العلاقة الجدلية بين السلطة والتسلط والفوضى والحرية بقلم: تاور ميرغني علي

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 23-09-2018, 06:14 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
25-10-2014, 09:49 PM

تاور ميرغني علي
<aتاور ميرغني علي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 14

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


العلاقة الجدلية بين السلطة والتسلط والفوضى والحرية بقلم: تاور ميرغني علي

    توطئه
    فقد اكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين" (المادة 18) و "حرية الرأي والتعبير" (المادة 19) و "أن التربية يجب أن تهدف إلي ... تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية" (المادة 26).
    إن التسامح علي مستوي الدولة يقتضي ضمان العدل وعدم التحيز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية. وهو يقتضي أيضا إتاحة الفرص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتعبير عن ذات الانسان باتزان وتوازن لكل شخص دون أي تمييز في حقوقه وواجباته. فكل استبعاد أو تهميش إنما يؤدي إلي الإحباط والعدوانية والتعصب والغبن ، مما يولد العنف وبغية إشاعة المزيد من التسامح في المجتمع، ينبغي للدول أن تصادق علي الاتفاقيات الدولية القائمة بشأن حقوق الإنسان وادخالها ضمن تشريعات دساتيرها ضمانا لسريانها، وأن تصوغ عند الضرورة تشريعات جديدة لضمان المساواة في المعاملة وتكافؤ الفرص لكل فئات المجتمع وأفراده.
    ومن الجوهري لتحقيق الوئام علي المستوي المحلي و الدولي أن يلقي التعدد الثقافي الذي يميز الأسرة البشرية قبولا واحتراما من جانب الأفراد والجماعات والأمم. فبدون التسامح لا يمكن أن يكون هناك سلام اجتماعي، وبدون السلام لا يمكن أن تكون هناك استقرار و تنمية أو ديمقراطية.
    وقد يتجسد عدم التسامح في تهميش الفئات المستضعفة، واستبعادها من المشاركة الاجتماعية والثقافية والسياسية وممارستها في سهولة ويسر دون عقبات او وضع العراقيل والقيود المكبلة لها، اوممارسة العنف والتمييز ضدها، وفالتمييزالعنصري والتحيز العنصري شيئان معكران لحياة البشر "لجميع الأفراد والجماعات الحق في أن يكونوا مختلفين بعضهم عن بعض" اعلان مبادئ بشان التسامح (المادة 1-2) نوفمبر 1995 .
    أولا: السلطة والحرية:
    هل وجود السلطة Authority ضرورة لممارسة الحرية Liberty ؟ أم أن هذا التواجد يعوق تلك الممارسة؟ وإذا وجدت السلطة فمتى تتحول إلى التسلط أو الدكتاتورية Authoritarianism ؟ وهل الفوضى بديل التسلط هذه أسئلة بديهية عندما نجد نظاما يمارس القهر والتسلط ضد شعبه في حين أن الأنظمة وجدت في الدول لا لتقمع أو تقهر أو تتسلط عليه بل لتنظم حياة الناس بالقانون الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذا تنشئ المحاكم الاجتماعية (محكمة الأسرة)أو لفض المنازعات التجارية (المحاكم التجارية) ذات الصبغة التجارية كـ (نيابة المصارف) أو الجنائية (المحاكم الجنائية) أما غير تلك المحاكم كـ (المحاكم العسكرية) يجب أن تكون من يحاكموا فيها عسكريون أو لهم صفة عسكرية وبقانون خاص بهذه المؤسسة العسكرية حيث لا يجوز محاكمة المدنيون في محاكم عسكرية ؟
    لعل محاولة فهمنا للحرية تساهم في تفكيك تلك الإشكاليات فرغم غموض معنى الحرية "حيث اعتقاد البعض بأن مشكلة الحرية أنما هي في جوهرها مشكلة ترتبط بمسألة التسيير والتخيير أو أحيانا الفوضى دون قيود. وبهذا يختفي من هذا المنظور مشكلة الحريات الأخرى كالحرية الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، وهذا يفسر تعثر التوصل إلى موقف متوازن بين المعالجة النظرية والمعالجة العملية لمشكلة الحرية".
