الصادق المهدي والرجم بالكلمات بقلم محمد محمود

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 22-10-2018, 11:42 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
12-10-2018, 00:27 AM

محمد محمود
<aمحمد محمود
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 29

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الصادق المهدي والرجم بالكلمات بقلم محمد محمود

    00:27 AM October, 11 2018

    سودانيز اون لاين
    محمد محمود-UK
    مكتبتى
    رابط مختصر




    1
    كتب السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وإمام طائفة الأنصار (الصادق صاعدا) بتاريخ 26 سبتمبر 2018 مقالة بعنوان "قضية الآنسة وئام شوقي" تستحقّ في تقديرنا وقفة تأمل ومراجعة للموقف الذي تطرحه. ولابد من التأكيد بداية أننا مع اختلافنا الفكري والسياسي مع الصادق إلا أننا لا زلنا من ناحية نعتبره رئيس وزرائنا الشرعي، ونقدّر من ناحية أخرى مساهماته التي لم تنقطع في الكتابة عن الشأن السوداني والشأن العالمي. والاختلاف الفكري أو السياسي مع الصادق يجب ألا يعمي أي شخص عن وزنه في الساحة السودانية والساحة الخارجية.
    والصادق المهدي له ثلاث شخصيات متداخلة ومتشابكة وهي شخصية المثقف والسياسي ورجل الدين (بهذا الترتيب الذي يعكس مسيرته). وعندما ننظر لحركة الأنصار في سياقها التاريخي الكبير الذي ينتظم الجد الأول والجد الثاني والحفيد فإننا نجد أن الديني والسياسي متّحدان في حالة محمد أحمد المهدي بمعنى أنه أمسك بالزعامتين في يده (متمثّلا النموذج النبوي)، وأن الديني والسياسي انفصلا في حالة عبد الرحمن المهدي بمعنى أنه أمسك بالزعامة الدينية إلا أنه ترك الزعامة السياسية لسياسيين من طبقة الخريجين، ولكن الديني والسياسي ما لبثا أن عادا ليتركّزا في يد الحفيد.
    وعندما نقرأ مقالة الصادق فإننا نجدها تعبّر عنه كزعيم ديني وسياسي (بهذا الترتيب). وإطار المقالة إطار ذو غلاف ديني تقليدي إذ تستهلّه البسملة وتختمه عبارة "والله ولي التوفيق". وفي الحيّز القصير للمقالة يذكر الصادق عشر ظواهر ينتظمها خيط قضية الشباب وأزمته الراهنة وهي: التنصير، والمجاهرة بالإلحاد وسط الشباب المتعلّم، والاستلاب الثقافي وسط من يعيشون في المنافي، وانتشار التطرّف الديني، ومشكلة المخدرات، وانتشار الحالات النفسية، والشعور بالغربة عن السودان، والمشروع الحضاري وسقوطه، وفضل الظهر، وسياسات النظام المستندة على التمكين.
    وخطاب الصادق ذو المركزية الإسلامية يجعله ينظر لمجموع هذه المشاكل من زاوية ما يصفه بـ "مفارقات الواقع المعهود". وهو في هذا ينطلق من نظرة محافظة تجعل "الواقع المعهود" هو المرجعية، وهي مرجعية يريد الصادق من ورائها أن يجعل الإسلام في نهاية الأمر هو مرجعية الواقع السوداني الثابتة الغير قابلة للمراجعة أو التغيير.
    2
