الدكتور الترابي التاريخ و الفكرة بقلم زين العابدين صالح عبد الرحمن

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 13-11-2018, 01:58 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
17-03-2016, 09:32 PM

زين العابدين صالح عبد الرحمن
<aزين العابدين صالح عبد الرحمن
تاريخ التسجيل: 26-10-2013
مجموع المشاركات: 362

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الدكتور الترابي التاريخ و الفكرة بقلم زين العابدين صالح عبد الرحمن

    09:32 PM March, 17 2016

    سودانيز اون لاين
    زين العابدين صالح عبد الرحمن-سيدنى - استراليا
    مكتبتى
    رابط مختصر

    رحل الدكتور حسن عبد الله الترابي، و أصبح في ذمة الله، و ترك إرثا كبيرا مجال المعرفة و الثقافة، و يتمثل في تأليف قرابة العشرين كتابا، تحمل العديد من العناوين في الفقه و السياسية و الاجتماع و الفنون، و هي بين أيدي الناس، كما ترك أيضا إرثا سياسيا و تجربة كبيرة و عريضة يتفق عليها أو يختلف عليها الناس، و تحتاج للدراسة و التنقيب عبر الطرق العلمية الموضوعية، بعيدا عن حالات الانفعال الظاهرة الآن عند البعض، إذا كان الهدف هو تصحيح المسار أو السير فيه، فالذي يخدم الوطن و المواطن و مستقبل السودان، أن تخضع النخبة السودانية التجربة للدراسة لأخذ الدروس و العبر منها، و هي المفيدة، و أفضل من عمليات القذف بالكلمات الغاضبة و غير الموضوعية، و التي لا يستفاد منها غير زيادة الشحن و البغضاء، و في مبحثي هذا هو عرض للتجربة بشكل موجز و مختصر، رغم إن التجربة كبيرة و تحتاج لدراسة تفصيلية لأخذ الدروس و العبر لكي يبقي حكمها علي الأجيال الجديدة.

    منذ ندوة جامعة الخرطوم في النصف الثاني من شهر أكتوبر عام 1964 و حتى رحيله، هو عصر الدكتور الترابي دون منازع، تربع علي عرش العمل السياسي في السودان، و كان صانعا لأحداثه و مغيرا لمعالمه و حتى مصطلحات و مفردات السياسة. و فرض علي القوي السياسية و النخب السودانية المهتمة بالشأن السياسي، أن تخوض نقاشاتها و حواراتها في ما كان يفكر فيه الدكتور الترابي، حيث تسيدت أفكاره الساحة السياسية، عندما نشر مفردات و مصطلحات مثل الدولة الإسلامية و المجتمع المسلم و تحكيم الشريعة و البنوك الإسلامية و الاقتصاد الإسلامي. بدأت الحركة الإسلامية تكون محور الأحداث منذ حادثة ندوة معهد المعلمين، و خروج أتباعها يطالبون بحل الحزب الشيوعي، و طرد نوابه من البرلمان، كانت المعركة السياسية المباشرة مع الحزب الشيوعي لأنه المنافس القوي لها، استطاع الإسلاميون استخدام الحزبين الكبيرين في حسم المعركة بحل الحزب الشيوعي، و إذا كانت الحادثة حقيقية أو مدبرة، كانت البوابة التي فرض فيها الدكتور الترابي المصطلحات الإسلامية السياسية علي القوي السياسية، حيث بدأ الحديث عن الدولة الإسلامية تأخذ بعدها في الخطابات السياسية المؤيدة أو الناقدة، أن انتشار المصطلحات و المفردات الإسلامية علي الخطاب السياسي رفضا أو تأييدا، هو تغيير لنمط التفكير السائد، و تغيير في التحالفات التي كانت سائدة في ذلك الوقت بين القوي السياسية، و التي كانت متركزة في أحزاب الاتحادي الديمقراطي و الأمة و الشيوعي.

    و قبل الغرق في التجربة الترابية، لابد أن نطرح سؤلا هل ظاهرة الدكتور الترابي سوف تتكرر مرة أخري في السودان وفقا للمعطيات الجديدة، و التغييرات التي تحدث في المجتمع، أم إنها تجربة فريدة لا تتكرر؟

    إن الإجابة علي السؤال لن تكون قاصرة فقط علي كارزمة الدكتور الترابي، أيضا تنسحب علي زعيم ل الحزب الاتحادي الديمقراطي إسماعيل الأزهري، و في الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب و محمد إبراهيم نقد، و في حزب الأمة السيد الصادق المهدي أطال الله في عمره، و هؤلاء فرضوا ذاتهم علي المجتمع من خلال استعداداتهم الذاتية تتمثل في:-

    1 – الذكاء و الفطنة، حيث كل واحد من هؤلاء كان يتمتع بذكاء حاد، عرف كيف يستخدمه في الشأن السياسي، و أن يقدم بديلا مقنعا لسابقيه، خاصة إن المجتمع كان في حالة من التغير المستمر.

    2 - التحصيل العلمي، و النهل من مصادر المعرفة المختلفة، الأمر الذي جعلهم يركزون علي الفكرة، أن تكون هي حجر الزاوية في ممارسة العمل السياسي، و أيضا مكنهم إن يقدموا مصطلحات جديدة تتناسب مع توجهاتهم الفكرية.

    3 – الدراسة خارج السودان التي جعلتهم يتعرفون علي مجتمعات جديدة، و أفكار جديدة، و اختلاط مع ثقافات سياسية، جعلتهم يسيروا في طريق الحداثة و كل علي طريقته الخاصة.

    هذه العوامل الثلاثة نجدها متوفرة في جميع الذين ذكرناهم، و كل استطاع أن يوظفها من خلال رؤيته و دراسته للمجتمع، و جميعهم قد توجهوا إلي الأجيال الجديدة في المجتمع في بداية حياتهم السياسية، و جميعهم حاولوا أن يقدموا رؤى و تصورات للعمل السياسي و يستخدموا مفردات جديدة تتناسب مع حالة التحديث و التجديد في المجتمع. و في هذا المبحث الذي نفرده علي الدكتور الترابي باعتبار إنه استطاع أن يكون هو محور الأحداث نصف قرن، ساعده في ذلك الاستعداد الذاتي الذي تعرضنا له، إلي جانب إنه ركز علي القوي الحديثة في المجتمع، و بدأ التركيز فيها من المراحل الثانوية و الجامعات، و أن يطرح تساؤلات عن شؤون الحكم، و تغيير التحالفات القائمة، و الدخول بقوة في العمل النقابي في المؤسسات العلمية والاتحادات الطالبية، و في الفئات الأخرى، و ساعدته أيضا عوامل جانبية تتركز في الأتي:-

    أ – التعليم الحديث الذي أسسه المستعمر و انتظم في البلاد، و تخرجت منه أجيال جديدة من الجامعات، و توسيع رقعة التعليم العالي، هؤلاء بدأوا يشكلون نواة الطبقة الوسطى في المجتمع، و يطرحون أسئلة جديدة لا تجد إجابة عند القوي التقليدية.

    ب – المؤسسات التقليدية الدينية و السياسية، عجزت أن تقدم خطابا جديدا يتماشي مع التطور الذي يحدث في المجتمع، و عجزت أيضا أن تطور ذاتها تماشيا مع التحديات التي تفرض داخل المجتمع، و عجزت عن تطوير مؤسساتها لكي تتناسب مع الأفكار الجديدة.