    ومع ذلك تظل الحرية مقياس للتمييز بين السلطة والتسلط. فحتى إذا اعتمدنا تعريف "رسل"Russel , Bertrand (1872-1970) للحرية بأنها غياب العوائق التي تعوق إشباع الرغبة فإن هذا الإشباع لكل ما يمثل الحاجيات الإنسانية لابد له من إطار تنظيمي معين، وهذا يستلزم وجود سلطة ما تنظم أمور الفرد والجماعة والدولة والبحار والفضاء الخارجي وتكيفه بإطار قانوني لمنع الاعتداء عليه.
    ولعل هذا ما أدركه "هيجل" Hegel , Friedrich (1770-1831) في تصوره للحرية، إذا ما اعتبرنا تأكيده على الدولة هو تأكيد على وجود نظام معين يستطيع الأفراد من خلاله أن يحتفظوا بحرياتهم. وإن كان طغى على تفكير "هيجل" نزعة لتقديس سلطة الدولة، باسم التنظيم والاستقرار والتقدم، حتى عد الدولة ضرورة عقلية "فالعقل هو الذي يجعل من الضروري أن يدخل الناس في علاقات تعاقدية". فإدراك حقيقة الحرية سيدفع إلى الإيمان بسلطة الدولة فيما يرى "هيجل" "فإذا ما عرف الفرد المعنى الحقيقي للحرية فانه بالضرورة سيختار المشاركة في تقدم المجتمع والفرد والبشرية بإرادته الحرة" فتلك هي روح الشعب التي تنتج الحضارة "فروح الشعب هي العقل الكلي السائد في حضارة ما متمثلا في كل ما تنتجه الروح من أنشطة" هذا المعنى الذي اتخذه "هيجل" جعل التصنيف السياسي يذهب به إلى أقصى أنواع التسلط(الدكتاتورية) أي الاعتداء علي الحرية، وفي أحياناً أخرى إلى أقصى أنواع الحرية(الفوضوية)و (الغوغائية) وهو استغلال الحرية في غير مكانه الصحيح كالفوضي الادارية والفساد الاخلاقي والاجتماعي نتيجة لترهل الدولة وعدم الانضباط في هيئاته وهمجية بهيميه في افراط استغلال منافع الدوله في غير وحهته الصحيحة.
    فالحرية عند "هيجل" ليست طبيعية، هي تكتسب بالجهد الإنساني للارتقاء "إن الحرية تتطلب عملية تربية متواصلة للقوى الأخلاقية والعقلية".
    إذن التنظيم والاستقرار، الدولة عند هيجل، تعد شرطاً ضرورياً، بل الإطار الطبيعي، لتحقيق ذاتية الفرد فالفرد عند هيجل لا يمكن أن يحقق ذاته إلا في الدولة، وان كل القيم في الواقع ليست لصيقة بالفرد كما إرتأتها المذاهب الفردية الليبرالية الغربية، بل أنها لصيقة بالدولة لأن تحقيقها لا يكون إلا في ظل الدولة. ويستمد الفرد كل ماله من حقيقة روحية من الدولة التي تعتبر الفكرة المقدسة في الأرض، كما أنها هي هدف التاريخ، وهي لا تحقق للفرد قيمته وصفته كمواطن فقط، ولكنها تضفي عليه صفة المواطن الحر. فالسلطة التي أرتاها "هيجل" تعد ضرورية للحرية والتقدم، و رأى"هيجل" السلطة في الدولة إلى حد التضخم. فسلطة الدولة هي اتفاق الكلي مع الجزئي أو الفردي مع الجمعي وبذلك تجد الدولة علاجا لهذا الصراع. ولم ينتبه "هيجل" كثيراً إلى صراع آخر بين هذه السلطة للدولة، التي كاد يجعلها تتحكم تحكما مطلقاً في المواطنين، وبين حريات الأفراد. مما يستلزم إيجاد صيغة أخرى للسلطة.
