علم النفس الفلسفي من منظور اسلامى معاصر/د. صبري محمد خليل-أستاذ الفلسفة – جامعة الخرطوم

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 23-09-2018, 02:52 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-05-2011, 05:25 AM

بكرى ابوبكر
<aبكرى ابوبكر
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 19772

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


علم النفس الفلسفي من منظور اسلامى معاصر/د. صبري محمد خليل-أستاذ الفلسفة – جامعة الخرطوم

    بسم الله الرحمن الرحيم




    علم النفس الفلسفي من منظور اسلامى معاصر





    د. صبري محمد خليل
    أستاذ الفلسفة – جامعة الخرطوم








    تمهيد
    يتناول هذا البحث علم النفس الفلسفي من منظور اسلامى معاصر وذلك من خلال تناول:
    تعريف علم النفس الفلسفي.
    علاقة علم النفس بالفلسفة.
    علاقة علم النفس بالدين.
    عرض نقدي لمدارس علم النفس الغربية
    تأصيل علم النفس.
    علم النفس الفلسفي الإسلامي
    علم النفس الفلسفي من منظور إسلامي معاصر:
    • التصور الاسلامى للعقل
    • أنماط التفكير من منظور اسلامى
    • العلاقة بين النشاط العقلي (الوعي) والسلوك.
    • العلاقة بين النشاط العقلي (الوعي) وجهازه المادي (المخ).
    • مفهومي الفطرة والطبيعة الإنسانية .
    • تفسير الأحلام
    • العلاج بالقران
    • الباراسيكولوجى:
    1. المس
    2. السحر
    3. العين
    تعريف علم النفس الفلسفي:
    علم النفس الفلسفي أو النظري أو التأملي هو أحد فروع علم النفس يبحث في الافتراضات (الكلية، المجردة) التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية (الجزئية، العينية) والقوانين التي تضبط حركتها.ويطلق البعض عليه اسم (ما وراء علم النفس) (####PSCHOLOGY) وكلمة (ما وراء) تدل على انه بحث في افتراضات كلية نظرية، كان فرويد أول من استخدمه وله بحث فيه بعنوان (أوراق فيما وراء علم النفس) سنة 1915م( ).وعلم النفس الفلسفي على هذا هو دليل على أن علاقة الفلسفة (ذات الطابع الكلي المجرد) بعلم النفس (ذو الطابع الجزئي، العيني) هي علاقة وحدة وتمييز لا علاقة خلط أو فصل. والواقع من الأمر أن فروع علم النفس تتفاوت في درجة جزئيتها وعينيتها وبالتالي فإن علم النفس الفلسفي يمكن أن نطلقه (بصورة عامة) على تلك الفروع التي تتصف بدرجة أقل من الجزئية والعينية وبالتالي درجة أكبر من الكلية والتجريد. أما تلك الفروع التي تتصف بدرجة أكبر من الجزئية والعينية وبالتالي درجة أقل من الكلية والتجريد فيمكن أن نطلق عليه (بصورة عامة) علم النفس التجريبي. فهو يشمل (بالمعنى العام) العديد من مقررات علم النفس في الجامعات كمدارس ونظريات علم النفس التي تمثل مداخل نظرية لتفسير الظواهر السلوكية( ) لذا تتصف بالتعدد (الواسع النطاق) الذي يميز الدراسات التجريدية (الفلسفة) عن الدراسات العينية (العلوم). كما تتصف بالاستمرارية (ظهور مدارس جديدة) وهو دليل ينفي أن علم النفس عن انفصل (بصورة مطلقة) عن الفلسفة في حقبة سابقة. كما أنه من الثابت أن هناك ارتباط بين هذه المدارس وبعض الفلسفات (الترابطية والنزعة التجريبية عند لوك وهيوم، التحليل النفسي والفلسفة الحيوية عند نيتشه وشوبنهاور، الوظيفية والبراجماتية عند جيمس وديوي، الجشتالت والظواهراتية عند هوسرل، الإنسانية والفلسفة الوجودية.
    علاقة علم النفس بالفلسفة:
    استقلال علم النفس عن الفلسفة:من القوال الشائعة أن علم النفس قد استقل أو انفصل عن الفلسفة أو أنه آخر العلوم التي استقلت عن الفلسفة. وهنا سنحاول تحليل هذه المقولة من ناحية تاريخية ومن ناحية الدلالة ثم نتناول علاقتها بقضية تأصيل علم النفس.
    الناحية التاريخية:
    أ) التخصص: إن هذه المقولة غير منكورة من الناحية التاريخية (على الأقل في الغرب) إذ أن إحدى دلالات مصطلح الفلسفة التي سادت في الغرب طويلاً المعرفة بكل أنماطها، وليس نمط معين من أنماط المعرفة يتصف بالكلية كما هو سائد الآن. وترتب على سيادة هذه الدلالة (التي ترجع إلى أرسطو، أن علم النفس (شأنه شأن سائر العلوم) هو فرع من فروع الفلسفة، غير أنه بتطور المعرفة، أصبح كم هذه المعرفة من الضخامة بحيث استحال على فرد واحد أن يحيط بها (كما كان سائداً في الماضي حيث نجد أن الفيلسوف هو في نفس الآن عالم وموسيقي وطبيب ... الخ كما هو الحال مع أرسطو نفسه أو سينا أو ابن رشد في الفلسفة الإسلامية)، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى تخصص فرد أو مجموعة من الأفراد في نمط معين من أنماط المعرفة أو جزئية معينة من جزيئات هذا النمط أو ذاك من أنماط المعرفة كما هو سائد الآن في الغرب.
    ب) محاولة تجاوز الخلط: من جهة أخرى فإن سيادة الدلالة السابقة لمصطلح فلسفة أدى إلى خلط الغربيين ولفترة طويلة بين الفلسفة وعلم النفس (وسائر العلوم الأخرى)، ويتمثل هذا الخلط في اعتقادهم بأن منهج الفلسفة (المنهج الاستدلالي القائم على الانتقال من مقدمات عقلية إلى نتائج عقلية) هو المنهج الصالح لعلم النفس (وسائر العلوم) (لذا ظلت دراسة النفس خاضعة للمنهج التأملي لفترة طويلة وهو ذات الخطأ الذي وقع فيه بعض دعاة تأصيل أو أسلمة علم النفس). وظل هذا الخلط مستمراً إلى فترة عصر النهضة الأوربي حيث ظهر التيار التجريبي (الذي كان رائده فرانسيس بيكون) ودعا إلى الأخذ بالمنهج الاستقرائي القائم على الانتقال من مقدمات تجريبية إلى نتائج عقلية، مع ملاحظة أن هذه الدعوة اتصفت بالتطرف (من حيث هي رد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة) فاستخدمت مصطلح العلم (ومنهجه الاستقرائي) للدلالة على المعرفة بكل أنماطها لا للدلالة على نمط معين من أنماط المعرفة وبالتالي أصبحت الفلسفة (ومنهجها الاستدلالي) تابع للعلم (وظيفة الفلسفة التحليل المنطقي واللغوي لنتائج العلوم عند الوضعية المنطقية التي هي أحد فروع التيار التجريبي أو مرحلة سابقة للعلم يجب تجاوزها (قانون الحالات الثلاث اللاهوتية، الميتافيزيقية الوضعية عند أوجست كونت وفلسفته الوضعية الاجتماعية). كما يجب تقرير أن للفكر الإسلامي السبق التاريخي لهذه الدعوة ولكنه نظر العلم بالمعنى السابق القائم على المنهج الاستقرائي كنمط من أنماط المعرفة.
    ناحية الدلالة:
    الخصوصية: كما أن مقولة استقلال علم النفس عن الفلسفة غير منكورة من ناحية الدلالة إذا أريد أن كل من الفلسفة وعلم النفس يمثل نمط من أنماط المعرفة له مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلولاً ومنهجاً خاصاً لحلها.
    الفصل: غير أن مقولة استقلال علم عن الفلسفة تصبح خاطئة من ناحية الدلالة إذا أريد بها أن يتحول علم النفس إلى كل قائم بذاته ومستقل عن الفلسفة، وبالتالي يصبح هذا الاستقلال أو الانفصال لعلم النفس عن الفلسفة مطلق لا نسبي، وهذه الدلالة جاءت كرد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة التي جعلت العلاقة الصحيحة بين علم النفس والفلسفة علاقة خلط دون الانتباه إلى أن العلاقة الصحيحة بينهما هي علاقة وحدة وارتباط لا خلط وتمييز لا فصل وآية هذا أن علم النفس بما هو العلم الذي يبحث في القوانين الموضوعية التي تضبط حركة الإنسان (الفرد) بأبعاده الذاتية (التفكير، الانفعالات، العواطف) والموضوعية (السلوك) لا يمكن أن يوجد ما لم نبحث في افتراضات نظرية سابقة على هذا البحث العلمي. البحث في طبيعة الإنسان (هل الإنسان تركيب مادي أم كيان روحي) أو البحث في علاقة الإنسان بكل من الطبيعة والمجتمع والإله. أو البحث في كيف بدء الوجود الإنساني وكيف سينهي هذا البحث في هذه الافتراضات النظرية نجد مجاله في الفلسفة في مباحث الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) ونظرية الوجود ونظرية المعرفة ونظرية القيم وفلسفة العقل وفلسفة العلم. كما نجد مجاله في علم النفس في علم النفس الفلسفي.












    علاقة علم النفس بالدين:
    1- علاقة خلط:
    في أوربا العصور الوسطى: جعل بعض رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية بعض النظريات العلمية جزء من الدين المسيحي، وبالتالي اعتبرت الدراسات النفسية في تلك الفترة جزءاً من الدين.
    عند بعض دعاة تأصيل علم النفس: كما أن بعض دعاة تأصيل علم النفس فهموا عملية التأصيل بأنها محاولة الكشف عن الظواهر النفسية (الجزئية، العينية) والقوانين الموضوعية التي تضبط حركتها لا في الإنسان كوحدة نوعية من الذكاء والمادة بل في القرآن،وبالتالي أحالوا القرآن إلى كتاب في علم النفس دون الانتباه إلى أن القرآن اكتفى في تناوله للنفس بما هو كلي وجعل معيار التحقق منه الإيمان، ثم حث الناس إلى البحث العلمي بما هو جزئي ومعياره التجربة والاختبار في الوجود (الإنساني) نفسه حين قرر أن حركة الوجود (الإنساني والطبيعي) منضبطة بسنن لا تتبدل،ثم دعاهم إلى الاجتهاد في معرفتها والتزامها.(قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (آل عمران: 137).
    2- علاقة فصل:
    جاءت الدعوة على فصل علم النفس (وسائر العلوم) عن الدين كرد فعل متطرف على موقف بعض رجال في الكنيسة الكاثوليكية السابق ذكره الذي انتهى إلى الخلط بين علم النفس والدين.
    3-علاقة وحدة وتمييز:
    وفي تصورنا أن علاقة علم النفس (وسائر العلوم) بالدين (كما الفلسفة) علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل).

    علم النفس التكويني وعلم النفس ألتكليفي: هذا التصور يتضح بالرجوع إلى التصور الإسلامي للعلم الذي يميز (ولا يفصل) بين نمطين من أنماط العلم:
    العلم التكويني:مضمونه البحث في الظواهر الجزئية، العينية والقوانين الموضوعية (السنن الإلهي بالتعبير القرآني) التي تضبط حركتها، ومجال بحثه الوجود (الإنساني والطبيعي).
    العلم ألتكليفي:مضمونه القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي العقلي (الاستدلالي) هادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية، التجريدية التي تسبق البحث العلمي السابق الذكر.
    والعلاقة بينهما هي علاقة الجزء (العلم ألتكويني) بالكل (العلم ألتكليفي) فالثاني يحد الأول فيكمله ويغنيه ولا يلغيه.
    يترتب على هذا أنه يمكن استخدام مصطلحي علم النفس التكويني للدلالة على فروع علم النفس التي يطلق عليها (بصورة عامة) اسم علم النفس التجريبي، والتي معيار التحقق منها التجربة والاختبار العلميين والتي يلزم من التحقق من كونها صادقة لهذا المعيار قبولها بصرف النظر عن من تحقق منها. حتى لو كان من تحقق منها كافر) كما يلزم من التحقق من كونها كاذبة بهذا المعيار رفضها (حتى لو كان من تحقق منها مسلم). وعلم النفس ألتكليفي للدلالة على فروع علم النفس التي يطلق عليها (بصورة عامة) علم النفس الفلسفي لكن بعد التحقق منها بمعيار الوحي، بعبارة أخرى هو ذلك النشاط المعرفي العقلي الهادف إلى الكشف عن الافتراضات الكلية المجردة التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية الجزئية والمنضبط بقواعد الوحي.



    تأصيل علم النفس:
    تأصيل أم أسلمة:يستخدم مصطلحي الأسلمة والتأصيل للدلالة على ذات المعنى، غير أننا نفضل المصطلح الأخير لعدة أسباب منها أن مصطلح تأصيل أكثر شمولاً إذا المصطلح يدل على الرد إلى الأصل، والأصل يرد بمعنى يقارب معنى الفلسفة (القاعدة الكلية التي تندرج تحتها قواعد جزئية عينية) كما يرد بمعنى الدين (النص اليقيني الورود القطعي الدلالة)، فهو يتضمن تحديد للعلاقة بين العلم والفلسفة والدين بينما الأسلمة يقتصر على معنى الدين كما أن مصطلح تأصيل يدل على اندراج مشكلة تأصيل علم النفس تحت مشكلة أشمل هي مشكلة العلاقة بين الأصالة والمعاصرة. وأخيراً فإن مصطلح أسلمة يوحي بدلالة قاطعة تفيد أن الموقف منها لا يخرج عن مدى حدي الإسلام أو الكفر بينما مصطلح التأصيل يوحي بدلالة ظنية يفيد بأن الموقف منها اجتهادي يتراوح بين الصواب والخطأ.
    مشكلة الأصالة والمعاصرة:ترتبط مشكلة تأصيل علم النفس (والعلوم الأخرى) إذ بمشكلة (حضارية) أشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة؟ ويترتب على هذا أن هناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل علم النفس (والعلوم الأخرى) هي ذات المواقف من مشكلة الأصلة والمعاصرة.
    الموقف الأول: القبول المطلق (التقليد): يقوم على تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي والعزلة عن المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وفي مجال تأصيل علم النفس يفهم عملية تأصيل علم النفس على أنها الاكتفاء بما جاء به الوحي من نصوص قطعية عن النفس وطبيعتها (الأصول) واجتهادات العلماء المسلمين في فهم ما جاء في الوحي من نصوص ظنية أو دراسة الظواهر النفسية (الجزئية، العينية) طبقاً للنصوص القطعية (الفروع). مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال علم النفس دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي (أصول) أو تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي (فروع).
    كما أن هذا الموقف يقوم على الخلط بين الدين والعلم (وهو هنا علم النفس) إذ يحاول الكشف عن الظواهر النفسية (الجزئية، العينية) وقوانين حركتها لا في الإنسان ولكن في القرآن وبالتالي إحالة القرآن من كتاب لهداية الناس لما فيه صلاحهم في كل زمان ومكان إلى كتاب في علم النفس كما سبق بيانه، دون الانتباه إلى أن النظريات العلمية النفسية التي تجئ كمحصلة للبحث أو الكشف عن الظواهر النفسية الجزئية العينية هي محدودة نسبية تحتمل الصواب والخطأ ومعياره التجربة والاختبار العلميين بينما القرآن مطلق لا يحتمل الصواب والخطأ ومعياره الإيمان.
    والواقع أن أقصى ما يقدمه هذا الموقف في مجال الدراسات النفسية هو محاولة تأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية (نفسية) ليجعل بذلك علم النفس ونظرياته (الأصل) والقرآن (الفرع) و(المحدود).
    يقول بروفيسور مالك بدري: (... ومما يؤسف به أن كثيراً من الأخصائيين الذين كتبوا في أسلمة علم النفس لم يتخطوا هذه المرحلة. لذا نجد أن كثيراً مما كتب هو من جنس هذا الاتجاه التوفيقي الذي يلوي أعناق النصوص الإسلامية حتى تتمشى مع التصورات النفسية الحديثة)( ).
    كما أن هذا الموقف رغم رفضه القاطع لفصل علم النفس عن الدين إلا أنه لا يرفض بصورة قاطعة فصل علم النفس عن الفلسفة دون الانتباه إلى فصل علم النفس عن الفلسفة هو الخطوة الأولى لفصل علم النفس عن الدين.
    الموقف الثاني: الرفض المطلق (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه (وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض). فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت إطار علم النفس الفلسفي وتلك التي تنطوي تحت إطار علم النفس التجريبي.
    الموقف الثالث: الموقف التقويمي (النقدي) (التجديد): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري (المتضمن للتقدم العلمي) يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. كما يفهم عملية تأصيل علم النفس على أنها عملية ذات أوجه متعددة.
    فمن جهة فإن تأصيل علم النفس هو نشاط معرفي عقلي يبحث في مسلمات نظرية كلية سابقة على البحث العلمي في الظواهر النفسية الجزئية العينية يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن النفس وطبيعتها ضوابط موضوعية مطلقة له.
    كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن النفس وطبيعتها أو دراساتهم المتعلقة بالظواهر النفسية الجزئية العينية نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي. كما يميز بين فروع علم النفس التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي وفروعه التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي. فمجال التأصيل من هذه الجهة ينصب على فروع علم النفس التي تنطوي تحت علم النفس الفلسفي لا تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي، أي تلك التي تنطوي على درجة أكبر من الكلية والتجريد ودرجة أقل من الجزئية والعينية. وقد انتبه إلى هذه الحقيقة عدداً من دعاة تأصيل علم النفس حيث يرى بروفيسور مالك بدري أن هناك قاعدتين لأسلمة علم النفس هما أنه كلما كانت المواد المأخوذة من علم النفس أكثر اعتماداً على البحث التجريبي ألمختبري والميداني فإنها تكون أكثر قبولاً وكلما كانت أكثر اعتماداً على النظريات الأريكية فإنها تزداد بعداً عن التصورات الإسلامية.
    وأنه كلما كانت تدرس جانباً محدوداً من السلوك الإنساني كانت أكثر قبولاً من الناحية الإسلامية وكلما كانت تهتم بالسلوك الإنساني العام فإنها تزداد بعداً عن المظلة الإسلامية( ).
    وبالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس الفلسفي إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية والرد والرفض لما يناقضها.
    غير أن هذا لا يعني القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس التجريبي بل يعني أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار. يقول بروفيسور الزبير بشير طه: (ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن القطعية بين الإطارين "الإسلامي والغربي" فاللغة النفسية مشتركة والإجراءات التجريبية والبحثية هي أدوات للمعرفة التي لا غنى عنها لعلم النفس أياً كانت تربية الثقافة)( ).
    هذا الموقف يجعل العلاقة بين علم النفس وكل من الفلسفة والدين علاقة وحدة لا خلط وتمييز لا فصل.