    ج – الحزب الشيوعي و بروزه كقوة سياسية في المجتمع، و نشره للثقافة الاشتراكية، و الذي شكل تحديا قويا للقوي التقليدية التي لم تستطيع أن تتصدي لأطروحاته، و عجزت أن تجاوب علي التساؤلات التي كان يطرحها، و تمدده وسط القوي الحديثة.

    د – صراع النفوذ و القوة السياسية و الثقافية بين القطبين، الأمريكي الذي يقود الغرب، و الاتحاد السوفيتي الذي يقود المعسكر الاشتراكي، هذا الصراع القي بظلاله علي أغلبية دول العالم الثالث، أيضا شكل تحديا للقوي السياسية في المجتمع السوداني.

    ه – دراسة الدكتور الترابي في كل من بريطانيا و فرنسا، جعلته قريب من الحداثة و تياراتها الفكرية، و قضية الديمقراطية و الحريات، و جماعات الضغط، و هي رحلة شبيهة برحلات تيارات الحداثة في العالمين العربي و الإسلامي، التي يمثل رموزها كل من رفاعة رافع الطهطاوي و الأفغاني و محمد عبده و شكيب ارسلان و طه حسين و غيرهم.

    6 – الأمية المنتشرة في البلاد التي كانت تتجاوز 90% و هؤلاء لا يستطيعون فهم ما هو مطروح من تساؤلات، و لكن كانت تحدث تعبئتهم بالشعارات الإسلامية.

    جاء الدكتور الترابي بطريقة تفكير مغايرة علي من سبقوه كرموز في قيادة الحركة الإسلامية، بابكر كرار و طالب الله و الصادق عبد الله عبد الماجد و محمود براد و الرشيد الطاهر بكر و غيرهم، حيث استطاع أن يقرأ الساحة قراءة تختلف عن الآخرين، و يتطلع لبناء حزب سياسي حديث في برنامجه و في تنظيمه، و أيضا في قاعدته الاجتماعية، هذه الفكرة كان لابد أن تؤدي إلي تغيير في الخطاب الإسلامي المطروح، حيث بدأ بأطروحتين المرأة كمساهم قوي في العملية التحديثية، و كان مساندتها لابد أن تأتي عبر طريقين ديني و سياسي، لذلك كانت أطروحته عن المرأة في كتابه " المرأة بين تعاليم الدين و تقاليد المجتمع" و يدفع بها نحو ساحات النشاط السياسي و يفك قيدها من تقاليد و عادت المجتمع، و أيضا اتجه نحو الثقافة و طرح كتابه " الدين و الفنون" و هي كتب قد أحدثت رجة في المجتمع ليس علي مستوي القوي الحديثة فقط، حتى علي القوي التقليدية و السلفية و الصوفية الدينية، وهي أطروحة بداية التجديد، و قدم كتبه في السياسة و الفقه، لكي يتجاوز كل ما هو مطروح في الساحة السياسية و الثقافية و الاجتماعية، هذه الفكرة قد أحدثت حوارا جديدا عبر مصطلحات و مفردات إسلامية، و قد شكل تحديا علي النخبة و القوي السياسية هل تجارى و تتحاور فيما يطرحه الدكتور الترابي، أم إنها سوف تتميز بخطابها و تجهل هذا الطرح تماما، لكنها لم تستطيع أن تتجاهل ذلك لسببين هما:-

    1 – إن الترابي لم يكتف بالفكرة مجردة، و أن يجعل الحوار هو طريق الإقناع، بل ذهب في الاتجاه العملي، من خلال الضغط علي الحزب الشيوعي و طرده من البرلمان و حله، هذه الأحداث جعلت الحزب الشيوعي في موقف دفاع عن النفس، و أن يحاول إقناع الشارع من خلال دحضه للاتهامات الممثلة في الإلحاد و الكفر و العلمانية و غيرها، و هي بطريق غير مباشر جرت لكي يدخل في دائرة الفكرة الترابية، أن تحاول تطرح رؤاك من خلال المفردات الإسلامية بالقبول أو الرفض، و في الحالتين تمثل تمكين للثقافة الإسلامية في المجتمع.

    2 – استطاع أن يوظف الأحزاب التقليدية، التي تمتلك قطاع عريض من الجماهير، في أن ترفع الشعارات الإسلامية، و تجعل الجماهير تتجاوب مع هذه الشعارات. و هي التي مكنت الدكتور الترابي أن يرفد الشارع بالعديد من المصطلحات الإسلامية، لكي يحاصر بها القوي اليسارية التي تنافسه في قيادة القوي الحديثة في المجتمع.

    أًصبح هناك تغييرا في الخطاب السياسي التاريخي، بدلا عن الحريات و الديمقراطية و التحرر و بناء الدولة الحديثة علي المفهوم الغربي، النموذج المطروح أمام النخبة، أصبحت العودة للتراث الإسلامي و البحث في هذا التراث، و تسيد شعاراته في الشارع السياسي، درس الدكتور شخصية القيادات السياسية في القوي الأخرى، و كان يعلم إن هؤلاء لن يستطيعوا تقديم أطروحات فكرية أو تجديدية تنافسه علي القوي الحديثة، المؤهل فقط علي أداء هذا العمل، هو اليسار متمثلا في الحزب الشيوعي السوداني، حيث كان عبد الخالق محجوب أيضا من القيادات المثقفة التي تتعامل من خلال الفكرة، و لكن نفسه لم يسلم من حصار مصطلحات الترابي، حيث بدأ يطرح عملية سودنة الماركسية، و يشرح موقفها من الدين لكي يرد علي الدكتور الترابي، و علي القوي التقليدية التي نفذت ما كان يتطلع إليه الدكتور الترابي. أطروحات السيد الصادق المهدي للتحديث استطاعت أن تقدمه كزعيم في حزب الأمة، و لكنه لم يستطيع أن يتصدي لأطروحات الدكتور الترابي، بل سايرها و نفذ عملية طرد الحزب الشيوعي من البرلمان.

