التأميم والمصادرة: الثورة تُرَاجِعْ ولا تَتَراجَعْ - إلغاء مصطلح الرأسمالية الوطنية من قاموس مايو!

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
التحالف الديمقراطي بمنطقة ديلمارفا يدعوكم لحضور احتفاله بالذكري 54 لثورة اكتوبر
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 18-10-2018, 10:05 PM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
29-05-2016, 02:19 PM

عبدالله محمد سليمان
<aعبدالله محمد سليمان
تاريخ التسجيل: 13-01-2014
مجموع المشاركات: 28

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


التأميم والمصادرة: الثورة تُرَاجِعْ ولا تَتَراجَعْ - إلغاء مصطلح الرأسمالية الوطنية من قاموس مايو!

    02:19 PM May, 29 2016

    سودانيز اون لاين
    عبدالله محمد سليمان-
    مكتبتى
    رابط مختصر




    المقالة العاشرة: استدراج القطاع الخاص للنميري لإعادة المؤسسات المصادرة.
    قالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: إن فَسَادَ القَلْبِ بِالضَغَائِن دَاءٌ عُضَال، ومَا أسْرَعَ أنْ يَتَسَرَبَ الإيِمَانُ مِنْ القَلْبِ المَغْشُوشْ كَمَا يَتَسَرَب السَائِلُ مِنْ الإنَاءِ المَثْلُومْ!
    التمهيد للتراجع:
    يذكر السودانيون مقولة "الثورة تُرَاجِع ولا تَتَرَاجَعْ" التي راجت حين بدأت مايو النكوص عن بعض قراراتها المرتجلة. والشاهد أن ثورة مايو تراجعت عن قرارات المصادرة بأسرع مما كان متصورا حين بدأت تدرك نتائجها الكارثية على الاقتصاد السوداني. وعلى كل حال لو أن النميري تمثل خطى عبد الناصر الذي أعلن مسئوليته أمام الله والناس عن نكسة عام 1967م في حربه مع إسرائيل وتنحي عن كل مناصبه حتى خرجت الجماهير في كل البلاد العربية تطالبه بالعودة، ولو أنه حذا حذوه وأعلن بشجاعة مسئوليته أو على الأقل مسئولية مجلس قيادة ثورة مايو أو مسئولية نظامه بشكل عام عن قرارات التأميم والمصادرة، مع الفارق بين الحدثين النكسة وتلك القرارات، لكنا احترمنا رأيه لا سيما وقد ذكرنا في مقال سابق أنه من غير المنطقي أن نحمل نميري مسئولية اتخاذها لوحده. فالمسئولية برأينا مسئولية نظام شارك فيها مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، وبعض الوزارات والأجهزة الحكومية المختصة، ونفر من المستشارين والتنفيذيين في مختلف مواقع المسئولية ومستوياتها. لكن النميري اختار أن ينكر مسئوليته تماما عن تلك القرارات فتنصل منها جميعها ورمى ثلاثة من زملائه بمجلس قيادة الثورة بداء نظام مايو وأنسل! والذي حمل نميري وربما بعض من تبقى حوله بعد أحداث 19 يوليو 1971م من زملائه أعضاء مجلس قيادة الثورة على هذا في رأينا، هو حقد محض لأن الثلاثة الذين حملهم مسئولية هذه القرارات المزلزلة كان قد تم إعدامهم وأصبحوا في ذمة الله:
    والحِقْدُ دَاءٌ دَفِينٌ لَيْسَ يَحْمِلُهُ إلا جَهُولٌ مَلِيءُ النَفْسِ بِالعِلَلِ
    مَالِي ولِلحِقْدِ يُشْقِيني وأحْمِلُهُ إني إذن لَغَبِيٌ فَاقِدُ الحِيَلِ!
    ففي الفصل الثالث من كتابه النهج الإسلامي: لماذا؟ الذي أسماه "قصة الغدر" بدأه بقول الله تعالي ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58). الأنفال. هكذا وفي المبتدأ يدمغ الرئيس النميري بعض رفاقه في مجلس قيادة ثورة مايو ممن سنرى أنه سيحملهم مسئولية قرارات التأميم والمصادرة بالكامل، يدمغهم بالكفر وبنقض العهود والخيانة وكل ما تنطوي عليه هذه الآيات الكريمة من معانٍ. ثم يقول نميري بعد ذلك:
    (ثم صدرت قرارات التأميم والمصادرة. كان المطلوب في إطار التوجيهات التي صدرت، هو إجراء دراسات مفصلة عن كل الحالات التي يمكن أن تخضع للمصادرة والتأميم ، على أن يكون الهدف هو سودنة الاقتصاد السوداني بما يدعم القطاع العام ولا يمس القطاع الخاص إلا في حالات محدودة تتعلق بالمصلحة الوطنية العليا) هنا نتوقف قليلا لنذكر ما أوردناه في مقدمة هذا الكتاب عن خطة الحكومة الديمقراطية التي أنقض عليها النميري وصحبه وبرنامجها وقراراتها التي صدرت بالفعل "لسودنة" المصارف والشركات ألأجنبية والتي طرحها وزير المالية آنذاك السيد حمزة ميرغني على البرلمان في خطاب الميزانية للعام 1966/1967م. فهل أدرك النميري فجأة وبعد أن قصم نظامه ظهر الاقتصاد السوداني بتلك القرارات العشوائية المتعجلة، أن الأمر ما كان يتطلب أكثر من "سودنة المصارف والشركات الأجنبية" وهو بالضبط ما قامت به الحكومة الديمقراطية التي انقلب عليها؟! واتخذت القرارات حولها بالفعل وأعلنتها كما سبق أن أوضحنا، بل شرعت فعلا في اتخاذ الإجراءات لتنفيذها بكثير من الروية والتأني والمشاركة الواسعة، وبأسلوب حرصت من خلاله لتساهم في مناقشتها وتطبيقها كل الجهات والأطراف ذات العلاقة بما فيهم مديري الشركات والمصارف الأجنبية المعنية بالسودنة؟