    عرض نقدي لمدارس علم النفس الغربية
    تمهيد: نقدم هنا عرض نقدي لمدارس علم النفس الغربية يستند إلى:
    أولا: أن مدارس علم النفس بما هي مداخل نظرية لتفسير الظواهر السلوكية( ) تقع في إطار علم النفس الفلسفي بما هو أحد فروع علم النفس التي تبحث في الافتراضات (الكلية، المجردة) التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية (الجزئية، العينية) والقوانين التي تضبط حركتها.
    ثانيا: أن هذه المدارس وكونها تندرج تحت إطار علم النفس الفلسفي هو دليل قاطع على أن علاقة الفلسفة (ذات الطابع الكلي المجرد) بعلم النفس (ذو الطابع الجزئي، العيني) هي علاقة وحدة وتمييز لا علاقة خلط أو فصل،كما أنه دليل قاطع على خطا مقوله أن علم النفس عن انفصل (بصورة مطلقة) عن الفلسفة في حقبة سابقة.
    ثالثا: تأكيدا لما سبق فان هناك ارتباط عضوي بين هذه المدارس و الفلسفات الغربية (البنائيه والنزعة التجريبية عند لوك وهيوم، التحليل النفسي والفلسفة الحيوية عند نيتشه وشوبنهاور، الوظيفية والبراجماتية عند جيمس وديوي، الجشتالت والظواهراتية عند هوسرل، الإنسانية والفلسفة الوجودية).
    رابعا: أن الموقف الصحيح من هذه المدارس يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي يتضمن:
    1/النقد الخارجي:يتمثل في بيان مدى اتفاق مفاهيم ونظريات هذه المدارس مع النصوص اليقينيه الورود القطعية الدلالة.
    2/نقد داخلي:يتمثل في بيان مدى اتساق المفاهيم التي تستند إليها كل مدرسه منطقيا ،ومدى صدقها واقعيا.
    المدرسة البنائية :
    تعريف:من أوائل مدارس علم النفس الغربية،ظهرت في ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر ، من أهم روادها فونت : تتشنر ، تكنر، كارل ستمف ، بورنج ، برنتانو ،فرزبوج
    فونت:مؤسس المدرسة البنائية ، وقد أستقل علم النفس الغربي عن الفلسفة على يديه .
    أهتم بدراسة الوعي ( الشعور ) من وجهة نظر بنائية أو فيزيائية ، وتحليل الكل إلى أجزائه أو عناصره المختلفة ، وبالتالي فإن الوعي والتفكير والمعرفة هي مجموع هذه العناصر.
    أستخدم فونت منهج " التأمل الباطني " لتحديد عناصر ومكونات الخبرة الشعورية .
    تكنر:يعتبر من أهم تلاميذ " فونت " وقد حاول بأبحاثه نشر المدرسة البنائية في الولايات المتحدة إلا أنها انتهت مع وفاته .
    ومن أهم أفكاره اعتقاده بضرورة ابتعاد علماء النفس عن دراسة ما بعد الظواهر الفيزيائية في علم النفس لتأثير ذلك على تكامل العلم .
    وفسر " تكنر " عملية الفهم والتفكير من خلال نظريته في " تقرير المعنى " بأن معاني الأشياء تأتي من ارتباط الإحساسات بالمجال الذي تحدث فيه أو من خلال ترابطها بالإحساسات الأخرى السابقة.
    تقويم:
    مقوله استقلال علم النفس: تعتبر المدرسة البنائيه أول مدرسه غربية تدعو إلى استقلال علم النفس عن الفلسفة واعتباره علما مستقلا، إن هذه المقولة غير منكورة من الناحية التاريخية (على الأقل في الغرب) إذ أن إحدى دلالات مصطلح الفلسفة التي سادت في الغرب طويلاً (المعرفة بكل أنماطها)، وترتب على سيادة هذه الدلالة (التي ترجع إلى أرسطو)، أن علم النفس (شأنه شأن سائر العلوم) هو فرع من فروع الفلسفة، غير أنه بتطور المعرفة، أصبح كم هذه المعرفة من الضخامة بحيث استحال على فرد واحد أن يحيط بها ، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى تخصص فرد أو مجموعة من الأفراد في نمط معين من أنماط المعرفة أو جزئية معينة من جزيئات هذا النمط أو ذاك من أنماط المعرفة كما هو سائد الآن في الغرب.من جهة أخرى فإن سيادة الدلالة السابقة لمصطلح فلسفة أدى إلى خلط الغربيين ولفترة طويلة بين الفلسفة وعلم النفس (وسائر العلوم الأخرى)، ويتمثل هذا الخلط في اعتقادهم بأن منهج الفلسفة (المنهج الاستدلالي القائم على الانتقال من مقدمات عقلية إلى نتائج عقلية) هو المنهج الصالح لعلم النفس (وسائر العلوم) (لذا ظلت دراسة النفس خاضعة للمنهج ألتأملي لفترة طويلة). وظل هذا الخلط مستمراً إلى فترة عصر النهضة الأوربي حيث ظهر التيار التجريبي ودعا إلى الأخذ بالمنهج الاستقرائي القائم على الانتقال من مقدمات تجريبية إلى نتائج عقلية، مع ملاحظة أن هذه الدعوة اتصفت بالتطرف (من حيث هي رد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة) فاستخدمت مصطلح العلم (ومنهجه الاستقرائي) للدلالة على المعرفة بكل أنماطها لا للدلالة على نمط معين من أنماط المعرفة .كما أن مقولة استقلال علم النفس عن الفلسفة غير منكورة من ناحية الدلالة إذا أريد أن كل من الفلسفة وعلم النفس يمثل نمط من أنماط المعرفة له مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلولاً ومنهجاً خاصاً لحلها.
    غير أن مقولة استقلال علم عن الفلسفة تصبح خاطئة من ناحية الدلالة إذا أريد بها أن يتحول علم النفس إلى كل قائم بذاته ومستقل عن الفلسفة، وبالتالي يصبح هذا الاستقلال أو الانفصال لعلم النفس عن الفلسفة مطلق لا نسبي
    المنهج الإستبطاني : وقد قدمت هذه المدرسة المنهج الإستبطاني كمنهج لعلم النفس غير انها اعتبرته منهجه الوحيد.
    الأساس الفلسفي: وقد استندت المدرسة فلسفيا إلى النزعة التجريبية عند لوك وهيوم باعتبارها العمليات العقلية كمجموعة للمدركات الحسية .
    ذاتية التأمل الباطني: وقد اخذ عليها استنادها إلى التأمل الباطني ذو الطابع الذاتي المناقض للطابع الموضوعي للعلم.
    المدرسة الوظيفية :
    تعريف:تعد المدرسة الوظيفية أول مدرسة أمريكية في علم النفس،وكانت بمثابة رد فعل على المدرسة البنائية. ، يرى البعض أن مؤسسها الحقيقي هو " أنجل " بينما يرى غالبيه الباحثين أنه " وليم جيمس ". وقد أثر الأخير على مدرستين في أمريكا هما " مدرسة شيكاغو " ومن روادها ديوي و أنجل ، و" مدرسة كولومبيا " ومن أهم
    روادها كاتل و ثوراندايك.
    دراسة وظائف العقل:اهتمت المدرسة الوظيفية بدراسة العقل من حيث وظائفه أو من حيث إنه يستخدم في تكيف الكائن الحي مع البيئة ، وقد ركزت على سؤال رئيسي وهو : ماهي وظيفة العمليات العقلية ؟ورغم اختلاف علماء المدرسة إلا أنهم اهتموا بدراسة وظائف الكائن الحي في البيئة إلى جانب اهتماماتهم بتطبيقات علم النفس في
    الميادين المختلفة
    وليم جيمس ( 1842 – 1910 ):
    طبيعة الإنسان:أشار إلى أن الإنسان كائن يحس ويشعر كما أنه يفكر ويعقل .
    نقد البنائيه: كما أنه رفض التصورالبنائي لأنه يرى أنه لا يمكن تحليل الخبرة الشعورية إلى أجزاء أو عناصر شعورية تخضع لقوانين ميكانيكية .كما رفض الإطار الضيق الذي حددته المدرسة البنائية لعلم النفس ، وبالتالي فإن علم النفس هو دراسة الوظائف العقلية ،وأن الخبرة العقلية عملية شخصية مستمرة وإنتقائية ، وأن العقل في نظره يتعامل مع المعطيات الواردة من البيئة ، كما يتعامل المثّال مع قطعة الحجر ، وبالتالي لا يمكن فصل الجسم عن العقل فهما وجهان لعملة واحدة .
    نظريته في الانفعالات:ولقد صاغ جيمس نظريته الشهيرة في الانفعالات خالف فيها أسلوب التفكير في ذلك الوقت والذي يقول : " أننا عندما نقابل حيواناً متوحشاً فإننا نخاف ثم نجري ( أي انفعال الخوف يكون قبل فعل الجري ) ولكنه قال : العكس هو الذي يحدث ، إن فعل الجري هو الذي يحدث أولاً ويتبعه انفعال الخوف ، فالانفعال ليس في ذاته شيئاً إلا ما يحدث في الجهاز الجسمي من تغيرات .
    تقويم:
    الأساس الفلسفي:استندت الوظيفية إلى الفلسفة البراجماتيه التي يعتبر وليم جيمس ذاته احد روادها، لذا وقعت في ذات الخطأ الذي وقعت فيه هذه الفلسفة وهو اتخاذ المنفعة بما هي ضابط ذاتي كمعيار للحقيقة الموضوعية .
    مدرسة الجشتالت:
    تعريف:ظهرت هذه المدرسة في ألمانيا عام 1910م كحركةً احتجاجية على المدرسة البنائية ، وتعني علم نفس الشكل أو الصورة .ويجمع مؤرخو علم النفس على أن بداية الجشطلت كانت على يد " فرتيمر " بدراسته التي أجراها عام 1910م .وقد ألتقي في مرحله تاليه باثنين من العلماء الشباب هما ( كهلر – كوفكا ) وما لبث الثلاثة أن كونوا هذه ألمدرسه.
    المبادئ الأساسية للجشتالت :
    1- مبدأ التنظيم / حيث يرى " فرتيمر " أننا كما ندرك الحركة الظاهرة ندرك الأشياء في وحدات إدراكية وليس كمجموعة من الإحساسات الفردية ، وهناك قوانين يشملها
    مبدأ التنظيم وهي :
    التقارب : أن الأجزاء المتقاربة في الزمان والمكان تميل إلى أن تدرك بعضها مع بعض .
    التشابه : أن الأجزاء المتشابهة تميل إلى أن تدرك على شكل مجموعات .
    الإغلاق : هناك ميلاً في إدراكنا إلى إكمال الأشكال الناقصة وإلى سد الفجوات .
    التسوية : هناك ميلاً لإدراك الأشكال في صورة محسنة ، والشكل المحسّن يتسم
    بالانسجام والبساطة والثبات
    2- مبدأ التعلّم / ومن أشهر دراساته هو دراسة " كهلر " عن تعلم القردة .
    ومنذ البداية عارض أصحاب مدرسة الجشتالت مبدأ المحاولة والخطأ الذي صاغه ( ثوراندايك ) وكذلك عارضوا مبدأ المثير والاستجابة الذي قالت به السلوكية فيما بعد ،
    ويقدمون بديلاً عن هذين المبدأين مبدأ التعلم بالاستبصار .
    3- التفكير المنتج / وهو عنوان الكتاب الذي ألفه " فرتيمر " عام 1945م طبّق فيه مبادئ الجشتالت على التفكير المنتج أو الإبتكاري وقال فيه أن مثل هذا التفكير إنما يكون في إطار الكليات ، وليس على المتعلم أن ينظر للموقف التعليمي ككل بل أيضاً
    على المعلم أن يقدّم الموقف ككل .
    4- المماثلة / اتجهت الدراسات الجشتالتيه إلى دراسة مشكلة آليات ومكانزمات لحاء قشرة الدماغ التي تتم أثناء العملية الإدراكية ، وترى وجهة النظر الجشتالتية أن اللحاء
    يختلف عن الجهاز العصبي
    تقويم:
    الأساس الفلسفي: تأثرت مدرسة الجشتالت إلى درجة كبيرة بالفلسفات العقلانية (كالظواهراتية عند هوسرل) التي كانت تؤكد اولويه الوعي على المادة .
    إسهامات المدرسة: ومن أهم ما قدمه علماء الجشتالت أبحاثهم في مجال الإدراك وتحديدهم لقوانين المجال الإدراكي ( الشكل والخلفية – التشابه – الإغلاق – التقارب – الإقفال – الاستمرارية )،
    انتقادات: ولقد تعرضت الجشتالت إلى عدة انتقادات منها: أنها حاولت حل المشكلات العلمية التي أثارتها بتحويل هذه المشكلات إلى مسلمات علمية، واتسام بعض مفاهيمها بالغموض ( مبدأ التنظيم – مبدأ المماثلة )،وأنها ركزت على التنظير دون البحث العلمي ،وان نتائجها لا تخضع للتحليل الإحصائي أو الفحص التجريبي .
    مدرسة التحليل النفسي
    سيجموند فرويد ( 1856 – 1939 ):

    الغرائز : رأى أن الغرائز هي القوة البايلوجية للشخص،وهي العوامل المحركة للشخصية ، والغريزة تعني الدافع الغريزي أو القوة الدافعة وهدفها تخفيف التوتر .
    وأشار " فرويد " إلى مجموعتين أساسيتين من الغرائز هما :
    الأولى غريزة الحياة : وتشمل الجنس والطعام والشراب ووظيفتها بقاء الفرد وحفظ النوع وأسمى هذه الطاقة بـ" لبيدو".
    الثانية غريزة الموت : وتتضمن الكراهية والانتحار .
    أولاً / الغريزة الجنسية : يرى " فرويد " أن معناها واسع ،فهي تشمل كل ما يثير الشهوة الجنسية والخبرات السارة .
    وللغريزة أربع خصائص أساسيات هي:( مصدر الغريزة – قوة الغريزة - موضوع
    الغريزة - هدف الغريزة ).

    فإذا اعتبرنا أن حالة الجوع حالة فطرية ومحددة وراثياً ( مصدر الغريزة ) ينشأ عنها توتر نفسي لأن الجسم في حاجة إلى غذاء مادي فزيقي فكلما زادت ( قوة الغريزة ) أو الدافع زاد التوتر ، ونظراً لهذا الظروف النفسية غير السارة فإن الفرد يبحث عن شيء ليأكله ( موضوع الغريزة ) وتحدث اللذة كلما أختزل وضعف دافع الجوع وعادت حالة الفرد الداخلية إلى هدوئها السابق ( هدف الغريزة ) وتتحقق أيضاً بعض الإشاعات الجنسية من مص ومضغ للطعام ، والحافز هنا نرجسي ولذلك فالغريزة التي تندرج تحت هذا السلوك هي غريزة جنسية .
    ثانياً : غريزة العدوان / وهي غريزة الموت وبعكس غريزة الحياة ، فغريزة الموت معقدة ويصعب حصر أبعادها وخصائصها كما هي رغم تعارضها مع مبدأ التطور والبقاء للأصلح لدارون ، ولقد كان فرويد متشائم بخصوص طبيعتنا الفطرية ، حيث يرى أننا نولد مزودين بكلا الغريزتين ( الجنس والعدوان ) وأننا غير متحضرين وراثياً ، فهذه الغريزة تحركنا مثلما تحرك الحشرات والحيوانات الضارية وتدفعنا للقتال ولأن هناك أناس آخرون لا يسمحون لنا بهذا التصرف ، لذلك فإن الصراع بين الفرد والمجتمع أمر محتوم وهذا يشمل الصراعات النفسية الداخلية التي يصعب تفاديها .
    الشعور واللاشعور: شبه فرويد الحياة النفسية للإنسان بجبال الثلوج التي تجوب بحار
    الشمال الباردة وقسمها إلى ثلاث أبنية من حيث درجة الوعي :
    1- الشعور : وهو الجزء الأصغر الظاهر وبرغم وضوحه إلا أنه مظهر سطحي للشخصية ، ويمثل الجزء الواعي من العقل ويشمل الجزء الأكبر من الأنا .
    2- ما قبل الشعور : وهو المنطقة الضبابية الموجودة بين الشعور واللاشعور ولم تكبت بعد ، ويمكن استحضارها إلى الشعور بشيء من الجهد .
    3- اللاشعور : وهو الجزء الأكبر والأهم في شخصية الإنسان وهو الغاطس من هذا الجبل وهو مستودع المكبوتات والغرائز المحركة للسلوك الإنساني ، وتكون محتوياته لا شعورية .
    بناءات الشخصية: قسّم " فرويد " الشخصية إلى ثلاث قوى وهي ( الهو – الأنا – الأنا الأعلى ) وأوضح أن القوى الثلاث ليست أجزاء منفصلة داخل العقل ولكنها ممتزجة ومرتبطة ببعضها كأجزاء التلسكوب أو ألوان الصورة .
    1- الهو ID: وتشمل كل مكونات النفس التي نولد بها مزودين بها بما في ذلك الغرائز والإمدادات الكلية للطاقة النفسية ، فهي لاشعورية ولا تعترف بالقيم ولا بالمعايير ولا بالأخلاقيات وتهدف إلى تخفيف التوتر في التو واللحظة بلا تأجيل لدوافعها وحاجاتها ، وتمثل الجانب المظلم والفوضوي من الشخصية ، وتكون شبه الإناء الضخم المملوء بسائل يغلي لأنها سريعة الإثارة والتهيج .
    تعتبر الهو كالطفل المنقاد للنزوات والذي يريد الحصول على المتعة والوصول للسعادة والسرور بطريقة مباشرة . وعليه فإن الهو هو المصدر الأول للطاقة النفسية ومستودع للغرائز وتحتاج إلى التنظيم وبالتالي طاقتها غير مستقرة ، والهو لا تتغير بمضي الزمن ولا تنفعل بالخبرة أو التجربة لأنها لا تتصل بالعالم الخارجي ومع ذلك يمكننا السيطرة عليها ، والمتحكم بها والمسيطر عليها مبدأ اللذة .
    2- الأنا Ego: هي المصلح والوسيط بين " الهو " والعالم الخارجي ، حيث يسعى إلى إشباع هذه الرغبات بطريق مشروع اجتماعياً ( مبدأ الواقع ) ويبدأ تكونها عند 6-8 شهور تقريباً من عمر الطفل ، وتنبثق عن " الهو " وتمثل العقلانية حيال اندفاعية " الهو " وهي واعية للواقع مبالية به بخلاف " الهو " ، وتقوم بخطط واقعية من تصميمها لإشباع حاجات " الهو " ويعتبر " الأنا " جزء من " الهو " انفصل عنه وتميز عنه بفضل الاحتكاك بالعالم الخارجي ، وشبه ( فرويد ) العلاقة بين " الأنا " وبين " الهو " بالفرس والفارس ، فالفرس يسير بقوته الذاتية والفارس يوجهه بخبرته ومعرفته . فالأنا إذن تخضع لمبدأ الواقع ، تفكر تفكيراً موضوعياً ومعتدلاً ومتمشياً مع الأوضاع الاجتماعية المتعارف عليها ، أما وضيفتها فهي الدفاع عن الشخصية والعمل على توافقها مع البيئة وحل الصراع بين الكائن الحي والواقع أو بين الحاجات
    المتعارضة للكائن الحي.
    3- الأنا الأعلى Super-ego :وهو أعلى وأرقى جانب في شخصية الإنسان وهو جانب المثل والمبادئ ، تبدأ في التكون في بواكير الطفولة وذلك من خلال التعاليم السلوكية التي يلقاها الطفل من الوالدين ومن ممارستهما للثواب والعقاب ، وتنمو في نهايات المرحلة الأوديبية ، ويقوم " الأنا الأعلى " بنقل الأفكار والمعلومات إلى الضمير أو الشعور الذي يعاقب على الأفكار والأفعال المحرمة ، وتقوم بتزويد " الأنا" بالمثالية وتكافئها على التصرفات المرغوب فيها .
    ديناميكية نمو الشخصية:أعتقد " فرويد " بأن الاضطرابات العصابية التي يبديها مرضاه إنما تأصلت في مرحلة الطفولة المبكرة ، وعليه فقد أهتم بتلك المرحلة وأثرها في النمو النفسي وتكوين الشخصية ، ووضع نظرية في تحديد مراحل النمو النفسي الجنسي تتمثل في المراحل التالية : الفمية (السنة الأولى)، الإستية (السنة الثانية)، الأوديبية (3-5) ،نهاية الطفولة (6)، الكمون (6-12) ، المراهقة .
    المرض النفسي والعلاج النفسي :
    * استخدم "فرويد" في بدية حياته التنويم المغناطيسي كوسيلة لكشف الصراعات اللاشعورية وعلاجها .
    * واجه بعض المتاعب في التنويم المغناطيسي ، منها عدم تقبل البعض للفكرة ومن ثم عدم قدرة المعالج على تنويم المريض .
    * استبدل التنويم بفكرة التنفيس الانفعالي من خلال إطلاق العنان للمريض للتحدث عن مشكلته ثم التداعي كوسيلة علاجية .
    * العلاج الذي يعتمد على التداعي الحر والتنفيس الانفعالي هو البديل الأفضل عن العلاج بالتنويم المغناطيسي لأنه يساعد على الوصول إلى الخبرات اللاشعورية المؤلمة ونقلها إلى حيز الوعي ثم التعامل معها معرفياً .
    تقويم :
    وهكذا فان فرويد انطلق من أن العامل الاساسى الذي يتحكم في اتجاه الفرد وسلوكه في المجتمع، المحاولة الفردية الشعورية وغير الشعورية لحل التناقض بين الغريزة الجنسية كمحرك أساس للفرد وبين الضوابط الاجتماعية التي تحول دون حرية إشباع هذه الغريزة ، وقد تأثر بالفلسفة الحيوية عند نيتشه وشوبنهاور،ورغم انه ساهم في تطوير علم النفس الغربي إلا انه قد وجهت له الكثير من الانتقادات أهمها: تركيزه على الحاجات الفسيولوجية وتحديدا الجنسية مع تجاهل الحاجات المعنوية والروحية للإنسان، والنزعة الفردية المطلقه التي تضع الفرد في مواجهه المجتمع لا في المجتمع، وتركيزه على مرحله الطفولة تركيزا يتجاوز تأكيد أهميه هذه المرحلة في تشكيل شخصيه الإنسان إلى جعل الإنسان أسيرا لهذه المرحلة ،لذا انشق عن مدرسته بعض تلاميذه (أمثال يونج-أدلر-هورناي-فورم) بالإضافة إلى تعديل بعضهم لكثير من نظرياته من داخل مدرسته (أمثال البورت-أريكسون)
    يونج (علم النفس التحليلي) :
    آراء يونج المختلفة مع "فرويد" :
    1- تعد نقطة الخلاف الرئيسية بينهما حول موضوع ( اللبيدو) إذ يعرفها "فرويد" من خلال المفاهيم الجنسية ، بينما "يونج" يعرفه على أساس أنه الطاقة العامة للحياة والتي يكون الجنس أحد جوانبها.
    2- يعتقد "فرويد" بأن الإنسان ضحية أحداث الطفولة وصنيعتها ، بينما يرى "يونج" أن الإنسان تحركه أهدافه المستقبلية وطموحاته وآماله بالإضافة إلى أحداث الماضي .
    3- استخدم "يونج" مفهوم النفس في بناء الشخصية للإشارة إلى العقل الذي يتكون من ثلاث مستويات ( الشعور – اللاشعور الشخصي – اللاشعور الجمعي )
    4- أستدخل خلافاً لـ"فرويد" فكرة اللاشعور الجمعي ويرى أنه يحتوي على النماذج ( الأنماط – الرموز ) البدائية .

