند ديكارت، فالشخص البشري عند كانط هو كائن يتميز عن الكائنات والموجودات الطبيعية بالعقل والإرادة والحرية والكرامة، كما أنه غاية في ذاته في حين تستخدم الموجودات الأخرى كمجرد وسيلة.إن وعي الإنسان بأنه شخص أخلاقي يمتلك كرامة يترتب عنه خضوع سلوكه للمبادئ الأخلاقية الفاضلة وعدم سعيه إلى تحقيق أهدافه بطرق دنيئة ولا أخلاقية، كما أن تمتع الشخص بالكرامة معناه أنه كائن جدير بالاحترام، وهذا الاحترام للذات واجب على كل إنسان تجاه ذاته هكذا أكد كانط على المقومات الأساسية للشخص باعتباره كائن واع ومريد وحر ويمتلك كرامة. وما يؤخذ على هذه الرؤية هو أنها ركزت على ما ينبغي أن يكون وليس على ما هو كائن، كما أنها تناولت الشخص في بعده الوجودي والعام متناسية الاختلافات السيكولوجية والاجتماعية الموجودة بين الأفراد.


    سارتر Sartre :
    يرى سارتر، أن الإنسان يضع ذاته باستمرار وفق ما يختاره لنفسه ووفقا للصورة المستقبلية التي يضعها نصب عينيه"ليس الإنسان شيئا آخر غير ما هو صانع بنفسه"., فالكائن الإنساني هو الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته، أي أنه يوجد أولا ثم يصنع ماهيته فيما بعد.
    ويرتكز سارتر، على فكرة أساسية وهي القول بالحرية الإنسانية وهو ما يعبر عنه سارتر بمفهوم الذاتية الإنسانية التي تعني أساسا أن الإنسان يصنع نفسه بنفسه، وأنه هو الذي يمنح للأوضاع الاجتماعية والثقافية وغيرها معنى محددا انطلاقا مما يرغب فيه وما يطمح إليه.ويرى سارتر أن الإنسان ليس في ذاته إلا ما يفعل أي أنه لا يمكن معرفة شخصية الإنسان إلا من خلال ما ينجزه وما يقوم به من أفعال أثناء وجوده التاريخي والفعلي، فلا يمكن معرفة الإنسان من خلال قوالب عقلية مجردة، فوجوده لا يتحدد بالتفكير كما زعم ديكارت بل يتحدد بالفعل أو التصرف الذي يصدر عن ألذات ويترجم على أرض الواقع، ولهذا يمكن القول مع سارتر بكوجيتو جديد: "أنا أفعل إذن أنا موجود". إن قول سارتر بحرية الإنسان يترتب عنه القول بمسؤوليته. و مسؤولية الإنسان مزدوجة؛ فهو مسئول عن نفسه ومسئول أيضا عن الإنسانية ككل، لهذا يرى سارتر أنه لا يجب على الإنسان أن يفعل ما يضر بنفسه أو بالإنسانية، فالإنسان كما يتخيله سارتر هو إنسان حر لكن حريته مرهونة بالتزامه بالمبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية التي يجب عليه تجسيدها في وجوده لكي يقدم صورة مشرقة عن إنسانيته.
    وهكذا فان ساتر قدم صوره للشخصية تحيلها إلى كائن ذاتي (نفسي) متجاهلة أنه وجد من الفكر والمادة لا وجود له ولا حريته إلا في الظروف (المادية والفكرية) التي يعيش فيها.
    برجسونHenri Bergson :
    يرى برجسون أن الشخصية عبارة عن تعاقب مستمر لمجموعة من الحالات النفسية، بحيث أن كل حالة نفسية هي حالة فريدة من نوعها ولا تشبهها أية حالة أخرى، ومن ثم لا يمكن التنبؤ بحالة نفسية قبل وقوعها، كما لا يمكن للشخصية باعتبارها مجموعة من الحالات المتميزة، أن تكون موضوع دارسة علمية تنتهي بصياغة قوانين حتمية تحدد الحالات المستقبلية للشخصية وتتنبأ بها كما يحدث في الظواهر الطبيعية.وعليه، فإن الشخصية بناء حر وإبداع مستمر. وهكذا، وبالرغم مما انتهت إليه العلوم الإنسانية بخصوص ضياع ألذات واختفاء الإنسان، فإن الشخصية الإنسانية تظل مع ذلك محتفظة بقسط من الحرية الصادرة عن ألذات التي تتيح لكل شخصية أن تجدد ملامحها وتختار نمطها الخاص بها رغما عن كل الإشراطات والإكراهات التي تتعرض لها.
    وهكذا استطاع برجسون أن يدرك فكره الزمان الذي لا يمكن فهم الشخصية من دونه وبين عنصر التغير في هذه الشخصية، ولكنه لم يفسر الشخصية في الزمان الذي اكتشفه ،كما انه لم يزد على أن جعل حركتها كقذيفة تدفعها إلى الأمام طاقه انفجار البارود في الخلف دون أن تدرى اى هدف تصيب.
    ثالثا:في العلوم الاجتماعية:
    غوردان ألبورت(Gordon Allport ):
    الشخصية هي :التنظيم الدينامكي للأنظمة السيكوفيزيولوجية التي تحدد تكيف الفرد مع محيطه."
    جوزيف نوتان(Joseph Nuttin ):
    يمثل مفهوم الشخصية بناء نظريا أو نموذجا علميا يبنيه العالم…انطلاقا من السلوكات الملاحظة والعلاقات المعاينة".
    جي روشي (G. Rocher ):
    يرى جي روشي أن الإنسان محتاج بشكل كبير إلى المجتمع لاكتساب صفات لا يمكنه بدونها أن يمارس حياته كإنسان اجتماعي، وبسبب هذا الاحتياج فإن الفرد يخضع لما يسمى بمسلسل التنشئة الاجتماعية الذي يعرفه بأنه عملية تطورية بواسطتها يقوم الشخص طوال حياته بتعلم واستبطان المعطيات الاجتماعية والثقافية لمحيطه لكي يدمجها في بنية شخصيته حتى يتكيف مع المحيط أو الوسط الذي هو مضطر لأن يعيش فيه.وهكذا يكتسب الفرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية أساليب التفكير والتصرف والإحساس الخاصة بمجتمعه، وهو ما يسهل تكيفه مع باقي الأفراد داخل المجتمع، فيصبح بذلك عضوا مندمجا في الجماعة ويدافع عن نفس القيم السائدة فيها. وهذا ما يضمن وحدة المجتمع ويجنبه التفكك والانقسام.ولا يمكن لعملية الاكتساب أن تكون ناجحة وتؤدي إلى التكيف ما لم يستدمج الفرد كل ما يتلقاه من مجتمعه لكي يصبح جزءا لا يتجزأ من شخصيته، بحيث يعتبر أن الأساليب التي لقنت له وفرضت عليه، أساليب طبيعية وعادية يتبناها هو نفسه وكأنها صادرة عن إرادته الحرة، في حين أنها رسخت لديه عبر التربية والتنشئةالاجتماعيه.
    رالف لينتون(Ralph Linton):
    يرى إن نفس المجتمع يقبل بنمط واحد من الشخصية وهو ما سماه بالشخصية الأساسية، وفي نفس الوقت يقبل بأنماط متعددة من الشخصية سماها بالشخصيات الوظيفية. فالشخصية الأساسية: تشير إلى مجموع العناصر المشتركة بين أفراد المجتمع، ومن مواقف واستجابات تتجلى في مختلف أنماط السلوك والإحساس أو التفكير.أما الشخصية الوظيفية: وهي ترتبط بالوظيفة الاجتماعية للأفراد بحيث نتحدث عن شخصية وظيفية للمحامين وأخرى للأطباء أو الفلاحين..إلخ من مزايا وجود الشخصية الوظيفية هو أنها تسمح للأفراد بأن يتفاهموا فيما بينهم بمجرد معرفة الوظيفة أو الدور الاجتماعي لبعضهم البعض، كما تسمح للفرد بأن يتصرف بمجرد معرفته بالمواصفات المرتبطة بالمكانة التي يحتلها في المجتمع.
    وهكذا فالمجتمع حسب رالف لنيتون يبلور شخصية أساسية مشتركة بين جميع أفراد المجتمع، وشخصية وظيفية مرتبطة بالأوضاع والوظائف التي يؤديها الفرد داخل.
    المجتمع، ويلاحظ أنه بقدر ما يكون المجتمع منغلقا ومتخلفا تذوب شخصية الأفراد
    في الشخصية الأساسية العامة للمجتمع، في حين تطغى السلوكيات ذات النزعة
    الفردية في المجتمعات المتطورة والمنفتحة.
    وهكذا فإن العلوم الإجتماعيه اختارت التركيز على الجانب الحركي، الحيوي، التفاعلي…و اعتماد مناهج علمية تقوم على الملاحظة والمعاينة الميدانية…وان الشخصية ليست معطى جاهز موجود في الواقع المباشر، وإنما هي بناء نظري مجرد بينيه العالم من أجل فهم وتفسير سلوك الفرد…
    لكنها تعاملت مع الشخصية كموضوع وكنتيجة حتمية لمحددات متعددة بيولوجية وسيكولوجية وسوسيو ثقافية، أي لعوامل اجتماعية ثقافية تشكل توجهات الفرد وتصوراته وقيمه وعاداته(1) .
    التعريف المنهجي: نخلص من التعريفات السابقة أن مصطلح شخصيه يدل على معنيين متلازمين:
    1. الوحدة(الاشتراك): أي جماع الشخص أي الشخص كله بكل مكوناته الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية
    2. التفرد: ما يميز شخصاً عن آخر(2).
    ونستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى مكونات وحدة الشخصية المتجانسة بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد، ولا نتجاوزه إلى التفرد بما هو بناء مكتسب على هيكلها الأساسي من مصادر بيولوجية وفسيولوجية وفكرية واقتصادية
    وروحية ...الخ يقول مورتن برنس (Morton prince) في كتابه عن اللاشعور: (الشخصية هي كل الاستعدادات والنزعات والميول والغرائز والقوى البيولوجية الفطرية والموروثة، وهي كذلك كل الاستعدادات والميول المكتسبة من الخبرة.
    الهيكل الحضاري: وإذا كان للشخصية عدة هياكل أساسية، وبناء مكتسب على هيكلها الأساسي؛ فهناك الهيكل الفسيولوجي، وهناك الذكاء، وهناك الهيكل الحضاري - فإنَّ هذا البحث مقصور على الأخير، والذي نعرفه بأنه (مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة الغير من الأشياء
    والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين).(3) وهذا الهيكل الحضاري الأساسي لشخصية الإنسان يتحدد بانتمائه إلى مجتمع معين.

    (1)رالف لينتون،الشخصية الأساسية والشخصية الوظيفية ودور الثقافة في بنائهما، ص131
    (2)عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، ط أولى 1986،ص362.
    (3 ) عصمت سيف الدولة، المرجع السابق، ص 347
    مذاهب التعريف بالشخصية السودانية
    تعددت مذاهب التعريف بالشخصية السودانية،بتعدد المناهج المستخدمة فى دراستها. وهنا سنعرض لأهم هذه المذاهب .
    الشخصية السودانية نوبية:
    يرى المذهب الأول أن الشخصية السودانية هي شخصيه نوبية،اى أنها تعبير عن الوجود الحضاري الشعوبي النوبي السابق على دخول الاسلام. يقول بروفسور على عثمان محمد صالح (أن الثقافة السودانية ثقافة نوبية(اى نوبية الثقافة والحضارة السودانية) فالدولة النوبية هي نتاج تصاهر الحضارات المحلية مع الحضارات وافده من مصر وبلاد الإغريق والرومان وكذلك شرقا من بلاد العرب وما جاورهم من آسيويين فاختلطت العناصر السلاليه والثقافية خاصة اللغات والأديان في عمليه حضارية نتج عنها ثقافة متميزة وهى التأصيل الحقيقي لنشاه الثقافة السودانية)(1) والواقع من الأمر إن النوبيون قبل دخول الاسلام كانوا عبارة عن شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل ، غير أن الطور الشعوبي كان قد استنفذ الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها للتطور الاجتماعي. وجاء الإسلام كإضافة أغنت هذا الوجود الحضاري الشعوبي ، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور.فأصبح جزء من وجود حضاري قومي- اسلامى هو الحضارة العربية الاسلاميه( يتضمنه فيكمله وبغنيه ولكن لا يلغيه ). وعلى هذا الوجه ساهم هذا الوجود الحضاري الشعوبي النوبي في تشكيل الشخصية السودانية.
    الشخصية السودانيه عربيه:
    ويرى المذهب الثاني أن الشخصية السودانية عربيه بالمعنى العرقى، فالسودانيين أو اغلبهم سلالة عرقية لعرب الجاهلية ،فهذا المذهب يفهم العروبة على أساس عرقي لا لغوي حضاري ، كما يخلط بين احدي دلالات لفظ عربي بمعنى

    (1) على عثمان محمد صالح ، في الثقافة السودانية دراسات ومقالات، دار جامعه الخرطوم للنشر، 1990 ، ص17.
    البدوي- ما يقابل الأعراب في القرآن؛ وهي دلالة لا تزال تستخدم حتى الآن للدلالة على من لا يزال في طور البداوة، ولم ينتقل إلي التمدن ،والعروبة كطور تكوين اجتماعي متقدم عن أطوار التكوين الاجتماعي القبلي والشعوبي يتضمنهم فيكملهم ويغنيهم ولكن لا يلغيهم، ومن ممثلي هذا التصور بعض المجتمعات القبلية السودانية التي لا تزال تسود فيها بقايا المميزات القبلية في العنصرية ، وبعض تيارات الفكر القومي العربي التقليدي. (فالعنصر العربى يشكل الاغلبيه العددية وان له الغلبة الحضارية لسمو ثقافته وبالتالي ضمنا أحقيته في الهيمنة والسيطرة في جميع مناحي الحياة ونشاطاته على العناصر غير العربية) (1)
    وإذا جاز القول أن الشخصية السودانيه عربيه ، فان المقصود بأنها عربية أن اللغة العربية هي اللغة المشترك بين الجماعات السودانية، فضلاً عن إنها لغة الحياة لدى أغلب هذه الجماعات. فالعربية ذات دلالة لغوية حضارية، لا دلالة عرقية. هذه الدلالة أقرها الإسلام (ليست العربية فيكم من أب وأم؛ إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي)..
    الشخصية السودانيه مسلمه:
    أما المذهب الثالث فيرى أن الشخصية السودانية هي شخصيه مسلمه،وهى جزء من الامه المسلمة في كل مكان وزمان.وتقرير هذا المذهب يقتضى الالتزام بعده شروط هي:
    أولا: أن معنى الإسلام هنا لا يقتصر على الإسلام كدين، وبل يمتد ليشمل على الإسلام كحضارة،فإذا كان الإسلام كدين مقصور على المسلمين ،فانه كحضارة يشمل المسلمين وغير المسلمين؛ فالإسلام ليس دين أغلب السودانيين فقط، بل هو مصدر للقيم الحضارية للشخصية السودانية(المسلمة وغير المسلمة) .
    ثانيا:أن انتماء المسلمين إلى الامه الاسلاميه لا يلغى انتمائهم إلى أممهم ،فقد

    (1)هدى مبارك مرغني،مدخل لدراسة الثقافة السودانية مركز محمد عمر بشير جامعه امدرمان الاهليه الخرطوم ط1 1999ص51
    وردت كلمه أمه في القران في أربعه وستين ايه بمعنى مطلق الجماعة إذا تميزت عن غيرها أيا كان المضمون .وعلى هذا دلت على جماعه الناس أو الجن أو الطير أو الحيوان﴿ قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والأنس﴾( الأعراف:38) ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم﴾( الأنعام:38)ثم قرر القران تعدد الأمم: فهي تتعدد في الزمان"وكذلك أرسلناك في أمه قد خلت من قبلها الأمم﴾( الرعد30) كما تتعدد في المكان"﴿وقطعناهم في الأرض أمما﴾ (الأعراف:168 .(1) ثم يمكن التمييز بين نوعين من أنواع الأمم طبقا لمضمون تمييزها عن غيرها:أمه التكليف: التي تتميز عن غيرها بالمضمون العقدي﴿ أن هذه أمتكم أمه واحده وأنا ربكم فاعبدون﴾(الأنبياء:92).أمه التكوين: التي تتميز عن غيرها بالمضمون الاجتماعي( طور الاستخلاف الاجتماعي) ﴿وقطعناهم اثنتي عشره أسباطا أمما﴾(الأعراف:159) وعلى هذا يمكن استخدامها للدلالة على الاسره والعشيرة والقبيلة والشعب ونستخدمها للدلالة على الشعب المعين الذي يتميز عن غيره بالأرض والتاريخ والحضارة .
    ثالثا:أن الإسلام قد قرر الحرية الدينية ممثله في حرية الاعتقاد وحرية ممارسه الشعائر والأحوال الشخصية لأصحاب الأديان الأخرى بشرط الخضوع لقواعد النظام العام الإسلامي (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)..وكان اعتناق السودانيين للإسلام بصوره اجماليه دون إكراه، ويدل على هذا:
    أولا:اتفاقيه البقط: وهى هدنة أمان وعدم اعتداء بين العرب والنوبة ،عقدها ملك النوبة فى تلك البلاد،مع عبد الله بن سعد بن ابى السرح، قائد الجيش المسلم الذي حاول غزو بلاد النوبة ولم ينجح عسكريا عام651م.وهو إقرار لتوازن القوى بينهم،ومعاهدة سياسية قبل بموجبها المسلمون أن يعيشوا ،إما مسافرين أو متاجرين،وقد استمر ذلك الوضع لما يقرب من 8 قرون.(2)
    (1)عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1986، ص25
    (2)الدكتور محمد سعيد القدال، الاسلام والسياسة فى السودان.
    وقد اعترفت المعاهدة بسيادة الدولة النوبية،وسمحت بالانتقال والتجارة وتبادل المنافع بين بلاد النوبة والبلاد التي يحكمها المسلمون، كما لم تصادر حرية السكان المحليين فى تعلم معارف وثقافات جديدة،دينية أو لغوية أو حضارية،ولم تمنعهم من التزاوج مع الشعوب الوافدة-العربية أو غيرها-إذا رغبوا فى ذلك.كما لم تجبرهم على الأخذ بالثقافة الوافدة،ولم تمنعهم من نشر ثقافتهم ولغتهم المحلية وتعليمها للوافدين الجدد إذا رغبوا فى ذلك.وذلك يعنى كامل الحرية للسكان المحليين فى التبادل الثقافى والتجاري والمصاهرة ،وبهذا انفتح النوبيون بحرية على الثقافات والحضارات والشعوب الأخرى ،وحدث التمازج الثقافى والعرقي بينهم والعرب ،واعتنقوا للدين الاسلامي عن قناعة وبمحص إرادتهم، وقد حدث هذا التمازج والانصهار السلمي ببطء خلال 8 قرون.
    كما نصت الاتفاقية بأن على النوبة تقديم عددا من الرقيق سنويا للحاكم المسلم فى مصر،و مثل هذا الشرط كان سائدا فى التعامل بين الدول فى تلك الأزمان ولم يبتدعه الاسلام،بل عمل على الحد منه وإنهائه،وقد استمرت الإمبراطوريات الأوروبية فى التعامل به حتى صارت تجارة الرقيق رائجة حتى أوقفت وحرمت هذه التجارة بقانون دولي فى وقت قريب (انظر المقارنة بين اتفاقيه البقط وقانون المناطق المقفولة،مكتبه نفيسة الحعلى).
    ثانيا: قيام السكان المحليين المستعربين(النوبة، الفونج ...)والممالك الاسلاميه المحلية (الفور ـ الفونج ـ تقلي ـ المسبعات ـ الكنوز) بدور اساسى في نشر الدعوة الاسلاميه في السودان.
    ثالثا:مساهمه الطرق الصوفية (التي تتميز بالدعوة السلمية) في نشر الإسلام
    في السودان .
    رابعا:رغم أن الإسلام هو دين غالبيه السودانيين ، فان هناك الديانة المسيحية بمذاهبها المختلفة ويعتنقها ما لا يقل عن 20 في المائة من السودانيين وتتركز غالبية المسيحيين في جنوب السودان.بالاضافه إلى الديانات المحلية والأفريقية ويتوزعون في هلال يمتد من الجنوب الشرقي إلى الجنوب الغربي يشمل كل مناطق جنوب السودان.
    الشخصية السودانية افريقية أو زنجية:
    أما المذهب الرابع فيرى أن الشخصية السودانية افريقية أو زنجية(1). والواقع من الأمر أن الشخصية السودانية أفريقية الانتماء الجغرافي؛ لأن السودان من الناحية الجغرافية قطر يقع في قارة أفريقية، كما أن السودانيين (ككل) هم
    محصلة اختلاط الحاميين(الزنوج) مع الساميين(العرب... ) لا يغير من هذا الحكم العام وجود جماعات قبليه لم تختلط بالحاميين إلا قليلا)(كالقبائل العربية التي هاجرت إلى السودان في مرحله متاخره) أو جماعات قبليه حاميه لم تختلط مع العرب الساميين إلا قليلا أو لم تختلط بهم مطلقا، نسبه لتفاوت درجه هذه الاختلاط من جماعه إلى أخرى بفعل عوامل جغرافيه وتاريخية وسياسية.. مختلفة، يقول د. التجانى مصطفى(ونتيجة للتداخل القبلي والتمازج بين السلالات المختلفة في السودان بات من الاستحالة قبول فكره وجود عناصر عرقيه صافيه في السودان حتى في تلك المجتمعات شبه المغلقة)(2)
    مع وجوب أن نضع في الاعتبار أن لفظ زنوج يدل على وصف للذين تتوافر
    فيهم الخصائص الفسيولوجية التي تأثرت بالبيئة الجغرافية بالمنطقة الاستوائية وليس له أي مدلول حضاري أو اجتماعي فهم ليسوا أمة واحدة بل يتوزعون على أمم وشعوب وقبائل عدة في جميع أنحاء العالم. أما لفظ أفارقة؛ فيدل على الانتماء إلى إقليم جغرافي (قارة). وليس له مدلول حضاري أو اجتماعي؛ إذ أن قارة أفريقيا تضم العديد من الأمم والشعوب والقبائل التي لا رابط بينها.
    الشخصية السودانية ذات علاقات انتماء متعددة:
    والمذهب الذي نأخذ به أن الشخصية السودانية (شأن أي شخصية أخرى)
    (1)هدى مبارك مرغني،المرجع السابق،ص52
    (2)د. التجانى مصطفى،عوامل ،تشكيل الشخصية القومية السودانية، مجله التأصيل ،مايو 1995 ،ص93.
    علاقات انتماء متعددة فهي اسلاميه لا بمعنى الدين فقط بل أيضا الحضارة المشتركة،وهى عربيه بمعنى أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية ،وان الإسلام لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده كما يحد الكل الجزء. فكان بمثابة إضافة أغنت
    تركيبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور وأنها أفريقية الانتماء الجغرافي،
    أن السودانيين (ككل) هم محصلة اختلاط الحاميين(الزنوج) مع الساميين (العرب... ).وقد قرر كثير من الباحثين السودانيين حقيقة أن الشخصية السودانيه ذات علاقات انتماء متعددة. فاحمد الطيب زين العابدين مثلا يرى أن(الثقافةالسودانيه هي مكونه من ثلاثة شعب سودانية أولا تيار نازل ومستمر من لقدم العصور تأثر بتيار أخر دائم الأثر والتداخل هو التيار الافريقى الأقدم ثم
    شعبه أو تيار ثالث هو اسيوى عربي) (1)
    هذا المذهب يجمع بين الوحدة والتعدد، الوحدة تتمثل في اللغة العربية كلغة مشتركه والإسلام كحضارة ، أما التعدد فيتمثل في المجموعات القبلية والشعوبية السودانيه وتراثها الحضاري الخاص.
    وهذه الحقيقة قررها أيضا عددا من الباحثين السودانيين فبروفسور احمد محمد
    حاكم يرى أن الثقافة السودانيه متجذره في الممالك السودانيه القديمة لكنها
    أصبحت واضحة المعالم مع قدوم الأثر الاسلامي العربى(2).
    أما بروفسور أبو سليم فقد بين أن مكونات الشخصية السودانيه نشأت قديما ولكنها تشكلت بصوره أساسيه في ظل المؤثرات العربية الاسلاميه(3)كما يرى بروفسور محمد بشير عمر( أن اللغة العربية التي تمثل اللغة القومية وتتحدث

    (1)هدى مبارك مرغني،مدخل لدراسة الثقافة السودانية مركز محمد عمر بشير جامعه امدرمان الاهليه الخرطوم ط1 1999ص51
    (2) هدى مبارك مرغني،المرجع السابق،ص52.
    (3)هدى مبارك مرغني،المرجع السابق،ص53.
    اللغة العربية الغالبية العظمى من السكان في شمال البلاد هي أيضا لغة التخاطب في جنوبه حيث تطور نوع من اللهجة العربية المبسطة(عربي جوبا) كما أن البجه والفور
    وجبال النوبة كما زالوا يحتفظون ويتحدثون لغتهم الخاصة و أن الدين الاسلامى
    كان عاملا موحدا والذي لم يمنع رغم ذلك من جود المسيحية والمعتقدات التي
    كان لها أن تترك بدورها اثر فى الطقوس الاسلاميه) (1) .

















