منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 09-22-2017, 02:51 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

مهام الفترة الانتقالية: قراءة في الاتفاقات الوطنية/عمرو محمد عباس محجوب

09-30-2014, 02:39 AM

عمرو محمد عباس محجوب
<aعمرو محمد عباس محجوب
تاريخ التسجيل: 09-30-2014
مجموع المشاركات: 1

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مهام الفترة الانتقالية: قراءة في الاتفاقات الوطنية/عمرو محمد عباس محجوب

    مفاهيم منهجية

    ربما سوف يتساءل الكثيرون عن لماذا اعالج القضايا المستقبلية ونحن في غياهب ليل مدلهم وحاضر ممتد لربع قرن. اليس الاجدر الكتابة عن قتل القرنتية، قبل توزيعها. برغم جدارة هذا الراي، وموضوعيته، إلا أن قراءة ثورات السودان (اكتوبر 1964 وابريل 1985) ترينا بوضوح لا لبس فيها، إن الجزء الاكبر من عدم تمكنها من احداث تغيير حقيقي بعدها، كان في غياب أي فكر استراتيجي له حد ادني من الاتفاق. وقد لخصت في خاتمة ورقة ضمن "كتاب خمسون عاما على ثورة أكتوبر 1964-2014 النهوض الباكر"، المهام الجوهرية التي لم تنجز "عندما انجز الشعب السوداني ثورة أكتوبر، كان سباقاً في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية، واجاب على اهم أسئلة مستقبل الشعوب: كيف؟. لكن مسارات الثورة قعدت به عن الاجابة على أسئلة جوهرية في حياة الشعوب إذا لم تجب عليهما، لن تضع نفسها في طريق المستقبل. السؤال الأول: هو أين نريد الذهاب؟. هذا السؤال كان محور كافة الوثائق السودانية.... السؤال الثاني: هو كيف نصل إلي هناك؟، وهو متعلق أكثر بالتقنيات. هذه هي أسئلة ثورات القرن الحادي والعشرين، واذا استطاع الاخرون فلماذا لانستطيع نحن؟"



    مهام الفترة الانتقالية: قراءة في الاتفاقات الوطنية

    عمرو محمد عباس محجوب

    and#12288;

    مفاهيم منهجية

    ربما سوف يتساءل الكثيرون عن لماذا اعالج القضايا المستقبلية ونحن في غياهب ليل مدلهم وحاضر ممتد لربع قرن. اليس الاجدر الكتابة عن قتل القرنتية، قبل توزيعها. برغم جدارة هذا الراي، وموضوعيته، إلا أن قراءة ثورات السودان (اكتوبر 1964 وابريل 1985) ترينا بوضوح لا لبس فيها، إن الجزء الاكبر من عدم تمكنها من احداث تغيير حقيقي بعدها، كان في غياب أي فكر استراتيجي له حد ادني من الاتفاق. وقد لخصت في خاتمة ورقة ضمن "كتاب خمسون عاما على ثورة أكتوبر 1964-2014 النهوض الباكر"، المهام الجوهرية التي لم تنجز "عندما انجز الشعب السوداني ثورة أكتوبر، كان سباقاً في عالم مابعد الحرب العالمية الثانية، واجاب على اهم أسئلة مستقبل الشعوب: كيف؟. لكن مسارات الثورة قعدت به عن الاجابة على أسئلة جوهرية في حياة الشعوب إذا لم تجب عليهما، لن تضع نفسها في طريق المستقبل. السؤال الأول: هو أين نريد الذهاب؟. هذا السؤال كان محور كافة الوثائق السودانية.... السؤال الثاني: هو كيف نصل إلي هناك؟، وهو متعلق أكثر بالتقنيات. هذه هي أسئلة ثورات القرن الحادي والعشرين، واذا استطاع الاخرون فلماذا لانستطيع نحن؟".

    كان هذا دافعي في العمل علي "سلسلة الرؤية السودانية". الحاجة التي تدفعني موضوعية وذاتية. الموضوعي فيها أن هناك إحساس متعاظم لدي كافة القوى الفاعلة للتوصل لرؤية، هذا جزء من برامج كافة الاحزاب، في إتفاقاتها الوطنية منذ ميثاق أكتوبر، التجمع الوطني لإنقاذ البلاد، التجمع الوطني الديمقراطي، مؤتمر القضايا المصيرية 1995، إعلان القاهرة في 16 يناير 2005، برنامج البديل الديمقراطي، اعلان باريس وما سيتلو (كتاب الرؤية، الفقر في السودان، صحة السودان/ السودان موحداَ.

    ذاتياً فإنني كجزء من الكتاب السودانيين منخرط في بلورة ما يجمل في الاتفاقيات تاوطنية. وقد اضاف د. حيدر ابراهيم حافزاً اخراً فيؤ "قراءة في رؤية عمرو عباس" لذلك، آمل أن يبادر المؤلف في تأسيس كيان لعلم المستقبل وسوف تكن هذه مبادرة حقيقية. خاصة والمؤلف له خبرات طويلة وثرة في التخطيط ظهرت في المعلومات الواردة في المتن. كما أن الكاتب وعدنا” سوف نعتمد في تحليلنا علي الإتيان بالجديد الذي لم يقل،أو قيل في معرض مناقشة قضايا أخري”. اتمني أن يشتغل (عمرو عباس) علي المستقبل فقط".

    لكن هناك اكثر من ذلك، فرغم إحاطة الاتفاقيات بمجمل القضايا المطروحة، خاصة في المرحلة الإنتقالية، إلا انها توردها بدون تحديد اولوياتها. سوف يلعب الاختيار بينها الدور الاساسي في اتجاهات السياسات الجديدة وطبيعة القضايا التي سوف تكون مثار اهتمامها. من ناحية اخرى فهذا جزء من ايمان راسخ لدي الكاتب أن الوضع الحالي أصبح مؤفتاً جداً وأن التغيير آت لاريب فيه.

    المرحلة الإنتقالية

    من تواتر الاحداث في السودان، خاصة السنوات الاخيرة فإن أي تغيير سياسي في السودان لن تتجاوز سيناريوهاته عنوانين رئيسيين.

    السيناريو الأول: أن تستفيق القيادة الحالية إلى عمق الازمة والانتقال من إنكار الفشل إلى القبول به، وطرح مشروع اصلاحي حقيقي على جماهير الشعب السوداني لإعادة السلام إلى الوطن، تفكيك دولة ألاستبداد، التمكين والإقصاء، التحول الديمقراطي والدخول في مرحلة إنتقالية للتمهيد لنظام تعددي، مدني وديمقراطي.

    السيناريو الثاني وهو الاقرب احتمالاً، الانتقال من الأزمة الثورية إلى اللحظة الثورية، عبر مفجر يثير حفيظة الشعب السوداني وتتوفر له قيادة ميدانية مناسبة تدفع بجموع الشعب إلى الاصطفاف في الشوارع، الدعوة لإسقاط النظام وتَصُاعُدِ هذا إلى الوصول للحصار الكامل للسلطة وعجزها عن التصدي لهذه الثورة العارمة. ومن ثم الدخول في مرحلة إنتقالية للتمهيد لنظام تعددي، مدني وديمقراطي.

    الاصلاحات الضرورية

    جاء في إعلان باريس لتوحيد قوى التغيير من أجل وقف الحرب وبناء دولة المواطنة والديمقراطية بين الجبهة الثورية السودانية وحزب الأمة القومي، عنوان فرعي حول الحريات والتحول الديمقراطي. شمل العنوان قضايا الاصلاح الديني والسياسي.

    طرحت ميادين الربيع العربي قضية الإصلاح الديني والسياسي إلى الصدارة، وذلك بإنتزاع الإسلام من أيدي الجماعات التي جيرت الإسلام لصالحها، والتي حاولت فرض تصورها الخاص على كافة المسلمين والمواطنين. من بين ضباب سنوات الصراع الدامي لفرض هذا التصور الذي كاد أن يودي بقيم، اخلاق ومباديء المجتمعات الاسلامية، ظهر جلياً الفهم العصري والمتطور لمفاهيم المواطنة، الدين والاخلاق.

    لم تخضع مفاهيم الاسلام السياسي – بكافة تكويناته- للمراجعة والاصلاح في قاعات الحوار او التلفزيونات، ولكن دارت المعركة في الميادين، والتي خرجت من عباءة تنظيمها الاكبر–الاخوان المسلمين- كافة المتطرفين والتكفيرين. حسمتها الشعوب في الميادين من واقع الممارسة العملية وتجاربها المريرة مع هذه التيارات. وسوف تُتُرجَمَ هذه المفاهيم إلى واقع القوانين، مدونات السلوك المجتمعي، المناهج الدراسية و كتابات المفكرين والمثقفين. إن العالم الإسلامي يضع اقدامه على عتبة الاصلاح الديني المطلوب، واستكمال مسيرة الرواد كجزء اساسي من الإصلاح السياسي، الإقتصادي والإجتماعي.

    إرتبط تأريخ الصراع الديني في السودان بين مفهومين. الاول ربط بين الشريعة الإسلامية والاحكام وتبنتة تيارات الدولة الدينية (الاسلام السياسي والاحزاب الطائفية). المفهوم الذي وضح جلياً بعد التجربة البيئسة لتيار الدولة الدينية (الدستور الاسلامي في الستينات، تجربة قوانين سبتمبر في عهد نميري، إعادة طرح الدستور الاسلامي بعد انتفاضة 1985 وقوانين الانقاذ) أن الحملة انحصرت في الجانب الدستوري القانوني فقط وأغلبها الجانب العقابي. ياخذ هذا احياناً اشكال المماطلة في حسم هذه القضية، كما حدث في اتفاق الميرغني قرنق عام 1989 واعلان باريس 2014. المفهوم الثاني كان مفهوم التيار الرئيسى الليبرالي واليسارى وتتمحور حول مبدأ فصل الدين عن السياسة والتركيز على المبادىء والاخلاقيات، وأن تراوحت المواقف بعداً وقرباً من برزخ تيار الدولة الدينية على مر السنوات والظروف. ورغم حسم هذه المسألة في مؤتمر القضايا المصيرية، وذلك في الفترة من 15 إلى 23 يونيو 1995، وصدر البيان الختامي في يوم الجمعة 23 يونيو 1995. وكان أبرز القضايا التي تم الاتفاق عليها ما جاء تحت الدين والسياسة في السودان ونصت على أن "تشكل كل المبادئ والمعايير المعنية بحقوق الإنسان والمضمنة في المواثيق والعهود الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من دستور السودان وأي قانون أو مرسوم أو قرار أو إجراء مخالف لذلك يعتبر باطلاً وغير دستوري. يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة واحترام المعتقدات والتقاليد وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لذلك ويعتبر غير دستوري. لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني. تعترف الدولة وتحترم تعدد الأديان وكريم المعتقدات وتلزم نفسها بالعمـل على تحقيق التعايش والتفاعل السلمي والمسـاواة والتسامح بين الأديان وكريم المعتقدات وتسمح بحرية الدعوة السلمية للأديان وتمنع الإكراه أو إي فعل أو إجراء يحرض على إثارة النعرات الدينية والكراهية العنصرية في إي مكان أو موقع في السودان"، فقد جاء اعلان باريس تراجعاً واضحاً.

    إن الاصلاح الديني مطروح بشدة على الساحة، خاصة بعد التجربة القاسية مع تيار الدولة الدينية. هذا الموقف يواجهه بشكل اقسي واعنف تيار الدولة الدينية، فرع الترابي في التحول من أحلام الإمبراطورية الإسلامية إلى تقديم نموذج عصري مدني حديث يرجعهم إلى الساحة. إذا كانت المراجعات ليست مطلوبة من دعاة الدولة الدينية، لأنها لن تشكل التيار الرئيسي في سودان المستقبل، إلا إذا ارادوا الاندماج، فأنها فرض عين على أحزابنا الطائفية، التي تتفاوت في استعمالها الدين في الساحة السياسية عند اللزوم. إعلان باريس أجل هذه المراجعة "ناقش الطرفان بعمق علاقة الدين بالدولة كواحدة من القضايا الجوهرية واتفقا على مواصلة الحوار للوصول لصيغة مرضية لكافة الأطراف".

    إلاصلاح السياسي في السودان

    عانت الحياة السياسية السودانية من تجريف وتصحير لأسباب متعددة اهمها الديكتاتورية المايوية التي جثمت على ظهر الوطن، وبعد سنوات قصار لم تستعد فيها الحياة مجراها حط على كاهل الوطن ديكتورية الإنقاذ. السبب الهام الآخر ظاهرة الهجرة الى خارج الوطن وكانت ترتبط بالنظام السياسي الديكتاتوري. الهجرات الاولى فى منتصف السبعينات، والتي شابهت الوباء، كانت من فعل التدهور الإقتصادي والإجتماعي وبِدِء انسحاب الدولة من المسئوليات الإجتماعية (التعليم، الصحة وغيرها). هجرات التسعينات والتى تستمر حتى الآن كانت ذات طبيعة مغايرة، فاغلب مهاجري السبعينات كانوا من متضرري الإقتصاد، اما مهاجري الإنقاذ فقد ارتبطت بشكل حاسم بالسياسة والتصفيات الإدارية والإقتصادية.

    أصاب هذا التجريف كافة مفاصل الحياة السودانية: العشوائية، سوء الإدارة، التدني المخيف في الكفاءات، تدهور الزراعة والصناعة وكل انشطة الحياة. كان هذا اقوى مؤثر على التكوين السياسي للشعب السوداني. كان الفرد السوداني يتدرب على العمل الجماعي، التعددي والديمقراطي، فى اتحادات المدارس والجامعات، التكوينات الجغرافية، الاحياء والاندية المناطقية والعامة، الاتحادات العمالية والزراعية، النقابات المختلفة وغيرها. تم مصادرة هذه القنوات امام الشعب وأصبحت جميعها تدار عن طريق الاجهزة الامنية.

    ليس النظام وحده هو العائق لرفع كفاءة الشباب الطامح للتطور ولكن الهياكل القديمة من الاحزاب، والتي من فرط الضغوط الواقعة عليها من السلطة المستبدة، إن اصبحت جزءاً من مكرسات الاستبداد داخل منظماتها. من الصعب التكهن بمصير ومستقبل هذه الاحزاب في ظل قبضة الابوية المفرطة ومن تربوا على لبنها. سوف تواجة الحياة السياسية السودانية تحديات من الصعب التكهن بها، لكنها كلها سوف تدور حول غياب الديمقراطية داخلها.

    ليست المنظمات الشبابية، المجتمع المدنى، الحركات النسوية افضل حالاً، فهي ايضاً ترزح تحت مطرقة الانشقاقات، الصراعات الموضوعية منها والذاتية وسندان اتهامات التخوين، التمويل الاجنبي وغيرها من الثقافة المتوقع ان تسود في مثل هذه الظروف. ليس هذا ببعيد عن تدخلات الاجهزة الامنية والتي اصبحت فى غاية المهارة فى نشر هذه الاجواء والثقافة. تتحمل الحركات جزءاً من هذا الهرج لانها عاجزة عن غرس قيم التعاون، التضحية والإيثار عند كثير من افرادها. هذه المظاهر متكررة فى السودان منذ وقت طويل وأغلبها افراز متطاول لسيادة الفكر الظلامي، غياب الديمقراطية في المؤسسات الإجتماعية والتعليم المتدهور.

    احدى قضايا الإصلاح هي الإتفاق حول ماذا نعني بالتغيير؟. تراوح مطلقيها من الحركات الشبابية المعارضة، قوى الاجماع الوطني، والجبهة الثورية إلى الحركة الوطنية للتغيير برئاسة البروفسير الطيب زين العابدين، مجموعة سائحون، مقدمي مذكرة سبتمبر 2013 وإعلان باريس.

    هذا المشهد هو سلوك موضوعى تتبعة الديكتاتوريات العسكرية، ولجأ الية تيار الدولة الدينية مراراً وتكراراً. فهي تتبنى الشعارات الشعبية وتعمل عكسها، وتود ان تكون السلطة والمعارضة في آن واحد. جزء من تحديد المصطلح هو لنزع أجندة التغيير من تيار الدولة الدينية التي في السلطة والمعارضة. لقد اعطتنا التجارب المريرة لثورات الربيع العربي، أن قوي الثورة المضادة تعمل لتحويل دولة الإقصاء العلماني إلى دولة الإقصاء الاسلامي او العكس. ليس فى خاطر الكاتب سوى وصف الصورة، لأنها بعكس الإصلاح الديني ليست هناك محددات ثابتة ولكن تستجيب للمتغيرات بسرعة بالغة.

    قدمت الثورات العربية منهجاً ربما سيستقر في العمل السياسي الديمقراطي. قدمت التجربة المصرية إصلاحاتها من فشل التوافق الوطني لإسباب متعددة اهمها إتجاة الإخوان المسلمين في مصر إلي إعتماد التمكين، ومن ثم اخرجتها 30 يونيو من المعادلة. من الجانب الاخر قدمت التجربة التونسية، نموذجاً وصلت فيه إلى توافق مجتمعي كانا محصلة تطور التيار الرئيسي في الحركة الإسلامية بتونس (النهضة) ويقظة القوي الليبرالية واليسارية التي وقفت بالحوار والنضال السياسي لا بالتحريض الإقصائي. هذان النموذجان ربما يعطينا مشهداً، نسير فيه بشكل عام في إتجاه تطور الدول الاسيوية المسلمة الديمقراطية. هذا طريق طويل، مبشر في بداياتة في دستوري مصر وتونس.

    قضايا الفترة الانتقالية

    تتلمس الاتفاقيات المتوافرة في الساحة السياسية تحديد قضايا الفترة الانتقالية. المفجع أن كلها متشابهة بشكل كبير منذ ميثاق اكتوبر، الذي يدل أن تكلس حياتنا السياسية على مر العقود. القضايا التي نطرحها هنا لن نشير فيها إلى السلام في هذه القضايا، باعتبارها معطى أولي للدخول في المرحلة نفسها. هناك منظومتان من القضايا تواجه الوطن: اولاً: قضايا نظام الحكم والمسائل المتصلة بها والتي كانت محور الصراع وسبب فشل المشاريع الوطنية وتشمل: قضايا الدستور، العدالة الإنتقالية، العدالة الإجتماعية، العلاقات الخارجية والمجتمع المدني؛ وثانياً: القضايا المتصلة بالتغيير الإقتصادي والإجتماعي الذي سيشكل البنية التحتية لأي نهوض وطني والوصول لرؤية البناء والتنمية وتشمل: الثقافة الديمقراطية، تمكين المرأة، إجتثاث العنف من الحياة السياسية، محو الامية، الفقر، العطالة والديون.

    and#12288;

    دحض برنامج الحد الادنى

    تتلمس الاتفاقيات المتوافرة في الساحة السياسية تحديد قضايا الفترة الانتقالية. المفجع أن كلها متشابهة بشكل كبير منذ ميثاق اكتوبر، الذي يدل على تكلس حياتنا السياسية على مر العقود. لكن لماذا حدث هذا؟. كان المشهد بعد الاستعمار وجود تيارين رئيسيين في الساحة السياسية، كان غالب اختلافهما المشروع الإقتصادي والإجتماعي (الاحزاب الطائفية واليسار). برغم توحد كافة التيارات في التصدي للديكتاتورية العسكرية الاولي، فقد وصلت لثورة أكتوبر منقسمة حسب المشروعين.

    مهام الفترة الانتقالية: دروس مستفادة

    لعل أكبر مشاكلنا المنهجية ان العقل السوداني بعيد – نوعاً ما- عن المنهج التحليلي، رغم إن مناهجنا التعليمية قبل انقلاب مايو كانت مبنية أساساً على هذا المنهج، لكن كانت الثقافة العشائرية الابوية حائلاً كبيراً امام ممارسة هذا المنهج. هذا المنهج يعتمد أساساً على تقييم كل التجارب وأستخلاص العبر والدروس المستفادة منها. حدث في تأريخ السودانيين المعاصر ثورتان اطاحتا بديكتاتوريتين، إلا أن ما كتب عنهما قليل، سوى الكتابات الجارية في الصحف والمنتديات بعدها. المعتمد في هذا المجال ان توثق لجنة تحقيق كافة الاحداث وتقدم رؤيتها، ومن ثم تعالج القضايا التي طرحتها الثورات، مشاكلها التطبيقية ودروسها لاحقاً عبر اعمال جماعية ومؤتمرات وكتب..الخ. وسوف نلاحظ ان أن ثورة اكتوبر”الثورة المعتمدةand#8223;، تم تقييمها بعد خمسون عاماً بواسطة عدد من الكتاب.

    عندما تمت صياغة ميثاق أكتوبر 1964، كما يحدث غالباً أثناء الثورات، محملة باحلام عريضة، لم يكن هناك اهتمام حقيقي بأي شكل بالنظر في نظام الحكم، ترتيب الاولويات وإتجاهات العمل في الفترة الانتقالية. تميزت حكومة الانتقال باستقطاب شديد لممثلي التيارات المختلفة وللأسف تم اختيار رئيس وزراء بدون أي معايير للكفاءة، الخبرة السياسية او توفر رؤية لكيفية تنفيذ المواثيق. جعل هذا من هذه الحكومات مجرد اجهزة تسيير اعمال غير قادرة على إحداث تغيير حقيقي في مسيرة الوطن.

    مابعد أكتوبر كان صراعاً مريراً لتنفيذ الميثاق عبر احد المشروعين، وبالتالي استحوذ اليسار على حكومة ما بعد الثورة، التي رأى فيها انتصاراً لشعاراته. مفخرة هذه الحكومة مؤتمر المائدة المستديرة، والتي انتهت بدون انجازات عملية لم يكن قد تم الاتفاق الوطني عليها. ثم انتهت بانتصار المشروع الآخر، تحجيم تمثيل اليسار والتسريع بالانتخابات.

    تغيرت الظروف والمعطيات في عشية انتفاضة 1985، لكن لم تتغير الممهدات والنتائج. كان المشهد وجود تيارين رئيسيين في الساحة السياسية، كان غالب اختلافهما المشروع السياسي (قوى الانتفاضة والاسلام السياسي). لم يختلف ميثاق التجمع الوطني لإنقاذ البلاد عن ميثاق أكتوبر إلا قليلاً. لم تهتم القوى التي نفذت الانتفاضة بالوصول لتصور جمعي حول كيفية انفاذ المرحلة الانتقالية، ترافق هذا مع المظاهر المعهودة من ضعف الحكومة ورئيسها والاستقطاب الشديد فيها.

    يلخص بروفيسور/ عطا الحسن البطحاني، في كتابه "أزمة الحُكم في السودان- أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة 243-244"، تحولات الفترات الانتقالية "إن الطبيعة البنيوية للأزمة السياسية في السودان وتأرجح ميزان القوى المُصاحب للفترات الإنتقالية، ساهمت مع عوامل أُخرى، في فشل فترات الإنتقال وعجز الحكومات الديمقراطية عن تحقيق المهام المطروحة والمنوط بأنظمة الإنتقال تحقيقها (وحدة الوطن، الدولة المدنية العصرية، التنمية الإقتصادية) فتؤجل المهام لفترات قادمة. وتزداد مهام الإنتقال صعوبةً بقيام الأنظمة العسكرية بتصفية القوى الوطنية والديمقراطية في كُل مرة تعتلي فيها كراسي السُلطة، حيث يبز كُل نظام عسكري في هذا المجال من سبقوه، فيتآكل الرصيد التراكُمي لــ (الديمقراطية والثقافة المدنية) وبالتالي تتعاظم المهام وتقصر القامة، وكأننا نتقدم إلى الخلف".

    جاءت كافة المواثيق اللاحقة: ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي 1989، مؤتمر القضايا المصيرية 1995، إعلان القاهرة في 16 يناير 2005، برنامج البديل الديمقراطي، الفجر الجديد، اعلان باريس وما سيتلو، تتحدث عن نفس القضايا وتحمل نفس الاحلام. وبرغم انها تطورت في بلورة بعض التفاصيل، إلا أن التجربة العملية فيما بعد اتفاق نيفاشا، تؤكد غياب ترجمة إعلان القاهرة إلى توجهات عملية، فهم مشترك بين اطراف التجمع (الحركة الشعبية والمعارضة) للتحركات السياسية.

    لا يكفي الاتفاقات السياسية التي تقوم بها القيادات السياسية، وهذا مسئولياتها والتي تقوم بها ببراعة فائقة، إذ تنظر للوثائق فتبهرك اللغة وترتيب الافكار وغيرها. وربما إذا نظر إليها احد من خارج السودان وتتبعها، ليعجب من الوضع البائس الذي يحتله وطن لديه كل هذه الاتفاقات الرائعة. على الاحزاب السياسية، منظمات المجتمع المدني، النساء (كان لنساء تونس القدح المعلى في ايقاف الهجمة الشرسة ضد الحقوق المدنية بواسطة الاسلام السياسي، ولنساء مصر دور مشهود كذلك)، يقع الدور الاكبر لتوضيح مهام هذه الفترة، أسس وقواعد اختيارات تنفيذيها، التوجهات السياسية وخطوط العمل التي تضبط عملها، الكفاءات المطلوبة على مستوى التنفيذيين والمؤسسات الحكومية والمدنية وغيرها مما سنتناوله بالتفصيل.

    دحض برنامج الحد الادنى

    تنطلق الاحزاب جميعاً من برامج تختلف في درجة ارتباطها برؤية، أي إنحيازاً اقتصادياً وإجتماعياً. يمثل هذا البرنامج الحد الاقصى لما يحلم حزب ما في تحقيق بناء الوطن. وتتفق جميعها (عدا تيار الدولة الدينية) على الدولة المدنية (ما اسميه دولة الليبرالية السياسية) وحد ما من العدالة الاجتماعية التي تبلورها "الدولة المسئولة". برز في السودان ما اسمي برامج الحد الادنى –وهي برامج مرحلية قصيرة المدى- التي اشتهرت في السودان منذ ثورة اكتوبر، الانتفاضة، التجمع الوطني الديمقراطي، البديل الديمقراطي والفجر الجديد، وكل هذه البرامج تطرح تغيير او اسقاط النظام بمناهج مختلفة وتؤجل نقاش قضايا ما بعد التغيير.