    بناء الشخصية:
    1- الأنا الشعوري : تقابل الأنا عند "فرويد" إلا أنها شعورية تماماً وتشمل كل الخبرات الواعية والانطباعات والعمليات العقلية ، والشعور يشمل تحديد الإحساس
    والتفكير والمشاعر والحدس.
    2- اللاشعور الشخصي : لا يقابل اللاشعور بل ما قبل الشعور عند "فرويد" إذ يحتوي على الخبرات الماضية والتوقعات المستقبلية التي لا تكون في حيّز الوعي في حينها إلا أن بالإمكان استرجاعها بشيء من الجهد كما يمكن ظهور التوقعات المستقبلية من خلال الأحلام مما يشير إلى أن هذا المستوى من اللاشعور ليس عميقاً جداً.
    3- اللاشعور الجمعي : لم يتحدث عنه "فرويد" فيرى "يونج" بأن اللاشعور الجمعي عام بين كل الناس ، إذ يعتمد على الاستعدادات المتوارثة فهي ليست الذاكرة أو الخبرات الشخصية المكبوتة كما يقول "فرويد" بل تنتج عن التأثير الانفعالي التراكمي للخبرات الإنسانية أي ردود الأفعال الانفعالية المكررة لأفكار قد لا تكون واقعية ، ويحتوي اللاشعور الجمعي كذلك على كل الخبرات التطويرية التي مرّت بالإنسان كونت أساس شخصيته.
    أنماط الشخصية:أهتم "يونج" بالانطواء والانبساط حيث عرّفهما في حدود اتجاه الطاقة اللبيدية وعدّهما أسلوبين للاستجابة للموقف وعدّهما جزأين من الشعور ، ويوجدان في كل شخص بدرجات متفاوتة وأن الشخص لا يكون منطوياً كلياً أو منبسطاً كلياً ، بل هناك اتجاه سائد يتأثر بموقف من المواقف في لحظة معينة .
    أدلر ( علم النفس الفردي النفسي) :
    آراء "أدلر" المختلفة مع "فرويد" :
    1- أكد "فرويد" على أهمية الطفولة المبكرة في تكوين شخصية الإنسان ، أما "أدلر" فإن أهداف المستقبل تؤثر في الشخصية .
    2- قسّم "فرويد" الشخصية إلى قوى ومناطق بينما "أدلر" يؤكد على وحدة الشخصية .
    3- التفوق: أكد "أدلر" على أهمية وحدة الشخصية واتساقها وأن الشخصية يحركها هدف نهائي هو الرغبة في الكمال أو التفوق ، ويرى أن الجنس دافع هام ومن وسائل التفوق والكمال .
    4- الشعور بالنقص: يعد "أدلر" الشعور بالنقص أنه القوة المحركة لسلوك الإنسان ، ويعزو الشعور بالنقص إلى العيوب الجسمية التي قد تصيب شخصاً ما فتشعره بالنقص ويلجأ إلى التعويض .
    5- يقلل "أدلر" من أهمية الجنس ويركز على مشاعر النقص والعجز وما يرتبط بهما من عدوان لتحقيق التميز والكمال .
    6- يختلف مع "فرويد" في تفسيره لعمل الحلم ، فيراها "فرويد" وسيلة لإشباع الرغبات المكبوتة بينما "أدلر" يربط عمل الحلم بسعي الفرد الهادف للتكيف ، فهي وسيلة لحل مشكلات الفرد التي لم يستطع حلها في الواقع.
    المسلمات الأساسية لنظرية "أدلر" :
    مشاعر العجز والنقص والكفاح من أجل التميز والكمال كبديل لنظرية الجنس
    العدوان : إحساس بالكره نحو مشاعر العجز وعدم القدرة على تحقيق الإشباع .
    الحاجة للحب : بالرغم من أن العدوان دافع طبيعي من وجهة نظر "أدلر" لتحقيق ذاته ، فإن وجوده لا ينفي حاجة الإنسان للحب والعاطفة ولذا فهو يكافح من أجل تحقيق ذلك .
    الغائية : يرى أن الفرد يسعى بفاعلية لتحقيق غايات وأهداف يسعى من خلالها لتحقيق التميز والكمال والتغلب على مشاعر العجز .
    الاهتمام الاجتماعي : توجيه العدوان وتهذيبه ليكون اجتماعياً وليأخذ شكلاً اجتماعياً مقبولاً .
    نمط الحياة : أكد الطبيعة الذاتية لكفاح الفرد من أجل تحقيق أهدافه التي يسعى من خلالها للسعي للتميز في الكمال .
    أنماط الشخصية :
    1- النوع المتمسك بالقواعد 2- النوع المتعلم للأخذ
    3- النوع الإنسحابي 4- الاجتماعية
    تقويم:
    أثرت النظرية نسبياً على أفكار بعض علماء التحليل النفسي وعلم النفس الإنساني
    ويؤخذ عليها التركيز الشديد على مشاعر العجز والعدوان والنظر إليها كأساس
    للنمو الإنساني ،كما يرى البعض أنه مذهب غير علمي لأنه مبني على الملاحظات العامة .
    الفرويديون الجدد( هورني – فروم – سوليفان )
    أ- هورني
    مسلمات "هورني" الأساسية :
    * هناك مجموعة من الحاجات الأساسية للإنسان كالحب والقبول والاعتراف ثم تحقيق الذات تكون بديلاً عن الجنس .
    * تمثل خبرات الطفولة الأساس لبناء الشخصية في المستقبل.
    * القلق الأساسي .
    * كفاح الفرد لتحقيق الأمن والذات .
    أوجه اختلافها عن فروبد:
    وقد عارضت "فرويد" في قوله : إن تطور نمو الشخصية يعتمد على قوى من الدوافع الغريزية غير القابلة للتغيير ، وعارضت رأيه في الأهمية البارزة للدافع الجنسي ورفضت القول بعمومية النظرية الأوديبية ومفهوم اللبيدو ، بالإضافة إلى معرضتها رأي "فرويد" بأن المرأة تعاني مما أسماه حسد القضيب وقالت بأن الرجل يعاني من
    حسد الرحم لعدم قدرته على الإنجاب.
    مفهوم القلق:
    ويدور مذهب "هورني" على أساس مفهوم القلق والي عرّفته بأنه: شعور الطفل بأنه وحيد في هذا العالم الذي ينبئ بالعدوانية ويمكن للقلق أن ينشأ نتيجة اتجاهات الوالدين وأنماط سلوكهما حيال الطفل ، مثل الحاجة إلى الحب والحماية من أي شيء يهدد
    العلاقة الآمنة بين الطفل ووالديه .
    تقويم
    أصبحت أفكار "هورني" أقل تأثيراً مما كانت عليه لعدم توفر الدراسات العلمية
    الداعمة لها، بالاضافه إلى تركيزها على مجموعة من الحاجات المرتبطة بشكل أو بآخر بحاجة الفرد للحب والاعتراف.
    ب- فروم
    أثر "فرويد" و"ماركس" في فكر "فروم" :
    * تأثر بشكل كبير بفكر "كارل ماركس" الاجتماعي وفكر "فرويد" في التحليل النفسي وتأثر بشكل تماثلي بفكر "هورني" وذلك ليتعامل مع الفرد ككائن في مجتمع له ثقافة يتعامل فيه مع الآخرين باعتمادية متبادلة .
    * ركز "فرويد" على الحاجات والغرائز الجنسية والعدوانية بينما حدد "فروم" ست حاجات اجتماعية أساسية وهي :
    ( الحاجة للارتباط - للنمو - الحاجة للانتماء - الحاجة للهوية - الحاجة للإثارة - الحاجة إلى معتقد يعمل كإطار للتوجيه )
    * لم يبدي اهتماماً ببناءات الشخصية الفرويدية .
    * أهتم بأثر الخبرات اللاشعورية ، حيث يرى أن هناك لاشعورياً اجتماعياً يعمل على كبت الخبرات والرغبات غير المقبولة اجتماعياً ، وبالتالي إخراج الكبت من مستواه الشخصي إلى المستوى الاجتماعي .
    ج – سوليفان
    العلاقة بين فكر "فرويد" و "سوليفان" ومن سبقه في الطبيعة الشخصية :
    1- أحادية الجنس: سلّم "سوليفان" إلى حدٍ ما بالوراثة في الشخصية ، فكل الجنس البشري لديه أساس فطري تشمل الدوافع الفسيولوجية كالجوع والعطش والتنفس والجنس ، وهو ما يفسر الفروق الفردية في الخصائص الطبيعية والقدرات الحسية والذكاء.
    فأوجه الشبه بين الشخصيات المختلفة تفوق أوجه الاختلاف ، ولذلك فهو يختلف عن "أدلر" في أنه يحاول تقليل أو الحد من أهمية الفروق الفردية ويؤكد على الميول النظرية .
    2- الحاجة للآخرين : شارك كلاً من "فروم-هورني" الرأي حول عدم الاقتناع والنفور من النظرية اللبيدية لفرويد ، ويرى أنه منافياً لطبيعتنا وأن سلوكنا تحدده الغرائز الجنسية كما زعم "فرويد".
    3- تأثر بأفكار "فرويد-يانج" كما تأثر بالاتجاه المعرفي لعلم النفس ، ويتفق مع "فرويد" في أهمية الكبت ولكنه لم يفسره تفسيراً فرويدياً ( نقل الخبرات من الشعور إلى اللاشعور ) بل أستخدم مصطلح العزل ليؤكد وحدة الشخصية وهذا يؤكد توجهه المعرفي.
    4- أكد كغيره من علماء التحليل النفسي على أهمية الطفولة ولكنه لم يحدد بناءات للشخصية كما فعل "فرويد و يانج" بل ركز على أهمية العلاقات الشخصية المتبادلة بدءً بالعلاقات مع الأم ثم المقربين ثم أعضاء المجتمع .
    5- خفض التوتر والحاجات الفسيوكيميائية : يرى أن الطبيعة الإنسانية لديها ميل نحو تحقيق الصحة النفسية ( متفق مع هورني و فروم ) وتحركنا رغبة قوية في خفض ما لدينا من توتر داخلي ( متفق مع فرويد ).
    حالات ظهور التوتر عند "سوليفان" :
    * عدم التوازن الداخلي بسبب الحاجات البيوكيميائية الهامة مثل الرغبة الجنسية والحاجة للأكل والشرب ونحوها .
    * يظهر نتيجة الحاجة إلى النوم .
    * يظهر نتيجة للقلق ، وتظهر نتيجة انفعالات ترجع إلى أسباب داخلية أو خارجية ، أو انفعالات غريبة كالخوف والفزع والرعب.
    * عندما تكون الأم أو من يقوم مقامها محل ملاحظة من قبل طفلها وبشكل مبالغ فيه
    مستويات النمو عند "سوليفان" :
    1- الخبرة المبكرة : وتعتمد نموها على الإحساسات التسلسلية ويتمركز فيها الفرد حول الذات وعدم القدرة على إدراك ذاته ككيان منفصل عما حوله .
    2- الخبرة التراكمية : يعتمد نموها على الإحساسات المتعاقبة ولكنه لا يدرك العلاقة السببية بين الأحداث والمسببة لهذا التعاقب ويدرك الفرد قدرته وأرادته وبالتالي يقل تمركزه حول ذاته.
    3- الخبرة المنظمة : ويعتمد نموها على إدراك الفرد للعلاقات السببية بين الأحداث .
    مراحل النمو المعرفي – النفس اجتماعي لدى "سوليفان":
    الرضاعة (صفر-18شهر): الرضاعة، الميلاد،نمو اللغة، خبرات بدائية وإحساسات منفصلة، بدء ظهور التجسيدات الجيدة والسيئة والمنفصلة والتي تنشأ كنتيجة لطبيعة التعامل مع الأم.
    الطفولة (شهر-5سنوات): الطفولة المبكرة ،اللعب والحاجة إلى رفيق لعب، خبرات حسية تراكمية متتابعة،علاقة ذاتية مع الأصدقاء،انتقال الحقد والعداء الناتج عن القلق والتقليد والتصرف كما لو كان الأب مثلاً.
    الصبا( 6-9سنوات):الطفولة المتوسطة، استخدام قواعد اللغة، والحاجة إلى صديق، خبرات تراكمية، خبرات منظمة، وفهم العلاقات السببية العلاقات المتبادلة والتعاونية في اللعب ،الولاء الاجتماعي وظهور التكيف الاجتماعي الناتج عن المدرسة.
    ما قبل المراهقة (10-12 سنة): الطفولة المتأخرة وبداية المراهقة المبكرة ،الصداقة الحميمية مع صديق من نفس الجنس ،خبرات منظمة وفهم للعلاقات السببية، الحاجة إلى علاقة جيدة وصداقة مع نفس الجنس، تأكيد خبراته وقوتها، بدء خبرة الحب غير الأناني.
    المراهقة المبكرة (13-18 سنة): المراهقة المبكرة والمتوسطة ،الاهتمام بالجنس الأخر خبرات منظمة، وفهم للعلاقات السببية حاجة إلى شريك من الجنس الأخر، تصادم رغباته الجنسية مع حاجاته إلى الحب والأمن والعلاقة الحميمية.
    المراهقة المتأخرة (19-20 سنة): المراهقة المتأخرة، بداية العلاقات الجنسية مع الجنس الأخر،العلاقة الاجتماعية الراشدة ،خبرات منظمة وفهم للعلاقات السببية ،ظهور هويته العلمية،النمو يبدو متأثرا بخبراته السابقة ،نشوء الصداقة الراشدة ،الحاجة إلى علاقة مع الجنس الأخر
    الرشد (20-.....): الرشالمبكر:الحقيقي، خبرات منظمة وفهم للعلاالسببية،ية ،استمرارية النضج فيما سبق.
    تقويم:
    * التركيز على العلاقات الاجتماعية المتبادلة وإهمال أهمية العوامل والدوافع الأولية * كان للجانب المعرفي الأثر الكبير في تغيير وجهة النظر التحليلية في العصر الحاضر .
    *انسجام فكرة العزل والانتباه الانتقائي مع توجهه المعرفي ولكنها تقل انسجاماً مع التوجه التحليلي.
    أريكسون ( علم نفس الأنا)
    أضاف على نظرية فرويد النقطتين التاليتين :
    * زيادته لمراحل النمو على أساس أن الشخصية تظل تنمو خلال المراحل العمرية .
    * التأكيد على أثر الحضارة والتاريخ والمجتمع على الشخصية .
    ونظرية "اريكسون" هي نظرية تطويرية حيث تشير إلى أن نمو الشخصية يكون على مراحل تستمر مدى الحياة ، والنقطة المركزية في نظريته هي البحث عن الذات وتحقيق الهوية .
    مراحل النمو الأربع الأولى عند "اريكسون" هي نفسها عند "فرويد" لكن المراحل الأربع التالية هي من إضافة "اريكسون" وهي تتناول الفرد من المراهقة حتى الشيخوخة وهي كالتالي :
    المراهقة : من اثني عشرة سنة إلى ثمان عشرة سنة ، وأسلوب التصرف فيها إما تحقيق الهوية أو عدم عثور الفرد على دوره .
    الشباب المبكر : من تسع عشرة سنة إلى خمس وعشرين ، وأسلوب التصرف فيها إما الاختلاط بالناس أو الانعزال عنهم .
    الرشد: من خمس وعشرين إلى الخمسين، وأسلوب التصرف فيها إما الإنتاج أو الركود.
    تمام النضج ( الرشد المتأخر ) : من الخمسين فما فوق ، وأسلوب التصرف فيها إما تكامل الشخصية أو الشعور باليأس .
    جوردن ألبورت
    يرى "ألبورت" أن التحليل النفسي يركز على الدوافع والجوانب اللاشعورية. ويميل إلى إهمال الدوافع والجوانب الشعورية المؤثرة على السلوك.
    ولا يتفق "ألبورت" مع "فرويد" في إضفاء الأهمية الشديدة على مرحلة الطفولة المبكرة وما فيها من صراعات، حيث يرى "ألبورت" أن حياة الفرد إنما تتأثر بالخبرات الحالية وبالآمال المستقبلية أكثر من تأثرها بالماضي.
    ويرى "ألبورت" أن الأسلوب الوحيد لدراسة الشخصية ليس هو دراسة العصابية كما فعل "فرويد"، بل بدراسة الأسوياء.
    ويرى "ألبورت" إن السواء والعصاب لا تشابه بينهما، كما أكد "ألبورت" على موضوع تفرد الشخصية.
    كذلك اعتقد "ألبورت" أن النقطة المركزية في أي نظرية لتفسير الشخصية هي في معالجة موضوع الدافعية، ولكي يوضح الدافعية بالنسبة للشخص الراشد قدم "ألبورت" فكرة الاستقلال الوظيفي والتي تقول: إن الدافع لا يرتبط ارتباطاً وظيفياً بأي خبرة من خبرات مرحلة الطفولة، وأن الدافع هو أمر مستقل عن الظروف التي يظهر فيها.
    ويقدم لنا "ألبورت" فكرة الذات. والذات في نظره هي"أنا كما يعرفني الناس ويشعرون بي". ومن الجدير بالذكر أن دراسات "ألبورت" عن سمات الشخصية هي أول دراسات تجرى في أمريكا عن موضوع الشخصية. وقد ميز بين السمات وهي التي توجد عند عدد من الناس، وبين ما أسماه "ألبورت" النزاعات الشخصية والتي هي السمات المميزة لكل فرد.
    وقد سلم "ألبورت" بوجود ثلاثة أنواع من السمات:
    1- سمات رئيسية: هي التي تحكم الرغبات التي تسيطر على جميع مظاهر الحياة.
    2- سمات مركزية: هي التي تتعلق بالنواحي السلوكية مثل التصرف بالعدوان أو التصرف بالعاطفة.
    3- سمات ثانوية: هي النواحي السلوكية الأقل تواتراً من النوعين الأولين.
    وقد لقيت نظرية "ألبورت" استحساناً وتأثيراً في علم النفس يفوق ما لقيته نظرية التحليل النفسي التقليدي.
    تقويم:
    قد توجه النقد إلى "ألبورت" لأنه ركز في نظريته على تفرد الفرد بحيث يصعب التعميم. ومع ذلك فإن "ألبورت" يعد من الوجوه الرئيسية في علم نفس الشخصية.
    هنري موراي" ( 1893/ ):
    تعريف: درب "موراي" على التحليل النفسي ولكنه لم يمارسه وفضل عليه أن يدرس
    الشخصية من خلال دراسة الأسوياء.
    الشخصية:وقد قسم "موراي" الشخصية إلى ثلاثة:
    1. الهو: وهو مستقر الرغبات الاندفاعية الولادية، وهو يمد الشخصية بالطاقة اللازمة، ويتضمن بعض النزاعات المرغوبة مثل التوحد والتعاطف وبعض صور الحب.
    2. الأنا: وتلعب الأنا دوراً نشيطاً ومؤثراً في تحديد السلوك أكثر مما تلعبه في نظرية "فرويد"، وأن الأنا ليست مجرد جهاز في "الهو" ولكنه تركيب أو بناء من شأنه أن
    يختار سلوكيات الفرد وينظمها.
    3. الأنا الأعلى: حيث يتفق "موراي" مع "فرويد" في أن "الأنا الأعلى" يمثل استدماج قيم الحضارة ومعاييرها. ولكن "موراي" أكد على أن "الأنا الأعلى" يستمر في التطور والتكون خلال فترات النمو المختلفة وليس إبان فترة الطفولة – فقط – كما تشير النظرية الفرويدية.
    ويعد مفهوم الدافعية محور نظرية "موراي" في الشخصية.
    ومثل "فرويد" اعتقد "موراي" أن الشخصية تتطور خلال مراحل الطفولة وكل مرحلة تترك بصمتها على الشخصية في صورة عقدة وهي نموذج من السلوك يوجه
    لاشعورياً نمو الفرد بعد ذلك.
    تقويم: أثارت نظرية "موراي" العديد من الدراسات التي اهتمت بابتكار الوسائل لقياس الحاجات التي أشار إليها في نظريته.
    لكن توجه النقد إلى نظريته بأن موضوع الحاجات لا ينسجم تماماً مع بقية أركان نظريته، كما أثر هذا الموضوع على ابتكار "موراي" لاختبار تفهم الموضوع الذي أعده عام 1939م وذاع صيته من حيث كونه أحد اختبارات الشخصية الهامة.
    المدرسة السلوكية
    جون واطسن
    تعريف: حصل على شهادة الماجستير من جامعة ( فورمان ) عام 1900م ثم جذبته الدراسة في جامعة شيكاغو متأثراً بـــ ( جون ديوي ) ، ثم درس علم النفس التجريبي ، كان في شيكاغو يجري تجاربه على الحيوانات ، وقد قدم رسالة الدكتوراه عن تطبيقات في مجال علم نفس الحيوان ، نشر مقالة بعنوان ( علم النفس من وجهة نظر السلوكية ) وقد أشار إلى أن علم النفس هو فرع تجريبي بحت من العلوم الطبيعية ، وفي عام 1914م أصدر واطسن كتابه الأول (( السلوك : مقدمة في علم النفس المقارن )) وقد تجاهل بافلوف في الطبعة الأولى ثم عاد وأشار إليه في طبعة تالية . ورأى بأن علم النفس لا بد أن يدفن الماضي أسوةً بالعلوم الأخرى .
    وتتميز سلوكية واطسون بـ :
    1. التالمثير.ستجابة على أساس معرفة المثير .
    2. التنبؤ بالمثير على أساس معرفة الاستجابة .
    مسلمات علم النفس حسب تحديد واطسون :
    1. السلوك مكون من عناصر يمكن تحليلها بواسطة مناهج البحث العلمية الموضوعية 2. السلوك مكون من افرازات غدية وحركات عضلوالعكس.هناك استجابة فورية من نوع ما لكل مثير والعكس .علمياً.ليات الشعورية – إن وجدت- لا يمكن دراستها علمياً .
    لا يعترف واطسون بالغريزة ، وفي نظره فإن كل مظاهر السلوك التي تبدو غريزية في ظاهرها هي استجابات متعلمة من البيئة ، مؤكداً على التأثير السيادي للبيئة ،
    حيث بالامكان تدريب الطفل على أي شئ نريده .
    يرى بأن التعلم يلعب دوراً أساسياً ، فمثلاً المراهقة ما هي إلا نتيجة للتعلم الأشراطي
    في الطفولة.
    يرى أن الانفعالات استجابات جسمية لمثير معين ، والمثير يؤدي إلى تغييرات جسمية داخلية ، ومن ثم الاستجابة المتعلمة المناسبة لهذا المثير .
    يرى أن التفكير ما هو إلا سلوك حركي ضمني ، فسلوك التفكير متضمن حركات الكلام . وبالتعلم الأشراطي يصبح التفكير هو الكلام الصامت .