    نجد أيضا تأكيد على الاستقرار والتنظيم الاجتماعي والسياسي في فهم أفلاطون Plato (428-348 ق.م) للحرية والعدالة. ففي الجمهورية يشير إلى أن الحرية هي غاية الديمقراطية، ثم ذهب ينظم المجتمع بحسب قدرات الأفراد ومواهبهم، مما جعل البعض يتهمه بعدم إيمانه بالمساواة. وربما يمكن القول أن أفلاطون لم يرفض فكرة المساواة بقدر ما أراد التأكيد على التنظيم الاجتماعي كإطار لممارسة الحرية الفردية.
    وعلى أية حال يجب التأكد على أن الحرية تتطلب الإيمان بمساواة كل البشر في كرامتهم وحقوقهم. والإيمان بالعدالة التي هي إعطاء كل ذي حق حقه بناء على مجهوداته ومواهبه وقدراته.
    وبناء على هذا يمكن القول أن الاعتداء على كرامة الإنسان حيث قدرته على التواجد الحر الكريم، هذا الاعتداء هو نفي للحرية وهو يتضمن تحول مقيت من السلطة إلى التسلط.
    وهذا التسلط يستشري عندما يتم الخلط بين السلطة والفرد أو الهيئة الحاكمة، فيصبح الفرد هو السلطة وقد تشخصنت فيصبحان سواء، ويهمش كل أفراد الشعب.
    ويمارس التسلط اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا وحتي سياسيا ويتجسد ذلك في التسلط الذي يمارسه رأس المال في اندفاعه نحو الربح والاستغلال وهنا يحدث الاعتداء على جوهر حريات الأفراد وحقهم في العيش الحر الكريم. فمع التطور التاريخي للرأسمالية بدأ الواقع العملي يكشف شيئاً فشيئاً أن هذا النظام لا يمثل الخلاص النهائي للبشر ولا يكفل بشكل تلقائي تحقيق أهدافهم في الحرية والرفاهية والعدل ذلك أن نمو الاحتكارات الضخمة وسيطرة رأس المال على مجريات السياسة بل ومجريات حرية الرأي والإعلام جعل من هذا النظام، في كثير من الحالات، متنكرا من الناحية الفعلية لكثير من القيم والمبادئ الليبرالية التي يرتكز عليها نظريا.
    وكذلك هناك التسلط القمعي الذي مارسته الأنظمة الماركسية في الاتحاد السوفيتي السابق. وفي كل ذلك افتئات على الحرية واندفاع نحو التسلط. فالمظالم الاجتماعية اعتداء على كرامة الإنسان واختزال لحريته. وكذلك تغييب الحرية باسم العدل هو اعتداء على كرامة الإنسان لأن الحرية نفسها عدل.
    السلطة تتحول إلى قهر وتسلط عندما تتماهي الخطوط المميزة بين ضرورة الاستقرار والتنظيم من أجل حرية مسئولة، وبين ممارسة الاستبداد والقهر باسم الأمن والقوة أو باسم النمو الاقتصادي والحرية الاقتصادية. وهكذا يمكن للسلطة أن تتحول إلى التسلط عندما تشخصن السلطة في فرد أو حزب سياسي دون تعددية رمزية، (الاتحاد السوفيتي وإيطاليا موسوليني، والمانيا الهتلرية تعد نماذج واضحة) أيضا تتحول السلطة إلى تسلط عندما يكرس فهم معين عن النمو يجعله مضاداً للعدالة الاقتصادية. وهذا الفهم يؤدي في أغلب الأحيان إلى تخمة رأس المال إلى أن يلقي بظلاله على مجمل الحياة السياسية، وبما يؤكد ضرورة المراجعة لهذا الفهم السلبي للحرية. والأنظمة الرأسمالية نماذج واضحة على هذا الخلل الاجتماعي، وكذلك في عدوانها على الآخر من أجل إشباع تلك الآلة الرأسمالية البغيضة فالتشبه بمثلها يعني اخمادا لحق الشعب.
    ولذلك فان السلطة وصلاحها تظل رهينة بمدى تعبيرها عن الإنسان وكرامته الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية.