    (1)محمد بشر عمر، التنوع والاقليميه والوحدة القومية ترجمه سلوى مكاوي المركز الطباعى بدون تاريخ ص 5 وما يليها.
    الانتماء المتعدد للشخصية السودانية
    للشخصية السودانية (شأن أي شخصية أخرى) علاقات انتماء متعددة، فهي:
    أولا: إسلامية الحضارة المشتركة:
    إذا كان الإسلام كدين مقصور على المسلمين ،فانه كحضارة يشمل المسلمين وغير المسلمين؛ فالإسلام ليس دين أغلب السودانيين فقط، بل هو مصدر للقيم الحضارية للشخصية السودانية(المسلمة وغير المسلمة) ؛ فلا يقتصر معنى الإسلام هنا على الإسلام كدين، بل يمتد ليشمل على الإسلام كحضارة وجهت حركه التفاعل في هذه المنطقة وقادتها إلى تجاوز الأطوار القبلية والشعوبية إلى طور أمة. إذ عندما ظهر الإسلام كانت أغلب الجماعات في هذه المنطقة قد أصبحت شعوباً متجاوزة الطور القبلي. ولكن كان من بينها من لا يزال في الطور القبلي؛ فهي جملة إما شعوباً أو قبائل، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 113).وقد طوَّر الإسلام سكان الجزيرة العربية من قبائل إلى شعب انطلق إلى ما يجاوره. واختلط بمجتمعات فى الطور القبلي ، وأخرى تجاوزت الطور القبلي، واستقرت شعوباً وإن كنت ثمة عوامل ذاتية وموضوعيه قد عوقت تطور هذه الشعوب إلى أمم مكتملة التكوين، وبالتالي أكمل الإسلام تكوين هذه الجماعات أمة واحدة.
    ثانيا:عربية اللغة المشتركة:
    فاللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية. أي أن الشخصية السودانية عربية لا بمعنى أن السودانيين سلالة عرقية لعرب الجاهلية. كما يرى بعض أنصار التيار القومي العربي التقليدي ولكن بمعنى أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، وأنه بدخول الإسلام أصبحت هي لغة الحياة لكثير من هذه الجماعات .ولا يمكن نفى ذلك بالاحتجاج باللهجات المتبقية من الأطوار القبلية والشعوبية؛ لأن استعمال اللهجات ، أو حتى اللغات القديمة - لا يلغي الاشتراك في استعمال اللغة القومية في كل الأمم.

    ثالثا: التاريخ الحضاري القبلي والشعوبي:
    وما سيسمى بالسودان لاحقاً كان حينذاك عبارة عن قبائل غير مستقرة على أرض معينة، بالإضافة إلى شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل. غير أن الطور الشعوبي كان قد استنفذ الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها للتطور. و بمجيء الإسلام قدَّم لهذه الجماعات لغة مشتركة ونظم الحياة طبقاً لقواعد عامة واحدة (الشريعة)، ثم تركها تتفاعل تفاعلاً حرَّاً مع الأرض المشتركة. وهكذا صنع الإسلام من تلك القبائل والشعب جزءاً من أمة. فالإسلام إذاً لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده كما يحد الكل الجزء (بالإلغاء لما يناقضه من معتقدات وعادات، والإبقاء على مالا يناقضه). فكان بمثابة إضافة أغنت تركيبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور. وكان محصلة هذا ما نطلق عليه الشخصية السودانية.
    الأثر الحضاري الشعوبي النوبي:
    فالنوبيون مثلا كانوا عبارة عن شعب تجاوز الطور القبلي، واستقر على ضفاف النيل ، غير أن الطور الشعوبي كان قد استنفذ الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها للتطور الاجتماعي، وآية هذا أن الدولة النوبية أخذت في الضعف والانقسام، فضلاً عن أن السيطرة الخارجية (الفرعونية مثلا) في فترات مختلفة كانت قد عرقلت هذا التطور. وجاء الإسلام كإضافة أغنت هذا الوجود الحضاري الشعوبي ، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور.وبهذا ساهم هذا الوجود الحضاري الشعوبي في تشكيل الشخصية السودانية. يدل على هذا عن دور النوبة في نشر الإسلام والثقافة الاسلاميه فنلاحظ أن انتشار الإسلام في السودان قد اقترن بمرحلتين:المرحلة الأولي تتمثل في دور العرب الوافدين الذي سبق السلطنات الإسلامية، وكان الإسلام فيها اسميا، إذ أن جل القبائل التي دخلت السودان كانت تسود فيها عادات وطباع

    البداوة(1)إذ كان معظم العرب الوافدين فى هذه المرحلة ممن قل حظهم المعرفي بالدين وأصوله(2).
    المرحلة الثانية:مرحله العنصر الوطني من النوبة المستعربين الذين اهتدوا إلى الإسلام (3)وهذه المرحلة هي مرحله أساسيه من مراحل نشر الثقافة الاسلاميه ويدلل على هذا أن عدد كبير من العلماء ترجع جذورهم إلى هذا العنصر.
    غير أن هذا الأثر الحضاري الشعوبي لا يقتصر على القبائل المسماة بالنوبية( الحلفاويون، السكوت، المحس، الدناقلة...) كما يدعى دعاه النزعة النوبية المتطرفة، بل يمتد فيشمل اغلب القبائل المسماة عربيه في الشمال والوسط والى حد ما الغرب، فكلاهما محصله تفاعل القبائل العربية( السامية) مع الجنس النوبي( السامي- الحامي) مع احتفاظ قبائل المركز باللهجات النوبية الشعوبية القديمة كوسيلة تخاطب داخليه واللغة العربية كوسيلة تخاطب مشتركه، بينما أصبحت اللغة العربية بالنسبة لقبائل الإطراف وسيله تخاطب داخليه ومشتركه.
    رابعا: افريقية الانتماء الجغرافي:
    والشخصية السودانية أفريقية الانتماء الجغرافي؛ لأن السودان من الناحية الجغرافية قطر يقع في قارة أفريقية التي تضم العديد من القبائل والشعوب والأمم.
    خامسا:الانتماء القبلي:
    و للشخصية السودانية انتماءات قبليه متعددة، ويكاد يكون لكل قبيلة تقاليد خاصة ، ،وليس في هذا ما يناقض الحضارة المشتركة، ففي كل الأمم نجد أن لكل قرية تقاليد محليه ،ولكل إقليم تقاليد خاصة، ولكل منطقه جغرافيه تقاليد خاصة ،دون أن يحتج به على التكوين الحضاري المشترك. ومن المجموعات القبلية السودانية:

    (1)حسن مكي، الثقافة السناريه المغزى والمضمون، مركز البحوث والترجمة، جامعه إفريقيا العالمية، اصداره15،ص020
    (2)(3)فضل الله احمد عبد الله، دولة سنار ودورها في تشكيل الثقافة السودانية،مجلة أفكار جديدة، عدد ابريل 2004.ص135-136.
    أولا:مجموعات ذات جذور عربيه: وتضم:
    ا/المجموعة الجعليه:وفروعها:
    الجعليون، الميرفاب- الشايقيه- الركابيه- المناصير- الرباطاب- البديريه- البطاحين-الجموعيه- الجوامعه- الجوابره- الغديات.
    ب/المجموعة الجهينيه: وتنقسم داخل السودان إلى ثلاثة مجموعات:
    الأولى: رفاعة(فواسيه-عبدلاب-عركيون)- لحويون،(عوامره -عمارنه- فادنيه-خوالده)،الشكريه.
    الثانية:دارحامد-بنوجرار-زياديه-بزعه- شنابله-عاليا.
    الثالثة:دويحيه-مسلميه- البقاره(نبو سليم- أولاد حميد-هبانيه- حوازمه- مسيريه- حمر-تعايشه- بنوهلبه- بنو خزام- رزيقات)-محاميد- ماهريه –كبابيش- مغاربه.
    إلى جانب قبائل جهينيه أخرى منها الحمر- الهواوير- السواراب.
    ج/مجموعة عربيه اخرى: الكواهله،الرشايده، الحمران، الشكريه.
    ثانيا:المجموعه النوبيه: وتضم الحلفاويون-السكوت- المحس- الدناقله-الكنوز.
    ثالثا:مجموعه شرق السودان:البجا: وتضم:الهدندوه- بنوعامر- الامرار- البشاريون(1).
    خامسا:المجموعات القبلية بدافور:
    مجموعات قبليه محليه:وتضم عددا من القبائل أكبرها الفور-الزعاوه-الميدوب-البديات—القرعان-البرتى--الداجو-التنجر-القمر-الميما-المساليت.
    مجموعات ذات أصول عربيه:المحاميد-الاباله _النوائبه-العريقات-الرزيقات-
    الزياديه-الهبانيه بنى هلبه، المعاليا(2)
    سادسا:مجموعات جنوب السودان:وتنقسم إلى أربعه مجموعات :
    (1)عبد الحميد محمد احمد،الشعر والمجتمع في السودان ،دار الوعي،الخرطوم،ط أولى،1987،ص24-25.
    (2)حذيفه الصديق عمر، تاريخ السودان الوسيط،منشورات نجامعه السودان المفتوحه،2005، 96ص-98.
    المجموعة النيليه:تضم :الدينكا- الشلك- النوير-الانجو- الانواك-الاشولى- البلاندا.
    المجموعةالنيليه-الحاميه:تشمل:المورلى-الديدنقا-البويا-المندارى التوركانا- البارى-التبوسا-الاتوكا.
    المجموعه السودانيه:الزاندى-المورو-المادى-البنقو-كريش.
    مجموعه مختلطة:بالى-مندارى-اناجاورا- فاجورا -فاجولو لولويو.(1)
    سابعا: المجموعات القبلية بجبال النوبة .
    الانتماء العرقي الزنجي:
    أن السودانيين (ككل) هم محصلة اختلاط الحاميين(الزنوج) مع الساميين(العرب... ) لا يغير من هذا الحكم العام وجود جماعات قبليه لم تختلط بالحاميين إلا
    قليلا)(كالقبائل العربية التي هاجرت إلى السودان في مرحله متاخره كالرشايده...) أو جماعات قبليه حاميه لم تختلط مع العرب الساميين إلا قليلا أو لم تختلط بهم مطلقا
    نسبه لتفاوت درجه هذه الاختلاط من جماعه إلى أخرى، فالشعب النوبي القديم فضلاً عن قبائل الهدندوة والبني عامر والبشارية كلها سامية- حامية. وهو ما قرره عدد من علماء الآثار، ثم اختلطت بالعرب الساميين. إذ( بعد معاهدة البقط (652هـ -1323م). وفى ظلها استطاع العرب ممارسة نشاطهم التجاري ... وتزاوجوا مع السكان المحليين ( الشعب النوبي وقبائل ألبجه وقبائل العنج) حتى سقوط دولة علوه، في منتصف القرن الخامس عشر)(2).مع ملاحظه أن لفظ زنوج يدل على وصف للذين تتوافر فيهم الخصائص الفسيولوجية التي تأثرت بالبيئة الجغرافية بالمنطقة الاستوائية، وليس له أي مدلول حضاري أو اجتماعي، فهم ليسوا أمة واحدة بل يتوزعون على أمم وشعوب وقبائل عدة في جميع أنحاء العالم. أما لفظ حاميين فمصدره تقسيم علماء الأجناس البشر إلى ثلاثة أقسام بين ساميين وحاميين؛ ولكن هذا التقسيم هو تقسيم لغوي وليس تقسيماً عرقياً، إذ لا وجود لجنس لم يخلط بغيره.
    (1)حذيفه الصديق عمر، تاريخ السودان الوسيط،ص145-146.
    (2)فضل الله احمد عبد الله، دولة سنار ودورها في تشكيل الثقافة السودانية،مجلة أفكار جديدة، عدد ابريل 2004، ص 134
    المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية
    بناء على هذا فان تفسير المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية لا يكتمل إلا بالرجوع إلى القيم الحضارية التي مصدرها الإسلام ، ثم القيم الحضارية القبلية والشعوبية التي كانت سائدة في السودان قبل الإسلام في تفاعلها مع القيم الحضارية(الإنسانية) للإسلام؛ غير أنه يجب التمييز بين النوعين من هذه المظاهر السلوكية.
    أولا: المظاهر السلوكية والفكرية الايجابية:
    وهناك العديد من المظاهر السلوكية والفكرية الايجابية للشخصية السودانية التي مصدرها القيم الحضارية العربية الاسلاميه و القيم الحضارية القبلية والشعوبية السابقة على الإسلام والتي لا تتناقض معه ( من حيث أن علاقة الشخصية السودانية بالشخصية العربية الاسلاميه هي علاقة الجزء بالكل يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه) اى بمعنى أنها مصدر كثير من هذه المظاهر الايجابية وبمعنى أنها دعمت المظاهرالايجابيه الموروثة من الوجود القبلي والشعوبي السابق على الاسلام أهم هذه القيم الحضارية هي الإنسانية وتعني أن يضع الإنسان ذاته موضع السيادة من عناصر الوجود جميعاً. و أنه في علاقته بالأشياء والظواهر ينطلق من وضع مسلَّم به، لا يفكر حتى في تبريره هو أنه كإنسان أفضل من كل الموجودات وأكثر، وأنه سيدها وقائدها. آية ذلك أن أيَّاً من المذاهب الفكرية الغربية التي تضع الإنسان موضع التبعية لعناصر المادية (كالمادية) - لم تستطع أن تقنع العقل العربي المسلم بأن ينـزل بمكان السيدة والعبادة، بالرغم من كل قدمه من فلسفات ونظريات.
    هذه القيمة مصدرها مفهوم الاستخلاف (أن الله تعالى استخلف الإنسان على الأرض)، والتسخير الذي يقوم على أنه في نطاق التأثير المتبادل بين الإنسان والطبيعة المادية - يكون الإنسان هو الفاعل الصانع، والمغير، والمطور. وتكون الطبيعة المادية موضوع فعله.وبعض المظاهر الفكرية و السلوكية التي تفسرها الموجهات القيمية السابقة:
    • المساواة: فالفرد يضع ذاته موضع المساواة مع أي فرد آخر مهما تكن الظروف بينهما؛ فالثقافة أو الثروة أو الحياة المعقدة، وعدم الاعتراف باستحقاق غير التفوق إلا حين يأمن أن ليس في هذا الاعتراف ما يمس قيمة المساواة.
    • والفرد لا يعترف بأمانه إلا ثراء إذا لم يكن ثمرة عمل أو ميراث؛ استناداً على تحريم الإسلام للرِّبا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً " (آل عمران: 130).
    • الشجاعة لا تخشى الموت لأن الأعمار بيد الله، النكوص عن المخاطر حفظاً للنفس من التهلكة. النجدة لوجوب الغوث، المشاركة الوجدانية للآخرين احترماً للأخوة، العفو عند المقدرة بدون إنكار الاستحقاق العقاب؛ لأن الحياة الدنيا ليست هي الفرصة الوحيدة لعقاب المذنبين.....الخ.
    يعدد د. التجانى مصطفى بعض المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية(فقد عرف السودانيين بعشقهم للحرية كراهيتهم للاستكبار والإذلال والتعالي...كذلك يتميز السوداني بالكرم والمروءة والشهامة...وينقل من الشعر السوداني ما يجسد هذه المظاهر الايجابية: بوصيكم على البيت الكبير ابنوه
    بوصيكم على السيف السنين اسعوه
    بوصيكم على الجار أن وقع شيلوه
    بوصيكم على الولد اليتيم ربوه
    بوصيكم على ضيف الهجوع عشوه(1)
    ثانيـاً: المظاهر السلوكية والفكرية السلبية:
    لما كان كل جيل يرث هذه القيم الحضارية ثم يطورها وينميها فيغنيها، فإن هنالك عوامل ذاتية (داخلية) وموضوعية (خارجية) - تعوق هذه العملية؛ مما يؤدي إلي ظهور هذه المظاهر. بعبارة أخرى فإن هذه المظاهر السلوكية السلبية مصدرها خلل ذاتي موضوعي أصاب الشخصية المعينة أدى إلي حدوث انفصال أو قطيعه بين ما
    (1)التجانى مصطفى،عوامل تشكيل الشخصية السودانية، مجله التأصيل،مايو1995ص95-96
    هو كائن( نمط السلوك أو التفكير السلبي) وما ينبغي أن يكون( القيم الحضارية السابقة الذكر).
    العوامل الذاتية (الداخلية):
    التقليد وقفل باب الاجتهاد:
    الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وهذه الصلاحية مصدرها أنه هدى الناس إلى أصول القواعد والقيم اللازمة لصلاحيتهم في كل زمان ومكان. ثم ترك لهم أمر الاجتهاد في فروع القواعد والقيم اللازمة لصلاحهم في الزمان المعين والمكان المعين. وقد نجح المسلمين في تطوير حياتهم الاجتماعية أينما كانوا عندما كان باب الاجتهاد مفتوحاً؛ فظهرت مذاهب وقيم جديدة. غير أنه نسبة لظروف خارجية (التهديد المغولي، الصليبي) وداخلية (الاستبداد، وصول عناصر لا تجيد اللغة العربية إلي السلطة، ظهور البدع...) – قُفِلَ باب الاجتهاد وساد التقليد. وعندها توقفوا عن التقدم، وتجمدت هذه المذاهب والقيم علي مضامين كسبتها في مراحل تاريخية ثابتة. فأصبحت قاصرة عن أن توفي بالحلول الصحيحة لمشكلات الحياة في مراحل تالية؛ فقام جمودها عائقاً في سبيل التطور. وهكذا أصبح من أهم المظاهر السلوكية السلبية السائدة في المجتمعات الإسلامية التقليد، بعد أن كانت أهم المظاهر السلوكية السائدة فيه الاجتهاد في كافة المجالات.أما على مستوى الجزء( السودان) فقد ساهم في تكريس الجمود والتقليد دخول الإسلام في مراحل متاخره، بالاضافه إلى أن معظم العرب الوافدين كانوا ممن قل حظهم المعرفي بالدين وأصوله.
    العوامل الموضوعية( الخارجية)
    الاستعمار والتغريب:ثم اصطدمت هذه المجتمعات بشعوب أوربا التي حررتها الليبرالية؛ فانهزمت. وهنا خضعت للاستعمار.
    الاستلاب الحضاري: وقد عمل الاستعمار علي نشر التغريب، الذي يمكن تعريفه بأنه قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية، التي هي نظام شامل متكامل للحياة، علماني في موقفه من الدين، فردي في موقفه من المجتمع، ليبرالي في موقفه من الدولة، رأسمالي في موقفه من الاقتصاد. كان محصلة عوامل نفسية وثقافية وتاريخية وحضارية سادت أوروبا علي مدى نحو سبع قرون علي حساب الولاء الإسلامي.
    وهنا يمكن التمييز بين مرحلتين للتغريب:
    1/ التغريب القديم (الاستعمار): ومرجعه أن برامج التربية والتعليم، والثقافة والإعلام - كانت لفترة طويلة من وضع القوى الاستعمارية لخدمة غاياتها. فعلى سبيل المثال: نجد احتضان القوى الاستعمارية من العناصر المتفوقة من المتعلمين، وإتاحة فرصة إكمال ثقافتهم في معاهدها، وجامعاتها عن طريق البعثات. وهنا يقدم مجتمع المحتلين كنموذج للمجتمع اللائق بحياة الإنسان المستحق للولاء، ويحاول أن تدس في الأذهان قيم ومثل غربية على مجتمع المبعوث؛ فيعود البعض إلى مجتمعه غريباً عنه.
    فالتغريب القديم إذاً مركب نقص ورثه البعض من عهود المذلة تحت السيطرة الاستعمارية؛ فتصبح عقولهم مكبلة بقيود الثقافة التي صاغها المستعمرون.
    2/التغريب الجديد (العولمة): ومرجعه الاستعمار الذي لا يقوم على السيطرة العسكرية أساساً، بل يقوم على السيطرة الثقافية بواسطة الإعلام، والفكر، والثقافة، والفن حيث يقدم من خلالها أسلوب الحياة الغربية بصورة عامة (أو الأمريكية بصوره خاصة) - على أنه أسلوب الحياة الأمثل لكل المجتمعات. وهو ما يشكل البعد الثقافي أو الحضاري للعولمة.
    فالتغريب إذاً بمرحلتيه هو أن تصوغ المذاهب والقيم الغربية حياة قطاع من الناس، فتتحول من قيم تقليد وعادات إلي قيم وتقاليد وآداب ذات طبيعة حضارية. وهي بهذا تغدوا مؤثراً قوياً في حياة كثير منهم (المتعلمون، والأثرياء والمثقفون بصورة أساسية)؛ لأنها تخالط شخصيتهم، وإن لم تتحول إلى حضارة. أي أن التغريب وإن كان محاولة لاستئصال الشخصية من جذورها؛ فإن هذه المحاولة لا تؤدي إلا أن تصبح شخصية مزدوجة الانتماء مع ما يصاحب هذا الازدواج من صراع يلغي أو يقلل من فاعلية الشخصية وإسهامها في خدمة مجتمعها.

    التخلف الحضاري:
    وهذا فإن الجمود( الذاتي) و الاستعمار (الموضوعي) أدَّيا إلي تخلف الأمة. والمقصود بالتخلف عجز الناس في مجتمع معين عن توظيف كل الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة فعلاً في المجتمع؛ لإشباع حاجاتهم أو حل مشاكلهم المتجددة.وتخلف الأمة هو تخلف الإنسان؛ والمقصود به أن يصبح الناس عاجزون ذاتياً عن معرفة الحقيقة الاجتماعية لذات المشاكل التي يعانوها أو معرفة حلولها، أو لا يعرفون العمل المناسب لتنفيذ تلك الحلول. فهذا التخلف الثقافي، والتخلف العلمي، والتخلف في مهارة أداء العمل.
    هذا التخلف الحضاري يصبح مصدراً للمظاهر الفكرية والسلوكية السلبية، ولا يمكن القضاء علي الأخيرة إلا بالقضاء عليه، مع ملاحظة تفاوت درجته، والمظاهر السلوكية السلبية المعبرة عنه حسب درجة الوعي والثقافة والتعليم والنشاط الاقتصادي (بيئة رعوية، بيئة زراعية، بيئة صناعية...)، وطبيعة محل الإقامة (مدن، قرى...) ومدى الانغلاق عن أو الانفتاح على المجتمعات الأخرى (بالهجرة أو بالتأثر بوسائل الإعلام أو المصاهرة...ودورهما السلبي والإيجابي...)...