    بافلوف
    تعريف:ُعد بافلوف تاريخياً مؤثراً في أفكار واطسون مؤسس السلوكية ... وكان بافلوف الروسي أول من درس العلاقة بين المخ والسلوك والتي تُعتبر من أعقد مشكلات علم النفس ، ولد بافلوف عام 1849م بالقرب من موسكو ، كان لديه ميل شديد إلى البحث العلمي ... وخلال حياته اهتم بمشكلات ثلاث :
    أ‌- دراسة وظيفة أعصاب ال###### .
    ب‌- عملية إفراز اللعاب – حاز بسببها على جائزة نوبل عام 1904م –
    ت‌- دراسة المراكز العصبية العليا في الدماغ مما زاد من شهرته .
    • وكان جل اهتمامه نحو دراسة الأشراط ، وذلك عن طريق كلاب مفحوصة بعد أن عمل لها عمليات جراحية لتحويل مسار اللعاب عن طريق أنابيب من خلال فتحات في الرقبة ، إلى خارج الجسم . حيث كان عمله منصباً على دراسة الافرازات التي يحدثها ال###### عند تناول الطعام حيث لاحظ أن ال###### يُفرز اللعاب قبل تناول الطعام أو بمجرد حضور الشخص الذي يحمل الطعام إلى أن وصل إلى أن الشخص الذي يعده مثير شرطي ( أو الجرس أو البالطو ) أصبحت مثيرات تفرز لعاب ال###### . وذلك بعد عدد من تكرارات اقتران المثير الطبيعي بالمثير الشرطي. وعقب ذلك اكتشف بافلوف أن أي مثير يمكن أن يؤدي إلى استجابة لعاب (( أشراطية )) .طبعاً مع التكرار .
    أهم المبادئ التي توصل إليها بافلوف :
    أ‌- مبدأ التدعيم: أي أن الاستجابة لا تحدث إلا إذا اقترن المثير الطبيعي بالمثير الشرطي لعدد من المرات.
    ب‌- مبدأ التعميم: ويحدث عند ظهور المثير الشرطي دون أن يعقبه المثير الطبيعي عدداً من المرات مما يُطفئ الاستجابة .
    ت‌- مبدأ التعميم : حيث أن تستجيب الكلاب للمثيرات المتشابهة .
    ث‌- مبدأ التمييز: حيث يستجيب ال###### للمثير الذي لحقه تدعيم بالطعام دون الآخر.
    إدوارد ثورندايك
    تعريف:يُعد من أهم الباحثين في علم نفس الحيوان ، ويعتبر من أوائل علماء النفس الأمريكيين الذين تلقوا تعليمهم في أمريكا ، وقد تأثر ثورندايك بـكتاب (وليم جيمس ) عن (( مبادئ علم النفس )) ثم درس على يده فيما بعد ، وكانت بحوث ثورندايك الأولى على الأفراخ التي دربها على المرور في المتاهات ، ومن أهم كتبه ((ذكاء الحيوان )) ، كان يرى أنه لكي ندرس السلوك فإن هذا السلوك يجب أن يُجزأ إلى عناصر بسيطة ، وهذه العناصر البسيطة هي وحدات من المثير والاستجابة ، وهي عناصر السلوك ، بمثابة لبنات تتكون منها عناصر سلوكية أعقد .
    لمحة على تجارب ثورندايك : توصل ثورندايك لمعظم نتائجه باستخدام جهاز جديد في عهده عبارة عن (( القفص المحير )) بحيث يُوضع الحيوان في هذا القفص المحير ويطلب منه الخروج . حيث أن خارج القفص طعام ( مكافأة ) على سبيل الإغراء لهذا القط الجائع ، ويكون باب القفص مغلقاً بالمزلاج ، حيث أن مهمة القط التوصل إلى فتح المزلاج ومن ثم الخروج إلى الطعام ، وفي البداية كان سلوك القط عشوائياً متعثراً متخبطاً ، وبالمصادفة تصطدم يده بالمزلاج فينفتح الباب فيخرج لالتهام الطعام ومن ثم في المحاولات التالية تقل العشوائية تدريجياً إلى أن تزول
    ويتجه القط إلى إلى فتح المزلاج مباشرةً.
    وقد استخدم ثورندايك طريقة كمية لقياس التعلم ، وهي إحصاء عدد المحاولات الخاطئة ، وأيضاً تسجيل الزمن ، وقد سمى ثورندايك هذا النوع من التعلم ( التعلم بالمحاولة والخطأ )
    من قوانين ثورندايك :
    1. قانالأثر:ر : الأفعال تتأثر بالمواقف المشابهة السابقة مما يجعلها تتجه إلى نفس
    الاستجابة حال تكرارها.
    2. قانون التكرار :تكرار الاستجابة في موقف معين يقوي الرابطة والعكس .
    إدوارد تولمان
    تعريف: ينتمي إلى السلوكيين الجدد، ويُعتبر أحد أعمدة المدرسة السلوكية
    ويمكن إيجاز موقف تولمان في التالي:
    أ‌- سلوكية تولمان القصدية : حيث زاوج بين السلوك والقصد وهذا يتعارض مع
    رفض السلوكية الشعور
    ب‌- العوامل المتداخلة : حيث يرى أن هناك خمسة متغيرات تُمثل أسباباً للسلوك هي : ( المثيرات البيئية – الحوافز الفسيولوجية – الوراثة – التدريب السابق – السن ) .
    ت‌- نظرية التعلم : حيث أن سلوك الإنسان والحيوان يمكن تعديلها من خلال الخبرة
    ادوين جوثري
    حصل على الدكتوراة من جامعة بنسلفانيا عام 1912م ، كان إسهامه الأساسي في علم النفس توصله لنظرية بسيطة في التعلم عرضها في كتابه (( مبادئ التعلم )) . وتقوم نظريته على مبدأ أسماه الأشراط المتزامن، حيث يرى أن كل أشكال التعلم تعتمد على الاقتران بين المثير والاستجابة .إذ عندما يؤدي مثير معين إلى استجابة معينة يحدث الارتباط بين ذلك المثير وتلك الاستجابة ، وهذا موقف تعليمي يُسمى التعلم بالمحاولة الواحدة وهو من أشهر مبادئ جوثري .


    كلارك هل
    يلقى ( هل ) تقديراً كبيراً في علم النفس المعاصر، وهو من العلماء الذين اهتموا باستخدام المنهج العلمي في علم النفس، كان في طفولته وشبابه مريضاً، كما أنه عانى من ضعف الإبصار طوال حياته.
    أهم النقاط في نظرية ( هل ) :
    1. الإطار المرجعي للسلوك .. أي تكيف الكائن الحي لبيئته الفريدة .
    2. منهج البحث في علم النفس .. حيث يرى أن قوانين السالدقيقة.ن تُصاغ بلغة الرياضة الدقيقة .
    3. الدوافع .. حيث عد أساس وجود الدافع هو إرضاء الحاجاله،بيولوجية . حيث أن الدافع ليس محرك للسلوك ولكنه مقوٍ له ، أما تحريك السلوك فإنه يكون عن طريق
    المثيرات البيئية.
    التعلم.م .. وهو آلية تسمح للكائن الحي بإرضاء حاجاته وذلك في ضوء مدى وتنوع مجهود
    سكنر
    من أهم مؤلفاته ( سلوك الكائن الحي ) و ( السلوك اللفظي ) و( الحرية والكرامة ) . ويمكن القول بأن سكينر تأثر كثيرا بواطسون ورديكاليته القديمة مظهرا توأمةً جديدة لها تُسمى الراديكالية الجديدة ، فهو صاحب المواقف المثيرة للنقاش حيث قال في كتابه ( العلم والسلوك الإنساني ) إن الكائن الحي الإنساني هو عبارة عن آلة مثله مثل أي آلة أخرى ، إذن فسكينر لا يهتم أبداً بتنظير أو تأمل ما يحدث داخل الكائن الحي .
    ويمكن توضيح أفكار سكينر فيما يلي :
    1. الاشتراط الإجرائي : حيث يرى أن الاشراط الإجرائي الفعال يحدث دون مثير خارجي ملحوظ ، فالفأر عند سكنر كان سلوكه له دور في الحصول على المثير الغير ملحوظ بخلاف ###### بافلوف الذي كان المثير أمامه فحركه ( إذن الفأر فعال إيجابي بينما ال###### غير فعال سلبي ) . وذلك يتضح من خلال تجربته الكلاسيكية التي وضع فيها فأر في صندوق له قضيب وهذا الفأر جائع مما دعاه للحركة لعله يحصل له الخروج من هذا الصندوق الذي منعه من البحث عن طعام إلا أنه وأثناء حركته يصطدم بالقضيب المتصل بمخزن من حبات الطعام فيسقط إلى الفأر مما يجعله يكرر المحاولة ليحصل على هذا المعزز من جديد على الرغم أنه لا يرى طعام .
    2. جداول التدعيم أو جداول التعزيز : فقد صنف سكينر ثلاثة أنواع من التعزيز هـــي : أ- المستمر ب- المتقطع جـ- النسبي .
    3. السلوك اللفظي : حيث اهتم بدراسة السلوك اللفظي وهو المجال الوحيد الذي أقر فيه سكينر بوجود فوارق بين الإنسان والفأر ، ويرى أن الأصوات التي تصدر من الكائن الحي هي استجابات يمكن تعزيزها عن طريق كلام الآخرين ،أو إيماءاتهم .
    البرت بندورا
    بدأ في الستينات من القرن الماضي ، حيث تبنى نظرية سُميت نظرية التعلم الاجتماعي ، التي تتخذ اتجاهاً سلوكياً اجتماعياً ، وتعكس أهمية النظرية المعرفية ، ولكن رغم ذلك يبقى بندورا ضمن الإطار السلوكي . ونظرية بندورا إلى جانب أنها نظرية سلوكية فهي نظرية معرفية ، ففي رأي بندورا أن الاستجابات لا تتأثر آلياً بواسطة المثيرات الخارجية بأسلوب ميكانيكي آلي ، بل إن الاستجابات للمثيرات إنما يتم تنشيطها ذاتياً ، وعندما يتم تغيير السلوك بواسطة تدعيمات خارجية فإن ذلك يحدث لأن الفرد يكون واعياً وشاعراً بما يتم تدعيمه ، وفي حالة تهيؤ لقبول هذا
    التدعيم المؤدي إلى تغيير للسلوك .
    وبالرغم من أن بندورا يتفق مع سكينر في أن سلوكنا يمكن أن يتغير نتيجة للتدعيم إلا أنه يرى بناء على دراساته التجريبية ، أن كل الأنماط السلوكية يمكن أن يتم تعلمها في غياب التدعيم المباشر ، وذلك بملاحظة سلوك الآخرين ، وملاحظة النتائج التي يؤدي إليها هذا السلوك . وهي ما يُسمى التعلم بالمثال أو التدعيم البديل . كما يشير بندورا إلى التعلم من خلال النماذج وذلك أننا نلاحظ الأفراد الآخرين ثم نتصرف متخذين أنماطهم السلوكية نماذج . ومن هنا نلاحظ الفرق بين سكنر وبندورا في أن التعزيز يتحكم في السلوك عند سكينر بينما النماذج التي في المجتمع هي التي تتحكم في السلوك عند بندورا.
    تقويم:
    استندت المدرسة السلوكية إلى فلسفه ماديه موضوعيه مطلقه ، تحيل الإنسان إلى كائن موضوعي (مادي) و تلغى بعده الذاتي الفكري،وتنتهي إلى إلغاء دور الإنسان باعتباره العامل الحاسم في التطور الاجتماعي(في نطاق التأثير المتبادل بينه وبين العوامل المادية الفكرية) ،و تسخير الإنسان لما هو مسخر له.ومرجع ذلك أنها جاءت كرد فعل متطرف على المدارس التي تحيل الإنسان إلى كائن ذاتي (نفسي) وتلغى بعد الموضوعي المادي المتضمن للظروف (المادية والفكرية) التي يعيش فيها كمدرسه التحليل النفسي .
    فكلا المذهبين يتجاهلان حقيقة أن الإنسان وحده من الفكر والمادة ،وانه كائن جدلي حركته قائمه على الانتقال من الموضوعي متمثلا في المشكلة العينية، إلي الذاتي متمثلا في الحل المجرد (الفكر) ،إلي الموضوعي متمثلا في الواقع مرة أخرى من أجل تغييره بالعمل (السلوك).
    علم النفس الفلسفي من المنظور الإسلامي:
    علم النفس الفلسفي من المنظور الإسلامي إذا وطبقاً للموقف التقويمي (النقدي) من تأصيل علم النفس هو كل نشاط معرفي عقلي يبحث في المسلمات النظرية الكلية السابقة على البحث العلمي في الظواهر النفسية الجزئية العينية والسنن الإلهية (الكلية والنوعية) التي تضبط حركتها.
    وهو يتخذ من النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي مصدرها الوحي ضوابط موضوعية (من وضع الله تعالى لا وضع عقل الإنسان) مطلقة (لا تخضع للتغير في المكان أو التطور خلال الزمان) لهذا النشاط المعرفي العقلي.
    التنوع والوحدة: وعلم النفس الفلسفي من المنظور الإسلامي طبقاً لهذا يتصف بالتنوع والوحدة فهو يتصف بالتنوع من جهة تنوع أنماط هذا النشاط المعرفي العقلي ففي الفكر الإسلامي نجد هذا التنوع ماثلاً في وجود تصورات متنوعة للنفس وطبيعتها فهناك التصور الصوفي للنفس وطبيعتها (وهو ما تنوع فهناك تصور صوفي – أشعري (سني) كما عند الغزالي وتصور صوفي (حلولي) يستند إلى وحدة الوجود كما عند محي الدين بن عربي) وهناك تصور المتكلمين للنفس وطبيعتها (وهو ما تنوع أيضاً فهناك تصور أشعري كما عند الرازي وتصور معتزلي وتصور شيعي وتصور حنبلي (ابن تيمية، ابن القيم ...) ...)
    وهناك تصور الفلاسفة الإسلاميين للنفس (وهو ما تنوع أيضاً فهناك تصور ابن سينا، تصور الفارابي....)
    كما يتصف بالوحدة من جهة أن هذه الأنماط المتنوعة لهذا النشاط المعرفي العقلي تتخذ أو تحاول أن تتخذ من النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي مصدرها الوحي ضوابط موضوعية مطلقة لها.


    علم النفس الفلسفي من منظور اسلامى معاصر:
    وهنا سنعرض لعلم النفس الفلسفي من منظور اسلامى معاصر يستند إلى فلسفة ومنهج ونظرية معرفة اسلاميين في تقديمه لتصور كلي تجريدي للنفس سابق على البحث العلمي (القائم على التجربة والاختبار) في الظواهر النفسية الجزئية العينية والقوانين الموضوعية (السنن الإلهية بتعبير القرآن) التي تضبط حركتها.
    الأساس الفلسفي: الأساس الفلسفي لعلم النفس الفلسفي من هذا المنظور الاسلامى المعاصر ينطلق من تحديد العلاقة بين الله تعالى والإنسان والكون استناداً إلى مفاهيم قرآنية كلية هي التوحيد والاستخلاف والتسخير.
    التوحيد هو إفراد الربوبيه والالوهيه لله تعالى ، وهو ينقسم إلى توحيد الربوبيه الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الفاعل المطلق ،يقول ابن تيميه في معرض رفضه لاستدلال المتكلمين على وجود الله بطريقه الأعراض الدالة على حدوث الأجسام( إن هذا المسلك مبنى على امتناع دوام كون الرب فاعلا وامتناع قيام الأفعال الاختيارية بذاته) ( )و توحيد الألوهية الذي مضمونه أن الله تعالى ينفرد بكونه الغاية المطلقة، يقول ابن تيمية ( .... ولكن المراد المستعان على قسمين: منه ما يراد لغيره ... ومنه ما يراد لنفسه فمن المرادات ما يكون هو الغاية المطلوب فهو الذي يذل له الطالب ويحبه وهو الإله المعبود ومنه ما يراد لغيره)..فالتوحيد يتعلق بإفراد الوجود المطلق (فعلا وغاية) لله تعالى، والوجود المطلق هو الوجود القائم بذاته وكل وجود سواه قائم به وبتعبير الغزالي( فهو القيوم لان قوامه بذاته ،وقوام كل شيء به ،وليس ذلك إلا الله تعالى)(2)
    وعالم الشهادة قائم على ظهور صفات الربوبية"اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى" يقول ابن القيم( فالكون كما هو محل الخلق والأمر مظهر الأسماء والصفات فهو بجميعه شواهد وأدله وآيات دعا الله سبحانه عباده إلى النظر فيها).
    ولهذا الظهور شكلان: تكويني: يتمثل في الكون، والسنن الإلهية التي تضبط حركته
    يقول ابن تيميه(المخلوقات كلها آيات للخالق والفرق بين الايه والقياس إن الايه تدل
    على عين المطلوب الذي هو أيه وعلامة عليه)( ) وتكليفي :يتمثل في الوحي يقول ابن القيم( القران كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته)
    أما التسخير فمضمونه أن سائر المخلوقات (سوى الإنسان) تظهر صفات الله تعالى على وجه الإجبار فهي (دائماً) آيات دالة على الوجود المطلق لله تعالى.
    و الاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبيه وألوهيته الله تعالى في الأرض ، وهو ما يكون بالعبودية والعبادة، وذلك على المستوى الصفاتى، اى إظهار لصفات ربوبيه والوهيه الله تعالى (ما دل على وجوده المطلق فعلا وغاية ) في الأرض (عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان ) قدر طاقته المحدودة. يقول الالوسى ( فلابد من إظهار من تم استعداده وقابليته ليكون مجليا لي ومراه لاسمائى وصفاتي)(2) .
    الأساس المنهجي: أما الأساس المنهجي لعلم النفس الفلسفي من هذا المنظور الاسلامى المعاصر فيقوم على منهج المعرفة الاسلامى، ومنهج المعرفة هو محاوله للكشف عن القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الإنسان.وقد طرح الفكر الغربي عددا من مناهج المعرفة كالمنهج الليبرالي ،المنهج الماركسي، المنهج الهيجلى...اما منهج المعرفة الإسلامي فهو المنهج الذي يتخذ المفاهيم القرآنية الكلية (التوحيد والتسخير والاستخلاف) (بما هي مبادئ ميتافيزيقية غيبية) مسلمات أولى للمنهج تحده ولا تلغيه ، ولهذا الموقف شرعيته في الفلسفة الغربية إذ أن المنهج بما هو الكشف عن القوانين (السنن) التي تحكم حركة الأشياء والظواهر والإنسان يقوم على التجربة والاختبار العلميين، ولكنه
    في ذات الوقت يقوم على افتراضات سابقة على التجربة مثل الموضوعية والحتمية..
    كما أن هذا لا يعني أن يتحول المنهج إلي منهج ميتافيزيقي بالمفهوم الغربي أي يتحول إلي البحث في مشاكل ميتافيزيقية، إذ المنهج بعد ذلك هو النظر في سنن الله تعالى في الطبيعة والمجتمع أي معرفتها والتزامها كي ننجح في تحقيق ما نريد (قد خلت من قبلكم سنن قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).ويترتب على هذا أن هذه السنن الإلهية تحكم حركة الإنسان كونه إنسان، بصرف النظر عن كونه مسلم أو كافر، كما يجوز أخذها من أي مصدر مادامت صحيحة، أما المفاهيم القرآنية السابقة الذكر والتي تشكل المسلمات الأولي للمنهج (فلسفة المنهج) والتي تمثل بعده ألتكليفي فمقصورة على من يؤمن بها (يسلم بصحتها). و هي من بعد لا تلغي معرفة والتزام الإنسان بهذه السنن الإلهية بل هي ضمان موضوعي مطلق لاستمرار هذه المعرفة وهذا الالتزام .
    و يقوم الاستخلاف كمنهج للمعرفة على أن صفات الربوبيه (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:
    شكل تكويني: يتمثل في السنن إلالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ،وهى على نوعين:
    السنن الالهيه الكلية:التي تضبط حركه الوجود الشامل للطبيعة المسخرة والإنسان المستخلف:
    الحركة: "والفلك تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من ماء فأحيى به الأٌرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون".
    التغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
    التأثير المتبادل: وهى ما يمكن استخلاصها من مفهومي الغنى والفقر، فالله تعالى غني وكل ما سواه فقير، وهذا الفقر نوعان: فقر إلي الله تعالى، وفقر إلي غيره من المخلوقات، والنوع الأخير هو ما يعبر عنه علميا بالتأثير المتبادل.
    السنن الالهيه النوعية: وهى التي تضبط حركة نوع معين من أنواع الوجود الشهادى كسنه "الكدح إلى الله " ( اى الترقي الروحي المادي من خلال صراع المتناقضات في ذات الإنسان) المقصورة على الإنسان).
    شكل تكليفي : يتمثل في القواعد التي مصدرها الوحي والتي تحدد جانبه التكويني ولا تلغيه. يترتب على هذا أن هناك أيضا بعدان لهذا الترقي أو الكدح إلى الله:
    بعد تكويني: النقيضان فيه الواقع والغاية ومضمونه أن حركة الإنسان تتم عبر ثلاثة خطوات:
    المشكلة:اى التناقض بين الواقع وغاية في الذهن، وقد عبر القرآن عن هذه الخطوات بمصطلح المسألة:"يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس"."يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"
    الحل:اى إلغاء التناقض بينهما في الذهن ، وقد عبر الفقهاء عن هذه الخطوة بمصطلح الحكم . كما عبر القرآن عن الحل الرافض للوقوف إلي أحد النقيضين ويؤلف بينهما بالوسطية والقوامة:"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً". "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكانوا بين ذلك قواماً"..
    العمل:اى إلغاء التناقض بينهما في الواقع بتنفيذ الحل في الواقع، وقد أشار القرآن إلي هذه الخطوة." إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات... "
    بعد تكليفي: النقيضان فيه المطلق في مستواه الصفاتى لا مستواه الذاتي ، اى صفات الالوهيه (لا صفات الربوبيه) كمثل عليا مطلقه يسعى الإنسان لتحقيقها دون أن تتوافر له امكانبه التحقق النهائي لها) والمحدود(اى الواقع المحدود بالزمان والمكان) ، لذا قرر القرآن والسنة أن هذا الوجود الإنساني قائم على صراع المطلق والمحدود وهو ما عبر عنه القران والسنة بالجهاد في الله أو جهاد النفس: فيروون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال :"رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر". وأورد أبن تيمية الحديث " المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله"كما قرر علماء أهل السنة أن الوجود الإنساني هو سير لا ينقطع إلي الله، يقول ابن القيم (فإن السالك لا يزال سائراً إلي الله تعالى حتى يموت ولا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي)( ).
    وهذا البعد يحدد البعد التكويني ولا يلغيه فيكمله ويغنيه فيكون بمثابة ضمان موضوعي مطلق لاستمرار فاعليته ، فيحدد للإنسان نوع المشاكل التي يواجهها وطرق العلم بها ونمط الفكر الذي يصوغ حلولها وأسلوب العمل اللازم لعملها.
    هذا الأساس المنهجي يتضمن السنن الإلهية (القوانين) التي تفسر السلوك الإنساني، هذه السنن الإلهية حتمية (لا تتبدل بتعبير القرآن) ومعنى الحتمية هنا تحقق الأثر (المسبب) بتحقق السبب، وتخلفه بتخلف السبب، أي أنه لا يمكن إلغاء أو إبطال هذه السنن الإلهية (أي لا يمكن أن يتخلف المسبب عند توافر السبب) ولكن يمكن إلغاء أو إبطال فاعليتها (أي يمكن أن يتخلف المسبب عند تخلف السبب).
    يترتب على هذا أن علم النفس (الإكلينيكي) يبحث في أسباب إلغاء أو إبطال فاعلية هذه السنن الإلهية لا أسباب إلغاء أو إبطال هذه السنن الإلهية، هذا الأسباب تتمثل في الاضطرابات النفسية بأنواعها (العصا بيه، النفس جسمية، الذهانية، النفسية العضوية المنشأ، اضطرابات الشخصية، الإدمان) كما أن إبطال هذه السنن قد يؤدي إلى هذه الاضطرابات أو بعضها.
    الأساس المعرفي: أما الأساس المعرفي لعلم النفس الفلسفي من هذا المنظور الاسلامى المعاصر فيقوم على أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ،وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
    شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة (المتضمن للكون المسخر والإنسان المستخلف) كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد (التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة.
    شكل تكليفي:يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. يقول ابن القيم (وهذا البيان نوعان: بيان بالآيات المسموعة المتلوة، وبيان بالآيات المشهودة المرتبة، وكلاهما أدلة وآيات علة توحيد الله وأسمائه وصفاته وكلامه).
    ومضمون الاستخلاف هنا إظهار العلم الإلهي( المطلق) في الأرض (عالم الشهادة المحدود زماناً ومكاناً)، وذلك بإفراد العلم المطلق لله واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى لتحقيقه في واقعه المحدود وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها.فالوحى يحدد جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي (المشكلة العينية) إلي الذاتي (الحل المجرد) إلي الموضوعي (الواقع) مرة أخرى من أجل تغييره ولا يلغيه فيكون بمثابة ضمان لاستمرار فاعليته.
    وسائل المعرفة:يمكن هنا إيضاح وسائل المعرفة المشار إليها أعلاه:
    (1)الإحساس: أول مراحل عمليه المعرفة، وهى معرفه تلقائية للوقائع المحيطة بالإنسان عن طريق ما تنقله الحواس" أن السمع والبصر والفؤاد كل أؤلئك كان عنه مسئولا" (الإسراء: 3).
    (2)التفكير المجرد:
    1-التصور: وهو اعاده تشكيل عناصر الواقع في صوره جديدة هي الغاية أو المثل الأعلى.وهنا ميز القران بين مصطلحين:
    الرجاء: هو تصور غاية مع السعي لتحقيقها" من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا"
    التمني: هو تصور غاية دون السعي لتحقيقها" ليس بأمانيهم ولا امانى أهل الكتاب"
    2-التذكر: استرجاع وقائع الماضي" أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"
    3-الادراك:وهو معرفه العلاقه بين مفردات الواقع على الوجه الذى تنقله الحواس وقد عبر عنه القران بالتفكر والنظر والتدبر...
    (3)الرؤية الصادقة:قال (ص) "الرؤية الصادقة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة". والرؤية الصادقه تقارب الحدس كوسيلة معرفه،لكن وجه الاختلاف انها محدودة بوسائل المعرفة الأخرى "الحواس والعقل والوحي" بينما الحدس كما في التيار الحدسي الغربي وسيلة معرفه مطلقه. فالحدس مصدره الخبرة المعرفية المتراكمة ( لا الوجود الغيبى المطلق كالوحى )، فهو معرفه ذاتيه لابد لها من معيار موضوعي للأخذ بها كوسيلة للمعرفة ، هذا المعيار هو عدم تناقضه مع الحواس والعقل و الوحي.