    بعد انقلاب مايو 1969، الذي دبره الحزب الشيوعي و مجموعة القوميين العرب داخل الحزب الوطني الاتحادي، بدأ هناك تحول في الساحة السياسية، حيث بدأت أطروحات الاشتراكية تعود بقوة للساحة السياسية من خلال استخدام مؤسسات الدولة و أجهزتها الإيديولوجية، و فرض حصار علي قوي الإسلام السياسي، و فتح الباب من جديد للإسلام الصوفي و السلفي بعد خصام نميري مع عبد الخالق محجوب، و رغم المساحات التي توفرت للقوي السلفية و الصوفية، لكنها عجزت أن تقدم إجابة علي كثير من الأسئلة المطروحة، و أكتفت بممارسة طقوسها التقليدية، و محاولة تعبئة الناس لمساندة نظام مايو، و من ثم نظمت المعارضة ممثلة في الجبهة الوطنية عددا من المحاولات الانقلابية، لكي تهدد النظام، الأمر الذي دفع الرئيس جعفر نميري أن يدخل في مصالحة مع الجبهة الوطنية، و كانت محادثات " بورتسودان" التي جرت بين الرئيس نميري و السيد الصادق المهدي، و توقيع اتفاقية المصلحة، و استيعاب قيادات الجبهة في منظومة النظام، هذه المصالحة لم يستطيع الصادق المهدي الاستفادة منها، و لكنها الفترة التي انتعشت فيها الحركة الإسلامية بقيادة الدكتور الترابي، حيث استطاع أن يأتي بفكرة البنوك الإسلامية و البيوتات المالية الإسلامية، و قد وجدت القبول عند قيادات النظام بسبب الأزمة الاقتصادية التي كان يعاني منها نظام مايو في ذلك الوقت، هذه الفكرة شكلت نقطة انتقال جديدة في الحركة الإسلامية، حيث وفرت لها إمكانيات مالية كبيرة جعلتها تتوسع في بناء التنظيم و يتمدد علي طبقات أخرى، و يشارك بقوة في منافسة التنظيمات النقابية، و في تلك الفترة حث الترابي الشباب في الحركة الإسلامية أن لا يتتردوا في اقتحام العديد من النشاطات، وبل طالبهم بتوسيع إطلاعهم في القضايا المختلفة، إذا كانت الفكرة دخول ساحات العمل الثقافي في المجتمع و فرض رؤاهم، كما تبني دخول بعض الطلاب إلي معهد الموسيقي و المسرح، و نشطات الدراما، و غيرها من النشاطات و الفنون التي كانت عضوية الحركة الإسلامية تعتقد إنها ساحات يحرمها الدين، و أيضا بدأ التنظيم يرسل طلاب للدراسات العليا في كثير من الجامعات الغربية و الولايات المتحدة، و خاصة دراسة الإعلام باعتباره واحد من الأدوات القادرة علي نشر الفكرة، و تغيير الكثير من القناعات، خاصة في الأجيال الجديدة المراهن عليها، و أصبحت اسر الأخوان في الأحياء و الجوامع إضافة لدروس التجويد و علوم القران و الفقه تتدارس في الشأن السياسي و الثقافي و تحليل الأحداث، و كانت تمثل نقلة في طبيعة التفكير، الذي كان جاذبا لمجموعات كبيرة من الشباب.

    و عندما سقط نظام مايو بالانتفاضة الشعبية بعد خلافه مع الحركة الإسلامية، جاءت الديمقراطية الثالثة لكي تقدم الحركة الإسلامية باعتبارها الحزب الثالث، من حيث وجودها داخل البرلمان، و لكن علي الساحة الفكرية و الصراع بين الأفكار كان محصورا بين الحركة الإسلامية و الحزب الشيوعي السودان، علي الرغم من أن حزب الأمة كان يمتلك أكثر من مئة نائب برلمان، يليه الحزب الاتحادي الديمقراطي ب 63 نائبا، و لكن كانا غائبين في ساحة الصراع الفكري، و الدلالة علي ذلك أن الجبهة الإسلامية كانت تقدم نفسها و فكرتها من خلال صحيفتين الراية و ألوان، و الحزب الشيوعي من خلال جريدة الميدان، حيث لا تستطيع أن تجد هذه الصحف بعد العاشرة صباحا في مراكز البيع، الأمر الذي يؤكد عمق المنافسة و انجذاب القوي الجديدة لها.

    كان انقلاب 1989، الذي نفذته الجبهة الإسلامية متوقعا، من خلال المسيرات التي كانت تسيرها تحت مسمي " ثورة المصاحب" و مذكرة الجيش التي كانت ترفض مشاركة الإسلاميين في السلطة، إلي جانب إن الدكتور الترابي لم يكن مهتما بقضية الحرية و الديمقراطية كثيرا، و لم يقدم فيها اجتهادات بقدر ما كان يركز علي الوصول للدولة، باعتبار إنها الوسيلة الفاعلة في تحقيق الأهداف، و كل النقد الذي قدمه الدكتور الترابي لرفضه لعملية الانقلابات العسكرية، و الحديث عن أهمية الحريات، و من ثم دخولها في الخطاب السياسي للدكتور الترابي، قد جاءت بعد المفاصلة كخطاب قومي، أما إن خلاف الدكتور الترابي مع تلاميذه سببه قضية الديمقراطية، هو مردود لأنه كان إشكالا داخليا. لكن السؤال هل إذا لم تكن مذكرة العشرة التي أقصت الدكتور من السلطة قد قدمت، هل كان الدكتور سوف يفرد مساحة لخطابه السياسي لقضية الحرية و الديمقراطية؟ أم سوف تكون ضمن عملية التوالي أي أن يكون هناك حزبا قائدا و قوي سياسية مشاركة معه للديكور، كما هو حاصل الآن في الإنقاذ. إن قضية انقلاب الإنقاذ و تجربتها في الحكم، لا بد أن تفرد لها مقالات نقدية للتجربة منذ الانقلاب حتى المفاصلة و ما بعدها.

    القضية الملفتة للنظر، إن الدكتور الترابي لم يستطيع أن يتجاوز الكارزمة، لكي يعبر للمؤسسة و يجعلها ثمرة إنتاجه الفكري و يبني ما تحتاجه، في أن يعتمد علي توزيع السلطات الذي يؤهل الكثير من العضوية، و يفتح نوافذ لتمرير هواء الحريات و الديمقراطية، باعتبار إن قضية الديمقراطية تمثل كعب أخيل في فكر الدكتور الترابي، أو أن يؤسس مركز للدراسات كما تعمل الأحزاب الحديثة، حتى يستطيع أن يجعل قضية الفكر و التجديد ليس حصريا عليه، بل فضلا مشاعا داخل التنظيم لكل من يملك القدرات التي تؤهله لكي يتقدم في هذا المسار، و هي قضايا تحتاج لدراسة نقدية كل عي حدي. و لنا عودة. و نسأل الله التوفيق.

    أحدث المقالات

  • معركة العُرُّوبة تشتعِّل وتلّتهِب تحت شعار:"نحن فِداءَك يا سلمان" ..!! بقلم كامل كاريزما
  • اكبر مقالب الخرطوم (قوات التدخل السريع)!!! بقلم فيصل الدابي/المحامي
  • الملكية الأردنية تمارس العنصرية والظلم ضد السودانيين( 1 من 10)
  • نريد جمعيات ومنظمات مجتمع مدني فى مختلف أرجاء البلاد تشارك فى محاربة الفقر بقلم د. حسين نابري
  • وهم التدخل البري في سوريا.. الاسباب والمعوقات والتداعيات بقلم حمد جاسم محمد/مركز الفرات للتنمية وال
  • الى عيدروس الزبيدي والحراك الجنوبي - عدن والجنوب بحاجه الى ثلاثة أشياء عاجلة
  • احتمالات التدخل العسكري التركي في سوريا: رؤية مستقبلية بقلم د. محمد ياس خضير/مركز المستقبل للدراسات
  • الحملة الدبلوماسية لنظام البشير لم تحميه بقلم محمد عبدالله ابراهيم
  • فرص عمل جديدة بالخليج للسودانيين! بقلم فيصل الدابي/المحامي
  • الاسباب التي دعتي للمشاركة في الحوار و الذهاب الى السودان .. الواو الضكر ... !!
  • الحركة الأسلاموية....طرائق التفكير ورغائب التدبير بقلم مجتبى سعيد عرمان
  • تفكّك ديمقراطيّة تركيــا بقلم ألون بن مئيـــر
  • محمد عثمان كلشلش الى رحاب الله بقلم حسن البدرى حسن
  • جيروزاليم بوست:- جميع الأنظمة العربية تتواصل مع إسرائيل! بقلم عثمان محمد حسن
  • رسالة للقضاء والصحافة فى السودان فى التشبّه بالكرام ! بقلم فيصل الباقر
  • إنّه "التّفنِيش" يا حبّة..!! بقلم عبد الله الشيخ
  • أمنحوا سلفا فرصة..!! بقلم عبد الباقى الظافر
  • ليتني أعرف ! بقلم صلاح الدين عووضة