    الأبعاد المتعددة للمظاهر الفكرية والسلوكية
    سنحاول في`هذا المبحث يلي تناول بعض هذه المظاهر السلوكية والفكرية في الأبعاد المختلفة للشخصية السودانية.
    البعد الاجتماعي
    ذكرنا سابقاً أن الإسلام قد حوَّل قبائل هذه المنطقة وشعبها إلى جزء من أمة، وأن الأمة لا تلغي العشائر والقبائل والشعوب، بل تحدها كما يحد الكل الجزء فتضيف إليها وتكملها وتغنيها.
    كما ذكرنا أن تاريخ الأمة قد يصادف عقبات في مسيرته (الجمود)، أو فرضتها عليها القوة المعادية (الاستعمار)؛ مما يؤدي إلى شلِّ مقدرتها على تحقيق تقدُّمها. فتتخلف كأمة؛ أي يحُولُ هذا التخلف دون أن تبرز الأمة كطور ارتقت إليه القبائل والشعوب يمكن من خلاله حل مشاكل الناس المتجددة.
    هنا يبدأ الناس في البحث عن حل مشاكلهم من خلال علاقات أخرى أضيق (العشائرية، القبلية،..) فيعود الناس إلى البحث عن الأصول العرقية القديمة أو الأجناس البشرية المنقرضة؛ متخذين من الأسماء التاريخية أدلة على وحدة العرق، أو من اللون دليل على وحدة الجنس أو يعودون إلى ما تبقى من لهجات فيها فيحاولون إعادة الكتابة بها... الخ.
    وهنا نجد أنفسنا أمام بعض المظاهر الفكرية و السلوكية السلبية المرتبطة بأطوار التكوين الاجتماعي.
    نمط التفكير والسلوك الجماعي:
    إذا كان الإسلام قد تتجاوز الفردية التي تؤكد وجود الفرد لتلغى المجتمع ( كما في الليبرالية) والجماعية التي تؤكد على الجماعة وتلغى الوجود الفردي( كما في الماركسية)، و دعي إلى فلسفه اجتماعيه توفق بين الفرد والجماعة ،فالمجتمع بالنسبة للفرد بمثابة الكل للجزء لا يلغيه بل يحدده فيكمله ويغنيه، إلا أن المجتمع السوداني( شان الكثير من المجتمعات المسلمة) قد انزلق إلى الجماعية القبلية التي قد تفرز أنماط من التفكير والسلوك الايجابي كالتضامن ومساعده الآخرين... لكنها تفرز أيضا أنماط من التفكير والسلوك السلبي:كالتدخل في شئون الغير، ، المجاملة ، التقليد و الاعتماد على الآخرين وعدم الاستقلال الشخصي، الحسد، النميمة، المحاباة....
    فهنا يجب التمييز بين الدور الايجابي للقبيلة كحامل للقيم الايجابية، وأداه لتوارث الأجيال لهذه القيم، القائم على اعتبارها جزء من كل،( وهو ما يعبر عنه بأصل الفرد) و الذي يجب الحفاظ عليه، والدور السلبي لها والقائم على اعتبارها كل قائم بذاته مستقل عن غيره ومتميز عنه والذي يجب العمل على إلغائه.
    العنصرية:
    هي التقاء على إحدى المميزات القبلية، أو الموروثة عن الطور القبلي، مثل: وحدة الجنس، أو الأصل(العنصرية العرقية كما عند الجماعات القبلية)، أو اللغة، أو التقاليد( العنصرية اللغوية كما عند الجماعات الشعوبية).
    وكما ذكرنا، فإنه عندما ظهر الإسلام كانت أغلب الجماعات في المنطقة التي ستسمى لاحقاً الجزيرة العربية قد أصبحت إما شعوباً أو قبائل تتميز بأصلها الواحد وتسوء فيها بالتالي العنصرية؛ بمعنى اعتقاد كل جماعة بامتيازها على غيرها احتجاجاً بأصلها الواحد. وعندما جاء الإسلام بدين دعا إلى المساواة "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدِ اللهِ أنقاكم". وعمل على نقض العنصرية كما يدل على ذلك جملة الأحاديث الواردة في ذم العصبية، ثم ترك هذه الجماعات تتفاعل تفاعلاً حراً مع الأرض المشتركة وبالتالي صنع من تلك الجماعة أمـة.
    غير أنه نسبة للتخلف الاجتماعي السالف الذكر؛ عادت العنصرية كمظهر مسلكي سلبي.
    العنصرية السلبية والعنصرية الإيجابية:
    ويجب التمييز بين العنصرية على هذا الوجه أي التي مصدرها شعوب وقبائل تجاوزت فعلاً الأطوار القبلية والشعوبية إلي طور أمة؛ فأصبحت جزءاً من كل، ومرجعها محاولة العودة إلى علاقة أضيق؛ نسبة لظروف تاريخية معينة، وبين عنصرية مصدرها شعوب أو قبائل لم تتجاور بعد الأطوار القبلية، أو الشعوبية. فهي كلٌّ قائم بذاته لا تشترك مع غيرها في أي شيء لا اللغة، ولا الثقافة ولا الدين. و قيام دولة تضم هذه الجماعات كما في بعض دول أفريقيا الأخرى؛ حيث نجد العنصرية في شكلها الأول تأخذ شكلاً سلبياً(اعتقاد كل جماعة بامتيازها على غيرها مع اتخاذ موقف سلبي تجاه الغير كرفض المصاهرة مع الجماعات القبلية الأخرى...). بينما تأخذ في شكلها الثاني شكلاً إيجابياً فهو اعتقاد بالامتياز يتحول إلى فعل (كالمذابح الجماعية، والحروب الأهلية.... الخ).
    كما يجب تقرير أن العنصرية غير مقصورة على جماعة معينة، بل تمتد لتشمل كل الجماعات القبلية، إذ كل جماعة منها ترى أنها تمتاز عن غيرها. وبالتالي فإن إبقاء أو إلغاء العنصرية مسئولية مشتركة، وليست مسئولية جماعة قبلية أو شعوبية معينة.
    كما نلاحظ هنا أن هذا الشعور بالامتياز على الغير هو احد أسباب ظاهره الغرور التي تسود في بعض قطاعات المجتمع السوداني ،والتي ترجع إلي التراث القبلي الموروث ،والقائم على الفخر و الامتياز على الغير كما يتضح في الغناء والشعر والأدب القبلي التقليدي ،ويدعم هذه الظاهرة أن تأخذ عند البعض شكل تعويض لنقص في الدرجة الاجتماعية أو الاقتصادية أو المهنية أو التعليمية..."،
    الطائفية:
    وضع الإسلام قواعد مطلقة عن قيود الزمان والمكان، وبالتالي لا تخضع للتطور خلال الزمان أو التغير في المكان (وهي التي عبر عنها علماء أصول الفقه بالأصول). وترك للمسلمين أمر الاجتهاد في وضع ما دون ذلك من قواعد محدودة بالزمان والمكان؛ وبالتالي تخضع للتطور والتغير خلال الزمان والمكان (وهي التي عبَّر عنها علماء أصول الفقه بالفروع). وهنا تكون المذاهب هي اجتهاد في الدين خاضع للتطور والتغير زماناً ومكاناً، لذا تعددت المذاهب عندما كانت المجتمعات المسلمة متقدمة. وعندما توقفت هذه المجتمعات عن التقدم تجمدت هذه المذاهب علي مضامين كسبتها في مراحل تاريخية سابقة، وأصبحت قاصرة عن أن توفيَ بحلول لمشاكل الحياة في مرحلة لاحقة. كما أن هذا التخلف حال دون أن تبرز لأهميته كطور ارتقت إليه القبائل والشعوب. وهنا يبدأ الناس بالبحث عن روابط أضيق من الأمة. ومن أشكال هذا البحث العودة إلي المذاهب الدينية محاولين اتخاذها رابطة اجتماعية بديلة بحلول من خلالها مشاكلهم؛ فالطائفة إذاً مذهب ديني مقصور على جماعة أو جماعات معينة (عشيرة أو قبيلة أو شعب معين".وتفرز الطائفية أنماط من التفكير والسلوك السلبي كتقديس الزعماء ، التقليد، التعصب...
    الطائفية الواسعة والطائفية الضيقة:
    غير أنه يجب التمييز بين نوعين من أنواع الطائفية؛ طائفية ضيقة: بمعنى مذهب ديني مقصور على جماعة معينة (عشيرة، أو قبيلة، أو شعب معين)، وطائفية واسعة: بمعنى مذهب ديني يضم عدداً من الجماعات (عشائر، أو قبائل، أو شعوب) وإنْ لم يتعدَّاها إلى غيرها.والطائفية في السودان هي من النوع الثاني؛ أي طائفية واسعة، فالطائفة هنا لا تقتصر على قبيلة أو جنس معين لتشمل عدداً من الأجناس والقبائل، كمثال: فإن المهدية كانت محاولة لتجاوز الانتماء القبلي والطرقي المحدود لقبيلة معينة، أو طريقة صوفية معينة، وتكوين رابطة أوسع هي الرابطة الدينية الوطنية. ولكنها بعد ذلك تحولت إلى طائفة مقصورة على بعض قبائل السودان في الغرب والوسط بصوره أساسيه. كما تضم طائفة الختمية عدداً من قبائل الشمال والشرق.
    الخلط بين الانتماءات المتعددة:
    قررنا سابقاً أن للشخصية السودانية انتماءات متعددة غير أن هنالك خلطاً بين علاقات الانتماء المتعددة هذه، هذا الخلط نفي لإحدى علاقات الانتماء لصالح علاقة انتماء أخرى.
    نماذج من الخلط:
    من أمثلة هذا الخلط إنكار أن الشخصية السودانية عربية بناء على أن السودانيين ليسوا سلالة عرقية لعرب الجاهلية. وكما سبق تقريره فإن المقصود بالعربية هنا أن اللغة العربية هي اللغة المشترك بين الجماعات السودانية، فضلاً عن إنها لغة الحياة لدى أغلب الجماعات. فالعربية من ذات دلالة لغوية حضارية، لا دلالة عرقية. هذه الدلالة أخرها الإسلام (ليست العربية فيكم من أب وأم؛ إنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي).
    ومن إشكال هذا الخلط إنكار أن الشخصية السودانية عربية؛ احتجاجاً بأن السودانيين زنوج، أو حاميين، أو أفارقة، أو ذوو لون أسمر، أو أن كثير منهم يتحدث لهجات غير عربية.وإن حللنا الألفاظ السابقة نجد أن هذا الخلط وهمي؛ فلفظ زنوج كما سبق أن بينا يدل على وصف للذين تتوافر فيهم الخصائص الفسيولوجية التي تأثرت بالبيئة الجغرافية بالمنطقة الاستوائية وليس له أي مدلول حضاري أو اجتماعي فهم ليسوا أمة واحدة بل يتوزعون على أمم وشعوب وقبائل عدة في جميع أنحاء العالم.
    أما لفظ حاميين فمصدره تقسيم علماء الأجناس البشر إلى ثلاثة أقسام بين ساميين وحاميين؛ ولكن هذا التقسيم هو تقسيم لغوي وليس تقسيماً عرقياً، إذ لا وجود لجنس نقي لم يخلط بغيره.
    هذا مع ملاحظة أن السودانيين كل ليسوا حاميين خلص أو ساميين خلص ، بل محصلة اختلاط الساميين مع الحاميين؛ مع تفاوت درجه الاختلاط .
    أما لفظ أفارقة؛ فيدل على الانتماء إلى إقليم جغرافي (قارة). وليس له مدلول حضاري أو اجتماعي؛ إذ أن قارة أفريقيا تضم العديد من الأمم والشعوب والقبائل التي لا رابط بينها.أما اللون فإن الإسلام قد قرر أن الناس لا يتميزون فيما بينهم
    بألوانهم،واتخذ اختلاف الألوان آية إلهية " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
    واختلاف ألسنتكم وَأَلْوَانِكُمْ " واللون من الناحية العلمية ليس أكثر من الاستجابة الفسيولوجية لمتطلبات المناخ ثم ينتقل بالوراثة؛ فهو عملية مادية يخضع لها كل البشر ولا يقوم مميزاً اجتماعياً أو حضارياً.
    هذا مع ملاحظة تعدد الألوان في السودان كمحصلة لتعدد الأقاليم الجغرافية، وتفاوت درجة الاختلاط بين العرب والزنوج. كما لا يمكن إنكار أنَّ الشخصية السودانية عربية؛ احتجاجاً باللهجات المتبقية من الأطوار القبلية والشعوبية، كما سبق تقريره؛ لأن استخدم هذا اللهجات لا ينفي استخدام اللغة العربية كلغة مشتركة، فضلاً عن اختلاطها مع هذه اللهجات. إذ لا توجد أمة في العالم لا تجد بها لهجات.
    وقد ساهم في هذا الخلط عدة عوامل منها أن احدي دلالات لفظ عربي البدوي- ما يقابل الأعراب في القرآن؛ وهي دلالة لا تزال تستخدم حتى الآن للدلالة على من لا يزال في طور البداوة، ولم ينتقل إلي التمدن. ومنها أن بعض تيارات الفكر القومي العربي تفهم العروبة على أساس عرقي لا لغوي حضاري؛ فالعروبة عندها سلالة عرقية لعرب الجاهلية. ومنها احتكاك السودانيين بالهجرة لبعض المجتمعات العربية التي لا تزال تسود فيها بقايا المميزات القبلية في العنصرية.




















    البعد الثقافي
    إن امتداد الحياة في ظل هذا التخلف الحضاري نتيجة الجمود والتخريب أفرز العديد من المظاهر السلوكية السلبية بين المتعلمين والمثقفين. لتصبح هذه المظاهر السلوكية السلبية احد عوامل استمرار هذا التخلف؛ لأنها تفتك بمقدرة المثقفين الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي في كل المجتمعات.
    وهنا يجب عدم الخلط بين المثقفين (أي الذين لهم المقدرة الفكرية لإدراك المشكلات الاجتماعية ومعرفة حلولها والمقدرة على العمل الجماعي اللازم لحلها) والمتعلمين (الأكاديميين) الذين لا يعرفون من العلم إلا ما تعلموه في معاهده المتخصصة، ويجهلون علاقتها بمشكلات الواقع الاجتماعي أو لا يهتمون بتلك الصلـة.
    الفرديـة:
    من أهم هذه المظاهر السلوكية السلبية هي الفردية، ومرجع هذه النـزعة الفردية عند بعض المثقفين أنهم قادة حركة التطور في كل المجتمعات، وإذ كانوا في المجتمعات المتقدمة كثرة تفيض عن الحاجة. فإنهم في المجتمعات المتخلفة قوة نادرة؛ ذلك لأنهم أكثر معرفة وعلماً ومقدرة على العمل من الكتلة السائدة. فلا تستطيع مجتمعاتهم أن تستغني عنهم، وبينهم وبين سواد الشعب المتخلف ثغرة فاصلة.
    يمكن أن يضاف إلى هذا أسباب عدة، منها أن برامج التربية والتعليم والثقافة والإعلام في المجتمعات المتخلفة كانت لفترة طويلة من وضع القوى الاستعمارية لخدمة غاياتها. ومن غاياتها إضعاف العلاقة الاجتماعية التي تربط الناس بمجتمعاتهم في مصير واحد حتى لا تعود هذه الروابط إلى وعن الناس التزامهم بتحرير مجتمعاتهم.
    ومنها احتضان القوى الاستعمارية للعناصر المتفوقة من المتعلمين وإتاحة فرصة إكمال ثقافتهم في معاهدها وجامعاتها عن طريق البعثات، وهنا تدس في الأذهان مُثُلاً عُليا غريبة عن مجتمع المبعوث.
    ومنها ميراث الممارسة الليبرالية ذلك المذهب الفردي الذي يتجاوز تجميد الإنسان إلى إطلاق الفرد من التزاماته المترتبة علي انتمائه إلى مجتمعه؛ فيتحول المجتمع إلى ساحة صراع فردي لا إنساني؛ وتكون الفردية فيه قيمة لا يخجل منها صاحبها، بل يفخر بها بقدر ما يكون لها من ضحايا من أفراد آخرين.
    الفردية السلبية والفردية الايجابية:
    غير أن هذه الفردية قد تأخذ شكلاً سلبياً، أو شكلاً إيجابياً. أما الشكل السلبي؛ فيأخذ شكل العزلة عن الجماهير. أوشكلاً إيجابياً كالاستعلاء على الناس، والتشبث بالقيادة، والتوقف أو الانعزال، أو التمرد على العمل الجماعي ما لم يخضع الناس لإرادته.
    البيروقراطية :
    من أشكال الفردية الايجابية البيروقراطية؛ فالبيروقراطيون هم قطاع من المتعلمين يشكلون جزءاً من موظفي الدولة، يُفرطون في توفير الشرعية الشكلية للقوانين واللوائح (عدم تناقضها مع قواعد الدستور، أو القانون) مع إهمالهم لمضمونها ( كأدوات وُضِعت لتنظيم حياة الناس وحل مشاكلهم)، كما تستخدم فئة منهم السلطة الممنوحة له لتعويض سنوات الفقر بالاختلاس أو تعويض سنوات الذل بالاستبداد بالناس. ولا يمكن مقاومه البيروقراطية إلا بمنح الشعب حق الشكوى ،لا بمنح الموظفين الحضانة ضد الشكوى.












    البعد الفكري
    رغم وجود مظاهر للتفكير العقلاني في الحضارات القبلية والشعوبية العقلاني على الإسلام إلا انه ساد عليها نمط التفكير الأسطوري(اللا عقلاني) ثم جاء الإسلام فهدى الناس إلى إعمال العقل. وأنشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماطاً متعددةً من التفكير العقلاني الذي لا تناقض الأيمان أو الوحي؛ وإن كانت تناقض (بالتأكد) نمط التفكير الأسطوري.لذا ساهم دخول الإسلام إلى السودان في سيادة التفكير العقلاني سلبا بإلغاء كثير من أنماط التفكير الاسطورى ذي الجذور التي ترتد إلى الأديان القبلية والشعوبية الوثنية كالاعتقاد بالأرواح الخيرة والشريرة وإيجابا كإنتاج أنماط من التفكير العقلاني .
    ولكن نسبه لتخلف المجتمع السوداني نتيجة العوامل الذاتية والموضوعية سابقة الذكر. تخلف التفكير الغقلانى و ظهرت بعض خصائص التفكير الأسطوري في بعض أنماط تفكير ألشخصية السودانية وليس في أغلب أو كل أنماط التفكير فيها؛ أي أن الشخصية السودانية لم ترتد إلى نمط التفكير الأسطوري (كما يرى بعض المستشرقين)؛ لأن هذا النمط من أنماط التفكير يناقض الإسلام الذي يشكل الهيكل الحضاري لهذه ألشخصية، بل تحولت إلي شخصية يختلط فيها التفكير العقلاني مع التفكير الأسطوري( يمكن أن نطلق عليه نمط التفكير شبه الاسطورى أو شبه العقلاني)
    .ويمكن إيضاح هذا التحول بالرجوع إلى خصائص التفكير العقلاني وموقف الإسلام منها وعلاقة كل هذا ببعض أنماط التفكير والسلوك السلبية في الشخصية السودانيـة.
    التفكير العقلاني:
    الموضوع:هو نمط التفكير الذي يتناول الوجود على المستوى اللماذى للوجود اى العلاقة بين المستوي الكيفي النسبي والمستوى الماهوى المطلق. ويتناول(منهجيا) ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى كلي مجرد أي منظور إليها من جهة معينة هي الأصول الفكرية (الكلية، المجردة) لهذه المشاكل.
    المنهج: ويتصف هذا التناول بالاتي:
    الشك المنهجي (النسبي):يقوم التفكير العقلاني على الشك المنهجي أو النسبي وهو شك مؤقت ووسيلة لا غاية في ذاته إذ غايته الوصول إلى اليقين أي أن مضمونه المنهجي عدم التسليم بصحة حل معين للمشكلة إلا بعد التحقق من كونه صحيح. والشك المنهجي يختلف عن كل من الشك المذهبي والنزعة القطعية. فالشك المذهبي أو المطلق دائم وغاية في ذاته أي أن مضمونه المنهجي قائم على أنه لا تتوافر للإنسان إمكانية حل أي مشكلة.أما النزعة القطعية فتقوم على التسليم بصحة حل معين دون التحقق من كونه صادق أم كاذب.
    العقلانية:ويتصف المنهج الفلسفي بالعقلانية. أي استخدام ملكة الإدراك (المجرد) كوسيلة للمعرفة إذ الفلسفة هي محاولة إدراك الحلول الصحيحة للمشاكل الكلية المجردة.
    المنطقية:ويتصل بالخصيصة السابقة أن المنهج الفلسفي يستند إلى المنطق بما هو القوانين (السنن الإلهية) التي تضبط حركة الفكر الإنساني ذلك أن الفلسفة لكي تصل إلى حلول صحيحة لمشاكلها يجب أن يستند إلى القوانين أو السنن الإلهية التي تضبط حركة تحول الطبيعة وتطور الإنسان وحركة الفكر.
    النقدية:والمنهج الفلسفي قائم على الموقف الرافض لكل من القبول المطلق والرفض المطلق والذي يرى أن كل الآراء (بما هي اجتهادات إنسانية) تتضمن قدراً من الصواب والخطأ وبالتالي نأخذ ما نراه صواباً ونرفض ما نراه خطأ.
    الأسطورة:
    لغةً: الأسطورة في لغة العرب الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لا نظام لها . فهي مشتقة من السطر من الشيء : بمعنى الصف من الكتاب والشجر والنخل ونحوها . وسطر : إذا كتب كما ورد في قوله تعالى ( ن والقلم وما يسطرون )، وسطرها بمعنى ألفها ، وسطر علينا : أتانا بالاساطير ، وسطر فلان على فلان ، إذا زخرف له الأقاويل ، ونمقها ، وتلك الأقاويل : الأساطير. وكلمة ( أساطير ) وردت في القرآن الكريم في صيغه الجمع ، كما إنها جاءت دائماً مضافة إلى (الأولين) :(قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين ) ( الأنفال : 31 ) (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالو أساطير الأولين )( النحل : 24) (قد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين ) ( النمل : 68)(وقالوا أساطير الأولين إكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً )( الفرقان : 5). وعند الأوربيين ظهر فرع جديد من فروع العلم يعنى بدراسة وتفسير الأساطير هو الميثولوجى Mythology . والشق الأول من الكلمة Mytho مأخوذة من اليونانية Mutho ألتي تعني حكاية تقليدية عن الآلهة وألا بطال ، أما الشق الثاني Logy فيعني العلم (1) و كلمة أسطورة تعارض العقل ( لوغوس) في اليونانية (2)
    اصطلاحا: تعددت تعريفات الاسطوره طبقا لتعدد أنواعها، وتعدد المناهج التي تتناولها بالدراسة.
    ا/ طبقا لتعدد أنواعها:
    الأسطورة الطقوسية : وهي تمثل الجانب الكلامي لطقوس الأفعال ألتي من شأنها أن تحفظ للمجتمع رخاءه .
    الأسطورة التكوينية : وهي التـي تصور لنا عملية خلق الكون .
    الأسطورة التعليلية : وهي ألتي حاول الإنسان عن طريقها ، أن يعلل ظاهرة تستدعي نظره ، ولكنه لا يجد لها تفسيراً ، ومن ثم فهو يخلق حكاية أسطورية ، تشرح سر وجود هذه الظاهرة .
    الأسطورة الرمزية : وهي ألتي تتضمن رموزاً تتطلب التفسير ، ومن المؤكد أن هذه
    الأساطير قد ألفت في مرحلة فكرية أكثر نضجاً ورقياً .