    نجح هذا في الثورتين، واعطتنا ما اسمي بحكومات التسيير (حكومات ما بعد اكتوبر، الانتفاضة 1985 وما بعد مذكرة القوات المسلحة 1989). بدا هذا منطقياً من مفهوم مواجهة قضايا تحولات التعددية، السلام وايقاف الحرب. لكن مع تعقيد الاوضاع مع الإنقاذ من الانفصال، الفقر، التدويل، المنازعات الاهلية وغيرها لم تعد كافية. فالحركات المسلحة تطرح قضايا ما بعد التغيير بقوة وهي تحارب من اجل ذلك وكل برامج الحد الأدني ترفع سقوفها اكثر من السابق، وقد ظهر ذلك جلياً في صياغات وثيقة الفجر الجديد والتي عبر عنها ياسر عرمان "معتبراً ان الوثيقة التي تم التوقيع عليها كان يجب ان تتم منذ العام 1956 عشية استقلال السودان". برامج الحد الادني لم تستطع أن تلهم الشعب بالخروج لإسقاط النظام كما فعلت من قبل وكما فعلت مجتمعات مماثلة في المنطقة والعالم.

    من قراءة برامج الاحزاب المختلفة يمكن التوصل إلى أن في السودان، كما في أي دولة في العالم هناك برنامجان عريضان احدهما طريق بناء رأسمالي بتنوعاته المختلفة تقترب وتبتعد من العدالة الاجتماعية، وبرنامج اشتراكي ديمقراطي يقترب ويبتعد من الليبرالية السياسية والاقتصادية. وجدت تقارباً شديداً في افكار احزاب الامة، الاتحادي الديمقراطي من جهة، وتفارقاً معها من تيار الدولة الدينية في الأساس الديمقراطي، رغم هذا فإن كيفية سلوك الشرائح الاجتماعية الرئيسية المشكلة لهذه الاحزاب به تفاوتات حادة. افكار الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية من جانب آخر، وفي الوسط افكار عديدة من ما يمكن ان نطلق عليه اليسار ويسار الوسط ومنظمات وتيارات تعبر عن نفسها سياسياً وإن لم تكن غير متبلورة، مصاغة او بعضها غير منشورة.

    وقد لاحظت أن هناك مشتركات فعلية في كافة اطروحات التيارات والشخصيات التي تكتب واللقاءات المسموعة وغيرها. الاستقلال كان اصطفافاً وطنياً مشتركاً، جاء بعدها الموقف من المعونة الامريكية وكانت فرصة ضائعة لوضع الأساس للخروج من دولة التبعية، اكتوبر، الانتفاضة، ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، حكومة الوحدة الوطنية 1989، ميثاق التجمع وغيرها. كل هذه المحطات كانت فرصاً ضائعة للتطور نحو رؤية، المشكلة الكبرى أن كلها كانت اتفاقات حد أدنى ولم تتوصل لشيء. لم يتم نقاش الخلافات في كل هذه المحطات وكان التكتيك المتبع ان يتم نقاش المشتركات وتأجيل الاختلافات، ولعمري هذا هو آس البلاء.

    إذن هناك برامج الاحزاب –التي هي حد أقصى للحزب- والتي تضطر عند مواجهة كارثة وطنية أن تتحد في برنامج حد أدنى. لكن هذه البرامج الحزبية لم تؤد لبناء الدولة السودانية بعد الإستعمار، بل جعل فشل الفترة الديمقراطية تتلوها ديكتاتورية عسكرية وفشلها إلى ديمقراطية وهكذا. دخلت اغلب الدول التي استطاعت النمو والبناء (ماليزيا، الهند، اندونيسيا، كوريا، جنوب افريقيا وغيرها) في برنامج حد متوسط، تنازل فيه كل حزب ومنظمة إجتماعية عن جزء من حدها الاقصى (البرامج الحزبية) إلى الإتفاق حول رؤية مجتمعية شاملة لمعالجة كافة التشوهات التي تمزق جسد اوطانها.

    نرث في دولة ما بعد الانقاذ ميراثاً ثقيلاً وكارثياً في كل مناحي الحياة. لم تترك الانقاذ جحراً لم تولغ عنقها فيه، تتبنى شعارات عزيزة على الشعب وتطبقه عكس ما يشير الشعار، تفرغه من معناه وتغرقه في فساد اسود، يجعلها تفقد أثرها والاحتمالات المحملة بها. الحمولة ثقيلة على الاصلاح والتدبير والادارة. التعليم، الصحة، الزراعة، الصناعة، الخدمة المدنية، الجيش، الشرطة، النسيج الاجتماعي، تعايش اقوام السودان والاخلاق كلها منهارة وغارقة في الفوضي وسوء الادارة.

    هذا ليس كما وجدنا الوطن بعد عبود او حتى بعد نميري (وإن كانت الملامح العامة متقاربة)، ولكن ميراث مختلف كماً ونوعاً. لن يفلح مابعد الانقاذ السياسات التقليدية التي أدرنا بها حكومات الانتقال السابقة، ولن تعمل الآليات المتوارثة من خبرتنا في ادارة دولة ما بعد الاستعمار. لم تختلف المهام او القضايا كثيراً، لكن اختلف الواقع الذي سنعمل عليه، اصبح اكثر قسوة، واكثر تعقيداً. لن يفيدنا عام او عامين لاستعادة انفاسنا المرهقة المتعبة، ولكن المفيد أن الاطراف جميعها اتفقت على 4-6 سنوات للفترة الانتقالية.

    برنامج الحد المتوسط

    هذا هو جوهر المنطق الذي يوصلني أننا نحتاج إلى "برنامج حد متوسط لحوالي عشر سنوات" من بعد اسقاط نظام الإنقاذ، اربعه منها "إنتقالية تأسيسية. هذه المرحلة أساسية لمواجهة الازمات التي تحيط بالسودان "أزمة الهوية، أزمة الشرعية، أزمة الاندماج، أزمة التغلغل، أزمة المشاركة وأزمة التوزيع". وقد اقترحت عندما طرحت قضايا الفترة الانتقالية في كتاب "الرؤية السودانية: اطار عام للرؤية"، قضايا نظام الحكم والمسائل المتصلة بها والقضايا المتصلة بالتغيير الإقتصادي والإجتماعي الذي سيشكل البنية التحتية لأي نهوض وطني والوصول لرؤية البناء والتنمية، اطرح اطاراً وليس كتالوجاً. سوف تتحدد القضايا بملابسات الوضع السياسي المصاحب للتغيير، لكنها لن تخرج عن القضايا التي اعيد طرحها مراراً وتكراراً في جميع الوثائق ما بعد اكتوبر.

    الست سنوات اللاحقة بعد الفترة الانتقالية تبدأ فيها المؤسسات المنتخبة والحياة السياسية الكاملة، لكنها أيضا "تأسيسية للاتفاق حول الرؤية". بعد ان ننجز قضايا المرحلة الإنتقالية سوف يكون الفضاء السياسي والإجتماعي مهيئاً للاتفاق على رؤية سودانية. حاولت في كتابي تقديم إطار عام للرؤية وليست (الرؤية) نفسها، يوضح حاجتنا لها، العناصر التي ربما نود النظر إليها حين نبدأ بذلك ولتوضيح كيف نصل هناك.

    الوصول لرؤية يستلزم الحوار والتفاوض وهذه علوم تطبيقية تدرس الان وبها متخصصون يحملون الدرجات العلمية الرفيعة، مؤسسات كاملة قائمة على اعطاء الخبرة فيها. أن جوهر الوصول لبرنامج مشترك او رؤية هو التفاوض وهو حوار بين أطراف هدفها التوصل إلى تفاهم، لصياغة نتائج لتلبية المصالح المختلفة المشاركة في عملية التفاوض، حل نقاط الاختلاف وليس اكتساب ميزة ميزة فردية أو جماعية،. التفاوض هو عملية (Process) حيث يحاول كل طرف المشاركة في المفاوضات لكسب ميزة لأنفسهم في نهاية هذه العملية. والمقصود من أي تفاوض الوصول إلى حل وسط.

    and#12288;

    and#12288;

    and#12288;

    دحض حكومة التكنوقراط

    راج على طول عهود كثيرة - بعد الثورات والتغييرات الكبرى- الاتجاه نحو تشكيل حكومات تكنوقراط. التكنوقراطية كلمة اصلها يوناني من كلمتين تِكني (تقني) وكراتُس "سلطة اوحكم"، وباعتبارها شكلاً من أشكال الحكومة، تعني حرفياً حكومة التقنيين او حكومة الكفاءأت. التكنوقراطية لها جذور في حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة، وكان التكنوقراطيون يتكونون من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذة الظواهر، وإلى أن اقتصاديات النظام الاجتماعي هي من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة ويجب أن تخضع إدارتها للعلماء والمهندسين، وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التكنولوجيا. الحكومة التكنوقراطية:

    كانت حكومة أكتوبر الاولى حكومة سياسية، لكنها لم تستمر كثيراً، ثم انتقلت إلى حكومة التكنوقراط. وجاءت حكومة انتفاضة 1985 حكومة تكنوقراط. اذا كان الفشل لازم حكومات السودان الانتقالية، وانحصر دورها في تنظيم انتخابات برلمانية. لم يكن حظ حكومات التكنوقراط في دول الربيع العربي بعيداً عن هذا الفشل. ولكن لا تزال تتصاعد المطالبات هنا وهناك لتشكيل حكومات التكنوقراط من اليمن، العراق وحتى الباكستان.

    عادة بعد الثورات والتغييرات التي يقوم بها مجمل الشعب، تقوم الاشكال المنظمة (الاحزاب، النقابات، التنظيمات الفئوية وغيرها) بالتوصل إلى اتفاقات تنظم الحياة السياسية في البلاد. وبدلاً من أن تتحمل مسئولية تنفيذ الاتفاقات، تترك السلطة التنفيذية لحكومة التسيير، أي حكومة التكنوقراط. ارجع الفشل الذي لازم حكومات التكنوقراط من بعد أكتوبر السودانية ومروراً بكافة التجارب اللاحقة، الى العديد من الاسباب، لكن اهمها تنحصر في:

    أولاً: أساس الاختيار في حكومة التكنوقراط هو الحياد السياسي، فهم موظفون وليسوا منتخبين لاتخاذ قرارات سياسية. ولأن اختيارهم تم على أسس شخصية، فمرجعيتهم هي الاصدقاء والزملاء وليس اجهزة مؤسسية –رغم ضعفها- لديها قراءات للرأي العام. حكومة التكنوقراط تعمل وفق الربح والخسارة، بناءاً على حسابات شخصية- وليس وفق المصلحة العامة والمصالح البعيدة الأمد.

    ثانياً: حكومة التكنوقراط تبدد الطاقة الايجابية، التي تسود بعد التغييرات الكبرى، وتعيد الامور إلى اشكالها البرقراطية العادية، بكل ما تتميز به اجهزة الدولة من فساد، وتهميش المواطن العادي والاذلال.

    ثالثاً: من الصعب محاسبة حكومة التكنوقراط، فهم يعتبرون انفسهم –بحكم طبيعة هذه الفئات- غير ملزمين بقبول أي توصيات من أحد لأنهم المسئولين حصرياً عن منجزات وزارتهم. ليس لديهم أي هموم حول مستقبلهم لاحقاً، فهم لايمثلون احزاباً، وأصلاً ليس لدي اغلبهم طموح سياسي.

    رابعاً: عند تشكيل حكومة التكنوقراط لايخضع اختيار أعضاء هذه الحكومة لأي معايير متفق عليها، الذي يحدث أن الاختيار سياسي ويتم حسب قرب او بعد المسئول من تيار سياسي ما اعتماداً على قوة التيار المعين.

    خامساً: ليس هناك في تأريخ السودان او الاقليم تجربة واحدة ناجحة لحكومة تكنوقراط، كلها تميزت بالضعف الشديد، وعدم القدرة على احداث تغيير سياسي، إقتصادي او إجتماعي حقيقي لتنفيذ شعارات التغيير.

    الحكومة الانتقالية السياسية

    عقب ثورة أكتوبر، تكونت حكومة جبهة الهيئات برئاسة سر الختم الخليفة والتى حظيت بقدر كبير من الإجماع الوطنى إلا أن قيادات الأحزاب الطائفية عمدت للضغط على رئيس الحكومة حتى استقال وشكل حكومة اخرى برئاسته. وشكلت حكومة أكتوبر الإنتقالية الأولى التي ضمت مُمثلاً لكُل من: حزب الأُمة والحزب الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء يمثلون النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين من جنوب السودان.

    برغم قصر فترتها استطاعت هذه الحكومة أن تبدأ في اتخاذ خطوات هامة ومفصلية، وأيا كان راينا فيها، لم تستطع أي وزارة بعدها من الاقتراب نحوها. عالجت الثورة التطهير بعد التحقيق في اتهام صاحبها بالفساد أو سواه. وقد اعتمدت اللجان على التحقيق و العمل الميداني " فجاء في وقت لاحق أن لجنة التحقيق في فساد خشم القربة سافرت إلى بعض قرى المرحلين من حلفا القليلة التي لم تزرها من قبل". تلقت هذه اللجان بلاغات عن الفساد فحققت فيها وبرأت ساحة من لم تثبت عليه تهمة.

    كان مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في مارس 1965، أول مهمةٍ اضطلعتْ بها حكومة أكتوبر الأولى، حيث كان وقف الفتنة والاقتتال في جنوب البلاد؛ شعاراً وهدفاً رئيساً لسياساتها التي تبنتها. بعد جهودٍ مكثّفةٍ أمكن الاتفاق على عقد مائدةٍ مستديرةٍ في الخرطوم، بهدف بحث المشكلة، والتوصل إلى الحلول المناسبة، بمشاركةٍ من ممثلي الأحزاب السياسية في شمال السودان وجنوبه. كلف المؤتمر لجنة الإثني عشر، التي تكونت من الأحزاب السياسية المشاركة، ببحث المستقبل السياسي للسودان، على حسب مقررات المؤتمر، ولكن حكومة سر الختم الخليفة استقالت قبل أن ترفع اللجنة توصياتها. وبدلاً من الاستمرار في ايجاد حل نهائي، اندفعت حكومة اكتوبر الثانية للتحضير للانتخابات.

    عالجت حكومة اكتوبر الاولى احد شعارات اكتوبر عن تصفية الادارة الاهلية. وكما قال د. عبد الله علي ابراهيم في سلسلة مقالاته عن ربيع ثورة أكتوبر ربيع ثورة أكتوبر 1964 : يا طفلنا الذي جرحه العدا (1-30) كل يوم حلقة
    " : يا طفلنا الذي جرحه العدا " لم تكن خصومة الإدارة الأهلية وساوساً شيوعياً أو إخوانياً. كان لمطلب التخلص من الإدارة الأهلية قواعده الاجتماعية في الأرياف نفسها وبين صفوة الخريجين". وفي ذلك كتب الشفيع المذكرة بتاريخ 21 يناير 1965 بخطاب منه بصفته وزير شئون الرئاسة لحكومة ثورة أكتوبر الأولى لسكرتير مجلس الوزراء، وتناولت المذكرة مقترحه لإعادة النظر في الإدارة الأهلية. وغطت المذكرة مقدمة تاريخية عن نشأة الإدارة الأهلية، وضع الإدارة الأهلية الحالي، سلطات وواجبات الإدارة الأهلية، نظرة إلى فساد الإدارة الأهلية بجمعها السلطات القضائية والإدارية (أي أن يكون الناظر مثلاً إدارياً يجمع الطلبة وقاضياً يحكم بالسجن والغرامة)، ثم التوصيات بما ينبغي فعله بالإدارة الأهلية.

    حكومة مابعد الانتفاضة التكنوقراطية كانت محددة باتفاق واضح، لفترة عام فقط. اغلب وزرائها جاءوا من قادة العمل النقابي، لدي اغلبهم خبرات ادارية، لكن تميزت الحكومة بضعف سياسي بالغ جعلها مجرد حكومة تسيير اعمال، وتركت إدارة شئون التشريع لمجلس إنتقالي منحاز بشكل واضح لتيار الدولة الدينية، محافظ سياسياً وعملوا لغترة طويلة داخل نظام النميري الشمولي. لقد تركت قرارات الحكومة الانتقالية أثراً مدمراً على مستقبل السودان، وسمحت قوانينها المنحازة بصعود تيار الدولة الدينية وافلاتها من المحاسبة.

    يكون الشعب بعد التغيير في افضل معنوياته، راغباً في العطاء والتضحية ومستعداً لتحمل اقسى الظروف لأن طاقة الامل الايجابية مشرعة، لكن حكومة التكنوقراط بحسب طبيعتها مؤقتة، ويميل افرادها إلى تجنب القرارات الصعبة والاستراتيجية. أن الحكومة المؤهلة لتدبير امور البلاد بعد التغييرات الكبرى هي ممثلين للاحزاب والمنظمات التي صاغت البرناج المرحلي، وعليها أن تتحمل هذه المسئولية.

    أولاً: أساس الاختيار في حكومة السياسيين هو التزامهم بتنغيذ ما اتفقوا عليه. هذا عبء معنوي ثقيل لأن هناك رقابة من الاحزاب والمنظمات المشاركة، وتفرض سلوكاً معيناً لأن قراراتهم سوف تؤثر على مستقبلهم واحزابهم.

    ثانياً: حكومة السياسيين ذات طبيعة مستدامة، وبامكانها اتخاذ كافة القرارات الصعبة والاستراتيجية. إن الحكومة السياسية قادرة بحكم تكوينها، والظهير الشعبي المؤيد لها على احداث تغيير سياسي، إقتصادي او إجتماعي حقيقي لتنفيذ شعارات التغيير. ايضاً مع طول الفترات الشمولية في السودان، فإن هناك ضعف في كوادر كافة الاحزاب والمنظمات لبعدها الطويل عن إدارة الدولة. وقد تفاقم هذا بإقصاء كافة القوى والتيارات فعلياً من الخدمة الحكومية. سوف تكون هذه الفترة، التي تتميز عادة بغلبة العمل الجماعي والمشاركة الجماهيرية الواسعة، مدرسة كبرى لاكتساب القادة الجدد للتجارب وتأهيلهم للخدمة العامة والاتفاق على معايير الاداء.

    ثالثاً: يجب الاتفاق على معايير اختيار متفق عليها، وعلى نظام شفاف للمحاسبة. ليس هناك معايير عالمية للاختيار، لكن يمكن الوصول لحزمة مناسبة حسب المرحلة. وهناك تجربة "تحالف خبراء مصر"، والذي دعا لحوار مجتمعي حول المؤهلات الواجب توافرها في من يشغل منصبًا وزاريًّا، ومعايير تقييم أدائه، وطرح التحالف – الذي يضم مجموعة كبيرة من الخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات العلمية والفكرية – رؤية مبدئية تكون طريقًا ومرشدًا في اختيار الوزراء وتقييمهم، ومساعدتهم على النجاح في خدمة الوطن. "وجاءت الرؤية المبدئية التي قدمها التحالف في الصفات الواجب توافرها فيمن يشغل منصبًا وزاريًّا من حيث المؤهلات الشخصية:- طهارة اليد – ذو قدرات قيادية - يحسن العمل الجماعي. ومن حيث المؤهلات الإدارية: أن تكون لديه خبرة في إدارة فرق العمل متعددة التخصصات، معرفة وتطبيق أسس الإدارة الحديثة، القدرة على التخطيط ومتابعة التنفيذ وحل المشكلات، ووضع الأهداف ومعايير النجاح وتطبيقها. ومن حيث المؤهلات الإعلامية:- مهارات التواصل والعرض الفعال - إجادة إدارة الحوار العام - إجادة فنون إدارة الخلاف - القدرة على التعبير بالكتابة وشفاهة - حسن الهندام واللياقة العامة، وفيما يخص المؤهلات السياسية:- متوافق مع التوجه السياسي للإدارة- صاحب رؤية - على أن يكون إثبات هذه الصفات والمؤهلات مشفوعًا بسابق الخبرة".and#12288;

    and#12288;

    نظام الحكم

    ورث السودان نظاماً للحكم من الفترة الاستعمارية قائماً على مجلس سيادة، غرفة مجلس النواب الذي يختار مجلس الوزراء ونظام حكم مركزي. واستمر هذا النظام هو المعتمد بعد ثورتي اكتوبر 1964، وانتفاضة ابريل 1985 مع اضافة نظام لامركزي مستلف من النظام المايوي. بعد انقلاب الانقاذ وبروز الحركة الشعبية ودعوتها لنظام حكم اكثر ديمقراطية ولامركزية، دخلت في الادبيات السودانية تعبير "كيف يحكم السودان". عالجت كافة الوثائق التي اتفقت عليها المعارضة هذه الاطروحة عبر عدد من الآليات.

    مؤتمر القضايا المصيرية يونيو 1995

    جاء في البيان الختامى وتحت عنوان فرعي - شكل الحكم: أن يحكم السودان خلال الفترة الانتقالية على أساس الحكم اللامركزي، ويحدد الدستور الانتقالي السلطات والصلاحيات وتوزيعها بين المركز والكيانات الإقليمية، كما تمت معالجة علاقة الدين بالدولة. وتحدث المؤتمر أن النظام ديمقراطي قائم على التعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان. حول الفترة الانتقالية كان هناك اتفاق ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي 1995 والذي اجيز في الاجتماع وحدد الفترة لأمد لا يتجاوز الخمسة أعوام كما حدد مستويات الحكم: مجلس للسيادة ويتكون من ثلاثة وتكون رئاسته دورية، مجلس وطني يضلع بمهام التشريع والسياسة العامة، مجلس للوزراء يقوم بأعباء السلطة التنفيذية. أن تقوم في الأقاليم مجالس إقليمية وأخرى تنفيذية. وجاء إعلان القاهرة في 16 يناير 2005 ليوكد ما تم التوصل إليه من قبل حول شكل الحكم وحق تقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة.

    وثيقة البديل الديمقراطي 2012

    جاءت الوثيقة اكثر تطوراً من الاتفاقات السابقة حيث اشارت بوضوح "الدولة السودانية دولة مدنية ديمقراطية تتأسس علي المساواة بين المواطنين وتؤكد ان الشعب هو مصدر السلطات وتعتبر ان المواطنة هي اساس الحقوق والواجبات". وحددت الفترة الانتقالية بثلاث سنوات تشارك فيها كل القوي السياسية الموقعة علي وثيقة البديل الديمقراطي وفصائل الجبهة الثورية مع مراعاة تمثيل النساء والمجتمع المدني والحـركات الشبابية والشخصيات الديمقراطية المستقلة.

    لم تتعمق الوثيقة حول شكل الحكم سوى بعبارات عامة شملت إلغاء نظام الحكم الاتحادي الراهن، وإعادة تأسيس هيكلة نظام الدولة بما يحقق ديمقراطية حقيقية، وعقد المؤتمر القومي الدستوري للاتفاق حول مبادي الدستور الدائم، علي أن تتعاهـد وتلتزم القوي الموقعة علي الميثاق بدستور مدني ديمقراطي، يكفل حقوق الانسان وفق المواثيق والمعايير الدولية. جاءت التفاصيل في مسودة الاعلان الدستوري الانتقالي، والذي لم يتم الاتفاق الكامل عليه. حددت مؤسسلت الحكم الانتقالي: السلطة التشريعية الإنتقالية، مجلس سيادة يمثل السيادة وتتداول رئاسته من بين أعضائه كل سته أشهر. مجلس وزراء تكون له السلطة التنفيذية العليا في.

    ميثاق الفجر الجديد يناير 2013

    إتفقت القوى الموقعة على إقامة فترة إنتقالية مدتها اربع سنوات تنتهى بإقامة إنتخابات حرة ونزيهة وينعقد خلالها مؤتمر دستورى يحقق إجماع وطنى حول كيفية حكم السودان بمشاركة فاعلة من شعوب واقاليم واحزاب السودان وقواه الحيه ومجتمعه المدنى. ووصفت الدولة السودانية بدولة فدرالية ديمقراطية تعددية تتأسس على المساواة بين المواطنين وتعتبر أن المواطنه هى اساس لنيل الحقوق والواجبات وتضمن حرية الفرد والجماعة، وحول الدين والدولة نصت على إقرار دستور وقوانين قائمة على فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة لضمان عدم إستقلال الدين فى السياسية

    جاء تشكيل الحكومة الإنتقالية ليشمل حكومة وحدة وطنية إنتقالية تتشكل من قوى التغيير السودانية الموقعة على الوثيقة. تتكون مستويات الحكم الإنتقالى من اربعة مستويات: الفدرالى، الاقليمى، الولائى والمحلي. إعتماد نظام فدرالي قائم على ثمانية اقاليم. هناك مجلس التشريعى كسلطة تشريعية، مؤسسة الرئاسة الانتقالية (تمثل السيادة الوطنية وتكون راسا للدولة وتتشكل من رئيس الجمهورية ، نواب الرئيس ( حكام الاقاليم زائداَ إمرأة على الأقل) ومجلس الوزراء. .

    وقعت كل الاحزاب بما في ذلك حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي (الأصل) ، ثم تبرأ الجميع بعد حملة حكومية قاسية تمحورت حول خرق المعارضين السلميين لقانون الأحزاب الذي يحرم العمل المسلح أو العون عليه ثم لتبنيهم علمانية الدولة.