    وعلى كل حال، يمضي النميري في كتابه النهج الإسلامي لماذا للقول (تحدد لإعلان القرار مناسبة قومية، وتلكأت الدراسات، وقبل ساعات من الموعد المقرر جرى إعلانها في شكل قرارات وبصور متعجلة وكان لا مفر من تنفيذ قرارات أعلنت) هنا أيضا لابد من التساؤل: من ذا الذي كان يجرؤ على إعلان قرارات خطيرة كقرارات التأميم والمصادرة وبصورة متعجلة، دون علم رئيس مجلس قيادة الثورة؟ ثم ما هي الدراسات التي طلبها النميري ليتخذ بموجبها قرارات التأميم أكثر مما أوضحه المستشار الاقتصادي لمجلس قيادة الثورة الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد وتلخصت في مذكرة طلبها منه الرئيس نميري، وقام بإعدادها فعلا، ولربما كانت هي ذات المذكرة التي قام بإعدادها من قبل بتكليف من الحزب الشيوعي، بل سبقه في تقديم ذات المذكرة لمجلس قيادة الثورة السيد أحمد سليمان وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية؟ وسؤال آخر أهم، ما هي الدراسات التي طلبها نميري وتلكأت لإصدار ذلك القرار الجائر بمصادرة مجموعة شركات عثمان صالح وأولاده، والذي خصه دون غيره ببيان كان حريصا على إذاعته بنفسه على جماهير الأمة السودانية؟ ولقد أوردنا تفاصيل تلك التراجيكوميديا وحيثياتها والتي كان أبطالها الرقيب العام واثنين من موظفي الجهاز المركزي للرقابة العامة، الذي لم يكن يملك يومها أي قدرات مهنية تمكنه من إعداد دراسات مفصلة، ومبنية على وقائع وقرائن محددة، تقوم عليها الأدلة والبراهين الدامغة حول الخطايا التي عددها نميري في بيانه واستوجبت قرار المصادرة. ونفس هذا ينطبق على مصادرة ممتلكات رجل الأعمال محمد أحمد عباس، وقد أوردنا الحيثيات التي أذاعها الرقيب العام الرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر حولها. وهذه القرارات - أي مصادرة مجموعة شركات عثمان صالح ومصادرة ممتلكات رجل الأعمال محمد أحمد عباس - صدرت قبل "المناسبة" التي تحددت لإعلان قرارات التأميم كما يقول النميري وهي الذكرى الأولى لثورة مايو في 25 مايو 1970م. فما الذي حمله هو ومجلس قيادة ثورة مايو على اتخاذها إن كان ادعاؤه بأن "مناسبة الاحتفال بالعيد الأول للثورة" كانت هي الدافع لتلك القرارات المتعجلة؟
    ثم يقول النميري (شارك الراحل عبد الناصر في المناسبة القومية التي شهدت إعلان بعض هذه القرارات، وكان رحمه الله أول المصفقين لقرار تأميم بنك مصر في السودان، إلا أنني لم أكن راضيا عن قرارات أخرى صدرت، منها مصادرة منازل وتأميم مطاعم والاستيلاء على ورش ومتاجر، منها مصادرة جزئية لبعض المرافق التي لا يمكن أن تتجزأ نشاطاتها، منها تأميم توكيلات تجارية لأنشطة اقتصادية محدودة من العبث أن تتولى الدولة إدارتها) أما أن عبد الناصر قد ضحك وصفق وهو يستمع لقرار تأميم بنك مصر فهذا حق، إلا أن كل من شاهد ذلك الموقف من الحاضرين في استاد الخرطوم حيث أقيم الاحتفال أو من خلال التلفاز قرأ في وجه النميري ما أراد التعبير عنه في حضرة عبدالناصر. فقد أراد أن يقول له ها نحن نقتدي بتجربتك يا عبد الناصر، وليت نظام مايو اقتدي فعلا بتجربة عبد الناصر. فلو فعل لما احتاج النميري أن يذكر لنا بعد سنوات خلت من قرارات نظامه المدمرة أنه لم يكن راضيا عن مصادرة المنازل والمطاعم ودور السينما والاستيلاء على الورش والمتاجر والتوكيلات التجارية الصغيرة التي تعجز الدولة، أي دولة، عن إدارتها. فعبد الناصر لم يفعل مثل هذا لأنه استهدف بالتأميم النشاطات والموارد الاستراتيجية وحشد حوله المستشارين والمختصين من ذوي الخبرة والمعرفة فأعانوه. ولكن ما الذي يمكن أن يقال في هذا المقام، وقد عبر الرئيس النميري بآخرة عن عدم رضاه بقرارات نظامه، غير قول الشاعر أبوالفضل الرياشي:
    وعَاِجزُ الرَأيِ مِضْيَاعٌ لِفُرْصَتِهِ حَتَى إذا فَاتَ أمْرٌ عَاتَبَ القَدَرا !