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-03-2016, 08:51 AM

jini
<ajini
تاريخ التسجيل: 04-02-2002
مجموع المشاركات: 30442

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الدكتور الترابي التاريخ و الفكرة بقلم زين (Re: زين العابدين صالح عبد الرحمن)

    عندما نال السودان استقلاله في مطلع عام 1956 كان حسن عبد الله الترابي في الرابعة والعشرين من عمره ومن المستبعد أن يكون قد خطر بذهنه حينها أن دوره السياسي في التاريخ الحديث لبلده سيبزّ الدور السياسي لآباء الاستقلال. إلا أن الترابي عاش وتفرّغ للعمل السياسي ليصبح عند لحظة موته السياسي المعاصر الذي ترك أعمق البصمات على واقع السودان حتى الآن وليمسّ تأثيرُ رؤيته وسياساته ورؤيةُ حركته الإسلامية وسياساتها كلَّ مواطن سوداني اليوم سواء كان هذا المواطن يعيش في السودان أم في المهاجر والمنافي.

    ظهر الترابي أول ما ظهر كواحد من شهب سماء ثورة أكتوبر الشعبية، أعظم حدث في تاريخ السودان المعاصر بعد حدث الاستقلال. ولقد قدّرت شريحة المتعلمين دوره في أكتوبر وكافأته عليه إذ نال أكبر عدد من الأصوات في دوائر الخريجين في انتخابات عام 1965 رغم تعاطف وانحياز غالبية الخريجين لليسار الذي نال مرشحوه نحو 70% من المقاعد (كان من الواضح أن التصويت للترابي لم يكن له علاقة البتة ببرنامجه الإسلامي لأن المرشح الإسلامي الثاني الذي فاز، محمد يوسف محمد، أتى في ذيل القائمة).

    وفي الفترة ما بين ثورة أكتوبر وقيام انقلاب نميري في مايو 1969 نجح الترابي في ترسيخ قيادته للحركة الإسلامية، وهي قيادة تميّزت منذ البداية باستقلالها السياسي عن حركة الإخوان المسلمين الأم في مصر، رغم أن الحركة الإسلامية السودانية ظلّت إلى حد كبير، وحتى الآن، تقتات على الزاد الفكري للحركة المصرية وتعتمد عليه. واستطاعت الحركة تحت زعامة الترابي الحركية والبراغماتية أن تصبح المقابل الموضوعي للحزب الشيوعي السوداني، فإن كان الحزب الشيوعي، رغم محدودية عدد عضويته، قد نجح أن يصبح القوة الأساسية المهيمنة وسط قوى اليسار السوداني بل ووجه هذا اليسار (وهو وضع لا يزال مستمرا رغم الضربات والقهر الذي تعرّض له الحزب الشيوعي)، فإن الحركة الإسلامية التي قادها الترابي، رغم قلّة عددها، ما لبثت أن أصبحت القوة الأساسية المهيمنة وسط القوى الإسلامية بل ووجه الحركة الإسلامية السودانية.

    وبعد عام من انفجار ثورة أكتوبر نجحت حركة الترابي في تصدّر وقيادة حملة حلّ الحزب الشيوعي بدعوى أنه حزب يروّج للإلحاد وهي حملة انتهت بسرعة بحلّ الحزب الشيوعي وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية في نوفمبر 1965. كان حلّ الحزب الشيوعي لحظة فاصلة في تاريخ السودان المعاصر أذ أنه كان بمثابة اللحظة التي حُقنت فيها السياسة السودانية بالسُّمّ الذي ظل يسري في أوصالها حتى اليوم ونعني به سُمّ الدين عندما يصبح جزءا من السياسة. صحيح أن المؤسسة الطائفية المتمثلة في السيدين الكبيرين عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني ظلت موجودة وفاعلة منذ فترة الحكم الاستعماري ولعبت دورا هاما أثناء فترة الكفاح من أجل الاستقلال، إلا أن الحركتين السياسيتين اللتين ارتبطتا بالسيدين (حزب الأمة والحركة الاتحادية) كانتا عمليا حركتين علمانيتين لم تستند برامجهما على الدعوة لدستور إسلامي أو تطبيق للشريعة (رغم المرجعية والسلطة الدينية للسيدين، خاصة في حالة السيد عبد الرحمن المهدي الذي قاد والده المهدي ثورة وطنية إسلامية فرضت أحكام الشريعة فرضا على السودانيين). وهكذا لم تنجح الحركة الإسلامية في تحقيق هدفها المباشر بحلّ الحزب الشيوعي فحسب وإنما نجحت أيضا في فرض خطاب وضع الإسلام في قلب السياسة السودانية وجرّت الحزبين الكبيرين من أنفهما لمواقعها، وهو تحوّل رسّخه صعود زعامة الصادق المهدي، ذي التوجهات الإسلامية القوية القريبة من فكر الإخوان المسلمين. ومن حينها أضحى هناك تحالف استراتيجي بين الحركة الإسلامية وحزب الأمة، وهو تحالف امتدّ خطابه ليشمل الاتحاديين ويكتسب بذلك سمة ما يطلق عليه الخطاب الإسلامي "وحدة أهل القبلة".

    كان من الطبيعي أن يدافع الترابي عن حلّ الحزب الشيوعي ليس فقط بمنطق الإسلام وإنما أيضا بمنطق علماني يتحدث عن "دستورية" الحلّ. وكان دفاعه نموذجا محزنا للأكاديمي والقانوني عندما يسقط ويدافع عن القهر الفكري وحجر حرية التعبير على الآخرين، وهو سقوط وضع المفكر والسياسي الإسلامي محمود محمد طه إصبعه عليه عندما كتب: "ويمكن ... أن يقال إن الدستور هو "حق حرية الرأي" وأن كل مواد الدستور الأخرى، بل وكل مواد القانون، موجودة في هذه العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة ... [إن] الدستور ... موجود بالجرثومة في الحقّ الأساسي – حق حرية الرأي – وما الجمعية التأسيسية إلا الظرف المناسب الذي يجعل شجرة الدستور، بفروعها، وعروقها، وساقها تنطلق من تلك البذرة الصغيرة." (زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان الثقافة الغربية والإسلام، أم درمان: 1968، ص 13-14) لم يكن الترابي مشغولا بهذه القضية الكبرى وهي لم تشغله باقي حياته، بل ولم تشغل الحركة الإسلامية التي أصبحت منذ تلك اللحظة أكبر خطر على الديمقراطية السودانية وعلى الحريات على كل المستويات.