    إن واقع الحال أن الكثير من مظاهر أزمة الشباب كانت موجودة قبل انقلاب الإسلاميين، إلا أن النظام الإسلامي كان لحظة فارقة إذ فرض أعنف وأكثف استبداد في تاريخ السودان الحديث بعد استبداد الدولة المهدية. وكانت أكثر القطاعات تضرّرا بهذا الاستبداد هم الجنوبيون، ثم أهل المناطق المهمّشة في الشمال، ثم النساء، ثم الشباب، ثم الأقليات الدينية وفي مقدمتها المسيحيون. وهذا الواقع الاستبدادي وما استتبعه يجعلنا نقول إن الترتيب المنطقي لظواهر المقالة يتطلّب وضع الظاهرتين الأخيرتين عن سقوط المشروع الحضاري وإفلاس سياسة التمكين في صدر ظواهره العشرة لأن وجود النظام يمثّل المقدمة المنطقية والسبب الذي تولّدت عنه باقي الظواهر.
    ولكن لماذا قلب الصادق هذا الترتيب المنطقي ليضع التنصير وما يصفه بـ "المجاهرة بالإلحاد" وسط الشباب المتعلّم في صدر مفارقاته؟ رغم أن الصادق قد لاحظ أن هناك في "أوساط بعض الشباب ثورة اجتماعية هي جزء من رفض للواقع الاجتماعي الراهن" إلا أنه على ما يبدو فوجىء وصُدم مثله مثل باقي القوى المحافظة بثورة وئام شوقي وما قالته. هذه الصدمة هي التي استفزّت الصادق ليكتب لأن ما قالته وئام شوقي، حسب تعبيره: "يمثل ثقافة بدأت تظهر على أقوال وأفعال كثير من أبنائنا وبناتنا ... " ولأن الصادق بمنطلقه المدافع عن "الحلّ الإسلامي" يرفض هذه الثقافة فقد أصبحت وئام شوقي رمزا وتجسيدا لمعاني "المفارقة للواقع المعهود" بالمعنى السلبي للمفارقة، وهكذا عَكَس الترتيب المنطقي لظواهره ليبدأ بالتنصير وما يصفه بالمجاهرة بالإلحاد.
    صحيح أن الخروج عن الإسلام في السودان حيث غالبية الناس يدينون بالإسلام يمثِّل "مفارقة للواقع المعهود". ولكن ما الذي يجعل ذلك مشكلة من مشاكل الشباب التي تضعها في قائمة تشمل المخدرات والمشاكل النفسية؟ أليس من حقّ المواطن السوداني المسلم أن يخرج من الإسلام ويصبح مسيحيا أو لادينيا لو شاء؟ وعندما نقرأ عبارة "المجاهرة بالإلحاد" فإن ما نلاحظه في الحال أن ما تضمره من أن الصادق لا يستغرب وجود لادينيين (وبالطبع هو وجلّ أفراد المجتمع يعلمون ذلك) ولكن ما يصدمه هو "مجاهرتهم" بالإلحاد. والسؤال البسيط في هذه الحالة: ألا يملك اللاديني حق التعبير عن معتقداته مثلما يملك المسلم أو المسيحي ذلك الحقّ (ونلاحظ أنه في حالة المسيحي لا يتحدّث عن "المجاهرة" بالنصرانية)؟ ما هو اختيار الصادق للمجتمع السوداني في نهاية الأمر --- هل يريد مجتمعا تسوده حرية الفكر والتعبير أم مجتمعا يسوده الاستبداد الديني؟ هل يريد مجتمعا صادقا أم مجتمعا منافقا؟ إن الحديث عن "مفارقة الواقع المعهود" لا يمكن أن يكون غطاء لسلب الناس حقّهم في حرية الفكر والتعبير وكأن "الواقع المعهود" معطي ثابت لم يلحقه التغيير في الماضي ولن يخضع للتحوّل في المستقبل (ونلاحظ أن الصادق حذر في استخدامه للّغة هنا، لأنه يستخدم تعبير "مفارقة الواقع المعهود" ويتجنب لغة الشريعة عندما تصبح هذه المفارقة مفارقة للإسلام لأنها تسميها "كفرا"، وردّها على تلك المفارقة في القانون الجنائي السوداني هو المادة 126 التي تجرّم "الرِّدّة" وتعاقب عليها بالإعدام). لقد شارك الصادق بحماس وفعالية في القرن العشرين في حلّ الحزب الشيوعي وقهره بدعوى أنه حزب ملحد (وكأن الإلحاد جريمة في ظل النظام الديمقراطي)، وهاهو يتحدّث اليوم لشباب القرن الواحد والعشرين بنفس خطاب الهيمنة الدينية الذي خاطب به السودانيين في الماضي (وهو خطاب كان السودانيون قد سمعوه أيضا في القرن التاسع عشر من المهدي).