    قضايا النقاش: النظام البرلماني والجمهوري

    تتميز الإتفاقات المعارضة إنها صياغات تحاول تضييق دوائر الخلاف المحتملة؛ كما لاتستند الإتفاقات على توجهات استراتيجية لكن تنقيح ما جاء في إتفاقات سابقة عليها. الاخطر من هذا كله أن هذه الاتفاقات لاتطرح لأي نقاش مجتمعي، واكاد اقول إنها لاتطرح حتى على عضوية المنظمات التي توقع عليها، والنتيجة أننا نصحو يوماً على إتفاق جديد. الاتفاقات ليست عملاً سرياً - تتولاه الاحزاب في الغالب، لكنه توافق وطني عريض لابد ان يحس كل فرد في الوطن- الذي سوف يحقق التغيير- بأنه شريك فيه.

    نلاحظ فوراً أن السودانيين ظلوا طوال تأريخهم اسرى مجلس السيادة والبرلمان ورئيس الوزراء في العهود الديمقراطية، رئيس الجمهورية والوزراء معاً وبرلمان شكلي في العهود الديكتاتورية. في العهد الديمقراطي الثاني (1964-1989)، طرحت الجمهورية الرئاسية لكنها سرعان ما اختفت. تهتم الاتفاقات الانتقالية بمستويات الحكم العليا وتترك الاقاليم والمحليات بدون تغييرات حقيقية، كما أنها تنشغل بالمسألة الدستورية والقوانين بشكل مرضي. غياب التحليل الاستراتيجي للمراحل المختلفة هو سبب أن اتفاقاتنا نسخ مكررة من سوابقها وكأننا في دائرة شيطانية ممتدة في الزمن.

    ورغم كم الكتابات الموضوعية منها وغير الموضوعية، التي انتجها أبناء الوطن في ربع القرن الماضي، فبالكاد نرى لها أي أثر في هذه الاتفاقات المتوالية. غير مؤتمرات رادها د. حيدر ابراهيم وضمت العديد من المفكرين والكتاب وناقشت قضايا حيوية، وتركت أثراً على ما طرح من افكار لاحقاً، وبعدها مركز الخاتم عدلان، مركز سالمة، مركز طيبة وغيرها، فمعظم من يكتبون هم فرادى يعبرون عن ارائهم، ومهما بلغت درجة صوابيتهم، فهي في النهاية مجرد اراء غير قادرة على شق مسار مؤثر على من يتصدون لكتابة الاتفاقات، لتصبح كل هذه الكتابات مجرد صرخات في جب عميق يفتقد الصدى. رغم ذلك أبناء الوطن يحاولون الوصول ل"دار فوز" جديدة تعبر عن هموم الوطن.

    يوجد النظام البرلماني الشييه بالنموذج السوداني في سويسرا وسان مارينو، يكون رأس الدولة فيها مجلس أو لجنة من عدة أشخاص يشغلون المنصب. النظام البرلماني يشمل الدول الاوربية، عدا فرنسا، الهند والدول ذات الملكية الدستورية مثل بريطانيا، اندونيسيا، ماليزيا، استراليا وكندا، وجنوب افريقيا (جمهورية برلمانية بصلاحيات لرئيس الدولة مرتبطة بالبرلمان). وهناك النظام الرئاسي مثل الولايات المتخدة وتركيا والنظام المختلط كفرنسا.

    والسؤال: لماذا تصر المعارضة على تبني النظام البرلمانى المشار إليه سابقاً؟ ليس في تجاربنا السودانية أي دليل على نجاح النظام الذي نعيد تكراره، ونريد تكراره في الفترة الانتقالية (مجلس سيادة وبرلمان). وغير الدول المستقرة والتي تمتلك مؤسسلت حقيقية عاملة وكفؤة، فقد هجرتها الديمقراطيات الناشئة. وفي السودان تحديداً يؤدي التنوع الكبير إلى عدم حصول أي من الاحزاب على اغلبية تمكنها من تكوين حكومات مستقرة، وهذا خطر في دولة مفلسة مثل دولتنا، وقد جربنا هذا في ماضينا القريب.

    يرى دكتور عمرو الشوبكي في مقال جيد في جريدة المصري اليوم 2 فبراير 2011"أن ربط الديمقراطية بالنظام البرلمانى خطأ فادح، لأننا ننسى أن النظام الرئاسى فى معظم دول العالم هو نظام ديمقراطى، باستثناء العالم العربى، وأن الغالبية العظمى من بلدان العالم الثالث، التى عرفت متأخرة الديمقراطية، تبنت النظام الرئاسى وعلى رأسها بلدان أمريكا اللاتينية التى تبنت جميعها، وبلا استثناء، نظاماً رئاسياً ديمقراطياً". ولخص مشكلات النظام البرلماني "إن مشكلة النظام البرلمانى فى بلد مثل مصر (معروفة مشكلاته الحزبية)، أنه يجعل هم رئيس الوزراء اليومى أن ينجو من تصويت سحب الثقة فى البرلمان، ومع الوقت تضيع مشاريعه التنموية أمام حرصه على عدم إغضاب الكتلة البرلمانية لهذا الحزب أو ذاك، حتى يستمر فى الحكم".

    صحيح لدينا تجارب السودان حيث ارتبط النظام الرئاسى بالديكتاتورية، لكن في المقابل هناك الديمقراطيات العتيدة التي تدار رئاسياً من فرنسا، امريكا والهند وغيرها. النظام الرئاسى الديمقراطى يقوم على إعطاء صلاحيات واسعة، ولكن غير مطلقة، لرئيس الجمهورية تخضع للمراقبة والمساءلة من قبل الشعب، كما أن فترة الرئاسة محددة بمدتين غير قابلتين للتمديد، كما أن هناك نظماً رئاسية تعطى بعض الصلاحيات لرئيس الوزراء مثل فرنسا وتُعرف بالنظم المختلطة رغم أنها فى الأصل جمهورية رئاسية.

    انني مع النظام الرئاسي في السودان، لأنه فى بلد نامٍ مثل السودان يعانى مشكلات فقر وبطالة، وشهد فى سنواته فساداً وانهيارات حقيقية فى الصحة والتعليم والخدمات العامة، الزراعة والصناعة وغيرها. النظام الرئاسي يوفر الاختيار من قبل الشعب، سوف يتم على اسس برامج المرشحين ويوفر فرصة رئيس لديه برنامج طموح لنهضة هذا البلد ومواجهة مشكلاته، وهو أمر حققه رئيس البرازيل السابق لولا دا سيلفا الذى نقل البرازيل خطوات إلى الأمام من خلال برنامجه الرئاسى وليس من خلال برنامج حكومى.

    and#12288;

    and#12288;

    and#12288;

    نظام الحكم: الدستور

    كما اشرنا في المقال السابق وجدنا أن الاتفاقات الانتقالية تنشغل بالمسألة الدستورية والقوانين بشكل مرضي. ونتناول هذه القضية لأنها تعتبر قدس الاقداس في مجمل العملية السياسية. إذا اتفقنا على فترة انتقالية طويلة نسبياً، كما تشير الاتفاقات الاخيرة، فسوف يتيح لنا هذا الخروج من انحصار عمل الحكومة الانتقالية على الدستور والقوانين، ليحدث حوار موسع وطويل الامد حول الدستور، القوانين خاصة قانون الانتخابات وغيرها. سوف يتيح هذا أن تعمل الحكومة الانتقالية على الاولويات الطارئة والمزمنة التي تواجه الوطن.

    لدينا في السودان تجارب عديدة في وضع الدساتير بلغت الثماني محاولات (الدستور الإنتقالي 1956، الدستور الإنتقالي 1964، محاولات دستور 1965-1969، دستور 1973، الدستور الإنتقالي 1985، محاولات دستور 1986-،1989، دستور 1998، الدستور الإنتقالي 2005 وقد فشلت جميعها في ان نتوصل لدستور دائم حقيقي. سنواجه في الفترة الإنتقالية وبعدها بمسئولية الوصول لدستور دائم. اوضحت التجارب العالمية في وضع الدستور على عدد من المباديء يجب توفرها في عملية صناعة الدستور، صاغتها مخرجات ورشة عمل المبادرة السودانية لصناعة دستور للسودان.

    يمكن أن نقول بلا مبالغة إن تأريخ حياة السودانيين السياسية فيما بعد الاستقلال، هو تأريخ صراعهم حول الدستور الإسلامي، ونعني أن كل القضايا الأساسية التي صنعت التأريخ المعاصر ارتبطت بشكل أو بآخر بها. تميزت الدعوة إلى الشريعة الإسلامية والدستورالاسلامي في السودان – كما لاحظ الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي الباحث في مؤسسة قطر للتربية والعلوم، الباحث في القضايا الإسلامية بشكل عام ومشكلات الحركات الإسلامية في العالم العربي- أنه برغم إن الشريعة الإسلامية 90% منها أخلاق وليست قوانين، يعني ليست مجالاً يفترض أن تتدخل فيه الدولة بقوة القانون، ولكن الحركات الإسلامية تريد أن تحول كل الأخلاق إلى تشريعات.

    بدأ من 1964 وعند سقوط النظام العسكري، ستتبني الأنظمة الديمقراطية الدستور الإنتقالي لعام 1956 وفي 1985 بعد سقوط نظام المشير نميري تم تبني نفس الدستور الإنتقالي وجزئيا بعد اتفاقية نيفاشا 2005. ويمكن تفسير هذه الظاهرة إن الثورات والانتفاضات التي تقود لتغيير النظام تقوم بها القوى المدنية المنظمة في المدن خاصة العواصم. في تلك الفترات يتحلل أفراد الشعب من ارتباطاتهم القبلية، الطائفية والجهوية ضد عدو مشترك حجر عليهم حقوقهم. في هذا الجو المشحون عاطفياً وسياسياً تسيطر التنظيمات (أحزاب، نقابات، منظمات أهلية...الخ) الخفيفة الوزن انتخابياً على الشارع وتقوده. ولأنها قوى مدنية ومتعلمة وتعرف حقوقها ومكتسباتها جيداً، تعيد البهاء إلى دستور 1956 الإنتقالي الذي بعموميته والحريات فيه يمثل أفضل المكاسب لديها.

    هناك جانب آخر في المسالة يتمثل في إن الدساتير السودانية منذ 1953 لم يشترك الشعب في نقاشها، ثانياً إن هذه القوى تأريخياً ليس لديها – والحديث هنا عن مجموع الشعب- ثقافة قانونية كبيرة ولم يبذل جهد من قادتها بتعميق مفهوم الدستور وأيضا أن التغييرات الكثيرة والمتنوعة - والتي جميعها لم تلامس القضايا الأساسية للوطن - أفقدت معني الدستور المصداقية التي يستحقها.

    ترضخ الأحزاب الطائفية ثقيلة الوزن الانتخابي، والتي كانت جماهيرها المدنية مشغولة بإسقاط النظام وجماهير الأرياف التي ترزح تحت مظالم القرون، حتى تعيد ترتيب نفسها لان طبيعة الارتباط بها مختلفة عن القوى المدنية. فغالب بنائها أبنية حديثة مركبة على أساس طائفي، وارتباط جماهيرها بها ايديولوجي وليس تنظيمياً كالتكوينات المدنية. لذلك تحتاج إلى وقت حتى تستعيد زمام المبادرة وتلف جماهيرها حولها وتحول الأساس الايديولوجي إلى حركة تنظيمية، وبذلك تقلب الطاولة على القوى المدنية وتنتزع المبأداة خاصة مع الانتخابات التي تجرى سريعاً. حدث هذا بالضبط في أكتوبر 1964 مع جبهة الهيئات. وقد تم في 1964 تبني الدستور بحذافيره. كان هذا منطقياً وموضوعياً، فالرجال الذين أجازوا دستور 1956 هم نفس القادة. والقوى الجديدة التي قادت المظاهرات والإضرابات وبرزت بعد أكتوبر وتصدرت الحكم (اليسار، النقابات وقوى الهامش) كانت تهتم بالشق الإقتصادي الإجتماعي للدستور.

    أما في ابريل 1985 فقد خاضت جميع الأحزاب معارك النظام لسنوات طويلة، تعلمت من درسها وكانت تتابع حركة الشارع والشعب وتشارك، ورغم تفتتها تنظيمياً إلا أنها استفادت من تحالفها مع قوى مدنية عقائدية – الاتجاه الإسلامي – واستطاعت تكوين مجموعاتها التي كانت حكراً على اليسار قبل انقلاب مايو 1969 وسط القوى المدنية وأصبحت موجودة في النقابات والمنظمات المختلفة ولذلك كانت القوى اقرب إلى التوازن. أدى هذا للتفكير الاستراتيجي للأحزاب الطائفية في الانتخابات بعد عام إلى تأجيل معركة الدستور.

    بعد سقوط نظام نميري أعيد الاعتبار إلى دستور 1956 ولكن تم الاحتفاظ بجزء من الدستورالموروث من الحكم العسكري تحت بند مصادرالتشريع - الشريعة الإسلامية والعرف مصدران أساسيان للتشريع والأحوال الشخصية لغير المسلمين يحكمها القانون الخاص بهم. ورغم أنه كان قد تم دمغ القوانين التي صدرت في سبتمبر 1983 بالقوانين السيئة السمعة وإنها لاتساوي الحبر الذي كتبت به، إلا أنها لم تلغ بل جمدت. كانت الحجة الأساسية أن قوانين مايو ستصفي لاحقاً وفي الحقيقة كانت هذه مخارجه، لكي لاتضطر أحزاب مبنية على الطوائف الدينية أن تخسر المعركة مع تيار الدولة الدينية، والذي تعرف جيدا مصادر قوته، امكانياتة الإقتصادية، الحشدية والاختراقية التي بناها طوال عشر سنوات تحت ظل مايو وفي غيابهم جميعاً.

    تجارب العالم في صياغة الدستور

    حفل العالم بتجارب عديدة من وضع الدستورخلال العقود الثلاثة الاخيرة بعد النهوض الديمقراطي وحقوق الانسان في دول شرق اوربا، امريكا اللاتينية، جنوب افريقيا واندونيسيا وغيرها. الآليات التي تمت كانت متنوعة ومتعددة وتمت تحت ظروف مختلفة. كلها كانت تهدف إلي وضع دستوريحقق التحول الديمقراطي الحقيقي، التوافق المجتمعي والعض بالنواجذ على حقوق الانسان كما توصلت لها كافة دول العالم واصبح دستورا للانسانية وضمنت كثيراً منها وثيقة للحقوق. سوف نتناول تجربتي جنوب افريقيا واندونيسيا في صياغة الدستور.

    تجربة جنوب افريقيا في صياغة الدستور

    بعد الغاء الابارتهايد في جنوب افريقيا وبين عامي 1990 و1994، أجريت المفاوضات حول الاتفاقات المتعلقة بالعملية الدستورية، خلال دورات خاصة وعامة بين الخصوم السابقين. شملت الاتفاقات في خاتمة المطاف، إتفاقاً حول دستور إنتقالي يتضمن مبادئ وإجراءات مُلزمة بالنسبة لعملية وضع الدستور النهائية. مثلت العملية الدستورية في جنوب إفريقيا المثال الكامل لعمليات وضع الدساتير القائمة على مشاركة المواطنين فيها. حتى ذلك التأريخ، لم يكن لعامة الناس دور مباشر في وضع الدساتير، أما في هذه الحالة فقد بادر ممثلو الشعب المنتخبون الممثلون في الجمعية التأسيسية الاتصال بالناس، تثقيفهم ودعوتهم لإبداء وجهات نظرهم. تَضمّنت الجهود التثقيفية حملة في وسائل الإعلام، حملة إعلانية في الصحف، محطات الإذاعة والتلفزيون، لوحات الإعلان على الحافلات، وكذلك في صحيفة تنشرها الجمعية التأسيسية وكانت توزع 160,000 عدداً، رسوم كرتونية، موقع على الانترنت وإجتماعات عامة. طالت تلك الجهود مجتمعة حوالي 73% من السكان. تلقت الجمعية التأسيسية، بين سنة 1994 وسنة 1996، مليوني اقتراح أو طلب من جانب الأفراد، مجموعات المناصرة والدفاع، الجمعيات المهنية وأصحاب المصالح الآخرى.

    التجربة الإندونيسية في صياغة الدستور

    يبلغ عدد سكان إندونيسيا حوالي 238 مليون شخص، وهي رابع دولة من حيث عدد السكان، وأكبر دولة بها عدد سكان مسلمين. عدد السكان المسلمين، 86.1and#1642;، وفقاً لتعداد عام 2000، 9and#1642; من السكان مسيحيون و3and#1642; هندوس، و2and#1642; بوذيون وأقليات أخرى. يوجد نحو 300 إثنية و742HYPERLINK "http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%AA_%D8%A5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A7http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%AA_%D8%A5...8A%D8%B3%D9%8A%D8%A7" لغة ولهجة مختلفة. أكبر مجموعة عرقية هي الجاوية الذين يشكلون 42and#1642; من السكان، ويهيمنون على البلاد سياسياً وثقافياً. شعار إندونيسيا الوطني هو "الوحدة في التنوع".

    ركزت اندونيسيا منذ اليوم الأول لثورة الاصلاح علي السعي لتعديل الدستور، وبدأت عملية التحضير لهذا التعديل من خلال مناقشات واسعة ضمت كافه اطياف المجتمع، من اجل فهم وتحليل المشكلات التي كانت سائدة تحت ظل النظام السابق، والاطلاع علي اراء المعارضين للحكومة في قضايا مثل حقوق الانسان، الفساد والديمقراطية. الخلاف الذي كان دائراً في بداية عملية الاصلاح باندونيسيا، كان يتمحور حول طبيعه الدولة هل تكون اسلامية ام مدنية. وتوصلت الاطراف الاندونيسية الي صيغة تضع مباديء واخلاقيات الدين في مكانة عالية بينما تبني المؤسسات السياسية، الإقتصادية والإجتماعية علي اساس مدني، وتخضع للقواعد والاحتياجات المادية اليومية التي يواجها المجتمع.

    حتى هنا فهذا امر عادي يحدث في كل الثورات، لكن الذي حدث بعد ذلك كان غير العادي. عندما اراد الاندونيسيون وضع الدستور، اختاروا بالتوافق السيد يعقوب توبنج أستاذ القانون المنتمي إلي أقلية دينية (المسيحية) والقادم من أقلية سكانية (جزيرة سومطرة)، ليرأس اللجنة المشكلة لوضع دستور جديد للبلاد بعد الثورة الشعبية التي أسقطت الجنرال سوهارتو عام 1998، ذلك أن الجميع كانوا يضعون نصب أعينهم هدفاً واحداً يتمثل في إقامة دولة عصريةً بهويةً واضحةً ومحددة.

    افكار حول الوصول لدستور السودان

    صاغت مخرجات ورشة عمل المبادرة السودانية لصناعة دستور للسودان، كثيراً من الافكار الجيدة التي اراها جديرة بالاهتمام. تعد عملية وضع الدساتير من أهم العمليات التي تمهد الطريق نحو الانتقال إلي نظام ديمقراطي. فالدستور هو الذي يضع الأسس التي يقوم عليها كيان الدولة، يحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، ويضع ضمانات حماية هذه الحقوق وكفالتها. كما أنه يحدد طريقة توزيع السلطات في المجتمع ومستويات الحكم عبر نظام اللامركزية، أو بين نظام الحكم من ناحية، والمجتمع المدني بمنظماته المتنوعة من ناحية أخرى.

    أختلفت منهجية صنع الدساتير في الـ25 سنة الأخيرة اختلافاً جذرياً عن السنوات التي قبلها. حيث كانت عملية صنع الدستور على مدار القرنين الماضيين عملية قانونية بحتة، لا تخص سوي النخبة وفقهاء القانون الدستوري، ويتم إجراؤها بمعزل عن المواطنين في كافة مراحلها، وتقتصر مشاركة المواطنين فيها على المرحلة الأخيرة وهي الاستفتاء على الدستور. الوضع في السنوات الأخيرة كان مختلفاً تماماً، فقد ظهر مصطلح صناعة الدستور بالمشاركة والتي عمت العالم منذ منتصف السبعينيات. من استعراض تجارب وضع الدساتير، تبرز ضرورة الاهتمام بقضيتين أساسيتين عند وضع الدساتير:

    القضية الأولى منهجية وضع الدستور، بمعني كيف يتم البدء في عملية صنع الدستور؟ وما هي خطوات العملية؟ وإلي أي نتائج يؤدي الإلتزام بعملية ديمقراطية تشاركية في عملية صنع الدستور؟. القضية الثانية تتعلق بمحتوي الدستور، وإلي أي مدي يحقق الأهداف العليا للمجتمع؟ الدستور عقد إجتماعي يمثل مجمل اراء كافة المواطنين، وهو عنوان توافقهم ولن تتوصل إليه إلا بالحوار والتفاوض والمصالحة بين أطياف الشعب السوداني، وتتم من خلال عملية تشاركية يكون فيها الشعب واعياً بالعملية والخيارات التي قـررت، كما أنها عملية شفافة تجري بطريقة مفتوحة، بحيث يكون الناس على علم وادراك بما يحدث في كل مرحلة من مراحل العملية، ويكونوا واثقين من أن أصواتهم سوف تسمع. تتطلب الشفافية، الوصول وبقدر مناسب، إلي وثائق واجراءات عملية صناعة الدستور من قبل وسائل الإعلام وعامة الشعب.



    and#12288;

    المهام العاجلة

    اتناول هنا القضايا العاجلة والتي عليها اتفاق كبير بشكل عام. سيحدد سيناريو تغيير النظام سواء يالمفاوضات او بالاسقاط، نمط معالجة ما يمكن أن نطلق "تصفية ارث الماضي". لدينا تجارب سقيمة في معالجة ارث الماضي منذ ما بعد أكتوبر إلى ما بعد الانتفاضة فما دخل تأريخنا تحت مسمى "ازالة الآثار"، انتهت كلها باسقاط راس النظام ودائراته الضيقة والاحتفاظ بالنظام كما هو، حتى بلغت حد المهزلة ما بعد الانتفاضة بتغيير الدستور والاحتفاظ بالقوانين الموروثة.

    انظر للفترة الانتقالية من أنها نافذتنا على المستقبل، وليس الغرق في الماضي. نحن نؤسس لدولة جديدة ، ورغم أن "تصفية ارث الماضي" جزء هام من العملية، لكنها ليست همنا الاكبر. إننا مع عملنا على القضايا العاجلة، وقد اصبحت من بديهيات الشارع السياسي، لانود لها أن تعتقلنا في مساربها. اثبتت تجارب الربيع العربي أن من السهولة الانزلاق نحو النظر تحت قدمينا وننسى ان ننظر للامام.

    من القضايا المصيرية إلى إعلان باريس

    عندما تصدى مؤتمر القضايا المصيرية 1995 كان يتحدث عما اصبح الان ماضياً، حرب الجنوب وقضايا السلام. وحصر القضايا العاجلة في القول المآثور "برنامج إزالة آثار نظام الجبهة الإسلامية"، إعادة المفصولين سياسياً وتعسفياً، المحاسبة والمحاكمة، الفساد، نزع السلاح من المليشيات وتسوية الأوضاع العسكرية بما يجعل القوات النظامية هي الجهة الوحيدة الحاملة للسلاح والمدافعة عن الوطن.

    لم يخرج البديل الديمقراطي عن ما هو مألوف من معالجة قضايا الحرب الاهلية، and#65165;and#65227;and#65166;and#65193;and#65171; and#65175;and#65262;and#65219;and#65268;and#65254; and#65165;and#65247;and#65256;and#65166;and#65199;and#65187;and#65268;and#65254; and#65235;and#65266; and#65251;and#65256;and#65166;and#65219;and#65240;and#65260;and#65250; and#65261;and#65215;and#65252;and#65166;and#65253; and#65175;and#65228;and#65262;and#65267;and#65216;and#65260;and#65250; and#65165;and#65247;and#65228;and#65166;and#65193;and#65245;، and#65261;and#65175;and#65262;and#65235;and#65268;and#65198; and#65251;and#65240;and#65262;and#65251;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65228;and#65268;and#65206; and#65165;and#65247;and#65244;and#65198;and#65267;and#65250; and#65247;and#65260;and#65250;، and#65176;and#65220;and#65170;and#65268;and#65238; and#65251;and#65170;and#65194;and#65155; and#65239;and#65262;and#65251;and#65268;and#65172; and#65261;and#65187;and#65268;and#65194;and#65171; and#65251;and#65158;and#65203;and#65204;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65192;and#65194;and#65251;and#65172; and#65165;and#65247;and#65228;and#65166;and#65251;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65240;and#65262;and#65165;and#65173; and#65165;and#65247;and#65256;and#65224;and#65166;and#65251;and#65268;and#65172; and#65169;and#65166;and#65247;and#65232;and#65166;and#65152; and#65243;and#65246; and#65165;and#65247;and#65176;and#65228;and#65268;and#65256;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65176;and#65266; and#65175;and#65252;and#65174; and#65227;and#65248;and#65266; and#65165;and#65203;and#65166;and#65201;،and#65203;and#65268;and#65166;and#65203;and#65266; and#65261;and#65165;and#65227;and#65166;and#65193;and#65171; and#65169;and#65256;ـand#65166;and#65152; and#65183;and#65260;and#65166;and#65199; and#65165;and#65247;and#65194;and#65261;and#65247;and#65172;، and#65169;and#65176;and#65228;and#65268;and#65268;and#65254; and#65207;and#65192;and#65212;and#65268;and#65166;and#65173; and#65251;and#65260;and#65256;and#65268;and#65172; and#65261;and#65239;and#65262;and#65251;and#65268;and#65172;، and#65165;and#65227;and#65166;and#65193;and#65171; and#65165;and#65247;and#65252;and#65236;and#65212;and#65262;and#65247;and#65268;and#65254; and#65175;and#65228;and#65204;and#65236;and#65268;and#65166;ً and#65247;and#65248;and#65192;and#65194;and#65251;and#65172; and#65165;and#65261;and#65175;and#65262;and#65235;and#65268;and#65238; and#65165;and#65261;and#65215;and#65166;and#65227;and#65260;and#65250;، and#65251;and#65188;and#65166;and#65243;and#65252;and#65172; and#65243;and#65246; and#65251;and#65256;and#65176;and#65260;and#65244;and#65266; and#65187;and#65240;and#65262;and#65237; and#65165;and#65275;and#65255;and#65204;and#65166;and#65253; and#65261;and#65165;and#65247;and#65236;and#65166;and#65203;and#65194;and#65267;and#65254; and#65261;and#65251;and#65170;and#65194;and#65193;and#65265; and#65165;and#65247;and#65252;and#65166;and#65245; and#65165;and#65247;and#65228;and#65166;and#65249;، and#65261;and#65175;and#65228;and#65262;and#65267;and#65214; and#65165;and#65247;and#65216;and#65188;and#65166;and#65267;ـand#65166; and#65251;and#65166;and#65193;and#65267;and#65166;ً and#65261;and#65251;and#65228;and#65256;and#65262;and#65267;and#65166;ً. تمت الاشارة لاand#65227;and#65276;and#65152; and#65239;and#65268;and#65250; and#65165;and#65247;and#65188;and#65240;and#65268;and#65240;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65252;and#65212;and#65166;and#65247;and#65188;and#65172; and#65261;and#65235;and#65238; and#65251;and#65170;and#65166;and#65193;and#65265; and#65261;and#65255;and#65224;and#65250; and#65165;and#65247;and#65228;and#65194;and#65165;and#65247;and#65172; and#65165;and#65275;and#65255;and#65176;and#65240;and#65166;and#65247;and#65268;and#65172;.