    2

    وعندما قام العقيد جعفر نميري ورفاقه من "الضباط الأحرار" بانقلابهم في مايو 1969 كانت كل الدلائل تشير إلى ما يشبه استئصال المشروع الإسلامي، فهذا انقلاب علماني يساري معادٍ لكل ما يمثله البرنامج الإسلامي وعلى استعداد لدخول مواجهة مسلحة مع قوى اليمين حتى ولو استدعى الأمر حصد حياة الآلاف كما حدث في الجزيرة أبا في مارس 1970. إلا أن السُّمّ الذي أطلقته الحركة الإسلامية أثبت مضاءه وأثره الباقي والبعيد وانتهى الأمر بنظام مايو بتبني الطرح الإسلامي ليصبح أول نظام بعد الاستقلال يفرض تطبيق عقوبات الحدود ويدشّن بتطبيقها أسوأ فترة لعنف الشريعة القضائي في التاريخ المعاصر للسودان.

    استفاد الترابي من فترة اعتقاله في ظل نظام نميري وكانت فترة ذاخرة بالإطلاع والتثقيف الإسلامي إذ أن تكوينه الثقافي قبلها لم يكن يختلف عن تكوين معاصريه الذين نشأوا في ظل النظام التعليمي للاستعمار. صحيح أن عمل والده كقاض شرعي وخلفية أسرته الدينية ربما تكون قد أعطته ميزة إضافية، إلا أن تعليمه النظامي كان تعليما علمانيا وتخصصه الأكاديمي في دراسته الجامعية وفوق الجامعية كان تخصصا علمانيا. وهو بهذا التكوين التعليمي والتخصصي لم يكن يختلف عن الكثير من زعماء حركة الإخوان المسلمين. إلا أنه لابد أن يكون قد أدرك أن عنصر الثقافة الدينية والخوض في أمور الدين بدراية العالم شرط أساسي لمصداقيته السياسية كقائد لحركة إسلامية. هذه هي الفترة التي عكف فيها الترابي على إعادة صياغة نفسه وصورته ليصبح "مفكر" الحركة أيضا الذي يرسم حاضرها ومستقبلها.

    عندما خرج الترابي من المعتقل عقب توقيع اتفاقية ما عرف بالمصالحة الوطنية كانت الرؤية واضحة في ذهنه بشأن ما يجب أن تفعله حركته للوصول للسلطة: التمكين المالي واختراق الجيش بالإضافة لتأهيل كوادر الحركة الإسلامية والتغلغل في أجهزة النظام والانتشار وسط قطاع الطلاب والشباب والقطاعات الجماهيرية. وتلقت الحركة الإسلامية دفعة من حيث لا تحتسب عندما انتصرت الثورة الإيرانية في مطلع عام 1979، وبدلا من أن يحلّ وضع ديمقراطي محل الشاه جاء الخميني وتحولت الثورة إلى ثورة "إسلامية". ورغم الطبيعة الشيعية للنظام إلا أن قيامه رفع معنويات الإسلاميين في كل أرجاء العالم الإسلامي وزاد من ثقتهم.

    وتعزّزت ثقة الحركة الإسلامية عندما فرض نميري قوانين الحدود والقِصاص في سبتمبر 1983 والتي لم يجد السودانيون على يديها "سوى السيف والسوط"، كما عبّر بيان الحركة الجمهورية في ديسمبر 1984. تحمّس الترابي – الذي بايع النميري كإمام – لقوانين سبتمبر وساندها ودعمها هو وحركته بكل إمكانياتهم. وفي قمة حمّى تطبيق "شرع الله" فقد العشرات من فقراء المواطنين أيديهم أو أيديهم وأرجلهم تطبيقا لحدّ السرقة وتعرض عدد كبير من المواطنين لإهانة الجلد العلني تطبيقا لحد السُّكر أو مخالفات أخرى. وفوق كل ذلك، كانت الشريعة وسيلة فعّالة لتصفية خصم كانت الحركة الإسلامية وراءه لعقود وهو الشيخ المجدِّد محمود محمد طه. اُتهم طه بالردة – التي لم تكن مادة من مواد قوانين سبتمبر – وأُعدم في حفل إعدام علني، وهو إعدام حشدت له الحركة الإسلامية عضويتها الذين خرجوا وهم يهللون ويكبّرون. وكان تطبيق عقوبات الشريعة بقسوتها ولاإنسانيتها وإهانتها للكرامة بداية العدّ التنازلي لنظام نميري.

    وفي هذا الظرف العصيب وجو الإدانة العالمية استبشاعا لعقوبات الشريعة ولإعدام طه انقلب النميري فجأة، وهو يستعد للذهاب لأمريكا لمقابلة رونالد ريقان، على الحركة الإسلامية ووجد الترابي وأتباعُه أنفسَهم في السجن بين عشية وضحاها. وربما كانت هذه الخطوة تسكينا للرأى العام الداخلي والعالمي عقب فشل تجربة الشريعة، وربما كانت تدبيرا استباقيا لانقلاب كان يعدّه الإسلاميون الذين ربما أحسّوا أن الظرف قد نَضِج وأن اللحظة قد أزِفَت وآن اقتطاف ثمرة السلطة. وكان هذ هو الظرف التي انفجرت فيه انتفاضة مارس/أبريل 1985، وقد كان توقيتها من حسن طالع الحركة الإسلامية التي ربما كانت على وشك أن تتعرض لضربة شبيهة بالضربة التي تعرّض لها الشيوعيون عقب انقلاب 19 يوليو 1971 الفاشل.

    3

    تميّزت فترة الديمقراطية الثالثة من أبريل 1985 إلى يونيو 1989 بشلل شبه تام وعدم قدرة على حسم أهم وأخطر مسألة وهي إيقاف الحرب الأهلية والوصول لاتفاق سلام، وكان ذلك بسبب دور الحركة الإسلامية التحريضي والرافض للسلام وتردّد الصادق المهدي المتحالف معها والواقع دوما تحت تأثيرها. ولقد استطاعت الحركة الإسلامية أن تلعب هذا الدور بفعالية لأنها أضحت ذات قوة مالية وتنظيمية وإعلامية غير مسبوقة وتعاظمت قدرتها على ابتزاز الحزبين الكبيرين. وعندما انقلب الترابي وحركته على الديمقراطية في ليلة الثلاثين من يونيو 1989 كانت الحركة قد أعدّت عدّتها كاملة لإدخال السودان في أسوأ كابوس في تاريخه المعاصر --- كابوس العيش في ظل نظام يجمع أسوأ استبدادين: استبداد الحكم العسكري واستبداد الدولة الدينية.

    هذا الكابوس لم ينته بموت الترابي بالطبع وسيتواصل طالما ظلت الحركة الإسلامية في السلطة.

    ولكن ماذا عن تقييم الترابي نفسه وتقييم ميراثه؟

    أن هذا التقييم في غاية الأهمية للسودانيين (وفي تقديرنا للمسلمين في العالمين العربي والإسلامي) لأنه يتعلق بتقييم الحركة الإسلامية ودورها في حياتهم، بل ويتعلق في نهاية المطاف بالإسلام نفسه ودوره في حياتهم.

    4

    من الطبيعي أن يفخر الإسلاميون بالترابي لأنه كان صاحب التفكير الاستراتيجي والعزيمة السياسية الحديدية والكفاءة العالية التي نقلتهم من دائرة تنظيم محدود العدد والتأثير إلى حركة سياسية مؤثرة استطاعت انتزاع السلطة والاحتفاظ بها لما يزيد عن ربع قرن.

