منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 09-21-2017, 03:27 AM الصفحة الرئيسية

اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

الإسلام السياسي و التطرف الديني (قراءة أولى و محاولة للفهم) بقلم د.أحمد عثمان عمر

08-07-2015, 11:18 PM

د.أحمد عثمان عمر
<aد.أحمد عثمان عمر
تاريخ التسجيل: 01-13-2014
مجموع المشاركات: 16

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الإسلام السياسي و التطرف الديني (قراءة أولى و محاولة للفهم) بقلم د.أحمد عثمان عمر

    00:18 AM Aug, 08 2015
    سودانيز اون لاين
    د.أحمد عثمان عمر-الدوحة-قطر
    مكتبتى فى سودانيزاونلاين



    مدخل
    يفضل الكثيرون من القادرين على الإضافة و إعمال العقل الصمت على الحديث فيما يخص الإسلام السياسي و التطرف الديني. بعضهم إحجاماً عن الخوض في الموضوع الشائك و المعقد قبل الإستيثاق من نتائج بحث علمي صبور حول الظاهرة، و آخرون خوفاً من تداعيات الخوض في مثل موضوع كهذا في ظل إستشراء وباء الإسلام السياسي و بروز ظاهرة التطرف، بإعتبار أن الإسلام السياسي بعامة و الإسلام المتطرف بخاصة، ليسا من الفئات السجالية التي تؤمن بالحوار أو تقبل النقد. ورد فعلهما المؤكد على أي رأي مخالف هو التكفير و إعلان الحرب و فتاوى القتل ، لأن الوهم اللذان يقومان بتسويقه لا سبيل للدفاع عنه دفاعاً عقلانياً متماسكاً و مقنعاً. و لكن كما قال المفكر روجيه جارودي سابقاً، لم يعد الصمت ممكناً.
    فعالمنا يتهاوى بسرعة، وسكين الإرهاب التي يحملها التطرف الديني تواكب مايفعله الإسلام السياسي المستبد بالسلطة من تمزيق للبلاد و إذلال للعباد و نهب للثروات و سحل و قتل و تعذيب و إبادة جماعية. وفكر من لا فكر له الذي يخلط عمداً بين الدين و السياسة و يخرج النشاط السياسي التاريخي الذي مورس بإسم الدين من سياقه ليستخدمه لحماية مصالحه الراهنة بوصفه دين لا بوصفه سياسة لدولة ساندها الدين و عزز نشؤها و توسعها، يرفع صوته عالياً شاهراً سيفه و معلناً أنه ظل الله في الأرض و خليفته الموكل بإقامة حكمه و إدخال الناس فيه قسراً. ومالم يتم التصدي لهذه الظاهرة و بشكل جاد، سوف يبتلع الإسلام السياسي مجتمعاتنا و يحطمها تحطيماً يقذف بها خارج دائرة التاريخ، و يصادر حاضرها و مستقبلها لفترة طويلة.
    لذلك لابد من الوضوح و المباشرة، و تأكيد أن هذه المساهمة المتواضعة تأتي في سياق نقد الإسلام السياسي و التطرف الديني، ولا تأتي بأي حال في سياق نقد الدين الإسلامي نفسه. و هي تشدد على أن الإسلام كدين و عبادة متممة لمكارم الأخلاق و كمعتقد، ليس هو الإسلام السياسي الراهن و لا النسخة المتطرفة من هذا الإسلام السياسي. فدولة الإسلام التاريخية ليست ديناً بل دولة نشأت في ظروف تاريخية معينة، و أصبحت إجتهاداً بشرياً بمجرد وفاة الرسول الكريم. فالمعصوم لم يخلفه معصومون – إلا إذا أخذنا بمفهوم الشيعة الإمامية- بل خلفه بشر فسروا الدين و مقتضيات الدولة و فقاً لفهمهم و لزمانهم و للشروط التي و اكبت بناء دولتهم أو دولهم. و لابد من إعتبار فهمهم للنصوص و تعاملهم معها على أنه فهماً بشرياً محضاً و ليس ديناً، لأن دخول الدين إلى ساحة السياسة عبر النقل الحرفي لبعض ماتم تاريخياً كما تفعل تنظيمات التطرف أو عبر التفسير، يخرجه من دائرة الدين إلى دائرة الآيدلوجيا السياسية، و من دائرة القداسة لدائرة الصراع السياسي المبني على المصالح.
    و لفهم ظاهرة الإسلام السياسي و تعقيداتها، لابد من النظر إليها في و اقعها المحلي و الإقليمي و الدولي، و ربط تطورها و فكرها بجذوره التاريخية و تقييمه في حال ديناميكيته و تفاعله في ظل الواقع المعاش بمحاكمة دوله القائمة و البادية للعيان. و مثل هذه القراءة تؤكد حتماً أن إنسان العالم العربي و الإسلامي، أصبحت معركته مركبة وشديدة التعقيد. ففي السودان مثلاً المعركة على ثلاث جبهات: مع الإسلام السياسي المستبد الحاكم ممثلاً للرأسمال الطفيلي، و مع التطرف الديني الذي نما محلياً و إقليمياً و أصبح خطراً بادياً للعيان، و مع الإستعمار الذي مازال مصراً على منع إنجاز مهام ما بعد الإستقلال السياسي.
    في هذا السياق تأتي هذه المساهمة الخجلى و البدائية، لتبتدر نقاشاً معمقاً و تفتح الطريق أمام بحوث أكثر علميةً و أصالة ، و تؤسس لجهد جماعي يسمح بإنتشال بلادنا من الوهدة التي تردت فيها بسبب الإسلام السياسي، و تفتح لها آفاق المستقبل من جديد. و هي دعوى لكل من يستطيع أن يدلي بدلوه، فهل من مجيب؟

    لماذا انتشر الإسلام السياسي؟
    (1)
    أول ما أود أن أبدأ به هو تأكيد أن إنتشار الإسلام السياسي لايعني بأية حال إنتصاره، لأن الإنتصار يقتضي الهيمنة لا السيطرة. إذ لايكفي أن تتمكن من السلطة أو تستخدم القهر و القوة المفرطة لكسر مجتمع ما ، لتصبح مهيمناً فاعلاً بصفة الإستدامة، وبمستوى يمنع من إنكسار مشروعك وهزيمته مستقبلاً وسقوطه. فالإنتصار لفكرة أو مشروع لا يكتمل بمجرد إستلام السلطة و لا حتى بخلق مؤسسات تمكن صاحب المشروع من إدارة دولته المغتصبة، بل يستلزم تحول الفكرة و المشروع لمشروع للشعب أو الشعوب المعنية، تحافظ على إستمراريته و إعادة إنتاجه في حال الإنكسار أو الهزيمة. و الناظر لتجارب الإسلام السياسي – على سعة دائرة إنتشاره- لا يفوته مدى هشاشة بنيته و ضعف مشروعه بالرغم من عنف و شراسة و دموية سلطته، وشكل الإنتصار الجزئي الذي حققه في بعض الأماكن عبر السيطرة على السلطة ( تجربة طالبان و تجربة السودان و شبه الدولة في الصومال و تجربة إيران أيضاً). لذلك فضلنا أن نتحدث عن إنتشار لا إنتصار و لا صحوة ، لأن الإسلام السياسي في تقديرنا سيظل إنتصاره جزئياً و لن يستطيع أن يتحول لوضع الهيمنة و إكتساب سمة الإستمرارية و التجدد، وهذا أمر سنعرض له في مقال لاحق.
    (2)
    و لمعرفة أسباب إنتشار الإسلام السياسي و توسع رقعة نشاطه و تحوله لتنظيمات تتفاوت في فهمها للمشروع و لأبعاده و لحكومات تمكنت من رقاب الناس، لا مناص من التعميم الذي نتمنى ألا يكون مخلاً. و حتى نسهل المهمة، سوف نعتبر كل من ينادى بقيام دولة تطبق الشريعة الإسلامية مدعياً أن هذه الدولة هي دولة حاكمية، عضواً في تيار الإسلام السياسي فرداً كان أو منظمة، وذلك دون أن نغفل التباينات الواسعة في فهم المصطلح الملتبس المسمى الشريعة الإسلامية، و دون أن نتجاهل التباين في فهم الإسلام نفسه الذي يجعل بعض قوى الإسلام السياسي تجنح إلى رفض قواه الأخرى بل تصل أحياناً إلى درجة تكفيرها أو على الأقل إتهامها في عقيدتها، إستناداً إلى وقوفها عند السياسي المرتبط بأصول الفقه (الشريعة الإسلامية) ، وعدم إهتمامها بالتوحيد و أصول العقيدة .
    (3)
    التعميم الأول خاص بطبيعة المجتمعات التي نجحت فيها جماعات الإسلام السياسي بمختلف تياراتها في الإنتشار، وسماتها العامة -رغم بعض التباينات - هي أنها جميعاً مجتمعات خرجت من مرحلة إستعمار لمرحلة إستقلال سياسي، لم يؤهلها لإعادة تأهيل إقتصادها الملحق بالمركز الإستعماري في شقه الحديث، ولا في إحداث تنمية متوازنة ترتقي بنمط إقتصادها التقليدي و تنتشله من مرحلة ما قبل الرأسمالية و الأثر السالب للرأسمالية المجلوبة بغرض الإلحاق بإقتصاد المستعمر. هذه الحالة بعموميتها، لم تسلم منها حتى دول مشاريع التحرر الوطني التي أنجزت إصلاحات بمساعدة المعسكر الشرقي السابق، ولكنها فشلت في إستكمال مهمة التنمية الشاملة و سقطت في وحل الفساد و الإستبداد السياسي ، و فشلت في إنجاز حتى و عدها الأساسي بتحقيق العدالة الإجتماعية. و هذا لا يمنع بالطبع من حدوث بعض التطور و كثير من المنجزات ، ولكنها جميعاً لم تغير المسار العام و الإتجاه الأساسي بشكل جذري يؤسس لإقتصاد حديث و بنية فاعلة و قوية لمشروع تنمية شاملة و مستدامة. و إذا كان من المنطقي أن تواصل البلدان التي استقلت شكلاً على المستوى السياسي وواصلت في العمق التبعية الإقتصادية و الإعتماد الكلي على المعسكر الإستعماري في إحداث نهضة شكلية بالقفز للتحول لمجتمع إستهلاكي صرف يحيا على الريع الناتج من ثرواته مع غربة عن إنتاج خيراته المادية نفسها السير في طريق التبعية، لم يكن من المتوقع أن تفشل مشاريع التحديث التي بحثت عن طريق آخر لخلق مجتمعات صناعية حديثة و تنمية متوازنة، و لكنها فشلت حين اكتفت بالسيطرة على السلطة و لم تستطع تحويل مشروعها لمشروع لشعوبها. هذا الفشل الذي شمل الجميع في المنطقة العربية و الإسلامية، منع من قيام الأساس الإقتصادي المرتبط بالإنتاج و التحديث التصنيعي و الدفع الرأسمالي الملازم له، و بالتالي أفقد أي مشروع نهضوي أو تحديثي على مستوى الوعي و التنظير فرصة أن يتوطن و يهيمن لغياب أي أساس إقتصادي يعزز بنيته الفوقية و يتبادل معها التأثير.