    ثم أن النميري يمضي في كتابه في هذه الرواية المختلقة ليقول ( ثم مبدأ التعويض وعلى أساس القيمة الدفترية، وكان ذلك يعني خسارة وظلم، خسارة لبعض من تضرروا من هذه القرارات، فلم تكن القيمة الدفترية تعادل القيمة الحقيقية لمصالحهم، وظلم للدولة لأنها تحملت عبء التعويض وعبء الإدارة في وقت لم تكن تملك فيه الكوادر القادرة على التشغيل، ثم كانت مضاعفات التطبيق زيادة في العمالة، عجز عن تحقيق التوازن الاقتصادي في تلك المنشآت، بحيث زادت ومنذ الشهور الأولى ميزانية المصروفات عن حجم العادي، ارتباك في أعمال المنشآت التي جرت مصادرتها أو تأميمها جزئيا) هنا يتحدث النميري عن نوعين من الظلم: الظلم الذي وقع على من تم تأميم ممتلكاتهم والظلم الذي وقع على الدولة، وكأن تأميم البنوك والشركات لم يتم بقوانين استعرضناها في مقالنا الخاص بالترتيبات القانونية والتشريعية لقرارات التأميم والمصادرة، والتي أعدها من كانوا حوله من كبار رجال القانون، وعلى رأسهم رئيس مجلس الوزراء السيد بابكر عوض الله ووزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السيد أحمد سليمان وغيرهم ونوقشت في مجلس الوزراء فوافق عليها، كما اعتمدها مجلس قيادة الثورة ووقع عليها نميري كرئيس للمجلس، واشتملت على أسس التعويض ونصت على أن تحول القيمة الصافية للمصارف وللشركات التي أممت إلى سندات إسمية على الدولة لمدة خمسة عشر سنة بفائدة قدرها 4% سنويا ، ومع ذلك يجوز للدولة بعد عشر سنوات أن تستهلك هذه السندات كليا أو جزئيا بالقيمة الاسمية. هل يريد النميري أن يقول أن كل هذه الخطوات التي ترتب عليها الظلم الذي تحدث عنه في كتابه تمت دون علمه؟ من ذا الذي يمكن أن يصدق هذا؟ ربما كان النميري سيقنعنا لو أنه قال إن هذه القوانين أعدت على عجل ولم تأخذ حظها من الجهد المهني الذي كان يجب أن يبذل، أو أنه لم يؤخذ برأي المختصين في أساليب تقويم الشركات والبنوك ومنشآت الأعمال حين صياغة المواد القانونية ذات العلاقة حتى لا يترتب عليها ظلم. كل هذا لم يحدث ليأتي النميري بآخرة ويتنصل من مسئوليته ومسئولية نظامه بهذا الأسلوب غير المقنع ليس للأحياء ممن عاصروا تلك الفترة، بل لكل من يقرأ التاريخ ويطلع على حيثيات قرارات التأميم والمصادرة.
    على أن الذي يدعو للأسى والحزن، هو محاولة النميري في كتابه تحميل كل مسئولية هذه القرارات الجائرة المزلزلة التي قصمت ظهر اقتصاد البلاد، لثلاثة من أعضاء مجلس قيادة ثورة مايو. حيث يقول في كتابه النهج الإسلامي لماذا؟ وفي الفصل الذي أشرنا إليه أعلاه من الكتاب ( ولقد كان وراء ذلك كله تكتل ضم الثلاثة من داخل تجمعنا مع بعض الوزراء الذين نجحوا في تجنيدهم، وكان الهدف من هذه المؤامرة ثلاثيا: إحجام رأس المال المحلي والأجنبي عن المساهمة في مخططات التنمية ، إغلاق كل المنافذ المتاحة للبلاد للتعامل مع الدول الغربية أو العربية وربط الاقتصاد السوداني بصورة كاملة مع المعسكر الشرقي باعتباره المنفذ الوحيد الباقي) يريد النميري أن يقنعنا بهذا المنطق العقيم الذي يستخف بالعقول، بأن المجموعة الت نعتها في كتابه ب "التكتل" وضمت المقدم بابكر النور، والرائد فاروق عثمان حمد الله، والرائد هاشم العطا، لم يشغلهم شاغل مثلهم مثل أعضاء مجلس قيادة ثورة مايو الآخرين، وهم الذين تسببوا في كل الخطوات والممارسات التي أوردنا تفاصيلها، ودفعوا دفعا لاتخاذ تلك القرارات التي أفضت لكارثة التأميم والمصادرة. هذا في واقع الأمر وفي ضوء التفاصيل والحيثيات التي أوردناها في هذه المقالات، قول مردود لا يقبله منطق ولا تستسيغه عقول كثير من الذين شهدوا تلك الوقائع وعايشوها وما زالت ماثلة في ذاكرتهم. لكن النميري كتب هذا وما زالت ثورة الغضب تسيطر عليه بسبب انقلاب 19 يوليو 1971م الذي دفعه للانتقام من هذا "التكتل" كما أسماه، فأعدم هذه المجموعة من الضباط وغيرهم وآخرين من المدنيين كما هو معروف. وكان طبيعيا لو أنه اكتفي في كتابه بتحميلهم مسئولية انقلاب 19 يوليو، أما أن يأتي في كتابه بالنبأ العظيم، فيحملهم وحدهم مسئولية قرارات التأميم والمصادرة، فهذا أمر لا يقبله المنطق. وها هو الدكتور منصور خالد، وهو من أبرز شهود تلك الأحداث، يقول (الوزراء الذين خططوا وأشرفوا على قرارات التأميم هذه لا يمكن أن يكونوا بحال وزراء جندهم بابكر النور وهاشم العطا كما أورد النميري في كتابه. أما الادعاء بأن التأميم قد استهدف به الحزب الشيوعي، عبر أنصاره في مجلس الثورة، الحد من مشاركة القطاع الخاص، ادعاء يكذبه أن واحدا من الأصوات العالية التي ارتفعت ضد مصادرة عثمان صالح ، كان صوت بابكر النور الذي قال، يومذاك، بأن ضرب واحد من أكبر رجال الأعمال في السودان لا يؤدي إلا إلى إحجام المستثمر ورجل الأعمال السوداني، في وقت نحن أحوج ما نكون إليهما) منصور خالد – السودان والنفق المظلم: قصة الفساد والاستبداد – صفحة 37. وما قاله المقدم بابكر النور عضو مجلس قيادة الثورة يومها، بحسب هذه الشهادة، حق أبلج لا يحتاج إلى دليل، وكما يقول أبو الطيب المتنبي:
    ولَيسَ يَصَحُ في الأفْهَامِ شَيءٌ إذا احْتَاجَ النَهارُ إلى دَلِيل!