    ثانيا: الاستبداد مقابل الأمن
    إن الصورة الضبابية التي تحدث بين الاستقرار، الذي هو في حقيقته ضد الفوضى، وفي ذات الوقت لا يصطدم مع الحرية. وبين تبرير الاستبداد،يحول السلطة إلى التسلط،حيث تتخذ ضرورة السلطة والتنظيم في بعض الأحيان مبرراً للاستبداد، خاصة عندما يعج الواقع بالفوضى.
    ويعد "ماكيافيللي" Machiavelli Niccola (1469-1530) تعبيراً عن استبعاد الجدوى الأخلاقية باسم الجدوى السياسية وقد تجسد هذا في كتاب الأمير، وكان لواقع تفكك ايطاليا آنذاك دافعا أساسيا لما ورد من أفكار وآراء في هذا الكتاب، وقد ساهمت الكنيسة نفسها في هذا التفتت. إلى الدرجة التي كان فيها "ماكيافيللي" يعي خطورة ما يدعوا إليه ولكنه كان في نظرة معالجة واقعية للفوضى والتفتت الذي كانت تعاني منه البلاد آنذاك، فوفقا للواقع السيئ عد ماكيافيللي "التمسك بالفضائل امرأ مستحيلا لان الأوضاع الإنسانية لا تسمح بذلك" ولعل هذا يثبته قول "ماكيافيللي"نحن ندين للكنيسة بما صرنا إليه من إلحاد واعوجاج وكذلك نجد إشارات أخلاقية كثيرة عند ماكيافيلي في كتابة المطارحات والذي لا يلتفت إليه كثيرا.
    ولعل التجسد الأساسي لمقولة الاستبداد في مقابل الأمن نجده عند "هوبز" Hobbes Thomas (1588-1679) حيث كان التماهي بين الفوضى والحرية وبين السلطة والتسلط ، متمثلا تماما في فلسفة هوبز السياسية. فالحروب الأهلية التي نشأت في انجلترا بين الملكية وأنصار البرلمان اتخذها هوبز مبررا للمناداة بضرورة وجود سلطة قوية بل و طاغيه تنظم المجتمع لان ذلك سبيل الوحدة والتقدم. حيث القضاء على نوازع الإفراد التي هي بطبيعتها أنانية وتتوق دائما إلى الشر والعدوان والهمجيهة والبربرية باستخدام لغة الغاب.
    وهكذا نجد "هوبز" يعمم حالة الحرب الأهلية في انجلترا آنذاك، على كل ملكات وطاقات الطبيعة الإنسانية، فلا يرى فيها غير نزعة العدوان. وقد أصاب واقع الفوضى هوبز بالقلق بل بالخوف الشديد، ولذلك يقرر أنه عندما ولد، ولد توأمان: هو والخوف. يقول هوبز "إن الناس مفطرون على الشر، ليس في الدنيا أي مبدأ روحاني، لا خير إلا المتعة، ولا شر غير الألم، ولا هدف غير المنفعة، ولا حرية إلا عدم وجود ما يعوق الشهوة. بما أن مبدأ حفظ الحياة قوامه حب الذات، ولما كان كل فرد يدافع عن حقه في الحياة، فالحالة الطبيعية هي حالة القتال بين الناس، أولئك الذئاب، إن حالة الناس في هذه الحرية الطبيعية هي حالة الحرب. من هنا يلزم تأسيس هيئة سياسية تحت سلطة رئيس الدولة (هيئة حقوق الانسان) ويجب أن تكون بحكم الضرورة الطاغية ، كهيئة مستقلة،فهذه السلطة يجب ان تكون كالتنين الذي يبتلع الإرادات الأخرى، لأن الإرادات الأخرى في رأي هوبز، ستمثل انقسام السلطة وهذا لا يؤدي الى الاستقرار والتقدم "اذا ما تشكلت سياديتين، وكان لدى كل فرد من يمثله في حكومتين أحدهما تعارض الأخرى، سيكون عليك ان تقسم السلطة، التي لا تتجزأ (اذا كانت للناس أن يعيشوا في سلام) ولذا ستنحدر هذه التعددية إلى حالة الحرب وهو ما يناقض الغاية التي تشكلت من أجلها هذه السيادة"،إذن الإنسان عند "هوبز" لا يجد أمامه مفر من أن يتنازل طواعية، أو أكراهاً، عن إرادته وحريته من أجل وحدة المجتمع وتقدمه. تلك هي صيغة العقد الاجتماعي Social Contract) ) عند "هوبز" ورؤيته لضرورة السلطة وطبيعتها حيث يدرك الأفراد حتمية تنازلهم عن حرياتهم من أجل غاية أكبر هي توفير (حق البقاء) والذي هو الرغبة الأساسية والجوهرية عند الإنسان ."