    وقياسا على ما حققه الترابي ربما اُعتبر في نظر الكثيرين "ناجحا" بميزان السياسة. كان الترابي كسياسي "ميكافيليا" لا تهمّه إلا غاياته وعلى استعداد لاستخدام كل الوسائل لتحقيقها. وككل سياسي "ميكافيلي" لم يكن الترابي صادقا. وفي واقع الأمر فإن عدم صدقه يجب ألا يثير الاستغراب في حالته (أو حالة أي سياسي إسلامي) لأنه كان يعلم بلا شك من قراءته للسيرة أن محمدا أباح لأصحابه الكذب على أعدائه. ولقد نجح الترابي أن يصوغ حركته وقيادتها على صورته فأصبحت حركة "ميكافيلية" بامتياز. ولكننا لا نعتبر الترابي سياسيا ناجحا حتى بمقاييس "ميكافيليته". فميكافيليته جعلته ينقلب على الشرعية الديمقراطية الدستورية ويستعين بالجيش ليصل للسلطة ويفرض شرعية جديدة هي شرعية البندقية والعنف، ثم يتوقع بعد ذلك (كما توقّع عبد الله خليل قبله) أن رأس النظام العسكري سيسلّمه السلطة لقمة سائغة. والترابي في هذا لم يكن "ذكيا" أو "حكيما" وإنما كان "نرجسيا" اعتقد أن ما ينطبق على الآخرين لا ينطبق عليه. والترابي لم يتعلّم من دروس التاريخ وعِبره عندما عجز أن يرى ما سيفعله به أقرب تلاميذه الذين صاغهم وعجنهم بيديه إذ هجروه عندما واجهوا الخيار بين "القوي" و"الأقوى" فانحازوا للأقوى وأثبتوا بذلك نجاحهم الفائق في تطبيق ما لقّنهم إياه شيخهم ودرّبهم عليه. وإن شئت أن تلمس "نرجسية" الترابي وعدم "ذكائه" وعدم "حكمته" فإنك تلمسها في تصريحه في مايو 2011 بعد إطلاق سراحه عقب اعتقال دام مائة يوم عندما احتجّ قائلا إنه اُعتقل من دون أن توجّه له أي تهمة --- يقول رجل القانون والسياسي الذي انقلب على الضمانات الدستورية وداس على حكم القانون هذا الكلام وكأنه يعيش خارج الكابوس الذي صنعه.

    ولأن الترابي صاغ الحركة الإسلامية على صورته كما أشرنا أعلاه فإنها أصبحت حركة ذات أفق قانوني محدود وبذا أصبحت إلى حد بعيد حركة "ذات قضية واحدة" هي قضية الشريعة وتطبيقها. وافتقدت الحركة أي "ضمير اجتماعي" وأي تعاطف مع الفقراء والمسحوقين والمهمشين وأصبح صوتها، وهي تواجه اليسار خاصة، صوت الدفاع عن الرأسمالية والمِلْكية الخاصة. ويبلغ هذا الصوت قمته في الدفاع عن العقوبة القرآنية لقطع يد السارق والسارقة، وهكذا يكتب الترابي في تفسيره للآية 38:5 (المائدة): " ... فهذا القطع إنما يقع جزاء بما كسب سارق أو سارقة، ونكالا يعتبر به ويتعظ وينكل عن العود لمثله من تسول له نفسه مثل ذلك الجرم من مدّ يده لنزع حق غيره تعديا على حرمة حرزه الخاص مستوليا على ما يبلغ نصابا بينته السنة قدرا معروفا ليقدّر من بعد منسوبا مقارنا لمختلف مستويات مبلغ المعاش الخالف. والله عزيز أنزل هذه العقوبة وكتبها على الناس فهو لا يقبل ظلم عباده وترويعهم وسرقة ثمرة عملهم وكسبهم الخالص، وحكيم بما نزل هذه العقوبة جزاء على جريمة السرقة ردعا لظاهرة العدوان على أحرازهم الآمنة وأموالهم المحفوظة." (التفسير التوحيدي، بيروت: 2004، الجزء 1، ص 505). وليس هذا معرض مناقشة تفاصيل عقوبة القطع أو غيرها من عقوبات الشريعة ولكنه معرض الإشارة إلى أن أفق ما يكتبه الترابي في دفاعه عن القطع وتبريره لا يتجاوز أفق كتب التفسير القديمة وأفق حجج الفقهاء في العصور السابقة.

    هذا الموقف الفقهي المدافع عن الشريعة، وعن الحدود خاصة، والذي لا يقبل المراجعة والنقاش هو ما طبع موقف الترابي وحركته وأدّى لأكبر انتكاسة تشريعية في تاريخ السودان الحديث عندما فُرضت قوانين سبتمبر 1983. وقد اكتملت هذه الانتكاسة على يد الترابي عندما أصدر نظام يونيو العسكري الإسلامي قانونه الجنائي عام 1991 والذي يحوي المادة 126 التي تسلب المواطن السوداني المسلم من حريته الفكرية والدينية وتعتبر الخروج من الإسلام "ردّة" يُعاقب عليها بالقتل (لا ينطبق هذا على المواطن السوداني الذي يترك دينا آخر ويعتنق الإسلام). وفي واقع الأمر فإن مادة الردّة هذه هي إضافة الترابي الأساسية للقوانين السودانية وبصمته القانونية التي تركها.

    5

    لم يختلف انقلاب الإسلاميين عن أي انقلاب سبقه من حيث أنه أعلن صبيحة انتزاعه للسلطة تعليق الدستور وحلّ البرلمان المنتخب وحل الأحزاب السياسية. إلا أن الانقلاب اختلف عما سبقه في أنه أتى وهو يحمل رؤية شمولية "توحيدية" مصممة على إعادة صياغة السودان صياغة جديدة تزيل وتمحو تنوعه الديني والثقافي ليصبح التجسيد الأعلى "للمشروع الإسلامي" أو ما أطلق عليه النظام من باب التَّقِيّة السياسية "المشروع الحضاري". كان من الواضح للترابي أن حلمه الكبير قد بدأ بانتزاع السلطة بالعنف وأنه لا يستطيع ترسيخ أقدامه إلا بالإقصاء والعنف. وهكذا وفي الأسابيع الأولى فصل النظام وشرّد من القوات النظامية والخدمة المدنية ما يساوي أو يفوق عدد من شرّدهم نظام نميري على مدى أعوامه الستة عشر. وقفزت ومنذ شهور النظام الأولى "بيوت الأشباح" ليجد المئات من المتهمين بمعارضة النظام أنفسهم وهم يخضعون لأقسى أنواع التعذيب.

    والسودان لم يشهد في حياته السياسية تعذيبا مثل الذي شهده منذ صعود الترابي وحركته للسلطة. أبرز الترابي قسوة لم تبرز عند أي سياسي سوداني آخر منذ الاستقلال ورأى في ذلك "بأسا" يمهّد "لتمكين" الحركة الإسلامية ويرسّخه. ولقد قلنا أعلاه إن عدم الصدق في حالة الترابي يجب ألا يثير استغرابنا لأن "خداع العدو" له فقهه الإسلامي المستند على النموذج النبوي، ونضيف هنا أن القسوة التي تصل حد التعذيب والقتل يجب ألا تثير استغرابنا أيضا إذ أنها تستند على لاهوت يصوّر الإله كإله معذّب يخاطب المؤمنين قائلا "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم" وتستند على سابقة نبوية في التعذيب والقتل. وهكذا استباح الإسلاميون أجساد معارضيهم ضربا وتنكيلا وتعذيبا واغتصابا وإزهاقا للحياة.