    العلاقة بين النشاط العقلي (الوعي) وجهازه المادي (المخ):
    طرحت هذه المشكلة في الفلسفة تحت عنوان العلاقة بين النفس (أو العقل) والجسم كما طرحت في علم النفس الفلسفي تحت عنوان المشكلة (السيكو – فسيولوجية).
    أولً: علاقة إنعكاس: الحل الأول قائم على أن النشاط العقلي مجرد انعكاس لجهازه المادي المخ (الحل المادي) أو العكس (الحل المثالي).
    الحل المثالي:المثال عند أفلاطون هو الفكرة، والمثالية تعني أولوية الفكر على المادة، والحل المثالي يقوم على أولوية النشاط العقلي (الوعي) على جهازه المادي (المخ) يترتب على هذا أن الحل يرى أن في الإنسان وظائف عقلية ونشاطاً معرفياً يعمل ذاتياً بمجرد التأثر بجهازه المادي (المخ).وقد تبنى هذا الحل الجديد من فلاسفة الغرب منهم أفلاطون، فلاسفة الأفلاطونية الجديدة وبرجسون.
    ورغم أن هذا الحل مغاير للتصور الإسلامي للنفس إلا أنه تسرب إلى الفكر الإسلامي في مراحل تالية حيث تبناه ابن سينا ثم بعض الفلاسفة والمتصوفة الإسلاميين.
    الحل المادي: الماديه تعني أولوية المادة على الفكر، والحل المادي يقوم على أن النشاط العقلي مجرد انعكاس لجهازه المادي،ومن أهم الفلاسفة الذين تبنوا هذا الحل كارل ماركس الذي يرى (أن حركة الفكر ليس إلا انعكاساً لحركة المادة منقولة ومحمولة إلى دماغ الإنسان) وتابعه في هذا علماء النفس الماركسيين.
    تقويم:إن الحل المثالي يعني (في جوهره) العودة إلى وجهة النظر القديمة التي تفسر كافة مظاهر الحياة بالأرواح الخيرة والشريرة التي تدخل الجسم وتعود جذورها إلى ديانة عبادة الرواح التي سادت في الشعوب القديمة، والتي وجد معادل فلسفي لها في الفلسفة الغربية (اليونانية والحديثة والمعاصرة) في شكل النزعة الحيوية.
    علاقة توازي: ومضمون هذا الحل أن كل من النشاط العقلي وجهازه المادي (المخ) قائم بذاته ومستقل عن الآخر، ولكننا نعتقد أن هناك علاقة بينهما لأن الإله يحدث النشاط العقلي في الوقت ذاته الذي يحدث فيه حركة جهازه (المخ). ويوضح ليبتز هذه النظرية بمثال ساعتان تعملان بشكل مستقل ولكن في ذات الوقت تم ضبطهما لتشير عقاربهما إلى ذات الوقت.
    تقويم: ونلاحظ أن هذا الحل في جوهره صورة أخرى للحل المثالي الذي ينتهي إلة القول بفصل الوعي عن جهازه (الخ) وينطبق عليه ذات النقد الموجه للحل المثالي.
    ثالثاً: علاقة تأثير متبادل: يمكن اقتراح حل آخر للمشكلة ينطلق من النظر للإنسان كوحدة نوعية من المادة (الجسم والمخ والجهاز العصبي كجز منه) والفكر (الوعي). فإذا جاز لنا اعتبار الفكر نقيض المادة، فإن هذين النقيضين غير قابلين للانفصال ومتفاعلين في الإنسان، فالإنسان بلا جسم شبح لا إنسان وإنسان بلا فكر جثة لا إنسان.
    بناءا على هذا فإن العلاقة بين النشاط العقلي (الوعي) وجهازه المادي (المخ) هي علاقة تأثير متبادل.
    ويمكن استنباط هذا الحل من التصور القرآني للنفس حيث نجد أن لفظ نفس يرد في القرآن بدلالات عدة:
    الدلالة الأولى الإنسان كوحدة نوعية من المادة والفكر: (كل نفس ذائقة الموت) ( آل عمران: 185).
    الدلالة الثانية البعد الذاتي للإنسان: (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) (آل عمران: 154).
    كما أشار القرآن للبعد المادي للإنسان في جملة آيات: (ومن آياته أن خلقكم من تراب) ( الروم: 20): (وبدء خلق الإنسان من طين) ( السجدة: 7).(ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون). (ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً ...)
    كما يمكن التدليل على صحة هذا التصور من أن أي تأثير سلبي أو إيجابي على المخ بما هو جهاز النشاط العقلي يؤثر على هذا النشاط العقلي كما في حالة حدوث خلل في المخ. كما أن هناك بعض التغيرات في النشاط العقلي يؤثر على هذا النشاط العقلي كما في حالة حدوث خلل في المخ. كما أن هناك بعض التغيرات في النشاط العقلي تثر على المخ والجسم كما في حالة الأمراض العضوية ذات الأسباب النفسية.















    العلاقة بين النشاط العقلي (الوعي) والسلوك:
    خرجت هذه المشكلة في إطار الفلسفة تحت عنوان العلاقة بين النظر العقلي والتطبيق العملي، كان هناك حلان أساسيان لها:
    أولاً: علاقة فصل: يقوم الحل الأول على الفصل بين النشاط العقلي والسلوك، ومن ممثلي هذا الحل الفيثاغوريه والايليه وأفلاطون وأرسطو في الفلسفة اليونانية وديكارت وكانط في الفلسفة الحديثة.
    وهذا الحل يمهد للقول بأولوية النشاط العقل على السلوك، هذه الأولوية تقود إلى تأكيد النشاط العقلي وإلغاء أو التقليل م دور السلوك. ويتمثل هذا الحل (في مجال علم النفس) في التعريف القديم لعلم النفس بأنه العلم الذي يبحث في النشاط العقلي للإنسان.
    ثانياً: علاقة دمج: أما الحل الثاني فيقوم على دمج النشاط العقلي في السلوك، ونجد هذا الحل عند أعلام الفلسفة الطبيعية (الأيونية) والسفسطائية ونيتشة والماركسية والبراجماتية.
    ويمكن اعتبار هذا الحل بمثابة رد فعل (متطرف) على الحل الأول ينتهي إلى إلغاء الوجود الفعلي للنشاط العقلي (الوعي) وإحالته إلى مجرد انعكاس للسلوك (كما في الماركسية) أو أداة له (كما في البرجماتية). ويتمثل هذا الحل (في مجال علم النفس) في تعريف المدرسة السلوكية لعلم النفس بأنه دراسة سلوك الإنسان.
    ثالثاً: علاقة وحدة لا دمج ولا فصل (تأثير متبادل): أما الحل الثالث فينظر إلى العلاقة بين النشاط والسلوك بأنها علاقة وحدة لا دمج وتمييز ولا فصل، أي أنها علاقة تأثير متبادل وتأكيد القيمة المجردة (الحل النظري بما هو نشاط عقلي) إلى العين مرة أخرى من أجل تغييره (العمل بما هو سلوك). هذا الحل يتمثل في تعريف علم النفس بأنه العلم الذي يبحث في النشاط العقلي وسلوك الإنساني.
    هذا الحل يمكن استنباطه من الموقف القرآني الذي يؤكد على الوحدة بين النشاط العقلي والسلوك كما في جملة الآيات التي تربط بين الإيمان (كنشاط عقلي والعمل الصالح (كسلوك). (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات). و الذي في ذات الوقت يرفض الفصل بينهما. (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).













    مفهومي الفطرة والطبيعة الإنسانية:
    وفي رأينا فان مفهوم الفطرة في الرؤية الإسلامية هو المفهوم المقابل لمفهوم الطبيعة الإنسانية في الفلسفة الغربية، والذي يتجاوز في ذات الوقت سلبيات المفهوم الأخير على الوجه المطروح في هذه الفلسفة.فبينما نلاحظ أن مفهوم الطبيعة الإنسانية في الفلسفة الغربية يتضمن دلالة أن الوجود الإنساني هو وجود مطلق،فان مفهوم الفطرة يتضمن دلاله أن الوجود الانسانى وجود محدود بالوجود المطلق لله تعالى، فالفطرة في اللغة الخلق وهى صفة ربوبية وبالتالي ينفرد بها الله تعالى.(فاطر السماوات والأرض) (الأنعام: 14).(فطر السماوات والأرض) (الأنعام: 79).(ومالي لا أعبد الذي فطرني) (يس: 22).
    وإذا كان التصور المثالي والليبرالي في الفلسفة الغربية يذهب إلى القول بأن الطبيعة الإنسانية قائمة على مبادئ قبلية غير محدودة بمجتمع معين أو مرحلة تاريخية معينة وبالتالي منفصلة عن الظروف الاجتماعية، فإنه تصور يقارب رأي بعض الصوفية في نظرية الكشف الصوفي استدلالاً بالحديث (كل مولود يولد على الفطرة)، غير أن العديد من علماء المسلمين أيضاً قد ذهبوا إلى الرأي المخالف، وهو في رأينا الذي يعبر عن التصور الإسلامي الصحيح، إذ أن التصور القرآني يجعل للواقع وجود موضوعي مستقل عن وعي الإنسان وان وسائل معرفته هي الحواس والعقل.(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة).
    وقد نفى هؤلاء العلماء أن يكون معنى الفطرة أن المعرفة أو القيم التي تستند إلى مبادئ قبلية سابقة على تجربة الإدراك الحسي أو منفصلة عن الواقع الموضوعي. يقول ابن تيمية (ومعلوم أن كل مولود يولد على الفطرة ليس المراد به أنه يوم ولدته أمه يكون عارفاً بالله موحداً بحيث يعقل فان ذلك الله يقول (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً))( ).
    ويقول الرازي (إن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ثم حدثت وحصلت .... إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر)( ).
    ويقول النيسابوري (واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال من المعارف والعلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله من كثرة المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه)( ).
    هذا الرأي يقارب رأي المدرسة التجريبية (جون لوك) والمادية في الفلسفة الغربية، فجون لوك يرى أن العقل يولد كصفحة بيضاء وأن التجربة الحسية هي التي تنقش عليه المعارف.
    غير أن التصور المادي للمعرفة وبالتالي للطبيعة الإنسانية إذ يحيل المعرفة الإنسانية إلى مجرد انعكاس للواقع المادي، وبالتالي يحيل الإنسان إلى اله لا دور لها إلا عكس الواقع الاقتصادي أو الاجتماعي سواء في مجال المعرفة أو القيم، وهذا ما يخالف التصور الإسلامي الذي يرى أنه في نطاق التأثير المتبادل بين الطبيعة والإنسان فإن الإنسان هو العامل الحاسم في التصور،أما الطبيعة المادية فما هي إلا موضوع فعله وهو ما عبر عنه القرآن بالتسخير، كما أنه يرى أن الإنسان بانفراده دون سائر الموجودات بدرجة استخلاف له دوره في التقويم كما بينا سابقاً.
    والفطرة كما بينا في التصور القرآني هي الخلق، ورد في قاموس الألفاظ والأعلام القرآنية (فطر الأمر: اختراعه وأنشأه، الفاطر المبدع، والفطرة، الصفة التي يتصف بها كل موجود أول زمان خلقه)( ).
    والخلق في التصور القرآني هو ظهور الفعل المطلق في الإيجاد ( الذي ينفرد به الله تعالى) في عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان ومضمونه إيجاده للنوع المعين (المخلوق) في علام الشهادة المحدود بالزمان والمكان بعد أن كان غائباً عنه في عالم الغيب المطلق عن قيود الزمان، فهو (عند الله) إنزال هذا النوع من درجات الوجود المطلق (عالم الغيب) إلى الوجود المحدود (عالم الشهادة) لذا عبر القرن عن الخلق في بعض المواضيع بالإنزال (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ...) ولذ فإن ظهور هذا الفعل المطلق لا يأخذ شكل واحد بل أشكال متنوعة تبعاً لدرجات الوجود (المطلق والمحدود) فهو يظهر كأمر لا يتم في زمان أو مكان(إنما أمره أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)، ثم يظهر كتقدير أي كإيجاد فعلي للنوع ي عالم الشاهدة القائم على السببية بعد إيجاد شروط (أسباب) وجوده:(وما من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم)،ثم يظهر كهداية (تكوينية) أي كضبط لحركة النوع بعد إيجاده بسنن إلهية كلية ونوعية: (الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى).
    والفطرة تتعلق بظهور الفعل المطلق في الإيجاد في شكله الأخير، أي ظهوره كهداية (تكوينية). فهي بالتالي انضباط حركة الإنسان بسنن إلهية كلية ونوعية ذات وجود موضوعي مستقل عن وعيه وغير متوقفة عليه والإمكانيات التي يحتاجها هذا الانضباط لذا نجد أن القرآن يعتبر أن (عدم التبدل) هو سمة مشتركة بين الفطرة والسنن الإلهية:قال تعالى: (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) "الأحزاب: 62، الفتح: 23".وقال تعالى: (فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تبديل لخلق الله) "الروم: 30).
    وهنا يمكن أن نعقد مقارنة بين مفهومي الطبيعة الإنسانية والفطرة في علاقتهما بالمتيافيزيقا إذ نجد أن مفهوم الطبيعة الإنسانية رغم أنه يتضمن دلالة استقلاله عن المتيافيزيقا فإنه قد وجه النقد إلى مضمونه باعتبار أنه مقولة غير ثابتة وغير قابلة للإثبات أي ميتافيزيقية كما أوضحنا في نقد ماركس وسارتر.
    كما أن مفهوم الفطرة رغم تضمنه لدلالة أن الوجود الإنساني هو وجود محدود بالوجود المطلق لله تعالى وبالتالي فهو مفهوم ينطلق من أسس غيبية (ميتافيزيقية) إلا أن مضمون الفطرة على الوجه السابق لا يكمن اعتباره ميتافيزيقيا بمعنى أن هذا المضمون ليس فكرة غير قابلة للإثبات بالتجربة والاختبار العلميين إذ لما كانت الفطرة تتعلق بالسنن الإلهية التي تضبط حركة الإنسان والإمكانيات التي تتيحها فقد ورد الأمر بمعرفة هذه السنن الإلهية والتزامها لننجح في تحقيق غاياتنا ومثلنا العليا (قد خلت من قبلكم سنن قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) ومرجع هذا الاختلاف بين المفهومين في رأينا التصور الإسلامي للغيب (الميتافيزيقا) إذ هو قائم على الإيمان بالغيب أي التسليم بصحة اعتقادنا بوجود وجود غيبي دون إثبات بالتجربة والاختبار العلميين مادام يتعلق بوجود محدود بالزمان والمكان أي مادام يتعلق بعالم الغيب.
    أما عن عالم الشهادة المحدود بالزمان والمكان فهو في التصور الإسلامي قائم على السببية منضبطة حركته بسنن إلهية لا تتبدل وبالتالي فإنه يرفض التسليم بصحة فكرة عن أي ظاهرة تقع في نطاقه دون التحقق من كونها صادقة أو كاذبة بالتجربة والاختبار العلميين.(ولا تقف ما ليس لك به علما إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً) "الإسراء: 36".
    ورد ابن تيمية على من أنكر كون حركة الكواكب لها أسباب يجب تفسيرها بها كما أن الله جعل هبوب الرياح ونور الشمس والقمر من أسباب الحوادث)( ).

    التصور الاسلامى للعقل:
    أولا:التعدد الدلالي لمفهوم العقل: يجب التمييز بين الدلالات المتعددة لمفهوم العقل:
    الدلالة الأولى:
    بمعنى هذه الفاعلية المعرفية ذاتها،اى العقل في ذاته في كل زمان ومكان.
    الدلالة الثانية:
    أنماط هذه الفاعلية،والتي تختلف طبقا لمستويات الوجود التي يحاول تفسيرها (وجوديا) ،أو طبقا للجهة المنظور منها إلى ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين أو طبقا لمضمون هذه المشاكل(منهجيا).
    الدلالة الثالثة:
    محصله هذه الفاعلية بأنماطها المختلفة في محاولتها حل مشاكل طرحها واقع معين زمانا ومكانا، اى التراث الفكري لجماعه معينه(قبيلة،شعب، أمه) في زمان معين.
    ويمكن تقسيمها إلى مستويين:
    المستوى الأول:
    الهيكل العقلي(المعرفي) الأساسي، الحضاري ويتضمن مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين.
    فهذا المستوى يشير إلي مكونات الوحدة العقلية(المعرفية) المتجانسة بين كل الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد،
    المستوى الثاني:
    البناء العقلي( المعرفي) المكتسب على هيكلها الأساسي، فهذا المستوى يشير إلي التفرد العقلي(المعرفي) بما هو بناء مكتسب على هيكلها الأساسي من مصادر بيولوجية وفسيولوجية وفكرية واقتصادية وروحية ...الخ.
    ثانيا: التعريف الاسلامى للعقل: وقد تعددت تعريفات العقل طبقا لتعدد الفلسفات ومناهج المعرفة المستخدمة في التعريف. والتعريف الإسلامي يستند إلى الأسس التالية:
    أولا:ينظر إلي العقل باعتباره نشاط أو فاعليه معرفيه ، لذا لم يرد في القران لفظ عقل بصيغه الاسم. بل ورد بصيغه الفعل ( نعقل، تعقلون، يعقلون...) ﴿ً وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾.
    ثانيا: والعقل كفاعليه معرفيه محدود:
    ا/فهو محدود بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع) ويقول البوشنجى عن تعريف الإيمان(... وان يجعل الأصول التي نزل بها القران واتت بها السنن من الرسول غايات للعقول ولا يجعلوا العقول غايات للأصول).
    ب/كما أنه محدود بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكانا﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.
    ثالثا:أن وظيفة العقل من الناحية الوجودية محاوله تفسير الوجود، ومن الناحية المنهجية حل المشاكل التي يواجهها الإنسان.
    رابعا:
    التعريف الإسلامي للعقل إذا يرفض النظر له باعتباره ذو وجود مطلق ، اى قائم بذاته ومستقل عن الحواس في إدراكه لعالم الشهادة، والوحي في إدراكه لعالم الغيب كما في التيار العقلاني(المثالي) في الفلسفة ،يقول علاء الدين الطوسي في كتابه الذخيرة أو تهافت الفلاسفة(... فقوته الادراكيه أيضا وان كانت أتم قواه وأقواها ليس من شانها أن تدرك حقائق جميع الأشياء وأحوالها حتى الأمور الالهيه إدراكا قطعيا لا يبقى معه ارتياب أصلا، كيف والفلاسفة الذين يدعون أنهم علموا غوامض الإلهيات باستقلال العقل ويزعمون أن معتقداتهم تلك يقينية وان كانوا أذكياء أجلاء قد عجزوا عن تحقيق ما بمرأى أعينهم حتى اختلفوا في حقيقته)..