فطالما الأنانية تمتلك البشر فلابد من رادع، وقد أوكل مهمة الرادع إلى الدولة أو صورة الليفاثان، التي تنهض بعبء حماية الفرد من نفسه (الأنانية) ومن الآخرين المتربصين لافتراسه. انه من الجائز أن حالة الهلع التي أصابت "هوبز" وسط كم التغيرات التي لحقت بالمجتمع الانجليزي والذي اعتبره تجسيدا للنوع البشري . وأيضا الخطر المحدق حيث تربص الأسطول الاسباني. هذه الحالة طرحت سؤالاً ملحاً على "هوبز" كيف يامن الإنسان؟ فكان جوابه صورة الليفاثان أو الدولة المحتكرة لكافة السلطات . وهذا الاحتكار هو ما يبعث على الطمأنينة. فالتنازل عن الحقوق إمام هذا السيد (الليفاثان) يعني عهداً بالحماية، وبالتالي الطمأنينة والأمن"(12).
    وعلى ذلك لا توجد أي التزامات على الحاكم تجاه الأفراد إلا تحقيق الأمن في مقابل أن تكون سلطته سلطة مطلقة ومرعبة والتي هي بلا حدود ولها كل الحقوق وهو فوق القانون. كل هذا لأنه يفترض به أن يحقق الأمن للأفراد. فالحياة الآمنة ترجح الحرية وتفوقها.
    وهكذا نجد أن هوبز قد اخذ من حالة الفوضى والخوف مبرراً للسلطة المطلقة وطغيانها، وكانه يجعل الأمر على هذه الصيغة الاستبداد في مقابل الأمن، ولم يدرك "هوبز" أن الاستبداد في حد ذاته يعد أكبر عدوان على أمن الإنسان.
    ومع ذلك يظل تفسيرنا لهذه النزعة لتأكيد الحكم الاستبدادي عند هوبز ترتبط بانه مال كثيرا إلى المادية والآلية وربما الواقعية التبريرية، التي عبرت عن الحكم الملكي المستبد حتى قبل صراعه مع البرلمان، وهذه الواقعية أبعدت هوبز إلى حد ما عن طبيعة الفلسفة السياسية في دراستها لما هو كائن للارتقاء به وليس للارتماء في أخطائه وسلبياته.
    أيضا يحمد للعقد الاجتماعي عند هوبز تأكيده على الحقوق الطبيعية "فقد أكد على ان الناس ولدوا متساوين في حبهم لحريتهم وان لهم حقوقا لا يمكن أن يتنازلوا عنها يطلق عليها اسم الحقوق الطبيعية وهي حقوق موجودة لدى كل إنسان بالطبيعة أعني أن العقل يفترض وجودها لدى كل فرد وهو يحتم علينا التسليم بها. وتتمثل هذه الحقوق في حق البقاء أو المحافظة على الذات، وحق الذات في استخدام كافة الوسائل الضرورية التي تكفل تحقيق هذه الغاية بل إن نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز قد أدت دورا عظيما في الفكر الاوربي والعالمي، عندما أبعدت المصدر الإلهي عن السلطة، وبذلك كانت ضربة قاسمة للثيوقراطية التي كانت تمارس المظالم والاستبداد باسم الدين في مشاركة فجة وبغيضة مع كثير من رجال الكنيسة. فرغم تنازل الأفراد عن أرادتهم في العقد الاجتماعي عند هوبز إلا ان هذا تضمن تأكيد على أن مصدر السلطة هم الأفراد. وهذا نفسه اضر بالحكم الملكي حيث افقده القداسة الإلهية، مما أدى إلى ظهور أفكار "جون لوك Locke, John (1632-1704) في انجلترا وكذلك "جان جاك روسو" Rousseau (1712-1778) في فرنسا وقيام الثورة الفرنسية ضد الحكم الملكي.