    (1)مغامرة العقل الأولى / فراس السواح ، ص12.
    (2)الميثولوجيا اليونانية ، بيار غريمال ، ترجمة هنري زغيب ، منشورات عويدات 1982 بيروت،ص5.
    أسطورة الأبطال الخارقين : وهي التي يتميز فيها البطل ذو الصفات الخارقة ، ولكن صفاته الإنسانية دائماً تشده إلى العالم الأرضي .(1)
    ب/طبقا لتعدد مناهج دراسة الأساطير:
    المنهج المجازي برى أن الأسطورة قصة مجازية ، تخفي أعمق معاني الثقافة .
    المنهج الرمزي يرى أن الأسطورة قصة رمزية ، تعبر عن فلسفة كاملة لعصرها ، لذلك يجب دراسة العصور نفسها لفك رموز الأسطورة
    المنهج العقلي يذهب إلى نشوء الأسطورة نتيجة سوء فهم أرتكبه أفراد في تفسيرهم ، أو قراءتهم أو سردهم لرواية أو حادث .
    منهج التحليل النفسي: يحتسب الأسطورة رموزاً لرغبات غريزية وانفعالات نفسية .
    و طبقا للمنهج المستخدم في الدراسة فإننا نعرف الاسطوره(بالمعنى الفلسفي) بأنها فكره تحاول تفسير الوجود على المستوى الكلى المجرد لكن دون توافر امكانيه التحقق من صدق هذه الفكرة أو كذبها بواسطة الادله العقلية والمنطقية.أما الاسطوره
    بالمعنى الادبى فهي: الحكايات الخيالية، التي توجد عند الأمم في أشكال التعبير في الأدب الشعبي-ماضيها ، ومادتها أشخاص أو حوادث أو أعمال فوق طاقة البشر...
    خصائص التفكير الاسطورى:
    1-القبول المطلق لفكره وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الأخرى .
    2- الشك المطلق أي إنكار إمكانية التحقق من صحة أي فكرة، أو النزعة القطعية أي التسليم بصحة فكرة دون التحقق من كونها صادقة أم كاذبة.
    3-الاستناد إلى الإلهام أو الوجدان والخيال ( الذي يلغى العقل).
    4- اللامنطقيه ( التناقض) .
    موقف الإسلام من نمطي التفكير العقلاني و الاسطورى:
    من خصائص التفكير العقلاني الموقف النقدي القائم علي تجاوز كل من موقف القبول المطلق والرفض المطلق إلي الموقف القائم علي البحث عن أوجه الصواب وأوجه

    (1)نبيلة إبراهيم - دار نهضة مصر ، القاهرة ص 15-22
    الخطأ في الرأي المعين وأخذ ما هو صواب ورفض وما هو خطأ، وهذا الروح النقدية حث عليها الإسلام كما في قوله (ص)( لا يكون أحدكم امعه يقول إنا مع الناس أن أحسنوا أحسنت وان اساؤا أسئت بل وطنوا أنفسهم أن أحسن الناس أن تحسنوا وأن أساءوا تجتنبوا أساءتهم) كما في قوله تعالي( الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه) أما التفكير الأسطوري فيقوم علي القبول المطلق لفكره وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الأخرى و هو ما رفضه الإسلام.
    من خصائص التفكير العقلاني الشك المنهجي القائم علي عدم التسليم لصحة فكرة معينة لا بعد التحقق م كونها صحيحة هذا الشك المنهجي نجد نموذج له في وصف القرآن لانتقال إبراهيم (ع) من الاعتقاد بربوبية القمر إلي الاعتقاد بربوبية الشمس إلي الاعتقاد بربوبية الله تعالي ويمكن أن نجد نموذجاً لهذا النوع من الشك في القرآن( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين .فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين .فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) (الأنعام76 – 78).
    كما استخدمه الإمام الغزالي كما في كتابه المنفذ من الضلال أما التفكير الأسطوري فيقوم علي الشك المطلق أي إنكار إمكانية التحقق من صحة أي فكرة، من هذا النوع من الشك عبر عنه القرآن بمصطلح ريب (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا) أو النزعة القطعية أي التسليم بصحة فكرة دون التحقق من كونها صادقة أم كاذبة وهو الأمر الذي ذمه القرآن (قالو:حسبنا الله وما وجدنا عليه إباؤنا أو لو كان إبائهم لا يعلمون شيئاً لا يهتدون)
    من خصائص التفكير العقلاني الاستناد إلي العقل كوسيلة للمعرفة وإذا كان الإسلام قد حث علي إعمال العقل (بما لا يتناقض الحواس والوحي كوسائل المعرفة) فإن نمط التفكير الأسطوري يستند علي الإلهام أو الوجدان والخيال ( الذي يلغى العقل) وهو ما رفضه الإسلام.
    من خصائص التفكير العقلاني المنطقية اى الاستناد إلي المنطق بما هو أنماط التفكير السليمة المستندة إلي قوانين التفكير وأهمها قانون عدم التناقض والذي أشار إليه القران( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا) بخلاف نمط التفكير الاسطورى اللامنطقى ( المتناقض).
    ومن خصائص التفكير العقلاني الموقف النقدي أما التفكير اللاعقلاني؛ فيقوم على القبول المطلق لفكره، وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الأخرى وهذا الخاصية نجدها في بعض أنماط تفكير الشخصية السودانية (وليس كل أو اغلب أنماط التفكير فيها كما في نمط التفكير الأسطوري).
    و من خصائص التفكير العقلاني الشك المنهجي أما التفكير اللاعقلاني؛ فيقوم على الشك المطلق؛ وهذا الشك المطلق لا يوجد لدى الشخصية السودانية(بصوره أساسيه) لأنه يناقض الدين بصورة قاطعة .فإن النـزعة القطعية تتجلى في بعض أنماط تفكير هذه الشخصية( وليس كل أو اغلب أنماط التفكير فيها كما فى نمط التفكير الأسطوري).
    ومن خصائص التفكير العقلاني الاستناد إلى العقل كوسيلة للمعرفة فإن نمط التفكير الأسطوري يستند على الإلهام أو الوجدان أو العاطفة أو الخيال (الذي يلغى العقل). وهو ما نجده أيضاً في بعض أنماط تفكير هذه الشخصية.
    ومن خصائص التفكير العقلاني المنطقية؛ أي الاستناد إلى المنطق بما هو أنماط التفكير السليمة المستندة إلي قوانين التفكير، وأهمها قانون عدم التناقض بخلاف نمط التفكير الأسطوري اللا منطقي ( المتناقض) وهنا نجد التناقض أو عدم الاتساق في بعض أنماط تفكير هذه الشخصية( وليس كل أو اغلب أنماط التفكير فيها أيضاً).
    ومن خصائص التفكير الاسطورى، أن يكون السلوك رد فعل عاطفي بدلا من أن يكون فعل عقلاني(اى قائم على اتفاق الغاية التي يهدف إليها هذا السلوك مع إمكانيات وميول الشخص المعين)( التقليد) .
    ومن خصائص التفكير الاسطورى إصدار إحكام قبليه على الأشياء والإحداث والناس اى قبل التحقق من صدق أو كذب هذه الأحكام( الأحكام الانطباعية).


    البعد العلمي
    رغم وجود مظاهر للتفكير العلمي في الحضارات القبلية والشعوبية السابقة على الإسلام إلا انه قد ساد فيه التفكير الخرافي.وعندما جاء الإسلام هدى الناس إلى أصول منهج البحث العلمي، وترك لهم وضع فروعه واستعماله. ولم يحتج المسلمون إلى كثير من الوقت لاحتلال المراتب الأولى في كثير من العلوم. كما ساد انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير والحركة. لذا ساهم دخول الإسلام في تحقيق التقدم العلمي سلبا بإلغاء كثير من أنماط التفكير الخرافي التي ترتد إلى الديانات الشعوبية والقبلية القديمة(كعروس النيل...) وإيجابا بالاهتمام بالعلم والعلماء والاتصال بالمراكز العلمية الخارجية ، وبتخلف المجتمع السوداني حضاريا تخلف علميا أيضا لأن العلم أحد أنماط النشاط الحضاري. وهنا لم ترتد الشخصية السودانية إلي نمط التفكير الخرافي، بل أصبحت يتبنى بعض أنماط التفكير العلمي في بعض شؤونه، بينما ينتهج بعض أنماط التفكير الخرافي في البعض الآخر( يمكن أن نطلق عليه اسم نمط التفكير شبه الخرافي أو شبه العلمي).
    وهنا يمكن الحديث عن خصائص التفكير العلمي والخرافي وموقف الإسلام منهما وعلاقتهما ببعض أنماط تفكير الشخصية السودانية.
    مفهوم العلم:مفهوم العلم له معنى خاص ومعنى عام ، أما المعنى الخاص فهو نمط معين من أنماط المعرفة يهدف إلى معرفة القوانين الموضوعية التي تضبط حركة تحول الطبيعة وتطور الإنسان .أما المعنى العام لمفهوم العلم فهو المعرفة بكل أنماطها.
    التفكير العلمي:
    الموضوع :هو نمط التفكير الذي يتناول الوجود على المستوى الكيفي: اى ضوابط الحركة في الوجود واتجاهاتها، وهو مستوى نسبي. كما يتناول منهجيا ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى جزئي عيني أي منظور إليها من جهة معينة هي البحث في قوانين تحول الطبيعة وتطور الإنسان والتي لابد أن تأتي حلول هذه المشاكل على مقتضاها لتكون صحيحة.
    المنهج : ويتصف هذا التناول بخصائص أو خطوات معينة هي خصائص أو خطوات المنهج العلمي:
    الملاحظة: أي مراقبة مفردات الظاهرة ورصدها خلال حركتها.
    الافتراض: أي محاولة افتراض قانون لتلك الحركة من أطوارها على قاعدة واحده في ظروف مماثلة.
    التحقق: إذ الممارسة هي اختبار مستمر لصحة القانون.
    الخرافة
    لغة: تزعم العرب أن رجلا من بنى عذره يسمى خرافه ،غاب عن أهله زمانا، ولما رجع اخبرهم انه عاش مع الجن ،ولكنهم كذبوه ،وصاروا يقولون لكل حديث لا يمكن تصديقه حديث خرافه ،وورد حديث( خرافه حق) ضعفه العديد من علماء الحديث، ومعناه إن صح أن اعتقاد خرافه بوجود الجن حق لان الإسلام يقر بوجود الجن لا أن روايته عن اتصاله بالجن صحيحة
    اصطلاحا:تعددت معاني الخرافة بتعدد أنواعها ،وتعدد المناهج المستخدمة في تفسيرها.وطبقا للمنهج المستخدم في الدراسة نعرف الخرافة(بالمعنى العلمي) بأنها فكره تحاول تفسير ظاهره جزئيه "نوعيه"( اى نوع معين من أنواع الوجود)،عينيه(موجودة في مكان وزمان معينين ) دون أن تكون قابله للتحقق من صدقها أو كذبها بالتجربة والاختبار العلمي التجريبي.
    أما الخرافة بالمعنى الادبى فهي قصة أبطالها شخصيات غير عاقلة من الحيوان والجماد، ولكنها تفكر وتتكلم وتتصف بالعقل والمنطق، ولها عواطف ومشاعر كالبشر وتقوم بدور إنساني واقعي، ولها أغراض وأهداف مختلفة وقد تصاغ شعرا أو نثرا.
    والخرافة بالمعنى الادبى لا تناقض العلم لأنها تنتمي إلى مجال مختلف هو الأدب.
    التفكير الخرافي:التفكير الخرافي هو نمط من أنماط التفكير المناقض للتفكير العلمي لأنه يشترك معه في الموضوع(تفسير الظاهرة أو الظواهر الجزئية العينية) ولكنه يختلف عنه في المنهج. فالتفكير العلمي يقوم على الإقرار بان هناك قوانين حتمية تضبط حركه الأشياء والظواهر ومضمون الحتمية تحقق السبب بتوافر المسبب وانتفائه بانتفاء المسبب،بينما التفكير الخرافي يقوم على إنكار هذه القوانين الموضوعية التي تضبط حركتها أو إنكار حتميتها ، اى يقوم على امكانيه انقطاع اطراد هذه السنن الإلهية.
    والتفكير العلمي يقوم على عدم قبول اى فكره تفسر هذه الظواهر قبل التحقق من صدقها أو كذبها بالتجربة والاختبار العلميين أما التفكير الخرافي فيقوم على امكانيه
    قبول اى فكره تفسر هذه الظواهر دون توافر امكانيه التحقق من صدق هذا التفسير بالتجربة والاختبار العلميين.
    موقف الإسلام من نمطي التفكير العلمي و الخرافي:
    اقر الإسلام التفكير العلمي ورفض التفكير الخرافي حين قرر القران أن حركه الكون خاضعة لسنن إلهيه لا تتبدل( فلن تجد لسنه الله تبديلا ولن تجد لسنه الله تحويلا)( فاطر:43).
    ومن خصائص التفكير العلمي التخطيط وله شرطين: عدم توقع تحقق غاية معينه دون تدخل ايجابي من الإنسان. وضرورة سبق الأحداث قبل أن تقع والتحكم في وقوعها طبقا لخطط معينه . أما التفكير الخرافي فيناقض التخطيط وذلك لإلغائه شرطه الأول بالسلبية والتواكل وإلغائه شرطه الثاني بالتجريبية والمغامرة، والإسلام لا يعارض التخطيط لأنه يحث على التزام شرطه الأول بتقريره أن شيئا من الواقع لن يتغير ما لم يتدخل الإنسان لتغييره(أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) كما حث على التزام شرطه الثاني بنهيه عن التواكل.
    وقد ورد النهى عن كثير من أنماط التفكير الخرافي التي كانت سائدة في المجتمع العربي الجاهلي :
    كالكهانة ( من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد بريء مما انزله الله على محمد)( رواه الطبراني)
    والتنجيم (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبه من السحر)( رواه أبو داود وابن ماجه)
    والعرافة (من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاه أربعين يوما)
    والتطير(العيافه والطيرة والطرق من الجبت)
    والسحر(...ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر...).
    وبالرجوع إلي الشخصية السودانية نجد الجمع بين النمطين من أنماط التفكير ماثلا في الإقرار بعدم إمكانية نجاح أي فعل دون معرفه والتزام هذه القوانين لأغلب الناس في الأحوال العادية، مع الاعتقاد بإمكانية نجاح فعل بعض الناس (الصالحين مثلاً) في حالات معينه (الجذب مثلاً)، دون معرفه والتزام هذه القوانين.
    كما نجد عدد من خصائص التفكير الخرافي ومظاهره السلوكية كالاعتقاد بامكانيه العلم الغيب ( رمي الودع وقراءه الكف وضرب الرمل وقراءه الأبراج ) وشيوع هذا الاعتقاد حتى بين المتعلمين، ورغم تحريم الإسلام القاطع له. وعدم احترام قيمه الزمن. وانتفاء الموضوعية" ومن إشكالها خداع الذات(الإنكار“الذاتي”للحقيقة “الموضوعية”)،التبرير بدلا عن التفسير، (الدفاع “ذاتي” عن الواقع بدلا عن المحاولة “الموضوعية” لمعرفه الواقع تمهيدا لتغييره).
    ومن خصائص التفكير اللاعلمى شيوع التفكير الاحصائى( الاستاتيكى)(كبديل للبحث العلمي لا كخطوه من خطواته) والمتمثل في التعميم غير العلمي الذي يعبر عنه القول (لكل قاعدة شواذ) و(الاستثناء يثبت القاعدة).فالتفكير الإحصائي مرحلة أولى من البحث العلمي. ذلك أن البحث العلمي يبدأ بملاحظة الوقائع المفردة, وهو يتضمن جميع الإحصائيات غير انه لا يقف عند هذا الحد بل يكتشف العنصر المشترك في الوقائع المفردة ليصوغ منه قانونا يطبقه علي ما لم يرد في ملاحظاته الأولي فان صدق ثبت وان لم يصدق كان معني هذا إننا في حاجه إلي مزيد من الملاحظة و الاختبار وهكذا إلي إن نصل إلي تحديد القانون الذي يفسر لنا حركه الظاهرة أولا وأخيرا وما لم يقع في مجال- الملاحظة والقانون لا يعتبر قانون إلا بهذا, أما قبلة فهو قاعدة إحصائية إذا توقف عند الملاحظة أو فرض إذا لم يصل إلي حد التجربة. و التجربة والتطبيق ينهيان الإحصاء والفرض ويضعان في يدنا قانونا حتميا فليس من اللازم مثلا أن نغلي مياه الأرض جميعا لنعرف الماء يغلي في درجة (100)ْ في الضغط الجوي العادي).
    ومن أنماط التفكير والسلوك اللاعلمى محاوله القفز (مما هو كائن) إلي (ما ينبغي أن يكون)، اى دون تدرج (مما هو كائن) إلي (ما هو ممكن) ،و(مما هو ممكن) إلي (ما ينبغي أن يكون). هذه المحاولة تؤدى( في التحليل النهائي) إلي الإبقاء على ما هو كائن، أما ما ينبغي أن يكون فيصبح مجرد حلم أو أمنيه مقطوعة الصلة بالواقع.وقد تؤدى إلي ألقطيعه بين الكلام والفعل، اى إيجاد عالمين منفصلين: عالم مثالي يجسد ما ينبغي أن يكون يظهر في الكلام. وعالم وقعي يجسد ما هو كائن ويظهر في السلوك الفعلي.









    البعد السياسي
    البعد السياسي لمشكله التخلف الحضاري يتمثل في التخلف الديمقراطي :انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، أضافه إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية ،وكان حصيلة هذا فشل تطبيق الديمقراطية ، ومن أثار هذا الفشل جاءت ظاهره الانقلابات العسكرية التي تكاد تكون المرحلة التالية لمرحله التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله. كل هذا أدى إلى شيوع العديد من المظاهر السلوكية والفكرية كالسلبية السياسية ومظاهرها العزلة عن السلطة والشك فيها والسلبية إزاء ما تدعو إليه.
    وفى ظل الاستبداد نجد ظاهره الإشاعات التي هي محاوله لتبادل العلم بالواقع ومشكلاته في ظل نظام يحاول الحيلولة دون هذه المعرفة ويساعد على دعمها شيوع أنماط التفكير الخرافي القائم على قبول الأفكار دون التحقق من صدقها أو كذبها بادله تجريبية . كما نجد ظاهره النفاق الذي يعوق تطور المجتمع بما هو تزييف الواقع الاجتماعي ومشكلاته بالكذب في الإخبار عن المعرفة بهذه المشاكل ، وتزوير الحلول الممكنة لهذه المشاكل بالكذب في الإخبار عن الآراء التي تتضمن حلول هذه المشاكل، وإرباك العمل الاجتماعي بالكذب في الإخبار عن المقدرة على العمل.
    وحل مشكله التخلف الديمقراطي هو الممارسة الديمقراطية على أوسع نطاق. وان تكون وسائل ممارسه الديمقراطية إحدى الخدمات التي تقدمها الدولة( تشجيع العمل الاجتماعي ودعمه وتسهيل ممارسته ...) .







    البعد الاقتصادي
    يعانى المجتمع السوداني من التخلف الاقتصادي المتمثل في عجزه عن الاستغلال الأمثل لموارده المادية والبشرية المتاحة له لإشباع حاجاته المادية والمعنوية المتجددة.حيث كان الاقتصاد السوداني عبارة عن اقتصاد قبلي جماعي بسيط مكتفى بذاته غير مستند إلي العلم أو التقنية....
    وساهم في استمرار هذا التخلف الاقتصادي تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى في مرحله الاستعمار وفى فتره تليه تمت محاوله لتطبيق نظام اشتراكي ورغم تحقيقه لبعض الإنجازات( توسيع قاعدة الضمان الاجتماعي كالتعليم والصحة وبعض مشاريع التنمية )إلا انه فشل لأنه استند إلي فلسفات وأفكار بعيده عن القيم الحضارية للمجتمع ،ولبعده عن الديمقراطية واستناده إلي البيروقراطية وانحيازه إلي الجماعية( لا الاجتماعية) تأثرا بالماركسية وما تفرزه من تواكلية... و بعد المتغيرات الدولية الاخيره تمت محاولات للعودة إلي تطبيق النظام الاقتصادي الراسمالى تحت شعار العولمة وأداتها الخصخصة رغم أن هذا النظام الاقتصادي القائم على المناقشة الحرة بهدف الربح والذي يستهدف مصلحه الفرد ولو تناقضت مع مصلحه المجتمع يتناقض مع الإسلام الذي يستهدف مصلحه المجتمع ككل.
    إن علاقات الإنتاج في ظل هذا النظام الاقتصادي تصبح مصدر للانانيه والفردية التي تتحول من خلال أطرادها إلى قيمه اجتماعيه تفسد عن طريق عن العدوى بالتفاعل باقي القيم الانسانيه في الاسره(المشاكل الاسريه، التفكك الأسرى، ارتفاع نسبه الطلاق,...) في العلم( تحول العلم إلى تجاره) في الفكر( اتخاذ المفكرين لموقف الدفاع عن الواقع ، بدلا من اتخاذ موقف الدعوة إلي تغييره بتقديم حلول للمشاكل التي يطرحها..) في الأخلاق( التدهور الاخلاقى في كافه مجالات الحياة)... الخ نرى الأثر المخرب للقيم الراسماليه: الفردية التي تتقدم على أشلاء الآخرين ،فالنظام الراسمالى هو تنظيم للتمرد على القيم الحضارية المشتركة وأولاها قيمه المشاركة الحضارية.
    الاستغلال: النظام الراسمالى بحكم طبيعته نظام استغلالي ولا يمكن لاى إنسان في ظل الراسماليه إلا إن يكون طرفا في علاقة استغلالية مستغلا أو ضحية استغلال بشكل مباشر أو غير مباشر ،إزاء هذا لا تجدي النصائح والوعظ المثالي وحسن النية، بل أن حسنى النية هم ضحايا جاهزة للاستغلال، ولا يمكن إلغاء الاستغلال وباقي القيم السلبية إلا بالعمل على إلغاء النظام الاقتصادي الذي يكرس للثالوث المخرب(الفقر والجهل و البطالة)و يفرز هذه القيم السلبية واستبداله بنظام يتميز بأنه يهدف إلى تحقيق مصلحه المجتمع ككل.
























    البعد التربوي
    التربية هي عمليه رعاية وتنميه ومتابعه لتكوين ونمو الشخصية بكل مكوناتها الفسيولوجية والعقلية والاجتماعية حتى اكتمال تكوينها،والمقصود باكتمال تكوينها اكتمال الهيكل الاساسى لبناء شخصيه الإنسان ، إذ أن كل ما يكتسبه بعد ذلك ويتميز به هو بناء حول هذا الهيكل لا يقوم ،معتدلا ومستقرا ،إلا بقدر اتفاقه، نوعا وكما ،مع هيكل الاساسى للشخصية(1)فالتربية تتضمن عمليه اكتساب مجموعه الضوابط الذاتية، اى الداخلة في تكوين الشخصية ذاتها، التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه وسلوكه واتجاهه في مواجهه الغير ، والتي مصدرها المجتمع ( الاسره :الأم أولا ثم الأب معها ثم الاخوه )،الأقارب، المدرسة ،الرفاق ...
    فالتربية العلمية قائمة على التخطيط لطرق وأساليب التربية طبقا لمعرفتنا بقوانين نمو الشخصية، وحركه الإنسان، بينما التربية السودانية التقليدية تقوم على أساس أسلوب التجربة والخطأ اى محاوله تحقيق الأهداف التربوية بدون معرفه سابقه بقوانين حركه الإنسان وطرق استخدامها فان لم تنجح المحاولة(الخطأ)نحاول بطريقه أخرى(نجرب) في ذات الطفل أو طفل أخر.
    وللتربية (بما هي اكتساب لمجموعه من الضوابط) بعد موضوعي يتمثل في أن مصدر هذه الضوابط هو المجتمع، وبعد ذاتي يتمثل في كون هذه الضوابط ذاتية اى داخله في تكوين الشخصية ذاتها ". والتربية السودانية التقليدية تقوم على التركيز على البعد الموضوعي" الإلزام" ،والتقليل من قيمه العنصر الذاتي" الالتزام"مما يؤدى إلى ضمور هذا البعد الذاتي الايجابي للشخصية( المتمثل في الاستقلالية في الرؤى والسلوك، الصراحة والوضوح في التعبير عن الآراء...).
    وكما هو ثابت علميا فان للمرأة دور اساسى في العملية التربوية، وبالتالي فان وعى
    المرأة" و الوعي اشمل من التعليم " هو شرط اساسى للتربية السليمة, وهذا الشرط غير متوفر في التربية السودانية التقليدية.

    (1) عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام، ص346
    البعد التعليمي
    هناك بعض الآراء التي تجعل مفهوم التعليم يتطابق مع مفهوم التربية، لكننا نرى أن التربية أكثر شمولا من التعليم، إذ أن التربية هي عمليه اكتساب القيم والمعارف، أما التعليم فهو عمليه اكتساب المعارف، وبالتالي فان التربية بالنسبة للتعليم بمثابة الكل للجزء تحده فتكمله وتغنيه ولكن لا تلغيه.ويدعم هذا الراى الأصل اللغوي للمفهومين في اللغة العربية، فالتربية اشتقاق من ربا يربو ربوا إذا نما وزاد أما التعليم فصيغه تفعيل من العلم .
    وللتعليم دور اساسى في التأكيد على القيم الحضارية للشخصية وتطويرها.و تأكيد التفكير العلمي القائم على الموضوعية والسببية،والتفكير العقلاني القائم على العقلانية والمنطقية والروح النقدية والشك المنهجي،والفهم الصحيح للدين، وذلك من خلال الأهداف التعليمية.
    وقد ساد في السودان نمط من التعليم التقليدي ممثلا فى الخلاوى ، وكلمة خلاوي جمع وأحدها خلوة من الفعل خلا جاء في لسان العرب ".. وخلا الرجل وأخلى وقع في موضع خالٍ لا يزاحم فيه" وقال صاحب القاموس المحيط: "خلا المكان خلوًا وخلا وأخلى وإستخلى فرغ.." ولقد اتخذت الكلمة انطلاقا من معناها اللغوي وتأثرًا بأرباب الطرق الصوفية المنتشرة في أنحاء السودان معنًا محددًا وأصبح يقصد بها اتخاذ الفكي "لنفسه خلوة يستطيع أن يمارس فيها عبادته وتعادل الخلوة – المسيد – مسجد وتقابل مكتب أو كتاب في أكثر البلاد الإسلامية"(1)، وكانت
    ( الخلوة ) في السودان تقوم مقام ( الزاوية ) في مصر أو المغرب ويعلل البعض أحجام السودانيين علي إطلاق لفظ الزاوية علي مكان التعبد والتعليم إلي أنه لما ظهر السودان الإسلامي في أوائل القرن السادس عشر كانت الزوايا قد ساءت سمعتها وأصبح أهلها ممن يشترون الدنيا بالدين ، فأبى السوداني أن يطلق هذا
    اللفظ علي مكان تعبده وانقطاعه لله ولتعليم العباد وأثر استعمال كلمة خلوة لما تدل

    (1) راجع د. عون الشريف قاسم، قاموس اللهجة العامية، ص 742.
    عليه من العزلة والانصراف عن شئون الدنيا ولذاتها(1).
    وتعتبر (خلوة) القران الكريم المكان المعد لتعليم الأطفال مبادئ الكتابة والقراءة. وتحفيظ القران، وكانت (الخلاوي ) حتى القرن التاسع عشر الميلادي وما قبله تقوم بتعليم الكبار والصغار مبادئ، القراءة والكتابة كالدور الذي تقوم به المدرسة الإبتدائية اليوم. والخلوة يؤسسها صاحبها على حساب الخاص وأحياناً يتعاون على إنشائها أهل القرية ثم يحفزون الشيخ الذي يتولى مهمة التعليم بها .ويلتحق الأطفال بالخلوة في سن مبكرة، ولم يعرف السودان التعليم المدني إلا بعد الغزو التركي المصري للسودان في العقد الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
    وأطلقت كلمة (الفكي ) علي معلم الكتاب أو الخلوة:واصل الكلمة الفقيه اى العالم الذي قام علي دراسة الدين والشريعة الإسلامية دراسة علمية في معاهد العلم . ويطلق أيضا علي الشخص المثقف أو الحجة في مادته الرجل إذا كان شديد الورع والتقوى أو علي الشخص الذي يعالج المرضي .
    ثم جاء الاستعمار وعمل على إلغاء التعليم التقليدى وإدخال التعليم الحديث واعتمد سياسة الكيف والنوع على حساب الكم باحتضان القوى الاستعمارية للعناصر المتفوقة من المتعلمين وأتاحه فرصه إكمال ثقافتهم سواء في الجامعات التي أنشاها (كليه غردون التذكارية كمثال) أو في معاهدها وجامعاتها عن طريق البعثات بهدف تغريب هذه العناصر وعزلها عن مجتمعها.
    وبعد الاستقلال حاولت الدولة عبر النظم المختلفة وبدرجات متفاوتة اعاده دور التعليم في بناء الشخصية الوطنية لكن كانت هناك جمله من المشاكل التي تحول دون أن يؤدى التعليم هذا الدور.ففي محاوله لحل مشكله الكم تم التوسع في قبول الطلاب لكن على حساب الكيف والنوع .وقد تم وضع البرامج التعليمية أساسا في الفترة الاستعمارية ،وبعد الاستقلال حدثت محاولات للتغيير، لكن هذه المحاولات كانت

    (1)عبد العزيز عبد المجيد : التربية السودانية . القاهرة 1947 جـ1 ص 98 – 100 .