    عكس اتفاق الفجر الجديد نوعاً مختلفاً مما توارثته الاتفاقات الوطنية السابقة، من ناحية اللغة، ومن ناحية الافكار التي طرحتها وارجعه التي تاثير الاحتكاك الدولي ودراسة تجارب العالم المعاصر. فقد اتاحت الانقاذ قسراً اوسع احتكاك بالعالم سواء للقوى السياسية السودانية، المهنيين، الهاربين من جحيم الحروب المتنوعة وغيرهم، مما يعد اكبر انفتاح شهده التاريخ للسودانيين في تاريخهم المعاصر.

    طرحت الوثيقة كل القضايا العاجلة المتفق عليها: قومية اجهزة ومؤسسات الدولة، ترسيخ قومية ومهنية وحيادية مؤسسات الدولة النظامية، الحرب الاهلية بتفصيلات واهداف محددة، حل جهاز الامن الوطنى والمخابرات العامة وإتخاذ الاجراءات السريعة والضرورية لبناء جهاز بديل، حل الدفاع الشعبي و جميع القوات والمليشيات التى انشأها النظام خارج إطار القوات النظامية ونزع اسلحتها ومواجهة قضايا الفساد.

    جاء الجديد في الفجر الجديد بطرحها قضايا المرأة في تمكينها سياسياً وإقتصادياً فى كافة مجالات الحياة و إلغاء كافة القوانيين المقيدة لحريته، سن قوانين لحماية النساء من التحرش والاستهداف وتكوين آليات مراقبة لتنفيذ ذلك ومحاربة العادات والتقاليد الضارة التى تحط من قدرهن النساء. كما عالجت مواجهة ثقافة الإستعلاء والعنصرية بإصدار قوانين تجرم الإساءات والعنصرية وتعاقب مرتكبيها.

    تثبيت جريمة الإبادة الجماعية كواقعة مركزية إرتكبها نظام المؤتمر الوطني تتطلب إعادة نظر نقدية شاملة لجذورها التاريخية والثقافية، الرعاية الإجتماعية، برامج للتمييز الايجابي، الصحة، التعليم، أنشاء المفوضيات القومية المتخصصة ومفوضيات خاصة.

    جاء الجزء الخاص بالمحاسبة والعدالة الإنتقالية مكتملاً ومفصلاً ومبدئياً: المحاكمات العادلة لكافة منتهكي حقوق الانسان والفاسدين ومبددي المال العام، المتهمين بإرتكاب جرائم خطيرة مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وتقديمهم لمحاكمات عادلة وطنية ودولية، وبما يوقف ظاهرة الإفلات من العقاب. التصدي للسياسات والمؤسسات التى قادت إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسانليس فقط عبر تطبيق المسئولية الجنائية مثل التعاون الإيجابي مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين للمثول امام العدالة الدولية، بل بالتصدي ومواجهة المسئوليات السياسية والإجتماعية والثقافية والمعنوية والآخلاقية. تأسيس نظم للعدالة الإنتقالية، بما يضمن إنصاف الناجين وتوفير التعويض والمساعدة على التعافي وتضميد الجراح، واخيراً دعم الدولة المجتمع المدنى السودانى والحركات الشبابية الاجتماعية الجديدة والعلاقة مع دولة جنوب السودان علي اساس المصالح المشتركة والعلاقات الاجتماعية و التاريخية.

    إعلان باريس بطبيعته جاء مجملاً لكافة القضايا لوقف الحرب وبناء دولة المواطنة والديمقراطية، وأعطى الأولوية لقضايا رفع المعاناة المعيشية عن كاهل المواطن، ومواصلة الحملة لكشف الفساد واستعادة أموال الشعب المنهوبة وقضايا اخرى.

    الإصلاح المؤسسي

    عالجت تجارب العدالة الانتقالية المختلفة، قضايا التخلص من ارث الماضي في سياقها الموضوعي، فلم تنظر لها كاخطاء افراد فقط ولكن كنسق مؤسسي، لذلك فجزء من العدالة الانتقالية متعلقة بالملاحقات القضائية، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر"، كاجراءات ضرورية، لكن جزئها الاهم هو إصلاح المؤسسات، أي أن المطلوب تغيير بنيوي في جهاز الدولة وذلك حتى تمنع تكرار مثل هذه الممارسات في المستقبل.

    الفلسفة التي تبناها الفجر الجديد، من واقع دعوتها للعدالة الانتقالية، جاءت متسقة مع هذه التجارب: التصدي للسياسات والمؤسسات التى قادت إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، خاصة جرائم الإبادة الجماعية، ليس فقط عبر تطبيق المسئولية الجنائية مثل التعاون الإيجابي مع المحكمة الجنائية الدولية وغيرها، لكن التصدي ومواجهة المسئوليات السياسية والإجتماعية والثقافية والمعنوية والآخلاقية.

    عندما ننحدث عن الاصلاح المؤسسي لدينا ميزة نسبية، أنها سوف تكون شاملة، اجملتها "البعثة المشتركة لتحديد احتياجات السودان 2006"، وتشمل مجالات: الخدمة المدنية، الحكومة المحلية، النظام المالي، المراجع العام، المشتريات، الفساد، الحوكمة وسيادة القانون، حقوق الإنسان، القضاء، المجتمع المدني، وسائل الإعلام، الاقتصاد، التعليم الصحة والمياه والصرف الصحي والبنية التحتية. ونضيف اليها مؤسسات الدولة النظامية الحافظة للامن والمنفذة للقانون (الجيش والشرطة والأمن).

    انتهت دولة ما بعد الاستعمار في مايو، وحطمت دولة الانقاذ ما تبقى منه بدون أن تبني نظاماً مؤسسياً أخراً غير مؤسسات الفساد والاستبداد. غير إننا ونحن نعيد تأسيس الدولة السودانية، نمتلك من التجارب والتقاليد المحلية الحية الكثير. يعطينا تطور الاتفاقيات نفسها دلالة واضحة على نضوج حركتنا السسياسية بروافدها الجديد من الشباب بروحهم الوثابة والمتطلعة للمستقبل، النساء من واقع معاناتهن اليومية في الحفاظ على كيان الاسر ومجتمع مدني نشيط، مبدع وقادر.

    بالاضافة إلى كل هذا فقد توزع ابناء الوطن في أرجاء المعمورة، قسراً ومجبرين، لكنهم وهم في مهاجرهم المختلفة، يكتسبون التجارب، يتعلمون ويكتسبون خبرات واسعة. هولاء لم يعودوا النخبة التي كانت ترسل في بعثات دراسية، لكنهم من كل انواع قوس قزح السوداني. يعيشون، يختزنون ويتطورون وسوف يمثلون اضافة معرفية وحياتية مهمة في سودان المستقبل.

    and#12288;

    and#12288;

    نظام الحكم: الحكم المحلي

    تتميز كافة الاتفاقات بالمستويات العليا للدولة وقلة الاهتمام بالمستويات المحلية التي تغرق في الفساد، والعجز وذلة المواطن. صحيح أن الدور البارز للمستويات العليا والوسيطة مهم وأساسي في استقرار الدولة (أي أنها خاصة بإدارة الدولة) ، لكن المستوى المحلي هو الحاسم في الموقف من الدولة (أي أنها خاصة بإلمواطن). يظهر هذا واضحاً عند حدوث الانقلابات، فرغم الخطب العصماء عن الانجازات في البرلمان، التي لم تكن تصل عبر ممارسات المستوى المحلي ، لذلك فعندما تدوي الموسيقى العسكرية نجده سلبياً تجاه الحدث. فرغم الاتفاق حول حماية الديمقراطية في الديمقراطية الثالثة، كان هناك صمت قاتل ولامبالاة من الشعب.

    الحكم المحلي 1951م أعتمد نظام المديريات نمطاً للتقسيم الإداري للسودان، (9) تسعاً في العام 1948م وست وثمانين مجلساً. كانت هنالك علاقة مباشرة بين المجالس المحلية والحكومة المركزية. أتاح هذا الوضع للأخير حق الإشراف والتوجيه. تشير معظم الدراسات حول هذا القانون، الى أن توازن السلطات والصلاحيات من جهة والموارد المالية والبشرية والمادية من جهة كان السبب المباشر فى الأداء الجيد لهذه المجالس ماليا وإداريا .

    مع هذا النظام الاداري كانت الادارة الاهلية جزءاً من هذا النظام وإن كانت خارجه بإنها غير حكومية. عندما طرحت مذكرة الشفيع أحمد الشيخ بشأن الإدارة الأهلية والتي دعت لحل الادارة الاهلية، لم تسمح توازنات القوى آنذاك بتنفيذها. حتى السبعينات كانت المستويات الدنيا من السلطة تدار بواسطة الادارة الاهلية في الارياف، والمجالس البلدية في المدن الكبرى. كانت الادارة الاهلية –التي اعيد تأسيسها كحكم غير مباشر بواسطة الاستعمار- ذات جذور شعبية غارقة في التأريخ. كانت هذه الادارة تتصف بالابوية وفي نفس الوقت ذات جذور أرستقراطية تتكون من بيوتات وأسر زعماء القبائل والعشائر في السودان.

    ما ترك في أكتوبر حدث بعد انقلاب مايو بالقرار الذي أفضى إلى حل الإدارة الأهلية عام 1970م دون وضع بدائل مناسبة لسد الفراغ القضائي والإداري الذي نجم عن القرار. تلا ذلك and#12288;نمط قانون الحكم الشعبي المحلي 1971م وقانون الحكم الإقليمي 1980م. كانت اهداف القوانين تحديث الهياكل الإدارية وتمكين القائمين بأمرها من إستيعاب إحتياجات المواطنين وإحداث التغيير فى مضمون الحياة الإجتماعية، المشاركة الشعبية لتركيز مبدأ شعبية الحكم وجماهيرية السلطة. قانون الحكم الإقليمي إعاد ترتيب هيكل الحكم في الشمال إذ أصبح ثلاثي المستوي (الحكومة المركزية، حكومات الأقاليم ومجالس المناطق) وإعاد توزيع للسلطات وللموارد، إذ تنزل للإقاليم سلطات وصلاحيات وموارد وخصصت إعتمادات مالية (دعم) الي الأقاليم ، وإنطبق ذات الشيء على مجالس المناطق من حيث السلطات الصلاحيات والموارد في علاقتها بحكومات الإقليم (اللامركزية السياسية، اللامركزية المالية).

    في العام 1994م صدر المرسوم الدستورى العاشر الذى بموجبه تمت إعادة تقسيم الولايات لتصير ستاً وعشرين ولاية بدلا عن تسع. صدر على إثره قانون الحكم المحلى 1995م الذى هدف إلى مزيد من اللامركزية وعدل مسمى وحدات الحكم المحلى من مجالس (بلدية، مدن وأرياف) الى محليات (مدن وأرياف) وجعل أمر إنشائها شأنا ولائيا.

    صدر قانون الحكم المحلى 2003م كآخر قانون إتحادى نظم هذا المستوى من الحكم. حمل فى ثناياه الكثير من المتغيرات، بدء بإلغائه لمسمى محافظ ومحافظة مستبدلهما بمسمى معتمد ومحلية، جاعلاً إنشاء المحليات يصدر بمرسوم جمهورى يصدره رئيس الجمهورية بالتشاور مع حكومة الولاية هادفاً من ذلك تقييد إنشائها، محدداً هيكلاً تنظيميىاً وإدارىاً لكل، محدداً العضوية في مجالسها المحلية الى ما بين (20 ــــ 30) عضواً، ومخفضاً فترة عمر المجلس المحلى الى ثلاث سنوات، بإيجاز أبرز إلى حيز الوجود نمطاً جديداً لإدارة وحدات الحكم المحلى. ظل هذا القانون سارياً حتى صدور الدستور الإنتقالى 2005مand#12288; الذى منح الولايات سلطة إصدار تشريعاتها وقوانينها المنظمة بما فى ذلك الحكم المحلى.

    اعتبر قانون الحكم الإقليمي 1980م الفكرة السودانية الاصيلة- أي كان الرأي حولها-، استفاد فيها جعفر بخيت من دراساته، والتجارب المحيطة وتجارب السودان من الحكم الذاتي في المديريات الجنوبية وغيرها. وارجعه إلى أن جعفر بخيت كان رؤيوياً وضع رؤيتة في خدمة ديكتاتور ارعن. افكار السودان كلها مستلفة من مكان ما، فالمجلس الرئاسي والبرلمان تكرار لما تركه لنا الاستعمار، واللجان الشعبية من القذافي "لا ديمقراطية بدون لجان شعبية."

    كما هو الحال في كل الانقلابات فقد طلب العسكر من "إخوانهم" المدنيين الخطط الجاهزة، الرؤية الإستراتيجية، حلول المشاكل المستعصية والأفكارالنيرة التي كانوا يظنون أنها في جعبة القيادات الأسطورية الغامضة، لكن كانوا جميعاً افرغ من فؤاد أم موسى. فبدأت في الترقيع وعندما ارادت السيطرة على العمل الشعبي كونت اللجان الشعبية، وهي "لجان تشارك المحليات فى ادارة شئون الأحياء والرقابة على خدماتها وكل مايتعلق بنهضتها باعتبارها الجهة الأقدر والألصق والأعرف بحوائج أحيائها وقاطنيها والمحلية مهمتها تقديم الخدمات والتنمية والإشراف عليها وتختص بالجوانب الأمنية كما وتشرف على اداء هذه اللجان" . أي أنها باختصار بوابة الدخول للمحلية. ورغم دسامة اسمها وصلاحياتها فقد اصبحت الذراع الشعبي للفساد الاداري الحكومي.

    الحكم المحلي في وثائق المعارضة

    أشار الاعلان الدستوري الانتقالي من وثيقة البديل الديمقراطي للحكم المحلي "نظام حكم راشد يتأسس على المشاركه الديمقراطية للمواطنين في حكم أقاليمهم و المشاركه في حكم البلاد والاقتسام العادل للثروة". اما الفجر الجديد فقد توسع قليلاً في بعض التفاصيل" الدولة السودانية دولة فدرالية ديمقراطية تعددية تتأسس على المساواة بين المواطنين وتؤكد ان الشعب هو مصدر السلطات وتعتبر ان المواطنه هى اساس لنيل الحقوق والواجبات وتضمن حرية الفرد والجماعة". كما نص على أن تتكون مستويات الحكم الإنتقالى من اربعة مستويات: الفدرالى، الاقليمى، الولائى والمحلى، وإعتماد نظام فدرالي قائم على ثمانية اقاليم الخرطوم، الشرقى، دارفور، كردفان، جنوب كردفان/ جبال النوبة، النيل الازرق، الشمالى و الاوسط.

    الحكم المحلي في الفترة الانتقالية

    انظر للحكم المحلي من منظور رؤيوي يضع صورة سودان المستقبل في الصدارة، كما اضع في الاعتبار إعادة توحد السودان. الدولة في الشمال فيدرالية مدنية. الارجح أن نعود للخمس اقاليم الاتحادية (الشرق، الشمال، الوسط، دارفور وكردفان)، المحافظات والمجالس المحلية. التغيير سوف يكون في هيكل القوانين لتصبح ديمقراطية وراشدة. الاشكال الشعبية سوف تكون تكوينات متعددة وتعتمد على التحليل الدقيق لوضع كل اقليم وهي شأنها تقرر فيه ولكن على اساس معايير عامة ملتزمة بالديمقراطية.

    وعكس نظرة الفجر الجديد التي لازالت مقيدة بالاشكال القانونية، لا أري معنى لتقسيم كردفان والاوسط،، لأن المطلوب كاولوية هو بناء الشكل المؤسسي للدولة، ومن خلالها نحل مشاكل المناطق الثلاث عن طريق تمييز ايجابي حقيقي. كل التجارب دلت على أن توسيع واعادة تقسيم الاقاليم لم تفعل شيئاً اكثر من زيادة العبء على ميزانيات دولة مفلسة. لقد ادار مدراء اداريين انجليز، بدون التكنلوجيا المتوفرة حالياً، مناطق شاسعة عن طريق انظمة حكم فاعلة، عادلة وكفئة. بدلاً من توسيع المستويات العليا علينا التركيز على المستوى المحلي.

    اسس دولة السودان الموحد

    انتمي لجيل من السودانيين كان الانفصال بالنسبة اليهم كارثة ماحقة لم يتخيلوا أنهم سوف يحضرونها، لم يكونوا جاهزين لها لذلك فقد كان الوقع مآساوياً لدرجة أنهم انتقلوا من مرحلة النكران مباشرة لليأس المطبق. هذا هو الحال في قطاع كبير من جيلي، صمتوا ولم ينبسوا ببنت شفة. كان هذا دافعي لكتابة "السودان موحداً". فتحت اشارة اعلان باريس " تطلع السودانيين لإتحاد سوداني بين دولتين مستقلتين"، المجال للاستاذ كمال الجزولي في إعادة وضع هذه القضية على الاجندة الآنية في مقال "and#12288;للمرَّةِ الألفْ: كونفِدراليَّةُ السُّودانَيْنِ! " في جريدة حريات الالكترونية.

    عندما تكون الدولتان قد سارتا شوطاً في التحول الديمقراطي، يمكن خلق مناخات الوحدة المتدرجة. سوف تمثل أبيي ارساء قيم التعايش بين الشعبين. وقد طرحت اشكال متعددة لكيفية الوصول لهذا، واغلبها تتحدث عن خلق منطقة حكم ذاتي. إنني أرى أن تتحول فعلاً لمنطقة حكم ذاتي، لها اجهزة تشريعية وتمثيلية من سكانها، تابعة إدارياً للدولتين، ميزانيتها من الدولتين. سوف يساعد على هذا إتخاذ

    الخطوة الاولى للتوحد وهي إقرار الحريات الاربعة (الدخول، الاقامة، العمل والسكن). المرحلة الثانية سوف تحتاج للاتفاق على نظام الحكم في السودان. في ظني أنه خير للسودان الاتجاه للنظام المختلط (النظام الفرنسي) من جمهورية رئاسية ومجلس نواب يشكل الحكومة من الحزب الذي يملك الاغلبية. أيضاً يحتاج طريق الوحدة تكوين مجلس اتحادي (على غرار مجلس الشيوخ الامريكي). واقترح في هذا الصدد تكوينه من خمس اعضاء من كل إقليم إتحادي و12 عضواً من الجنوب، يتم انتخابهم ديمقراطياً من كل اقليم. هذا المجلس سوف يشهد اجتماعات مشتركة وعليه تحديد الخطوات التي سوف تتخذها عملية التوحد. هذا المجلس هو المدخل للوحدة، فهو المجلس التشريعي، تصاغ فيه القوانين، يعدل الدستور وبموافقة البرلمان.

    and#12288;

    المحك العملي

    and#12288;سوف نحتاج في الفترة الديمقراطية لفلسفة ترتبط بديكارت وجان جاك روسو. ديكارت هو الشخصية الرئيسية لمذهب العقلانيةand#12288;في القرن17 م، كما كان ضليعاً في علم الرياضيات، فضلا عن الفلسفة، وأسهم إسهاماً كبيراً في هذه العلوم، وديكارت هو صاحب المقولة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود". تقوم الديكارHYPERLINK "http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AAhttp://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AA"تيةand#12288; على أساسين، هما: البداهة: أي التصور الذي يتولد في نفس سليمة منتبهة عن مجرد الأنوار العقلية، والاستنباط: أي العملية العقلية التي تنقلنا من الفكرة البديهية إلى نتيجة أخرى تصدر عنها بالضرورة. وضع ديكارت لتحقيق التفكير والوجود، قواعد منهجه الاربعة: اليقين ( القاعدة تبدأ بالسلب، أي بألا يقبل شيئاً، للوصول منها إلى يقين)، التحليل، التركيب (أن أُسِّير أفكاري بنظام، بادئاً بأبسط الأمور وأسهلها معرفة، كي أتدرج قليلاً قليلاً حتى أصل إلى معرف أكثرا ترتيباً، بل وأن أفرض ترتيباً بين الأمور التي لا يسبق بعضها الآخر بالطبع) واخيراً الاستقراء (أن أجري في كل الأحوال الإحصاءات والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئاً(.

    هذا المنهج العقلاني لايتم في الفضاء لكن في التفاعل بين القوى المشكلة للمجتمع، لخصها روسو "أنا احس، إذن أنا موجود". انجز هذا عن طريق بحث حول "بحث في منشأ وأسس عدم المساواة" (1755م)، هاجم المجتمع والملكية الخاصة باعتبارهما من أسباب الظلم وعدم المساواة. ولكنه خطا إلى اكثر من ذلك في كتابه "العقد الاجتماعي" (1762م)، وهو علامة بارزة في تاريخ العلوم السياسية، قام روسو بطرح آرائه فيما يتعلق بالحكم وحقوق المواطنين. وفي كتاباته السياسية، رسم روسو الخطوط العريضة للنظم التي يعتقد، أنها لازمة لإقامة ديمقراطيةand#12288;يشارك فيها كافة المواطنين. يعتقد روسو أن القوانين يتعيّن عليها أن تعبر عن الإرادة العامة للشعب. وأي نوع من الحكم يمكن أن يكتسب الصفة الشرعية مادام النظام الاجتماعي القائم إجماعيًا. كانت هذه الأفكار مبعث إلهام للفلسفة الاشتراكية، والتي اعطت للانسانية العدل الاجتماعي. هذه الافكار هي التي اعطتنا قيم الحرية والتقدم والمساواة والعدل والتي تكرسها مبادىء الاسلام.

    اعيد الاعتبار للعقلانية والعقد الاجتماعي بعد أن سرنا شوطاً طويلاً في التخبط، البراجماتية الفاقدة لأي فلسفة ورائها والشعوذة وسيادة المطلقات. سوف اعالج هنا قضايا جوهرية حتمية التحقيق منذ اليوم الاول. ليست من قيبل ترتيب الاولويات، فهي بطبيعتها اولوية مطلقة تفتح الطريق نحو تحقيق مطامح المجتمعات وادخالها إلى دائرة الفعل. هذه القضايا هي الغذاء، التعليم والصحة، سوف اتناول الغذاء في مقال لاحق. يطلق على الخدمات الصحية والتعليمة (واود ان أضيف إليها في السودان المياه)، اسم البضائع العامة وهى الخدمات التي يجب أن تتوفر في اى دولة لمجموع السكان.

    هناك مسائل واضحة في التعليم والصحة تتعلق بالتمويل. يمكن بقرار واحد أن نرفع ميزانياتهما إلى طريق يؤدى في سنوات الفترة الانتقالية ل 15% للتعليم ول7-10% للصحة من الناتج القومي. من المهم ان نفسر آلية التعليم والصحة المجانيين في صناعة او الحد من الفقر. عندما حدث الاتفاق العالمي لرفع مساهمة الدول للانفاق في التعليم ل 15% من الانفاق الحكومي حسب إعلان داكار، وأن لايقل الانفاق الكلي على الصحة عن 34 دولار للفرد سنويا حسب اللجنة المعنية بالاقتصاد الكلي والصحة، في تقريرها المعنون الاقتصاد الكلي والصحة. والاتفاق على أن التغطية الشاملة بالخدمات الصحية والحماية من المخاطر المالية لا تتحقق اذا قل الانفاق عن 5% من الناتج الاجمالي المحلي.

    هذا هو بيت القصيد فهذا الانفاق الذي حسبتة المنظمات الدولية المختصة، يعني أن الافراد والاسر لاتضطر لتحمله لكي تتعالج او يذهب ابنائها للمدارس. بمعني آخر يمكن إضافة هذا المبلغ إلى الدخل السنوي للفرد الفقير باعتباره عائداً مباشراً لشراء سلع يحتاج اليها وتوفرها له الدولة. إذا لم تتوفر هذه الخدمات فما يحدث ببساطة أن لا يذهب الاطفال للمدارس. في المجال الصحي هناك بيِّنات وفيرة على وجود ارتباط كمِّي وثيق بين معايير الوضع الإقتصادي، مثل الدخل والثروة، وبين المحصلة الصحية. "ولكن الثابت أن الأُسَر ذات الدخل المتواضع، تضطر لدفع جزء كبير من دخلها للخدمات الصحية، مما يدفع بها إلى الفقر. فتضطر للاقتراض أو بيع الأصول أو العزوف عن تلقِّي الخدمات الصحية اللازمة والتعايش مع المرض".