    (4)
    و التعميم الثاني وثيق الصلة بالأول ، إذ أن الفشل في بناء إقتصاد حديث فاعل و غير ملحق بالمستعمر يساعد في إشراك المجتمع بمجمله في إنتاج حياته بأدوات أرقى و علاقات أفضل، حتم إستمرارية البني المجتمعية التقليدية، وكرس بنية الوعي السائدة حتى في حال تواريها شكلاً أمام خطاب النخب الذي تبنته بعض الحكومات، و قيض لظهور سلطة الإستبداد السياسي التي كانت و مازالت هي السمة المشتركة الأصيلة في المجتمعات العربية و الإسلامية. و قد عبر عن أزمة إنتصار المتواري في بنية الوعي على الموقف المعلن بصدق، المفكر العراقي على الوردي الذي قال أنه على ثقة بأن العرب لو خيروا بين الدولة الدينية و الدولة العلمانية لصوتوا للدولة الدينية و ذهبوا ليعيشوا في الدولة العلمانية. فالإستبداد السياسي المواكب للفشل في التحديث الإقتصادي سواء عبر التبعية المباشرة أو التنمية المبتسرة، أسسا معاً لفشل الفكر التنويري و هزيمة أي مشروع يدعو لمدنية الدولة. و ليس من الغريب أن يؤسس مشروع التبعية لهزيمة أي محاولة لتثوير بنية الوعي، و لكن الغريب هو أن المشاريع التي ادعت التنوير و التثوير من مواقع ليبرالية أو ثورية، إنتهت إلى الفشل أيضاً. إذ أنها برغم سيادتها الشكلية في مرحلة التحرر الوطني عقب خروج المستعمر ، فشلت في التحول لوعي شعبي جارف يتخطى التقليدي و ينتج حداثته في إطار أصالته، و يؤسس لبنية و عي جديدة تحمي مشروع التنوير و تضمن له الإستدامة. أي أن قوى التنوير ببساطة فشلت في إنجاز ثورتها الثقافية، وبقى إنتصارها المدعوم كمناخ عام من سلطات إستبدادية في مراكز التنوير هشاً و سطحياً، تهاوى سريعاً أمام زحف ماهو موروث من بني الوعي السابقة، و خسر المعركة سريعاً أمام الإسلام السياسي رغم ضعفه الواضح و عدم قدرته على إنتاج المعرفة في الحدود الدنيا، أو الإنتصار لها بأي صورة من الصور. و للمفارقة الإسلام السياسي تكمن قوته في لا معرفيته و بناء نشاطه كله على موروث الوعي الشعبي و تغريب الواقع بمستوى يصل عند البعض لمحاولة إلغائه.
    (5)
    التعميم الثالث يكرسه تأثر العالم العربي و الإسلامي بإنهيار منظومة القوى الثورية العالمية و معسكرها الذي كان مهموماً بإحداث تنمية مستدامة و ثورة ثقافية معاً وإن كان على مستوى التنظير، و بقاء القطب العالمي الذي يرغب في إستمرار التبعية و التخلف والحرمان في العالم الإسلامي و كافة دول العالم الثالث، إنطلاقاً من فهم إستعماري إستعلائي منبني على أحقيته في إستغلال الشعوب إقتصادياً، و حرمانها من حقوقها الإنسانية لأنها بطبيعتها لاتستحقها ولاتحسن إستخدامها. سيطرة هذا القطب، إستتبعت حتماً سيطرة المعسكر العربي الإسلامي المرتبط به إرتباطاً عضوياً لافكاك منه، وهو المعسكر المنخرط إنخراطاً تاماً في مشروع هذا القطب من مواقع التبعية الإقتصادية، و من مواقع المحافظة على بنية وعي منغلقة و محافظة منبنية على قراءة شديدة التطرف للدين الإسلامي، تعتمد على النقل و تعادي العقل. و تبدى هذا الإنتصار في التحولات التي حدثت في الجامعة العربية ، وفي قدرة هذا المعسكر على التأثير سلباً و إيجاباً في أحداث المنطقة التي أصبح هو فيها الآمر الناهي، معززاً ذلك بنشر آيدلوجياه الدينية المدعومة بضخ الأموال منذ زمن طويل في أماكن الفقر و العوز و الحاجة. فالمعسكر الغربي الذي بقي كقطب واحد حتى فترة قريبة، ليس لديه أي مصلحة في حدوث تحول تنويري أو تغير إيجابي في بنية الوعي العربي الإسلامي، يقود للتفكير بشكل مستقل، و يبنى مؤسسات وعي خارج إطار التبعية حتى و إن كان بأدواته هو، و إمتثالاً لإرثه الفكري إبان تحولاته الثورية. فهو يفضل إستمرارية بنية الوعي الراهنة، طالما أنها تكرس إستقرار النظم المنخرطة في مشروعه، و تنتج قوى منفلتة و متطرفة من الممكن توظيفها في الحروب بالوكالة لإعادة هيكلة العالمين العربي و الإسلامي.
    (6)
    الفشل في إحداث نهضة إقتصادية تسمح بقيام عملية تنمية شاملة ، وتؤسس لعدالة إجتماعية تفرخ نسيجاً إجتماعياً متماسكاً قادراً على إنتاج خيراته المادية و تطوير بنية وعيه، أنتج مجتمعات مثقلة بالإحساس بالظلم الإجتماعي، منقسمة بين أغنياء يزدادون غنىً و فقراء بزدادون فقراً، لايجترون فقرهم و آلام عوزهم فقط، بل ينوء عليهم الإستبداد السياسي بكلكله و يحرمهم حتى من حق التنفيس عن غضبهم. فوق ذلك ، جميع دروب التفكير الحر مغلقة، و إمكانية إنتاج معرفة خارج نطاق آيدلوجيا السلطة المعلنة يقود للهلاك و العذاب المعجل، مع مجتمع دولي تسوده حالة من الجشع و الإستعلاء و الإستغلال الهمجي للشعوب، و في إطار هزيمة كبيرة لمشاريع التنوير و المقاومة للإستعمار المعقلنة المنبنية على مدارس المعرفة المختلفة، بحيث لا يبقى من سبيل للمواطن العربي أو المسلم إلا اللجوء لرأسماله الرمزي لإجتراح الحلول. وأقرب ما تطوله يداه هو معتقده الديني ، يبحث في ثناياه عن الأمان و العزاء و أحياناً الغضب و المدد للتغيير. فالمجتمعات البشرية لا تعرف الفراغ، ففي غياب مشروع يعالج أزمة الواقع ويستشرف المستقبل، لابد من مشروع بديل يملأ الفراغ. و بديل قطاعات واسعة هو الدين، والإسلام السياسي يفهم تماماً هذه الحقيقة و يعمل على أساسها. إذ ليس كل من يبحث عن الحلول في الدين راغب في تفعيله كآيدلوجيا سياسية، ولكنه بالنسبة للإسلام السياسي يوحد المرجعية معه و يصبح ذو قابلية لقبول فكرته. و بالتالي يصبح مثل هذا الشخص هدفاً لجميع مدارس الإسلام السياسي، المرتبطة بالثروة و القادرة على التمويل و توفير خلاص فردي له – إن وجد، و تلك المسلحة بفكر إحتجاجي تكفيري يتيح له تنفيث غضبه و معاقبة مجتمعه بدلاً من جلاده، و الأخرى التي تتيح له الهروب من الواقع و دخول دائرة الفعل السياسي مواربة.
    (7)
    و الخلاصة هي أن أسباب إنتشار الإسلام السياسي متعددة، أهمها سقوط المشروع التنموي التنويري الشامل بكافة مدارسه ، وفشله في إحداث النقلة المطلوبة، و بقاء المعسكر الذي أفشله و إستمراره في إستغلال الشعوب و تكريس بنية الوعي السائدة لتوظيفها لمصلحته، مما يجعل من حظوظ الدين بعامة كشكل و عي راسخ لدى المواطن و جزء عزيز من رأس ماله الرمزي الملجأ الوحيد لإنتاج وعي موالي أو معارض لمشروع الإستغلال، أحياناً بوعي و في أحيان أكثر بدون وعي و إدراك لجذر و طبيعة المعادلة. و هذا بالضبط هو سبب فشل الإسلام السياسي في إنتاج برامج عيانية تفصيلية ، تسمح بمحاكمة علمية و دقيقة لمشروعه و إكتفائه بالشعارات و التعميم، وهو أيضاً السبب في فشله المزمن عند إستلام السلطة، دون إهمال لطبيعة القوى الإجتماعية التي يمثلها بالطبع. فهو وإن كان شعبوياً من حيث نمط الوعي، إلا أنه أيضاً نخبوياً من حيث الإنتاج في أغلب الأحوال. لذلك ليس للإسلام السياسي من مستقبل، و لكنه للأسف سوف يستمر لفترة كافية لتدمير كل منجزات القرن الماضي و نقل الدول العربية و الإسلامية إلى مرحلة غير مسبوقة من التخلف الفكري و التردي الثقافي و تمزيق نسيجها الإجتماعي ، مع فشله حتماً في معالجة أزمات تلك الدول.



    لماذا يتطرف أبناؤنا؟
    السؤال مؤرق و الإجابة معقدة ، ومحاولة تبسيطها و نسبتها إلى عامل واحد غير مجدية بل ضارة وذات عواقب وخيمة. فبدون إلقاء نظرة شاملة على الواقع الإجتماعي و الإقتصادي و الثقافي و النفس إجتماعي، لا يمكن الوصول لإجابة مبدئية حول الأسباب التي تقود لنجاح التطرف في تجنيد أبنائنا. إذ أن القول بأن الفقر هو سبب التطرف مثلاً لا يشرح حالة إنضمام أبناء الأسر الموسرة لتنظيم كداعش ، كما أن القول بأن ظروف المجتمعات العربية و الإسلامية الإقتصادية و حدها تدفع الشباب للتطرف، لا يفسر إنضمام أبناء النخبة من المغتربين في أوروبا لنفس التنظيم. و الحديث التطهري الذي يعفي المجتمع من وزر هذه المسألة ويرميها برمتها على كاهل الأسر التي فشلت في تربية أبنائها، يوغل في الهروب من مواجهة المشكلة و لا يقدم تفسيراً يصلح أساساً لتقديم معالجة لأنه ببساطة لا يشرح ماهية هذا الخلل في التربية و لا يقدم تصوراً للتربية السليمة. و نحن لا ندعي بأننا في هذه العجالة سوف نقدم تحليلاً شاملاً أو إجابة نهائية عن السؤال المطروح، و لكننا سوف نجتهد في تحريك ساكن الحوار و راكده حول هذه المسألة شديدة الأهمية.
    و في تقديرنا أن تجنيد الشباب من قبل التنظيمات المتطرفة ، سهله مؤخراً إنتشار الإسلام السياسي الذي عمق أزمة الأمن الفكري التي سمحت إبتداءاً بظهوره و إنتشاره. فأمن المجتمع الفكري يتعزز دائماً بالتعددية الفكرية و قبول الآخر و إتساع دائرة النقد التي تكرس العقلية النقدية، وتسمح ببناء و حدة فكر يبنى على القيم الإنسانية العامة و أهمها التسامح و قبول الآخر و إدارة الإختلاف الفكري بصورة سلمية. و هو لا يعني بأية حال أن ينتظم الناس جميعهم خلف فكرة واحدة أو أن تحملهم السلطة على قبول فكرها بالقوة. و بالنظر للمجتمعات العربية و الإسلامية، نجد أنها بصورة عامة، مجتمعات ضعيفة من حيث الأمن الفكري. فهي عاشت منذ زمن طويل و مازالت تعيش على الفكر الرسمي المفروض من قبل السلطة السياسية منذ بدايات العصور الإسلامية مروراً بفترة سيادة الفكر التقدمي بمدارسه المختلفة، و صولاً للإسلام السياسي و سيطرته الحالية و إنتشاره الذي تعرضنا لأسبابه في مقال سابق. و فكر الإسلام السياسي المفروض بقوة البندقية أو بقوة المال في زمان فقر و مسغبة، فشل في أن يلبي إحتياجات الواقع وفي أن يحل المشكلات العميقة التي تواجه المجتمعات العربية و الإسلامية، و لكنه نجح في تجريف الساحة الفكرية و السيطرة عليها ، فلم يعد هناك من سبيل للإحتجاج عليه إلا من داخله و العودة لتمثيل و اقع إنتاجه التاريخي ليصبح الفكر المسيطر و المسيطر عليه فكر ينتجه هذا الإسلام السياسي.