    3
    ولكن ماذا عن وئام شوقي التي يحمل عنوان مقالته اسمها موحيا بأنها موضوعه الأساسي؟ عندما نفرغ من المقالة نجد إن الصادق قد ظلم وئام شوقي على مستويين --- ظلمها بتغييب صوتها، وظلمها بأن جعلها وجه أزمة شباب اليوم وضياعهم. إن منهج "التشخيص المحيط والتعامل الجاد مع التحديات التي تواجه مجتمعنا" الذي يتحدّث عنه يتطلّب أول ما يتطلّب في هذه الحالة وهو يعالج "قضية الآنسة وئام شوقي" الاستماعَ لصوتها. إن صوت وئام شوقي الذي غيّبه الصادق هو صوت "قضيتها" --- قضية المرأة. وفي تلك الأمسية التاريخية كان صوت وئام شوقي الثائر وأصوات نساء شجاعات أخريات مثل عائشة الكارب وعزّة تاج السر وأسيل عبدو وويني عمر وإيناس مزمل وغيرهن ترفع عاليا راية ثورتهن على كل مظاهر قهر النساء والتمييز ضدهن --- رفضن رفضا باتا انتهاك الختان لأجسادهن ورفضن زواج القاصرات ورفضن العنف ضد المرأة. طرحن بوعي عال ووضوح وثبات ما يعانين في ظل تمييز الشريعة وما يعملن على تحقيقه (فعلن ذلك غير هيّابات ما ينتظرهن في غدهن من حملات تشويه وتلطيخ وتهديد).
    لم يهتمّ الصادق بصوت النساء هذا وبقضاياهن وبآلامهن، وقصارى إشارته كانت في إطار هجومه على مؤسسة النظام الدينية الرسمية وأهل النظام باعتبارهم يسكتون "على كبائر الكبائر وينشطون في إدانة اللمم في الأزياء". وكلمة اللمم تعني "صغائر الذنوب"، واستخدامها يعبّر عن إدانة الصادق الضمنية لما لبسته لبنى حسين مثلا، التي يتحدّث عنها بما يشبه السخط المُضمر معيبا على النظام أنه صنع لها "بطولة" (ويمتدّ هذا الاتهام بصناعة البطولة أيضا لمريم يحيى، رغم أنه في حالتها لا يمكن للصادق أن يتّهم النظام بالاهتمام بصغائر الذنوب إذ أنها، حسب ادّعاء النظام، ارتكبت كبيرة الخروج عن الإسلام واعتناق المسيحية، تلك الكبيرة التي يضعها الصادق في صدر قائمته). إن موقف الصادق وهو يتحدّث بهذه الطريقة عن قضية الزِّي لا يستجيب لحقّ النساء في أن يخترن ما يلبسنه ولا يحمل أي تعاطف مع محنة النساء وهن يتعرّضن يوميا لإذلال وإهانة حماة قانون النظام العام.
    إن ارتفاع صوت المرأة السودانية المتحدّي وهي "تجاهر" (لو استعرنا تعبيرا من تعابير الصادق) برفضها لقهر الشريعة ما كان بالأمر الذي من الممكن أن يصمت الصادق بإزائه، إذ أن المواجهة التي أصبحت وئام شوقي وجهها صارت حسبما يقول: "قضية رأي عام لا يمكن لمثلي أن يسكت عنها وعن تداعياتها". ولكن ما الذي يعنيه الصادق بكلمة "مثلي"؟ ولماذا التدخّل في هذه القضية بالذات والسودان ذاخر بالقضايا التي لن تترك له لحظة راحة إن أراد ألا يسكت عنها؟ إن الصادق قد انتبه في الحال، وهذا ما يُحمد له، أن تلك المواجهة التي انتصرت فيها مرافعة المرأة عن قضيتها في وجه مرافعة رئيس هيئة فقهاء السودان تحمل في أحشائها تحدّيا استثنائيا للشريعة إذ أن المقهور الأكبر قد كسر قيده وأعلن ثورته العلنية على تمييز الشريعة. من الذي من الممكن أن يواجه هذا الوضع؟ من الواضح أن المؤسسة الدينية الرسمية لا تملك المصداقية للقيام بهذه المهمة (وكان هذا واضحا من أداء رئيس فقهائها)، ونفس الأمر ينطبق على النظام الذي لم تثمر تجربته إلا عن "صدود عن الشعار الإسلامي". إذن لا يبقى لها إلا هو --- إمام الأنصار وحامل راية ما يصفه "بالفكر الصحوي".
    4
    وفيما يتّصل بالمرأة نجد أن هذا "الفكر الصحوي" يواجه تحدّيين: تحدّيا يأتي من تيار داخل الإسلام يصفه الصادق "بالفكر الانكفائي"، وتحديا من خارج الإسلام يصفه "بالفكر الوضعي". سنركّز هنا على الفكر الانكفائي والصحوي. يقول الصادق عن الفكر الانكفائي إنه يستخدم النصوص لتكريس دونية المرأة. وللتمثيل على موقف هذا التيار يقتبس قولين: قول لعبد العزيز بن باز وآخر لعبد العزيز آل الشيخ. يقول بن باز في معارضته لعمل المرأة إن: "انشغال المرأة خارج البيت يؤدي إلى بطالة الرجل، وخسران الأمة انسجام الأسرة وانهيار صرحها، وإفساد أخلاق الأولاد". أما آل الشيخ فيقول في معارضته للاختلاط: "وأمر الاختلاط بين النساء والرجال محرم ظاهر التحريم ... " ( مقتبس في الصادق المهدي، حقوق المرأة الإسلامية والإنسانية (القاهرة: 2010)، ص 180).
    أما الفكر الصحوي فإنه يرى "أن للإسلام تاريخيا قصب السبق في تحرير المرأة، وأن المجتمع الإسلامي لحق به الانحطاط، وأن في تاريخ الفكر الإسلامي بشأن المرأة نظرة عادلة وأخرى دونية. وأن الفكر الإنساني بشأن المرأة قد خطا خطوات واسعة نحو العدالة والمساواة، وأن استصحاب هذا التطور ينبغي أن يقوم على استنهاض المفاهيم العادلة في التراث واستخدام أساليب التجديد المشروعة ليتخذ تحرير المرأة مشروعية دينية وثقافية ويتجنب التبعية العمياء للوافد." (السابق، ص 181 – 182).
    وهكذا يتّضح لنا أن الفكر الصحوي الذي يتحدّث عنه الصادق هو فكر ذلك التيار الإصلاحي وسط المسلمين المعاصرين المعادي للتيار السلفي والذي يحاول الجمع بين الانفتاح على معارف وقيم العصر والتمسّك بالحل الإسلامي في نفس الوقت (وأكبر ممثل لهذا التيار في السودان هو محمود محمد طه). والصادق حالة خاصة وغير متّسقة وسط ممثلي هذا التيار. فهو صاحب سلطة دينية خاصة تنبع من كونه "إمام الأنصار"، وهي سلطة تستند بدورها على السلطة الخاصة لمحمد أحمد المهدي ومن المفترض أن تستمدّ منها (مثلما تستمدّ سلطتها السياسية المستندة على الولاء الطائفي للأنصار). والسؤال الذي يثور على ضوء تصنيف الصادق: أين نضع فكر المهدي فيما يتّصل بالمرأة؟ هل هو انكفائي أم صحوي؟