    التغيير الهيكلي للتعليم واصلاح المناهج

    قضايا التعليم لا تنفصل عن الأزمة السياسية للوطن وحلولها مرتبطة بالحل الشامل، تنطلق في مجملها من النظر إلي التعليم كرافعة للتقدم والتنمية وإزاله التشوهات المناطقية والجهوية. إن أهمية التعليم ليس ترفاً ومجرد حق ولكنه بوابه الدخول لسودان المستقبل أذا شئنا أن نبني الوطن. إن الدول التي وضعت نفسها في مسار التقدم وضعت نصب عينها تطوير التعليم (كوريا، الهند، البرازيل……الخ ).

    إن المدخل لأي إصلاح في التعليم يبدأ من التزام الدوله بمسئولياتها الإجتماعية واصلاح المناهج. كان السوداني نتاج نظام تعليمي – خاصة الكليات العلمية -مثل آنذاك أفضل النظم والتي كانت تنتج أفضل العقول وتسلحهم بالوسائل التحليلية وأسس الملاحظة والاستنتاج والتفكير المنطقى العلمي. كان يسند ذلك النظام معاهد إعداد المعلمين ومعهد بخت الرضا لوضع آليات تطوير المناهج لتساعد الطالب على كيفية فحص وتمحيص الواقع ومن ثم استنباط الخيارات المتاحة ورسم اتجاهات السياسة وصياغة الاستراتيجيات، إلى وضع الخطط التفصيلية وتحديثها. وقد واصلت أجيال ما بعد الاستقلال في المحافظة على مراكز البحث العلمي وتطويرها وتحديث الخدمة المدنية وحتى مراكز صيانة الأجهزة، المعدات، المركبات والقاطرات.

    ورث السودان نظاما تعليمياً كان محققا لاهدافه بشكل كفء منذ بدء تاسيسة، من خلق طبقة من الصناع المهرة التي ليس لها وجود في ذلك الوقت: نشر التعليم الذي يساعد في معرفة القواعد الأولية لجهاز الدولة، تدريب طبقة لتشغل الوظائف الحكومية الصغرى في جهاز الإدارة وتدريب السودانيين للعمل في القوات المسلحة. وقد تطور هذا النظام من داخله عبر جملة من التجارب والإصلاحات وحسب الاحتياج الوطني والوظيفي.

    تحولت المدرسة القديمة التى كانت تتكون من فصول، ساحات اللعب والرياضة المختلفة، اماكن للانشطة المختلفة من الرسم والنحت، الموسيقى، المسرح، التصوير، الانشطة الثقافية والاجتماعية، التى حفلت بها مدارس الاستعمار إلى اقفاص. وتحولت من مدارس تنمى التفكير، الابداع والانطلاق إلى مدارس ضيقة وقبيحة تتكون من فصول مزدحمة، محطمة الاثاث، متهالكة مصممة لحشو راس الطلاب بمطلقات لايستعمل فيها اى فكر او تفكير. المدرسة السودانية بحالها لا تضيف إلى الاسرة سوى بشكل سلبى. يأس السودانيين قادهم إلى التوجه إلى المدارس الخاصة. كانت المدارس الخاصة فى الستينات والسبعينات تنافس المدارس الحكومية فى تنوع انشطتها وجمال مبناها من الحضانة إلى الجامعات. المدارس الخاصة اصبحت شققاً بائسة المعنى والمبنى ومكان يرتادة الطلاب للحصول على شهادة لن تفيدهم فى الحصول على عمل إلا من فضل ربى.

    في تجارب العالم المماثلة في ماليزيا والهند ترك المستعمر نظاماً مشابهاً للسودان، ربما اسوأ في ماليزيا بحيث كان الملاي والذين شكلوا أكثر من نصف السكان تقريباً خارج العملية التعليمية، فابتدعوا "نظام تعليم مبدع، رُوعي فيه التوسع الأفقي لمصلحة السواد الأعظم من المواطنين، والتوسع الرأسي المدروس والمحسوب للقلة المتفوقة، والتوازن الإيجابي بين متطلبات التعليم الأكاديمي والتعليم الفني، ثم إعطاء الأولوية للمناطق المهمشة لتسير بمتوالية هندسية في مجال التعليم العام مقابل متوالية حسابية في المناطق الحضرية التي حظيت بنصيب أوفر في عهد الاستعمار البريطاني والحكومات الوطنية التي أعقبت الاستقلال".

    يرى الدكتور مهاتير أن نظام التعليم الأكاديمي، وما صاحبه من تدريب فني ومهني، وتحسين في أجور العاملين كان بمثابة حجر الزاوية وصمام الأمان لنجاح التجربة الماليزية، لأن تنمية القوى البشرية قد أسهمت في خلق قيادات سياسية مؤهلة، ومدركة لطبيعة التحديات التي تواجهها، وكيفية التعامل معها بأسلوب حضاري يتوافق مع متطلبات العصر ومستجداته، وفي رفد الخدمة المدنية العامة ومؤسسات التعليم العام والعالي بكوادر مهنية مؤهلة، وقادرة على حمل الرسالة التنفيذية والمهنية الملقاة على عاتقها. من البديهي أن نخلص أن التعليم وتطوره كان نتيجة لوجود الرؤية الإستراتيجية في مفكرة المثقف في كل البلاد ولم يكن سبباً لها مبدئياً، ومن ثم اصبح الرافعة الاساسية لنجاح الرؤية الإستراتيجية في تحقيق اهدافها .

    استقلال مؤسسات التعليم العإلي

    لخص السيد الصادق المهدى فى ورقة تقدم بها إلى ندوة الاكاديميين السودانيين فى القاهره عام 1998 وضع التعليم ابان الانقاذ "إن الإنقاذ دمرت التعليم العالي في أبشع صورة لان القوى السياسية المكونة للإنقاذ نمت وترعرعت في أحضان التعليم العالي... التوسع الأرعن الذي أحدثته الإنقاذ في التعليم العالي جزء لا يتجزأ من بسط التسلط السياسي على البلاد... وعلى نفس الوتيرة التهريجية قرروا تعريب التعليم العالي بلا دراسة وبلا مراجع...فصار التعريب الذي سموه التأصيل وبالاً على التعليم العالي".

    لم تشر دساتير 1956، 1965،1985 و1998 لاستقلال مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي او تتعرض لها. احتوى دستور 1973 على الاستقلال الاكاديمي و2005 على الحرية الاكاديمية. وفي ظل النظامين حدثت اكبر الانتهاكات لحرية واستقلال الجامعات. هذا سوف يكون جزءاً من الدستور لكن يمكن اتخاذ قرارة مع قرار رفع التمويل.

    and#12288;

    الخدمات الصحية

    بينما كان السودان ينتقل من ازمة لأخرى، ومن حرب لأخرى، والمواطن تتدهور حالتة الصحية، تصفي خدماتة الصحية، تباع وتفكك، ونظامة الصحي ينهار، كان العالم يشهد تطورات مذهلة في مجالات الاتصالات (المحمول، الانترنت.الخ)، تكنولوجيات التشخيص الطبي، علامات الامراض الشخيصية، التدخلات الجينية وغيرها.

    هذا التطور رافقه التوصل لتدخلات قليلة التكلفة وعالية المردود (الأمصال، اللقاحات، غسل الأيدي وغيرها)، تدخلات جراحية (جراحة اليوم الواحد، واستعمال المناظير وغيرها). ورغم الفاقة، المسغبة والقمع السياسي والنفسي، وربما ناتجاً لها أيضاً، حدث تطور في نمط الحياة لدي كثير من السكان. إضافة للأمراض الوبائية (الملاريا، البلهارسيا، التيفود وغيرها) فقد انتشرت الأمراض المزمنة (الضغط، السكري، السرطان وغيرها) واضافت أعباءاً جسيمة على النظام الصحي، وناتج هذه التغييرات الضخمة تحتاج إلى تغييرات تستفيد منها وتبدع من المعطيات الجديدة.

    لا نعرف في التاريخ الحديث عن خدمات صحية جيدة إلا في ظل نظام جيد (لاتعني بالضرورة الأنظمة الديمقراطية، ولكن الأنظمة التي لديها رؤية واضحة للبناء الوطني، وهناك الأمثلة الشهيرة من عمان، كوبا، سريلانكا ..الخ)، فإن الدولة ذات الرؤية الواضحة، الإستراتيجيات وخرط الطريق هي التي سترى في التعليم الأساس العلمي، وأن الصحة الجيدة هي السند الحقيقي في تطور وتنمية الوطن. وترتبط الرؤية الصحية، كغيرها من القطاعات الخدمية والإنتاجية، برؤية وطنية شاملة مبنية على انحياز إجتماعي ومفاهيم العدالة الإجتماعية من دولة مسئولة.

    رغم اهمية هذه الاستراتيجيات، إلا أنها تمثل البعد التقني في المكافحة وتتجاهل البعد الإجتماعي والمسئولية المجتمعية. لن تختفي الملاريا وغيرها من الامراض الوبائية، إلا بمشاركة فاعلة من المجتمعات تعالج الاسباب وليس النتائج (الطفيل، الحامل والناقل). وكذلك تدخل الدولة الحاسم في اعادة الكوادر الصحية المجتمعية (عاملي الناموس، ملاحظي الصحة وضباطها)، ولدينا في تأريخنا من التجارب الناجحة مما يغنينا عن اعادة اختراع العجلة.

    النظام الصحي الوطني

    مدخلنا إلي الخدمات الصحية، أن نعود إلي دوله الرفاه الإجتماعي في خطي أفضلها، اعدلها وأكثرها كفاءة وهو النظام الصحي الوطني في تطبيقاتها الحالية والمبنية على الرعاية الصحية الأولية، اللامركزية الحقيقية ورفع قدرات العاملين. نظام مجاني يعتمد على الضرائب في التمويل والخروج من دائرة التأمين الصحي المكلفة والمربكة. الموضوع واضح جداً فالخدمات الصحية يمكن إصلاحها بخطوة واحدة –زيادة الانفاق- كما جاء فى إعلان ابوجا الذي ينص على أن يكون الإنفاق الصحي 15% على الأقل من الإنفاق الحكومي، و 7-10% من الناتج القومي. المشاكل والتحديات التي تواجه الصحة ليست وقفاً علينا، والحلول لا تحتاج لإعادة اختراع العجله، لكن لقيادة تجيء نتاج الاختيار العادل، الشفاف، إعادة الحياة للتقاليد، المصداقية والنزاهة.

    الميزانية تحتاج لتعديلات جوهرية في أوجه صرفها لتتحول من الانفاق على المؤسسات العلاجية إلى بناء قاعدة الرعاية الصحية الأولية، فهذا إجراء ضروري وانتقالي لنتحول إلى نظام صحي فعال وكفء مثل بريطانيا، التي بنت قاعدة متينة للرعاية الأولية التي تقوم بتقديم الرعاية الصحية الشاملة لحوالي 90% من المترددين بميزانية حوالي 11% من الإنفاق الصحي، وتقوم المؤسسات العلاجية باستقبال حوالي 10% بما تبقى من الميزانية.

    هذه وصفة معتمدة وقد نجحت في وضع العديد من الدول في طريق المستقبل، وقد وثقت الدراسات والابحاث هذه التجارب، واستخلصت منها العديد من الموجهات العامة التي سوف يستفيد منها الخبراء ومتخذي القرار، وقد لخص تقرير لمنظمة الصحة العالمية ه في توجهات استراتيجية لتحسين تمويل الرعاية الصحية في إقليم شرق المتوسط –التحرك باتجاه التغطية الشاملة 2011- 2015.

    التغطية الشاملة بالخدمات

    كان أضخم إنجاز لمدخل الرعاية الصحية الأولية، هو نقلها الخدمات الصحية من المؤسسات الصحية التقليدية من أبنية ضخمة ومكلفة إلى مؤسسات قريبة من السكان وبسيطة التكلفة والإدارة، ما دخل في الأدبيات الصحية بالتغطية الصحية الشاملة. إن التغطية بالخدمات الصحية ضمن توجه إستراتيجي يعتمد على مفاهيم الرعاية الصحية الأولية، استراتيجيات معتمدة ومجربة وافلحت في تطور الخدمات الصحية في البلاد التي طبقتها. ولقد تمت دراسات عديدة على مدى 35 عاما من تطبيق مفهوم الرعاية الصحية الأولية، نتائجها كلها تشير إلى أن أي تحسين لصحة شعب السودان لابد أن يبدأ من العدالة والمساواة في الحصول على الرعاية الصحية.

    إن الانتقال من التوجه العلاجي إلى توجه الوقاية، وتعزيز الصحة ومفاهيم الرعاية الصحية الأولية انحياز إجتماعي، والتزام سياسي في أساسه، وليس مجرد إجراءات تقنية كما يجيء في كثير من التقارير والمشورات. هذه انشغالات الدولة المسئولة في تحقيق العدالة بين المجتمعات، المناطق والولايات، وتترجم هذه التوجهات في سياسات الدولة الكلية من توفير الاعتمادات اللازمة، توافر وسهولة الحصول على الخدمة الصحية بتوفير المرافق، توجية الأولويات حسب المهددات الأساسية للمجتمع (الأمراض الوبائية، والصحة الإنجابية) وتوفير القوى العاملة الصحية الملائمة وغيرها.

    القوى العاملة الصحية

    بنيت الخدمات الصحية السودانية من ثلاث انظمة تعمل بتنسيق كامل. النظام الأول بني على المستشفيات في المدن الكبرى، ولاحقاً المستشفيات الريفية في المدن الصغرى ومجموعة من القرى الكبيرة. النظام الثاني كان نظام الخدمة الريفية واعتمدت في بدايتها على المساعد الطبي، الداية الريفية، الزائرة الصحية ومساعدة الزائرة الصحية. النظام الثالث كان نظام صحه البيئة، ويتكون من ضباط الصحة، ملاحظي الصحة، ومساعديهم، عمال الرش والناموس والنظافة. كان نظام الاشراف بسيطاً وفعالاً، تبدأ من الارياف بواسطة المساعد الطبي، الداية القروية وملاحظ الصحه ويشرف على كل هؤلاء مفتش طبي في المديريات والتي يشرف عليها مدراء الصحة في المحافظات (الاقاليم) مروراً إلى وكيل الوزارة ومساعديه.

    إن هذا النظام الثلاثي، المعمول به في كافة الدول ذات الانظمة الصحية المستقرة، مع تمويل صحي كاف، هو انسب الطرق لإستعادة نظام صحي يستطيع ان يباشر تحسين الظروف الصحية والبيئية في كافة اطراف السودان. لقد أدت التطورات المذهلة في مجالات الاتصالات والتكنلوجيا إلى أن تصبح مسائل الاشراف على الخدمة والعاملين بسيطة التكلفة، فعالة وسهلة الاستعمال. كما أن تطور العلوم الادارية ونظم المتابعة شهدت ايضا تطوراً كبيراً، مع توفر اجراءات وبروتوكولات للتطور المهني والشخصي المستمر. إن التحويل من المستويات الدنيا للعليا، التي شكلت ازمات وشهدت صعوبات اصبحت من الميسور حلها مع تحسن الاتصالات والمواصلات ووسائل نقل الصور عبر وسائل الاتصال.

    تغيير بنية الخدمات الصحية

    سوف تتدرج التغطية بالخدمات عن طريق الكوادر الوسيطة المجربة في السودان، ورسم مساراتها الوظيفية والمهنية. نحتاج لإعادة الاهتمام بالمارس العام كعمود فقري للخدمة سواء في الارياف أو المدن، في الماضي وسيظل في المستقبل. لقد انتهت الرعاية الصحية الأولية إلى الفشل الذريع عندما تجاهلت الممارس العام ولم تضع له دوراً على الاطلاق. كان عدم تدريب الممارسين العامين لمفهوم الرعاية الصحية الأولية بشكل مؤسسي، وتفعيل دورهم، عاملاً حاسماً في فشل المفهوم من أن يحقق نتائجة المرجوة. ليقوم الممارس العام بدورة، فهو في حاجة إلى مسار وظيفي واضح المعالم. سوف تتنوع مسارات الممارسين العامين من التدريب، الكورسات النوعية المتخصصة في مهماتهم التي سوف يقومون بها في الرعاية الصحية. المفتش الطبي هو نتاج التطور المهني والوظيفي للمارس العام، وتوجد هذه الوظائف على مستوى المحليات، وفي الوزارات الاقليمية والمركزية.

    سوف يظل المساعد الطبي الاساس الصلب للخدمات الصحية، منذ افتتاح مدرسة المساعدين الطبيين في مستشفي بورتسودان عام 1918 لتغطية الشفخانات في الارياف والقيام بمهام علاجية ووقائية. سوف يظل هذا الكادر مهماً في الخدمة الريفية، كما هو هام في القطاعات الفنية في المستشفيات. وربما يحتاجون لاعادة تدريب مكثف في نظام جديد يضع الرعاية الصحية الاولية في الريف والحضر كاولوية تقوم عليها كافة هيكلية الوزارة.

    ادعو لاعادة الاعتبار لممرض نقطة الغيار. هذا هو الكادر الذي يجب التركيز علية، هذا ليس جديداً، فقد ادخلت انظمة عديدة ما سمي ممرض المجتمع في الخدمات، للقيام عبر نقل المهام (task shifting ) بمدى واسع من المهام الصحية، الإجتماعية بما فيها زيارة المنازل. ممرض نقطة الغيار، كادر مؤهل لقيادة الرعاية الصحية الأولية تحت اشراف المساعدين الطبيين المباشر والمارسين العامين. ربما نحتاج لتعديل الفترة الدراسية وندخل فيها العمل، بجانب المستشفيات إلى ادراج الشفخانات كجزء من التدريب. إن استقرار هذا الكادر في وظيفة ثابتة، في مجتمعاتهم هو الطريق لجعل الخدمة في المجتمعات اكثر جودة واستقراراً.

    ليس هناك تغيير في كوادر صحة الامومة والطفولة فهي عصب صحة الامهات والاطفال خاصة في الارياف، وعليهن يعتمد نجاح تخفيض معدلات وفيات الاطفال والامهات. اما كوادر صحة البيئة فعليها سوف يقع عبء محاربة نواقل الامراض، ايقاف وبائيات الكوليرا والاسهالات، نظافة مدننا وقرانا التي تغرق في الأوحال والقاذورات، تأمين مجاري الامطار، سلامة الغذاء والماء..الخ. إن جودة ونظافة بلادنا سوف تبدأ باستعادة هذه الكوادر لاستقرارها الوظيفي والمهني كجزء من الفريق الصحي في المدن والارياف.

    التعليم الصحي

    يحتاج العاملين الصحيين إلي الرعاية والعناية. المدخل الرئيسي يبدأ بإعادة النظر بإصلاح التعليم الطبي والصحي، إنهاء الفصل القسري بين إنتاج الكليات الصحية والخدمة والتي أدت لكثير من الإختلالات الهيكلية، الوظيفية والكفاءة. اثبتت القوى البشرية السودانية قدراتها في التقدم بالسودان على طوال تاريخة وامتدت هذه القدرات عند اختبارها في تنمية دول اخرى. إن اصلاح العملية التعليمية جزء حيوي وهام لتحقيق أي رؤية ستطرح لمستقبل السودان. الفارق أن مدخلات ومخرجات التعليم ستربط بشكل دقيق ومحسوب بنوعية، اعداد وتاهيل القوة البشرية المطلوبة.

    لدينا ذخيرة من التجارب المبدعة الناجحة في التعليم الطبي (جامعة الجزيرة)، تنوعات التعليم الصحي (المعاون الصحي، الزائرة الصحية...الخ) ، كما لدينا تجارب السودانيون في الخارج والمنظمات العالمية، هذا اضافة إلى تجارب الاخرين. نحتاج إلى موازنة التوسع الكمي والكيفي، تحسين شروط وبيئة العمل، التدريب والتأهيل واعادة التدريب، توفر وتقوية الانظمة المساعدة المؤثرة في اتخاذ القرار وتنفيذة (المعلومات، النقل، الصيانة، المحاسبية وغيرها).

    and#12288;

    الاتجاهات السياسية والعملية

    يمكن للفترة الانتقالية أن تتورط في اتجاهات سياسية، كما تعكس كافة الوثائق، في الاهتمام بما حدث وتغرق في حزمة افكار تراكمت على مدى العقود في برمجة العقل الجمعي السوداني، وهي في مجملها لم تخضع لمراجعات منهجية ديكارتية. تراها منقولة من اتفاق لأخر، حسب الراهن. وقد رصد الاستاذ كمال الجزولي جزءاً من هذا في بدء التغاضي عن العدالة الانتقالية في إعلان باريس. ونجد انفسنا مرة اخرى في خضم حكومة تسيير ممتدة. حدث هذا في كافة دول الربيع العربي خاصة مصر.

    او يمكن أن تتورط في البحث عن المجردات ونغرق منذ اول يوم إلى قضايا الدستور والقوانين، كما فعلنا دائماً. بدلاً ان يصبح الدستور عنوان توافق الامة ورمز مستقبلها، تتحول لحامل للخلافات والتجاذبات وتفتح باب الانقلابات. ليس هذا دعوة للهروب من مواجهة الوصول لدستور (ناقشنا بعض تفاصيلها في - مهام الفترة الانتقالية: قضايا النقاش : الدستور)، لكن بدلاً أن نحاول الوصول لدستور من خلال القوانين والقانونيين، نصل لها من خلال مطالب الشعب في تنظيم حياته. هذا ليس معطى جاهز لكن سيتضح من خلال تناول الحكومة الانتقالية للقضايا اليومية والازمات والرؤية المستقبلية. اوافق الوثائق على الوصول لاعلان دستوري مختصر يتأسس على دستور ديمقراطى يقوم على إقامة دولة العدالة والرعاية الإجتماعية.

    الورطة الثالثة يمكن أن تحدث عند زيادة حماس الفترة الانتقالية في التصدي لمشاريع قومية كبرى. جاء في الفجر الجديد هذا الاتجاه بوضوح "اعادة بناء القطاعات الاقتصادية الرئيسية. إعادة تأهيل مشروع الجزيرة وهيئة السكك الحديد السودانية وهيئة النقل النهرى والمواني البحرية والطيران المدنى والخطوط الجوية السودانية وما تم تدميره او اهماله من مؤسسات القطاع العام. إعادة تعمير المشاريع الزراعية الكبرى في الجزيرة والنيل الابيض وشرق السودان ودارفور وكردفان، إحياء القطاع الزراعي و الصناعي والرعوي ورفع الإنتاجية في القطاع الخدمي و قطاع التعدين..الخ".

    ليس تحديد الاتجاهات السياسية للفترة الانتقالية قضية عابرة، لكنها الأساس المتين لنجاح او فشل الفترة الانتقالية. كل القضايا التي جاءت في الوثائق جميعاً هموم الفترة الانتقالية، لكن الخلاف يأتي عند ترتيبها كاولوية والغرق فيها ونحن دولة مفلسة. لاخلاف حول التعامل مع مؤسسات دولة الانقاذ، قضايا الفساد والتحقيقات حولها عن طريق لجان قومية وكل ما يتصل بالمحاسبات من خلال العدالة الانتقالية وغيرها. الهام فيها الفلسفة التي تحكم سياسات وعمل سلطة الفترة الانتقالية. سوف احاول ترتيب أولوياتنا حسب قراءة في الوثائق المتوفرة، والتي شملتها جميعاً، لكنها جاءت تحت عناوين بعضها مفصل واخرى مضمنة.