    وكان من الطبيعي أن تمتدّ هذه الاستباحة للجنوب الذي مثّل التحدي المباشر للحركة الإسلامية. ورأت الحركة في تحدي الجنوب تحديا آخر أكبر هو تحدي إفريقيا التي يصطرع على روحها الدينان التبشيريان الكبيران: المسيحية والإسلام (وهما دينان ينظران للثقافة الأفريقية بتعالٍ ولا يعترفان بأن أفريقيا لها تراثها الديني والروحي القديم الذي يجب أن يحترمانه). ورغم أن الحرب الأهلية بين الجنوب والشمال انفجرت عشية الاستقلال إلا أن انتزاع الإسلاميين للسلطة عنى تحولا حاسما في أوضاعها. فبينما أن الوصول لحلّ مع الاحتفاظ بوحدة السودان كان احتمالا واردا في ظل كل الأنظمة السابقة، إلا أن هذا الخيار لم يعد قائما تحت ظل نظام الإسلاميين. كان موقف الترابي وحركته بشأن التمييز ضد غير المسلمين وحرمانهم من حقوقهم الدستورية واضحا منذ عام 1968 عندما تمت مناقشة الدستور الإسلامي في جلسات اللجنة القومية للدستور حيث واجهه الأب فيليب غبّوش – رئيس اتحاد عام جبال النوبة – وسأله عما إن كان من الممكن لغير المسلم أن يكون رئيسا للدولة وأجاب الترابي بالنفي القاطع. ولقد كانت هذه اللحظة من اللحظات النادرة التي كان الترابي صادقا فيها (وهو صدق انتزعه غبّوش انتزاعا). وصدقُ الترابي هذا في الموقف من غير المسلمين ترجمته فيما بعد سياستهم تجاه الجنوب بعد انقلابهم.

    كانت حرب الجنوب وضرورة دحر الحركة الشعبية هي أولوية نظام يونيو العسكري الإسلامي. وحوّل الإسلاميون حرب الجنوب لحرب دينية جهادية ودفعوا، لأول مرة في تاريخ الحرب الأهلية، بالمدنيين لأتون جهادهم. لم يكن أمام هذه الحرب الجهادية إلا خيار أن تنتصر فيفرض الإسلاميون إرادتهم أو تنهزم فينال الجنوبيون حريتهم. وبعد أن فقد السودانيون من جنوبيين وشماليين عددا لا يحصى من الضحايا وأدرك النظام عجز جهاده وعبثه كان لابد له من القبول في نهاية الأمر بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم. وعندما أُتيحت للجنوبيين الفرصة، لأول مرة في تاريخهم، لتقرير مصيرهم واختيار مستقبلهم كان من الطبيعي أن يختاروا الانعتاق من أسر الشمال واستعلائه واضطهاده وصوّتوا بإجماع مذهل لاستقلالهم.

    6

    وإن نجح الجنوبيون في الانعتاق من أسر الإسلام الذي يميّز ضد غير المسلمين فإن هناك وضعا موازيا لذلك رسّخته هيمنة الإسلاميين وسلطتهم ولم ينجح ضحاياه حتى الآن في الانعتاق منه، ونعني به وضع المرأة التي تعاني من تمييز الشريعة وحرمانها من حقّ المساواة. ولقد انتبه الترابي، بحكم تعليمه العلماني والفترة التي قضاها في الغرب، لأهمية قضية المرأة وأطلق بعض التصريحات التي توحي بمواقف مراجعة وإصلاح للشريعة. إلا أن هذه التصريحات يجب أن تُقرأ في إطار القراءة العامة للترابي كشخص تحرّكه في المقام الأول مقتضيات السياسة ويطلق التصريحات وعينه دائما على الكسب السياسي. إن الموقف الحقيقي للترابي وحركته تبرزه القوانين التي انحازوا لها وهم قد انحازوا لكل مظاهر التفرقة والتمييز ضد المرأة في الشريعة. ومن أخطر انحيازات الترابي انحيازه للعنف ضد المرأة. دعنا نقرأ تفسيره للآية 34:4 (النساء) التي تبيح للرجل ضرب زوجته "الناشزة". يقول الترابي: "واللاتي يسلكن نحو النشاز شذوذا وخروجا على القوامة والقنوت وحفظ الأمانة سلوكا يؤدي لذلك بما يرجح عند تقدير رقابة المؤمنين حول الأسرة وخوفهم، والخطاب ليس إلى الأزواج بل هو إلى المؤمنين وأولياء الأمور الخاصة في مجتمعهم عامة خطابا موصولا عبر الآيات السابقة، فأولاء الناشزات جزاؤهن الواقي الوافي درجات من التعامل من المؤمنين حولهن توافق درجات النشوز وأنماطه. فالنشوز المحدود قد يجدي معه الوعظ، والوعظ قد يكون من الزوج خاصة عند نشوز في الحياة المستورة للأسرة، وقد يكون أيضا من ذوي القربى أو الجيرة أو الصحبة للأسرة إذا بدا النشوز، والهجر في المضاجع جزاء للنشوز موكول للزوج فعلا فبينه وبينها فراش الزوجية لكن الناشز لن يجاب لها عندئذ قضاءً طلب الطلاق بسبب الهجر. أما ضرب الناشزات لمدى أبلغ من النشوز فتبين السنة أنه مكروه وإن وقع الضرب غير مبرح فلا حجة فيه للتقاضي المشهور إذ حياة الزوجية مهما تقع فيها مشادة غير بالغة خيرها الستر بابتلاءاتها. أما النشوز الذي يبلغ الفاحشة فإن العقاب يقع ضربا وجلدا قد يباشره طرف من الأسرة سترا لأمرها أو إذا بانت الفاحشة بالشهادة يتولاها المجتمع قضاءً، فمجتمع الذين آمنوا هو المخاطب بهدي الآية ... " (التفسير التوحيدي، بيروت: 2004، الجزء 1، ص 369-370). وهكذا فإن الترابي، رجل القانون، لا ينحاز فحسب لضرب المرأة وإنما يجرّدها أيضا من حقها في اللجوء للقضاء بدعوى ضرورة الستر.

    ومن أبشع ما يمثّل العنف ضد المرأة تحت ظل رؤية الترابي وحركته مقطع الفيديو الذي صُور عام 2010 لجلد فتاة في ساحة عامة وهي تصرخ وتحاول حماية نفسها بينما يلاحقها سوط الجلاّد. هذا هو "القضاء الاجتماعي" الذي يُنَظِّر له الترابي عندما "يهتدي" مجتمع المؤمنين "بهدي" آية النشوز. ولحظة جلد هذه الفتاة التي انحفرت في الذاكرة الصورية للسودانيين كانت بلا شك من أكثر اللحظات التي هزّتهم بهمجيتها. ولكن ماذا عما أعقب هذه اللحظة؟ ماذا عن الثمن النفسي والاجتماعي الذي دفعته هذه الفتاة ودفعته أسرتها؟ هذا السؤال من نوع الأسئلة الذي لا تهمّ الترابي وحركته لأن همهم "كمؤمنين" ورسالتهم للسودانيين والعالم على مستوى القانون الجنائي هي بعث الشريعة وتحقيق "النكال" القرآني.