    دعنا نقرأ من رسالة عامة وجّهها المهدي لكافة أتباعه بتاريخ 18 جماد أول 1301 (16 مارس 1884). يقول المهدي بعد اقتباس الآيتين 24: 30 – 31 (النور) اللتين تأمران المؤمنين والمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج وعدم إبداء النساء لزينتهن:
    وما دام أن طلب الله هذا معلوم، وأن أكثر الناس في هذا الزمن لا يقفون إلا بالحَجْر والحجاب وجب أن نحجر جميع النساء من الخروج والمشي بطرقات الرجال الذين لا عصمة لهم ولهن بهذا إلا بهذا الحجر سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم: باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء، وقد قال صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة ... : ما أحسن ما تكون عليه المرأة؟ فقالت: ألا يراها رجل ولا ترى رجلا. فعجبه صلى الله عليه وسلم هذا الجواب فقال: ذرية بعضها من بعض. والذي تراءى من ذلك أن تمنع النساء جميعا من الخروج إلى الأسواق والطرقات إلا بنت صغيرة لا تشتهى أو مُتَجَالَّة [كبيرة] ومن انقطع أرب [بُغية] الرجال عنها. وحتى الإماء الشباب يمنعن من الخروج، إلا في محل لا يكون به رجال. ومن خرجت بعد التنبيه بثلاثة أيام تضرب مائة سوط زجرا لها وعبرة لغيرها. (الآثار الكاملة للإمام المهدي، جمع وتحقيق محمد إبراهيم أبو سليم (الخرطوم: 1991)، ج 2، ص 263 – 264).
    وإذا وضعنا في اعتبارنا أن ما يصفه الصادق بالفكر الانكفائي هو في الواقع فكر المدرسة السلفية فإننا نرى أن المهدي، السلفي التفكير، كان انكفائيا حسب تصنيف الصادق. (حول سلفية المهدي انظر محمد إبراهيم أبو سليم، الحركة الفكرية في المهدية (الخرطوم: 1989)، ص 164 – 165).
    والمأزق الذي واجهه الصادق بوصفه "إمام الأنصار" واضح. فإن كان ملتزما التزاما خالصا بمهدية المهدي فلابد له من قبول ما يقوله عن المرأة. فمحمد أحمد المهدي لم يأخذ مباشرة من محمد فحسب وإنما كان ذا مقام خاص في مهديته، فهو خاتم المهديين الذي لا مهدي بعده، وهو صاحب ذلك الفضل الخاص الذي يجعل العامي من أنصاره في رتبة الشيخ عبد القادر الجيلاني ويجعل "مرتبة العالم التابع له كمرتبة النبي المرسل" (أبو سليم، الحركة الفكرية، ص 167). ورغم تلك السلطة الدينية الهائلة التي أسبغها المهدي على نفسه قرّر الصادق مفارقة خياره السلفي الانكفائي والانحياز لخيار "الصحوة"، إذ ما كان من الممكن أن يدعو مثلا لما قاله المهدي عن حَجْر المرأة ونفيها نفيا تاما من الفضاء العام انسجاما مع الأمر القرآني بغضّ البصر. وعندما ننظر لطبيعة هذا الخيار فإننا نرى أثر ما أملته ضرورات التكيّف مع العصر.
    5
    والصادق تحرّر من فقه المهدي عبر طريقين. فالمهدي كان قد أفتى بإلغاء المذاهب، وادّعى بأن فقهه فقهُ أخذ مباشر من القرآن والسنة. أما الصادق فقد عاد للمذاهب (ما يصفه في فقرته أعلاه "بالتراث"). ومن ناحية أخرى انتبه لضيق ومحدودية مصادر الفقه الإسلامي وإمكانياته فاقتنع بضرورة رفده بمصادر "الفكر الإنساني". وهو في هذا يعكس حساسية تجديديي القرن العشرين الذين فتحوا باب الاجتهاد ليصنعوا نسبا للإسلام يصله بكل ما راق لهم من أفكار.