    جزئيه وأدت إلى حدوث اختلالات منهجيه.كما يسود في التعليم السوداني استخدام الوسيلة التعليمية التقليدية(اللوحة التعليمية)دون الاستعانة بالوسائل غير التقليدية.
    كما يعتمد التدريس على الطريقة التقليدية اى الإلقاء دون استخدام الطرق غير التقليدية .كما اتجه التعليم إلى سياسة الخصخصة وإلغاء الدعم الحكومي مما أدى إلى الإلغاء الفعلي لحق التعليم ونقض مبدأ المساواة وتكريس الطبقية التعليمية .

























    البعد التدينى
    إذا كان الإسلام هو الهيكل الحضاري للشخصية السودانية؛ فإن واقع التخلف الحضاري يفرز عدداً من المشاكل المتعلقة بالمعرفة بالإسلام ذاته، منها مشكله الجهل بدلالات ألفاظ القران والحديث، وعدم فهم كتب التراث الإسلامي؛ نسبه لأسلوب تدوينها المختلف عما تعارف عليه الناس في عصرهم.ومنها شيوع نمط التفكير البدعى مما يؤدى إلى شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام؛ والتي تكتسب قدسية نسبتها إلى الدين. ومن أسباب استمرار هذا الجهل بالدين، وبالتالي استمرار الفهم الخاطئ له. والذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري - أن التيار التغريبي يرى أن التقدم لا يمكن أن يتم إلا بإلغاء الدين أو تهميشه. وهو بهذا يكرس للجهل بالدين وسط المثقفين الذين من المفترض أن يكونوا طليعة المجتمع في تثقيفه، وتوعيته بالإسلام وقيمه الحضارية الإنسانية، ومحاربه الفهم الخاطئ للدين الذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري، وتقديم فهم صحيح له. وهنا نتناول التفكير الديني والتفكير البدعى وعلاقته بأنماط تفكير الشخصية السودانية .
    التفكير الديني:
    الموضوع:فالدين يتناول -من خلال الوحي- الوجود (بشكليه الطبيعي والاجتماعي)على المستوى الماهوى، اى المستوى المطلق(لا يخضع للتغير في المكان أو التطور خلال الزمان) والغيبي(غائب عن حواس وعقل الإنسان).
    فهو يتناول الوجود الطبيعي على المستوى الماهوى، اى كيف بدا الوجود وكيف سينتهي وماهية القوه التي أوجدته. كما يتناول الوجود الاجتماعي على ذات المستوى، اى القواعد والقيم التي تحقق مصلحه الإنسان في كل زمان ومكان.
    وغاية الدين من هذا وضع ضوابط موضوعيه مطلقه للعقل في تفسيره لمستويات الوجود الأخرى التي تتوافر له امكانيه تفسيرها.وبالتالي فان التفكير الديني هو نمط التفكير الذي يحدد الوحي ولا يلغى محاولته تفسير الوجود، أو وضع القواعد والقيم التي تحقق مصلحه الإنسان في مكان وزمان معينين.
    المنهج :كما أن التفكير الديني يتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع معين زماناً ومكاناً ولكن منظور إليه من جهة علاقتها من حيث هي جزء من الواقع المحدود زماناً ومكاناً بالمطلق الغيبي (ووسيلة معرفته الوحي)،اى هو نمط التفكير الذي يحدد فيه الوحي ولا يلغى نوع المشاكل التي يواجهها الإنسان وطريقة العلم بها ،ونمط الفكر الذي يسوغ حلولها ،وأسلوب العمل اللازم لتنفيذها.
    البدعة:
    اللغة :هي إحداث أو إنشاء شيء أو صفه بدون احتذاء أو إقتداء بأصل أو مثال سابق. ( قُلْ ما كُنتُ بِدْعاً مِنَ الرُسُلِ ومَآ أدرِي مَا يُفعَل بِي وَلا بِكُم... ) "الاحقاف 46 : 9". ( بَديِعُ السَمَوَاتِ و الأرض وإذَا قَضَى أمراً فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) "البقرة 2 : 117 .".
    يقول الفراهيدي : (البَدع : إحداثُ شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة) (العين ، للفراهيدي 2 : 54 .).
    ويقول الراغب : (الإبداع : هو إنشاء صفةٍ بلا احتذاء وإقتداء) ، والإبداع أصلٌ ثانٍ للبدعة ، وهو مأخوذ من «أبدع» .( معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، للراغب الاصفهاني : 36)
    اصطلاحا: هي الاضافه إلى الدين، والمقصود بالدين أصوله لا فروعه، فان الاخيره هي اجتهاد، دون الاستناد إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة، يقول تعالى (... ورَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابتغاء رِضوَانِ اللهِ ....) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم –في الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته...." الحديث وفيه يقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة". رواه مسلم ومعناه عند البخاري من حديث ابن مسعود.وقال:"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة". رواه أحمد واللفظ له، وابن ماجة والترمذي.. وقال «لا يذهب من السُنّة شيء حتى يظهر من البدعة مثله ، حتى تذهب السُنّة وتظهر البدعة ...» (كنز العمال ، لعلاء الدين الهندي 1 : 222 |
    يقول ابن رجب الحنبلي: (ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدّل عليه ، أما ما كان له أصل من الشرع يدّل عليه فليس ببدعة شرعاً وإنْ كان بدعة لغةً)(1)
    ويقول ابن حجر العسقلاني: (أصلها ما أُحدِثَ على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السُنّة فتكون مذمومة...) (2)
    ويقول ألشاطبي : (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يُقصد بالسلوك عليها ما يُقصد بالطريقة الشرعية ـ وقال في مكان آخر ـ يُقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى)(3) فنمط التفكير البدعى وان كان يتفق مع الدين في الموضوع، فيتناول ما هو غيبي مطلق، فانه يختلف عنه وبالتالي عن نمط التفكير الديني(الاجتهاد) في المنهج ووسيلة المعرفة،فهو يستند إلى الحواس والعقل دون أن يكون محدودا بالوحي كما في الأخير، وبالتالي فان نمط التفكيرالبدعى يتضمن نمطي
    التفكير شبه الخرافي( لأنه يخلط بين الغيب و الحواس وموضوعها(الجزئي العيني)) والتفكير شبه الاسطورى( لأنه يخلط بين الغيب والعقل وموضوعه (الكلى المجرد) ).لكن هذا التفكير لا يتضمن نمطي تفكير خرافي أو التفكير الاسطورى في شكلهما الكامل لتناقضهما مع الدين كما سبق بيانه .
    كما إن نمط التفكير الديني(الاجتهاد) يتضمن نمطي التفكير العلمي والعقلاني لأنه نمط التفكير الذي يحدد الوحي فيكمل ويغنى ولكن لا يلغى محاوله العقل تفسير الوجود العيني الجزئي استنادا إلى الحواس ، أو الوجود الكلى المجرد استنادا إلى العقل وقوانينه.


    (1)جامع العلوم والحكم ، لابن رجب الحنبلي : 160 طبع الهند.
    (2) فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني 5 : 156
    (3)الاعتصام ، للشاطبي 1 : 37.


    وبالرجوع إلى الشخصية السودانية نجد شيوع بعض أنماط التفكير والسلوك البدعى (المتضمن لبعض أنماط التفكير والسلوك شبه الخرافي وشبه الاسطورى ) عند هذه الشخصية ،مما اقتضى ظهور عدد من المصلحين والحركات الاصلاحيه عبر العصور ،والدعوة لمحاربه هذه الأنماط الفكرية والسلوكية السالبة.



























    التأثير الصوفي
    الطرق الصوفية السودانية: توجد في السودان أكثر من 40 طريقة صوفية رئيسيه أشهرها: (القادرية – الختمية –التيجانية – السمانية...) وهذه الطرق منتشرة في كل أرجاء السودان، وهي ممتدة إلى دول الجوار في نيجيريا وتشاد ومصر وغيرها.
    الانتشار الجغرافي:وتتميز هذه الطرق بأن لها انتشارها الجغرافي فلكل طريقة مركز ثقل في منطقة جغرافية بالسودان، فتتمركز الطريقة السمانية في وسط السودان، وهناك مراكز صغيرة للسمانية في غرب أم درمان ومدني، والطريقة التيجانية منتشرة في دارفور وبعض المدن الأخرى مثل: شندي والدامر وبارا والأبيض، إضافة إلى أم درمان والخرطوم.وتنتشر الطريقة الحتمية التي يتزعمها "محمد عثمان الميرغني" في شرق السودان وشماله والخرطوم بحري، وينتشر الأنصار الذين يتزعمهم "الصادق المهدي" في النيل الأبيض، والجزيرة وأم درمان، أما الطريقة القادرية فتوجد في وسط السودان ومنطقة ولاية النيل – الجزيرة، وتتفرع إلى فرع الشيخ "الجيلي" والكاشفية والبدراب والطيب الشيخ عبد الباقي، وهناك أيضا طرق حديثة صغيرة، مثل "البرهانية" و"التسعينية" و"الدندراوية"، "الأداراسة".
    نبذه تاريخية: وصلت الشاذلية إلي السودان علي يد الشريف أحمد أبو دنانه قبل سقوط مملكة علوة ، واستقر في بربر سنة 849 هـ 1445م وبقيت الخلافة في سلالته . أما الطريقة القادرية الجيلانية فقد وصلت بعد ذلك بقرن من الزمان حوالي سنة 1550 وقيل أيضاً أن أول خليفة لها في السودان هو إدريس أبن أرباب (1507 – 1561) وهو من المحس كما نالت الشاذلية أيضاً نفوذاً كبيراً أيام الفونج علي يد خوجلي ابن عبد الرحمن (المتوفى في 1743 ) وهو أيضاً من المحس وكان قادريا ثم أنضم للشاذلية لما زار مكة .
    وبدأت الطريقة المجذوبية ( وقد تفرعت عن الشاذلية ) تنتشر في شمال السودان في بداية القرن الثامن عشر علي يد حمد بن محمد المجذوب الجد الأكبر للمجاذيب (1693-1776) وأصبحت لأسرته مكانة فيه في الدامر. وقد أورد لنا محمد ضيف الله في طبقاته تراجم وسير لمائتين من شيوخ هذه الطرق وما تردد عن معجزاتهم .وفى عام 1800 دخلت السودان الطريقة السمانية علي أيدي أحد أفراد قبيلة الجموعية وهو أحد الطيب البشير ولم يلبث أن تبعه خلق كثيرون من بين أفراد الجموعية والكواهلة والحلاويين في الجزيرة. وكان شيخ هذه الطريقة وقت ظهور محمد أحمد هو الشريف محمد نور الدائم الذي كان شيخاً للمهدي ثم أنفصل عنه محمد أحمد واتخذ لنفسه طريقته الخاصة . ولعل أحدا لم يحرز نفوذاً في السودان كما أحرزه السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1760 – 1837 ) ، وهو أحد كبار المصلحين الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعمل أتباعه علي نشر طريقته بين المسلمين والوثنيين علي السواء ، ورغم أنه أسس الطريقة الإدريسية التي لا تزال تمارس نشاطها في السودان ومركزها في دنقله ، وهناك فروع لها في عسير تنتمي إلي هذه الطريقة ، إلا أن تأثير أحمد بن إدريس الأكبر جاء عن طريق تلاميذه وهم :محمد المجذوب الصغير 1796 – 1832 .محمد عثمان الميرغني 1796 – 1832 ، مؤسس الطريقة الميرغنية أو الختمية في الشمال والشرق ، وهي واسعة الانتشار ، وهي قد سبقت الفتح المصري بقليل ، ومثل هذه الطرق كانت تعطف علي الحكم المصري ، لأنها بحكم تكوينها ووجودها ليست سودانية بالمعني الوطني الحرفي ، بل هي إسلامية لها أتباع وأسانيد وموارد خارج حدود السودان الضيقة ، فالميرغني ولد في الحجاز عام 1793م ، وحين زار السودان لأمور تتعلق بالطريقة في عام 1817 تزوج امرأة من دنقلة ، وكان أبنه الحسن نائبه في السودان وخلفه عام 1853 م عقب وفاته ، وقد ذهب محمد عثمان إلي أن طريقته قد أتت علي كل الطرق الأخرى وأتمتها ولذلك أعلن عليها ( خاتم الطرق ) ومنهما الختمية وهي أكبر منافس للمجذوبية .
    وقد كانت هناك طريقة ثانية سودانية صرفة وهي الإسماعيلية التي أسسها إسماعيل بن عبد الله 1793 – 1863 في الأبيض بإذن من الشيخ محمد عثمان الميرغني ، وكان خليفته محمد المكي من أكبر أنصار الخليفة عبد الله وقد انتشرت طريقته في بعض جهات كردفان (1)(2)(3).
    اثر الطرق الصوفية:وقد ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في السودان، وأصبح التصوف وقيمه السلوكية والمعرفية - أحد مكونات الشخصية السودانية.يقول د. التجانى مصطفى(...إلا أن النظرة المتانيه لهذه الطرق الصوفية تؤكد أنها أيضا عامل وحده وترابط وتماسك لأفراد المجتمع السوداني الكبير لأنها وعاء جامع وبمثابة بوتقة تنصهر فيها كل الأجناس بصرف النظر عن الانتماء العرقي والاثنى أو الغنى أو الجاه....)(4).وهنا نجد أن الكثير من القيم التي تميز الشخصية السودانية كالتسامح والزهد والتضامن مع الآخرين مرجعها التصوف. كما ساهم التصوف في حل مشكلة أنه رغم معرفه أغلب الناس باللغة العربية (لغة الدين)؛ فإن واقع جهلهم به كما بينا سابقا أدى إلى أن يصبحوا غير قادرين على استنباط قواعده ويمارسون حياتهم طبقاً لمذاهب فقهيه لم تحط بواقعهم القبلي والشعوبي، ولا تراثهم الحضاري بصوره تامَّة. فأكملوا ما لم يجدوا فيها بقواعد، وطرق، وتقاليد، وآداب سلوك تتفق بصوره عامة مع (روح) الإسلام؛ ولكنها أكثر تفصيلاً وأسهل إدراكاً يتبعها من (يريد) أن يتبعها( كطريقة) للتعامل مع غيره.كما اثر الأسلوب الجماعي في الحياة الموروث من النظم القبلية في تركيب هذه الطرق.
    وقد ساهم التصوف في إغناء الشخصية والشخصية السودانية بمذاهب وقيم ايجابية إبان فتره التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة؛ غير أن توقف هذه المجتمعات عن التقدم للعوامل السابقة الذكر أدى إلى تجمد هذه المذاهب والقيم على مضامين كسبتها في مراحل سابقة؛ فأصبحت قاصرة عن أن توفى بحلول لمشاكل الحياة في


    (1)طبقات ود . ضيف الله ، ص 142
    (2)نعوم شقير: تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته . القاهرة 1903، ج 3 ص 613 .
    (3)د. عمر سالم عمر بابكور، الدعوة في السودان وتأثرها بالدعوة السلفية: دراسة تاريخية وثائقية .
    (4) التجانى مصطفى ،عوامل تشكيل الشخصية القومية السودانية، ص98.
    فتره تالية، وهو ما ساهم في ظهور بعض أنماط التفكير البدعى المتضمن لبعض أنماط التفكير شبه الخرافي والأسطوري والتي دعي كثير من الصوفية أنفسهم إلى محاربتها ليعود للتصوف دوره الإيجابي في إغناء الشخصية السودانيـة بصوره خاصة والشخصية المسلمة بصوره عامه(1).
    إذا فان الموقف الصحيح من الطرق الصوفية والطوائف الدينية ودورها في المجتمع ليس القبول المطلق( كما يرى بعض الصوفية) وليس الرفض المطلق ( كما هو واضح في الدعوة إلي إلغائها بالعنف كما كان يرى قطاع من اليساريين ،أو الدعوة إلي عزلها وتهميشها كما يرى قطاع من الليبراليين ، أو الدعوة إلي تكفيرها كما يرى قطاع من الجماعات الاسلاميه) بل الموقف النقدي القائم على نشر الوعي الديني والعمل إلي تحويلها إلي مؤسسات تعمل لصالح المجتمع مع الالتزام بالضوابط الشرعية.












    (1) انظر د.عمر مسعود محمد التجانى، الحركات التصحيحيه في التصوف الاسلامي،(حركه السراج الطوسي نموذجا)، افكارجديده، هيئه الأعمال الفكرية، العدد14، مارس2006 ص152.
    التدين الشعبي السوداني وتفسيره لبعض المفاهيم الاسلاميه
    وأثره على أنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية
    سنتناول في هذا المبحث بعض المفاهيم الاسلاميه، والتفاسير المتعددة لها ، والتفاسير التي سادت في التدين الشعبي السوداني ، ثم نبين اثر هذه التفاسير على أنماط السلوك والتفكير في الشخصية السودانية:
    تعريف التدين الشعبي: هنا يجب التمييز بين الدين كوضع الهي والتدين ككسب بشرى،فالمقصود بالدين أصوله الثابتة التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي لا تحتمل التاويل أو الاجتهاد والتي لا يجوز مخالفتها ،أما التدين فهو معرفه والتزام بشرى بهذه الأصول بالاضافه إلى الفروع الظنية الورود والدلالة التي تحتمل التاويل ،أما التدين الشعبي فهو معرفه والتزام شعب معين بالدين يقول الدكتور عبد الباسط عبد المعطى التدين الشعبي بأنه (إدراك الناس وفهمهم واستيعابهم لقواعد الدين وأركانه وأوامره ونواهيه فى المعاملات بين البشر وفى العبادات.. بإيجاز شديد يعبر التدين الشعبي عن الوعى الشعبي بالدين)(1)
    مفهوم الكرامة:
    اثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة(اشاعره ،طحاويه،حنابلة،أهل الظاهر،الماتريديه) كرامات الأولياء، غير أن هناك مذهبين في إثباتها، و بالتالي تفسيرها:
    الإثبات المطلق: اى إثبات الكرامة دون تقييد مضمونها ،فما جاز معجزه لنبي جاز كرامه لولى ،وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله لشخص صالح(الولي) بانقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود،وهو ما عبر عنه أصحاب هذا التفسير بتعريف الكرامة بأنها " خرق للعادة" ،والمقصود بالعادة عند أصحاب هذا التفسير العادة المضطرة اى السنن الالهيه..وقال بهذا التفسير كثير من الصوفية والاشاعره.غير أن هذا التفسير لا يوضح الفرق بين الكرامة والمعجزة، لذا رفضه

    (1) د. عبد الباسط عبد المعطى ، التدين والإبداع.. الوعى الشعبي فى مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001.
    عدد من متأخري الاشاعرة و المتصوفة منهم السبكي القائل )معاذ الله أن يتحدى نبي بكرامه تكررت على ولي، بل لا بد أن يأتي النبي بما لا يوقعه الله على يد الولي ،و إن جاز وقوعه فليس كل جائز في قضايا العقول واقعا . و لما كانت مرتبة النبي أعلى و أرفع من مرتبة الولي كان الولي ممنوعا مما يأتي به النبي على الإعجاز و التحدي ، أدبا مع النبي ) (1).
    الثاني:الإثبات المقيد:اى إثبات الكرامة للأولياء،مع تقييد مضمونها بالتزام حتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود.يقول الاسفرائينى (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي) (2)وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزه لنبي لا يجوز كرامه لولى ، يقول الإمام النووي (قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين الذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادة في حق الأولياء ... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعة كرامه لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي ) (3)
    و الأيمان بالكرامة طبقا للتفسير الأخير يتفق مع المنهج الإسلامي الذي يقرر انضباط حركة الوجود بسنن إلهية لا تتبدل (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) كما يتفق مع التفكير العلمي.لكن ساد في التدين الشعبي السوداني الأخذ بالتفسير الأول،والذي يفتح الطريق لبعض أنماط التفكير والسلوك اللاعلمى كعدم اتخاذ معرفه والتزام حتمية القوانين الموضوعية(السنن الالهيه)كشرط اساسى لنجاح الإنسان في تحقيق ما يريد.

    (1)طبقات الشافعية 2/320.
    (2)الاسفرائينى، الموافقات، ص25.
    (3)الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30

    مفهوم الكشف:
    نظرية المعرفة الصوفية(الكشف)ترى أن الحواس والعقل هي وسائل معرفة ظنية بمعنى أنها معرضة للصواب والخطأ لهذا يجب أن نلجأ إلى الكشف كوسيلة للمعرفة المطلقة اليقين. ومضمونها أنه بالرياضة الروحية والجسديه يرق الحجاب بين الإنسان وخالقه حتى يزول أو يكاد يزول فيلتقي الإنسان للمعرفة تلقياً مباشراً من الله تعالى بدون واسطة من الحواس والعقل.
    وإذا كان من الممكن اعتبار الكشف كشكل من أشكال الرؤية الصادقة التي اعتبرها الإسلام من وسائل المعرفة بشرط أن نصع في الاعتبار أن المعرفة الكشفية معرفه
    ذاتية لابد لها من معيار موضوعي لها للأخذ بها كوسيلة للمعرفة ، هذا المعيار ذو بعدان :
    بعد تكويني :هو اتساقها مع الوحي في إدراكها لعالم الغيب المطلقة عن قيود الزمان والمكان.
    بعد تكليفي:هو اتساقها مع الحواس في إدراكها لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكان والسنن الالهيه التي تضبط حركته ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.
    فالقول بالكشف دون الأخذ بالمعيار السابق ذكره ساد فى بعض قطاعات التصوف مما يفسر كثير من أنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية كما يتضح في التقليل من قيمه المعرفة الحسيه والعقلية( العلمية والفلسفية) ،والاعتقاد بامكانيه التلقي المباشر من الله، مما يضفى القداسة على كثير من أراء وسلوكيات هذه الشخصية.
    الأفعال الالهيه:
    في مسالة الأفعال الالهيه قال الاشاعرة أن أفعال الله تعالى لا تعلل لأن ذلك يقيد إرادة الله، لذا أجازوا (بفرض عقلي لا شرعي) أن يعاقب الطائع ويثاب العاصي استناداً إلى تفسيرهم للآية (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). وقد وجه كثير من علماء المسلمين النقد لهذا التفسير باعتبار أن قولهم أن أفعال الله لا تعلل يوحي بانتفاء الحكمة عن فعل الله تعالى وهو نقض وقصور لا يجوز أن ينسب إليه ففعله تعالى مطلق وبالتالي كامل(1).وبالتالي ينبغي القول بأن الله تعالى أوجب على نفسه وبالتعبير القرآني كتب الله على نفسه ( لا القول إن الله يجب عليه فعل الأصلح كقول المعتزلة). ورغم هذا فان هذا التفسير ساد في التدين الشعبي السوداني نسبه سيادة المذهب الاشعرى فيه مما يفسر كثير من أنماط السلوك والتفكير السلبي مثل تبرير الظلم والاستبداد.
    مفهوم الإرجاء:
    الإرجاء في اللغة التأخير، اى أن الله تعالى يرجى (يؤخر) عقاب العصاة إلى يوم الحساب.
    غير انه يجب التمييز بين تفسيرين لمفهوم الارجاء: تفسير بعض السلف من الصحابة والتابعين الذين امتنعوا عن الخوض في الصراع السياسي الذي ظهر في عهدهم فقالوا إن مرتكب الكبيرة يرجى أمره لله تعالى ليحاسبه يوم القيامة فإن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.
    والتفسير البدعى الذي ظهر في فترة تالية وهو تفسير متطرف ينتهي إلى القول بأنه (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة) أي أن المؤمن يظل مؤمناً مهما ارتكب من المعاصي كما يظل الكافر كافراً مهما قام بأعمال صالحة و (إن الإيمان اعتقاد، وان من أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان أو لزم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل ومن أهل الجنة).والتفسير السلفي يقود الىالتسامح والتعايش السلمي بخلاف التفسير الثاني الذي يقود الىالفصل بين الإيمان والعمل الصالح والمعرفة والعمل والذي ساد فى التدين الشعبي السودانى مما يفسر كثير من أنماط تفكير الشخصية السودانية كإرجاء العمل الصالح(التوبة، الحج...إلى أخر العمر...