    ولأن الإسلام السياسي في السلطة منحاز لمحازبيه و زمرته بالضرورة لغياب المنهج العلمي في التعاطي مع الواقع من جهة و لأنه يمثل شرائح إجتماعية ليس لديها برنامج لمعالجة الأزمة من جهة ثانية، فإن ما ينتجه من فكر لا يتجاوز التعاطي الآيدلوجي مع المشاكل الواقعية التي تستدعي حلولاً لا تجدها عنده. فهو على المستوى السياسي مازال يطرح حاكمية الله و تطبيق الشريعة الإسلامية بدلاً من سلطة الشعب و حقوق المواطنة أو يحاول التلفيق المستحيل بين الإثنين، و على مستوى الإقتصاد يراوح حول الإدعاء بأن المال مال الله و يكرس في الواقع ملكيته لعضويته و محازبيه ويكتفي بما يسمى الإقتصاد الإسلامي المكرس في البنوك الإسلامية وشركات التأمين الإسلامية التي تقوم بالنهب المشرعن. و لا طرح ثقافي له إذ أنه في الجوهر معاد للفنون و لمنتجات الفكر البشري الإنساني حتى و إن إدعى عكس ذلك. و بما أنه لا يسمح للرأي الآخر و الفكر الآخر بالوجود و االمثاقفة، ينتج من داخله فكر ناقد له محتج على تزييفه للفكرة المثالية التي طرحها على مستوى خطابه السياسي، ويخرجه من دائرة هذه الفكرة و يخرج من تبعه بالمشاركة و العون حتى و إن كان هذا العون سكوتاً. و إخراج الإسلام السياسي من دائرة الفكرة يعني بالحتم تكفيره و تكفير المجتمع الواقع تحت رحمته .
    فالحاصل هو أن الإسلام السياسي الذي يدعي التحديث، يقوم بإستدعاء الماضي لتبرير مصالحه الإجتماعية و الإقتصادية الآنية و الحاضرة بغطاء ديني فيعطي ممارساته أوصافاً مبررة بنصوص خارج سياقها التاريخي يطوعها لتناسب واقع الحال، و معارضته المتطرفة تسعى لإستدعاء التاريخ كما هو ليحكم بنصوصه الواقع الراهن المغاير و المختلف بحشره حشراً داخل تلك النصوص. و لذلك نجد الإسلام السياسي مدعي التحديث يسعى لخلق مؤسسات شبيهة بمؤسسات اليوم لتكون بديلة لها كالبنوك الإسلامية بإستخدام باب الحيل الشرعية، في حين أن الإسلام الإحتجاجي لا يقبل الإبتداع و ينغلق داخل النص حتى و إن كان مستحيل التطبيق. الأول يفتح مجالاً لنشاط المرأة في المجتمع و الثاني يعيد التاريخ لمرحلة السبي و بيع النساء كرقيق جنسي. كذلك يسمح الأول بإعمال العقل التبريري الذي يجتهد في إستدخال الحاضر في جلباب الماضي، و الثاني لا يجهد نفسه و لا يستخدم عقله بل يبحث عن نص أو فعل لتطبيقه كما حدث في القرون الماضية. و لهذا يظهر الثاني بصورة مبدئية و مصداقية أكبر من الأول، خصوصاً و أن مرجعية الطرفين واحدة و هدفهما واحد هو إقامة خلافة على هدي النبوة كما يزعمون. و لهذا يصبح التطرف الإحتجاجي أكثر جاذبية للشباب من التلفيق الذي يقدمه الإسلام السياسي مدعي التحديث.
    و المشكلة بالتالي تكمن في القناعة الموجودة لدى الشباب حول خلافة وهمية تنشر العدل و ترفع الظلم و تعيد الأمة الإسلامية لسابق أمجادها، وهذا هو الإساس الذي يبني عليه الإسلام السياسي دعواه الكاذبة و المضللة و المدمرة لمجتمعاته. فالشباب هش و ضعيف فكرياً لأن المجتمعات الإسلامية تحقنه و منذ قرون بصورة وهمية للخلافة الإسلامية، و تصورها له على أساس أنها دولة العدل المطلق و تخرجها من سياقها التاريخي بجعلها دولة صالحة لكل زمان و مكان. و هذا أمر تقوم عليه المدرسة و المسجد و الأجهزة الإعلامية و كل المؤسسات التي تعمل على إنتاج الوعي و تكرس الأمن الفكري. فهذه المؤسسات لا تذكر المشكلات العميقة التي إعترضت سبيل هذه الخلافة. فهي لا تذكر شيئاً عن خلاف سقيفة بني ساعدة، و لا تخبر المتلقي شيئاً عن الخلاف حول آية الصدقة و تأخذ بتفسير الخليفة الأول حيث بداية حلقة التكفير الجهنمية لأسباب سياسية إقتصادية، و لا تقول تحليلاً منطقياً عن الفتنة الكبرى، ولا عن موت عشرة آلاف مسلم في موقعة الجمل، و لا تحليلاً سياسياً لموقعة صفين، و لا تشرح كيف كانت خلافة يزيد بن معاوية جنة للمسلمين. كذلك لا توضح كيف تسنى لعمر بن سعد ابن وقاص قيادة الجيش الذي قتل الحسين، و لا تقول كلمة حول مقاتل الطالبيين منذ تسميم الحسن، و لا كيف تسنى لمحمد بن أبي بكر قيادة قتلة الخليفة الثالث. كما أنها ليس لديها ما تقوله حول إمبراطورية بني عثمان التركية الإستعمارية التي قهرت المسلمين و احتلت ديارهم و سامتهم سوء العذاب، و كيف تكون خلافة يريد حزب التحرير مثلاً إستعادتها، بل كيف تكون دولة للعدل بالأساس.
    هذه الخلافة على نهج النبوة المزعومة و التي ستنشر العدل، لا أحد في المؤسسات المذكورة أعلاه يشغل نفسه بتوضيح كيف نشرت العدل في الماضي. إذ لا أحد يشغل نفسه بتوضيح كيف كان عدلها حين نصبت زياد ابن أبيه ومن بعده الحجاج الثقفي ولاة على العراق. و كيف كان عدل بني أمية في الشام التي تم فتحها منذ عهد الخليفة الثاني، ولا عدل بني العباس في بغداد طوال هذه السنوات من حكم الفرد المستبد الذي يفعل ما يشاء بغير حساب. و بالطبع لا أحد يكلف نفسه بالحديث عن نسختها التركية الأخيرة التي علمت مجتمعاتنا الإعدام بالخاذوق، و أرهقت أهلنا بالضرائب الباهظة، وسلبت كل خيرات بلادنا و استعبدتنا لسنوات طويلة بالرغم من أننا مسلمون. و إذا قيل أن المقصود هو إعادة دولة المدينة أو دولة النبي الكريم كما تزعم بعض تنظيمات الإسلام السياسي، لماذا لم يستطع الجميع إقامة هذه الدولة أو إستعادتها طوال القرون الماضية؟ ماهي الأسباب التي منعت الأمويين و العباسيين و هم الأقرب إلى زمانها من بعثها و إعادتها؟ بل ماهي الأسباب التي دعت إلى تركها و التخلي عنها بالأساس؟ و هل زالت هذه الأسباب مجتمعة حتى تعود هذه الدولة الآن؟ و ماهي مقومات عودتها في غياب الظروف التاريخية التي نشأت فيها و في غياب النبي الكريم الذي كان يصل السماء بالأرض و غياب صحابته عليهم الرضوان؟. لا أحد يطرح مثل هذه الأسئلة المزعجة من المؤسسات السابق ذكرها و التي تتلاعب بعقول أبنائنا، و حين يطرحها غيرها لا تجد رداً عليها غير أن ترمي طارحها بالكفر و من ثم تنسل لتدمر بعقول أجيالنا.
    هذا المثال الوهمي غير الواقعي الذي يتم تسويقه للخلافة الإسلامية بتسويق إيجابياتها و السكوت عن سلبياتها، يعطي دافعاً كبيراً و حلماً مبهراً لشباب تمت مصادرة و اقعه و مستقبله و حقه في الحلم. إذ صادر الإستبداد السياسي حقوقه السياسية و دمر مرتكزات إقتصاده و أجهز على دولته الوطنية التي و لدت مأزومة حيث أفرغتها النخب من معناها بمصادرة حقوق المواطنة ، فأصبح السبيل الوحيد أمامه هو الهروب من هذه الدولة لمثال أكبر، يحقق أحلامه و يعيد له أمجاداً غابرة هي حتماً لن تعود. و لتحقيق هذا الحلم، لابد من البحث عن الوسيلة التي حققته تاريخياً و هي الجهاد. فالعقل المستلب غير القادر على إنتاج الفكر الإحتجاجي الجديد، ليس أمامه غير الإستلاف من الماضي و إعادة تمثيله بحذافيره لينتج مأسآته الخاصة في حاضر لا يحتمل مثل هذه الألاعيب. و مفهوم الجهاد الرسالي أو الرسولي، ملتبس تاريخياً بالفتوحات السياسية التي قام بها الخلفاء و أمراء المؤمنين. فالتاريخ الرسمي يعلم شبابنا أن فتح بلاد مابين النهرين و الشام كان جهاداً لنشر الإسلام، و هو نفس التاريخ الذي يقول أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، و لا يرى تناقضاً ألبتة في هذين الإدعاءين! و مالم يتم الإعتراف بأن هذه الحروب سياسية ذات أبعاد إقتصادية و أن جهاد الغزو هو جهاد لنشر الدعوة في جزيرة العرب و بناء دولة الرسول الكريم فقط، يصبح من الطبيعي أن يتبنى الشباب وسيلة الجهاد لبناء دولة الخلافة المثالية المتوهمة. فالجهاد لإخراج الناس من الظلمة إلى النور كما يدعى، أمر محفز لشباب غض لا فكر له، فهو يمنيه بإحدى الحسنيين الشهادة أو النصر و إقامة يوتبياه التي تحل جميع مشاكل العالم و تربط قيم السماء بالأرض كما يقول المخادعون و المتاجرون بالدين.