    اولاً: تناولت الوثائق اصلاح السلطة القضائية لأنها مستودع حل القضايا المتراكمة، وأراها أول اولوياتنا. جاءت المسألة مفصلة في الاعلان الانتقالي للبديل الديمقراطي (and#65197;and#65165;and#65169;and#65228;and#65166;ً: and#65165;and#65247;and#65204;and#65248;and#65220;and#65172; and#65165;and#65247;and#65240;and#65216;and#65166;and#65163;and#65268;and#65172; and#65261;and#65165;and#65271;and#65183;and#65260;and#65200;and#65171; and#65165;and#65247;and#65228;and#65194;and#65247;and#65268;and#65172; and#65261;and#65251;and#65158;and#65203;and#65204;and#65166;and#65173; and#65175;and#65256;and#65236;and#65268;and#65196; and#65165;and#65247;and#65240;and#65166;and#65255;and#65262;and#65253;)، ومختصرة في الفجر الجديد (رابعاً: السلطة القضائية)

    ثانياً: تناولت كل الوثائق قضية الاصلاح الاداري. أس بلاء سودان الانقاذ سوء الادارة، العشوائية والعداء للمواطن وفساد اجهزتة. تتحدث الوثائق عن and#65159;and#65203;and#65176;and#65240;and#65276;and#65245; and#65261;and#65187;and#65268;and#65194;and#65171; and#65261;and#65243;and#65236;and#65166;and#65152;and#65171; and#65261;and#65251;and#65260;and#65256;and#65268;and#65172; and#65251;and#65158;and#65203;and#65204;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65192;and#65194;and#65251;and#65172; and#65165;and#65247;and#65252;and#65194;and#65255;and#65268;and#65172; (البديل الديمقراطي) او التأكيد على إستقلالية ومهنية مؤسسات الدولة القومية بما فى ذلك القضاء والخدمة المدنية والإعلام والتعليم العالي (الفجر الجديد). افرب تصور للاصلاح الإداري جاء في البديل الديمقراطي " and#65165;and#65275;and#65247;and#65176;and#65200;and#65165;and#65249; and#65169;and#65176;and#65220;and#65170;and#65268;and#65238; and#65251;and#65170;and#65194;and#65155; and#65239;and#65262;and#65251;and#65268;and#65172; and#65261;and#65187;and#65268;and#65194;and#65171; and#65251;and#65158;and#65203;and#65204;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65192;and#65194;and#65251;and#65172; and#65165;and#65247;and#65228;and#65166;and#65251;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65240;and#65262;and#65165;and#65173; and#65165;and#65247;and#65256;and#65224;and#65166;and#65251;and#65268;and#65172; and#65261;and#65165;and#65203;and#65176;and#65240;ـand#65276;and#65245; and#65165;and#65247;and#65240;and#65216;and#65166;and#65152; and#65261;and#65165;and#65203;and#65176;and#65240;and#65276;and#65245; and#65243;and#65246; and#65165;and#65275;and#65183;and#65260;and#65200;and#65171; and#65165;and#65247;and#65228;and#65194;and#65247;and#65268;and#65172; and#65261;and#65165;and#65183;and#65260;and#65200;and#65171; and#65175;and#65220;and#65170;and#65268;and#65238; and#65165;and#65247;and#65240;and#65166;and#65255;and#65262;and#65253;، and#65261;and#65239;and#65262;and#65251;and#65268;and#65172; and#65165;and#65275;and#65183;and#65260;and#65200;and#65171; and#65165;and#65275;and#65227;and#65276;and#65251;and#65268;and#65172;، and#65261;and#65187;and#65268;and#65194;and#65171; and#65165;and#65183;and#65260;and#65200;and#65171; and#65175;and#65220;and#65170;and#65268;and#65238; and#65165;and#65247;and#65240;and#65166;and#65255;and#65262;and#65253;، and#65261;and#65165;and#65203;and#65176;and#65240;and#65276;and#65245; and#65165;and#65247;and#65184;and#65166;and#65251;and#65228;and#65166;and#65173; and#65261;and#65187;and#65198;and#65267;and#65172; and#65165;and#65247;and#65170;and#65188;and#65178; and#65165;and#65247;and#65228;and#65248;and#65252;ـand#65266;، and#65261;and#65165;and#65203;and#65176;and#65240;and#65276;and#65245; and#65165;and#65247;and#65170;and#65256;and#65242; and#65165;and#65247;and#65252;and#65198;and#65243;and#65200;and#65265; and#65261;and#65195;and#65247;and#65242; and#65169;and#65166;and#65247;and#65232;and#65166;and#65152; and#65243;and#65246; and#65165;and#65247;and#65176;and#65228;and#65268;and#65256;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65176;and#65266; and#65175;and#65252;and#65174; and#65227;and#65248;and#65266; and#65165;and#65203;and#65166;and#65201;and#65203;and#65268;and#65166;and#65203;and#65266; and#65261;and#65165;and#65227;and#65166;and#65193;and#65171; and#65169;and#65256;ـand#65166;and#65152; and#65183;and#65260;and#65166;and#65199; and#65165;and#65247;and#65194;and#65261;and#65247;and#65172;، and#65169;and#65176;and#65228;and#65268;and#65268;and#65254; and#65207;and#65192;and#65212;and#65268;and#65166;and#65173; and#65251;and#65260;and#65256;and#65268;and#65172; and#65261;and#65239;and#65262;and#65251;and#65268;and#65172; and#65247;and#65240;and#65268;and#65166;and#65193;and#65171; and#65251;and#65158;and#65203;and#65204;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65192;and#65194;and#65251;and#65172; and#65165;and#65247;and#65228;and#65166;and#65251;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65240;and#65262;and#65165;and#65173; and#65165;and#65247;and#65256;and#65224;and#65166;and#65251;and#65268;and#65172; and#65261;and#65235;and#65240;and#65166; and#65247;and#65252;and#65228;and#65166;and#65267;and#65268;and#65198; and#65165;and#65247;and#65244;and#65236;and#65166;and#65152;and#65171; and#65261;and#65187;and#65240;and#65262;and#65237; and#65165;and#65247;and#65252;and#65262;and#65165;and#65219;and#65256;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65176;and#65262;and#65165;and#65199;and#65253; and#65235;and#65266; and#65251;and#65208;and#65166;and#65197;and#65243;ـand#65172; and#65165;and#65259;ـand#65246; and#65165;and#65247;and#65204;and#65262;and#65193;and#65165;and#65253;، and#65251;and#65226; and#65165;and#65227;and#65166;and#65193;and#65171; and#65165;and#65247;and#65252;and#65236;and#65212;and#65262;and#65247;and#65268;and#65254; and#65175;and#65228;and#65204;and#65236;and#65268;and#65166;ً and#65247;and#65248;and#65192;and#65194;and#65251;and#65172; and#65165;and#65261;and#65175;and#65262;and#65235;and#65268;and#65238; and#65165;and#65261;and#65215;and#65166;and#65227;and#65260;and#65250; and#65169;and#65184;and#65170;and#65198; and#65165;and#65247;and#65216;and#65198;and#65197; and#65165;and#65247;and#65196;and#65263; and#65187;and#65166;and#65237; and#65169;and#65260;and#65250; and#65261;and#65165;and#65203;and#65198;and#65259;and#65250;.

    ثالثاً: كدولة مفلسة يمكن أن نأمل في بعض الهبات والمعونات، وتجربتنا معها سيئة. ولذا فأن من اولوياتنا الاقتصادية هو العمل على اعفاء ديون السودان الخارجيه من خلال اعادة بناء علاقات السودان مع الدول المانحه والمؤسسات المالية الدولية و تحقيق الاستفاده من مشروع الهبيك ( برنامج اعفاء ديون الدول الاقل نمواً في العالم) لفتح منافذ التمويل الدولي للاقتصاد السوداني. هذا مشوار طويل لكن لنضع اقدامنا على الطريق.

    رابعاً: عندما تتحدث الوثائق لقضايا الاتجاهات العملية في التصدي لقضايا الحياة المعاشية للشعب، تخلو من فلسفة واضحة. هي اقرب لما يسمى قائمة أمنيات، تضع كل القضايا المطلوب معالجتها، لكن لم تضع خطاً استراتيجياً (ما افضل تسميته فلسفة الوثيقة) لكيفية التصدي لها. يعالج البديل الديمقراطي هذه القضية عبر تأجيلها لمؤتمرات and#65239;and#65262;and#65251;and#65268;and#65172; and#65175;and#65192;and#65212;and#65212;and#65268;and#65172; للخروج and#65169;and#65176;and#65262;and#65211;and#65268;and#65166;and#65173; and#65261;and#65169;and#65198;and#65165;and#65251;and#65182;، إand#65183;and#65198;and#65165;and#65152; and#65165;and#65211;and#65276;and#65185; and#65165;and#65239;and#65176;and#65212;and#65166;and#65193;and#65265; and#65267;and#65198;and#65165;and#65227;and#65266; and#65165;and#65275;and#65169;and#65228;and#65166;and#65193; and#65165;and#65275;and#65183;and#65176;and#65252;and#65166;and#65227;and#65268;and#65172; and#65169;and#65252;and#65166; and#65267;and#65188;and#65240;and#65238; and#65165;and#65247;and#65176;and#65256;and#65252;and#65268;and#65172; and#65165;and#65247;and#65252;and#65176;and#65262;and#65165;and#65199;and#65255;and#65172;.

    يعاني ابناء الوطن من and#65203;and#65268;and#65166;and#65203;and#65166;and#65173; and#65165;and#65247;and#65236;and#65204;and#65166;and#65193; and#65261;and#65165;and#65275;and#65203;and#65176;and#65170;and#65194;and#65165;and#65193; and#65261;and#65165;and#65247;and#65224;and#65248;and#65250; and#65165;and#65275;and#65183;and#65176;and#65252;and#65166;and#65227;and#65266; and#65261;and#65165;and#65247;and#65184;and#65260;and#65262;and#65265;، and#65261;and#65169;and#65178; and#65165;and#65247;and#65244;and#65198;and#65165;and#65259;and#65268;and#65172; and#65165;and#65247;and#65228;and#65256;and#65212;and#65198;and#65267;and#65172; and#65261;and#65199;and#65227;and#65200;and#65227;and#65172; and#65165;and#65247;and#65176;and#65228;and#65166;and#65267;and#65206; and#65165;and#65247;and#65194;and#65267;and#65256;and#65266; and#65261;and#65165;and#65247;and#65204;and#65276;and#65249; and#65165;and#65275;and#65183;and#65176;and#65252;and#65166;and#65227;and#65266; and#65261;and#65165;and#65273;and#65255;and#65260;and#65268;and#65166;and#65197; and#65165;and#65275;and#65239;and#65176;and#65212;and#65166;and#65193;and#65265; and#65261;and#65165;and#65211;and#65198;and#65165;and#65197; and#65165;and#65247;and#65256;and#65224;and#65166;and#65249; and#65227;and#65248;and#65266; and#65235;and#65198;and#65213; and#65155;and#65187;and#65166;and#65193;and#65267;and#65172; and#65203;and#65268;and#65166;and#65203;and#65268;and#65172; and#65261;and#65179;and#65240;and#65166;and#65235;and#65268;and#65172; and#65235;and#65266; and#65251;and#65184;and#65176;and#65252;and#65226; and#65175;and#65228;and#65194;and#65193;and#65265;، and#65165;and#65247;and#65208;and#65266;and#65152; and#65165;and#65247;and#65196;and#65265; and#65155;and#65193;and#65265; and#65159;and#65247;and#65266; and#65165;and#65259;and#65194;and#65165;and#65197; and#65243;and#65198;and#65165;and#65251;and#65172; and#65165;and#65247;and#65252;and#65262;and#65165;and#65219;and#65254; and#65261;and#65165;and#65247;and#65262;and#65219;and#65254;. لكنهم يعانون اكثر من مشاكل اكل العيش: الاسعار، الصحة، التعليم، المياة والكهرباء وغيرها. هذه هموم المواطن والقضايا التي سوف تحدد موقفهم من الفترة الانتقالية وربما بالديمقراطية نفسها. ليس في اجندة المواطن كل ما يتحدث به السياسيين في عبارات منمقة لكنها مكررة منذ الاستقلال.

    هموم المواطن هو الذي نحتاج فيه لفلسفة ومعالجات واضحة وتمسهم مباشرة. اقترب الفجر الجديد اكثر في هذا المجال عبر تنفيذ برنامج إقتصادي إسعافي لايقاف الانهيار الإقتصادي و الفساد ومحاربة الفقر وتحقيق التنميه المتوازنه المستدامه عبر اجراءات: تخفيض الإنفاق العام للدوله، وضع شرائح المجتمع السوداني المختلفة في القلب من عملية وضع خطط التنمية بتطوير قطاع الخدمات، محاربة الفساد، إتباع السياسات الإقتصادية التي تحقق مصالح الغالبية العظمى من المواطنين، تخصيص برامج للتمييز الايجابي وتنظيم العلاقة بين المزارع والراعى. لكن جاء هذا مختلطاً بكافة المشاريع القومية الكبرى. التي سوف اعالجها من خلال تناول الغذاء.

    توفر الغذاء الاساسي للشعب

    يقدر عدد سكان السودان بحوالي 32 مليون نسمة (2011)، الغالبية العظمي، حوالي 70% وفقاً لتعداد السكان عام 2008 يعيشون في المناطق الريفية. إن الغالبية العظمي من السكان فقراء بمتوسط دخل فرد أقل من 400 دولار في السنة. أي أنهم غير قادرين على الحصول على الإحتياجات الأساسية "تشمل على حاجات مادية كالطعام، السكن، الملابس، المياه النقية، وسائل التعليم والصحة وحاجات غير مادية مثل حق المشاركة، الحرية الإنسانية والعدالة الإقتصادية".

    في "حوارية سودانية" نظمها برنامج الأمم المتحدة الإنمائى بالمشاركة مع مركز مامون بحيرى للدراسات والبحوث الإقتصادية والإجتماعية في أفريقيا، "محركات التحول في التنمية، قضايا التنمية والمداخل للحد من الفقر"، خلص د. صديق أمبدة الي أن النجاح المذهل لبعض دول الجنوب نتج عن إتباع سياسات توجهت إلى تحقيق حاجات الناس في الخدمات الإجتماعية الأساسيه، وعالجت مشاكل عدم المساواة وتخفيف حدة الفقر وتقويه مشاركة المواطنين في التنمية ولم يكن ليحدث كل ذلك لولا وجود دولة انمائية فاعلة وملتزمة بتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية. احتل السودان المرتبة 154 من البلدان البالغ عددها 169 التي شملها مؤشر التنمية البشرية لعام 2010 الذي أعده برنامج الامم المتحدة الانمائي.

    دعم الزراعة

    يتواجد في السودان ثلاثة أشكال رئيسية لعلاقات الإنتاج في الزراعة السودانية:علاقات إنتاج رأسمالية الدولة، الزراعة الرأسمالية الكبيرة والإنتاج السلعي الصغير بشقيه المتخلف والحديث. هذه الاطراف جميعها لها خبرات هائله ومستمرة منذ أكثر من قرن. حققت هذه التجارب نجاحات كبيرة وكانت لعقود طويلة عصب الاقتصاد السوداني ولازالت. إن السودان لديه من الامكانيات لكي يحقق الاكتفاء الذاتي في اهم الحبوب الغذائية التي تعتبر الغذاء الاساسي لسكانه من الذرة، الدخن والقمح. ادعو للتركيز في سنوات الفترة الانتقالية على مشروع الجزيرة ودعم الحيازات الصغيرة.

    مشروع الجزيرة

    اورد مشروع الجزيرة خارج المشاريع قومية الكبرى، لأنها موجودة كارض، مياه وسكان- كما جاء في الدراسة الشاملة التي اعدها تحالف مزارعي الجـزيـرة والمناقل: رد ومقترحات التحالف علي تقـريـر لجنة د/ تاج الســـر، اغسطس 2014 ، ويمكن أن تعود للانتاج فوراً. تبلغ مساحة المشروع 2.2 مليون فدان وهو بذلك أكبر مشروع في العالم يروي بالري الانسيابي بترعة يصل طولها حوالي 323 كيلومتر من سنار حتى مشارف الخرطوم تعرف بترعة الجزيرة وترعة المناقل. وترعة المناقل التي يصل طولها 210 كلم تتفرع منها المواجير بطول 643 كلم والقنوات الفرعية بطول 3249كلم مزودة بأبواب بعدد 27922 باباً وهدارات بعدد 2472 لتنظيم عملية الري كل هذا يتطلب جهداً متصلاً للنظافة والصيانة وإعادة التأهيل. وعلى مستوى الإنتاج في السودان ينتج 70% من جملة الأقطان و65% من جملة إنتاج القمح و 32% من جملة الفول السوداني و 12% من إنتاج الذرة. تأهيل وتجهيز هذه الشبكة الضخمة سيحتاج لجهد كبير ومال.

    تواجد في السودان ثلاثة أشكال رئيسية لعلاقات الإنتاج في الزراعة السودانية:علاقات إنتاج رأسمالية الدولة، الزراعة الرأسمالية الكبيرة والإنتاج السلعي الصغير بشقيه المتخلف والحديث. هذه الاطراف جميعها لها خبرات هائله ومستمرة منذ أكثر من قرن. حققت هذه التجارب نجاحات كبيرة وكانت لعقود طويلة عصب الاقتصاد السوداني ولازالت. إن السودان لديه من الامكانيات لكي يحقق الاكتفاء الذاتي في اهم الحبوب الغذائية التي تعتبر الغذاء الاساسي لسكانه من الذرة، الدخن والقمح.

    مايسمى القطاع التقليدي (الزراعي والرعوي) واحياناً يوصف بالمتخلف، هو مخزن لخبرات المزارع السوداني في التعامل الحكيم مع معطيات البيئة المحيطة. هذا القطاع هو أيضاً مخزن للاقتصاد المعيشي وتوفير الغذاء من لحوم، خضر، فاكهة، حبوب..الخ وكان دائماً الداعم الاساسي للاسر والعائلات في الارياف، ويضم دائماً حيوانات ودواجن للاستعمال المنزلي. هذا نمط يتواجد في الزراعة المنزلية مثل الصين الذي يعيش أغلب سكانه حوإلي، 64% من مجموع الفئة النشيطة أي ما يعادل 700 مليون فلاح، في الأرياف ويعتمدون على الزراعة كنشاط رئيسي يشتغلون في رقعة لا تتعدى 12% من المساحة الاجمالية.

    إن هذا القطاع حيوي وهام في تطوير الاقتصاد السوداني ويحتاج إلي سياسات صائبة، واتصور أنه أساس جوهري في برنامج ( فلسفة التنمية) للفترة الانتقالية. أعد لفيف من العلماء والخبراء السودانيون وثيقة السياسات الزراعية في السودان،الحاضر والمستقبل، بهدف الاستفادة منها في إعادة صياغة السياسات الزراعية، لإحداث تحول نوعي في القطاع الزراعي من قطاع تقليدي ينتج بمعدلات الكفاف في كثير من محاوره إلي قطاع إقتصادي نشط ومتطور، لتحقيق إنتاج مرن، مستدام وقادر على المنافسة.

    حددت الوثيقة المذكورة عوامل تطوير هذا القطاع في التغييرات في السياسات، في الجوانب الإقتصادية الإجتماعية من تقنين استخدامات الأراضي، تحفيز المنتجين نحو تطبيق سعر صرف يأخذ في الاعتبار تشجيع الإنتاج الزراعي للصادر، تخصيص الموارد الكافية لتأهيل وتحسين البنية التحتية للقطاع الزراعي، ودعم البحوث الزراعية والإرشاد، ونقل التقانة ومكافحة الآفات، تكوين تجمعات تعاونية للمنتجين وإحداث نقلة كمية ونوعية في التسويق الزراعي بتأسيس الأسواق الريفية وتوفير معلومات السوق في متناول المنتجين وإنشاء مواعين التخزين الكافية.

    الخص الاولويات الملحة جداً غير القضايا المتفق عليها من تفكيك دولة الانقاذ، المحاسبات وغيرها في اصلاح السلطة القضائية، قضية الاصلاح الاداري، إعفاء ديون السودان الخارجيه، توفر الغذاء الاساسي للشعب عن طريق دعم الحيازات الصغيرة.

    and#12288;

    اللامركزية

    عندما توجه ملايين الجنوبيين بحماس واجواء احتفالية لمراكز الاستفتاء لاختيار خيار "الاستقلال" بنسبة غير مسبوقة في أي استفتاء، كانت في الواقع تصوت ضد انظمة سودانية فشلت خلال 66 عام بعد الاستقلال في التوصل لحلول مقنعة لجميع الاطراف. ما بعد نيفاشا لاذت الإنقاذ بمفاهيمها التقليدية، السلطوية والمخاصمة لدروس التأريخ والثقافة، حتى وصلنا للانفصال. عندما اعلنوا عدم رغبتهم في العيش في وطن واحد تحت المخازي التأريخية والانسانية كمواطنين من الدرجة الثالثة على طول تاريخهم المعروف، كان بعض ابناء وطنهم يعيشون مواطنين من الدرجة الثانية في ظل دولة الانقاذ، وأغلبهم عاشوا كمواطنين من الدرجة الثالثة في ظل الانظمة التي تتابعت على السودان.

    كانوا كلهم يعيشون في دولة فاشلة لانظمة غادرت مرحلة الاستعمار دون أن تؤسس لأخرى وبعضها قوض نظاماً دون أن يبنى دولة مسئولة ناجحة. كانت احد القضايا الهامة في تكريس هذا الوضع قلة الاهتمام بالمستويات المحلية والتي تمثل سوء إدارة اللامركزية اساسها.

    اللامركزية

    رغم أن اللامركزية كمفهوم وممارسة قديمة في السودان، ورغم أنها نسيياً واضحة في السياسات، إلا أنها ليست بنفس الوضوح عندما تمارس على المواطن العادي. فاللامركزية التي يفترض أنها التوسع في الاختيار على المستوى المحلي، وتؤدي إلى تحسين الكفاءة، العدالة، النوعية، السلامة المالية وتحسين المساءلة / الديمقراطية، إلا أنها في الواقع العملي أدت لتضخم الجهاز الإداري بدون أي تحسينات.

    تطور مفهوم طرح اللامركزية في وثائق الاتفاقات للمعارضة حسب الاحداث التي مرت بالوطن. فمؤتمر القضايا المصيرية فصل فيها تحت باب شكل الحكم " أن يحكم السودان خلال الفترة الانتقالية على أساس الحكم اللامركزي، ويحدد الدستور الانتقالي السلطات والصلاحيات وتوزيعها بين المركز والكيانات الإقليمية. أن يؤسس الحكم اللامركزي على توزيع السلطات والصلاحيات المتفق عليها بين المركز والكيانات الشمالية والكيان الجنوبي على أن يتم الاتفاق على المسمـيات في وقت لاحق".

    وثيقة البديل الديمقراطي التي جاءت بعد انفصال الجنوب، وفي ظل حركات مسلحة تطالب بحقوقها التأريخية، لجأت للعمومية الشديدة "and#65159;and#65247;and#65232;and#65166;and#65152; and#65255;and#65224;and#65166;and#65249; and#65165;and#65247;and#65188;and#65244;and#65250; and#65165;and#65275;and#65175;and#65188;and#65166;and#65193;and#65265; and#65165;and#65247;and#65198;and#65165;and#65259;and#65254;، and#65261;and#65159;and#65227;and#65166;and#65193;and#65171; and#65175;and#65156;and#65203;and#65268;and#65202; and#65259;and#65268;and#65244;and#65248;and#65172; and#65255;and#65224;and#65166;and#65249; and#65165;and#65247;and#65194;and#65261;and#65247;and#65172; and#65169;and#65252;and#65166; and#65267;and#65188;and#65240;and#65238; and#65193;and#65267;and#65252;and#65240;and#65198;and#65165;and#65219;and#65268;and#65172; and#65187;and#65240;and#65268;and#65240;and#65268;and#65172; and#65261;and#65267;and#65216;and#65252;and#65254; and#65247;and#65244;and#65246; and#65165;and#65247;and#65252;and#65256;and#65166;and#65219;and#65238; and#65187;and#65240;and#65262;and#65239;and#65260;and#65166; and#65235;and#65266; and#65165;and#65247;and#65204;and#65248;and#65220;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65180;and#65198;and#65261;and#65171; and#65261;and#65227;and#65194;and#65165;and#65247;and#65172; and#65175;and#65262;and#65199;and#65267;and#65226; and#65235;and#65198;and#65209; and#65165;and#65247;and#65176;and#65256;and#65252;and#65268;and#65172; and#65261;and#65165;and#65247;and#65192;and#65194;and#65251;and#65166;and#65173; and#65261;and#65235;and#65266; and#65165;and#65247;and#65176;and#65228;and#65170;and#65268;and#65198; and#65227;and#65254; and#65251;and#65244;and#65262;and#65255;and#65166;and#65175;and#65260;and#65166; and#65165;and#65247;and#65180;and#65240;and#65166;and#65235;and#65268;and#65172;". ميثاق الفجر الجديد والذي ضم الحركات المسلحة، كان اكثر تحديداً فتحت نظام الحكم جاء " الدولة السودانية دولة فدرالية ديمقراطية تعددية تتأسس على المساواة بين المواطنين وتؤكد ان الشعب هو مصدر السلطات وتعتبر ان المواطنه هى اساس لنيل الحقوق والواجبات وتضمن حرية الفرد والجماعة". بينما جاء اعلان باريس في نفس الاطار "أكد الطرفان على الحفاظ على وحدة السودان على أسس جديدة قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية".

    اللامركزية والفيدرالية

    اللامركزية وسيلة من وسائل المركزية، لتخفيف الأعباء الإدارية الملقاة علي عاتق السلطة المركزية وليست بالضرورة توزيعاً للسلطة، فالسلطة وفق هذا النظام لم تفقد طابعها المركزي، وقد يكون التغيير دستورياً او عبر قوانين. هناك ثلاثة اشكال لللامركزية: اللامركزية المصلحية أو المرفقية (فيها تمنح السلطة المركزية مرفق عام (كالمؤسسات والهيئات العامة) (Delegation)، صلاحية ممارسة نشاط معين، تحت رقابتها)، اللاتمركز المحلي أو الاقليمي (De-concentration). والايلولة (Devolution). والاخيرة تعطي صلاحيات واسعة ويكون مصدرها القانون او الدستور.

    من الحكم الذاتي الاقليمي إلى تقرير المصير إلى الفيدرالية

    النظام الفيدرالي نظام سياسي متكامل ينظمه الدستور وهو اتفاق فيما بين السكان للمشاركة في السلطة وفق توزيع عادل يضمن عدم تدخل أي مجموعة في شؤون مجموعة اخري او التغول عليها. هناك تعريفات عديدة للفيدرالية، لكن كلها تتفق على أن لها أساس دستوHYPERLINK "http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1"ري وتتكون من حكومة مركزية، ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، تتقاسمان السيادةand#12288;في الدولة. الأقاليم والولايات تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد السلطات التشريعيةand#12288;والتنفيذيهand#12288;والقضائيةand#12288; بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية. ويعتبر الدستور في النظام الفدرالي هو السلطة العليا التي تستقي منها الدولة سلطاتها. ومن الضروري وجود قضاءand#12288;مستقل لإبطال أي قانونand#12288;لايتماشى مع الدستور. وينبغي أن يكون الدستور "صارماً" وغير "فضفاض، وتكون القوانين الواردة في الدستور غير قابلة للتغيير إلا من قبل سلطة أعلى أو هيئات تشريعية.

    الحكم الفدرالي واسع الانتشار عالمياً، وثمانية من بين أكبر دول العالم مساحة تحكم بشكل فدرالي. وأقرب الدول لتطبيق هذا النظام الفدرالي على المستوى العربي هي دولة الإمارات العربية المتحدةand#12288;أما على المستوى العالمي فهي دولة الولايات المتحدة الأمريكية. إذا كانت الفيدرالية تعالج قضايا الاختلافات العرقية، الجغرافية التنموية وغيرها، فقد تبين أنه من بين 150 دولة مستقلة خضعت للدراسات المقارنة خلال الأعوام 1970-2000، لا توجد سوى 15 دولة تتمتع بالتجانس السكاني المطلق، فقد ظلت الاختلافات اللغوية والثقافية لا تؤخذ بالاعتبار.