    (1)ابن حزم،الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984،ص123.
    مفهوم الجبر:
    رغم قول الأشعري(مؤسس المذهب الاشعرى) أن الفعل الإنساني هو محصلة لخلق الله تعالى وكسب الإنسان لكنه عرف الكسب بأنه مقارنة قدرة الإنسان للفعل الإلهي، هذا الغموض في تعريف مفهوم الكسب ساهم (بالاضافه إلى عوامل أخرى )على تسرب القول الجبر (أي نفي قدرة الإنسان على الفعل والاختيار استنادا إلى كون الله تعالى خالق أفعال الإنسان وأنه ذو قدرة مطلقة) إلى الفكر الاسلامي في فترة لاحقة
    وقول بالجبر يفسر كثير من أنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية السلبية كعدم التخطيط للمستقبل، السلبية، النزعة التبريرية، نفي المسئولية الاخلاقيه للإنسان عن أفعاله.
    مفهوم التشبيه:
    تصور الاشاعرة للذات الإلهية يقوم على التنزيه ورفض التشبيه، وقالوا بفهم الآيات التي يفيد ظاهرها التشابه بين الله تعالى والإنسان على معانيها المجازية المشهورة التي يعرفها العربي من غير تأويل، أما التشبيه وهو القول بالتشابه بين الله تعالي ومخلوقاته والتجسيم هو تصور الله تعالى على صورة جسم ، فقد ظهر قبل الإسلام فى بعض الأديان الشرقية القديمة، ثم تسرب إلى البلاد الإسلامية، كما أدى تمسك بعض الفرق الاسلاميه بفهم الآيات التي يفيد ظاهرها التشابه بين الله تعالى والمخلوقات على هذا الظاهر دون تأويل إلى الوقوع في التشبيه، وقد استنكر العديد من أئمة المذهب الحنبلي هذا التيار عندما شاع في القرنين الرابع والخامس منهم ابن الجوزي (رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح.... فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس... ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته ويقولون نحن أهل السنة وكلامهم صريح في التشبيه) .
    والقول بالتشبيه الذي ساد في التدين الشعبي السوداني يؤدى إلي تصور الله تعالى قوه لا تنفك تحطم قوانين الطبيعة( بدلا من اعتبار هذه القوانين تجلى للاراده الالهيه) وتلغى أراده الإنسان( بدل من اعتبار الاراده الالهيه كما تظهر من خلال السنن الالهيه شرط للاراده الانسانيه).
    الأثر الملاماتي :
    هي فرقة من فرق الصوفية بمدينة نيسابور يخرسان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. اختارت لنفسها اسم الملامة التي هي تأنيب النفس في مقابل اسم الصوفية لأنهم كانوا ثائرين على الكثير مما كان مقرراً عند الصوفية.
    واسم الملاماتية متصل بمفهوم اللوم الوارد في القرآن كقوله تعالى (ولا أقسم بالنفس اللوامة)يقول حمدون القصار (طريقنا ترك التزين للخلق بحال وترك طلب رضاهم في نوع من الأخلاق والأحوال وألا يأخذك في الله لومة لائم).
    والمراد باللوم الملاماتي لوم النفس القائم على أن لا يرى الملاماتي لنفسه حظاً على الإطلاق ولا يطمئن إلى عمل ظناً منه أن النفس شر محض. ومن ناحية أخرى المراد باللوم لوم النفس شر محض. ومن ناحية أخرى المراد باللوم لوم الناس إياهم لأن الملاماتية خوفاً من أن تنكشف أحوالهم تعمد وأن يظهروا للناس ما يجلب عليهم التأنيب. يقول أبو أبي حفص (أهل الملامة قوم قاموا مع الحق تعالى على حفظ أوقاتهم ومراعاة أسرارهم فلاموا أنفسهم على جميع ما أظهروا من أنواع القرب والعبادات وأظهروا للخلق قبائح ما هم فيهما وكتموا عنهم محاسنهم، فلاموا الناس على ظواهرهم ولاموا أنفسهم على ما يفعلونه من بواطنهم). وقد خلف الملاماتية الأولين فئة فسرت لوم النفس تفسيرا يؤدى إلى الإباحية حتى اقترن في أذهان الناس بمعنى العبث بأمور الدين والتراخي في أداء العبادات، والمباهاة بالمعاصي. بالاضافه إلي النزعة التشاؤمية التي تنظر إلى النفس الإنسانية باعتبارها شراً محضاً يجب التخلص منه وهى ذات مصدر زرادشتي هندي وجد طريقه إلى صوفية خرسان تحت تأثير البيئة الحضارية التي عاشوا فيها(1)
    وقد أثرت فرقه الملاماتيه على بعض قطاعات التصوف في السودان يقول د. محمد

    (1)أنظر محمد مصطفي حلمي : الحياة الروحية في الإسلام – القاهرة 1945 ، ص 177
    إبراهيم ابوسليم(والفكر الملاماتى قديم في السودان، فأنت تعلم أن الملامتيه صنف من الصوفية عرفوا في تاريخ الإسلام منذ عصور باكرة وقد اشتد في السودان بعد دخول الأميين في الحركة الصوفية وبالأخص بتأثير تاج الدين البهارى فيها) (1)و وبالتالي أثرت على بعض أنماط تفكير الشخصية السودانية كالفصل بين الإيمان والعمل الصالح، والنزعة التشاؤمية والتحقيريه للنفس.
    السحر
    اثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة وجود السحر، لثبوته بالقران ، وقالوا انه ينقسم إلى قسمين
    تخييلى: وهو قلب الأعيان بالنسبة للمعاين لا في ذاتها( اى تغيير الإدراك الحسي للأشياء) وأدلته:ورود السحر في القران بهذا المعنى:( سحروا أعين الناس واسترهبوهم..). [ الأعراف:116 )( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)[ طه: 66] وصف سحر الرسول (ص) فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رض أنها قالت "سحر رسول الله (ص) حتى كان ليخيل إليه انه ياتى النساء ولم يأتهن"(2)
    حقيقي: قلب الأعيان في ذاتها(اى تغيير الحقيقة الموضوعية للأشياء).
    وإذا كان لا خلاف في تفسير السحر التخييلى فان هناك مذهبين في تفسير السحر الحقيقي :
    الإثبات المطلق: اى القول بأن السحر الحقيقي هو قلب للأعيان في ذاتها (اى انه يغير الحقيقة الموضوعية للأشياء) على وجه الإطلاق ،ويعنى هذا ان القلب أو التغيير يمكن أن يتم حتى بانقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود وهو ما يناقض مع المنهج الاسلامي،فضلا عن عدم تمييزه بين السحر والمعجزة الإثبات المقيد:اى إثبات وجود السحر الحقيقي مع تقييده بعدم انقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، اى تفسيره بأنه قلب للأعيان التي تتيح السنن
    (1)د.محمد إبراهيم أبو سليم ، تحقيق كتاب في طريق أهل الله تأليف إسماعيل بن الشيخ مكي،الخرطوم، دار الحكمة،1998، ص40.
    (2)الإسلام وقضايا العصر،جميعه تبليغ الإسلام، القاهرة ، ص61.
    الالهيه التي تضبط حركه الوجود امكانيه قلبها اى تغيير حقيقتها الموضوعية، بعبارة أخرى فأن هذا التغيير يتم طبقا لقوانين نوعيه(هي بمثابة شرط لفاعليه القوانين الكلية) يعلمها الساحر ويجهلها غيره، اى انه يتم طبقا لأسباب يعلمها الساحر ويجهلها غيره.ونجد إشارات لهذا التفسير عند بعض العلماء يقول القرطبى عن التفسير بقوله ( السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه
    تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: (وجاءوا بِسِحْرٍ عظيم)(الأعراف: 116). مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصيًا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك) وقال الجوهري:السحر الآخذة ، وكلّ ما لَطُف مأخذه ودَقّ فهو سحر . وسحره أيضا بمعنى خدعه . وقال ابن مسعود: كنّا نُسَمّي السحر في الجاهلية العِضَة. والعضة عند العرب: شدّة البَهْت وتمويه الكذب
    و التفسير الاخبر للسحرالحقيقى لا يناقض التفكير العلمي ولا يقع في إطار التفكير الخرافي لأنه لا يقوم على انقطاع اطراد السنن الالهيه. بخلاف التفسير الأول الذي ساد في التدين الشعبي السوداني.وقد ساعد على ذلك شيوع السحر فى التراث الحضاري القبلي الافريقى السابق على دخول الإسلام.
    العين
    كما اثبت أهل السنة العين وعرفوها بأنها النظرة التي ينظرها الإنسان لنفسه أو لغيره؛ إما حسدًا ، وإما إعجابًا،تؤثر سلبا بالضرر . غير أن هناك مذهبين في تفسير طبيعتها:
    الإثبات المطلق: اى إثبات تأثير العين دون تقييده بعدم انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، فهي تتم دون أسباب، وقال بهذا الراى بعض العلماء ولكنه تعرض للنقض ،ينقل ابن القيم (يحدث ضرر العائن على المعين بقدرة الله من غير سبب ولا تأثير، وهذا مذهب منكري الأسباب غير المرئية والمحسوسة، وهذا مذهب مرجوح).
    الإثبات المقيد: اى إثبات العين مع تقيد تأثيرها بعدم انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، في تتم على مقتضى العلاقة الحتمية بين الأسباب والمسببات ،اى تتم بسبب ولكننا نجهل هذا السبب و مرجع ذلك القصور المرحلي للعلم الانسانى:في فتح الودود : والعين حق لا بمعنى أن لها تأثيرا ؛ بل بمعنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية يخلق الله تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة انتهى ) (1).
    وقال الخطابي (وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عن مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية أولا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه).
    فالتفسير الأول للعين (والذي ساد في التدين الشعبي السوداني) يناقض التفكير العلمي، بخلاف التفسير الثاني الذي يتفق مع المنهج العلمي لأنه لا يخرج عن إطار معرفتنا بالقانون الكلى التأثير المتبادل مع جهلنا بالقانون النوعي للتأثير المتبادل بين الذوات الواعية والذي يحدد لنا شرط فعالية القانون الكلى فيه، فنعرف منه كيف يحدث التأثير المتبادل بينها.


    (1) عون المعبود – 10 / 259
    . العادات والتقاليد السودانية
    إذا كانت الحضارة هي محصله تفاعل الإنسان مع كل من الطبيعة والمجتمع ،فان العادات والتقاليد هي جزء من الحضارة،فهي محصله تفاعل الإنسان مع المجتمع،فقد اهتدى الإنسان خلال معاناته المشكلات الخاصة بالاتصال الحتمي بين الناس في المجتمع ،إلى حلول تتصل بعلاقات الناس ،صاغها أنماطا من السلوك،واطرد تطبيقها حلولا لمشكلات متجددة، وانقلبت خلال اطردها إلى قواعد دارجة يلتزمها الناس في علاقاتهم بدون جهد يذكر.(1).
    واسمي العلماء المسلمين العادات والتقاليد بالعرف،والذي اعتبروه من المصادر التبعية للشريعة، اى مصدر للقواعد – الفروع التي تخضع للتطور خلال الزمان والتغير في المكان المحدودة بالقواعد الأصول التي لا تخضع للتغير و التطور. واستدل بعض الفقهاء بقوله تعالى " خذ العفو وآمر بالعرف "( الأعراف :199) واستدل معظم الفقهاء بما رواه بن مسعود "ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن" ( رواة الترمزى وأبو داود ) وأقام فقهاء المذهب الحنفي كبير وزن للعرف ما دام لا تصادم نصا(2).
    والعادات والتقاليد كجزء من الحضارة تلازم حركه المجتمع وأطوار تكوينه الاجتماعي، وهى مؤثره ومتاثره بجمله العوامل الذاتية والموضوعية التي تساهم في تطور أو تخلف هذا المجتمع.
    والبحث في مصدر العادات والتقاليد يجب أن يكون تاليا على البحث فى طبيعة المشاكل الاجتماعية التي يواجهها المجتمع المعين ،والتي جاءت هذه العادات والتقاليد كحلول لها.ويمكن تقسيمها إلى مصادر داخليه: اى الحلول التي أبدعها المجتمع ذاته ، وخارجية:اى الحلول التي أخذها المجتمع من المجتمعات


    (1)د.عصمت سيف الدولة، الأسس،ص131.
    (2) محمد الخضري، أصول الفقه،ص104
    الأخرى.
    بناءا على ما سبق فان العادات والتقاليد السودانية هي مجموع الحلول التي اهتدى إليها الإنسان السوداني خلال معاناته لمشكلات الاتصال بين الناس في المجتمع السوداني .
    وان هذه العادات والتقاليد هي محصله تفاعل الإسلام مع العادات والتقاليد القيليه والشعوبية المحلية السابقة على دخول الاسلام . فالإسلام لم يلغى هذه العادات والتقاليد ، بل حددها كما يحد الكل الجزء (بمحاوله الإلغاء لما يناقضه من معتقدات وعادات، والإبقاء على مالا يناقضه). فكان بمثابة إضافة أغنتها وأمدتها بإمكانيات جديدة للتطور.
    أما مصادر العادات والتقاليد السودانية فتنقسم إلى قسمان:
    أولا: مصادر خارجية: مرجعها أن المجتمع السوداني (كغيره من المجتمعات) متاثره بغيره مؤثر فيه:لذا نجد العديد من العادات والتقاليد السودانية ترجع إلى مجتمعات وحضارات أخرى، وكانت أكثر المجتمعات المجاورة تأثيرا في المجتمع السوداني عبر العصور هي المجتمع المصري ، وقد قرر هذه الحقيقة عددا من الباحثين السودانيين يقول د. مصطفى هدارة)ولست أحاول في هذه المقدمة إثبات العروبة الخالصة للسودان أو تأثره بجارته مصر وحدها، بينما يجاور الحبشة وكينيا ويوغندا والكنغو وأفريقيا الوسطي وتشاد وليبيا في الوقت ذاته. ولكن غاية ما أريد الوصول إليه أن الأعراق العربية قديمة في السودان. وان دور مصر الحضاري الذي يفوق حضارات الجيران الآخرين، كان بلا شك أقوى تأثيراً في الفكر السوداني واشد ارتباطاً به( (1).
    لذا نجد الكثير من العادات السودانية ترجع إلى المجتمع المصري أهمها الختان الفرعوني الذي أرجعه البعض إلي الحضارة الفرعونية.
    ثانيا: مصادر داخليه:وهى على قسمين:

    (1). مصطفى هدارة ، تيارات الشعر العربي المعاصر في السودان، 1972م.

    ا/ العادات والتقاليد التي أبدعها المجتمع السوداني ذاته .
    ب/ العادات والتقاليد التي مرجعها علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية
    فكما سبق بيانه فان الشخصية السودانية عربية بمعنى أن اللغة العربية هي اللغة في المشتركة بين الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، واللغة هي إحدى العناصر التي تؤثر في مضمون الحضارة، وتطوع العادات والتقاليد ،ورغم أن السودانيون ليسوا سلالة عرقية لعرب الجاهلية فانه من غير المنكور هجره بعض القبائل العربية و اختلاطها بالمجتمعات القبلية والشعوبية المحلية بدرجات متفاوتة. لذا نجد الكثير من العادات والتقاليد السودانية ذات جذور عربيه.
    منها (دخان الطلح) و(الحنة) و(دق الشلوفة) و(الهمبتة) والأخيرة تقابل (الصعلكة العربية) التي طهرت في المجتمع العربي القبلي(الجاهلي) ومن اشهر شعراءها عروة ابن الورد العبسى الذي يقول:
    لحى الله صعلوكا إذا جن ليله مصافي المشاش آلفاً كل مجزر
    يَعُدُ الغنى من دهره كل ليلةٍ اصابت قراها من صديق ميسر
    ينام عشاء ثم يصبح قاعدا يحث الحصا عن جنبه المتعفر
    ويقول:
    أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
    وهي نفس المعاني التصويرية لحالة مشاهير الهمباتة السودانيين مثل الطيب ود ضحوية وبعض مغامراته طه الضرير ومثل البامسيكة ولقول ودضحوية في مخاطبة طه الضرير:
    زمنك كله تأكل باردة ما ضُق حاره فحل ام قجة جاك زي السحاب التاره
    حس أب حقره والقرنيت صواقعا فاره اطرَ الليلة ياطه ام حمد والساره(1)
    (1)إبراهيم القرشي عثمان ،عادات سودانية أصولها عربية ، مطابع مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر
    كما أن الشخصية السودانية إسلامية الدين أو الحضارة أو كليهما، فالإسلام دين وحضارة للمسلمين وحضارة لغير المسلمين؛ بمعني أن الإسلام ليس دين أغلب السودانيين فقط، بل هو مصدر القيم الحضارية للشخصية السودانية أيضاً ولذلك نجد الكثير من العادات والتقاليد ذات جذور اسلاميه. وقد ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في السودان.وأصبح التصوف وقيمه السلوكية والمعرفية - أحد مكونات الشخصية السودانية ،لذا نجد أن كثير من العادات السودانية ترجع إلى التصوف منها:حلقات الذكر والرقص الصوفي والنوبة والطار وزيارة الاضرحه(1)
    غير أن الإسلام لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده
    كما يحد الكل الجزء (بالإلغاء لما يناقضه من معتقدات وعادات، والإبقاء على مالا يناقضه). فكان بمثابة إضافة أغنت تركبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور.لذا نجد أن كثير من العادات والتقاليد السودانية ترجع جذورها إلى التراث الحضاري القبلي الافريقى السابق على دخول الاسلام كالاعتقاد بأن بعض الأعشاب والأشجار (العروق) تؤئر فى الناس الذي مرجعه الاعتقاد القبلي الافريقى بان للطبيعة اثر فعال على السلوك وكذلك الرقص وآلات الصيد كالحراب وبعض الأدوات المنزلية و المباني مثل القطيه (2)ومنها الزار الذي هو في أصله طقس وثني للقبائل الأفريقية انتقل من الحبشة إلى السودان ثم إلى مصر في القرن التاسع عشر فباقي البلاد العربية، ويرى البعض أن لفظ زار محرف من جار ( إله وثني كوشى ) ثم غدا في الحبشة بعد دخول المسيحية عفريتا (أسياد شريرة). وبعد دخول الزار إلى النسق الثقافي العربي عن طريق الأحباش طرأ عليه تغير في سماته فهو في المعتقد الشعبي وسيلة للشفاء من أمراض نفسية وجسمية على حد

    (1)هدى مبارك مرغني،مدخل لدراسة الثقافة السودانية مركز محمد عمر بشير جامعه امدرمان الاهليه الخرطوم ط1 1999،ص83
    (2) هدى مبارك مرغني، المرجع السابق، ص 80.

    سواء (الاكتئاب, الصداع, ولادة أطفال مشوهين أو ميتين). وهو بذلك يختلف عن أصله بكونه لا يستنطق الالهه عن أمور الغيب(1)مكن التدليل على هذا بتحليل بعض عناصره:المطلب:. فلكل سيد مطلب يطلبه من المرضى محددة أدق تحديد منها أنواع من التمائم, والملابس, والرقصات ويقابل مفهوم القرابين والأضاحي في الديانات الافريقيه القبلية( بهذا المعنى يجوز لنا تصنيف الزار ممارسة
    شعائرية ضمن الطقوس التطهيرية، ذلك أن الزار يتميز بكونه نشاطاً يقوم على الرقص، والإثارة الانفعالية، وتقديم الأضاحي استرضاءً للأسياد وأملاً في عودتهم)(2)الأسياد: وتقابل مفهوم الأرواح ى هذه الديانات.
    كما نجد أن كثير من العادات والتقاليد السودانية ترجع جذورها إلى التراث الحضاري الشعوبي النوبي السابق على الاسلام كطقوس الأعراس والجنائز (3)و الشلوخ ووضع الوشم على الشفاه والجسد التي ترجع إلى الحضارة المروية (4)والراكوبه وتزيين المنازل وطلائها.




    (1) نورة الشيخ حامد عطي:المعتقدات الشعبية في العالم الإسلامي،كريس
    (2)آمال النور حامد،1997، الإعياء والانفعالات المصاحبة له في طقوس الزار وعلاقتهما بالترويح النفسي، رسالة ماجستير، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الفاتح، طرابلس
    (3)عبد الهادي تميم ، اللغة العربية في المجتمع ، ص 93
    (4)هدى كمبارك المرجع السابق ص77
    اللهجة السودانية
    تعريف اللغة: اللغة عبارة عن مجموعه أصوات(ألفاظ) كرموز لمعاني مشتركه، كحل لمشكله وحده المجتمع من ناحية، وتعدد الناس فيه من ناحية أخرى.
    اللغة العربية:واللغة العربية هي أحدث فروع اللغات السامية الأولى ذات الأصول الأصول اللغوية الواحدة ،والتي هي لغات كل الجماعات القبلية والشعوبية التي كانت تملئ المنطقة التي ستسمى لاحقا بالعربية قبل التكوين القومي ، ولقد كانت حداثة اللغة العربية اى كونها تمثل أخر مراحل التطور في اللغات السامية السبب فى انه لم يجد أصحاب اللغات ذات الأصول السامية صعوبة في أن يقبل اللغة العربية لغة له، بالاضافه إلى انه بالفتح الاسلامي أصبحت اللغة العربية هي لغة الحياة . ومع هذا فان اللغة المشتركة لا تعنى اختفاء اللغات الموروثة من عهود ما قبل التكوين القومي(1)
    اللغة المشتركة:أن اللغة المشتركة للجماعات القبلية والشعوبية السودانية هي اللغة العربية، فهي لغتها القومية ، وأنه بدخول الإسلام أصبحت هي لغة الحياة لكثير من هذه الجماعات القبلية.
    اللغات الخاصة:ولا يمكن نفى ذلك بالاحتجاج باللهجات واللغات المتبقية من الأطوار القبلية والشعوبية؛ لأن استعمال اللهجات ، أو حتى اللغات القديمة - لا يلغي الاشتراك في استعمال اللغة القومية في كل الأمم.
    وعلى سبيل المثال نجد أن كثير من قبائل شرق السودان تتحدث بلهجات ساميه قديمة،كما النوبيين يتحدثون بلغه تبدو أو بدويت =وهي لغة سامية قديمة موروثة من الطور الشعوبي ، لكن هذا لا يلغي اشتراكهم في استعمال اللغة العربية مع غيرهم من السودانيين.
    اللهجة السودانية:اللهجة هي نمط خاص لاستخدام ذات اللغة المعينة،ومصدر
    الخصوصية عده عوامل حضارية،تاريخية وجغرافيه ...متفاعلة.