    ثالثا: التسلط والفوضى
    إذا كانت الفوضى تدفع في بعض الأحيان إلى نشأة التسلط وتبريره. فإن تسلط الدولة واستبدادها قد يدفع إلى المناداة ليس إلى التحرر فقط بل المناداة بالفوضى. حيث تحرر الفرد من كل ما يعيق إرادته ورغباته. والفوضوية( Anarchism ) تعني في أصلها اليوناني (بدون حاكم) وقد شاع هذا المصطلح أثناء الثورة الفرنسية لقهر المعارضة، وبالذات لقهر اليسار. ثم استخدمه "برودون" بفخر في كتاب (ما الملكية؟) 1840 حيث يقول "كما أن الإنسان يبحث عن العدالة في المساواة، كذلك المجتمع يبحث عن النظام في الفوضى" وتابعه في ذلك "باكونين" وكروبوتكين. والفوضوية إجمالا تعني تدمير السلطة ومؤسسات الدولة بدعوى انها ضد الإنسان. فالدولة هي أكبر أعداء الفرد وأن إلغائها قضاء على الآفات والشرور" ، وهكذا رأى المذهب الفوضوي انه ليس هناك حاجة إلى السلطة والدولة لأنها تبتلع إرادات الأفراد تحت مسمى حمايتهم . أيضا من أبرز ممثلي هذا المذهب الفوضوي"ماكس شتيرنر" Stirner, Max (1806-1856) الذي أكد على قيمة الإنسان في مواجهة التسلط الذي تمارسه الدولة ، فليس من المنطقي أن ما يصنعه الإنسان ، وهو الدولة ، تترك لتتغول سلطتها فتعتدي وتقهر صانعها . إن الدولة تجريد وهمي أما الإنسان فهو الحقيقة الأساسية . "إن شتيرنر من الفلاسفة الذين حاولوا أعادة الاعتبار إلى الفرد والتأكيد على الفردية في عصر طغت عليه اللافردية الهيجلية. فوقف في وجه كل الذين نادوا بإلغاء الفرد فى سبيل الكل أو الجماعة . وعنده أن الفرد يستطيع إذا ما اعتمد على نفسه وقدراته أن يقاوم الظلم ويقضى على الاضطهاد . اعتبر الدولة نقيضا للأنا . وأنها مؤسسة ساكنة جامدة أٌقر الناس بسيادتها بسبب ما استقر في افهامهم من ديمومتها وخلودها، مع انها في الواقع تعوق دينامية الأنا المنطلق في حركته وإبداعه.
    دعا "شتيريز" إلى عدم الانخداع بالدولة لأن ضرورتها مجرد وهم وخيال وهي لا تستهدف إلا شيئا واحدا فحسب وهو تقييد الفرد وإذلاله وإخضاعه وهي المظهر الواضح لاستبعاد الأنا وتقيدها وإخضاعها. ولم يحدث قط أن استهدفت الدولة تحرير النشاط الفردي . ومن ثم يقرر انه يجب علينا ألا ننخدع بالدولة ويجب ان نرى فيها مجرد خيال من خلق الأنا نفسها ، وألا نطلب منها حقا نعتبر نحن أنفسنا حائزوه الاصليون. لقد كان يفتخر بقوله (أنا عدو الدولة الفاني).
    انضم باكونين Bakounine, Michael (1814-1876) إلى الاتجاه اليساري الهيجلي الذي يعتبر تدمير الوضع القائم ، ضرورة مطلقة في سبيل التقدم ، ويختصر هذا الموقف بعبارته الشهيرة ( إن لذة الهدم هي في نفس الوقت لذة الخلق ) .