    كانت الفيدرالية منذ تم تداولها في مؤتمر جوبا 1947 وظلت تتردد على السنة جميع السياسيين، الحركات المسلحة وفي كل المناقشات والحوارات بين الطرفين، حتى تم استبدالها بحق تقرير المصير في التسعينات من القرن الماضي. رغم أنني اطلعت على معظم ما كتب حول هذا الموضوع، إلا أننى اجد نفسي منذهلاً من الموقف الثابت للقوي السياسية السودانية الشمالية حول رفض الفكرة، كما الاحظ خلو مكتبتنا من تناول للفيدرالية نفسها، مفاهيمها، تطبيقاتها وغيرها.

    لم تطرح الفيدرالية على بساط البحث الجاد بعد انتفاضة 1985، فقد كانت اطروحات قرنق بتحرير السودان أولاً هى السائدة، على أن تبحث كل قضايا الحكم لاحقاً. تم عبور الفيدرالية إلى حق تقرير المصير. جاء تطبيق النظام الفيدرالى نتيجة لتوصيات مؤتمر الحوار الوطنى الذى انعقد فى اكتوبر 1989م بالخرطوم. كان الفشل الماحق للفيدرالية في الانقاذ أن قيامها أُنشئ بالقانون وليس بالدستور، لا يستند إلى ديمقراطية حقيقية، فرأس الدولة هو الذي يقوم بتنصيب وعزل الولاة، كما أن الهدف الاساسي كان السيطرة، الاقصاء والتمكين.

    النظام الفدرالي البلجيكي

    من بين كل الفيدراليات التي قمت بدراستها، اجد النظام الفدرالي البلجيكي (الفيدرالية واللغوية)، الاكثر ملائمة للسودان، مع الحاجة للتعديلات المناسية. يعبر نموذج الدولة في بلجيكا، عن مزيج من الإثنيات والمجموعات العرقية، وتتعايش في داخلها مجموعة من اللغات التي يرسّمها الدستور البلجيكي لغات رسمية، كما يتيح لكل مجموعة من المجموعات السكانية حرية استعمال لغاتها داخل أقاليمها.

    and#12288;يقضي النظام الفدرالي البلجيكي بتقسيم بلجيكا إلى ثلاث ولايات يتمتع كل منها بدرجة كبيرة من الحكم الذاتي وهي: الإقليم الفالوني، الإقليم الفلامندي وإقليم بروكسيل. ويوجد في كل من ولاية من هذه الولايات رئيس وزراء ومجلس وزراء ومجلس نواب، وهذه السلطة المحلية تتمتع بحق اتخاذ القرارات المحلية وتدبير شؤون إدارات المحافظات التي تقع ضمن نطاق مسؤوليتها.

    تنقسم أجهزة الإدارة الإقليمية في بلجيكا إلى إدارة إقليمية حُدّدت تركيبتها ووظيفتها بقانون، أما المشكًّل لحكومة الإقليم فهو مجلسها. لكل قومية بلجيكية مجلس خاص بها، ويتألف كل مجلس قومي من أعضاء مختارين من المجالس المحلية. هذه المجالس جاءت لحل مشكلة التنوع الثقافي واللغوي المناطق اللغوية في بلجيكا. بموجب هذا تم تقسيم البلاد إلى أربع مناطق لغوية او أقاليم لغوية "يحدد الدستور في مادته الرابعة: تتكون بلجيكا من أربع مناطق لغوية: منطقة اللغة الفرنسية، منطقة اللغة الهولندية، منطقة بروكسيل العاصمة مزدوجة اللغة، ومنطقة اللغة الألمانية. كل وحدة " إدارية" للمملكة تشكّل جزءاً من هذه المناطق اللغوية. لا يمكن تغيير أو تعديل حدود المناطق اللغوية الأربع إلاّ بقانون يتم تبنّيه بأغلبية الأصوات لكل وحدة لغوية ولكلٍ من المجالس. على شرط أن تجتمع أغلبية أعضاء كل وحدة بحيث يصل مجموع الأصوات الإيجابية المعبّرة في وحدتين لغويتين إلى نسبة الثلثين".

    يقع على عاتق هذه المجالس مهمة اتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون الثقافية كاللغة والمتاحف ووسائل الإعلام والرياضة والسياحة، وقد تتدخل في بعض الشؤون الأخرى كالتعليم والصحة والرفاهية. كما يحق للمجموعات اللغوية والجهات انشاء علاقات خارجية وإبرام اتفاقات مع الدول الأجنبية وخاصة حول الملفات التي تديرها في إطار الحكم الذاتي للجهات في إطار الصلاحيات والاختصاصات المخولة لها .

    and#12288;

    مهام الفترة الانتقالية: ادارة الازمات

    ظل السودان خلال العقود الثلاث الماضية يتعرض للعديد من الكوارث الطبيعية والكوارث والاوبئة، جزء كبير منها من صنع الانسان من نزوح ملايين من السكان فى ولايات دارفور وجنوب السودان وشرق السودان ولجوء البعض الى دول الجوار وغيرها. عندما تذكر كلمة ازمة تتجه الانظار نحو السودان، فهو اما في أزمة مستمرة طوال ربع القرن الماضي: أزمة سياسية، إقتصادية، إجتماعية، ازمة المشروع الايديولوجي، الحروب الاهلية، وهكذا من قائمة تطول. لكن كل هذه كانت انعكاساً لأزمة الحكم المستمرة في سودان ما بعد الاستقلال. الجديد في أزمات دولة الانقاذ أن ازماتها انعكست على محيطها الاقليمي (تمويل الاسلام السياسي في الجزائر، الصومال مصروغيرها، محاولة اغتيال مبارك، ودولياً في الباكستان، افغانستان وغيرها.

    تعريف الازمة

    يعرف معجم ويبستر الأزمة بأنها نقطة تحول إلى الأفضل أو الأسوأ. وهي لحظة حاسمة، أو وقت عصيب، أي وضع وصل إلى مرحلة حرجة .الأزمة تعني مجموعة الظروف والأحداث المفاجئة التي تنطوي على تهديد واضح للوضع الراهن المستقر في طبيعة الأشياء، وهي النقطة الحرجة، واللحظة الحاسمة التي يتحدَّد عندها مصير تطور ما، إما إلى الأفضل، أو إلى الأسوأ. أما وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق هنري كيسنجر فاعتبر الأزمة بأنها عرض لوصول مشكلة ما إلى المرحلة السابقة مباشرة للانفجار، مما يقتضي ضرورة المبادرة بحلها قبل تفاقم عواقبها .

    هناك فرق بين الفرق بين الأزمة والحادثة التي هي حالة فجائية غير متوقعة تحدث بصورة سريعة وتنتهى هذه الحالة فور انقضاء الحادث، والمشكلة التي هي حالة من التوتر وعدم الرضا، الناجمين عن بعض الصعوبات، التي تعوق تحقيق الأهداف. وتتضح معالم المشكلة في حالة عدم تحقيق النتائج المطلوبة؛ ولذلك، تكون هي السبب الأساسي لحدوث حالة غير مرغوب فيها؛ بل تصبح تمهيداً لأزمة إذا اتخذت مسارا معقداً، يصعب من خلاله توقّع النتائج بدقة.

    الكوارث حسب قاموس أكسفورد، حدث يسبب دماراً واسعا ومعاناة عميقة، وهي سوء حظ عظيم كذلك. والكارثة أحد أكثر المفاهيم التصاقا بالأزمات، وقد ينجم عنها أزمة. تتعدد أسباب الكوارث، فتكون طبيعية مثل: الفيضانات، الزلازل، والبراكين، والحرائق الطبيعية، الصراعات، الاوبئه، او صناعية ناتجة عن استخدام معدات تكنولوجية وأجهزة صناعية متخلفة. نواجه في السودان الكوارث من كل نوع، تصيب قطاعات من المجتمع أو المجتمع بأكمله بمخاطر شديدة وخسائر مادية وبشرية، ويؤدي دائماً إلى ارتباك وخلل وعجز في التنظيمات الاجتماعية في سرعة الإعداد للمواجهة، وتعم الفوضى في الأداء على مختلف المستويات. لن تتوقف الكوارث من الحدوث، وربما تزيد في بدايات الفترة الانتقالية لظرف عدم الاستقرار. ولكي تكون البلاد مستعدة لمواجهتها بسرعة، بثبات وعلمية، لابد من فهم مراحل الأزمة، بفهم مسارها وتحديد أبعادها بشكل دقيق.

    تعددت تقسيمات الباحثين لمراحل الأزمة نظرا لاعتمادهم على معايير متنوعة. وعموماً، فإن أغلب الأفكار في هذا المضمار تصب في نفس السياق تقريباً. تتوفر مكتبة ضخمة في مجال التأهُّب للطوارئ والاستجابة لمقتضياتها في منظمات الامم المتحد، البنك الدولي ومؤسسات متخصصة احرى. عرض ربحي عبد القادر الجديلي في دراسة ممتازة، تلخيص هذه السياقات عن إدارة الازمة من عدة مصادر. حدد الباحث خمس مراحل للأزمة: مرحلة ميلاد الأزمة او يطلق عليها مرحلة التحذير أو الإنذار المبكر؛ مرحلة نمو الأزمة عندما تنمو الأزمة في حالة حدوث سوء الفهم لدى متخذي القرار في المرحلة الأولى؛ مرحلة نضج الأزمة وتعتبر من أخطر مراحل الأزمة، إذ تتطور الأزمة من حيث الحدة والجسامة نتيجة سوء التخطيط أو ما تتسم به خطط المواجهة من قصور أو إخفاق؛ مرحلة انحسار الأزمة، حيث تبدأ الأزمة بالانحسار والتقلص بعد الصدام العنيف الذي يفقدها جزءاً هاماً من قوة دفعها ويجعلها تختفي تدريجياً. والمرحلة الاخيرة مرحلة الاختفاء: وتصل الأزمة إلى هذه المرحلة عندما تفقد بشكل شبه كامل قوة الدفع المولدة لها أو لعناصرها حيث تتلاشى مظاهرها وينتهي الاهتمام بها والحديث عنها، إلا أنه من الضرورة الاستفادة من الدروس المستفادة منها لتلافي ما قد يحدث مستقبلا من سلبيات.

    إدارة الأزمة: Crisis Management

    هناك نماذج متعددة لإدارة الأزمة في المراحل المختلفة لإدارة الأزمة. فإدارة الأزمات هي "نشاط هادف يقوم على البحث والحصول على المعلومات اللازمة التي تمكن الإدارة من التنبؤ بأماكن واتجاهات الأزمة المتوقعة، وتهيئة المناخ المناسب للتعامل معها، عن طريق اتخاذ التدابير للتحكم في الأزمة المتوقعة والقضاء عليها أو تغيير مسارها لصالح المنظمة".

    يقتضي التعامل مع الزمات وجود نوع خاص من المديرين الذين يتسمون بالعديد من المهارات منها الشجاعة والثبات والاتزان الانفعالي، والقدرة على التفكير الإبداعي والقدرة على الاتصال والحوار وصياغة ورسم التكتيكات اللازمة للتعامل مع الأزمة. ويضيف الباحث أن إدارة الأزمات تستلزم توفر احتياجات إدارية خاصة وأيضاً إلى مهارات إدارية خاصة، ومن هنا يطلق عليها البعض مصطلح الإدارة بالاستثناء Management By Exception حيث تخرج الأوامر الإدارية عن مسار الأوامر العادية، وعن الهيكل التنظيمي القائم وتصبح السلطات منزوعة ومسندة إلى فريق عمل لديه كافة الصلاحيات والمسؤوليات للتعامل مع الأزمة

    مفهوم إدارة الأزمة يشير إلى كيفية التغلب على الأزمة باستخدام الأسلوب الإداري العلمي من أجل تلافي سلبياتها ما أمكن، وتعظيم الإيجابيات. يمكن تحديد عناصر إدارة الأزمة في: عملية إدارية خاصة تتمثل في مجموعة من الإجراءات الاستثنائية التي تتجاوز الوصف الوظيفي المعتاد للمهام الإدارية؛ استجابات إستراتيجية لمواقف الأزمات؛ تدار الأزمة بواسطة مجموعة من القدرات الإدارية الكفوءة والمدربة تدريباً خاصاً في مواجهة الأزمات؛ تهدف إدارة الأزمة إلى تقليل الخسائر إلى الحد الأدنى واخبرا تستخدم الأسلوب العلمي في اتخاذ القرار.

    ويصل الباحث لتحديد مقومات الإدارة الفعالة للأزمات من خلال: تبسيط الإجراءات وتسهيلها؛ إخضاع التعامل مع الأزمة للمنهجية العلمية على على أربع وظائف أساسية هي: التخطيط. ب- التنظيم. ج- التوجيه. د – المتابعة؛ تقدير الموقف الأزموي تحليلاً كاملاً لأسباب الأزمة وتطورها، وتحديد دقيق وشامل للقوى الصانعة للأزمة، والمساعدة لها، والمؤثرة فيها، ثم تقدير القدرات والإمكانات المتاحة لدى الجهة المسئولة عن إدارة الأزمة، وذلك من خلال جمع المعلومات الدقيقة عن أبعاد الأزمة، والتنبؤ باحتمالات تطور الأحداث وإمكانية السيطرة عليها؛ تحديد الأولويات؛ تفويض السلطة؛ فتح قنوات الاتصال والإبقاء عليها مع الطرف الآخر؛ الوفرة الاحتياطية الكافية وتعني الدعم المادي والمعنوي الذي يساعد على سرعة التصدي للأحداث، والإمكانيات المتوفرة والاستفادة من القوى البشرية؛ التواجد المستمر في مواقع الأحداث؛ لتأمين تدفق كم مناسب من البيانات الكافية لمتخذ القرار في إدارة الأزمات؛ إنشاء فرق مهمات خاصة؛ توعية المواطنين إذ لا يمكن مواجهة أي أزمة بفاعلية دون إعلام وتوعية المواطنين والمقيمين بالدور المطلوب منهم القيام به عند وقوع الأزمة، حيث أن وعيهم بالدور المطلوب منهم يؤدي إلى المساعدة في مواجهة الأزمة، مما يتطلب إعداد وتنفيذ خطط إعلامية وتوعوية في هذا الإطار، كما أنه يتطلب حملة إعلامية على كافة المستويات تستخدم كافة وسائل وأساليب الاتصال الجماهيري من أجل توضيح الإجراءات المستخدمة في مواجهة الأزمة والمساعدة التي ينتظر المواطنين تقديمها؛ خطة الإعلامية لإدارة الازمة بوجود سياسة إعلامية قبل وأثناء وبعد الأزمة.

    مراحل إدارة الأزمة: Crisis Management Phases

    تمر معظم الأزمات بخمس مراحل أساسية، وإذا فشل متخذ القرار في إدارة مرحلة من هذه المراحل فإنه يصبح مسئولاً عن وقوع الأزمة وتفاقم أحداثه. اكتشاف إشارات الإنذار المبكر، الاستعداد والوقاية، احتواء الأضرار والحد منها، واستعادة النشاط، والتعلم وإعادة التقييم

    إدارة الأزمة في السودان

    يقدم تقرير وطني مرحلي عن تنفيذ اطار عمل هيوغو (2011-2013)، اعدته مفوضية العون الانسانى، حصراً للمؤسسات التى تعمل فى مجالات الحد من مخاطر الكوارث ومن اهمها المجلس القومى للدفاع المدنى والذى يمثل راس الرمح فى ادارة هذا الملف الهام، تساعده الامانة العامة للمجلس القومى للدفاع المدنى اضافة الى مفوضية العون الانسانى، معتمدية اللاجئين وتتبع لوزارة الداخلية، المجلس الاعلى للبيئة وهو من اذرع وزارة البئية والغابات والتنمية العمرانية الهامة ويتبع لها الهئية العامة للارصاد الجوية ووزارة الصحة والامانة الفنية للامن الغذائى بوزارة االزراعة ووزارة الموارد المائية ووحدة تنفيذ السدود ووزارة الرعاية والضمان الاجتماعى التى تدير كل الاجهزة التى تعمل فى مجالات الحماية الاجتماعية وشبكات الامان ووزارة المالية ووزارة العدل ووزارة الاعلام وقطاع البنوك.

    كما أن هناك العديد من المؤسسات الاكاديمية التى تعمل فى مجالات الحد من المخاطر منها معهد دراسات التصحر بجامعة الخرطوم، ويستضيف كرسى اليونسكو للتصحر وهيئة الاستشعار عن بعد وتتبع لجامعة العلوم والاتصالات وجامعة الرباط التى بها كلية ادارة الازمات وكلية الحماية المدنية والمنظمات وجامعة افريقيا وبها معهد دراسات الكوارث والجامعة الاهلية بامدرمان ومعهد الدراسات البيئية بجامعة الخرطوم ومعهد دراسات السلام بجامعات الخرطوم وجوبا والنيلين والزعيم الازهرى وجامعة بحرى اضافة الى جامعة الاحفاد التى تهتم بالنوع. توجد العديد من المنظمات الوطنية

    وتنظيمات المجتمع المدنى التى تنشط فى مجالات الحد من مخاطر الكوارث وياتى على راسها الجمعية الوطنية لمكافحة التصحر والجمعية الوطنية لحماية البيئة والشبكة القومية للتغير المناخى والجمعية السودانية للحماية المدنية وجمعية الهلال الاحمر السودانى. ومن امثلة النجاح الذى حققته بعض المؤسسات والوزارات فى ادماج الحد من المخاطر ضمن خطط التنمية على المستوى القطاعى وزارة الصحة التى تعتير رائدة فى هذا المجال عبر إدارة الطوارئ والعمل الإنساني بوزارة الصحة الاتحادية منذ عام 2003م.

    ملمح مستقبل إدارة اللازمة

    اشارت خطة الإستجابة إلاستراتيجية عام 2014 ، أنه ستكون هناك حاجة إلى عمل إنساني كبير في السودان خلال عام 2014 "يحتاج إجمالي 6,1 مليون شخص لمجموعة متنوعة من المساعدات التي تشتمل على تدخالت إنقاذ الحياة، وللحماية من النزاعات، والعنف، وتقوية قدرة (مرونة) الأسر على التلاؤم، والمجموعات والمجتمعات وتسهيل إتاحة الفرص لتطبيق الحلول المستدامة كلما سنحت الظروف".

    ربما سوف تكون الازمات والكوارث الاجندة الأساسية للحكومة الانتقالية، وشاغلة وقتها لوقت غير قصير من عمرها. هذا يستدعي النظر منذ الوهلة الاولى، لتكوين مفوضية وطنية لإدارة الازمة تلملم شتات الادارات المختلفة. تجربتنا مع الاجهزة التنسيقية غير ناجحة غالباً، وهي شكلية اكثر من أنها عملية، لأن القرارات دائماً فوقية. تتميز هذه اللجان التنسيقية بأنها تتكون في اغلبها من المؤسسات الرسمية لا تعترف بالمنظمات الوطنية وتنظيمات المجتمع المدنى، إلا ماهو تابع ايديولوجياً لها، بل وتحاصرها وتمنعها.

    and#12288;

    تاهيل الحكام

    كان اكتساب المهارات العقلية والحياتية يتم في تأريخ السودانيين عبر بروفات متعددة في حياتهم. من الجمعيات الادبية في المدارس الوسطى والثانوية، الجمعيات المختلفة، وحتى إنتخابات اتحادات الطلاب في المراحل الثانوية والجامعات. بجانب هذا تواجدت إنتخابات التعاونيات على طول قرى السودان، او على مستوى المناطق الجهوية. من هذه التكوينات ينتقل المواطن إلى الانتساب في نقابة مهنية، عمالية، اتحادات مزارعين، رعاة وغيرها. من هذه التكوينات الديمقراطية كان يتخرج القادة السياسيون، الوزراء، اعضاء البرلمانات..الخ. كل هذه التكوينات تضاءلت مساهمتها طوال ربع قرن.

    التكوين السياسي والفكري للأحزاب

    طبيعة تكوين الاحزاب السياسية السودانية سواء القائمة على الارتباط الطائفي، أو الإيديولوجي ركزت في بناء كوادرها على تنمية القدرات السياسية، الخطابية في الغالب، أكثر من القدرات الفكرية والتجارب الحياتية، وإن اختلف الوضع قليلاً في الأحزاب العقائدية. وسنهتم بالأحزاب الطائفية؛ لأنها الأكثر وصولاً للسلطة ويجيء معظم القادة منها. العبور إلى القيادة في هذه الأحزاب مرتبط بشكل كبير بالوضع الأسري والانتماء القبلي، ومن ثم التدرب والتعلم من الاحتكاك بالقيادات العليا للحزب بدون أي برامج للتطوير، أو التدريب المنظم المعروفة.

    تعتمد هذه الأحزاب بالأساس على التحليلات الذي تقدمه القيادة (الإمام أو مولانا) للأحداث بدون الاعتماد على مراكز أبحاث أو مؤسسات متخصصة تابعة لها، وأدى هذا أحيانا كثيرة إلى أن يكون القائد الأسري أو القبلي المنتمي لأحد الأحزاب في فترة سابقة، رئيسا للاتحاد الاشتراكي في أثناء المايوية، ثم مرشحاً للحزب وعضواً بمكتبه القيادي أثناء الديمقراطية الثالثة.

    أما الأحزاب العقائدية فبدلاً من أن تستفيد من وجود مئات العقول اللامعة والذكية، وتشجع قيام مراكز أبحاث جادة ومستقلة، ترفدها بنتائج بحوث موضوعية تبني عليها تحليلاتها، فقد اتجهت لاعتقال التحليلات في مكتبها السياسي، أو مجلس الشوري؛ لتصبح رؤية الزعيم هي السائدة، وعلى الاعضاء تلقيها والترويج لها. إن أهم مؤشرات الديمقراطية في الدولة والسلطة، ما يتم داخل الأحزاب من إدارة ديمقراطية من حيث حرية التفكير، حرية النقد، المشاركة الجماعية في اتخاذ أهم القرارات، انتخاب القادة، رقابتهم أو إسقاطهم من القيادة الحزبية.

    المهارات الإدارية

    تُكتسب المعارف الإدارية ومهارات القيادة في بلادنا خبط عشواء، وهي لاتمثل معياراً في الإختيار أصلاً ولا تكون هي الشاغل في تكوين الحكومات. وهذه سمة عامة في كافة الحكومات التي مرت على السودان؛ حتى عندما تتحدث سلطة ما عن الكفاءة فهي تتحدث عن الكفاءة الأكاديمية (مثل اختيار الوزراء من الاكاديميين فقط؛ لانهم أكاديميين)، أو عن النجاح الشخصي (مثل اختيار طبيب جراح ناجح، مدير بنك ناجح، بائع ثياب ناجح، سمسار اراضي ناجح..الخ).

    وقد خلت أجندة الحكومات المتتالية من أي برامج لتأهيل وزرائها، أو قياداتها العليا حين يتولون هذه المهام إما بالهاتف، أو ضمن صفقات مصالحة، وأدى هذا بنا إلى أن من بين مئات الوزراء المتعاقبين لا تكاد الذاكرة أن تحتفظ سوى بأسماء قليلة استطاعوا إحداث تغيير محسوس، وترك بصمة على صعيد الإنجازات.

    التكوين الجيلي للمؤسسات الإجتماعية

    يرتكز الموروث الإسلامي على إرتباط الحكمة بسن النبوة (40 عاماً)، والموروث الإجتماعي من تقديم شيوخ القبائل وكبار القوم وغيرها. بدلاً من سن النبوة فقد تسيد وتسلط المسنين على الحكومة، ومؤسسات النظام كافة، اغلب قادة الاحزاب منظمات المجتمع المدني وغيرهم حتى مستواها الثالث فوق السبعين. كان هذا الأصل طوال القرون والسنوات. هذه التراتبية- عدا الخدمه المدنية- منعت كافة هذه التكوينات من التجدد.

    تغيرهذا تحت عجلات التقدم الإنساني والتطور البشري، يتخرج الشاب من الجامعات (في الدولة المسئولة التي توفر التعليم لكافة الذين لديهم رغبه) في عمر العشرين عاماً، يمكن ان ينجز الدكتوراة قبل أكمال العقد الثالث من العمر. هذا على المستوي التعليمي، لكن في الثقافة والاطلاع فقد توفر لكل طارق للانترنت، ترليونات الصفحات، المكتبات الكاملة من مكتبة الكونقرس، الانسكلوبيديا البريطانية وغيرها. تتنوع المجالات الثقافية لتنوعات مذهلة وهائلة، لم تترك أي شاردة او واردة من المخزون البشري كافة: من التراث البشري مكتوباً، منطوقاً، في صور، افلام، خرائط وغيرها.

    معرفياً ليس هناك حدود للعقول الشابة المتوثبة، مع القدرة الخلاقة والمبدعة وتفتح الخيال. هناك شعار سقيم يردده العواجيز ان الشباب بناة المستقبل، والصحيح انهم بناة أي حاضر، والمستقبل يبنيه تجدد الاجيال واختفاء التراتبية وسيادة الكفاءة والانجاز.

    الحركات المسلحة

    عند انتهاء الحرب والصراعات اطل على المشهد السياسي محاربون قضوا سنوات في قيادة حركات مسلحة، مشاغلها ومسئولياتها مختلفة عن إدارة الدولة. أن هذه الحركات سوف تكون مضطرة للتحول لمنظمات سياسية ويحتاج اعضاؤها للتأهيل والتدريب السياسي (نمتلك ذخيرة كبري من منظمات خيرة قامت بمثل هذا العمل بعد نيفاشا وتقوم به في دارفور الأن) والمهارات الإجتماعية. إعادة الاستيعاب عملية جدية واولوية، ولنا في تجاربنا السابقة سواء بعد اتفاق اديس ابابا 1972، المجموعات المقاتلة في يوليو 1976، حركات دارفور المنضوية تحت اتفاق الدوحة وغيرها. إن التساهل او التجاهل في هذا الامر روشتة لإعادة النزاعات. هذه مسئولية الدولة وليست الحركات وتحتاج لحلول شاملة واعادتهم إلي الحياة الطبيعية كمواطنين منتجين في مختلف قوس قزح الحياة.