    (1)عصمت سيف الدولة،النظرية، ص259.
    واللهجة السودانية( اى اللهجة التي بشترك في استخدامها سكان الحضر ، مع ملاحظه وجود لهجات قبليه ومناطقيه خاصة أخرى) هي نمط خاص لاستخدام ذات اللغة العربية،ساهم في تشكيل هذه الخصوصية أن الشخصية السودانية هي محصله تفاعل الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق على الإسلام(المتضمن للهجات القبلية واللغات الشعوبية القديمة) مع حضارة الإسلام(والمتضمنة للغة العربية).
    ويمكن التدليل على هذا بالرجوع إلي اثر اللغة النوبية القديمة على اللهجة السودانية(فاللغة العربية_في السودان_ دائنة للغة النوبية بنحو الثلاثين في المائة من معجمها )(1)وفى هذه اللهجة تجد أن (أسماء عدد كبير من أسماء النشاطات الزراعية، وتربة النيل، وأدوات الحراثة، والزارعة، والرعي، والمنتجات، وأسماء الطيور، والمصطلحات المنزلية والعائلية، ... ذات جذور نوبية) (2).
    بعض خصائص اللهجة السودانية :كما يدل على هذا الرجوع إلى خصائص اللهجة السودانية كنمط خاص لاستخدام اللغة العربية:
    • قلب القاف عندما تأتي مع الهاء إلى كاف.
    • حذف الحرف الأخير في الكلمة.
    عند وقوع حرف ساكن بين متحركين يتم تحريكه مثل ######ٌ من الفصحى تصبح كَلِب في العامية كذلك (ظهر) (قبر) بالفصحى تصبح ضهر قبر بالعامية.
    • المهموز يتحول إلى حروف العلة الموازية كما نجد في (غائب) التي تصبح غايب (قرأ) تتحول إلى قرا .
    • تحويل المهموز إلى حرف أسهل في نطقه مثل (سؤال) التي تصبح (سعال).
    (1) د. عبد الهادي تميم ، اللغة العربية في المجتمع ،ص9.
    (2) عبد الهادي تميم، المرجع السابق، ص 93 .
    • تنطق الذال زاياً والثاء سيناً والظاء ضاداً وفي حالات أخرى تنطق الذال ضاداً كما في ذبح صبح.
    • عدم الميل إلى استعمال الهمزة،و الحروف الساكنة والأصوات الحادة مثل (ذ) و(ث) و(ظ) و الحروف الحلقية مثل حرف (ق).
    • نماذج لنحت المفردات:
    الاختصار:
    ما عليك شئ : معليش
    على شأن: عشان ،
    لأي شئ هو : ليشنو
    أي شئ هو : شنو
    هذه الساعة : هسع
    بلا شئ : يلاش.
    الزيادة:
    تشبط : تشعبط
    سلطّ : تسلبط
    سمّر : سمكر
    عنق : عنقرة
    لوح : لولح
    طوح : طوطح
    القلب:
    ضج : جضّ
    زواج : جواز
    نضج : نجض
    ملعقة : معلقة.
    الحذف:
    ولد : ود
    بنت : بت
    امرأة : مرة
    نصف : نص
    انت : ات
    قلت : قتّ
    كنت : كتّ
    فرد :فد.
    إبدال الحروف:
    جعيص : جعيس
    كظم : كضم
    جأر : جعر
    سأل : سعل
    فقأ : فقع
    انفقأ : انفقع
    أين : وين
    أديته : وديته
    آمين : يامين
    حبلت: حملت
    منبر : بنبر
    ثلاثة : تلاته
    تلعثم : تلعسم
    جحش: دحش
    جيش : جيش
    حمزة : همزة
    وجه : وش
    دجاجة : جدادة
    حطّ : خت
    زغرد : زغرت
    ذنب : ضنب
    زهري : ظهري
    ذكر : زكر
    ذمّه : زمه
    شمس : شمس
    رخيص : رخيس
    سبق : صبق
    رفض : رفد
    ظل : ضل
    ظهر : ضهر
    بقر : بغر
    وقت : وكت
    قتل : كتل
    فاطمة: فاطنة
    جنب : جمب
    لعن : نعل
    ارتمى : اترمى
    غطس : غتس.(1)












    (1)عون الشريف قاسم، قاموس اللهجات العامية في السودان
    تحليل منهجي للأمثال السودانية
    ستناول في هذا المبحث تطبيق التحليل المنهجي السابق للشخصية السودانية على الأمثال السودانية من خلال تناول تعريف الأمثال ،الأمثال السودانية كتعبير عن علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانيه،الأمثال السودانية كتغبير عن المظاهر السلوكية والفكرية للشخصية السودانية،المظاهر الايجابية- المظاهر السلبية: الاجتماعية، الثقافية، الفكرية، العلمية، التدينيه، السياسية.
    تعريف المثل
    تعددت تعريفات المثل، وهنا نورد بعض هذه التعريفات:
    فالسيد احمد الهاشمي يعرفه في كتابه جواهر الأدب:المثل تأليف لا حقيقة له في الظاهر وقد ضمن في باطنه الحكم الشافية... ويقسمه إلي ثلاثة أقسام مفترضه ممكنه وهى ما نسب إلي العاقل ومخترعه مستحيلة وهى ما جاءت على السنة الحيوانات والجمادات والمختلطة... ويحدد وظيفة المثل والمثل تريك أحوال الأمم وقد مضت وتقفك على أخلاقهم وقد انقضت.
    أما أبو مسعود فيعرفه:والتمثيل ألطف ذريعة إلي تسخير الوهم للعقل واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه واقوي وسيله إلي تفهيم الجاهل الغنى و قمع ثوره الجامح الابى
    أما النظام فيعرفه:... إيجاز اللفظ وأصابه المعنى وحسن التشبيه وجوده الكناية... (1)
    أما الفارابي فيعرفه:هو ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه في ما بينهم وقنعوا به في السرّاء والضرّاء، ووصلوا به إلى المطالب القصيّة، وهو
    أبلغ الحكمة لأن الناس لا يجتمعون على ناقص. ولذا فالمثل قيمة خلقية مصطلح على قبولها في شعبها. وهو يمر قبل اعتماده وشيوعه في غربال معايير هذا

    (1)ثريا نورى، من وحى التراث،الخرطوم، بدون تاريخ، ص3.
    الشعب، وينمّ صراحة أو ضمنا عن هذه المعايير على كل صعيد وفي كل حال يتعاقب عليها الإنسان في حياته(1)
    من التعريفات السابقة يمكن تحديد عناصر المثل:
    أولا:من ناحية اللفظ:
    المثل هو عبارة موجزه بسيطة، وقد تكون قائمه على نوع من الوزن( السجع).
    ثانيا: من ناحية المعنى :
    المثل مكون من:
    1- الأفكار المكونة للمثل أو التي صيغ منها المثل و هي أفكار قد تكون خياليه.
    2- الأفكار التي يهدف إلي بيانها المثل ،وهى معادل موضوعي للواقع المعين ،فهي أما تعبير عن حلول لمشاكل طرحها للواقع المعين ،أو تعبير عن القيم الحضارية لمجتمع معين ،بما هي مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه، في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين.
    الأمثال السودانية كتعبير عن علاقات الانتماء المتعددة:
    كما سبق ذكره فان للشخصية السودانية (شأن أي شخصية أخري) علاقات انتماء متعددة:
    فهي عربيه بالمعنى اللغوي الحضاري لا بالمعنى العرقي،اى بمعنى أن اللغة العربية هي اللغة المشتركة بين الجماعات القبلية و الشعوبية السودانية ، لا بمعنى أن السودانيون سلالة عرقية لعرب الجاهلية. ،لذا نجد أن الكثير من الأمثال السودانية ذات مصدر عربي:
    رَجَع بخُفي حُنينْ :مثل عربي مشهور حنين جمالي احتال عليه لص فأسقط في طريقه

    (1)الدكتور عبد الناصر كعدان، الأمثال الشعبية المتعلقة بالطب والصحة في بلاد الشام .

    فرده حذاء جديدة عندما راءها حنين قال جميله لولا إنها واحده . ثم على بعد مسافة اسقط اللص الثانية فطمع حنين في إكمال الزوج فذهب راجلاً لأخذ الأولى فلما عاد وجد اللص قد ذهب بجماله، فرجع لأهله وهو يحمل الخفين. فصارت مثلاً يضرب في الغفلة وخيبه المسعى(مشترك)
    أبْ زَيَد لا غَزَا و لا شَافْ الغَزو : أب زيد هنا أبو زيد الهلالي ، زعيم أبطال سيرة بني هلال المشهود لهم بالغزو والتغلب على الأعداء في السير الشعبية ، والمعنى هنا أن الشخص المقصود لم يقم بأداء عمل مهم يذكر له .(الوسط وكردفان ودارفور)
    كلك (حفره) فندى(يحفر) كل تان(حفرته) تور(يسقط) :من حفر حفره يسقط في حفرته: مأخوذ من المثل العربي من حفر حفره لأخيه وقع فيه)( النوبة).
    كما أن الشخصية السودانية إسلامية الدين أو الحضارة بمعني أن الإسلام ليس دين أغلب السودانيين فقط بل هو مصدر القيم الحضارية للشخصية السودانية أيضاً.
    لذا نجد أن كثير من الأمثال السودانية ذات مصدر إسلامي:فقد يكون مصدرها القران أو ألسنه أو قواعد الفقه أو أحداث التاريخ الإسلامي:
    تزوجوا فقراء يغنيكم الله : والمثل من القران الكريم ، ومضمونه إن في الزواج لدى الإنسان بركه في الرزق تعم في حياته أما أن تأتيه بسبب المصاهرة أو بتعاون من الزوجة أو بتبدل يعترى شعوره لوجود مسئوليه اكبر في حياته فيحثه ذلك على الاجتهاد في طلب الرزق(مشترك) .
    خُوّة الإسلام ولا خُوّة الأرحامْ :من أمثال الفقهاء ، يستعمل في معناه (الوسط).
    الضَّروراتْ تُبِيح المحظُوراتْ :من أقوال الفقهاء . وهو أن الإنسان المضطر أمام المواقف التي تصون الحياء يجوز له أن يتصرف بما يزيل حاجته.(مشترك)
    ظُلم الحسن والحسينْ :الحسن والحسين هما سبطي الرسول صلى الله عليه وسلم وابني السيدة فاطمة الزهراء وسيدنا على بن أبى طالب رضي الله عنهما ، وقد وقع لهما في حياتهما من الأحداث ما يعتبره انه ظلم كبير ، لهذا يضرب المثل(مشترك) ..ألجنه تحت أقدام الأمهات: حديث نبوي(مشترك)
    مرسال(رسول)حجك(الحج) حج من(لا يحج):لا توكيل أو انابه في الحج يضرب لعض الأعمال التي يجب القيام بها بصوره شخصيه( النوبة)
    اخطب لبنتك ولا تخطب لولدك: قول مأثور(دارفور-مشترك)
    كما أن الإسلام لم يلغى الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق عليه، بل حدده كما يحد الكل الجزء ، فكان بمثابة إضافة أغنت تركيبه الداخلي، وأمدته بإمكانيات جديدة للتطور. وكان محصلة هذا ما نطلق عليه الشخصية السودانية،لذا نجد الكثير من الأمثال السودانية ذات جذور ترجع إلى الوجود القبلي والشعوبي السابق على الإسلام.
    الأمثال كتعبير عن المظاهر السلوكية والفكرية للشخصية السودانية
    أولا:المظاهر الايجابية:
    وهناك العديد من المظاهر السلوكية والفكرية الايجابية التي مصدرها القيم الحضارية العربية الاسلامي أو القيم الحضارية القبلية والشعوبية السابقة على الإسلام والتي لا تتناقض معه وهنا نجد الكثير من الأمثال السودانية التي تعبر عن هذه المظاهر الايجابية:
    الجَار قَبْل الدَّارْ: أضمن لنفسك جاراً طيباً قبل الارتحال إلى بيتك الجديد ، ففي هذه الحالة للجار الطيب الأولوية على الدار (مشترك).
    ثانيا:المظاهر السلبية
    و لما كان كل جيل يرث هذا القيم الحضارية ثم يطورها وينميها فيغنيها، فإن هنالك عوامل ذاتية وموضوعية تعوق هذا العملية، مما يؤدي إلي ظهور المظاهر السلوكية السلبية،اى حدوث انفصال أو قطيعه ما هو كائن (نمط التفكير أو السلوك السلبي)وما ينبغي أن يكون( القيم الحضارية السابقة الذكر),
    وسنحاول فيما يلي تناول بعض هذه المظاهر السلوكية والفكرية السلبية في الأبعاد المختلفة للشخصية السودانية كما تعبر عنها بعض الأمثال السودانية:
    الأمثال والمظاهر الاجتماعية:
    العنصرية:
    هي التقاء على إحدى المميزات القبلية أو الموروثة عن الطور القبلي، مثل وحدة الجنس أو الأصل أو اللغة أو التقاليد. ونكاد نجد في كل قبيلة مجموعه من الأمثال التي تقوم على الاعتقاد بتميزها عن غيرها.
    نمط التفكير والسلوك الجماعي:
    ومصدره الأسلوب القبلي في الحياة، و يفرز أنماط من التفكير والسلوك والسلبي، وهنا نورد بعض الأمثال التي تكرس لهذه النمط من أنماط التفكير:
    أهَلَك إنْ بِقُوا كِلاب هَوِّى مَعَاهُمْ :هذه وجهة نظر شعبية ترى إن خير الفرد يكمن في انحيازه إلى رأى جماعته ، وإنه لا حقيقة بالنسبة لوجوده خارج ذلك (مشترك).
    بَلَدَاً مُو بَلدَكْ أَمْشِى فيها عِريَانْ :الإنسان خارج بلده وعاداته وقيمه يستطيع أن يفعل أشياء لا يقدر على فعلها عادة وهو داخل بلده وملتزماً بأعرافها وعاداتها .(مشترك)
    موت الجماعة عرس: (مشترك)
    الأمثال والمظاهر الثقافية:
    التمييز بين الثقافة والتعليم :
    هنا يجب عدم الخلط بين المثقفين اى الذين لهم المقدرة الفكرية لإدراك المشكلات الاجتماعية ومعرفة حلولها والمقدرة علي العمل الجماعي اللازم لحلها والمتعلمين ( الأكاديميين) الذين لا يعرفون من العلم إلا ما تعلموه في معاهدة المتخصصة ويجهلون علاقتها بمشكلات الواقع الاجتماعي أو لا يهتمون بتلك الصلة.وهذا الأمر تقرره عدد من الأمثال السودانية:
    القلم ما يزيل بلم
    ما كل القاري متعلم
    نقد الفردية:من أهم هذه المظاهر المسلكية السلبية هي الفردية التي ساهم في ظهورها في المجتمع السوداني عوامل عديدة .غير أن الفردية تتناقض مع الطابع الاجتماعي للقيم السودانية ذات الجذور العربية الاسلاميه، والطابع الجماعي للقيم القبلية ،لذا نجد العديد من الأمثال السودانية التي تذم الفردية:
    الأيد الواحدة ما بتَصَفِّقْ : يعنى المثل انه لكي يصفق الإنسان اى يضرب كفيه على بعضهما فيحدث ذلك الصوت المعروف ، لاتكفيه يد واحده وهكذا لكى يكون الإنسان فاعلاً لابد له من اليد الأخرى والتي تعنى هنا الآخرين ، يقفوا معه ويعاونوه ، فهم له كما هو لهم بمثابة اليدين(مشترك) .
    الأيد الواحدة ما بتغطي الوشِ :المثل يعنى أنها غير كافيه لإتمام عمل ما أو لإنجاز مهمة إذ هي تحتاج ليد أخرى لتكمل لها القدرة على الفعل ، وهكذا فان الإنسان يحتاج للآخرين في إنجاز مهامه وتحقيق مراميه والوش : الوجه (مشترك).
    الأيد الواحدة لا تغسل الظهر:(النوبة)
    الأمثال والمظاهر الفكرية:
    التفكير العقلاني نقيض التفكير الاسطورى(1)وهناك بعض الأمثال السودانية التي تعبر عن خصائص التفكير العقلاني وأخرى تعبر عن التفكير الاسطورى :
    فمن خصائص التفكير العقلاني الموقف النقدي القائم على البحث عن أوجه الصواب وأوجه الخطأ في الرأي المعين وأخذ ما هو صواب ورفض وما هو خطأ. أما التفكير الأسطوري فيقوم علي القبول المطلق لفكره وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الأخرى .وفى الأمثال السودانية نجد ادانه للموقفين السابقين:
    سد دي بي طينه ودي بي عجينه
    و من خصائص التفكير العقلاني الشك المنهجي القائم علي عدم التسليم لصحة فكرة معينة لا بعد التحقق من كونها صحيحة .أما التفكير الأسطوري فيقوم علي الشك

    (1) انظر حسن حنفي، مقال الجذور التاريخية لازمه الحرية في وجداننا المعاصر، كتاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، دار المستقبل العربي ط1، ص136
    المطلق (أي إنكار إمكانية التحقق من صحة أي فكر)ة، أو النزعة القطعية( أي التسليم بصحة فكرة دون التحقق من كونها صادقة أم كاذبة) . وفى الأمثال السودانيه نجد نماذج للشك المنهجي:
    قطع الشك باليقين.
    كما نجد نماذج تعبر عن النزعة القطعية
    اثنين كان قالوا ليك راسك ما فى حسسو
    الجواب يكفيك عنوانه
    ومن خصائص التفكير العقلاني الاستناد إلي العقل كوسيلة للمعرفة بخلاف التفكير الأسطوري الذي يستند علي الإلهام أو الوجدان والخيال (الذي يلغى العقل) .وهناك العديد من الأمثال السودانية التي تكرس لاستعمال العقل كوسيلة للمعرفة:
    أهَل العِقْول في َراحَة : إن صاحب الفعل يدرك الفروق بين المواقف فهو يختار من بين الحلول المقدمة الحل الصحيح ، ويبعد في اختياره الطمع والعوامل الإنتكاسيه وله معرفة بالأسباب والنتائج فهو بحكم تعقله يفضل الحاسم من المواقف(الشمال والوسط)
    الخَفَّ عَقلـوُ تِعبْت كِرعيو :العقل هو مناط صلاح الإنسان واتزانه ، و بالتالي إذا ضعف أو أصابه خلل فقد السيطرة على حركاته وسكناته .
    طولوا طول النخلة وعقلو عقل السخلة :تعني أن هذا الشخص طويل بلا فائدة وأيضاً عقله يشبه عقل السخلة وهو ابن الماعز أي لا يؤدى غرض(مشترك) .
    العاقِل طبيبْ نَفْسو :العاقل يتجنب الأشياء التي تجلب إليه الأمراض أو توقعه في الخطأ .
    كما أن هناك العديد من الأمثال التي تكرس للإلهام أو الخيال... كوسيلة للمعرفة:
    قلبي حدثني
    ومن خصائص التفكير العقلاني المنطقية اى الاستناد إلي المنطق بما هو أنماط التفكير السليمة المستندة إلي قوانين التفكير وأهمها قانون عدم التناقض بخلاف نمط التفكير الاسطورى اللامنطقى ( المتناقض). وهنا نجد العديد من الأمثال السودانية التي تجسد قانون عدم التناقض في مجالات مختلفة:
    صاحب بالين كضاب (مشترك) * ركاب سرجين وقاع * ريسين غرقوا المركب، (الشمال)الرقص ما بضاري دفنوا * باب النجار مخلع (مشترك) عريان ولابس له سديرى (الشرق)
    الأمثال والمظاهر العلمية:
    وهنا نجد في الأمثال السودانية ما يقرر بعض أسس منهج التفكير العلمي كالأمثال التي تقرر السببية:
    لا دُخانْ بلا نَارْ :لا تحوم الشكوك حول ارتباط شخص ما بفعل ما بلا بينه أو قرينه ، فصعود الدخان يدل على وجود نار ، وهكذا الابتعاد عن مواطن الشبهات واجب(مشترك)
    العود كان ما فيه شق ما بقول طق :الضمير يرجع إلى العود .والشق في العود معروف . فإذا وضعت هذا العود كعمود لسقف أو جعلته أساس لاى ارتكاز فهو يحدث عيب وكذلك الحال بالنسبة للناس فإن الذي به نقطه ضعف من الناس سرعان ما تظهر وتتضح عند التجربة(الوسط)
    الضحك بلا سبب قله أدب(مشترك)
    كما أن هناك من الأمثال السودانية ما يقرر بعض مظاهر التفكير الخرافي كالاعتقاد في الحظ :
    تعيس الحظ يلاقي العضمة في الفشفاش
    قليل الحظ يلقى العضم في الكرشه
    وكالنزعة التجريبية:
    الارضه جربت الحجر

    الأمثال و المظاهر التدينيه:
    الجهل بدلالات ألفاظ القران والحديث:
    إذا كان الإسلام هو الهيكل الحضاري للشخصية السودانية فان واقع التخلف الحضاري يفرز عددا من المشاكل المتعلقة بالمعرفة بالإسلام ذاته منها مشكله الجهل بدلالات ألفاظ القران والحديث مما يؤدى إلي شيوع أنماط من الفهم الخاطئ للإسلام والتي تكتسب قدسيه نسبتها إلي الدين.
    أبُو البَنَات جملاً مُحمَّل قَرَعْ :القرع هو النبات الذي تصنع من ثماره الجافة أواني للماء وخلافه في السودان وهى في العادة هشة سريعة العطب قليلة الثمن والمثل يقلل من شأن البنت.ويقول أن مجهود والدها ضائع(الوسط)
    شاوروهُنْ وخالِفوهُنْ : قول مأثور على النساء (مشترك)
    المراه جاريه في اى مكان تذهب إليه:(النوبة)
    المراة كان فأس ما بتشق الرأس ( الوسط)
    البسمع كلام المرة برجع لورا(دارفور)
    التأثير الصوفي:
    ساهمت الطرق الصوفية في نشر الإسلام في السودان وأصبح التصوف وقيمه السلوكية والمعرفية احد مكونات الشخصية السودانية.وأصبح مصدر لكثير من أنماط السلوك والتفكير السلبي والايجابي وهذا الأمر يظهر في كثير من الأمثال السودانية
    البُسَاطْ أحمدي : و الاحمديه هم أتباع الشيخ أحمد بن إدريس ، من عادتهم أن يجلسوا متساوين على العارض ، ومتساوين كذلك في التقُّرب من الشيخ وفرص الكلام والقيادة في العبادة.
    الفقرا اتقسمو النبقه: يدعو المثال إلى التضامن الاجتماعي.
    الأمثال والمظاهر السياسية:
    وهناك العديد من المظاهر السلوكية والفكرية السياسية الايجابية التي مصدرها القيم الحضارية العربية الاسلامي أو القيم الحضارية القبلية والشعوبية السابقة على الإسلام والتي لا تتناقض معه ونجد تجسيد لها في العديد من الأمثال السودانية:
    بَيتْ الشَّورى مَا بْيَخَرَبْ: البيت الذي يفتح فيه الباب للنقاش والحوار حول الخلافات التي تنشأ يظل متماسكاً وتنشأ بين أفراده المودة والثقة .
    غير أن البعد السياسي لمشكله التخلف الحضاري والمتمثل في التخلف الديمقراطي :انعدام أو ضعف التقاليد الديمقراطية بفعل عوامل ذاتية وموضوعيه متداخله أدى إلى شيوع العديد من المظاهر السلوكية والفكريةالسياسيه السلبية التي نجد ما يعبر عنها فى الأمثال السودانية:
    كالدعوة إلى الاستبداد:
    اصفر منك أكله.(مشترك)
    أو تبريره :
    ال###### بدور خنافة(مشترك)
    اسمع كلام الكبير و لو كان عوير . (الوسط)
    أو السلبية السياسية:
    خت الخمسة فوق الاثنين. ضع أصابعك فوق شفتيك – يضرب للأمر بملازمة الصمت (الوسط والشمال)
    الخواف ربى أولاده (مشترك)
    الباب البجيب الريح سدو وأستريح .(الشمال)
    الذي يمسك الغريق يغرق(النوبة)
    أخوك كان زينو بل راسك(الوسط)
    أو عدم الاهتمام بالشأن العام:
    شهرا ما عندك فيه نفقه ماتعدوا(مشترك)
    الدرب كان مادربك ما تجرى تقطع قلبك(دارفور)
    أو مسايره السلطة:
    الذي يتزوج غمى أقول له عمى (مشترك).
    اليد التي تقطعها الحكومة لا تدمى (النوبة)