    وعارض "كروبوتكين" Krobotkin, Alexewitsch (1842-1921) بشدة النظرية التطورية الداروينية ومبدأ الصراع من أجل الوجود . ودعا إلى مجتمع يقوم على ملكية مشاعية للجميع وجماعات حرة يحصل فيها الفرد وفق حاجته . ونلاحظ في هذا السياق أن مجمل ممثلي هذا المذهب الفوضوي انتبهوا تماما إلى التسلط الذي تمارسه الأنظمة الرأسمالية من انتهاك لحقوق الأفراد وإنسانيتهم ، وهذا يفسر اتجاه معظمهم إلى الاشتراكية الحميمية واتخذه كمعبر للرأسمالية البغيضة وهذا لا يؤكد ان الاشتراكية الحميمية هي الخلاص النهائي لعذاب الإنسانية إذ إن ما وجدوه في الاشتراكية من فكر ونظام اجتماعي واقتصادي وقانوني هو اقرب إلي التسلطية الموجهة للانفكاك من ربق الرأسمالية بل الأسوأ هو القضاء النهائي علي الحياة الإنسانية بالفوضى الاجتماعية والاخلاقية ،وربما يتمثل مأزق هذا المذهب الفوضوي في أنه يكاد يلغى كل تنظيم لحياة الاسرة و الأفراد من منطلق رفضه تسلط ألدوله عليه، وهذا يقود في النهاية إلى إشكالية أخرى لا تقل خطورة عن التسلط . فالتسلط عدوان على كرامة الإنسان بنزع واستلاب حرياته، وتلك الفوضوية قضاء على مكون أساسي في طبيعة الإنسان ألا وهو حاجته إلى نوع ما من الأمن والامان والاستقراروالطمانينة والذي هو في ذات الوقت من أساسيات الرقي والتقدم الإنساني.
    رابعاً : سلطة الشعب للشعب
    إن الإشكالية تظل مطروحة بين ضرورة السلطة للاستقرار والأمن والتقدم، وبين انزلاق وانحدار تلك السلطة إلى التسلط والاستبداد، وهنا نجد اطروحات كثيره يقدمها المفكرون رافضة لسلطة الدولة المهيمنة علي جميع مقاليد ومفاصل صنع القرار فيه، لأنها بطبيعتها تلك تمثل صورة من صور الاستبداد السلطوي المتسلط سواء كانت تلك السلطة فردية أو قبلية أو حزبية سياسية. ومن ثم نجد ان هناك افكارا تطرح طريقا عالمياً ثالثاً بعيداً عن العسف الاجتماعي للأنظمة الرأسمالية لكنها توجه السلطة للزعامات الاستبدادية للعشيرة او الملل الدينية حزب الله نموزجا وحاخامات ال صهيون، فالقمع والعسف السياسي الذي وقعت فيه الأنظمة الماركسية والرأسمالية الامبريالية في عصور الحرب الباردة اثناء حرب الجواسيس وتبادل الاتهامات التجسسية للقوتين العظمتين هو نموزج لضحالة الفكرين الرأسمالية الامبريالية والماركسية اللينينية.
    هذا الطريق العالمي الثالث هو الديمقراطية المباشرة التي تحقق (سلطة الشعب) (فالسلطة للشعب ولا سلطة لسواه) هذا الفكر الذي يعيد السلطة إلى مصدرها الطبيعي والأصيل هو ركيزة أصيلة في فكر "الطريق الثالث" والذي بالتأكيد يؤكد على الإدارة الحرة للشعب مؤكداً إيمان الانسانية بالحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية والمساواة وانه لا سيد ولا خادم. وفي هذا نلاحظ تأكيد على تماسك المجتمع بتحقيق العدل والأمن والمساوة والتقدم، وفي ذات الوقت تأكيد على الحرية التي أصبحت هي النتيجة الطبيعية لسلطة الشعب بمنطلق لا تسلط ولا سلطه لغيره.