    أنماط التفكير من منظور اسلامى:
    التفكير العلمي يتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى جزئي عيني أي منظور إليها من جهة معينة هي البحث في قوانين تحول الطبيعة وتطور الإنسان والتي لابد أن تأتي حلول هذه المشاكل على مقتضاها لتكون صحيحة. ويتصف هذا التناول بخصائص أو خطوات معينة هي خصائص أو خطوات المنهج العلمي: الملاحظة، الافتراض، التحقق.
    أما التفكير الخرافي فهو نمط من أنماط التفكير المناقض للتفكير العلمي لأنه يشترك معه في الموضوع(تفسير الظواهر الجزئية العينية) ولكنه يختلف عنه في المنهج. فالتفكير العلمي يقوم على الإقرار بان هناك قوانين حتمية تضبط حركه الأشياء والظواهر، ومضمون الحتمية تحقق السبب بتوافر المسبب وانتفائه بانتفاء المسبب،بينما التفكير الخرافي يقوم على إنكار هذه القوانين الموضوعية التي تضبط حركتها أو إنكار حتميتها ، اى يقوم على امكانيه انقطاع اطراد هذه السنن الإلهية أو امكانيه حدوثها بدون سبب.والتفكير العلمي يقوم على عدم قبول اى فكره تفسر هذه الظواهر قبل التحقق من صدقها أو كذبها بالتجربة والاختبار العلميين، أما التفكير الخرافي فيقوم على امكانيه قبول اى فكره تفسر هذه الظواهر دون توافر امكانيه التحقق من صدق هذا التفسير بالتجربة والاختبار العلميين.
    وقد اقر الإسلام التفكير العلمي ورفض التفكير الخرافي حين قرر القران أن حركه الكون خاضعة لسنن إلهيه لا تتبدل "فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً".كما ورد النهى عن كثير من أنماط التفكير الخرافي التي كانت سائدة في المجتمع العربي الجاهلي:كالكهانة والتنجيم والعرافة والتطير.
    والتصور الإسلامي قائم على الإيمان بالوجود الغيبي اى (الغائب) عن حواس الإنسان وبالتالي عن إدراكه وتصوره، بشكليه المحدود "كوجود الملائكة والشياطين والجن" والمطلق "وجود الله تعالى" ،. غير أن إثبات الإسلام لعالم الغيب أو للكائنات الغيبية كالملائكة أو الجن أو الشياطين لا يناقض التفكير العلمي لأنه لا يقوم على إنكار الوجود الموضوعي (الحقيقي) للوجود الشهادي أو انضباط حركته بسنن إلهية لا تتبدل (السببية).
    كما انه يناقض التفكير الخرافي القائم على التسليم والإقرار بصحة فكرة أو اعتقاد عن ظاهرة تقع في نطاقه دون التحقق من كونها صادقة أو كاذبة بالتجربة والاختبار العمليين .
    أما التفكير العقلاني فيتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع المعين لكن على مستوى كلي مجرد أي منظور إليها من جهة معينة هي الأصول الفكرية (الكلية، المجردة) لهذه المشاكل.
    ويتصف هذا التناول بالشك المنهجي (النسبي): اى عدم التسليم بصحة حل معين للمشكلة إلا بعد التحقق من كونه صحيح. والعقلانية:اى استخدام ملكة الإدراك (المجرد) كوسيلة للمعرفة في محاولة إدراك الحلول الصحيحة للمشاكل الكلية المجردة. والمنطقية:اى أن العقل لكي تصل إلى حلول صحيحة لمشاكله يجب أن يستند إلى القوانين أو السنن الإلهية التي تضبط حركة الفكر.
    والنقدية: اى أن كل الآراء (بما هي اجتهادات إنسانية) تتضمن قدراً من الصواب والخطأ وبالتالي نأخذ ما نراه صواباً ونرفض ما نراه خطأ
    أما خصائص التفكير الاسطورى فهي:القبول المطلق لفكره وبالتالي الرفض المطلق للأفكار الأخرى ، الشك المطلق أي إنكار إمكانية التحقق من صحة أي فكرة، أو النزعة القطعية أي التسليم بصحة فكرة دون التحقق من كونها صادقة أم كاذبة.والاستناد إلى الإلهام أو الوجدان والخيال ( الذي يلغى العقل). اللامنطقيه ( التناقض) .والإسلام يدعو إلى التفكير العقلاني ويحارب التفكير الاسطورى، فالموقف النقدي حث عليه الإسلام كما في قوله تعالي( الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه) ، والشك المنهجي نجد نموذج له في وصف القرآن لانتقال إبراهيم (ع) من الاعتقاد بربوبية القمر إلي الاعتقاد بربوبية الشمس إلي الاعتقاد بربوبية الله تعالي،كما استخدمه الإمام الغزالي كما في كتابه المنفذ من الضلال .كما حث الإسلام علي إعمال العقل (بما لا يتناقض الحواس والوحي كوسائل المعرفة).كما أشار القران إلى قانون عدم التناقض ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا ).كما رفض الشك المطلق الذي عبر عنه القرآن بمصطلح ريب (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا) والنزعة القطعية (قالو:حسبنا الله وما وجدنا عليه إباؤنا أو لو كان إبائهم لا يعلمون شيئاً لا يهتدون) .
    كما أن التفكير الديني يتناول ذات المشاكل التي يطرحها الواقع معين زماناً ومكاناً ولكن منظور إليها من جهة علاقتها من حيث هي جزء من الواقع المحدود زماناً ومكاناً بالمطلق الغيبي (ووسيلة معرفته الوحي)،اى هو نمط التفكير الذي يحدد فيه الوحي ولا يلغى نوع المشاكل التي يواجهها الإنسان وطريقة العلم بها ،ونمط الفكر الذي يسوغ حلولها ،وأسلوب العمل اللازم لتنفيذها.
    والعلاقة بين التفكير الديني والعقلاني والعلمي هي علاقة تحديد لا إلغاء، إذا الكل يحد الجزء ولا يلغيه، ولا يحدث التناقض بينهما ما دام كل نمط من أنماط التفكير مقصور على مستوى الوجود الذي يهدف إلى تفسيره.
    و نمط التفكير الديني(الاجتهاد) يتضمن نمطي التفكير العلمي والعقلاني لأنه نمط التفكير الذي يحدد الوحي فيكمل ويغنى ولكن لا يلغى محاوله العقل تفسير الوجود على المستوى العيني الجزئي استنادا إلى الحواس ، أو الوجود على المستوى الكلى المجرد استنادا إلى العقل وقوانينه ،فالوحي هنا بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه لضمان استمرار فاعليه العقل دون أن ينحرف إلى موضوعات لا تتوافر له امكانيه تفسيرها. كما أن نمط التفكير البدعى يتضمن نمطي التفكير شبه الخرافي( لأنه يخلط بين الغيب و الحواس وموضوعها(الجزئي العيني) والتفكير شبه الاسطورى( لأنه يخلط بين الغيب والعقل وموضوعه (الكلى المجرد) ).لكن هذا التفكير لا يتضمن نمطي تفكير خرافي أو التفكير الاسطورى في شكلهم الكامل لتناقضهم مع الدين .
    وقد ظهر الإسلام في منطقه ساد فيها التخلف الحضاري بكل شروطه الموضوعية والذاتية، فقد سادت فيها أشكاله الذاتية ممثله في سيادة أنماط التفكير الخرافي الاسطورى ، ثم جاء الإسلام فهدي الناس إلي أعمال العقل، وانشأ المسلمون نتيجة ذلك أنماط متعددة من التفكير العقلاني.و هدى الناس إلي أصول منهج البحث العلمي وترك لهم وضع فروعه واستعماله ولم يحتاج المسلمون إلي كثير من الوقت لاحتلال المراتب الأولى في كثير من العلوم كما ساد انتهاج الأسلوب العلمي في التفكير والحركة. غير انه نسبة لظروف خارجية،( التهديد المغولي، الصليبي...)و داخليه (الاستبداد،.قفل باب الاجتهاد...). حدث بطء التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة ثم اصطدمت هذه المجتمعات بشعوب أوربا التي حررتها الليبرالية فانهزمت وهنا خضعت للاستعمار،وقد عمل الاستعمار علي نشر التغريب الذي يمكن تعريفه بأنه قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلي الحضارة الغربية علي حساب الولاء الإسلامي. وهكذا فإن الجمود( الذاتي)و الاستعمار (الموضوعي) أديا إلى توقف التقدم الحضاري ، و ظهر الشرط الذاتي للتخلف الحضاري ممثلا في التفكير البدعى المتضمن للتفكير شبه الخرافي وشبه الأسطوري.وبالتالي فان محاربه التفكير البدعى (والتفكير شبه الخرافي وشبه اسطورى المضمن فيه) ونشر التفكير الاجتهادي (والتفكير العلمي والعقلاني الذي لا يتناقض مع الوحي المتضمن فيه) هو شرط ذاتي لتحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة





    تفسير الأحلام:
    تعريف الأحلام:
    فرويد: فسر الأحلام بأنها عبارة عن إشباع خيالي للرغبة الجنسية المكبوتة ، ووظيفة الحلم حارس للنوم من هجمات هذه الرغبات بإشباعها خياليا. وهكذا فان فرويد فسر الحلم تفسيرا سلبيا اى بالحاجة التي هي تعبير سلبي عن المشكلة: اى شعور ألذات بعدم الاكتفاء في الماضي ونزوعها إلى الاكتفاء في المستقبل . أحاديا: لأنه ينطلق من أن العامل الاساسى الذي يتحكم في اتجاه الفرد وسلوكه في المجتمع، المحاولة الفردية الشعورية وغير الشعورية لحل التناقض بين الغريزة الجنسية كمحرك أساس للفرد وبين الضوابط الاجتماعية التي تحول دون حرية إشباع هذه الغرائز( )
    يونغ: ولقد أثبت يونغ أن الحلم ليس انعكاساً سلبياً للرغبات، كما يعتبره فرويد، بل نشاط مستقل يعوِّض عن الرغبات ويحل صراعاتها كتعبير عن القدرة الذاتية للنفس على التعديل.ويرى يونغ وظائف مختلفة للحلم نضاف إلى وظيفته التعويضية. ولهذا يصنِّفها إلى أحلام إرجاعية واستباقية وتفاعلية وتنبؤية وتخاطرية ( )
    هوبسون و مكارلي 1973: أن الحلم ليس إلا إشارات كهربائية غير منتظمة يمر بها المخ حال النوم ويقوم نتيجة لذلك بعرض مجموعة من الصور والمواقف المختزنة في الذاكرة ولكن بشكل غير منتظم , ويأتي دور العقل الواعي الذي يحاول وضعها في صورة منطقية منظمه.وهذا التفسير رغم علميته يقارب التصور المادي للعلاقة بين الوعي وجهازه المادي والقائم على أن النشاط العقلي مجرد انعكاس لجهازه المادي، كما انه يستند إلى الصدفة التي هي مفهوم ذاتي مرجعه قصور العلم والاراده الانسانيه، فهو لم يفسر لماذا اختار العقل صور ومواقف معينه من الذاكرة ، وقد يصلح لتفسير نوع معين من الأحلام وليس كل الاحلام.
    الفارابي وابن سينا: قال كل من ابن سينا والفارابي بالرمزية في الأحلام ، إذ أن كثيراً مما يراه النائم هو عبارة عن رموز تشير إلى أشياء أخرى ، يتضح ذلك من الدور الذي تقوم به المخيلة في الحلم من محاكاة ما يقع على النائم من مؤثرات حسية بصورة محسوسة قد لا تكون مطابقة للمؤثرات الحسية التي تقع على النائم ، كما أشار ابن سينا إلى دور الأحلام في إشباع الدوافع والرغبات ، فإذا كان البدن في حالة نزوع إلى شيء ما ، قامت المخيلة بمحاكاة الأفعال التي من شأنها أن تشبع هذا الدافع وبذا الصدد يقول: ( مثل ما يكون عندما تتحرك القوة الدافعة للمنى إلى الدفع ، فإن المخيلة حينئذ تحاكي صوراً من شأن النفس أن تميل إلى مجامعتها ، من كان به جوع حكيت له مأكولات ...) وبهذا سبق ابن سينا فرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي في تفسير الأحلام بأنها تقوم على إشباع الرغبات والدوافع .
    التعريف الاشراقى للحلم: كما أن هناك التعريف الاشراقى للحلم بأنه تحرر الروح من الجسد في حاله النوم وتنقلها إلى أماكن وازمنه أخرى هي التي يراها الحالم.
    وهذا التعريف لا يعبر عن التصور الاسلامى للروح أو العلاقة بين العقل والجسد ،ومصدره النظر القديمة التي تفسر كافة مظاهر الحياة بالأرواح الخيرة والشريرة التي تدخل الجسم وتعود جذورها إلى ديانة عبادة الأرواح التي سادت في الشعوب القديمة،ثم النزعة الحيوية في الفلسفة الافلاطونيه التي هي معادل فلسفي لديانة عباده الأرواح والتي تسربت إلى بعض قطاعات الفكر الاسلامى في مراحله متاخره. واستدلال هذا التعريف بالايه﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمي ﴾ ( الزمر : 42 ) غير صحيح إذ أن الروح هي الأمر الالهى بالحياة ،وبالتالي فان مفارقتها للجسد معناه الموت ، كما أن مفهوم النفس في القران يقوم على النظر إلى الإنسان كوحدة نوعيه من الروح والجسد ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ( آل عمران: 185).
    والايه أوردت النوم و اليقضة كمثال للموت والحياة ودليل على البعث بعد الموت ، من باب التقريب إلى الأذهان والمقارنة ، وهذه المقارنة يؤيدها العلم الحديث الذي يصف النوم بأنه انخفاظ معدل فعالية وظائف الجسم (انخفاض معدل التنفس و معدل ضربات القلب وهبوط درجة حرارة... ) ،وانخفاض الاستجابة للمؤثرات الخارجية.
    سيد إدريس: يرى أن الأحلام تمزقات نفسيه عميقة متعلقة بالعاطفة والطموح ووظيفتها الطبيعية هي إحداث الاستيقاظ لأنها ألام نفسيه والخلل الوظيفي الذي يصيبها هو الذي يسبب الاضرابات النفسية( ص32)
    وبناءا على هذا يسمى الحلم (انبعاث احتباطى استيقاظي)
    ويحدد خصائصه:
    1. انبعاث لألم نفسي (اى الحلم عمليه نفسيه حبوطيه)
    2. تتم بلا فاعل
    3. يؤدى إلى الاستيقاظ فالأحلام كلها ألام نفسيه وإثره يختصر على تسبيب التفزع المؤدى إلى الاستيقاظ
    4. ويعرف النوم بأنه انقطاع الوعي عن التفاعل المباشر مع المؤثرات الخارجية واتصاله بالبؤرة الاحتباطيه.( )
    وهكذا فان سيد إدريس قد تجاوز التفسير الاحادى للحلم كما عند فرويد الذي قصره على الغريزة الجنسية،والتي استبدلها سيد بالعاطفة وأضاف إليها الطموح،فالحلم تعبير عن مشكله متعلقة بالطموح أو العاطفة، ولكنه حصره في لحظه التعبير عن المشكلة.،في حين انه قد يكون تعبير عن لحظه حل المشكلة كما في الرؤية
    التفسير العلمي للأحلام :هي نشاط فسيولوجي دوري يحدث بانتظام تام في احد مراحل النوم الخمسة والتي تتكرر عده مرات أثناء الفترة الاجماليه للنوم وهي مرحلة حركة العين السريعة وتشكل هذه الفترة الثلث الأخير من دورة النوم. وقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن هناك أنواعاً أخرى من الأحلام تحدث في النوم الهادي. والتفسير العلمي للنوم انه حالة منتظمة متكررة من هدوء الجهاز العصبي (لا توقفه الكامل )ويصاحبه تغييرات حيوية مثل انتظام وظائف الجسم بمعدل اقل (انخفاض معدل التنفس و معدل ضربات القلب وهبوط درجة حرارة... ) ،وتغير إفراز الهرمونات حيث يزيد إفراز بعضها مثل هرمون النمو، وكذلك يستمر نشاط العقل في صورة الأحلام . يتميز بانخفاض الاستجابة للمؤثرات الخارجية. و هو ظاهرة طبيعية لإعادة تنظيم نشاط الدماغ و الفعاليات الحيوية الأخرى في الكائنات الحية .
    التعريف المنهجي للأحلام: استنادا إلى منهج المعرفة الذي نستخدمه في الدراسة فان تعريفنا للأحلام كالاتى:
    • الأحلام نشاط أو فاعليه معرفيه (محاوله حل مشكله)وجدانيه(الشعور بمشكله(شعور سلبي) أو حل مشكله(شعور ايجابي)).
    • ولما كانت العلاقة بين الوعي والمخ هي علاقة تأثير متبادل فان هذه النشاط يجى كمحصله لشكل معين من أشكال علاقة التأثير المتبادل بين النشاط العقلي (الوعي) وجهازه المادي (المخ) في مرحله سكون الجهاز العصبي (لا توقفه الكامل )والتي تتميز بانخفاض الاستجابة للمؤثرات الخارجية ،فالإنسان لا يفلت من قوانين الطبيعة الكلية وهو جزء منها فلا يستطيع أن ينفصل منها عن الظروف التي تحيط به أو أن لا يتأثر بها أو يتوقف عن التأثير فيها.
    • هذا النشاط يتميز من جهة وسائل المعرفة بانخفاض فاعليه الإحساس،مع استمرار التفكير المجرد بأشكاله المختلفة:التصور التذكر الإدراك ...
    • ولما كان المنهج الذي نستخدمه قائم على أن اى نشاط يقوم به الإنسان ذهني أو مادي ايجابي أو سلبي هو محاوله لحل مشكله، فانه يمكن التعبير عن غاية هذا النشاط منهجيا: ايجابيا بمحاوله حل مشكله يتناقض فيها واقع الإنسان مع أرادته ،وسلبيا بمحاوله تحرره من حاجته كما يعرفها من ذاته، فهو تعبير عن مشكله أو حل أو عمل. وقد أشار إلى هذه الغاية أدلر الذي ذهب إلى أن للحلم <وظيفة توقعية> بمعنى أن الحالم يتوقع أن يواجه مشكلة ما, عما قريب, فهو يستعد لهذه المواجهة من طريق الحلم,ويونج الذي رأى أن الأحلام هي عبارة عن عملية لحل مشاكلنا التي نواجهها في حال الوعي آو على الأقل التفكير فيها.كما يمكن التعبير عن غاية هذا النشاط وجوديا بمحاوله تفسير الواقع كما أدركه الإنسان.
    • ولما كان العقل كجهاز لحل المشاكل أو تفسير الوجود يتصف بالاتساق، فالحل الذي يتحقق بالعمل ينهي بها تناقض، وينشا تناقض جديد كخطوه إلى الإمام وهكذا... فان هذا النشاط المعرفي للعقل في النوم يبدأ من ذات النقطة التي انتهى إليها العقل في حاله اليقظة،من ناحية التناول لا الزمان. اى انه يبدأ من أخر مشكلة حاول العقل حلها دون أن يصل إلى حل نهائي لها ، أو واقع حاول تفسيره دون أن يصل إلى تفسير صحيح له .
    أنواع الأحلام:
    وتتنوع الأحلام طبقا لمضمون المشاكل التي يعير عنها الحلم أو لحظات حل المشكلة(المشكلة،الحل،العمل) أو وسيله المعرفة الاساسيه التي تستخدم في الحلم(تذكر ،تخيل، إدراك"تحليل، تركيب..."....) أو المؤثر الذى أحدث الحلم...
    الحلم الواضح المنظم: والعقل الواعي هو الذي يضعه في صورة منطقية منظمه.
    الأحلام المكررة:وهى تعبير عن مشكله لم تحل، أو نمط تفكير أو سلوك يتناقض مع الواقع، أو مجموعة القواعد التي تحدد لكل فرد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه واتجاهه وسلوكه في مواجهة الغير من الأشياء والظواهر والناس، يكتسبها من انتمائه إلى مجتمع معين
    أحلام المخاوف : وهى تعبير عن المشكلة إلحاده ، اى الفرق الكبير بين واقع وغاية والتناقض العميق و الصراع القوى بينهما.
    أحلام التعويض(تحقيق الرغبة) : وهى تعبير سلبي عن مشكلة: اى شعور ألذات بعدم الاكتفاء في اليقطه ونزوعها إلى الاكتفاء في الحلم.
    أحلام التنبؤ :وهى استقدام المستقبل بالمخيلة
    الأحلام الاسترجاعيه:وهى استرجاع الماضي بالذاكرة
    أحلام التخاطر: اى اتصال عقل بآخر من غير طريق الحواس الخمس و التخاطر ضرب من قراءة الأفكار, وشكل من أشكال الإدراك وراء الحسي.
    الكوابيس : وهى الأحلام التي تحدث في مرحله حركة العين الغير السريعة IV وتشكل 15% من الفترة الإجمالية للنوم وتعتبر فترة النوم العميق الذي يصعب الاستيقاظ منه .
    أضغاث الأحلام : ويمكن تفسيرها بنظرية هوبسون و مكارلي السالفة الذكر، اى مجموعة من الصور والمواقف المختزنة في الذاكرة التي يعرضها العقل بشكل غير منتظم , دون أن يقوم العقل الواعي بوضعها في صورة منطقية منظمه(إذ المنطق كعلم يتناول القوانين التي تضبط حركه التفكير).
    مثيرات الأحلام
    المثيرات السيكولوجية: وتتمثل في مشكله التي لم تحل في اليقظة ،وسلبيا في الحاجة التي لم يتم إشباعها في اليقظة.
    المثيرات الفسيولوجية: وهى محصله التأثير المتبادل بين الوعي والجسم و الإنسان والظروف المحيطة به.
    الرؤية الصادقة:
    أشار القران والسنة إلى الرؤية الصادقة كأحد وسائل المعرفة، قال(ص) "الرؤية الصادقة جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة"
    وهى نوع من أنواع الأحلام لقوله(ص): « الرؤيا ثلاثة : بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه »
    وبالتالي ويمكن تعريفها بذات تعريف الحلم بأنها : نشاط معرفي وجداني، يجى كمحصله لشكل معين من أشكال علاقة التأثير المتبادل الوعي والمخ، في مرحله سكون الجهاز العصبي ،والتي تتميز بانخفاض الاستجابة للمؤثرات الخارجية ،ويتميز بانخفاظ فاعليه الإحساس مع استمرار التفكير المجرد بأشكاله المختلفة:التصور التذكر الإدراك ...وغايته منهجيا: من ناحية ايجابية محاوله حل مشكله يتناقض فيها واقع الإنسان مع أرادته ،ومن ناحية سلبية محاوله تحرره من حاجته كما يعرفها من ذاته، فهو تعبير عن مشكله أو حل أو عمل، ووجوديا تفسير الواقع، و يبدأ من ذات النقطة التي انتهى إليها العقل في حاله اليقظة.
    غير أن وجه الاختلاف بينها وبين باقي أنواع الأحلام أنها حلم يتصف بالصدق اى يتضمن معرفه صحيحة بالمشكلة التي يواجهها الإنسان أو الحل الصحيح لهذه المشكلة أو أسلوب العمل الصحيح اللازم لتنفيذ هذا الحل في الواقع.
    يقول كارل يونغ في البنية النفسية للإنسان( في رأيي أن جميع الفعاليات التي تحدث في العقل الواعي تظل تعمل في العقل الباطن أيضا .. هناك أمثلة كثيرة على مشكلات فكرية استعصت حلولها في اليقظة ووجدت حلولها في الأحلام..)
    ويحدد إبراهيم البليهى شروط الحدس بقوله :« أول هذه الشروط الامتلاء المعرفي حول الموضوع.. وثانيها الشعور القوي بأهمية الحل المطلوب.. وثالثها الحرارة الوجدانية التي تحشد كل طاقات الإنسان المذخورة لتتلاحم في اتجاه واحد.. ورابعها الاستمرار في الاتجاه نفسه حتى تنكشف الحقيقة ويتحقق الحل.. وخامسها الاختمار الكافي الذي يؤدي مع التلهف إلى نضج الفكرة.. وعند هذه الذروة يكون الحدس الخارق متوقَّع البزوغ»
    بناءا على هذا فان مصدر الرؤية هي الخبرة المعرفية المتراكمة(بما هي مجموعه الحلول الصحيحة التي واجهها الإنسان في الماضي )لذا ورد عن الرسول(ص)«في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً» (رواه البخاري ومسلم)، فهي معرفه ذاتية لابد لها من معيار موضوعي لها للأخذ بها كوسيلة للمعرفة ، هذا المعيار ذو بعدان استنادا إلى تعريف العقل كفاعليه معرفيه محدودة بالوحي والحواس وهما:
    بعد تكويني :هو اتساقها مع الوحي في إدراكها للغيبيات المطلقة عن قيود الزمان والمكان، يقول الشاطبى (فهذا أصل اقتضى للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع)
    بعد تكليفي:هو اتساقها مع الحواس في إدراكها لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكان والسنن الالهيه التي تضبط حركته ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.
    ومن هنا كان التمييز بين الوحي وموضوعه الغيب المطلق الذي يتضمن الوجود الغيبي المطلق من قيود الزمان والمكان بشكليه المطلق (وجود الله تعالى) والمحدود (مثل وجود الملائكة الجن، الجنة، النار...)
    والرؤية الصادقة وموضوعها الغيب النسبي(المقيد) بشكليه التكويني الذي يتضمن كل ما لم تتوافر إمكانية معرفته عن عالم الشهادة في مرحلة معينة أو في ظل ظروف معينه أو لشخص معين، مع توافر هذه الإمكانية في مرحلة تالية او ظروف أخرى أو شخص أخر ، والذي لم ينهى الإسلام عن البحث المعرفي فيه لأنه يقع أصلاً في نطاق عالم الشهادة.
    والذي أشار إليه القران كما في قول امراه العزيز "ليــعلم أنــي لــم أخــنه بالغــيب ، و أن الله لا يـهـدي كـيد الخــائنين".والتكليفى الذي يتضمن كل ما لم تتوافر إمكانية معرفته عن عالم الغيب كما جاءت به النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة في مرحلة معينة أو في ظروف معينه أو لشخص معين مع توافر هذه الإمكانية في مرحلة تاليةاو ظروف أخرى أو لشخص أخر
    تقويم: وهنا نوضح خطا الراى القائل أن مصدر الرؤية ليس هو الخبرة الذاتية أو المعرفة الكامنة ،بل من الله تعالى ، فكل علم صحيح هو موافق للواقع ذو الوجود الموضوعي الذي هو ظهور تكويني لصفة العلم الإلهية، وهو على هذا النحو من الله، يقول تعالى ﴿اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فكلمة (بالقلم) تدل على أن الإنسان يتوسل إلى المعرفة ولكن هذا لا ينفي أن الذي علمه هو الله.
    كما أن هذا الراى يتضمن خروجاً على التصور الإسلامي التنزيه للعلاقة بين الله تعالى ذو الوجود المطلق عن قيود الزمان والمكان ، والإنسان ذو الوجود المحدود بالوجود في المكان والحركة خلال الزمان. إذ يقوم على أن الوحي من حيث هو ظهور ذاتي للعلم الإلهي المطلق خص الله تعالى به الأنبياء والرسل وإنه بوفاة محمد صلى الله عليه وسلم انقطع الوحي ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتمك النبيين﴾ كما أنه انطلاقاً من التصور ألتنزيهي لله تعالى أكد القرآن أن الوحي نفسه بما هو ظهور ذاتي للعلم الإلهي المطلق ليس تلقياًً مباشراً بل هو تلقٍ غير مباشر "وما لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم" (الشورى)كما أن النظرية تقابل المدرسة العقلانية في الفلسفة الغربية في فهمها للفطرة بأنها معارف قبلية سابقة على التجربة، وهي هنا تخالف التصور الإسلامي للمعرفة الذي يجعل للواقع وجود موضوعي مستقل عن الوعي وسابق عليه وأن وسائل المعرفة هي الحواس والعقل ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة .... ﴾ ويقول النيسابوري "واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان بمبدأ فطرته خالٍ من المعارف والعلوم على أنه تعالى خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسمت في خياله بسبب كثرة ورود حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه. ويقول الرازي "أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ثم أنها حدثت وحصلت ....، ما حدثت في نفوسنا بعد علمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر. ويقول ابن تيمية "ومعلوم أن كل مولود يولد على الفطرة ليس المراد به أن يوم ولدته أمه عارفاً بالله موحداً بحيث يعقل ذلك فإن الله يقول ﴿والله أخرجكم ..... ﴾ الآية.
    تفسير الأحلام:
    فرويد:يمكن تلخيص النقاط الاساسيه لمنهج فرويد في تفسير الأحلام كالاتى:
    • رأى أن الحلم تعبير عن اللاوعي.
    • و أنه انعكاس سلبي للرغبات.
    • وأن عناصره تمثل رموزاً يجب تحليلها بالعودة إلى وضع الشخص المعني.
    • كما تعامل مع الرمز الذي يظهر في الحلم وكأنه أمام منظومتين: رامز ومرموز له، وأن المعنى الحقيقي لا يتبدى إلا بعد الإزاحة.
    • ولكنه انطلق في تحليل الرموز من وجهة نظر سببية تميل إلى الإرجاع الأوحد المعنى.
    يونج : كما يمكن تلخيص النقاط الاساسيه لمنهج يونج في التفسير كالاتى:
    • اعتبر الحلم نشاط مستقل يعوِّض عن الرغبات ويحل صراعاتها كتعبير عن القدرة الذاتية للنفس على التعديل..
    • واخذ بوجهة النظر الغائية التي ترى في تقلبات الصور الأحلامية انعكاساً لأوضاع نفسية متنوعة، فلا تضفي على الرموز معاني جامدة.
    • ويرى أن تفسير الأحلام لا يكتسب أهميته الخاصة إلا بعد النظر إلى سلسلة من الأحلام يدونها الشخص الذي يخضع للتحليل.
    • كما يجب إدراك ما يمكن للرمز أن يكتسبه من معانٍ من خلال السياق العام للحلم فالتحليل السليم للأحلام يأخذ بعين الاعتبار جنس الحالم، وظروف حياته، وتفاعله مع قضاياه الفطرية، وميوله …
    • هكذا فقط يمكن أن يظهر السياق الذي يقود إلى فهم الشخصية النفسي والجسدي من خلال الحلم.
    ابن سيرين: كما اهتم المسلمين بتفسير الأحلام واهم من اهتم بهذا المجال ابن سيرين) ت 110هـ ( الذي ينسب له كتاب «تفسير الأحلام» والراجح انه لم يكن من تأليف ابن سيرين ، بل من جمع تلاميذه لأسباب عديد ذكرها الباحثون منها: أن جميع الذين ترجموا له خلال القرون الأولى لم يذكروا له كتاباً أصلا مع ذكرهم لبراعته في التعبير ،و أن الكتاب لم يكتب بلغة القرون المتقدمة بل المتأخرة، وينقل في الكتاب عن ابن سيرين عن أناس لم يعاشرهم ماتوا قبله أو بعده .
    التفسير المنهجى للأحلام:
    بناءا على التعريف المنهجي للأحلام السابق ذكره، فان غاية تفسير الأحلام منهجيا من ناحية ايجابية: محاوله تحديد المشكله أو الحل أو العمل التي يعبر عنها الحلم، ومن ناحية سلبية تحديد الحاجة التي يعبر عنها الحلم. ووجوديا تحديد الواقع الذي يعبر الحلم عن محاوله تفسيره.
    ولتحقيق هذه الغاية لابد من ملاحظه الاتى:
    • التمييز بين الأنماط المختلفة للأحلام، اى التمييز بين الأحلام التي تعبر عن المشكلة التي يواجهها الإنسان أو الحاجة التي يسعى إلى إشباعها أو الواقع الذي يسعى تفسيره ، والأحلام التي لا تعبر ذلك..
    • التمييز بين الرموز ذات الدلالة الواحدة المشتركة التي تعبر عن وحده البشر كنوع ،أو وحده الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد، والرموز ذات الدلالات المتعددة التي تعبر عن تميز كل شخص عن الأخر، وقد انتبه بعض مفسري الأحلام إلى هذه الحقيقة(أن المعبر يجب أن يكون عالماً ذكياً، تقياً، نقياً من الفواحش ، عالماً بكتاب الله تعالى، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولغة العرب وأمثالهم، وما يجري على ألسنة الناس، كما ينبغي له أن يعبر الرؤيا المسئول عنها على مقادير الناس، ومراتبهم، ومذاهبهم، وأديانهم، وأوقاتهم، وأرزاقهم، وفصول سنتهم) "( )
    • ولما كان العقل في الحلم يبدأ من ذات النقطة التي انتهى إليها في حاله اليقظة من ناحية التناول لا الناحية الزمانيه، فانه لابد من مراعاة البعد الذاتي المتمثل في معرفه الشخص الحالم بالمشكلة أو الحاجة أو الواقع الذي انتهى العقل إلى محاوله معرفته أو تفسيره في حاله اليقظة.
    أن الطابع النظري لتفسير الأحلام لا يعنى انه منفصل الجانب العملي في حياه الإنسان، فهو يمهد للعمل على حل المشكله أو إشباع الحاجة أو تغيير الواقع الذي يعبر عنه الحلم الذي تم تفسيره .