    لقد اعتدنا من الفرقاء، العقداء والعمداء القفز من الثكنة وساحات القتال إلي كرسي الرئاسة، كذلك قفز القادة من الغابة اوالقفار الصحراوية إلي مقاعد السلطة كل هذا بدون تدريب او تآهيل سياسي. لقد احتاج كل هؤلاء لسنوات طويلة لاكتساب مهارات الحكم والتعامل مع السياسة، وكثير منهم فاشل في ادائها. هناك مكتبة ضخمة في صنوف التدريب، صقل المهارات والتأهيل لابد أن يخضعوا لها.

    لقد اختارتهم منظماتهم او حركاتهم لصفاتهم القيادية، لكن ليس منها أنهم يمتلكون صفات القائد السياسي للوطن. لقد اعتدنا في الحياة السياسية السودانية على الايمان أن الممارسة (غير القائمة على أي معطيات علمية) هي التي تصنع السياسي، ويجدر بنا أن نعترف بمقولة أن مساعد الطبيب لن يصبح طبيباً مهما طالت مدة الممارسة.

    التأهيل النفسي

    توفر تراث إنساني عظيم منذ الحرب العالمية الأولى و/الثانية، حروب فيتنام وغيرها حول التاثيرات النفسية والإجتماعية للحروب، الاعتقال والتعذيب وكيفية التأهيل منها، لم يعد التاثير الذي تسببه الحروب، الاعتقالات والتعذيب مجرد اطروحات فقد دعمتها دراسات متنوعة وعديدة من السودان وخارجه. إن من تعرضوا إلي انتهاكات جسدية ونفسية خلال فترة الحروب، اعتقالهم، او تعذيبهم بحاجة إلي المساعدة على تحرير أنفسهم من كل الأعراض النفسية والشعور بالذنب. ويشكل الإرشاد الإجتماعي ضرورة ملحّة وجزءاً من العلاج الذي يجب أن لا يقتصر فقط على الضحايا ، بل يجب أن يشمل أيضاً جميع أفراد عائلاتهم، ويكون هدف العلاج هو إعادة بناء شخصية الناجين بحيث يصبحون قادرين من جديد على متابعة حياتهم الطبيعية. يقوم مركز د.عبد الباسط ميرغن بمجهود كبير ومقدر في هذا المجال، واضعاً الأساس في هذا المجال.

    يتوفر في الوطن الأن مراكز تدريب عالية المستوى، وبرامج تدريبية لكافة اوجه النشاط البشري، ومن الضروري أن نبدأ مسيرة الفترة الانتقالية بضمان كفاءة من سوف يتم اختيارهم لقيادة البلاد. هذا يصدق على الوزراء وكافة الاطر القيادية على جميع المستويات. للسياسة الحديثة معارف، مهارات ومواقف تدرس، ولمن اراد أن يحكم وطناً في أي موقع سياسي أن يتواضع في مقاعد التدريب والتأهيل.

    and#12288;

    and#12288;

    and#12288;

    and#12288;

    العلاقات الخارجية

    تعد السياسة الخارجية للدول، امتداداً طبيعياً لأوضاعها ونظمها الداخلية ولذا فإن أي تغير أو تطور يطرأ على النظام السياسي أو البيئة الإجتماعية لدولة ما، يحدث تغييراً في مضمون وأسلوب سياستها الخارجية، ومواقفها من القضايا الدولية، كما أن قيم القيادة السياسية المسيطرة داخل ذلك النظام وإدارتها ومعتقداتها، تشكل الاتجاهات التي يجري فيها ذلك التحرك الخارجي.

    لا يرد السودان في الوثائق السرية او مذكرات الرؤساء المختلفين او وثائق اجهزة المخابرات- إلا فيما ندر. يبدو هذا جلياً في ورود السودان في الصحافة والاعلام العربيين، فمواضيع السودان يتم تناولها من زاوية الازمات: ازمة سياسية، مجاعات، عمليات عسكرية، تمرد...الخ ليس هناك أي اشارة لاهمية السودان- إلا بعض الكتابات المصرية في مراكز الدراسات الإستراتيجية والتي تتعامل مع السودان دوماً باستعلاء.

    السياسة الخارجية للاتفاقات الوطنية

    عالجت وثيقة مؤتمر القضايا المصيرية وتحت عنوان فرعي سودان المستقبل: لإرساء دعائم السودان الجديد اعتمد برنامج للسياسة الخارجية وسياسات التعاون الإقليمي والدولي. البديل الديمقراطي كان اكثر تحديدأ "انتهاج سياسة خارجية متوازنة ومستقلة تخدم المصالح العليا الاقتصاديـة والسياسية، وتحقق الامن القومي للبلاد، وتعمل علي انهاء المواجهة بين السودان والمجتمع الدولي القائمة، واستبدالها بالتعاون وفق مبادي واحكام القانون الدولي وحسن الجوار وعدم التدخل في الشئون الداخلية للاخرين حتي تعود للسودان مكانته، عربياً وافريقياً ودولياً".

    جاء الموقف في ميثاق الفجر الجديد اكثر ايجابية وجسارة واكثر حساسية "حسن الجوار والتعايش السلمي وأنتهاج سياسة خارجية تخدم مصالح الشعب السودانى، وتعزز علاقات حسن الجوار والتعايش السلمي وتعالج ترسبات السياسات والمواقف العدائية الموروثة جراء المواجهة المستمرة مع دول الجوار والمجتمع الدولي." فرضت الظروف الجديدة من واقع الانفصال مخاطبتها "خلق شراكة إقتصادية إستراتيجية بين دولتي السودان وجنوب السودان تسهم في دفع عجلة التنمية الإقتصادية لمصلحة الشعبين". وعبر عن نفس النهج إعلان باريس "دولة جنوب السودان هي الأقرب للسودان والسودانيين ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ويؤكد الطرفان مساندتهما للمجهودات الإقليمية والدولية لتحقيق السلام والمصالحة والاستقرار في جنوب السودان، واتفقا على مخاطبة أطراف الأزمة في الجنوب وحثهم على الإسراع بوضع نهاية للحرب".

    قضايا العلاقات الخارجية

    اتناول دور الخارج وخاصة الاستراتيجيات الكونية، لأهميته قبل، اثناء وبعد عملية أي تغيير سيحدث في السودان. رغم عدم الاهمية الإستراتيجية للسودان في الوقت الحإلي، فإن قطراً بموارد هائلة وقوى بشرية لها ممكنات فاعلة، حيوية ومتنوعة، يمثل في مستقبله مكاناً شديد الاهمية والتاثير إذا استطاع الخروج من وهدة حكمة الحالي واستطاع ابناؤه وضعه على الطريق الصحيح. إن السودان ليس بلداً خامل الذكر ولكن خامل القيادة، فاقداً للاتجاه، واسير الأولوية المتدنية في وضعه في الاستراتيجيات الكونية.

    جاءت الإنقاذ واستمرت والأولوية والإستراتيجية الثابتة اللامتغيرة لها، هي التمكين والامساك بالسلطة مهما كان الثمن. في هذا المجال انجزت في أول عهدها مجزرة الدبلوماسيين. في خلال أكثر من عقدين فقد الوطن من خلال سياسات التمكين، كافة الدبلوماسيين الذين تم بنائهم في عقود طويلة، فقد أمتلات الخارجية بمن ولجوا اليها من باب المنشية سابقا والقصر منذ المفاصلة، الذي اوصلنا إلي ما وصفه احد اكبر دهاقنة السياسة السودانية د.منصور خالد: "أن الوضع الحالي للخارجية.. افتقدت اهم ما يجب توفره للسياسة الخارجية، افتقارها للتماسك المنطقي... كانت نتاجاً لرؤية مرتبكة فإن مصيرها الفشل، ويرى أن المشكلة في السودان ليست لضعف فكر لصناع السياسة ولا لعجزهم عن ادراك المصالح الخارجية، بقدر ما هي منطلقاتهم لتفسير المصالح الوطنية".

    سياسة خارجية متوازنة

    اشار المستشار طارق البشري في كتابة (نحو تيار أساسي للأمة) "إن المشروع الوطني الذي من شأنه صياغة التيار الأساسي السائد يتلخص في ثلاثة عناوين كبري الاستقلال السياسي، تحرر الإرادة السياسية من الضغوط الخارجية والاستقلال الإقتصادي والمأسسة". إن احد المهمات العاجلة في الوضع الإنتقالي تصحيح الوضع الحالي من الاتفاق والتوافق الوطني على اهداف السياسة الخارجية، بحيث تعكس السياسات الداخلية من الديمقراطية، سيادة القانون وحرية التعبير. وبناء محددات السياسة الخارجية، بحيث يركز على عوامل موضوعية من طبيعة الجوار الجغرافي، الموارد والتحالفات الإقتصادية والتوازن والمساواة في تقرير السياسة الخارجية للدولة. القضية الآخرى تعديل صورة السودان المشوهة والمدموغة بكل صفات الارهاب، انتهاكات حقوق الانسان، الحروب الأهلية المدمرة، صنوف الكذب والاستهبال والنصب الذي اصبح صورة السودانيين في الخارج.

    سودان المستقبل والخارج

    للسودان قضايا معلقة وملفات شائكة مع كافة الجيران، خاصة دولة جنوب السودان، مصر، ليبيا، الخليج، اثيوبيا وغيرها. حكومة الانتقال بحاجة إلي القضاء علي كل الاسباب التي تقود لافتعال الفجوة والسعي لتأطير العلاقات علي اسس موضوعية على قاعدة المنافع والمصالح. إن تأكيد الاستقلال السياسي لا يعني فرض السلطة في الداخل فقط بقدر ما يعني الارتقاء بأهل البلد، احترام حريتهم، التفاهم، النظر للمصالح الوطنية العليا التي تشمل أمن الوطن واستقراره، تحقيق الاحتياجات الضرورية لمواطنيه، الحفاظ علي تنوعه وخصائصه الثقافية وإحلال البلد موقعا متميزاً في الهيبة الكونية.

    سودان المستقبل سيجد حوله دولاً ديمقراطية عديدة (مصر، ليبيا، تونس، اثيوبيا وكينيا وغيرها) سوريا،)، رغم تعثر بعضها والمشاكل التي تحيط بها الا أنها حقائق الجغرافيا الجديدة، كما سيرث تدويلاً واستراتيجيات دولية معقدة في قضايا معلقة في العلاقات السودانية الخارجية لها جذور داخلية من مشكلة دارفور، النيل الازرق وجنوب كردفان والعلاقة مع جنوب السودان. بدأ الحل الحقيقي منذ الفجر الجديد واعلان باريبس، لأن هذه القضايا ستحل بين شركاء في الوطن وستذوب كافة عوامل التدويل عند جلوسهم في طاولة واحدة للنظر في حكم السودان.

    لم تفلح سوي قاعدة المنافع والمصالح في خلق التكتلات الإقتصادية ومن ثم السياسية مثل دول الاتحاد الاوربي، امريكا اللاتينية والآسيان. إن هذه القاعدة تستدعي وجود دول ذات نمو متقارب ومنافع مشتركة، وقد فشلت كافة الاطروحات العربية والافريقية في خلق أي وحدة مفيدة إقتصادية او إجتماعية. الرؤية ستجعلنا في طريق نمو وتؤثر في دولنا المجاورة لرفع قدراتها. القاعدة الذهبية في تحقيق هذا هو بناء الدولة القوية، ذات الرؤية المستقبلية والتي تتمتع برضاء شعبها عن نظام حكمها.

    and#12288;

    and#12288;

    إذا استطاع الاخرون فلماذا لانستطيع نحن؟

    برغم أن هذه مقالات عن الفترة الانتقالية السودان، إلا أن منطلقها هو الرؤية السودانية، أي أن ما طرح فيه جزء من توجه لوضع اقدام الوطن في طريق المستقبل. كما قلت في بداية المقالات فالنظر لمهام المستقبل هام في صياغة أي اتفاقات يصل لها ابناء الوطن. ربما تستطيع الفترة الانتقالية أن تحقق بعض النجاحات في بعض القضايا، لكنها لا تضمن استمرارها إذا لم نتفق على رؤية مستقبلية. لذلك اعاود الحديث عن ما سبق وأن طرحته في كتابيّ: الرؤية السودانية: انتاج الفشل ونحو إطار عام للرؤية، من تطوير مفاهيم الوصول لرؤية. سوف الخص القضايا التي أراها مفصلية، والتي جاءت متناثرة في المقالات السابقة.

    اقترب من كل هذه الافكار والبرامج من مدخل الرؤية، وعندما اعبر عن غياب الرؤية عند ممثلي المجتمع المدني السوداني (يشمل الاحزاب)، فإنني لا اقصد عدم وجود رؤي حزبية نحو قضايا الوطن، لكن أن هذه الرؤية جزئية وتعبر عن قطاع محدد من الشعب السوداني وتتحدث باسمه. إن رؤية بناء الوطن تعني لدي الاتفاق العام حول طريق نماء الوطن وتحديد خيارات الطريق من "غالب التيارات السياسية دون أن يتخلى أي تيار عن رواءة الأساسية". الرؤية هي فعل مشترك نحو تحقيق الغايات الكبرى للوطن وفي نفس الوقت يرضي تطلعات التيارات المشاركة لحد متوسط. إذن هي تفترض تنازلات من كافة التيارات بما لا يخرج عن إطار عام متفق علية.

    الوضع الإنتقالي

    إن الاتفاق الجيد بمد الفترة الإنتقالية إلي 4 سنوات، سيتيح ضمن الأليات أن تستطيع الدولة أن تحل قضايا الوضع الإنتقالي، تقيم مؤسساتها الفاعلة التي عالجناها سابقا وتتوجه لوضع رؤية. من دراسة تجارب الثورات المعاصرة، توصلت أننا نحتاج إلى "برنامج حد متوسط لحوالي عشر سنوات" من بعد تغيير نظام الإنقاذ، اربعه منها "إنتقالية تأسيسية"، حاولت تلمس بعض ملامحها في كتاب "الرؤية السودانية نحو إطار عام للرؤية - إلى أين نريد الذهاب وكيف؟". هذه المرحلة أساسية لمواجهة الازمات التي تحيط بالسودان "أزمة الهوية، أزمة الشرعية، أزمة الاندماج، أزمة التغلغل، أزمة المشاركة وأزمة التوزيع".

    اقترحت إطاراً عاماً مع بعض التفصيل ربما يفيد النظر إلية لإنجاز قضايا هذه المرحلة وتشمل: اولاً: قضايا نظام الحكم والمسائل المتصلة بها وتشمل: قضايا الدستور، العدالة الإنتقالية، العدالة الإجتماعية، العلاقات الخارجية والمجتمع المدني؛ ثانياً: القضايا المتصلة بالتغيير الإقتصادي/الإجتماعي وتشمل: الثقافة الديمقراطية، تمكين المرأة، إجتثاث العنف من الحياة السياسية، محو الامية، الفقر، العطالة والديون.

    الست سنوات اللاحقة بعد الفترة الانتقالية تبدأ فيها المؤسسات المنتخبة والحياة السياسية الكاملة، لكنها أيضا "تأسيسية للاتفاق حول الرؤية". بعد ان ننجز قضايا المرحلة الإنتقالية سوف يكون الفضاء السياسي والإجتماعي مهيئاً للاتفاق على رؤية سودانية. حاولت في كتابي تقديم إطار عام للرؤية وليست (الرؤية) نفسها، يوضح حاجتنا لها، العناصر التي ربما نود النظر إليها حين نبدأ بذلك ولتوضيح كيف نصل هناك.

    إلى اين نريد الذهاب

    عندما تصدت الدول لقضايا الرؤية عند بدء انطلاقها في طريق المستقبل، نظرت كلها إلى أهم "الكفاءات الأساسية" التي تتوفر فيها، ونعني بها نقاط القوة الكامنة حيث يمكن أن تظهر نتائج أفضل في أقصر وقت. هناك بعض الأمور التي يمكن أن تفعل الكثير بنفس الإرادة والجهد، إما بسبب وجود بيئة تمكينية أو بسبب تجربة أفضل.

    يعتقد الكاتب أن السودان يمتلك كفاءات أساسية يمكن أن تمهد الطريق للمستقبل في السودان وأحصرها في: الموارد الطبيعية من اراضي ومياة وثروة حيوانية، القوى البشرية والتكنلوجيا، المعادن والنفط والتنوع البيئي. هذه الامكانيات يمكن أن تتطور ضمن ثلاثة مبادىء أساسية: أولاً: الدوله المدنية ونعني بها أن الدوله ليست عسكرية او دينية. ثانياً: دوله ديمقراطية وثالثاً: العداله الإجتماعية.

    عندما نبدأ في التفكير في رؤية سوف يكون أول سؤال سيتبادر إلي الذهن: اين نريد الذهاب؟. هذا السؤال مفصلي وهو ذو طبيعة فلسفيه، سياسية وإجتماعية. بعكس الخطط التي يمكن لمجموعات الخبراء أن تضع بها افضل الطرق، الاليات والوسائل ضمن اطار سياسي محدد وميزانيات معروفة سلفا، فأن الرؤية إبحار في المستقبل، طرق لم نسر فيها سابقاً وتفكير خارج المألوف. الرؤية مشروع كلي يستهدف كافة فئات المجتمع، يلبي احتياجات كافة فصائل الشعب ويؤدي لتنمية شاملة لكافة القطاعات مع استهداف كفاءات اساسية تمثل ركائز هذه التنمية.

    لكى نصل لصورة ذهنية لسودان ما بعد عشرين عاماً، لنجد جواباً على أين نريد الذهاب؟. الرؤية للخروج بوطننا من الازمة السياسية الخانقة، ليست تصوراً سيحط علينا فجأة، وليس له شكل هندسي واحد لكيفية البدء فيه. لقد بدأت مسيرة حل مشكلة العنصرية في جنوب افريقيا، قبل سنوات من التفكيك الحقيقي لنظام العنصرية عبر توافق وطني عام. وجود رؤية إستراتيجية تتغلغل في وجدان الشعب، ستصبح شعاراً لأي تحركات، محور نقاش المنتديات، اجندة تفرض نفسها على كافة المواقف السياسية للقوى الخارجية، تصاغ اشعاراً من شعراء الشعب ومساديراً واغاني.

    لن ترتبط الرؤية السودانية بقائد فذ لأن المناخ الإجتماعي اختلف تماماً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فرض تطور وسائل التواصل الإجتماعي (الاتصالات، التويتر، الفيسبوك، المدونات..الخ)، وسائل المعرفة (الانترنت، القنوات الفضائية..الخ) بشكل كبير وشملت اغلب قطاعات الشعب وان بدرجة نسبية، أن تجعل من الشأن العام، عاماً بشكل واضح من ناحية وتشارك فيه مئات الالاف بارائها،

    كيف نذهب إلي هناك؟

    يرتبط بسؤال أين نريد الذهاب، بالسؤال المنطقي الآخر، كيف نذهب إلي هناك؟. وهما مرتبطان لأن الاليات والوسائل تتدخل في امكانية أن نصل للمكان المرغوب. إذا كان السؤال الأول يرتبط بالاحلام، الاماني والقدرة على فتح المجال للخيال، فالسؤال الثاني فيه جوانب من القدرة على الابداع ولكن يعتمد بشكل أكثر على تحليل نتائج دراسة الحالة الراهنة في السودان. وسوف تعتمد الاجابة عدة عناصر: أولاً: الدراسة الجادة لنقاط الضعف والقوة؛ ثانياً: القيادة ذات الارادة والخيال؛ ثالثاً: الاستقرار السياسي؛ رابعاً: الإستثمار في الميزة النسبية وأخيراً الاستفادة من التجارب العالمية.

    المشكلة الكبري التي تواجهنا في السودان تجريف الخبرات الهائل الذي مارسة نظام الإنقاذ من تفريغ المؤسسات من القوى البشرية الهائلة، التي اكتسبت الخبرة التراكمية على مر الازمان. هذه الخبرات اغلبها موجود اما مبعداً عن مجال عمله في السودان، ويعمل في مجال اخر، في الدياسبورا من مختلف الدول والبيئات وبعضهم يعمل في المجال، اخرون اكتسبوا مهارات افضل.

    يتوفر آلاف السودانيين المؤهلين في كل مجال، في داخل السودان وخارجه، لديهم الكفاءات المطلوبة والضرورية. يوجد في السودان وفي المهاجر مجتمع مدني نشط ومؤهل. ورغم القمع، الحرب الشرسة، الانتهاكات والتدخلات الامنية تستمر هذه القوى وتستعر من اتحادات طلاب، حركات شبابية، منتديات ثقافيه وإجتماعية، اندية رياضة واستماع، روابط مناطقية وعرقية ومدن وغيرها.

    نحتاج إلي عون من الوكالات المتخصصة للامم المتحدة، البنك الدولي فهي بيوت خبرة كفؤة، ربما نحتاج أيضاً لشركات متخصصة في بعض الدراسات. لابد أن تتاح مشاركة كافة السودانيين، وبكل الوسائل الاعلامية المتاحة، لتكون لدينا صورة واضحة عن حاضرنا الذي سيفتح لنا طريق المستقبل. إن الرؤية حلم لابد ان يتاح لاغلب السودانيين، خاصة الشباب أن يحلموا بغد افضل.

    يتميز السودانيون عبر تأريخهم بملامح اصبحت مشهورة عنهم: العلاقات الإجتماعية الكثيفة؛ اهتمام السودانيين الفائق بالسياسة؛ المشاركة المجتمعية، سوف تساعد على تطوير الرؤية كعملية مجتمعية شاملة عن طريق تفعيل آليات التنسيق، التشبيك والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع المدني، وبينها وبين الجهات الرسمية والقطاع الخاص، لأن من غير هذا التعاون لا تكون العملية التنموية مكتملة وبالتالي يصعب أن يكتب لها النجاح. إن الرؤية هي جماع حلم الشعوب وتطلعاتها ولاتستطيع التحقق إلا إذا تحقق لها القبول الشعبي والمجتمعي. استعملت آليات متنوعة لتحقيق هذا الهدف من اسلوب المؤتمرات العامة، الاستبيانات، ورش العمل القطاعية وغيرها.

    and#12288;

    واخيراً

    عندما ندعو لرؤية، فأننا لا ننطلق من الفراغ، لكن هناك بوادر ومبادرات كبرى، جزء كبير منه جاء في الاتفاقات الوطنية، التي حاولنا قراءتها في سلسلة المقالات. احد اهم المبادرات الرؤيوية جاءت في مؤتمر نظمه حزب الأمة القومي "المؤتمر الإقتصادي القومي الذي نظمه حزب الأمة القومي بالتنسيق مع ممثلى القوى السياسية 27 –29 نوفمبر 2011م"، وهو إنجاز مقدر ومعهود من حزب الأمة. ناقش المؤتمر العديد من الاوراق تناولت اغلب قضايا الاقتصاد وإن غابت قضايا مهمة جداً (التكنلوجيا، التنمية البشرية، التنوع البيئي وغيرها). لقد توصل المؤتمرون عبر حوار ممتد إلى ما لخصه الامام "يقوم الاقتصاد على قواعد أهمها قاعدتان: الانتاج الوافر، والتوزيع العادل".

    نخلص في مناقشتنا من قول الامام "في هذا الصدد يمكن الاتفاق على إستراتيجية واحدة وإن اختلفت الوسائل لتحقيق هذه الاستراتيجية. والوسائل مهما اختلفت تكمّل بعضها الآخر". لقد توصل المؤتمرون الى "الملخص الجوهرة" في رؤية بناء الوطن. هذا هو الذي يقود إلى اسئلة الوصول للرؤية. هنا نود تأكيد ما ذكرناه مراراً وتكراراً أن الرؤية هي المكون اللاصق، الإستراتيجية الام، الهدف المشترك النهائي واتجاه الطريق الذي يضع كل الاستراتيجيات الفرعية، خطط العمل، وسائل التنفيذ وغيرها، في طريق مفضى إلى الهدف.

    عبرت كلمة الإمام الصادق المهدي الختامية ما يمكن أن نعده ملامسة رؤيويه، ليست رؤية حزب واحد او مكون اجتماعي واحد ولكن حاصل جمع المشتركات بين مجموع القوى الاجتماعية "سوف يتضح أن الحالة استثنائية تتطلب إجراءات استثنائية معالمها: انقلاب اقتصادي في الهياكل والسياسات الاقتصادية؛ انقلاب اجتماعي يواجه الفوارق التنموية الجهوية، ويواجه الفقر، ويقيم الرعاية الاجتماعية في مجال الصحة، والتعليم، ومياه الشرب، ويواجه العطالة؛ نهج جديد في علاقتنا الدولية يقيمها على أساس العدالة واحترام حقوق الإنسان ونهج سياسي يحقق دعما قومياً لأجندة الخلاص الوطني هذه ويوفر دعماً شعبياً قوياً لها". الرؤية سوف توصلنا إلى كيف سنحقق هذا الانقلاب الاقتصادي في الهياكل والسياسات الاقتصادية؟

    توصل المؤتمر لعمود خيمة الرؤية، وعكست الكلمات المناقشات وأوصلتنا مباشرة إلى المدخل الحقيقي لرؤية سودانية. توصلت القوى المعارضة لاغلب قضايا المرحلة الانتقالية، ربما كانت اضافتي في التفاصيل. لكن اود الدفع بها لتتعدى الاتفاقات الي رؤية المستقبل. هذا طريق طويل، مبشر في بداياتة، اجملها المؤتمر في كتاب الدستور، كتاب السلام وكتاب التنمية ليس كاجزاء منفصلة، ولكن كاجزاء من كتاب واحد اسميه كتاب الرؤية السودانية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de