    وربما لو أن رفقاء الأمس، أعضاء مجلس قيادة ثورة مايو الذين عناهم نميري وأغلظ في اتهامهم، ما زالوا أحياءً بيننا لكان الحق كله معهم إن استشهدوا بقول الله تبارك وتعالي:
    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6 ( سورة الحجرات.
    وعلى كل حال بعد أن استعاد النميري السلطة إثر فشل المحاولة الانقلابية في 19 يوليو 1971م وما سبقها وما تلاها من أحداث دموية، ومن محاكمات وإعدامات، وبعد أن تم ترشيحه وتنصيبه رئيسا للجمهورية، جلس النميري على تل الخطايا يفكر في الخروج من المآزق التي صنعها نظامه. وبدأ يتنصل مما ارتكبه هو ومجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء في الفترة التي سبقت تلك الأحداث من آثام وما اتخذ من قرارات مدمرة لاقتصاد البلاد تمثلت في التأميم والمصادرة الواسعة التي طالت عشرات المنشآت الاقتصادية التجارية والصناعية والمصرفية وغيرها، دون دراسة ودون تدبر. وصف الذين كتبوا عن تلك الفترة التحولات التي بدأت تظهر على النميري الذي تحول لحاكم بأمره ولطاغية متجبر. وكما أوضحنا فيما تقدم من هذا الفصل، فقد أفضى ذلك التحول في شخصيته للتنصل من مسئولية قرارات هو أول من صنعوها وأعلنوها وأصروا على تنفيذها. والشاهد أن النميري بدأ يتراجع عن تلك القرارات بخطى حثيثة كما سنوضحه لاحقا.
    استدراج النميري للتراجع:
    رجال الإعمال الذين لم ينقصهم الذكاء والدهاء، اغتنموا فرصة الأجواء التي أعقبت فشل انقلاب 19 يوليو 1971م، ونجاة النميري وعودته للحكم بأعجوبة، والتحول الكبير الذي بدأ يحدث في شخصيته، وما لمسوه فيه من ميل لمراجعة القرارات التي حمّل وزرها لثلاثة من أعضاء مجلس قيادة ثورة مايو وآخرين، فنظموا مهرجانا لتكريم " الرئيس القائد". والحقيقة أن هدف القطاع الخاص في رأينا لم يكن التكريم بقدر ما كان دفع النميري لاتجاه جديد يعيد فيه النظر في سياسات وقرارات مايو، وما وقع جرائها من ظلم وحيف على الكثيرين من رجال الأعمال وضمان عدم عودته لمثلها في الفترة اللاحقة، ولاشك أن هذا هدف مبرر ومشروع. والحقيقة أن الصحف نفسها وقد كانت جميعها تحت سيطرة النظام، وربما بتأثير بعض رجال الأعمال، بدأت التمهيد لتحقيق هذا الهدف حين علمت بنية رجال الأعمال تكريم النميري. فعلى سبيل المثال جاء في كلمة الأيام الافتتاحية في العدد رقم 6591 بتاريخ 31 يوليو 1972م، وتحت عنوان تكريم الرأسمالية الوطنية للرئيس نميري ما يلي (في المرحلة الأولى من عمر الثورة، انكمشت الرأسمالية الوطنية كرد فعل للممارسات المتشنجة التي كانت تمارسها بعض العناصر والتي تميزت بالحقد والتشفي وبالجهل والتسرع، الجهل بواقع البلاد وخصائصها والجهل بالناس والتسرع في إصدار الأحكام عليهم وقد كانت الأحكام جاهزة ومفصلة على كل من لم يرق في عيون تلك العناصر). الذي أرادت الصحيفة أن تقوله، وتطلب منا إلغاء عقولنا وتصديقه، هو أن النميري لم يكن أحد تلك العناصر التي تميزت بالحقد والتشفي وبالجهل والتسرع! وأنه برئ تماما من تلك الأحكام الجائرة التي ترتبت عليها قرارات قصمت ظهر الاقتصاد السوداني.