    وعندما نأتي للمرأة فإن موقف الصادق الفقهي الصحوي أبدى بعض المرونة، إلا أنه لم يتخلى تخليا تاما عن التمييز ضدها. لنأخذ مثالين على ذلك. المثال الأول يتعلّق بالأسرة، حيث يقول الصادق: "لابد للجماعة، أي جماعة، من رئاسة. الأسرة كجماعة رئيسها الأب" (حقوق المرأة، ص 108). وهكذا نجد أنه يرفض البنية الأسرية القائمة على مبدأ المشاركة لينحاز للموقف الذكوري التقليدي. أما المثال الثاني فيتعلّق بزواج المسلمين من غير المسلمين. وهنا يتحدّث الصادق عن حق الرجل المسلم في الزواج من الكتابية ويدافع في نفس الوقت عن عدم السماح للمسلمة بالزواج من الكتابي. (السابق، ص 108 – 109). ماذا عن باقي الأديان؟ يصمت الصادق عن ذكر هذه المسألة لأن المرجعية التي ينطلق منها لا تعترف بباقي الأديان ولا يتمّ التزاوج مع معتنقيها إلا إذا دخلوا الإسلام (وينطبق هذا بالطبع على اللاديني أو اللادينية).
    6
    إن الأرضية الفكرية التي يستند عليها الصادق هي نفس الأرضية التي تستند عليها مدرسة الإخوان المسلمين. وهو لن يقدّم للسودانيين، وخاصة النساء، شيئا مختلفا عما قدّمته هذه المدرسة. فالصادق من المعادين للعلمانية (رغم حديثه عن الديمقراطية، وهي نظام لا يمكن قيامه بدون علمانية تفصل الدين عن الدولة) ومن المدافعين عن بعث الشريعة وعلى الأخص تحكيم عقوبات الحدود من رجم وبتر للأطراف وجلد وقِصاص، وهي عقوبات كرّس كتابه العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي للدفاع عنها. ورغم ادعائه بأنه لا يوجد تعارض بين الإسلام وبنود وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا أنه من المدافعين عن التمييز ضد المرأة، وهو في واقع الأمر لا يملك إلا أن يميّز ضدها طالما أنه ينطلق من الشريعة. (ولعل محمود محمد طه كان أحكم منه عندما فرّق بين الإسلام والشريعة، إلا أن حكمة طه هذه لم تحرّره من قبضة الشريعة إذ كان أيضا من المدافعين عن عقوبات الحدود).
    ها هي مأساة السودانيين مع "الحلّ الإسلامي"، إذ أنهم يرون الآن رأي العين ويلمسون لمس اليد، وهم يكتوون بجحيم الحكم العسكري الإسلامي، فشله وإفلاسه وخَواءه الأخلاقي. ووسط كل هذا يأتيهم الصادق إماما ليحدثّهم عن "فكر صحوي" سينقذهم. إلا أن مشروع الصادق "الإنقاذي" هذا لا يقدّم لهم جديدا يبدّل واقعهم لأنه سيسجن حقوقهم وديمقراطيتهم في سجن دولته الدينية. والمرأة السودانية أول المدركين للطبيعة القهرية للدولة الدينية لأنها تعاني كل يوم من أيامها من مرارة وإذلال ومهانة العيش تحت الشريعة.
    صرخة المرارة هذه النابعة من ألم الشعور بالإذلال والمهانة هي ما أطلقته وئام شوقي، إلا أنها أطلقت أيضا صرخة ثورة وعزم على المقاومة. وفي ظننا أن الصادق لم يسمع صرخة المرارة (وهي صرخة لا يسمعها عادة المدافعون عن الشريعة)، إلا أنه سمع صرخة الثورة والمقاومة، وكان هذا ما صدمه وأنذره بالخطر لأنه رأى في الحال شرخ "مفارقة للواقع المعهود" يهدّد بانهياره.

    محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.

    يمكن قراءة المقال بصيغة بي دي أف بإدخال هذا العنوان:
    https://gallery.mailchimp.com/bccb7fbf5829f7e87ecb43c20/files/628dd61c-7f6b-47e1-b1ee-91a381726e75/Sadiq_on_Youth.pdfhttps://gallery.mailchimp.com/bccb7fbf5829f7e87ecb43c20/files/628dd61c-7f6b-47e1-b1ee-91a381726e75/Sadiq_on_Youth.pdf

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2018, 08:18 AM

عمر عبد العال


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الصادق المهدي والرجم بالكلمات بقلم محمد م (Re: محمد محمود)

    ولابد من التأكيد بداية أننا مع اختلافنا الفكري والسياسي مع الصادق إلا أننا لا زلنا من ناحية نعتبره رئيس وزرائنا الشرعي
    والله دي بالغت فيها يا استاذ الصادق هو نفسه ما بعتبر نفسه رئيس الوزراء الشرعي والا ما كان دلدل رقبتو للمجرم البشير يقلده وسام شنو كدا ما عارف
    الصادق عار الشخصية ومهزوز وما زال بخدم في الانقاذ بيديه وكرعيه واول ما سمع بانقلاب لبس عراقي ومركوب وطلع الباب الخلفي ما احترم الناس الادتو صوتها
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2018, 08:37 AM

نيمو


للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الصادق المهدي والرجم بالكلمات بقلم محمد م (Re: عمر عبد العال)

    صحيح أن الخروج عن الإسلام في السودان حيث غالبية الناس يدينون بالإسلام يمثِّل "مفارقة للواقع المعهود". ولكن ما الذي يجعل ذلك مشكلة من مشاكل الشباب التي تضعها في قائمة تشمل المخدرات والمشاكل النفسية؟ أليس من حقّ المواطن السوداني المسلم أن يخرج من الإسلام ويصبح مسيحيا أو لادينيا لو شاء؟ وعندما نقرأ عبارة "المجاهرة بالإلحاد" فإن ما نلاحظه في الحال أن ما تضمره من أن الصادق لا يستغرب وجود لادينيين (وبالطبع هو وجلّ أفراد المجتمع يعلمون ذلك) ولكن ما يصدمه هو "مجاهرتهم" بالإلحاد. والسؤال البسيط في هذه الحالة: ألا يملك اللاديني حق التعبير عن معتقداته مثلما يملك المسلم أو المسيحي ذلك الحقّ (ونلاحظ أنه في حالة المسيحي لا يتحدّث عن "المجاهرة" بالنصرانية)؟ ما هو اختيار الصادق للمجتمع السوداني في نهاية الأمر --- هل يريد مجتمعا تسوده حرية الفكر والتعبير أم مجتمعا يسوده الاستبداد الديني؟
    امثال الصادق بدفاعهم اللامنطقي عن الاستبداد الديني يدافعون هم عن مكتسباتاتهم فلولا الدين والخداع الديني لما ظهر جده المهدي الكاذب ولما سمع احد اصلا بالصادق المهدي ولا ننسى ان الصادق اخ مسلم كامل الدسم لذا لم يصادم الاخوان المسلمين وما زال يعتبر نفسه ترس وجندي في منظومة الاخوان المجرمة فوجود حريات دينية هو بمثابة محو تام لامثال الصادق المهدي ممن عاشوا ويعيشون ويقتاتون على ارث ديني ثبت كذبه بالدليل القاطع ولكن يا للعجب ما زال الاغبياء يتبعونه
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de