    بدون مواجهة الأوهام التي يتم تسويقها لأبنائنا و نقد ما يسمى بالخلافة و إيجاد مفهوم جديد دفاعي لا هجومي للجهاد و ربطه بسياقه التاريخي، وفي غياب المدارس العقلية و سيادة العقلية النقلية المتلقية لوعيها عن طريق التلقين، لا أمل في مواجهة حاسمة للتطرف، و لا إمكانية لهزيمة فكر التطرف في القريب العاجل. فغياب الأمن الفكري ، يدفع شبابنا لقبول هذه البضاعة الفاسدة، متوهماً أنها تشكل العلاج لمشاكل الفقر و الإفقار و الإستبداد السياسي و العطالة ، و أنها وسيلة لأن يسود العالم لا أن يعالج مشاكل مجتمعه فقط، فلماذا لا ينضم إليها؟ . المعركة بالأساس معركة أمن فكري ، مدخلها فضح أكذوبة و جود دولة مثالية بناها بشر (دولة الخلافة) و أنها صالحة لكل زمان مكان، و أنها تشكل حلاً سحرياً لكل المشكلات التي يواجهها المسلمون. إذ طالما طال السكوت على هذا الوهم و منعت مدارس التفكير العقلية الأخرى بإشهار سيف التكفير، سوف يستمر التطرف الفكر الوحيد القادر على الإحتجاج على فشل الإسلام السياسي، بإعتباره فكراً سهلاً و دائرياً يعفي من التفكير، يشكل زفرة للمخلوق المعذب، وفكراً لعالم بلا فكر.
    لسنا متفائلين و لا متشائمين، فالأمر ليس بسيطاً و لا سهلاً، و الصراع في الجبهة الفكرية و الآيدلوجية هو الأكثر مرارة و عنفاً ، و لا يمكن الإنتصار فيه دون إستصحاب العوامل الأخرى الإقتصادية و السياسية و السيكلوجيا الإجتماعية و ماتبقى من عناصر ثقافية. و لا شك أن أوان هذه المعركة قد آن، فهل نحن جاهزون؟.




    ماذا يميز الفكر المتطرف؟
    يتميز الفكر المتطرف بالسهولة و المباشرة ، فهو لديه كل الإجابات غير الصحيحة على أسئلة الواقع المعقدة التي ليس لديها إجابات مباشرة! إذ أنه لا يتطلب أي جهد ذهني لمعالجة أياً من تلك الأسئلة، فكل ما على من يعتنقه أن يرجع لرأي من آراء الفقهاء النقليين معطلي العقل كإبن تيمية ، ليجد الإجابة جاهزة عن سؤال ما كان لإبن تيمية أن يعلمه أو يسمع به ناهيك عن أن يجيب عليه. فبالنسبة للعقل المتطرف، لا يوجد جديد ألبتة، فالكون تجمد منذ القرن السابع و لم يعد يتجدد، و أي تجديد هو من محدثات الأمور، وبالتالي هو بدعة والبدعة ضلالة والضلالة في النار. لذلك الفكر المتطرف، ينظر إلى الحياة بمنظار يقسمها للونين أبيض و أسود، وحلال وحرام، و موجود في ذهنية الأسلاف مفصل و محاكم و محدد على سبيل القطع، و محدث باطل و منكر لابد من تغييره باليد. و هذه السمة لهذا الفكر، تعفي الشباب من التفكير في المشكلات المستعصية الماثلة كالمشكلات الإقتصادية و أزمة البطالة و مشكلات التبعية لرأس المال العالمي و مشكلات السياسة المحلية والإقليمية والدولية، لأنها تعطي إجابة واحدة لكل هذه الإسئلة وهي أن العودة إلى الدين قادرة على حل جميع المشكلات. أي أن هذا الفكر المبسط للقضايا المعقدة الراهنة، يعفي الشباب من التفكير الجاد ، و يعلمهم الكسل الذهني، و يبشرهم بأن علاج جميع المشاكل هو فرض دولة الخلافة على المجتمعات الإسلامية.
    كذلك يتميز هذا الفكر بدائرية تجعله غير قابل للنقض وفقاً لمنطقه، فهو من ناحية يمتلك كل الإجابات لكل الأسئلة، ومن ناحية أخرى يربط كل نشاط معتنقه السياسي و المجتمعي بالغيب و إرادة السماء فيعفي محازبه من تبعات أفعاله و يجعله ينسبها إلى إرادة الله عز وجل من ناحية أخري، و ينسب كل ما يعترضه من فشل و إخفاقات و عقبات إلى الإبتلاء و الإمتحان الإلهي من ناحية ثالثة. و لذلك المتطرف لا يرى عيوبه بإعتبار أنه في مطلق الأحوال يجد نفسه في إحدى هذه الحالات الثلاث أو فيها مجتمعة. فهو من ناحية مجرد آلة تنفذ إرادة الله و أوامره بإقامة الدين و إعمار الأرض عبر سياسة الدنيا، و لا يقوم الدين في ذهنه إلا بدولة مطابقة للدولة التي أقامته إبتداءاً لأنه يؤمن بأن التاريخ يجب أن يعيد نفسه و أن يستمر بنفس الصورة إلى أن تقوم الساعة. وهذا يعطيه رضا و سلام داخلي، يمنعه من رؤية ما يرتكبه من جرائم و بشاعات يندى لها جبين الإنسان، من ذبح للبشر و إسترقاق لأهل بلاد لا علاقة له بها من قريب أو بعيد، لمجرد أن أهل هذه البلاد لا يوافقونه فكرته بأن الله يريد لهم أن يعيشوا كما عاش البشر في القرن السابع الميلادي. أيضاً يملكه هذا الفكر يقيناً بالصحة المطلقة لأفكاره حتى و إن لم تتحقق أو قوبل بهزائم يسميها فكره إبتلاءات، كما يعزز إيمانه بالنصر الحتمي الذي يدفعه لمزيد من العنف و إرتكاب مزيد من الجرائم.
    و فوق ذلك يزود فكر التطرف المنتسب إليه بأدوات فاعلة تجعله و صياً على البشرية جمعاء، ويقيض له تكفير المجتمع الذي يعيش فيه بعد تكفير حكامه، كما يعطيه القدرة على تكفير كل الحكام بالدول الإسلامية و تكفير المسلمين الذين لا يوافقونه و يدعمون أفكاره، فضلاً عن تكفير غير المسلمين بالجملة بإعتبار أن الكفر ملةً واحدة. و هذا يعطيه إجابات على ثلاثة مستويات هي: مستوى الدولة التي يعيش فيها و طريقة حكمها مما يعزز قناعته بكفر الحاكم و ينسحب ذلك على بقية حكام العالم الإسلامي لأنهم لا يقيمون الدين و يمنعون قيام دولة الخلافة، و مستوى مجتمعه و مجتمعات المسلمين الذين يجد راحة في تكفيرهم لرضاهم بالتحاكم للطاغوت و عدم قيامه بواجب إقامة الخلافة ، وعلى مستوى دولي يسمح له بتكفير و معاداة كل الدول بالعالم بإعتبار أنها تعادي الإسلام و تكيد له. و هو بذلك يجيب على مشكلة الإستبداد السياسي الداخلي بتجاوز الدولة الوطنية لما هو أكبر منها و إلغاء الحاكم الكافر المحلي، و يلغي المجتمعات المحلية و مشكلاتها بإلغائها هي نفسها و دمج ما يتبعه منها بجسم دولة الخلافة، و يجيب على مشكلة التبعية بحتمية إنتصار دولة الخلافة على الغرب و عودة سيادة المسلمين على كل العالم.
    كل ما تقدم يكرس حالة الإستعلاء لدى الشخص المتطرف، فهو مرتبط بالذات الإلهية و ينفذ تعليماتها، و مجرد آلة في ترس كبير غرضه تعبدي بالدرجة الأولى ، لا أطماع دنيوية لديه ولا أهمية ألبتة لكينونته الفردية. فالمشروع الذي إنتمى إليه مشروع وضعه الله للبشر ، و من الطبيعي أن يضحي بكينونته البشرية من أجله، حتى و إن إستلزم ذلك نفي ذاته و تنفيذ عملية إنتحارية تساعد في إنتصار المشروع. وهو في ذلك لا يسأل عن أية تفاصيل، بل يثق ثقة كاملة في قيادته و في شرعييه الذين يقومون بنبش ما يحقق أهداف المشروع من التراث الإسلامي و حوادثه حتى و إن كان مخالفاً لصريح نصوص القرآن. فهو غير مكلف بالنظر في التفاصيل، و لا بالتفكير لنفسه، ولا مناقشة كيفية تنفيذ المشروع الإلهي الذي يتبناه، لأن مهمته تتقوم في الذوبان في الجماعة و طاعة أولي الأمر. و بقيامه بذلك ، يكون قد حقق الطاعة بمفهومها المتكامل، و يحظى بجنة عرضها السموات و الأرض. ومثل هذا الموقف يكسبه قسوة و عنف في مواجهة مخالفيه في الرأي، لا لأنهم يرفضون إقامة دولة الخلافة الإلهية فقط، بل لأنهم يفضحون عجزه عن مناقشة التفاصيل الخاصة بمشروعه نفسه، و لا يطيعون أولي الأمر الذين يطيعهم بلا تردد حتى و إن طلبوا منه ذبح من يقول لا إله إلا الله محمداً رسول الله.
    فالفكر المتطرف بعد إعفاء معتنقه من التفكير، يكلف قيادته بالتفكير نيابةً عنه تماماً كالفوهرر الذي كان يفكر بدلاً عن أعضاء الحزب النازي. و هو يزود الفرد بقدرة على رفض مجتمعه و رفض محيطه الإسلامي و رفض العالم بمجمله، كما يزوده بسلاح التكفير الموسع الذي يجعله قادراً على رفض أي فكرة تخالف فكرته، و يزوده كذلك بحصانة من الجرائم التي يرتكبها، فيحوله إلى آلة مدمرة تم تغييب عقلها تماماً و تخديره بأقوى أنواع المخدرات. إذ ان من يقع في أحابيل هذا الفكر لا يستطيع الخروج منه إلا بصدمة كبيرة تجعله قادراً على إعادة التفكير من جديد. فالراحة التي يجدها الشخص القلق الباحث عن إجابات لأسئلة صعبة و معقدة تحتاج إلى جهد إنساني كبير للإجابة عليها في هذا الفكر التبسيطي، لا تعادلها راحة. فهو يخرجه من دائرة العجز إلى دائرة إمتلاك الحقيقة المطلقة، و من دائرة الهزيمة إلى دائرة الوعد بالنصر الحتمي، و من دائرة المسئولية إلى مركز الحصانة و الإستعلاء على الآخرين. بالإضافة إلى أنه يمنيه برضا المولى عز وجل عليه، و يبشره بدخول الجنة و الفوز بالحور العين في حال موته. لذلك يصبح عدواً شرساً لمن يخالفه الرأي أو من يحاول أن يزيل حلاوة هذا المخدر العنيف عنه و يرجعه لواقع الهزيمة و الأسئلة المؤرقة منعدمة الإجابات المباشرة.
    و المنتمي لهذا الفكر، يلغي كل منجزات البشرية الفكرية و كل ما أنجزه العقل الفلسفي الإنساني، و لا يكتفي بذلك بل يصادر كل منجزات العقل العلمي التطبيقي و ينسبها إلى الدين. وهو في ذلك يلاقي عقل الإسلام السياسي الذي يدعي التحديث و في نفس الوقت يحاول أن يصادر العلوم التطبيقية و الإنسانية لأسلمتها عبر إدعاء التأصيل و أبحاث الإيمان و ما إلى ذلك من الإدعاءات. لذلك نراه في المنظمات المتطرفة الراهنة لا يستنكف عن إستخدام التكنلوجيا الحديثة، ويركز على التجنيد عبر و سائط التواصل الإجتماعي ، و يركز في دعايته السياسة على المواقع الإلكترونية، في حين أنه في القرن الماضي كان يكفر الحاكم لمجرد قبوله إستخدام التلكس و التلغراف. فالفكر المتطرف الراهن على عكس سلفه، وعى أهمية المعرفة و منجزات البشرية لا للتصالح معها و لكن لمصادرتها لمصلحة مشروعه و إستخدامها لهزيمة العقل الذي أنجزها بترويج التاريخ على حساب المستقبل، و إستدعاء الماضي حرفياً لتمثيله في حاضر اليوم لمصادرة هذا الحاضر.