    كذلك حفلت الصحف بإعلانات ضخمة، لاشك أنها كلها مدفوعة القيمة، قبيل احتفال تكريم النميري من شاكلة ذاك الذي نشرته بالبنط العريض صحيفة الأيام في عددها رقم 6597 بتاريخ 7/8/1972م وجاء فيه (القطاع الخاص يكرم الرئيس القائد، المهرجان تعبير عن دور القطاع الخاص التاريخي والوطني في دعم النضال والتطور والاستقرار والتنمية في السودان. وتقديرا للسيد الرئيس واعترافا بسياسته الوطنية المخلصة في تحقيق إرادة التغيير الرامية لدعم اقتصاديات البلاد والانفتاح على العالم – جميع التجار وأصحاب المصانع والحرف والمهن يشتركون في ذلك اللقاء الكبير – المهرجان الشعبي الضخم بجامع الخليفة بأمدرمان الخميس 10 أغسطس 1972م). ليس ذلك فحسب بل نشرت الصحيفة في ذات العدد وأيضا صحيفتا الرأي العام والصحافة صفحة كاملة وبالبنط العريض، بيانا عن المهرجان بتوقيع مقرر لجنة الإعلام والتعبئة نيابةعن اللجنة التنفيذية لتكريم القطاع الخاص للسيد رئيس الجمهورية، ولا نجد حرجا في إيراد تفاصيل ذلك البيان كلها لأهميتها لما نريد أن نستنتجه، وكذلك لما كان له من تأثير في استدراج النميري للأهداف التي أرادها رجال الأعمال وحفزتهم لتنظيم ذلك الاحتفال. وقد جاء في البيان ما يلي: (مهرجان القطاع الخاص لتكريم السيد رئيس الجمهورية: إلى التجار وأصحاب المصانع والأعمال والحرف في القطاع الخاص بالمدن الثلاثة والأقاليم – يسر اللجنة التنفيذية للقطاع الخاص بجميع مناشطه من تجار وصناع وأصحاب أعمال وحرف ومهن وزراع وأصحاب البصات واللواري والتكاسي والفنادق والمطاعم وتعاونيات القطاعي والتوكيلات أن تذكركم بأن دعوتكم التي وجهتموها للسيد الرئيس القائد والتي ستكون مهرجانا حاشدا، ستقام في الساعة الخامسة والنصف من مساء يوم الخميس الموافق 10 أغسطس 1972م بجامع الخليفة بأمدرمان. إن لجنة الإعلام والتعبئة المنبثقة عن اللجنة التنفيذية ستمدكم بلافتات الشعارات التي سترفعونها باسم القطاع الخاص في ذلك اليوم العظيم، كما ترجو اللجنة تكرمكم بترحيل العاملين معكم إلى مكان الاحتفال. وتهيب اللجنة أيضا باتحاد التجار والغرف التجارية وأصحاب الصناعات والحرف والمهن في جميع أنحاء السودان بإرسال مندوبيهم لحضور ذلك الاحتفال وإرسال برقيات للجنة الاحتفال والقيام بتقديم الهدايا والغذاء للمرضى في ذلك اليوم والاتصال مع السلطات المحلية للعمل على تعطيل كل الأعمال في منتصف نهار ذلك اليوم بحيث لا تضار مصالح المواطنين. وترجو اللجنة أن تتمكنوا من تنظيم أنفسكم لدعم هذا العمل ماديا وللإعداد لهذه المناسبة التاريخية التي تعتبر نقطة تحول وانطلاق في اتجاه التنمية الاقتصادية في البلاد وحتى يستطيع القطاع الخاص في السودان أن يعكس بذلك التجمع دوره الوطني المخلص في هذا المجال ويؤكد للرئيس القائد اعترافه وشكره لتجاوبه مع إرادة التغيير التي انعكست في سياسته الوطنية المخلصة من أجل رفعة بلادنا الحبيبة وانفتاحها على العالم). يتضح بجلاء من قراءة ما بين سطور هذين الإعلانين أن رجال القطاع الخاص أدركوا، بذكائهم ودهائهم، أن النميري أصبح مهيئا تماما لإعادة النظر في قرارات مايو الرعناء التي وافق عليها وأعلن معظمها بنفسه وتم تنفيذها بذلك الأسلوب العشوائي المتعجل قبل عامين وبضعة أشهر! هذا التغير الذي طرأ على شخصية الرئيس، ليس لحكمة غابت عنه فأدركها بآخرة، ولكنه تصرف بذات التهور الذي أملى عليه قرارات التأميم والمصادرة ابتداءً، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس وبدافع من الحقد على زملاء الأمس. فكل الذي حفزه لمراجعة تلك القرارات في ذلك المدى القصير، نحو عامين، هو رغبته في التنصل منها باعتبارها خطيئة هو برئ منها تماما ويتحمل وزرها آخرون.
    خطاب الرئيس القائد:
    إلغاء مصطلح الرأسمالية الوطنية من قاموس ثورة مايو:
    لم يخيب الرئيس القائد ظن الذين نظموا المهرجان والذين احتشدوا يستمعون إليه وهو يرتجل مخاطبتهم باللغة الدارجة، وبفرح غامر وتَبَسُطٍ أملاه عليه ظرف الاحتفال والحشد الذي حضر، ليلغي أولا مفردة "الرأسمالية الوطنية " من قاموس ثورة مايو، ويستبدله ب" القطاع الخاص"! فقال ( كنا نحن قسمنا في بداية الثورة الشعب إلى عمال ومزارعين وجنود ومثقفين ورأسمالية وطنية، وطول هذه المدة كنت أسأل وأقرأ في الكتب إيه الرأسمالية الوطنية؟ وما وجدت تعريف أقنعني إلى أن اجتمع معي الوفد الذي أتى في مجلس الوزراء ليدعوني للحفل ده فقبلت الدعوة بسرعة وقلت ليهم عاوز أدردش معاكم، إيه يعني رأسمالية وطنية وإيه يعني رجال أعمال ...إيه يعني تاجر؟ وبدأ النقاش أخوي أخذ مننا ساعة ونصف اتفقنا إنو مافي حاجه اسمها رأسمالية وطنية في قطاع عام وفي خاص). لم يكن بين أولئك الذين اجتمعوا بنميري و"دردشوا" معه وكانت المحصلة "إنو مافي حاجه اسمها رأسمالية وطنية" أكاديمي متخصص أو مفكر له اطلاع نظري واسع، أو أحد مستشاريه ممن تحلقوا حوله في تلك الأيام. فالذين اجتمعوا به ثلة من رجال أعمال وتجار ربما لم يكمل بعضهم الابتدائية! وعلى كل حال فقد طلب منهم الرئيس القائد رفع مذكرة للاتحاد الاشتراكي لاعتماد هذا الكشف الجديد الذي اقتضى إلغاء مسمى الرأسمالية الوطنية كفصيل من فصائل ثورة مايو ليكون البديل هو "القطاع الخاص".