    7

    حاول الترابي واجتهد ما وسعه الاجتهاد أن يطرح نفسه كمفكر. ولا شك أنه كان يملك الإمكانيات التي كان من الممكن أن تجعله مفكّرا إلا أنه لم يكن يملك المؤهل الأولي للدخول لعالم الفكر ونعني به الإيمان بحرية الفكر والتعبير. إن من لا يؤمن بحرية الفكر والتعبير لا يمكن أن يكون مفكّرا بالمعنى الحقيقي للمفكّر. لا شك أن الترابي سمع بمقالة فولتير الشهيرة: "لا أوافق على ما تقول ولكنني سأدافع حتى الموت عن حقّك في أن تقوله"، إلا أنها على ما يبدو لم تحرّك فيه ساكنا؛ فالترابي كإسلامي لم يكن متعاطفا أصلا مع قيمة استنارية كهذه. وهذا الرفض لقيمة حرية الفكر والتعبير ليس سببا في أزمة الفكر الإسلامي الحركي فحسب وإنما أيضا في أزمة الإسلام نفسه كدين.

    إن ما قدّمه الترابي كمشروع فكري لا يمكن أن يؤخذ مأخذ الجدّ الفكري إذ أن الترابي كان سياسيا أولا وأخيرا. إن دخوله عالم الفكر (وينطبق هذا على تلاميذه) هو مجرد استغلال لخطاب الفكر بقصد تمكين المشروع الإسلامي وإكسابه مسحة مصداقية فكرية. ولا نعني بقولنا هذا الانتقاص من قيمة كلّ سياسي ولا نعني به أن السياسي لا يستطيع أن يكون مفكرا ولا نعني به الانتقاص من قيمة كل فعل سياسي. قولنا موجّه ضد نوع معين من السياسيين وضد نوع معين من أنواع الفعل السياسي، ونعني به السياسيين الذين لا يدخلون السياسة من باب الخدمة العامة التي تُشاد على الحقوق الدستورية للمواطنين وإنما من باب التسلّط المناقض للمصلحة العامة والمنتهك للحقوق الدستورية. والفعل السياسي لهؤلاء السياسيين يصبح تدميرا منظّما لمجتمعاتهم.

    والترابي في تقديرنا من النوع الثاني من السياسيين إذ لم يكن ديمقراطيا وإنما كان متسلطا، وهو في تسلطه استخدم قهر الدين وإرهابه الفكري واستعان بقهر المؤسسة العسكرية وقدرتها المدرّبة على القمع. إلا أنه تفوّق على من سبقوه في قهر السودانيين بأن أنشأ هو وحركته أقوى جهاز أمني وأكثرها استباحة لحقوق الإنسان وأسوأها سِجِلّا في تعذيبهم وامتهان كرامتهم ونشر الرعب والخوف بينهم.

    8

    مات الترابي بعد أن سلب السودانيين حريتهم الفكرية والسياسية وحقهم في التعبير والتنظيم وحقهم في انتخاب ممثليهم وبرلمانهم الحر.

    مات الترابي وقد سلب مواطنيه من دستورهم وضماناته ومن حماية حكم القانون ليصبحوا خاضعين لسطوة جهاز أمن حركته وعسفه.

    مات الترابي وقد أضحت السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية مسخا في أيدي الإسلاميين وأضحى مجموع جهاز الدولة مطية لتحقيق مصالح الطبقة الجديدة لمنسوبي حركته وإشباع شرههم في ظل نظام اقتصادي رأسمالي منفلت ومتوحش وغارق في فساد غير مسبوق.

    مات الترابي والسودانيون يعيشون في ظلّ سيف الحدود الذي رفعه وتهددهم أقسى العقوبات وأكثرها إهانة لكرامتهم الإنسانية من رجم ومن قطع للأيدي أو قطع من خلاف للأيدي والأرجل ومن جلد ومن انتكاس لقوانين الانتقام والتشفي القائمة على مبدأ العين بالعين.

    مات الترابي وقد فاقم مشروعُه وضعَ المرأة كمواطن من الدرجة الثانية ولعبت حركته دورا محسوسا في تردي قيم المجتمع السوداني وانحطاط موقفه من المرأة.

    مات الترابي وقد ترك بلدا منكمشا بعد أن يئس ثلث سكانه من العيش في وطن يتساوى مواطنوه وخاصة في ظلّ مشروعه ومشروع حركته فقرروا الاستقلال.

    مات الترابي ودولة مشروعه تحاكي دولة المدينة عندما انقلب أصحاب محمد ووجهوا عنف الإسلام على بعضهم بعد أن قضوا على المشركين، وهاهو نظام الحركة الإسلامية يعيث وسط مسلمي الشمال تقتيلا وسلبا واغتصابا للنساء في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.

    مات الترابي والغالبية الساحقة من مواطني السودان تعاني من فقر وإدقاع غير مسبوق في ظل انهيار وتردٍّ على كل المستويات وفجوة تتسع كل الوقت اتساعا مريعا بين الذين لا يملكون والذين يملكون.

    مات الترابي وقد نجح نظامه في قتل أكبر عدد من السودانيين (وهو قتل لا يزال مستمرا) وفي تشريد

    أكبر عدد منهم (وهو تشريد لا يزال مستمرا).

    مات الترابي بعد أن حوّلت حركتُه السودانَ لبلد من أكثر البلاد انحطاطا في كل مؤشرات التنمية العالمية وأضحى بلدا تابعا فاقدا لسيادته وكرامته يتسوّل المال ببيع دماء مواطنيه.

    9

    من المؤكد أنه لم يخطر ببال الترابي وهو في عمر الرابعة والعشرين ووطنه يستقبل استقلاله بابتهاج وفرح ويَحْلُم بأنه سيكون بلدا ديمقراطيا ناميا ومتقدما (و"علما بين الأمم") بأنه عندما يموت في عمر الرابعة والثمانين سيكون قد ساهم أكبر مساهمة في العمل على تدمير حُلْم بلده وإيصاله لبؤس غير مسبوق وهو يحاول أن يبعث حُلْما آخر ينتمي للقرن السابع الميلادي.

    إلا أن حُلم الترابي وحركته لم يكن أصلا حُلم الاستقلال ولا يمكن أن يكون حُلم السودانيين للمستقبل. ولعل أبلغ درس وعاه السودانيون على ضوء ابتلائهم بالترابي وحركته هو أن الإسلام ليس بحلّ لمشاكلهم وأن حلّ مشاكلهم يبدأ بالعودة لتحكيم الديمقراطية التي ستتيح لهم الجو الصحي لمناقشة مشاكلهم والبحث عن حلولها اعتمادا على عقولهم وعلى أرفع القيم وعلى احتياجاتهم وإرادتهم وليس استنادا على رؤية تدعي هبوطها من السماء.

    للحصول على نسخة بي دي اف من هذا المقال يمكنكم الاتصال بـ

    mailto:mailto:[email protected]@criticalcentre.orgmailto:[email protected]@criticalcentre.org

    محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان

    [email protected]

                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de