    في هذا السياق التاريخي تؤكد المواثيق والعهود الدولية على استمرار اعتماد الحرية كحق اصيل يجب عدم انتزاعه وتركيز التوجه الإنساني للارتقاء به و بالفكر والثقافة والحياة، حيث وجود مؤتمرات فكرية تتناول القضايا الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بفكر مستنير بعيدا عن المهاترات والغوغائية و تنفيذ توصياته ومقترحاته،هو تتويجا لحرية الفكر والثقافة الاجتماعية والحرية الانسانية ، حيث يجسيد الحق الالهي الذي منحه له الله والحق الشعبي الذي جعله يملك قراراته بحرية ويعقد مؤتمراته ، لإقرار السلطة الشعببية، الذي لا سلطة لغيره، متمسكاً بالقيم الروحية ضمانا للأخلاق والسلوك والآداب الإنسانية، مهم جدا ان يتمسك بحق السلطة واحترام ذات السلطة والشعب وتملكه لادوات السلطة الشعبية الكاملة وتثبيت مجتمع الشعب الذي يملك السلطة والثروة واستغلاله الاستغلال الامثل حتي ينشر الفضيلة في الارض؛ فمجتمع الحرية الانسانية والانعتاق من اسار التسلط ، ومن كل أشكال الظلم والعبودية والاستبداد والاستعباد. بحيث يقطع الطريق نهائيا على كافة أنواع واشكال الحكم التقليدية من الفرد والعائلة والقبيلة والطائفة والطبقة والنيابة والحزب الفاسد والمفسد الطائفي ، لأن تمثيل الشعب في البرلمانات احيانا هو نوع من التمثيل الفوقي واحتكارا لسلطة الشعب من قلة تتلاعب بالاصوات التي منحها له الناخب الذي تنازل له طواعية عن الحق الطبيعي للإنسان في الحرية فحقوق الانسان ليست هبة من أحد، وأن لا وجود لها في مجتمعات العسف والاستغلال والضلالة. وأن هذه الحقوق تأتي بانتصار الشعوب على جلاديها واختفاء الأنظمة القمعية ،القامعة للحرية ويتم مصادرتها منه. فلا ضمان لحقوق الإنسان في عالم فيه حاكم ومحكوم وسيد وخادم وسيده وخادمه واسياد وحاشية وخدم، وغني وفقير. وهذا كله يتحقق عندما تتحرر الشعوب والأمم من النزعات العدوانية والحروب القبلية غير المتكافئة احيانا، وبين الشعوب وحكوماتها تارة. حيث يسود السلام العالم والطمأنينة والسكينة في قلوب المحرومين من الجياع ،الحفاة، العراة، سكان هامش المدن بعيدا عن مركز السلطة ومراكز صنع القرار.
    ويأتي تعزيز قانون الحرية في رفع كاهل معاناة الشعب بضخ مزيدا من القوانين التي تهئ الجو الملائم لممارسة حقة وحذف او القاء القوانين التي تقيد الحريات وتكبله ويؤكد في كل مواده اعتماد الحرية وتعزيزها وبذلك يتمكن الشعب بكل أفراده من ممارسة حقه الطبيعي في الحياة وممارسة السلطة الشعبية فالسلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي في الدول المتحررة اقتصادية وثقافيا وسياسيا وفكريا واجتماعيا. حيث يمارس الشعب سلطته عن طريق المؤتمرات الشعبية و القاعدية في الحضر والبوادي والارياف ولجان الاحياء الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية والقبلية والاسرية والاندية الرياضية والثقافية والجمعيات الاسرية والمنظمات التنموية، حيث ينظم القانون عملها دون تقييد او تكبيل لانشطتها بمادة او بمواد تقيده من ممارسة حق اساسي، فحرية اساسية كحرية التعبير لا يمكن مصادرتها، ما لم تكن الدواعي منطقية او اخلاقية تمس وتخدش الحياء العام بنشر الرزيلة.
    وبقدر ما يعي الأفراد مسؤولية تلك السلطة الممنوحة لهم والتي أصبحت بأيديهم بقدر ما تزدهر قيمة الحرية، وكذلك يتم التمكن من تحقيق الازدهار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي ولن يفكر الشعب في اقتلاع حكومته لانها ارضت غرائزه الطبيعية التي من اجلها وجد ولها خلق فاشباع الحاجات الطبيعية من اكثر الحريات الهامة للأنسان فكم من ثورة قامت نتيجة لعدم اشباع السلطة تلك الحاجات والرغبات الشعببية الانسانية الطبيعية ومحاولة افسادها بالتجويع والترهيب ومصادرتها منه نهائيا.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de