    هنا لابد لنا من وقفة مع مقالين نشرتهما صحيفة الأيام للبروفسور عمر محمد عثمان أستاذ الاقتصاد المعروف عميد كلية الاقتصاد ومدير جامعة الخرطوم الأسبق في عدديها رقم 6612 و6613 بتاريخ 24 و25/8/1972م ، بعنوان "الرأسمالية الوطنية أم القطاع الخاص". بدأ المقال الأول بالإشارة لما سيقوم به قادة القطاع الخاص بالكتابة للاتحاد الاشتراكي، بناءَ على ما دار مع الرئيس نميري، لتغيير مسمى "الرأسمالية الوطنية" إلى "القطاع الخاص". وبعد تلخيص الأسباب التي حدت لذلك يقرر البروفسور عمر عثمان إن (عبارة قطاع الخاص ليست البديل المناسب للرأسمالية الوطنية، إذ هي تعبير اقتصادي فضفاض لا يفيد إلا في إبراز حقيقة سلبية هي تأكيد انتفاء ملكية الدولة لوسائل الانتاج المستخدمة في نشاط اقتصادي معين). وبعد أن يعدد ما يدعم رأيه عن مفهوم مصطلح القطاع الخاص، يمضي للقول (من كل هذا نخلص إلى أن عبارة القطاع الخاص ليست بديلا لعبارة الرأسمالية الوطنية، بل وهناك بعض الشك في أن عبارة القطاع الخاص قد لا تثير نفس الحساسيات التي يتصور البعض عبارة الرأسمالية الوطنية تثيرها فهي قد توحي بأن هنالك صراعا بين القطاعين العام والخاص وأن في توسع أحدهما خطرا على كيان القطاع الآخر.) وفي مقاله الثاني المعنون " الرأسمالية الوطنية" يوضح الكاتب مفهوم الرأسمالية وأنها مشتقة من رأس المال، وتعتبر أحد عوامل الانتاج الأربعة التي يعرفها الاقتصاديون. ويشير بوضوح للخلط وتكوين الانطباع الخاطئ في نظر العوام عن " الرأسمالي" بأنه الذي يكتنز الأموال. ويوضح الكاتب (أن الرأسمالي الذي يحتفظ بثروته في شكل أموال سائلة هو رأسمالي مضرب عن القيام بمهمته الأساسية في امتلاك رؤوس الأموال الحقيقية واستخدامها لإنتاج حاجات المجتمع من سلع وخدمات). وبغض النظر عن الاتفاق والاختلاف مع وجهة نظر البروفسور عمر محمد عثمان والتي عبر عنها في ظرف أيام قلائل من لقاء الرئيس نميري بوفد رجال الأعمال، إلا أن الخوض في مثل تلك المفاهيم يحتاج لإلمام متكامل بالجوانب النظرية والفكرية ذات العلاقة، وكان يتوجب أن يكون النقاش حولها في حضرة أهل العلم والمعرفة مثل البروفسور عمر. وليت الرئيس نميري , ورفاقه يومها قرأوا وتَمَثَلَوا قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
    فَخُذُوا العِلْمَ عَلَى أعْلَامِهِ وأطْلُبُوا الحِكْمَةَ عِنْدَ الحُكَمَاء
    اعتراف النميري بالخطأ وتشكيل اللجنة الفنية لمراجعة قرارات المصادرة:
    استمر الرئيس النميري في خطبته المرتجلة فتحدث عن القطاع العام، وركز على القطاع الخاص وخطورته وأهميته لاقتصاد البلاد، ثم قال (بعد مايو أضفنا المصارف وبعض المؤسسات الكنا بنفتكر إنها تساعد في دفعه أو السيطرة على اقتصاد البلد، ولكن وجدنا إنها تفاصيل للاقتصاد وما حقو القطاع العام يدخل في هذه التفاصيل، ولذلك شكلت اللجان لإعادة النظر في إرجاع بعض الأعمال من القطاع العام للقطاع الخاص، لأنه لا يصح وأنا سلطة كبيرة أني أبيع القماش بالمتر وأفتح دكان ..أنا أمسك الانتاج الواسع لكن التفاصيل يجب أن نعطيها لمن يديرها. زي ما إنتو شايفين في مؤسسات فاشلة غلبنا نديرها ما عندنا الخبرة وما حقو نصر على امتلاك هذه المؤسسات الصغيرة اللي هي في حدود 100 ألف و250 ألف والقطاع الخاص أقدر عليها). أخيرا أدرك النميري هذه الحقيقة البديهية التي ما كان يجب أن تغيب عن بال نظام مايو وهو يقدم على مصادرة تلك المنشآت والأعمال الهامشية الصغيرة. فما الذي كان بوسع العقلاء والناصحين الذين أدهشتهم تلك القرارات فعله سوى أن يرددوا مع الشاعر العربي القديم:
    رَأيْتُ لَهُم رَأيِي بِمُنْعَرَجِ اللِوَى فَلَم يَسْتَبِينُوا النُصْحَ إلا ضُحَى الغَدِ
    الغريب أن الرئيس القائد لم ينس في هذا الجمع الحاشد أن يحذر من الشيوعيين بقوله (بعض الإخوة الضالين وهم الشيوعيين قد خربوا القطاع العام والخاص أحب أحذركم منهم). وكما سبق أن ذكرنا كانت فكرة تآمر رفاقه "الشيوعيين" في مجلس قيادة الثورة، هي التي نسج النميري حولها مسرحية تحميلهم كل مسئولية قرارات التأميم والمصادرة. وها هو يواصل تحميل الشيوعيين أيضا مسئولية تخريب القطاع العام والخاص ويحذر رجال الأعمال المحتفين به منهم! نحن هنا لسنا بصدد الدفاع عن الشيوعيين، ولكن من ذا الذي يصدق زعم النميري أنهم، وليس أحدا غيرهم من أولئك الذين اختارتهم مايو وأوكلت لهم إدارة المؤسسات المؤممة والمصادرة، تركوا كل شيء يشغلهم، في تلك الأيام العصيبة، وأوقفوا كل جهدهم لتخريب القطاع العام والخاص! ولكن كما يقول أبو الطيب المتنبي:
    إذا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ سَاءتْ ظُنُونُهُ وصَدّقَ مَا يَعْتَادَهُ مِنْ تَوَهُمِ
    مهما يكن من شيء فإن ثمرة احتفال القطاع الخاص به، كان هو إعلان نميري التراجع عن تلك القرارات. وبالفعل فبعد أسبوع واحد من ذلك اللقاء وتحديدا في 16 أغسطس 1972م أصدر النميري قرارا جمهوريا بتشكيل اللجنة الفنية لمراجعة قرارات المصادرة بالنسبة للسودانيين برئاسة قاض من قضاة محكمة الاستئناف. وباشرت اللجنة أعمالها بعد أداء القسم أمام النائب العام واستلام الملفات الخاصة بالمواطنين الذين تمت مصادرة أموالهم. وبحسب ما جاء في الخبر الذي نشرته صحيفة الأيام بعددها رقم 6606 بتاريخ 17/8/1972م فقد صرح النائب العام أنه بالرغم من أن لجنة مراجعة قرارات المصادرة قد تسلمت جميع المستندات اللازمة التي على ضوئها ستتقدم بتوصياتها لرئيس الجمهورية، إلا أن ذلك لا يحول دون تقديم أية شكوى يري أي مواطن متضرر من قرارات المصادرة أن يتقدم بها للنائب العام الذي سيحيلها بدوره للجنة.