    الأمثال السودانية وبعض القضايا الفلسفية
    سنتناول في هذا المبحث الأمثال السودانية وبعض قضايا الفلسفة: ويتضمن الأمثال السودانية وبعض قضايا نظريه المعرفة، الأمثال السودانية وبعض قضايا نظريه القيم.
    الأمثال السودانية وقضايا نظرية المعرفة:
    تتناول مشكلة المعرفة ويمكن تحليلها إلى المشكلات الجزئية التالية:
    إمكان المعرفة:
    وتتناول مشكلة إمكانية المعرفة وأهم المحاولات التي وضعت لحل المشكلة وهي الحل الأول: أنه لا تتوفر للإنسان إمكانية معرفة الوجود ،ويمثله مذهب الشك (المطلق أو المذهبي)، وهو مطلق لأنه دائم وغاية في ذاته، ومذهبي لأن صاحبه يتخذه مذهباً في التفكير والحياة، فهو قائم على أنه لا تتوافر للإنسان إمكانية حل أي مشكلة.
    الحل الثاني:إنه تتوافر إمكانية معرفة الوجود، أي أنه تتوافر للإنسان إمكانية حل المشاكل التي يواجهها غير أن هذا الحل أخذ شكلين:
    الأول:الشك النسبي أو المنهجي: وهو نسبي لأنه مؤقت ووسيلة لا غاية في ذاته إذ الغاية منه الوصول إلى اليقين، وهو منهجي لأن صاحبه يتخذه منهجاً في التفكير لا مذهب في الحياة. فهو قائم منهجياً على عدم التسليم بصحة حل معين لمشكلة معينة إلا بعد التحقق من كونه صحيح. وكما سبق ذكره فإننا نجد فى الأمثال السودانية ما يعبر عن الشك المنهجي:
    قطع الشك باليقين.
    الثاني: القطعية وهو التسليم بصحة فكرة دون التحقق من كونها صادقة أو كاذبة أي قائمة على التسليم بصحة حل معين للمشكلة دون التحقق من كونه صحيح أو خاطئ.وفى الأمثال السودانية نجد ما يجسد هذه ألنزعه:
    إتْنينْ إنْ قَالَوُ لَك راسك مافى اتحسسو: و المعنى إذا ادعى شخصان أن رأسك في غير موضعه فتحسسه بيدك.
    وسائل المعرفة :
    وتتناول مشكلة وسائل المعرفة الحواس، العقل، الحدس وفي الغربية هناك ثلاثة مدارس تقوم كل واحدة على اتخاذ إحدى هذه الوسائل كأداة للمعرفة المطلقة اليقين دون أن تنفي الوسائل الأخرى ولكنها تجعلها وسيلة للمعرفة الظنية. فالمذهب التجريبي يتخذ من الحواس وسيلة المعرفة اليقينية والمذهب العقلي يجعل العقل وسيله المعرفة اليقينية أما المذهب الثالث فهو المذهب الحدسي الذي يرى أن الحواس والعقل هي وسائل معرفة ظنية بمعنى أنها معرضة للصواب والخطأ لهذا يجب أن نلجأ إلى الحدس للإلهام كوسيلة للمعرفة المطلقة اليقين.
    وفى الأمثال السودانية نجد ما يتناول وسائل المعرفة الثلاثة السابقة لكن دون اعتبارها وسائل معرفه مطلقه اليقين ،إذ وسيله المعرفة المطلقة اليقين هي الوحي:
    أولا:الحواس كوسيلة معرفه:
    شوق عيني ما حدثوني من رأى ليس كمن سمع
    ثانيا:العقل كوسيلة للمعرفة:
    الله ما شافوهو بالعين عرفوه بالعَقُلْ :يقال المثل أثناء حديث أحدهم أو إحداهن حول موضوع ما ، يقول العقل فيه شئ ، وتقول الأهواء والرغبات فيه شئ آخر، فيؤتى بالمثل تأييداً لموقف العقل
    ثالثا:الحدس كوسيلة معرفه:
    قلبي حدثني، اعمي البصر والبصيرة

    الأمثال السودانية وبعض قضايا نظرية القيم
    تتناول مشكلة القيمة أي مجموعة المعايير التي تحدد للإنسان في كل مجتمع ما ينبغي أن يكون عليه سلوكاً (خيراً أو شراً كما في القيمة الأخلاقية) وتفكيراً (صواب أو خطا كما في قيمة الحق) وخيالاً (جميل أو قبيح كما في القيمة الجمالية) في مواجهة الغير من الأشياء والناس والوجود الشامل للأشياء والناس معاً. ويكتسبها الإنسان من انتمائه إلى مجتمع معين في زمان معين.
    وأهم المشاكل التي تتناولها:مشكله طبيعة القيم:وتتناول مشكلة تعريف القيمة من خلال أربعة مشاكل:
    القيمة بين الوصفية والمعيارية: وتتناول مشكلة هل القيم ذات طبيعة معيارية أي تنصب على ما ينبغي أن يكون أم وصفية أي تقتصر على ما هو كائن. وفي الفلسفة الغربية هناك حلان للمشكلة:
    الحل الأول: أن القيم ذات طبيعة وصفية ومن ممثليها المدرسة الوضعية الاجتماعية (دوركهايم) التي اعتبرت القيم مجرد وقائع اجتماعية تقبل الوصف والتحليل والتصنيف وأن لكل شعب قيمة التي عملت على تحديدها ظروفها الاجتماعية.
    و في الأمثال السودانية نجد ما يقرر أن القيم ذات طبيعة وصفيه :
    كل ديكاً في بَلدو عُوعَاى :إذا اطمأن الديك لأحد الامكنه بالموالفة . صار يكثر من صياحه الدال على الغبطة والاطمئنان واخذ يختال تيهاً وكبراً بين دجاجاته . يضرب المثل بأن الالفة تزيل الكلفة.
    الحل الثاني: أن القيم ذات طبيعة معيارية وبالتالي يجب أصناع منهج (معياري) لدراستها متمايز عن المنهج الوصفي المستخدم في دراسة العلوم الطبيعية ونجد في الأمثال السودانية ما يقرر أن القيم ذات طبيعة معياريه
    القيمة بين الذاتية والموضوعية: أي تتناول مشكلة هل القيم ذاتية أي من وضع العقل واختراعه أم موضوعية أي من صفة عينية للأشياء لها وجودها المستقل عن عقل الإنسان. وإزاء هذه المشكلة هناك حلان:
    الحل الأول: أن القيم موضوعية:
    السمح سمح كان زرعوه ذره يقوم قمح
    الحل الثاني: أن القيم ذاتية:
    القرد في عين أمه غزال
    القيمة بين النسبية والإطلاق:أي هل القيمة نسبية تخضع للتغير في الزمان والمكان والتطور خلال الزمان أم مطلقة لا تخضع للتغير أو التطور في المكان وخلال الزمان. وهناك أيضاً حلان في الفلسفة الغربية حيث يرى أنصار الحل الأول أن القيم نسبية و هو ما تقرره الأمثال:
    آلما شاف البحر تخلعوا الترعة
    التشاش في بلد العمى شوف
    بينما يرى أنصار الحل الثاني أن القيم مطلقة ، وهو ما تقرره عده أمثال سودانية.
    القيمة كغاية في ذاتها أو وسيلة إلى غاية:
    الحل الأول: إن القيم وسيلة إلى غاية غيرها (المنفعة)
    بَارَك اللهُ في مَنْ نَفَع واستنفع :المثل يدعو إلى إن يعمل الإنسان في سعيه لفائدة نفسه وفائدة الآخرين أيضا ، وذلك بأن يعدل معهم في المعاملة ويدلهم على الخير ، ولكن قد يستخدم المثل في غير مكانه ومعناه فيدل على التآمر أو استلام الرشوة .
    الحل الثاني: إن القيم غاية في ذاتها والفعل الاخلاقى يتحدد بالنية(مذهب الواجب ): إنْ طَابَتْ النية العَنْقَريب يِشَيل مِيَّه :إذا خَلُصتْ النوايا وطابت النفوس فان السرير يسع لمائه شخص والعنقريب السرير الصغير.



















    الشخصية السودانية والتغيير
    إن تغيير الشخصية السودانية مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون لا يعنى إلغاء القيم الحضارية لهذه الشخصية ( والتي هيكلها الحضاري الإسلام)، واستبدالها بقيم جديدة (كما يرى التيار التغريبي)؛ إذ أن محاولة اجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام شخصية؛ كما أنه لا يتم من خلال الإبقاء عليها كما هي كائنة (كما يرى التيار التقليدي)؛ لأن هذا يعنى الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي افرزها التخلف الحضاري.
    فالتغيير يتم بإلغاء هذه المظاهر السلوكية والفكرية السلبية بإلغاء سببها، وهو التخلف الحضاري. فبينما تزول هذه المظاهر السلوكية والفكرية السلبية؛ تبقى القيم الحضارية لتُسهم إيجابياً في بناء شخصية مطهره منها، وإنتاج مظاهر سلوكية وفكرية إيجابية.
    من زاوية أخرى فان التغيير لا يتم بالقفز على الواقع بل بالتدرج بالانتقال به مما هو كائن إلي ما ينبغي إن يكون استدلالا بقاعدة التدرج التي قررها الإسلام في كثير من الأحكام واستدلالا بسيره الرسول(ص)"المرحلة المكية والمرحلة المدنية)
    على هذا فان التغيير يتم عبر مرحلتين:
    التغيير الفكري:
    وهى مرحله نشر الأفكار التي تساهم في تأكيد هذه القيم الحضارية وتطويرها، واستيعاب ما لا يناقضها من قيم وأساليب وحلول من مجتمعات أخرى، ومقاومة الأفكار التي تحاول إلغاء هذه القيم الحضارية، أو الإبقاء على التخلف الحضاري الذي يحول دون أن تُسهم في بناء الشخصية المطهرة من المظاهر السلبية.
    كما أنها مرحله محاربه التفكير البدعى (والتفكير شبه الخرافي وشبه اسطورى المضمن فيه) ونشر التفكير الاجتهادي (والتفكير العلمي والعقلاني الذي لا يتناقض مع الوحي المتضمن فيه) كشرط ذاتي لتحقيق التقدم الحضاري للمجتمع السوداني،
    كما أنها مرحله الانتقال مما هو كائن إلي ما هو ممكن:
    الممكن السياسي:
    أن ما هو كائن سياسيا هو تعاقب نظم استبدادية و ديمقراطية ليبرالية، والانتقال بهذا الواقع من مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون يتم بالممكن ، والممكن السياسي له أشكال عديدة كالعمل على مقاومه الاستبداد بالوسائل السلمية( الجهاد المدني) ،توسيع هامش الحريات المتاح في النظم الاستبدايه، تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ،الحوار بين التيارات المختلفة من اجل الالتقاء على ما هو مشترك من ثوابت آلامه. وتخليص الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام من ألليبرالية( اى من العلمانية والراسماليه والفردية...)وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية. مع وجوب ملاحظه أن الديمقراطية كنظام غير مقصورة على نموذج واحد ومع وجوب مراعاة الظروف الخاصة بكل مجتمع.
    الممكن الاقتصادي:
    إن ما هو كائن اقتصاد متخلف، تابع ( العولمة في شكلها الليبرالي)، يكرس للظلم الاجتماعي ، و الانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون اى التقدم الاقتصادي والتنمية المستقلة والعد اله الاجتماعية لا يتم إلا من خلال ما هو ممكن، وما هو ممكن اقتصاديا يأخذ إشكال عديدة كاتخاذ موقف من الخصخصة( الاليه الاساسيه للعولمة في شكلها الليبرالي) قائم على:الوقوف ضد خصخصة المؤسسات ألاستراتيجيه والسلع الضرورية.التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد مع العمل على إصلاح القطاع العام و تطهيره من البيروقراطية والفساد. ضمان شفافية وديمقراطية الخصخصة للقطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه ألدوله. توجيه القطاع الخاص والاستثمار الاجنبى نحو المجالات الانتاجيه التي تحقق الفائدة للمجتمع لا المجالات الاستهلاكية على حساب المجتمع. تفعيل مؤسسات الضمان الاجتماعي، تفعيل مؤسسات المجتمع المدني( كالنقابات) باعتبارها احد ضمانات تحقيق الغايات السابقة.
    الممكن التشريعي:
    أن ما هو كائن هو تطبيق نظم قانونيه ذات مصدر ليبرالي تكرس الفردية والراسماليه والعلمانية... اى تكرس للتبعية القانونية للغرب ،أو تطبيق نظم قانونيه مبنية على اجتهادات فقهيه لمشاكل طرحها واقع غير واقعنا المعاصر ، أو تطبيق نظم قانونيه تخلط بين النوعين. والانتقال مما هو كائن إلي ما ينبغي أن يكون يكون بما هو ممكن، وما هو ممكن هنا يأخذ إشكال عده منها،تهيئه المجتمعات المسلمة لتطبيق النظام القانوني الإسلامي بنشر الوعي بالإسلام كعقيدة وشريعة وفكر، الاجتهاد في فروع الشريعة المستندة إلي النصوص الظنية الورود والدلالة مع اتخاذ الاجتهادات ألفقهيه في هذا المجال نقطه بداية لا نقطه نهابه للاجتهاد الفقهي،العمل على أن يقوم النظام القانوني الإسلامي على حل للمشاكل التي يطرحها واقعنا الزمان والمكاني ،الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى في المجال القانوني ما لم تناقض أصل من أصول الشرع، العمل على توفير الشروط الموضوعية ( السياسية" الشورى" والاقتصادية" العدل الاجتماعي"....لتطبيق النظام القانون الإسلامي،التدرج في تطبيق النظام القانوني الإسلامي...
    الممكن التربوي والتعليمي:
    أما الممكن التربوي والتعليمي فيأخذ أشكال عده منها:
    الأخذ بالأسلوب العلمي في التربية والتعليم،وذلك بالتخطيط التعليمي من خلال وضع نظريه تربوية تحدد أهداف ووظائف التعليم، استراتيجيه تعليمية تحدد ألخطه التعليمية وأسلوب تعليمي يحدد المنهج التعليمي.تأكيد حق التعليم وديمقراطية التعليم ومجانية( المجانية الفعلية) والزميه التعليم الاساسى .تحقيق التوازن بين الكم والكيف ،تفعيل دور مؤسسات التعليم في خدمه المجتمع من رعاية صحية،الإرشاد والتوجيه، محو الاميه، تعليم الكبار... تطوير الاداره التعليمية ،تفعيل مشاركه الطلاب في العملية التعليمية عن طريق تفعيل دور الاتحادات والروابط والجمعيات العلمية والثقافية واستحداث أساليب التعليم القائمة على مشاركه الطلاب ،العمل على تعريب التعليم العالي، بما لا تناقض مع تدريس اللغات الأخرى أو الاتصال بالعالم الخارجي والإسهامات العلمية للمجتمعات الأخرى بشرط توفير شروطه من توفير الكتاب المعرب ، والترجمة المستمرة للكتاب العالم، وتأهيل الأستاذ الجامعي....،الاستفادة من الخبرات العالمية في تطوير التعليم بما لا يتناقض مع القيم الحضارية للامه...........
    التغيير السياسي:
    وهى مرحلة الانتقال مما هو ممكن إلي ما ينبغي أن يكون. وهى مرحله تطبيق النظم التي تجسد هذه القيم الحضارية وتطويرها، والتي تلغي المظاهر السلكية والفكرية السلبية بإلغاء مصدرها المتمثل في التخلف الحضاري بالاحتكام إلى الجماهير ذاتهـا.
















    الخاتمة
    تناولت الدراسة الشخصية السودانية من منظور منهجي ،حيث تناولت في البداية
    المنظور الفكري الذي تستند إليه الدراسة اى الاستخلاف كفلسفة ومنهج للمعرفة وكفلسفة اجتماعية.وتضمن:
    أولا:الأساس الفلسفي: الفلسفة: الدلالة والتعريف فى الفكر الغربي.أولا:دلالة اللفظ.،ثانيا:تعريفات الفلسفة:تعريف المدرسة الطبيعية،التعريف الأرسطى، التعريف الوضعي المنطقي، التعريف الوجودي.الحكمة كمصطلح مقابل للفلسفة في الفكر الإسلامي،الاستخلاف كفلسفة اسلاميه.ثانيا: الأساس المنهجي:تعريف منهج المعرفة،الاستخلاف كمنهج للمعرفة.ثالثا:الأساس الاجتماعي: الفلسفة الاجتماعية وعلم الاجتماع،الاستخلاف كفلسفة اجتماعية أطوار الاستخلاف الاجتماعي: الأسرة، العشيرة ، القبيلة، الشعب، الأمة،العالمية.
    ثم تناولت الدراسة الشخصية لغة واصطلاحا.الشخصية في علم النفس:المدرسة السلوكية( واطسون)، التحليل النفسي(فرويد). في الفلسفة: ديكارت، كانط، سارتر،برجسون .في العلوم الإنسانية: غوردان ألبورت، جوزيف نوتان ،جي روشي، رالف لينتون.التعريف المنهجي، الهيكل الحضاري.
    كما تطرقت الدراسه إلى مذاهب التعريف بالشخصية السودانية:الشخصية السودانية نوبية، الشخصية السودانية عربيه، الشخصية السودانية مسلمه،الشخصية السودانية افريقية زنجية، الشخصية السودانية ذات علاقات انتماء متعددة.
    ثم تناولت علاقات الانتماء المتعددة للشخصية السودانية: الشخصية السودانية عربية ،الشخصية السودانية اسلاميه،الوجود الحضاري القبلي والشعوبي السابق على دخول الإسلام،الأثر الحضاري الشعوبي النوبي، افريقية الانتماء الجغرافي،الانتماء العرقي الزنجي.
    بعد ذلك تطرقت إلى المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية: حيث بينت المظاهر السلوكية والفكرية الايجابية، المظاهر السلوكية والفكرية السلبية،العوامل الذاتية (الداخلية):التقليد وقفل باب الاجتهاد،العوامل الموضوعية( الخارجية):الاستعمار والتغريب (التغريب القديم (الاستعمار)-التغريب الجديد (العولمة)،التخلف الحضاري.
    ثم تعرضت إلى الأبعاد المتعددة للشخصية السودانية: حيث تناولت :
    البعد الاجتماعي :نمط التفكير والسلوك الجماعي،العنصرية(العنصرية السلبية والعنصرية الإيجابية،الطائفية( الطائفية الواسعة والطائفية الضيقة)،الخلط بين علاقات الانتماءات المتعددة،نماذج من الخلط .
    البعد الثقافي: الفرديـة(الفردية السلبية والفردية الايجابية)،البيروقراطية.
    البعد الفكري: التفكير العقلاني:الموضوع، المنهج، الأسطورة( لغةًواصطلاحا)، موقف الإسلام من نمطي التفكير العقلاني و الاسطورى،علاقتهما بأنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية.
    البعد العلمي: التفكير العلمي:الموضوع المنهج، الخرافة (لغة و اصطلاحا)، التفكير الخرافي ،موقف الإسلام من نمطي التفكير العلمي و الخرافي، علاقتهما بأنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية.
    الأبعاد السياسية و الاقتصادية و البعد التربويه.
    البعد التدينى :الجهل بدلالات ألفاظ القرآن والحديث، التفكير الديني: الموضوع المنهج ، البدعة لغة واصطلاحا، التأثير الصوفي.
    ثم تناولت الدراسة التدين الشعبي السوداني حيث تعرضت لبعض المفاهيم الاسلاميه، والتفاسير المتعددة لها ، والتفاسير التي سادت في التدين الشعبي السوداني ، ثم بينت اثر هذه التفاسير على أنماط السلوك والتفكير في الشخصية السودانية: هذه المفاهيم هي الكرامة، الكشف،أفعال الله، الإرجاء، الجبر، التشبيه، الأثر الملاماتي ، السحر العين.
    ثم تطرقت الدراسه إلى العادات والتقاليد السودانية وتناولت: تعريف العادات والتقاليد، طبيعتها، ، العادات والتقاليد السودانية السودانية: طبيعتها ، مصادرها، عادات وتقاليد السودانية ذات جذور عربيه،عادات وتقاليد سودانية ذات جذور اسلاميه، عادات وتقاليد السودانية ترجع جذورها إلى التراث الحضاري القبلي الافريقى السابق على دخول الاسلام ،عادات وتقاليد السودانية ترجع جذورها إلى التراث الحضاري الشعوبي النوبي السابق على الاسلام .
    ثم تناولت الدراسه اللهجة السودانية حيث تناول تعريف اللغة، اللغة العربية ، اللغة المشتركة واللغة الخاصة، اللهجة السودانية،نماذج لنحت المفردات:
    الاختصار،الزيادة: القلب، إبدال الحروف.
    ثم قدمت الدراسة تحليل منهجي للأمثال السودانية:فتناولت: تعريف المثل:أولا:من ناحية اللفظ ،ثانيا: من ناحية المعنى الشكل، المضمون، الأمثال السودانية كتعبير عن علاقات الانتماء المتعددة:أمثال سودانية ذات مصدر عربي،أمثال سودانية ذات جذور ترجع إلى الوجود القبلي والشعوبي السابق على الإسلام.الأمثال كتعبير عن المظاهر السلوكية والفكرية للشخصية السودانية:أولا:المظاهر الايجابية، ثانيا:المظاهر السلبية:الأمثال والمظاهر الاجتماعية:العنصرية،نمط التفكير والسلوك الجماعي، التمييز بين الثقافة والتعليم الفردية،الأمثال والمظاهر الفكرية،الأمثال والمظاهر العلمية،الأمثال و المظاهر التدينيه،التأثير الصوفي، المظاهر السياسية .
    كما تناولت علاقة الأمثال السودانية ببعض القضايا الفلسفية:فتناولت علاقتها بقضايا نظرية المعرفة:إمكان المعرفة،وسائل المعرفة :الحواس والعقل و الحدس . وبعض قضايا نظرية القيم :القيمة بين الوصفية والمعيارية،القيمة بين الذاتية والموضوعية ،القيمة بين النسبية والإطلاق ،القيمة كغاية في ذاتها أو وسيلة إلى غاية.
    وأخيرا تناولت الدراسة قضيه الشخصية السودانية والتغيير :فتناولت مرحلتي التغيير:مرحله التغيير الفكري:الممكن السياسي، الممكن الاقتصادي،الممكن التشريعي،الممكن التربوي. مرحله التغيير السياسي.



















    المراجع

    1. ابن خلدون، المقدمة، طبعه القاهرة، بدون تاريخ.
    2. ابن تيميه، درء التعارض، طبعه مصر، 1946.
    3. ابن تيميه، مجموع الفتاوى، طبعه مصر.
    4. إبراهيم القرشي عثمان ،عادات سودانية أصولها عربية ، مطابع مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر .
    5. آمال النور حامد،1997، الإعياء والانفعالات المصاحبة له في طقوس الزار وعلاقتهما بالترويح النفسي، رسالة ماجستير، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الفاتح، طرابلس
    6. الاسفرائينى، الموافقات.
    7. الغزالي ،المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى.
    8. التجانى مصطفى،عوامل ،تشكيل الشخصية القومية السودانية، مجله التأصيل ،مايو 1995.
    9. الهادي تميم ، اللغة العربية في المجتمع ،دار جامعه امدرمان الاسلاميه ، الخرطوم،1997
    10. حسن مكي، الثقافة السناريه المغزى والمضمون، مركز البحوث والترجمة، جامعه أفريقيا العالمية، اصداره15.
    11. على عثمان محمد صالح ، في الثقافة السودانية دراسات ومقالات، دار جامعه الخرطوم للنشر، ,1990 .
    12. عمر مسعود محمد التجانى، الحركات التصحيحيه في التصوف الاسلامي،(حركه السراج الطوسي نموذجا)، افكارجديده، هيئه الأعمال الفكرية، العدد14، مارس2006
    13. عبد الباسط عبد المعطى ، التدين والإبداع.. الوعى الشعبي فى مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2001
    14. عصمت سيف الدولة، عن العروبة والإسلام، بيروت، ط أولى 1986
    15. فضل الله احمد عبد الله، دولة سنار ودورها في تشكيل الثقافة السودانية،مجلة أفكار جديدة، عدد ابريل 2004.
    16. محمد بشر عمر، التنوع والاقليميه والوحدة القومية ،ترجمه سلوى مكاوي ،المركز الطباعى ،بدون تاريخ.
    17. محمد إبراهيم أبو سليم ، تحقيق كتاب في طريق أهل الله تأليف إسماعيل بن الشيخ مكي،الخرطوم، دار الحكمة، 1998
    18. محمد مصطفي حلمي ، الحياة الروحية في الإسلام ، القاهرة 1945
    19. حسن حنفي، مقال الجذور التاريخية لازمه الحرية في وجداننا المعاصر، كتاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، دار المستقبل العربي ط1،.
    20. ثريا نورى، من وحى التراث ، الخرطوم، بدون تاريخ.
    21. هدى مبارك مرغني،مدخل لدراسة الثقافة السودانية مركز محمد عمر بشير جامعه امدرمان الاهليه ،الخرطوم، ط1 ،1999.







    الفهرس

    مدخل نظري.............................................................2
    تعريف الشخصية....................................................... 13
    مذاهب التعريف بالشخصية السودانية ................................... 21
    الانتماء المتعدد للشخصية السودانية...................................... 28
    المظاهر الفكرية والسلوكية للشخصية السودانية.......................... 33
    الأبعاد المتعددة للمظاهر الفكرية والسلوكية...............................38
    التدين الشعبي السوداني وتفسيره لبعض المفاهيم
    الاسلاميه وأثره على أنماط تفكير وسلوك الشخصية السودانية...........72
    العادات والتقاليد السودانية ...............................................81
    اللهجة السودانية..........................................................86
    تحليل منهجي للأمثال السودانية ..........................................93
    الأمثال السودانية وبعض القضايا الفلسفية................................ 103
    الشخصية السودانية والتغيير.............................................108
    الخاتمة.................................................................112
    المراجع.................................................................116
    الفهرس.................................................................118
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de