    و الناظر للفكر المتطرف، يجد أنه يعلم ضمنياً إستحالة جلب الماضي برمته لفرضه على الحاضر، لذلك يكتفي بجلب التصور السياسي التاريخي لتركيبه على الحاضر لتحقيق أهدافه السياسية، و يرفض بالتالي كل منجزات الإنسانية بخصوص السياسة التي أصبحت علماً، و لكنه يرضى بكل منجزات التكنلوجيا و العلوم التطبيقية و يسعى لمصادرتها و توظيفها ضد العقل الذي أنتجها. فهو يقاتل بتكنلوجيا كافرة صنعها الغرب الكافر، و يركب السيارات ذات الدفع الرباعي و لا ينادي بالعودة لركوب البعير و الحصان، و يستخدم أجهزة اللاسلكي و يستعين بصور الأقمار الصناعية، و يوظف الإنترنت في خدمته. و هذا يعني أن هذا الفكر يسعى لإستخدام منجزات العصر ضد حالة العصر و إنسانيته، و لهذا هو أكثر خطورة من سلفه.
    خلاصة الأمر هي أن الفكر المتطرف التكفيري الراهن، فكر غير علمي بالمطلق على مستواه الإنساني، ولكنه يستفيد من منجزات العلوم التطبيقية و يستهلكها في سبيل هزيمة منتجيها و هزيمة العقل النقدي المعرفي الذي أنتجها. و لبساطته و دائريته و عدم قابليته للنقض كأي فكر لا علمي، ينجح في إراحة الكثيرين بصيغته الإحتجاجية و يوفر لهم ملاذاً يسمح لهم بممارسة الكسل الذهني و إكتساب التفوق الوهمي و الحصانة، و يبشرهم بحتمية الإنتصار. و لهذا هو خطر على البشرية جمعاء ، لن تنجح الحلول الأمنية فقط في إستئصاله.








    ماهي تداعيات الفكر المتطرف؟
    يتوهم البعض أن الخسارة التي تصيب المجتمعات من الفكر المتطرف، تقتصر على مصادرة مستقبل بعض أبنائها مع خلق حالة عنف و عدم إستقرار ، سرعان ما تتخطاه تلك المجتمعات و تحتويه لأنه لا يصيب إلا قلة. و هذا الوهم خطير و مدمر، لأنه يتعامل مع التطرف كحالة عارضة تصيب مجتمعات متسامحة و راسخة و متماسكة قادرة على هزيمته و التخلص منه في حال من اليقين المؤسس على فكر يرى المجتمع في حالة سكون و إستاتيكية مستدامة. و الواقع هو أن ديناميكية المجتمعات المبنية على الصراع و تغير البنية المرتبط بتغير نمط الإنتاج و طبيعة الصراع الإجتماعي، تؤكد أن هذه النظرة تبسيطية و مفارقة للتصور العلمي للظاهرة ، و هي ستقود حتماً لإنتصار التطرف. فالتطرف الإسلامي ليس حالة عارضة ، بل هو نتاج لأزمة إجتماعية بلغت درجة الإستعصاء على الحلول المطروحة، و هو يقدم حلاً و بديلاً إحتجاجياً على واقع مرفوض لا توجد أي مشاريع منافسة تقدم حلولاً جاذبة لمعضلاته. لذلك تداعيات هذا التطرف كبيرة جداً و شديدة التطرف أيضاً و لكنها غير ثورية. فبالرغم من السمة الإحتجاجية لهذا الفكر و الرغبة في التغيير الجذري لمجتمعاته، إلا أنه لا يقدم بديلاً ينقل مجتمعاته للمستقبل، بل يصر على إعادتها للماضي عبر إعادة تمثيل هذا الماضي في الحاضر، كما أنه لا يقدم أية حلول واقعية لأزمتها المتمثلة في إستكمال عناصر الإستقلال و كسر حلقة التبعية و تحقيق عدالة إجتماعية في ظل نظام يحترم الإنسان و يراعي حقوقه.
    و من أهم تداعيات هذا الفكر على مستوى عام، عدم إعترافه بالدولة القومية أو الوطنية و رغبته في إعادة تشكيل إمبراطورية مركزية في المساحة التاريخية للإمبراطورية الإسلامية عند أقصى لحظات توسعها بما في ذلك ضم الأندلس و إستعادة النفوذ في منطقة البلقان. أي إعادة خارطة العالم لسيرتها الأولى و تبديل الأدوار مع الدول الإستعمارية بإعادة إستعمار جزء من القارة الأوروبية. فهذا النوع من الفكر لا يستطيع أن يرى حالة فيها تعايشاً سلمياً بين الأمم في ظل تساوي و ندية، فهو إما غالب و مستعمر أو مغلوب و تحت قبضة الإستعمار، و العالم في ذهنه مقسوم لقسمين هما دار الإسلام و دار الحرب. و في تقدير هذا الفكر أن الدولة الوطنية تعيق تحقيق مشروعه الذي يقدم حلاً سحرياً لكل المشاكل، و ترسخ الكفر المبني على المواطنة في حين أن الخلافة تبنى على الإسلام. لذلك أولى التداعيات هي تدميره لهذه الدولة الكافرة و سحقها ، و الإجهاز تماماً على أي فرصة لقيام دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان و حرياته. يساعده في ذلك فشل نموذج الدولة الوطنية الذي أعقب إستقلال الدول الإسلامية و العربية، و الذي أفرغ من مضمونه عبر الإستبداد السياسي، حيث بنيت دولة المواطنة على مصادرة حقوق المواطنة! ، و فشلت الدولة في تحقيق العدالة الإجتماعية، مثلما فشلت في التحرر من التبعية الإقتصادية و الإرتباط المهين بالمركز الإستعماري.
    الرغبة في تحطيم الدولة الوطنية، تتواكب حتماً مع إنكار حدودها و العمل على إعادة هيكلة المنطقة العربية و الإسلامية بتدمير الحدود القائمة للدول، و هذا يتفق مرحلياً مع الأهداف الإستعمارية الرامية لإعادة رسم الخرط و خلق شرق أوسط جديد. لذلك يبدو الفكر المتطرف في هذه المرحلة حليفاً موضوعياً للإستعمار، سواء وعى من يحملونه هذه الحقيقة أم لا. فهم بشكل أو آخر يعيدون إنتاج التبعية للغرب الكافر مرحلياً، و لكنهم بالحتم سوف يصطدمون به إستراتيجياً عاجلاً أم آجلاً. فهم و إن كانوا خاليي الوفاض من برنامج تحرر إقتصادي يؤسس لفصم عري التبعية، كما أنهم قادرين على المساعدة في إعادة رسم الخرط، إلا أن إستراتيجيتهم توحيدية و ليست تقسيمية في بعدها الإستراتيجي، كما أنها إستراتيجية لا تقبل التحالفات ولا التبعية بل ولا حتى المساواة مع الأمم الأخرى، لأنها مبنية على هيكلية دار الحرب و دار الإسلام. فالعقل المتطرف قد يقبل تحالفاً مرحلياً مع المستعمر أو مع الدول الكافرة لحين تحقيق أهدافه المرحلية و السيطرة على السلطة في مكان ما، ولكنه سرعان ما ينقلب على مثل هذا التحالف بمجرد إحساسه بأن لديه القدرة على تسيير أموره بنفسه و مواصلة التوسع. و الأمثلة واضحة من حصيلة ما يسمى بالجهاد الأفغاني الذي تناسلت منه القاعدة فضربت الولايات المتحدة الأمريكية، وطالبان التي أصبحت مشكلة لباكستان و مخابراتها التي صنعتها، و داعش التي بدأت بالفعل مرحلة التفجير الإنتحاري في تركيا التي قدمت لها كل سبل الدعم.
    كذلك ينتج عن الفكر المتطرف خلق نموذج دولة تاريخي لا علاقة له بالدولة الحديثة التي تعتبر مؤسسة. فهو ينتج دولة متمحورة حول فرد هو الخليفة يجمع في يديه السلطات الثلاث التنفيذية و التشريعية و القضائية. فدولة الخلافة لا تعرف مبدأ سيادة حكم القانون الذي بنيت عليه الدولة الحديثة. فهي لا تعرف قاعدته الرئيسة المتمثلة في المساواة أمام القانون، كما أنها لاتعرف ضمانته المهمة المتمثلة في الفصل بين السلطات الذي يكرسه مبدأ إستقلال القضاء كهيئة أو مؤسسة منفصلة عن بقية المؤسسات. فالسلطة التنفيذية للخليفة مطلقة يحدها فقط الشرع أو الشريعة الإسلامية (أي الفقه الإسلامي الحافل بالإختلاف و الإجتهادات البشرية التي تم تقديسها)، و سلطته القضائية يمارسها أصالةً أو عن طريق التفويض، كما أنه يمارس سلطة التشريع رغم الإدعاء بأن المشرع هو الله، لأن النصوص المقدسة لا تفصح بذاتها عن معالجة النوازل و الأمور ، بل تطبق و فقاً لفهم الرجال لها، وهذا هو أصل مشكلة الفكر الديني بعامة. و هذا ببساطة يعني أننا بدلاً من أن نتقدم في إتجاه إستكمال بناء دولة المؤسسات، سوف يعيدنا فقه التطرف إلى دولة الفرد التي لا تنفصل عن شخص الخليفة و تتماهى معها تماهياً لافكاك منه. أي أنه سيعيدنا للدولة العربية الإسلامية السابقة لنموذج الدولة المؤسسة ذات الشخصية الإعتبارية، و التي لا تنفك عن شخص الحاكم الطبيعي بمستوى يسمح بالقول بأنها عابدة لأن الشخص الذي هو الدولة عابد! و لسنا في حاجة للقول بأن مثل هذه الدولة بطبيعتها إستبدادية لأنها حكم فرد، و لأنها تدعي عصمة و قداسة تستمدها من الزعم بأن تشريعاتها إلهية، و لأنها مبنية على الدين لا على المواطنة التي لا تعترف بها.