    خطاب القطاع الخاص ومداعبة عواطف الرئيس القائد:
    نأتي الآن لخطاب القطاع الخاص في حفل التكريم الذي سبق حديث النميري، وقد صيغ بحذق وبأسلوب خاطب عواطف الرئيس القائد بهدف استدراجه لما يريده رجال الأعمال. أبرزت الصحف ذلك الخطاب في عناوينها الرئيسة ، وكانت يومها في قبضة الدولة، وركزت بالبنط العريض وفي صدر صفحاتها الأولى على فكرة الخطاب المحورية ( القطاع الخاص يحتفي بك اليوم لا لمصلحة يبغيها أو حاجة يرجوها وإنما بإيمان صادق برسالتك)! الخطاب ألقاه السيد محمد إدريس، وبعد الترحيب أشار "للمؤامرة الشيوعية الغادرة". ولأن العزف على وتر المؤامرة هو اللحن الوحيد والذي بلا شك سيطرب النميري في تلك الأيام توسع ممثل القطاع الخاص في توصيف المؤامرة قائلا (في هذه اللحظات الرائعة التي تتجلى فيها الوحدة الوطنية في أروع مظهر وأضخم حشد احتفالا بعودتك سالما بعد القضاء على المؤامرة الشيوعية الغادرة التي استهدفت تراث الشعب السوداني وقيمه ومقدراته بعد أن حاولت العبث بها إلا أن الله رد كيدهم في نحرهم ووفقك للقضاء على هذا الشر الوبيل) أراد لنا خطاب القطاع الخاص في الاحتفال بالرئيس القائد، أن نفهم أن انقلاب 19 يوليو 1971م استهدف التراث والقيم والمقدرات التي كان الحفيظ عليها انقلاب 25 مايو1969! ومع ذلك فهذا كله مفهوم وطبيعي أن يرد في خطاب القطاع الخاص في تلك الأيام بظروفها المعروفة، إلا أن المحير فعلا هو ما ورد بعد ذلك في الخطاب الذي جاء فيه (وتأكيدا صادقا لسياستك الوطنية التي تصدر عن إرادة حرة مستقلة وتستوحي مصالح البلاد في كل ما يصدر عنها، يشرفني أن أرحب بك باسم القطاع الخاص)! أين كانت تلك السياسة الوطنية ومصالح البلاد التي استوحاها النميري ونظام مايو، حين صدرت قرارات التأميم والمصادرة التي دمرت القطاع الخاص، وقصمت ظهر الاقتصاد السوداني وما زال يعاني من آثارها. ومضى الخطاب بعد ذلك يدغدغ مشاعر النميري ويعدد مآثر الرئيس القائد والآمال المعقودة عليه في تحقيق الوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية ومجتمع الكفاية والعدل. كما تعرض لدور القطاع الخاص منذ فترة الاستعمار ودعمه للحركة الوطنية واسهامه في نهضة البلاد وما قدمة رجال الأعمال السودانيون وما بذلوه من جهود في مختلف أصقاع السودان.
    لم ينس خطاب القطاع الخاص في مناسبة الاحتفاء بالنميري ما دار بين الرئيس ورجال الأعمال الذين قابلوه لتوجيه الدعوة له لحضور التكريم، وكان محوره فكرة الرأسمالية الوطنية مقابل القطاع الخاص. وكما تقدم عندما استعرضنا خطاب المحتفى به، فقد جعل النميري من تلك القضية محورا هاما من محاور حديثه في ذلك الحشد، وحرص خطاب القطاع الخاص على تحريض نميري لتناول ذلك في حديثه. قال ممثل القطاع الخاص ( يا سيدي الرئيس لقد استمعت مشكورا لاقتراح القطاع الخاص في لقائهم بك أن يشار باسم القطاع الخاص للقطاع الذي كان يشار إليه بالرأسمالية الوطنية لمجافاة ذلك للواقع ولما له من وشائج تتصل بالفكر الماركسي والنهج الشيوعي. فهذه الأرض الطيبة لن تعرف الرأسمالية المستغلة ولا الطبقة الفاجرة المتهتكة التي تملك سلطان المال تستغله لحرمان المواطنين فيضطرب الناموس ويحل الفقر وعدم الاستقرار). كان لابد أن يساير ممثل القطاع الخاص التفكير الذي سيطر على ذهن النميري. فالرأسمالية التي اقترن اسمها ب"الوطنية" وكانت حتى الأمس القريب إحدى فصائل ثورة مايو، أصبحت فجأة تتصل بالفكر الماركسي والنهج الشيوعي وهي طبقة "فاجرة متهتكة". أما "القطاع الخاص" والذي، بحسب هذا الفهم الجديد لا يشمل الرأسماليين، فهو الذي يضم الأنقياء الأطهار المبرئين من كل عيب!