    العلاج بالقران
    التصور الاسلامى للإنسان قائم على له البعدين: بعد غيبي روحي و بعد مادي ،غير أن هناك عده مذاهب تحاول الاجابه على الاسئله: ما هي طبيعة العلاقة بين هذين البعدين؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الإمراض والعلل والمرتبطة بهذين البعدين؟ وبالتالي ما هي طبيعة الطب الاسلامى وفلسفته؟
    مذهب النفي المطلق:ينفى أن يكون القران علاجا سواء للأمراض والعلل المرتبطة بالبعد الغيبي الروحي للإنسان ، أو الأمراض المرتبطة بالبعد المادي (العضوي والسلوكي)للإنسان(كالأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب والأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي).
    مذهب الإثبات المطلق:يقوم على الخلط بين البعد الغيبي الروحي للإنسان ،والأمراض والعلل المرتبطة به، والتي يكون علاجها بالقران.و البعد المادي (العضوي والسلوكي)للإنسان ،و الأمراض المرتبطة به (كالأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب والأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي)، والتي يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي...
    فهذا المذهب يرى أن الطب الاسلامى(الذي يقصره على العلاج بالقران)هو شكل من أشكال الطب البديلAlternative Medicine: اى الذي يستخدم مكان علم الطب أي كبديل عنه.
    ويستند هذا المذهب إلى ورود عده آيات تصف القران بأنه شفاء. غير أن هذه الآيات تدل على أن القران علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد الروحي الغيبي للإنسان والمرتبط بعلاقته بالله تعالى ،ولكن لا تدل على أنه علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد المادي(العضوي والسلوكي) له،وهو الأمر الذي تشير إليه كتب التفاسير،فعلى سبيل المثال لا الحضر نورد تفسير ابن كثير لهذه الآيات:
    (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا )(الإسراء:82) (يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي لَا يَأْتِيه الْبَاطِل مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفه تَنْزِيل مِنْ حَكِيم حَمِيد إِنَّهُ " شِفَاء وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ " أَيْ يُذْهِب مَا فِي الْقُلُوب مِنْ أَمْرَاض مِنْ شَكّ وَنِفَاق وَشِرْك وَزَيْغ وَمَيْل فَالْقُرْآن يَشْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلّه وَهُوَ أَيْضًا رَحْمَة يَحْصُل فِيهَا الْإِيمَان وَالْحِكْمَة وَطَلَب الْخَيْر وَالرَّغْبَة فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ فَإِنَّهُ يَكُون شِفَاء فِي حَقّه وَرَحْمَة وَأَمَّا الْكَافِر الظَّالِم نَفْسه بِذَلِكَ فَلَا يَزِيدهُ سَمَاعه الْقُرْآن إِلَّا بُعْدًا وَكُفْرًا )
    (… يأيها النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين)َ(.يونس:57)( وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور " أَيْ مِنْ الشُّبَه وَالشُّكُوك وَهُوَ إِزَالَة مَا فِيهَا مِنْ رِجْس وَدَنَس وَهُدًى وَرَحْمَة أَيْ يَحْصُل بِهِ الْهِدَايَة وَالرَّحْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ; وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَالْمُصَدِّقِينَ الْمُوقِنِينَ بِمَا فِيهِ) .
    ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ امنوا هُدًى وَشِفَاءٌ)( فصلت:44) (اَيْ قُلْ يَا مُحَمَّد هَذَا الْقُرْآن لِمَنْ آمَنَ بِهِ هُدًى لِقَلْبِهِ وَشِفَاء لِمَا فِي الصُّدُور مِنْ الشُّكُوك وَالرِّيَب" وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانهمْ وَقْر " أَيْ لَا يَفْهَمُونَ مَا فِيهِ " وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى " أَيْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَيَان ).
    ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )( أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا... ولهذا قال إبراهيم: ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه).
    "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُور قَوْم مُؤْمِنِينَ ")(التوبة:14) (وَهَذَا عَامّ فِي الْمُؤْمِنِينَ كُلّهمْ وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ فِي هَذِهِ الْآيَة " وَيَشْفِ صُدُور قَوْم مُؤْمِنِينَ " يَعْنِي خُزَاعَة)
    كما يستند هذا المذهب إلى قوله  (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) كدليل على اباحه اخذ الأجر على العلاج . غير أن الحديث لا يدل على الاباحه المطلقة بل الاباحه المقيدة بضوابط تشير إليها نصوص أخرى،وهو الأمر الذي أشار له كثير من العلماء،يقول الشيخ عبد الكريم بن صالح(... وبعض الناس يفهم أن أخذ الأجر أو الْجُعل على إطلاقه ، وهذا خطأ ظاهـر ، قال شيخ الإسلام ابن تيميـة في مجموع الفتاوى 18 / 128 لَمَّا ذَكَر قولـه (إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) ؛ قال : ( وكان الْجُعْل على عافيةِ مريض القوم لا على التلاوة ) ، وقـال - أيضاً في مجموع الفتاوى 20 / 507 : ( فإن الْجُعل كان على الشفاء لا على القراءة ) ، يعني أن الْجُعْل - وهو الأجرة - إنما هو على شرط الشفاء .أمَّا ما يفعله المحترفون لهذا الأمر في وقتنا فهو خلاف ما تقدَّم بيانه ...) ( )
    مذهب الإثبات المقيد: يرى أن البعد الغيبي الروحي للإنسان لا يلغى البعد المادي له ولكن يحده ، وان العلاقة بينهما علاقة وحده لا خلط وتمييز لا فصل.
    وانه يجب التمييز (لا الفصل) بين نوعين من الأمراض أو العلل:
    الأولى:ترتبط بالبعد العضوي (الأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب) والسلوكي (الأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي) للإنسان والسنن الإلهية التي تضبط حركته. وهنا يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي
    قال تعالى ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) ...وفى تفسير ابن كثير( أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه).
    و قال صلى الله عليه وسلم: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" البخاري.
    ورواه أيضا النسائي وابن ماجة مع الزيادة : "علمه من علمه وجهله من جهله" وأخرجه أيضا بهذه الزيادة ابن حبان والحاكم وصححاه.
    الثانية:تربط بالبعد الغيبي الروحي للإنسان،ويكون علاجها بمعرفة والتزام القواعد الموضوعية المطلقة التي مصدرها الوحي. وهنا يأتي العلاج بالقرآن...
    غير أن هذا لا يعني إلغاء العلاقة بين النوعين من العلل، فما هو روحى يحد ما هو مادي ولا يلغيه، وبالتالي فإن العلاج الروحي بالقران يحد العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب فيكمله ولكن لا يلغيه. وطبقا لهذا فان الطب الاسلامى هو شكل من أشكال الطب الشامل comprehensive Medicine الذي يجمع بين العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب،والعلاج الروحي الذي يقدمه القران،وان الأخير هو شكل من أشكال الطب المكمل Medicine Complementary اى الذي يُستخدم مع علم الطب أي يكمله .
    بناء على ما سبق فان العلاج بالقران مقيد بضوابط تكوينية وتكليفيه وردت فى النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة وأشار لها العديد من العلماء منها:
    • أن يحد العلاج بالقران العلاج بعلم الطب فيكمله ولكن لا يلغيه.
    • أن لا تكون غاية المعالج بالقران استغلال الناس لتحقيق الربح بل رضا الله تعالى ونفع الناس لقوله تعالى(ولا تشتروا باياتى ثمنا قليلا ...) وهو ما قرره أيضا العديد من العلماء، فالشيخ الألباني(أُنكرُ أشد الإنكار على الذين يستغلون هذه العقيدة ، ويتخذون من استحضار الجن ومخاطبتهم مهنة لمعالجة المجانين والمصابين بالصرع ، ويتخذون في ذلك من الوسائل التي تزيد على مجرد تلاوة القرآن الكريم مما لم ينزل الله به سلطاناً ، كالضرب الشديد الذي قد يترتب عليه أحياناً قتل المصاب ، كما وقع هنا في عمان ، وفي مصر ، مما صار حديث الجرائد والمجالس ، لقد كان الذين يتولون القراءة على المصروعين أفراداً قليلين صالحين فيما مضى ، فصاروا اليوم بالمئات ، وفيهم بعض النسوة المتبرجات ، فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية لا يقوم بها إلا الأطباء عادة ، إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معاً ).
    • أن تكون الأجرة بشرط الشفاء، يقول ابن تيميـة في مجموع الفتاوى 18 / 128 ( وكان الْجُعْل على عافيةِ مريض القوم لا على التلاوة ) ، وقـال - أيضاً في مجموع الفتاوى 20 / 507: ( فإن الْجُعل كان على الشفاء لا على القراءة. لذا قال ابن أبي زيد القيرواني المالكي : ( لا يجوز الجعل على إخراج الجان من الإنسان لأنه لا يعرف حقيقته ولا يوقف عليه وكذا الجعل على حل المربوط والمسحور ) ( نقلا عن كتاب الشرك ومظاهره للميلي ص 169 )
    • عدم اتخاذ العلاج بالقران كحرفه ، إذ لم يعرف ذلك عن السلف ،وحديث أبي سعيد ألخدري وقع في الروايات الصحيحة الثابتة الدلالة على أن الذي رقى هو أبو سعيد الخدري إما تصريحا وإما بالتورية . لم يصبح أبو سعيد رضي الله عنه يرقى الناس بعد ذلك واتخذ ذلك خاصا به يقصده الناس لأجله ولا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
    • يترتب على ما سبق عدم جواز تحديد اجر ثابت ومسبق وجواز اخذ ما يدفعه المعالج برضاه وحسب سعته.
    • أن لا يتخذ العلاج بالقران كوسيلة لتزكيه النفس، أو أن يعتقد المعالج انه واسطة بين الناس والله تعالى لقوله تعالى( لا تزكوا أنفسكم) وقوله تعالى(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)،وروي أن رجلا جاء سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال : يا صاحب رسول الله استغفر لي ، فاستغفر له ، فجاءه آخر فقال استغفر لي فقال : لا غفر الله لك ولا له ، أو تحسبني نبي ) ( أبو اسحق ألشاطبي ، الاعتصام).
    • لذا فان الأصل فى السنة النبوية أن يرقى الإنسان نفسه وأهله ( )
    فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ رَخَّصَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لآلِ حَزْمٍ فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ
    وَقَالَ لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ‏"‏ مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ ‏"‏ ‏.‏قَالَتْ لاَ وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ ‏.‏ قَالَ ‏"‏ ارْقِيهِمْ ‏"‏‏.‏ قَالَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ‏"‏ ارْقِيهِمْ ‏"‏ ‏‏مسلم .