    أيضاً يترتب على الفكر المتطرف أن تكون الدولة توسعية. فهي دولة مجاهدة قائمة على نشر الإسلام بالسيف و الحرب، لا تحدها حدود و لا يمنعها من التوسع إلا العهود التي تبرمها مع الكفار أو الضعف الذي يمنعها من القيام بواجب الجهاد. فالعلاقات الخارجية لهذه الدولة تقوم على حالة أصلية من العداء و الحرب، و حالة السلم مع بقية الدول عارضة لحين التمكن من تجهيز مقتضيات الغزو. و لايغيب عن البال أن الغزو و الغنيمة و السلب هي أهم مصادر تمويل هذه الدولة، إذ أنها تبيح أخذ الغنائم من الكفار، و سبي نساءهم و أولادهم، و ذبح أسراهم . فهي تسمح لمقاتليها بأخذ السلب و تقسم الغنيمة و تأخذ نصيبها منها، و تفتح أبواب إسترقاق النساء و تجارة الرقيق الأبيض علناً و دون مواربة، و تذبح أسراها على شاشات التلفزيون. هذه الدولة القائمة على الدين لا تكتفي بتكفير المجتمع الذي تعمل فيه حتى يتاح لها تطبيق فكرها القائم على السلب و النهب و القتل بتبرير ديني، بل أنها لا محالة قائمة على إضطهاد الأقليات وسحقها، بإعتبار أن سحق هذه الأقليات يمثل مصدراً للتمويل من ناحية، و يعفي هذه الدولة من طابور خامس للدول الكافرة من ناحية أخرى، تتخذه الدول الكافرة ذريعة للتدخل في شئونها. و المؤسف هو أن بعض أصحاب الرأي في الدوائر الغربية لا يرون بأساً في قيام مثل هذه الدولة، بإعتبار أن قيامها بالفعل سوف يروضها و يدمجها في المجتمع الدولي و يعرفها حدودها. و هذه النظرية قائمة على أن التطرف حين يتحول إلى دولة، تجابهه الأسئلة الصعبة الخاصة بإدارة الدولة داخلياً و علاقاتها مع الدول الأخرى خارجياً. و أن مقتضيات الواقعية سوف تجبرها على إتخاذ موقف براجماتي ينتهي بها تابعاً للغرب كما حدث لتيارات مماثلة تشترك مع التطرف الحالي في الجذور و الهوية الفكرية.
    بالإضافة إلى ما تقدم، ينتج عن سيادة الفكر المتطرف و تحوله إلى دولة، مزيد من التبعية الإقتصادية للغرب، و الإرتباط بالمؤسسات الإقتصادية الدولية التي تتحكم في الإقتصاد العالمي. فالفكر الإسلامي المتطرف ليس له برنامج إقتصادي بديل. فهو لا يعرف سوى الغنيمة و الزكاة و العشور و الخراج و ربما إذا تساهل قليلاً البنوك الإسلامية، و ليس لديه أي نظريات حول التبعية و لا التنمية و لا حتى النمو الإقتصادي ، ولا موقف من أسواق المال و نشاط تحرك الرساميل و التوسع الرأسمالي، ولا حتى فكر إقتصادي عام. فقط يتوقع أن يصك عملته الخاصة من الذهب و الفضة في محاكاة نمطية لسلوك الخلافة الغابرة، وربما يحرم العملات الورقية، و لكن يستمر في التعامل بالدولار! فهو الآن فيما يسمى بدولة الخلافة، يبيع منتجاته البترولية المسروقة من الشعبين السوري و العراقي، للمهربين و الشركات التركية بالعملات الورقية الكافرة ليسير دولاب الحياة في المناطق التي إحتلها و أسس فيها دولته. و بلاشك إزدياد التبعية مع عزلة متوقعة معلنة عن الأسواق العالمية عبر منظومة العقوبات الإقتصادية و تعامل من تحت الطاولة، سوف تزيد من الإنقسامات الإجتماعية و التفاوت الطبقي، وتكرس غياب العدالة الإجتماعية، مع مواكبة حتمية للفساد و الإستبداد السياسي مهما علت صيحات التطهر و الكذب بإسم الله. و هذا بالطبع يرتبط بصعود إجتماعي لكادر هذا الفكر ، الذي تقدم له دولة الخلافة موقعاً أفضل في كل الأحوال من الموقع الذي كان يشغله بصورة عامة، و تنقله من حال البطالة لحال أصحاب الرواتب، أو من حال من يقبض فتاتاً لمن يقبض بالدولار الكافر. و لا يمنع ذلك من أن يكون هناك بعض من الكادر الذي تخلى عن حياة أفضل تحت ضغط الوهم الآيدلوجي و الرغبة في دخول الجنة على حساب قتل الآخرين و سحقهم و سلبهم و إستعباد أسرهم و إغتصاب نساءهم.
    فوق ذلك، يترتب على تحول الفكر المتطرف لدولة، سيادة اللاعقلانية كمنهج في الحياة، و تحريم التفكير خارج إطار الفكر المتطرف و حدوده، و تنميط الخطاب السياسي و الديني و الثقافي – إن وجد- . و يستتبع ذلك قيام نمط من التعليم الذي يشكل عقولاً قائمة على النقل و ملغية للعقل مالم يخدم العقل مخطط دولة التطرف، و مؤسسات وعي تمنع الإبداع و تقطع المواطن عن تطور المعرفة و العلوم و الفكر البشري، و تسعى إلى سجنه و إجباره على التعامل مع منتجات ما قبل العصور الوسطى. و هذا ينتج إنساناً تابعاً مستهلكاً للمعرفة البشرية المتحولة لمنتجات أو تكنلوجيا، رافضاً للعقل الذي أنتجها و ساعياً إلى قطع رأس من يحمل ذلك العقل. أي أنه يقود إلى مزيد من التبعية للعقل الغربي المسيطر، و يكرس الجهل و يعيد إنتاج التخلف، ويحرسه بالعنف و التقتيل و جز الرؤوس بعد التكفير. فخلق مثل هذه الحالة الفكرية المتردية ، يؤسس لإستمرارية الوهم بالقوة، و يمنع من التحرر من الفكر المتطرف، و يدفع لمزيد من العدائية ، و يحتم الفشل في معالجة المشاكل الراهنة التي تبحث عن حلول ليست سهلة بأية حال من الأحوال. هذا النمط من الإنسان المقهور المتماهي في المتسلط، يجد عزاءه دائماً في إظهار عدائيته للآخر وفي إنتاج مزيد من التطرف. لذلك هو أداة طيعة في يد التطرف يرمي بها من يشاء، فتقمع معه الداخل، و تتطلع دائماً إلى غزو الخارج و تدميره و جمع الغنائم منه و الحصول على جوارٍ من بنات الأصفر. و توهم القدرة على السيطرة على مثل هذه العقول هو مجرد سلوك صبياني لا غير. إذ أن من الممكن توظيفه لفترة و تربيته في حجر دول تدعي الديمقراطية و الإنتصار لحقوق الإنسان كما هي قائمة عندها، و لكنه بالحتم سوف يخرج عن نطاق السيطرة لأنه بالأساس لا يعترف بالآخر الذي هو عدو و كافر في مطلق الأحوال. فهو حتماً سوف ينقلب على مشغليه، و يأكل الشاة التي أرضعته، و لن ينسى أنه ذئب في كل الأحوال.
    و الخلاصة هي أن الفكر المتطرف لن يكتف بسرقة و مصادرة مستقبل أبنائنا فقط، بل سوف يسعى لمصادرة مستقبلنا جميعاً و مستقبل المجتمعات العربية و الإسلامية قاطبة، و يمتد خطره للمجتمعات غير الإسلامية التي تعتبر دار حرب بالنسبة له. و هو يجتهد لتهديم الدولة الوطنية وبناء الدولة الدينية الإستبدادية بطبيعتها، و إعادة المجتمعات لدولة الفرد التاريخية السابقة للدولة المؤسسة ذات الشخصية الإعتبارية، كما أنه سوف يعمق التبعية الإقتصادية للغرب و يفشل في حل مشكلة العدالة الإجتماعية، و يؤسس للتخلف و الجهل، و يسعى للتوسع حرباً ونشر تخلفه في العالم أجمع.
















    كيف نواجه الفكر المتطرف؟
    لا خلاف حول أن معالجة المشكلة جزء من تصورها و فهمها. فإذا لم نستطع أن نرصد الحدث أو الظاهرة و نحللها و نفهم سياقها و علاقة التأثير المتبادل بينها و بين الظواهر الأخرى، لا سبيل لمجابهتها و معالجة آثارها. و ظاهرة الإسلام السياسي بعامة و الفكر المتطرف بخاصة، هي مرض إجتماعي لا يمكن تشخيصه بمعزل عن المجتمعات التي نشأ فيها و ظروف نشأته و تطوره و علاقته بالظروف المحيطة به من مناخ سياسي و إقتصادي و ثقافي محلي و إقليمي و عالمي. و لكن البداية دائماً داخلية لأن جذور هذا المرض ليست خارج المجتمعات بل تكمن في بنية هذه المجتمعات نفسها التي يسعى الفكر المتطرف لإستبدالها بمجتمعه المتوهم النقي الطاهر المشابه إن لم يكن مطابق لمجتمع القرن السابع الميلادي. إذ أن الإسلام السياسي نفسه، نشأ في مجابهة الفكر التنويري المعادي للإستعمار و الشاخص لبناء دولة حديثة بكافة مدارسه، بإعتباره بديلاً له يحقق الهدف من طرد المستعمر، و يبني دولة أكبر من الدولة الوطنية التي يسعى لها فكر الإستنارة، و يعيد أمجاد الخلافة الإسلامية، في إصالة تستلزم تقليد السلف و تستلف قواعد وأسس مجتمعهم أو تحاول عبثاً جلب ذلك المجتمع ليحكم الحاضر. هذا بالطبع ينطبق على الحركات الإسلامية التي نشأت في النصف الأول من القرن العشرين، كما ينطبق في عمومه لما سبقها من حركات قاومت الإستعمار التركي المسمى بالخلافة العثمانية.
    فالسياق العام لنشوء فكر الإسلام السياسي هو المناخ الباحث عن بديل لواقع الإستعمار، دون أن يمتلك أدوات تحليل الظاهرة الإستعمارية و فهمها، مما يدفعه للعودة للماضي لإيجاد حلول لمشكلة الواقع الراهن المستعصية على الحل، و لرفض الحلول العلمية مع البحث عن حلول كامنة في رأس المال الرمزي. و هذا السياق دفع قطاع مؤثر من المتعلمين و أبناء الطبقة الوسطى و فئات من البرجوازية الصغيرة في الدول المستعمرة، لتبني الإسلام السياسي كحل سحري لمشكلة الإستعمار و تبعاتها. و لكن لم يمنع بعض حركات الإسلام السياسي من التعاون مع الإستعمار و هي مازالت تخدمه، لأن سياق ميلاد هذه الحركات أو هذا الفكر لا يمنع من أن تتلاقى هذه الحركات مرحلياً في الأهداف مع الإستعمار نفسه الذي نشأت في سياق محاربته لتحقيق هدفها في الوصول إلى السلطة. و حقيقة عدم إمتلاك هذه الفكر لأدوات تحليل علمية لمشكلات ما بعد الإستعمار عقب الإستقلال السياسي، يدفعه للتعميم و التبسيط و الحديث عن حل و حيد لكل المشكلات، و الإكتفاء بالشعار السياسي و الإستعاضة به عن البرامج التفصيلية التي حتماً ستفضح عجزه. و بلاشك هذه الطبيعة تفضحه أمام كافة القوى الإجتماعية الراغبة في إستغلاله لتحقيق أهدافها الإجتماعية مما يجعل محتواه الإجتماعي مختلفاً حسب تطور كل مجتمع، حيث يمكن أن يستخدم من قطاعات في الطبقة الوسطى و البرجوازية الصغيرة، مثلما يمكن إستخدامه من قبل الرأسمال الطفيلي و الرأسمال التابع للإستعمار.