    وعلى كل حال مضي خطاب القطاع الخاص، الذي سبق مخاطبة النميري لذلك الحشد، في مداعبة عواطف الرئيس المحتفى به، وذلك بكيل عبارات المدح والثناء وتقريظ الصفات التي هبطت عليه من السماء، فكأنه ليس النميري الذي عرفناه قبل انقلاب 19 يوليو 1971م، بخطبه وبياناته الثورية المشتملة على قرارات مايو والتي أعلن فيها هو بنفسه قرارات التأميم والمصادرة. خاطب ممثل القطاع الخاص النميري قائلا (يا سيدي الرئيس لقد حققت الكثير ونسأل الله أن يجري الخير على يديك) ثم راح يصف الرئيس بما ليس فيه ونلخص ذلك بعبارات الخطاب كما يلي: 1. لقد وضعت أساسا لطهارة الحكم ونظافته 2. لم تكن تتردد في انتهاج السبيل الذي يؤدي إلى مصلحة البلد وتطوره فكانت سياستك استجابة صادقة لحاجات الوطن ومتطلباته فكانت بذلك محل قبول وتأييد مواطنيك 3. لم تكن أسيرا للشعارات البراقة ولا متقوقعا فيها، وإنما كنت الرائد الذي لا يكذب أهله والرجل الذي يرى الحق حقا فيتبعه فمنحه الله صدق الرؤيا ووضوحها 4. انتهجت نهجا يقوم على الانفتاح على العالم ببصيرة واعية وإرادة حرة مستقلة 5. أكدت في جميع بياناتك وفي لقائك مع القطاع الخاص المركز المرموق الذي يتبوأه والدور الكبير المنوط به والرسالة التي ينتظر منه القيام بها في مجال التنمية، وسنكون عند حسن ظنك نحشد طاقاتنا ونشد أحزمتنا ونسير معك إلى نهاية الشوط في بناء السودان الحديث. ولا نحتاج للقول أن ممثل القطاع الخاص والذين أعانوه في صياغة هذا الخطاب، قد وفقوا أيما توفيق في اختيار الأسلوب الذي يحقق لهم ما أرادوه! ولا تثريب عليهم إذ لم يكن هنالك من أسلوب غير هذا للتخفيف من غلواء النميري في تلك الأيام. ولكننا نعلم أن واحدةً فقط من الصفات الخمس التي ذكروها في خطابهم لو كانت في النميري والذين من حوله ممن زينوا له قرارات التأميم والمصادرة المزلزلة، لما أقدم نظام مايو على ما أقدم عليه. اللهم إلا إذا أراد ممثل القطاع الخاص أن يقنعنا بأن هذا التحول الدرامي في شخصية النميري وما أضفاه عليه من صفات، قد حدث في عام واحد، أي الفترة ما بين فشل انقلاب 19 يوليو 1971م وتاريخ هذا الاحتفال الذي نظمه القطاع الخاص في 10 أغسطس 1972م! وتجدر الإشارة إلى أن الهدية الكبرى التي تم الإعلان عنها في ذلك اللقاء وفي نهاية الخطاب الذي ألقاه ممثل رجال الأعمال، وسبق مخاطبة الرئيس القائد لرجال الأعمال والجماهير المحتشدة، هي إقامة مستشفى قرر القطاع الخاص إهدائه باسم الرئيس القائد للأمة السودانية يكون الأول من نوعه في القارة الأفريقية. ولا تثريب على الذين نظموا ذلك الاحتفال من التجار ورجال الأعمال وغيرهم من الذين فاضت الصحف في تلك الأيام بكتاباتهم في تمجيد النميري ووصفه بما ليس فيه، فكما يقول محمود سامي البارودي:
    إِذا المَرءُ لم يدفَعْ يدَ الجَوْرِ إِن سَطَتْ عليه فلا يأسفْ إِذا ضَاعَ مَجْدُهُ
    وأقتلُ داءٍ رُؤْيَةُ العَيْنِ ظَالماً يُسِيءُ ويُتْلَى في المَحَافلِ حَمدُهُ !
    د. عبدالله محمد سليمان

    أحدث المقالات
  • أسهم كنار ..!! بقلم الطاهر ساتي
  • كارثة مدني ! بقلم صلاح الدين عووضة
  • ناس درجة ثانية ..!! بقلم عبد الباقى الظافر
  • الحركات المسلحة بين البرلمان ووزير العدل بقلم الطيب مصطفى
  • الموسيقي والدوبامين والمخدرات بقلم عبدالعليم شداد
  • ماذا يفعل سُليماني في الكرمة..؟! بقلم عبد الجليل النداوي
  • المهنة عار في العرف السياسي العراقي بقلم الشيخ عبد الحافظ البغدادي
  • مسألة ملكية كنز البحر الأحمر (1) بقلم فيصل عبدالرحمن علي طه
  • شهادة الترابي على العصر حلقة (6) بقلم مصعب المشـرّف
  • حتى أنت يانقيب المحامين بقلم نورالدين مدني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de