    الباراسيكولوجي
    • المصطلح مكون من كلمتي Para وتعني ما وراء ،و psychology وتعنى علم النفس ،اى ما وراء علم النفس.
    • يبحث الباراسيكولوجي في عده ظواهر أهمها :
    1 ـ التخاطرTelepathy :وهو نوع من قراءة الأفكار ، ويتم عن طريق الاتصال بين عقول الأفراد و ذلك بعيدا عن طريق الحواس الخمسة أي بدون الحاجة إلى الكلام أو الكتابة أو الإشارة . كما يتم هذا التخاطب من مسافات بعيدة
    2 -الاستبصار Clairvoyance :و تعني حدة الإدراك والقدرة على رؤية كل ما هو وراء نطاق البصر كرؤية قريب أو صديق يتعرض لحادث بالرغم من بعد المسافة بينهما ، وما إلى ذلك .
    3 ـالتنبؤ Precognition:اى معرفة الأحداث قبل وقوعها . كتوقع موت رئيس دولة أو حدوث كارثة وغيرها من توقعات .
    4 ـالتحريك من بعد Psychokinesis وتعني القدرة على تحريك الأشياء أو لويها بدون أن يلمسها صاحب تلك القدرة وإنما يحركها بواسطة النظر إليها فقط.
    وقد اتخذ الباحثون والمفكرون والعلماء موقفين من هذه المقدرات والملكات:
    الموقف الاول: الإقرار بوجود هذه المقدرات والملكات، مع الاعتقاد بأنها خارقه،او أنها تحدث بانقطاع باضطراد القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الوجود، فيتخذ منها وسيله لإنكار القوانين الموضوعية التي تضبط حركه الوجود، وحتميتها .
    الموقف الثاني: وهو بمثابة رد فعل للمذهب الاول فيرفض الإقرار بوجود هذه المقدرات والملكات حتى لا ينكر القوانين الموضوعية أو حتميتها فيفتح الباب للتفكير الخرافي وحاول أنصار هذا الموقف تدعيمه بعده أدله منها:
    1. انه قد أجريت تجارب كثيرة وبالرغم من ذلك لم تظهر النتائج ما يؤيد علميا ادعاءات أصحابها (مجلهNational Research Council).
    2. أن العوامل الذاتية تتدخل في نتائج الأبحاث التي تجرى فإن كانت التجربة تجرى من قبل متشكك في الظاهرة فتميل النتائج أن تكون سلبية ، والعكس بالعكس .
    3. هناك من شكك في الأمر وذكر بأن الحيل لها دور فعال في تلك الظاهرة .
    4. أن الإعلام التجاري لعب دورا كبيرا في الترويح لتلك الظواهر واستغلالها.
    المواقف الاسلاميه:
    الموقف الأول:الإثبات المطلق:هناك العديد من المفكرين الإسلاميين يعتقدون أن الموقف الاسلامى من هذه المقدرات والملكات يتطابق مع الموقف الاول اى الإقرار بوجودها مع الاعتقاد بأنها خارقه.
    غير أن القول بأن هذه الملكات والمقدرات خارقه يعنى أنها تنتمي إلى الغيب المطلق الذي قرر الإسلام انه لا تتوافر للعقل امكانيه معرفته ونهى عن الخوض فيه.
    الموقف الثاني:الإثبات المقيد: ان الموقف الاسلامى الصحيح في رأينا يتجاوز كلا الموقفين إلى موقف ثالث يقوم على:
    أولا:الإقرار بوجود الملكات والمقدرات التي ثبت وجودها بالتجربة والاختبار العلميين
    انطلاقا من:
    • تقرير القران محدودية العلم الانسانى( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )(وفوق كل ذي علم عليم).فالعلم قد توصل إلى معرفه الكثير من الملكات والمقدرات الانسانيه وقوانين حركتها، إلا انه لم يتوصل إلى معرفه كل هذه الملكات والمقدرات.
    • دعوه القران إلى اتخاذ الحواس وبالتالي التجربة والاختبار العلميين كمعيار للتحقق من صحة الأفكار التي تفسر عالم الشهادة وظواهره الجزئية العينية(ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر و الفواد كل أولئك كان عنه مسئولا)
    ثانيا: أن هذه الظواهر ليست خارقه: لان الإسلام يرى أن هناك قوانين موضوعيه تضبط حركه الوجود عبر عنها القران بمصطلح السنن الالهيه( قد خلت من قبلكم سنن) (سنه الله في الذين خلو من قبل) ،وان هذه القوانين أو السنن الالهيه حتمية ومضمون الحتمية تحقق السبب بتوافر المسبب وانتفائه بانتفاء المسبب، وقد عبر القران عن الحتمية بعدم التبدل( فلن تجد لسنه الله تبديلا ولن تجد لسنه الله تحويلا)( فاطر:43). ويقول ابن تيمية في معرض رده على من أنكروا كون حركة الكواكب لها أسباب حسية يجب تفسيرها بها (إنه ليس من السلف من أنكر كون حركة الكواكب قد يكون من تمام أسباب الحوادث، كما أن الله جعل هبوب الرياح ونور الشمس والقمر من أسباب الحوادث).
    ولما كانت هناك قوانين كليه تضبط حركه الوجود الشامل للإنسان المستخلف والطبيعة المسخرة(الحركة والتغير والتأثير المتبادل) وقوانين نوعيه تضبط حركه نوع معين من أنواع الوجود، فان تفسير هذه الظواهر لا يخرج عن إطار معرفتنا بهذه القوانين الكلية مع جهلنا بالقانون النوعي لها والذي يحدد لنا شرط فعالية هذه القوانين الكلية فيها، ، في تتم على مقتضى العلاقة الحتمية بين الأسباب والمسببات ،اى تتم بسبب ولكننا نجهل هذا السبب .
    ثالثا:بعبارة أخرى فان هذه الملكات تنتمي إلى الغيب النسبي الذي يتضمن كل ما لم تتوافر للإنسان إمكانية معرفته في مرحلة معينة مع توافر هذه الإمكانية في مرحلة تالية والذي لا ينهى الإسلام عن البحث العلمي و العقلي فيه لأنه يقع أصلاً في نطاق عالم الشهادة{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ }[فصلت:53،54]"
    رابعا:رأى بعض العلماء أن هذه الملكات والمقدرات تقارب كرامات الأولياء والموقف السابق لا يترتب عليه النفي المطلق لكرامات الأولياء بل الإثبات المقيد، اى إثبات الكرامة مع تقييد مضمونها:
    تكليفيا :بالتزام الأوامر والنواهي وقال بهذا الحنابلة والاشاعره وأهل التصوف السني
    تكوينيا: بالتزام حتمية السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود ، وبالتالي فان الكرامة هي تكريم الله تعالى لشخص صالح دون انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود.
    يقول الاسفرائينى (إن الكرامة لا تبلغ مبلغ خرق العادة وإنما هي إجابة دعوة أو موافاة ماء في غير موقع المياه أو ما ضاهي ذلك، وكل ما جاز معجزة لنبي لم يجز كرامة لولي)(الاسفرائينى، الموافقات، ص25).
    وهو يقارب رأى عدد من العلماء الذين فرقوا بين الكرامة والمعجزة بان ما جاز معجزه لنبي لا يجوز كرامه لولى ، يقول الإمام النووي (قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين الذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادة في حق الأولياء ... قال وصار بعض أصحابنا إلي أن ما وقع معجزة للنبي لا يجوز تقدير وقوعة كرامه لولي فيمتنع عند هؤلاء أن ينفلق البحر وينقلب العصا ثعبان ويحي الموتى إلي غير ذلك من آيات الأنبياء كرامة لولي )(الإمام النووي، بستان العارفين، ص 30).
    وجوز الإمام ابن حزم من أهل الظاهر الكرامة طبقا للتفسير الأول في حياة الرسول أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فيرى انه لا سبيل إلى شيء من هذا. (ابن حزم،الأصول والفروع،دار الكتب العلمية،بيروت،1984،ص123).
    بناءا على الموقف السابق من الباراسيكولوجى(الإثبات المقيد) سنتناول بعض القضايا التي يمكن اعتبارها ذات صلة بالباراسيكولوجى:



    أولا: المس
    التصور الاسلامى للوجود قائم على أن الوجود لا يقتصر على الوجود الشهادى( المتضمن لوجود الإنسان) بل يمتد ليشمل الوجود الغيبي( المتضمن لوجود كائنات غيبيه كالجن والشياطين)،غير ان هناك عده مذاهب تحاول الاجابه على الاسئله: ماهى طبيعة العلاقة بين عالمي الغيب والشهادة؟وهل هناك اتصال بين الإنسان والجن؟وماهى طبيعة هذا الاتصال في حال وجوده؟
    مذهب النفي المطلق: يقوم على أن علاقة عالم الغيب بعالم الشهادة هي علاقة فصل،وانه ليس هناك اى شكل من أشكال الاتصال بين الجن والإنسان. ومن ممثليه المعتزلة قديما وبعض العلماء المتقدمين والمتاخرين، غير أن هذا المذهب في رأينا يخالف روح التصور الاسلامى للوجود .
    مذهب الإثبات المطلق(الاتصال الحسي المادي): يقوم على أن علاقة عالم الغيب بعالم الشهادة هي علاقة خلط. وان هناك اتصال الجن بالإنسان . و هو اتصال حسي مادي يعبر عنه باستخدام مصطلحات غير قرانيه تفيد معنى الاتصال الحسي كدخول أو خروج ...الخ استنادا إلى ظاهر الايه (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)"البقرة: 275"
    غيران ظاهر الايه يفيد أن ذلك يوم الجزاء كما قال جمهور المفسرين .
    ويرى كثير منهم أن ذلك جاء موافقا لمعتقد العرب أيام الجاهلية في امكانيه الاتصال الحسي المادي بالجن :يقول البيضاوي( وهو : أي التخبط والمس ، وارد على ما
    يزعمون) ( تفسير البيضاوي - 1 / 173)
    ويقول الشيخ مصطفى المراغي في تفسير آية " كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " : ( إن هذا النص القرآني جاء موافقاً لما يعتقده العرب ، وإن كان من " زعماتهم " فكانوا يقولون : رجل ممسوس : أي مسه الجن ، ورجل مجنون : إذا ضربته الجن ) (تفسير المراغي،3/63. )
    كما أن هذا المذهب يرى أن هذا الاتصال الحسي المادي بالجن يسبب اضطرابات عضويه (جسديه) ونفسيه(سيكولوجية). وهذا يعنى الخلط بين البعد الغيبي الروحي للإنسان والأمراض والعلل المرتبطة به (ومنها المس بما هو اتصال غيبي بين الإنسان والجن ويكون علاجها بالقران).
    و البعد المادي (العضوي والسلوكي)للإنسان و الأمراض أو العلل المرتبطة به (كالأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب والأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي) والتي يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي لقوله (ص)( إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ ))
    وقد رفض كثير من العلماء المتقدمين والمتاخرين هذا المذهب الذي يخالف المنهج الاسلامى والتفكير العلمي وتعود جذوره (في اعتقادنا) إلى الاعتقادات الشعبية ذات الأصول غير الاسلاميه ( كديانة عبادة الأرواح التي سادت في الشعوب القديمة و التي تفسر كافة مظاهر الحياة بالأرواح الخيرة والشريرة التي تدخل الجسم)
    يقول ابن حزم: ( وأما كلام الشيطان على لسان ظاهر،ع فهذا من مخاريق العوامين ، ولا يجوز إلا في عقول ضعفاء العجائز ، ونحن نسمع المصروع يحرك لسانه بالكلام ، فكيف صار لسانه لسان الشيطان ؟ إن هذا لتخليط ما شئت ، وإنما يلقي الشيطان في النفس يوسوس فيها ، كما قال الله تعالى : ( الذي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) ( سورة الناس – الآية 5 ) فهذا هو فعل الشيطان فقط . وأما أن يتكلم على لسان أحد فحمق عتيق وجنون ظاهر ، فنعوذ بالله من الخذلان والتصديق بالخرافات ) (رسائل ابن حزم الظاهري – 3 / 228)
    يقول الألوسي : ( وقد أنكر القَفالُ من الشافعية أيضاً أن كون الصرع والجنون من الشيطان ، لأنه لا يقدر على ذلك ) (روح المعاني – 3 /49) .
    ويقول الشيخ محمد الغزالي: ( ...وبعض الناس يجاوز النقل والعقل معاً ، ويتعلق بمرويات خفيفة الوزن أو عديمة القيمة ، ولا يبالي بما يثيره من فوضى فكرية تصيب الإسلام وتؤذي سمعته ! ومن هذا القبيل زعم بعض المخبولين أنه متزوج بجنية ، أو أن رجلاً من الجن متزوج بإنسية ، أو أن أحد الناس احتل جسمه عفريت ، واستولى على عقله وإرادته ! ...فقلت : أي روايات بعد ما كشف القرآن وظيفة الشيطان ورسم حدودها ؟ فكيف يحتل الجني جسماً ويصرفه برغم أنف صاحبه المسكين ؟ إن الشيطان يملك الوسوسة ، والتحصن منها سهل بما ورد من آيات وسنن ، فلا تفتحوا أبواباً للخرافات بما تصدقون من مرويات تصل إليكم ... قلت : هناك أمراض نفسية أصبح لها تخصص علمي كبير ، وهذا التخصص فرع من تخصصات كثيرة تعالج ما يعتري البشر من علل ، ولكني لاحظت أنكم تذهبون إلى دجالين في بعض الصوامع والأديرة فيصفون لكم علاجات سقيمة ويكتبون لكم أوراقاً ملئ بالترهات ، فهل هذا دين ؟إن الإسلام دين يقوم على العقل ، وينهض على دعائم علمية راسخة ، وقد استطاعت أمم في عصرنا هذا بالعلم أن تصل إلى القمر ، وتترك عليه آثارها ! فهل يجوز لأتباع دين كالإسلام أن تشيع بينهم هذه الأوهام عن عالم الجن) الأسطورة التي هوت – علاقة الإنسان بالجان ، ص 5- 8 )
    ويقول ابن عاشور : ( وترددت أوهام المفسرين في معنى إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان ، فإن الشيطان لا تأثير له في بني آدم بغير الوسوسة كما هو مقرر من مكرر آيات القرآن ، وليس النصب والعذاب من الوسوسة ولا من آثارها. وعندنا هو أيضاً مبني على تخييلهم ، والصرع إنما يكون من علل تعتري الجسم ، مثل فيضان المِرَّة عند الأطباء المتقدمين وتشنّج المجموع العصبي عند المتأخرين ، إلا أنه يجوز عندنا أن تكون هذه العلل كلها تنشأ في الأصل من توجهات شيطانية ، فإن عوالم المجردات – كالأرواح – لم تنكشف أسرارها لنا حتى الآن ، ولعل لها ارتباطات شعاعية هي مصادر الكون والفساد. والذي يتخبطه الشيطان هو المجنون الذي أصابه الصرع ، فيحدث له اضطرا بات . ويسقط على الأرض إذا أراد القيام ) (فتح القدير – 2 / 234).
    يقول أبو الوفا محمد درويش من جماعة أنصار السنة في مصر : ( يزعم الناس أن للشيطان قدرة على خبط الإنسان وضربه ومسه مساً مادياً يؤدي به إلى الصرع ، وهذا زعم باطل كل البطلان ، روجه في الناس طائفة من الدجالين الذين يحاولون أن يحتالوا على الناس ليسلبوهم أموالهم ويعبثوا بعقولهم … ولا حجة لهم في هذا ، لأن المسَّ فيه معنى غير المعنى الذي يتوهمون ، فهو من الأمور الغيبية التي نؤمن بها ولا ندرك كنهها ، ولو كان كما زعموا أصبح الناس جميعاً صرعى يتخبطون ، وهذا غير الواقع المشاهد ) (صيحة حق – ص 204)
    ويقول الشيخ محمود شلتوت : ( ومع هذا كله قد تغلب الوهم على الناس ، ودرج المشعوذون في كل العصور على التلبيس ، وعلى غرس هذه الأوهام في نفوس الناس ، استغلوا بها ضعاف العقول والإيمان ، ووضعوا في نفوسهم أن الجن يلبس جسم الإنسان ، وأن لهم قدرة على استخراجه ، ومن ذلك كانت بدعة الزار ، وكانت حفلاته الساخرة المزرية ، ووضعوا في نفوسهم أن لهم القدرة على استخدام الجن في الحب والبغض ، والزواج ، والطلاق ، وجلب الخير ودفع الشر ، وبذلك كانت " التحويطة والمندل وخاتم سليمان ) (الفتاوى – ص 27).
    مذهب الإثبات المقيد(الاتصال الغيبي):يرى ان عالم الغيب يحد عالم الشهادة ولا يلغيه ، وان العلاقة بينهما هي علاقة وحده (لا خلط ) وتمييز (لا فصل). وان هناك شكل من أشكال الاتصال بين هذه الكائنات الغيبية والإنسان . غير أن هذا الاتصال هو اتصال غيبي لا اتصال حسي مادي، وقد استخدم القران مصطلح "المس" للتعبير عن هذا الاتصال الغيبي (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس)"البقرة: 275"، فمصطلح مس اشمل من مصطلح لمس إذا يقتصر الأخير على معنى الاتصال الحسي فقط ،بينما يشمل الأخير معنىٍ الاتصال الحسي وغير الحسي .
    وهو مذهب كثير من المفسرين في تفسير الآيات المتعلقة بعلاقة الإنسان بالجن:
    يقول تعالى : ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) ( سورة الجن – الآية 6 )
    قال الطبري : ( قال حدثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في قوله : ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ ) ، قال : كانوا في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا : نعوذ بسيد هذا الوادي ، فيقول الجنيون : تتعوذون بنا ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ! ) (جامع البيان في تأويل القرآن – 12 / 263) .
    وذكر مثل ذلك البغوي في كتابه ( معالم التنزيل ) و ابن كثير في كتابه ( تفسير القرآن العظيم) والشوكاني في كتابه ( فتح القدير )

    ويقول تعالى : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ )( سورة الأنعام – الآية 128 )

    قال الطبري : ( ما قاله الإمام البغوي وزاد عليه : ( وأما استمتاع الجن بالإنس ، فإنه كان فيما ذكر ، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعاذتهم بهم ، فيقولون : ( قد سدنا الجن والجن ) (تفسير الطبري - جامع البيان في تأويل القرآن - 5 / 343(
    وقال الشوكاني : ( أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم بإتباعهم لهم ، وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها فذلك هو استمتاعهم بالجن ) ) تفسير التحرير والتنوير – 3 / 82 ، 83)
    وانه بناءا على هذا المذهب فانه يجب التمييز (لا الفصل) بين نوعين من الأمراض أو العلل:
    الأولى:ترتبط بالبعد العضوي (الأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب) والسلوكي (الأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي) للإنسان، والسنن الإلهية التي تضبط حركته. وهنا يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي لقوله (ص) (إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ )
    الثانية:تربط بالبعد الغيبي الروحي للإنسان ومنها المس بما هو اتصال غيبي بين الإنسان والجن ويكون علاجها بالقران.













    ثانيا:السحر
    اثبت أهل السنة بفرقهم المختلفة وجود السحر، لثبوته بالقران ، وقالوا انه ينقسم إلى قسمين
    تخييلى: وهو قلب الأعيان بالنسبة للمعاين لا في ذاتها( اى تغيير الإدراك الحسي للأشياء) وأدلته:ورود السحر في القران بهذا المعنى:( سحروا أعين الناس واسترهبوهم..). [ الأعراف:116 )( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)[ طه: 66] وصف سحر الرسول (ص) فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رض أنها قالت "سحر رسول الله (ص) حتى كان ليخيل إليه انه ياتى النساء ولم يأتهن".
    حقيقي: قلب الأعيان في ذاتها(اى تغيير الحقيقة الموضوعية للأشياء).
    وإذا كان لا خلاف في تفسير السحر التخييلى فان هناك مذهبين في تفسير السحر الحقيقي :
    الإثبات المطلق: اى القول بأن السحر الحقيقي هو قلب للأعيان في ذاتها (اى انه يغير الحقيقة الموضوعية للأشياء) على وجه الإطلاق ،ويعنى هذا ان القلب أو التغيير يمكن أن يتم حتى بانقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود وهو ما يناقض مع المنهج الإسلامي،فضلا عن عدم تمييزه بين السحر والمعجزة
    الإثبات المقيد:اى إثبات وجود السحر الحقيقي مع تقييده بعدم انقطاع اطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، اى تفسيره بأنه قلب للأعيان التي تتيح السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود امكانيه قلبها اى تغيير حقيقتها الموضوعية، بعبارة أخرى فأن هذا التغيير يتم طبقا لقوانين نوعيه(هي بمثابة شرط لفاعليه القوانين الكلية) يعلمها الساحر ويجهلها غيره، اى انه يتم طبقا لأسباب يعلمها الساحر ويجهلها غيره.ونجد إشارات لهذا التفسير عند بعض العلماء:
    يقول القرطبى ( السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: (وجاءوا بِسِحْرٍ عظيم)(الأعراف: 116). مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالاً وعصيًا. ثم قال: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانًا أو عكسه بسحر الساحر ونحو ذلك)
    ويقول الجوهري:السحر الآخذة ، وكلّ ما لَطُف مأخذه ودَقّ فهو سحر . وسحره أيضا بمعنى خدعه . وقال ابن مسعود: كنّا نُسَمّي السحر في الجاهلية العِضَة. والعضة عند العرب: شدّة البَهْت وتمويه الكذب
    و التفسير الأخير للسحرالحقيقى لا يناقض التفكير العلمي ولا يقع في إطار التفكير الخرافي لأنه لا يقوم على انقطاع اطراد السنن الالهيه. بخلاف التفسير الأول .
















    ثالثا:العين
    كما اثبت أهل السنة العين وعرفوها بأنها النظرة التي ينظرها الإنسان لنفسه أو لغيره؛ إما حسدًا ، وإما إعجابًا،تؤثر سلبا بالضرر . غير أن هناك مذهبين في تفسير طبيعتها:
    الإثبات المطلق: اى إثبات تأثير العين دون تقييده بعدم انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، فهي تتم دون أسباب، وقال بهذا الراى بعض العلماء ولكنه تعرض للنقض ،ينقل ابن القيم (يحدث ضرر العائن على المعين بقدرة الله من غير سبب ولا تأثير، وهذا مذهب منكري الأسباب غير المرئية والمحسوسة، وهذا مذهب مرجوح).
    الإثبات المقيد: اى إثبات العين مع تقيد تأثيرها بعدم انقطاع اضطراد السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود، في تتم على مقتضى العلاقة الحتمية بين الأسباب والمسببات ،اى تتم بسبب ولكننا نجهل هذا السبب و مرجع ذلك القصور المرحلي للعلم الانسانى ورد في فتح الودود : والعين حق لا بمعنى أن لها تأثيرا ؛ بل بمعنى أنها سبب عادي كسائر الأسباب العادية يخلق الله تعالى عند نظر العائن إلى شيء وإعجابه ما شاء من ألم أو هلكة انتهى ).
    وقال الخطابي (وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عن مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية أولا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه).
    فالتفسير الأول للعين يناقض التفكير العلمي، بخلاف التفسير الثاني الذي يتفق مع المنهج العلمي لأنه لا يخرج عن إطار معرفتنا بالقانون الكلى التأثير المتبادل مع جهلنا بالقانون النوعي للتأثير المتبادل بين الذوات الواعية والذي يحدد لنا شرط فعالية القانون الكلى فيه، فنعرف منه كيف يحدث التأثير المتبادل بينها.





    .النتائج والتوصيات
    إن الدراسة السابقة هي بمثابة مقدمات نظرية لنتائج وتوصيات البحث العملية، ويمكن إجمالها في الآتي:
    • التأكيد على أن علاقة علم النفس بالدين والفلسفة هي علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل).
    • استخدام مصطلح تأصيل علم النفس بدلاً من مصطلح أسلمة علم النفس ومصطلح علم النفس الفلسفي الإسلامي أو علم النفس التكليفي الإسلامي بدلاً من مصطلح علم النفس الإسلامي.
    • التأكيد على أن مجال التأصيل ينصب على فروع علم النفس التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي لا تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي.
    • اتخاذ اجتهادات علماء وفلاسفة الإسلام في مجال الدراسات النفسية نقطة بداية لا نقطة نهاية.
    • تجاوز موقفي القبول المطلق والرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس الفلسفي إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية ورفض ما يناقضها.
    • أن يكون معيار أخذ أو رفض إسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس التجريبي هو التجربة والاختبار العلميين فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.
    • الاهتمام بميدان علم النفس الفلسفي وتدريسه سواء في علم النفس أو الفلسفة باعتباره الرابط بينهما.
    • التأكيد على أن علم النفس الفلسفي الإسلامي يتصف بالوحدة والتنوع.
    • تنقية علم النفس الفلسفي الإسلامي من التصورات الخاطئة والأفكار ذات الجذور الأسطورية (الإسرائيليات).
    المراجع
    1. أحمد عزت راحج، أصول علم النفس، دار العلم، بيروت.
    2. الزبير بشير طه، علم النفس الإسلامي، مجلة التأصيل، العدد الثاني، مايو 1995م.
    3. مالك بدري، علم النفس الحديث من منظور إسلامي.
    4. محمد الغزالي، السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1989م.
    5. محمد إسماعيل إبراهيم، قاموس الألفاظ والعلام القرآنية، القاهرة، دار الفكر 1961م، ط1، ص 294)
    6. عبد المنعم الحفي، المعجم الموسوعي للتحليل النفسي، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1995م.
    7. علي بن نفيع العلياني، الرُّقى على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة واتخاذها حرفة ، ط . دار الصفوة القاهرة .
    8. سيد إدريس صالح شبر، مدخل إلى علم الاستقراء الاحتباطى :الاضطرابات النفسية وامراضيه الحلم، الخرطوم، الكتاب الأول ،الطبعة الأولى،1989
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de