    لذلك أول ما يجب الإنتباه إليه في مجابهة الفكر المتطرف و الإسلام السياسي بعامة، هو الإصرار على طرح الأسئلة الصعبة التي لا توجد لها إجابات مباشرة و المتعلقة بطبيعة السلطة السياسية و الموقف من دولة سيادة حكم القانون، و تلك المتعلقة بواجب التعمير المرتبط بعملية التحرير إرتباطاً لا فكاك منه. فإجبار الإسلام السياسي و الفكر المتطرف على تحديد نموذجه للدولة التي يرغب في إقامتها من حيث شكلها و آليات حكمها و طبيعة السلطات فيها من حيث الإندماج و الإستقلال و حقوق و حريات الناس و علاقتهم بالسلطة، جميعها مسائل حاضرة موقف الإسلام السياسي منها بعامة إما تاريخي تجاوزه الزمن أو ملتبس و مرائي يحاول المواكبة في تناقض واضح بين أصل نظريته و موقفه السياسي. و لكن موقفه من التبعية و التحرر الإقتصادي أكثر و ضوحاً. فهو و بجميع مدارسه يبقي على النظام الرأسمالي في الجوهر مع بعض المسحة التجميلية في أحسن الأحوال، و يغالي في قبول التبعية للرأسمال العالمي و الطاعة لمؤسساته كصندوق النقد الدولي ، و خير مثال لذلك النظام السوداني الثورجي الكاذب. فالإسلام السياسي – على عكس الأكاذيب حول الإقتصاد الإسلامي- لا يمتلك نظرية إقتصادية متكاملة تخصه، بل يستنطق التراث ليبرر إستمرار النظام الرأسمالي في أحسن أحواله ، أو يعيد إستدعاء التراث نفسه بحرفيته في ظروف تغيرت بشكل كامل. فطرح مثل هذه الأسئلة و محاصرة الإسلام السياسي بعامة و الفكر المتطرف بخاصة بها، يفضح مدى هشاشة هذا النوع من التفكير و يوضح أساسه و جذوره الإجتماعية، ويبين أنه يسعى للسيطرة من أجل مصالح قوى إجتماعية بعينها، و ليعيد إنتاج الإستبداد و التبعية في سياق دعاوى كاذبة عن التحرر و الإستقلال.
    يواكب طرح الأسئلة الصعبة في السياسة و الإقتصاد، تنوير حول تاريخية دولة الخلافة ، بوضعها في سياقها التاريخي و تحديد ملامحها و أسباب نشؤها و قوانينها و طبيعة مجتمعها ، مع إضاءة جوانبها السلبية المخفية و المتستر عليها، لإزالة هالة القداسة المصنوعة حولها منذ حكم بني أمية، و إرجاعها لطبيعتها كإجتهاد بشري لبى إحتياجات واقعه التاريخي. وربط هذه القراءة بتأكيد إستحالة عودة هذا النموذج ليصبح حلاً للمشكلات الراهنة و للواقع المعقد الذي نعيشه اليوم. وهذا يتطلب مناقشة تفصيلية و رصد دقيق للتجارب الماثلة لما يسمى بالدولة الإسلامية ، بدءاً من دولة باكستان و دولة جعفر نميري في السودان، مروراً بدولة طالبان و شبه دولة الصومال، و دولة الحركة الإسلامية الراهنة في السودان، و إنتهاءاً بتجارب ما يسمى بالربيع العربي، مع إستصحاب التجربة الشيعية في إيران ، و تجارب بعض الدول الأخرى التاريخية. فجميع هذه التجارب بلا إستثناء، أفصحت عن إستبداد سياسي يتفاوت مقداراً و ليس نوعاً، و فشلت في الإجابة على الأسئلة المطروحة و خصوصاً في بعدها المتعلق بالعدالة الإجتماعية، كما أنها فشلت فشلاً ذريعاً في الإجابة على أسئلة التنمية المستدامة و إنهاء التبعية للمركز الرأسمالي العالمي. فتكرار طرح هذه الأسئلة و مواجهة حركة الإسلام السياسي بها، يشكل و سيلة مهمة لتنوير المجتمعات العربية و الإسلامية حول مدى الوهم الذي توزعه بكرم هذه الحركات. فالمواجهة بالواقع لها دور تنويري يساعد المجتمعات على مواجهة هذا الوباء، و ربما يساعد قلة من المغيبين بالفكر السياسي الإسلامي -في شقيه المتطرف و المتطرف بالإمكان- على التخلص من هذا الوهم.
    ولكن يجب التنبه إلى أن مجرد فضح الفكر المتطرف أو الإسلام السياسي بعامة، لن يكفِ لهزيمته و تجاوزه. و ذلك لأن فضح هذا المشروع الخطير، دون توفير مشروع إنساني مستنير يواجه المشكلات المطروحة و يقدم حلولاً لها في سياق عقلاني مقبول، سوف يترك الأساس الذي نشأ عنه هذا المشروع، ويسمح بإعادة إنتاجه و بمستوى أعلى من التطرف. أي أن مجرد الفضح و الإكتفاء برد الفعل المباشر و تبيين خطأ المشروع، قد يدفع شقه المتطرف إلى مزيد من التطرف في غياب مشروع أفضل يستطيع أن يعالج الجذر الإجتماعي السياسي الذي تولد عنه. و هذا المشروع البديل، لابد أن يقدم تصوراً أفضل حول الدولة و طبيعتها و علاقتها بمواطنيها، و حول الحقوق و الحريات، و حول المؤسسية و محاربة الفساد، و حول الإقتصاد و كيفية معالجة قضايا التنمية و التخلص من التبعية، و حول قضايا إعادة توزيع الثروة و العدالة الإجتماعية. و ليس بالضرورة أن يكون مصدر هذا المشروع فكر واحد صمدي، أو تنظيم واحد، بل على العكس من الضروري جداً أن يكون نتاج مدارس متعددة تتكامل في إتجاه واحد ، و تتواضع على آليات تعزز التنوع في الوحدة، وتضع أسس سلمية و سليمة لإدارة الإختلاف و الصراع في المجتمع. و فوق ذلك تحدد كيفية التعاطي مع المجتمع الإقليمي و الدولي في إطار سلمي يعزز التعاون و يمنع التبعية، و يكرس الإنفتاح و يمنع الإستلاب ، و يراهن على القبول و يرفض المواجهة المجانية التي تقود للحصار و لمزيد من التخلف و التبعية، و يبحث عن الشراكة بجميع مستوياتها، ليوفر فرص الإستقرار و الإندماج في المجتمع الإنساني. غياب مثل هذا المشروع، يعني و بالحتم توسع دائرة الإسلام السياسي بعامة، و إزدياد حالات التطرف الديني الإحتجاجي، الذي يلغي الدولة الوطنية أو القومية من أساسها بدلاً من الإنشغال بمعالجة مشكلاتها، و يعفي نفسه من عملية التفكير الجاد.
    و لنجاح المواجهة أيضاً ، لابد من و ضع إستراتيجية تعليمية و إعلامية قادرة على مواجهة هذا المرض العضال المدعوم محلياً و إقليمياً و دولياً لأسباب بعضها تكتيكي و أخرى مرحلية. إذ لابد من تغيير مناهج التعليم في المجتمعات العربية و الإسلامية لتصبح قادرة على إنتاج عقول نقدية غير نقلية، تبحث دائماً عن الأسباب و تحلل العلاقات بين الظواهر و تجترح الحلول. فالمناهج الحالية القائمة على التلقين و التي تفتقر حتى إلى عنصر التدريب ناهيك عن الجانب السلوكي الذي يربط المعرفة و العلم بالحياة، لا تنتج إلا عقلية محتفية بالنقل واقفة عند حدود المعاني الحرفية للنصوص ، باحثة عن تنفيذ ما هو مقدم إليها حتى و إن إضطرت للي عنق الواقع أو تمديده في سرير بروكست و قطع رجليه. و الإعلام القائم على التضليل و التهويل و التخويف و تسويق الفكر التاريخي على أساس أنه شفاء من كل داء، و المدعوم بأموال البترودولار، في تنسيق تام مع الإعلام الإستعماري الذي يصنع الموافقة عبر التضليل حتى في مجتمعاته، لن يكرس سوى عقلية التلقي و الخوف و التردد و عدم الثقة بالنفس. وبدون قيام إعلام واع و متخصص برسالة واضحة و جهد معرفي، يرفض إستهلاك المعلومات المسمومة التي ترسلها المراكز الإستعمارية، و ينتج معلومته و خطابه الخاص، لا سبيل لمواجهة إعلام الوهم المتمكن من رقاب المجتمعات العربية و الإسلامية. فالمراقب للإعلام العربي و الإسلامي بشكل عام، يتضح له و لو من نظرة عجلي مدى سيطرة الإسلام السياسي بدرجاته المختلفة على الإعلام و بالتالي على الوعي الجمعي للمجتمعات المذكورة. و هو بطبيعته إعلام يكرس الوهم و يعلي من شأن الديماجوجية، و يمر ر أكاذيبه في قوالب مضللة، و يعزز عقلية التلقي عبر السهولة التي يصل فيها للناس.
    و الجدير بالذكر هو أن المشروع المؤسس لنقلة إيجابية للمجتمعات و المتصدي لمشروع التخريب و الإجهاز على هذه المجتمعات الذي يتبناه الإسلام السياسي، لا يمكن أن ينتصر دون أن يأخذ في إعتباره آليات تفاعل المجتمع الدولي و الإقليمي مع ظاهرة الإسلام السياسي. و بدون تبسيط أو تبني لنظرية المؤامرة، من الواضح أن المركز الإستعماري يتعامل مع هذه الظاهرة بإعتبارها أمر واقع، فيسعى إلى إستئصالها في مركزه، و إلى إحتوائها و توظيفها في منطقة الشرق الأوسط. ففي المركز الإستعماري تتخذ الدول كافة التدابير الأمنية اللازمة و تسن القوانين التي تؤمن لها مرونة التصرف في مجابهة التطرف تحت مسمى الإرهاب، و في نفس الوقت تسمح للشريحة الإجتماعية الحاكمة بالتعدي على حقوق مواطنيها، مثلما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر الشهيرة. و لكنها تسعى للتحالف مع شرائح من الإسلام السياسي الذي تسميه معتدل في الشرق الأوسط، و توظف التطرف في إعادة رسم الخرائط و ترسم له حدوده عبر النشاط الإستخباري الأمني تارةً، و بالنار و القصف الجوي تارةً أخرى. فهي و بإعترافها شاركت في تأسيس التطرف الذي سمى بالجهاد الأفغاني الذي تناسلت منه التنظيمات المتطرفة الراهنة، مما يعني أنها شريك في صناعة التطرف ، كما أنها ظهير واضح لجماعة الأخوان المسلمين منذ ظهور ما يسمى بالربيع العربي. و هذا لا يعني بالطبع أن موقفها سيظل ثابتاً و استاتيكياً كما دول المنطقة، إذ يستلزم مداومة قراءته بصورة متصلة، لمعرفة موقف حكومات تلك الدول المعلنة (dignified government) التي تحكم ظاهرياً، و معرفة حكوماتها الفاعلة أيضاً (efficient government) التي تحكم فعلياً، و المتمثلة في مخابراتها و مراكز أبحاثها و ممثلي شركاتها عابرة القوميات و بنوكها و صناعاتها العسكرية.
    أما المجتمع الإقليمي الواقع تحت سيطرة الإسلام السياسي، فهو إما غارق في دعم صيغته المسماة معتدلة، أو متورط في صناعة التطرف الذي يشاركه آيدلوجياه أو يشكل له أداة لتنفيذ أهدافه الإقليمية. و هو على عكس المستعمر، لا يملك حصانة إجتماعية أو أمن فكري، يمنع التطرف من الإستحواذ على مجتمعاته و يضع طبقته الحاكمة بأسرها في حال الخطر. و الملاحظ أنه يتوهم بأن الإجراءات و التدابير التي يتخذها المركز الإستعماري بشقيها الأمني و القانوني، كافية لمحاربة و هزيمة التطرف في بلاده. و هذا الوهم سوف يتبين عدم صحته ربما في فترة قريبة. فالمجتمع الإقليمي في الشرق الأوسط، لا يملك بنية المجتمعات الرأسمالية المتقدمة في المركز، ولا يملك التركيبة الإجتماعية المشابهة لتركيبة تلك المجتمعات، كما لا يملك ثقافة تلك المجتمعات و لا نوعية مواطنيها، و هو يشارك التطرف في بنية العقلية النقلية، مع توفر كل الأسباب التي أدت إلى نشوء التطرف فيه. و إذا أضفنا لذلك، فشل المجموعات التي حكمته منذ إستقلاله السياسي في إنتاج مشروع بديل له و تبني بعضها نفس المشروع قبل أن تتحول إلى دول، يصبح أمر إنتشار التطرف في ذلك المجتمع و فشل دوله في مجابهته مسألة و قت ليس إلا. و بما أننا في السودان نعاني من سيطرة الإسلام السياسي على السلطة، ومن فشله في إدارة الدولة حين الأخذ بالمعايير الموضوعية لا معاييره الذاتية، مع النظر إلى ما آل إليه مشروعه الوهمي من سيطرة للرأسمال الطفيلي و فساد و تقسيم للبلاد و رعاية للتطرف و تجريف للخارطة السياسية و تمزيق للنسيج الإجتماعي، يصبح توقع توسع مساحة و رقعة التطرف الديني أمراً منطقياً، مما يجعل مهمة مجابهة هذا التطرف أمراً عاجلاً و آنياً لا يحتمل التأجيل.
    بكل تأكيد لا ندعي أننا قد تقدمنا بعلاج شاف لمشكلة التطرف الديني المصحوب بالإرهاب، و لكننا قصدنا أن نقرع الجرس قبل فوات الأوان، لبدء التصدي الجاد لهذا الخطر الكبير الذي يتهدد حياتنا، و الذي لا سبيل للتصدي له بصورة شاملة بدون تفكيك دولة المؤتمر الوطني و إسقاطها.




    أحدث المقالات
  • محمد حسين الثانوية .....تداعي ذكريات بقلم مأمون الرشيد نايل 08-07-15, 07:22 PM, مقالات سودانيزاونلاين
  • لحين خروجنا من دي الدُحديرة.. بقلم رندا عطية 08-07-15, 07:20 PM, رندا عطية
  • نتنياهو يستنكر الإرهاب ويدين الجريمة بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي 08-07-15, 07:18 PM, مصطفى يوسف اللداوي
  • قصاصات من دفتر المعارضة ( 2) الاتحاديون و صراعات علي هامش الأحداث بقلم زين العابدين صالح عبد الرحمن 08-07-15, 07:16 PM, زين العابدين صالح عبد الرحمن
  • الفتور العاطفي بعد الزواج .. مسؤولية من ؟ بقلم نورالدين مدني 08-07-15, 07:14 PM, نور الدين مدني
  • فى ذكرى ثورة التحرير: العنصرية والأنانية هما أسِ الدَاءَ (1) بقلم عبد العزيز سام 08-07-15, 07:13 PM, عبد العزيز عثمان سام
  • هوامش علي دفتر نكسة الإتحادي الأصل بقلم صلاح الباشا 08-07-15, 07:10 PM, صلاح الباشا
  • الصورة بالغة القتامة !! بقلم حيدر احمد خيرالله 08-07-15, 07:09 PM, حيدر احمد خيرالله
  • أمريكا .. تقية وكمان نووية بقلم طه أحمد ابوالقاسم 08-07-15, 07:08 PM, طه أحمد ابوالقاسم
  • عذراٌ..إحتفلوا انتم فأنا لا.. بقلم خليل محمد سليمان 08-07-15, 07:06 PM, خليل محمد سليمان
  • عندما يتعرى سد مروي في الصيف الساخن بقلم حسن موسى أحمد 08-07-15, 07:04 PM, مقالات سودانيزاونلاين
  • تحويل محطات انتاج المياه لجنوب الخرطوم بقلم محمد الننقة 08-07-15, 05:15 PM, محمد الننقة
  • متاهة الغلبان مع كهرباء السودان!! بقلم أبوبكر يوسف إبراهيم 08-07-15, 05:13 PM, أبوبكر يوسف إبراهيم
  • الذاتي والموضوعي حيدر إبراهيم وسيرته الذاتية عرض د. حامد فضل الله- برلين 08-07-15, 05:11 PM, حامد فضل الله
  • نماذج مشرفة للإنسان السوداني في أستراليا بقلم نورالدين مدني 08-07-15, 05:09 PM, نور الدين مدني
  • عودة الإمام الصادق لسياسة الجنوب، 1930 بقلم عبد الله علي إبراهيم 08-07-15, 05:08 PM, عبدالله علي إبراهيم
  • المغتربين الاثيوبيين بقلم أحمد الياس حسين 08-07-15, 05:06 PM, احمد الياس حسين
  • قوش .. في زمن عبدالله خليل! بقلم هاشم كرار 08-07-15, 05:03 PM, هاشم كرار
  • لماذا صمتت قيادات جنوب كردفان ولم ترد على تصريحات الوالى (عيسى)!! بقلم آدم جمال أحمد-سيدنى-استراليا 08-07-15, 05:01 PM, آدم جمال أحمد
  • أفتوني فى أمري .. لمن الانقاذ ...؟؟؟ بقلم طه أحمد أبوالقاسم 08-07-15, 03:11 PM, طه أحمد ابوالقاسم
  • د عمر القراي في تورنتو حديث عن التطرف والإسلام السياسي بقلم : بدرالدين حسن علي 08-07-15, 03:08 PM, بدرالدين حسن علي
  • مافي زول بلقى عضة..!! بقلم نور الدين محمد عثمان نور الدين 08-07-15, 03:06 PM, نور الدين محمد عثمان نور الدين
  • إستحقاقات التسوية السياسية والحل الشامل بقلم نورالدين مدني 08-07-15, 03:04 PM, نور الدين مدني
  • حرية الرأي والحياة الشخصية والحشريين بقلم حيدر محمد الوائلي 08-07-15, 03:01 PM, حيدر محمد الوائلي
  • خارطة مشروعات السلطة الاقليمية .. نظرية الحساب ولد بقلم خالد تارس 08-07-15, 02:59 PM, خالد تارس
  • رسالة كندا إنتخابات ساخنة وحملة إنتخابية مبكرة بقلم بدرالدين حسن علي 08-07-15, 02:57 PM, بدرالدين حسن علي
  • مسيحُ اليهود المنتظر إرهابيٌ قاتل بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي 08-07-15, 02:56 PM, مصطفى يوسف اللداوي
  • ماذا حدث في يوم الأربعاء 6 أغسطس 2014 ؟ الحلقة الأولى ( 1- 4 ) بقلم ثروت قاسم 08-07-15, 02:54 PM, ثروت قاسم
  • قناةُ مصر من 6 أكتوبر إلى 6 أغسطس.! بقلم * أحمد إبراهيم (كاتب إماراتي) 08-07-15, 02:53 PM, أحمد إبراهيم
  • عن حرق الرضيع دوابشة حياً بعد حرق الفتى أبو خضير حيّاً: نتاج إرهاب دولة منظّم وتنسيق أمني مقدس 08-07-15, 02:51 PM, أيوب عثمان
  • لن أكون عربياً في المرة القادمة بقلم عبد الله علي إبراهيم 08-07-15, 02:03 PM, عبدالله علي إبراهيم
  • الدروشة فى منضدة البرلمان!! بقلم حيدر احمد خيرالله 08-07-15, 02:01 PM, حيدر احمد خيرالله
  • العيد و منافذ مشرقة بالأمل بقلم زين العابدين صالح عبد الرحمن 08-07-15, 02:00 PM, زين العابدين صالح عبد الرحمن
  • المحن السودانية ... السجون 7 نجوم بقلم شوقي بدرى 08-07-15, 01:57 PM, شوقي بدرى
  • إتفاقية الذهب السوداني مقابل القمح الروسي بقلم مصعب المشرّف 08-07-15, 01:56 PM, مصعب المشـرّف
  • في طريق الزعيم نٌبحر بقلم Taha Tibin 08-07-15, 04:04 AM, طه تبن
  • ثامبو أمبيكي مجرد أداة في يد الخرطوم والبشير مستمر في إستفزار الحركة الشعبية.. 08-07-15, 04:01 AM, عبدالغني بريش فيوف
  • الدوله العلمانية..أو دائرية طوباوية..!! بقلم عبدالوهاب الأنصاري 08-07-15, 04:00 AM, عبد الوهاب الأنصاري
  • نكبة قسم الله قصة قصيرة جديدة بقلم هلال زاهر الساداتي 08-07-15, 03:57 AM, هلال زاهر الساداتى
  • التديُّن المغشوش : المساجد والحج والأئمة الجُدد بقلم بابكر فيصل بابكر 08-07-15, 03:40 AM, بابكر فيصل بابكر
  • النجومي المقدام وشهدآء جيش السودان بقلم محجوب التجاني 08-07-15, 03:36 AM, محجوب التجاني
  • لاحاجة لك بهذا الوزير !! بقلم حيدر احمد خيرالله 08-07-15, 03:25 AM, حيدر احمد خيرالله
  • قف !! .. من فعل هذا؟ بقلم محمد الننقة 08-07-15, 03:24 AM, محمد الننقة
  • لا لإعدام قادة الأخوان بمصر بقلم د. أحمد عثمان 08-07-15, 03:22 AM, د.أحمد عثمان عمر
  • في بيت فرعون بقلم ماهر إبراهيم جعوان 08-07-15, 03:21 AM, ماهر إبراهيم جعوان
  • مسودة قانون الأحزاب السياسية والمشروع الديمقراطي في العراق بقلم د. أنور سعيد الحيدري/مركز المستقبل ل 08-07-15, 03:17 AM, مقالات سودانيزاونلاين
  • الانقلاب المنتظر في المؤتمر السابع لحركة فتح بقلم سميح خلف 08-07-15, 03:16 AM, سميح خلف
  • أخطاء ومسلمات في تاريخ السودان تتطلب ضرورة المراجعة 2 حملة عبد الله بن سعد عام 31 هـه 08-07-15, 03:00 AM, احمد الياس حسين
  • المهم اقتناع الشعب وليس الوطني!! بقلم حيدر احمد خيرالله 08-07-15, 02:57 AM, حيدر احمد خيرالله
  • كينيا ما بعد الجنائية الدولية..مقاربات حول ممانعة الرئيس البشير المثول امام المحكمة الجنائية الدولية 08-07-15, 02:56 AM, عبدالمنعم مكي
  • أزمة الكهرباء والمياه.. مفتعلة!! بقلم نور الدين محمد عثمان نور الدين 08-07-15, 02:51 AM, نور الدين محمد عثمان نور الدين
  • من الإكتفاء الذاتي إلى إستيراد الدقيق بقلم نورالدين مدني 08-07-15, 02:49 AM, نور الدين مدني
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de