المؤتمر الصحفى لقناة المقرن بلندن
منبر التجانى الطيب للحوار بواشنطن يقيم ندوة بعنوان مشروع الجزيرة وسياسة التمكين
هل كَفر علي الحاج أم أسَلم السودانيون؟! بقلم فتحي الضَّو
قرارات مؤتمر المائدة المستديرة واتفاقية أديس أبابا: تعقيب على السيد الصادق المهدي 3-4
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 04-26-2017, 01:35 PM الصفحة الرئيسية

المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

لا إله إلا الله محمد رسول الله..

02-13-2016, 06:14 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 22194

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


لا إله إلا الله محمد رسول الله..

    06:14 PM Feb, 13 2016

    سودانيز اون لاين
    Yasir Elsharif-Germany
    مكتبتى
    رابط مختصر

    هذه فقرات من كتاب "محمود محمد طه يدعو إلى طريق محمد" هي من أهم ما كتب الأستاذ أضعها لمن يريدون أن يقرأوا بقصد الفهم وليس من لا يهمهم سوى التشويش والتشويه وإثارة التهم التي لا تستقيم. يعقبها خطاب الأستاذ إلى قارئ اسمه الفاتح مختار. بهذه المداخلة أختم هذا البوست وأحوله إلى المكتبة، بعد وضع قصيدة "لذاتي بذاتي لا لكم أنا ظاهر * وما هذه الأكوان إلا مظاهر". كلمات القصيدة في أسفل الخطاب
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    طريق محمد


    بسم الله الرحمن الرحيم
    ((ياأيهـا النـاس !! قد جاءتكـم موعظـة من ربكـم ، وشفـاء لما في الصـدور ، وهـدى ، ورحـمـة ، للمؤمنيـن * قـل : بفضـل الله ، وبرحمتـه ، فبـذلك فليـفـرحوا ، هو خير مما يجمعون .. ))
    صدق الله العظيم ..


    مـقـدمـة

    هذه مقدمة الطبعة الثامنة من (( طريق محمد )) .. ولقد لقيت الطبعات الأولى من هذا الكتاب رواجا طيبا بين أصدقائنا القراء مما شجع على تقديمه للطبعة الثامنة - ثم إننا رأينا أن نختص هذه الطبعة الثامنة بمقدمة، خاصة بها، فيها نعالج بعض المسائل العرفانية، مما يعين على تمام التوسيل (( بطريق محمد)) ..

    الشهادة المثنية

    الشهـادة المثنيـة هـي : (( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله )) .. والشهـادة المفـردة هـي : (( لا إله إلا الله )).. وهذه شهادة (( توحيد )).. وتلك شهادة (( تصديق )).. وشهادة التصديق تجب مرة في العمر.. وتوجب الإتباع (( وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا !! واتقوا الله .. إن الله شديد العقاب )) هذا سند الإتباع من القرآن .. وسنده من الحديـث : (( صـلوا كما رأيتموني أصلي )) .. وفي بابـه أيضا (( خذوا مناسككم عني )) .. هذان في أمر الصلاة ، والحج .. وهما ينطبقان على سائر أعمال العبادات ، والطاعات .. وأما شهادة التوحيد فهي لن تنفك تقال ، في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة .. فهي خير ذكر أهل الدنيا ، في الدنيا ، وهي خير ذكر أهـل البرزخ ، في البرزخ ، وهي خيـر ذكر أهل الجنة ، في الجنة ، وهي خير ذكر أهل النار ، في النار .. وإنما يبتغي الذاكِرون من ذكرها أن يحققوها ، في حياتهم حتى ينتقل قولها بلسان المقال فيصبح قولا بلسان المقال ، ولسان الحال معا ، وذلك حين تتم ، بفضل الله ثم بفضل تجويدها ، وحدة البنية البشرية ، في كل نفس بشـرية .. وسنـد الشهادة المفردة من القرآن : (( فاعلم أنه لا إله إلا الله !! واستغفر لذنبك ، وللمؤمنين ، والمؤمنات .. والله يعلم متقلبكم ومثواكم )) .. وسندها من الحديث : (( خير ما جئـت بـه ، أنا والنبيـون من قبلي ، لا إله إلا الله )) .. وبيـن الشهـادة (( المثنيـة )) - (( لا إله إلا الله ، محمـد رسـول الله )) – والشهـادة (( المفـردة )) - (( لا إله إلا الله )) - اختلاف مقدار .. فالشهادة المثنية هي القاعدة ، في الأرض ، والشهادة المفردة هي القمة ، في الإطلاق .. وسند ذلك من كتاب الله : (( شهد الله أنه لا إله إلا هو ، والملائكة ، وأولو العلـم ، قائماً بالقسط .. لا إله إلا هو، العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام )) .. فقمة الشهادة المفـردة في الإطلاق ، عند الله ، حيث شهد بذاته ، لذاته ، بالتفرد بالأحدية .. وقاعدتها في القيد ، في الأرض ، عند المؤمنين بها ، وتلك هي الشهادة المثنية : (( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله )) .. فقولك : (( محمد رسول الله )) مدخل على قولك : (( لا إله إلا الله )) .. هي الباب ، وليس بغيره دخول في الحضرة .. وبتطبيقها ، وهو ما أسميناه تجويد التقليد ، يكون السير في مراقي التوحيد - السير في تحقيق (( لا إله إلا الله )) ، من مستوى ما يقال في الأرض ، عند المؤمنين ، وعند أولي العلم ، وعند الملائكة ، إلى مستوى ما يقال في السموات ، عند الملائكة ، وملائكة الملأ الأعلى ، ثم إلى مستوى ما يقال في الإطلاق ، عند الذات ، وهيهات !! هيهات !! فإن هذا أمر يحصل تحقيقه ، كل يوم جديد ، ولا يقع الفراغ منه ، فالسير فيه سير في السرمد ، وبحسب أولي العلم منه أن يعلموا أن تحقيقهم لـ (( لا إله إلا الله )) ، بالغاً ما بلغ ، ليس بشئ إذا ما قورن بتوحيد الله لذاته في قوله تعالى : (( شهد الله أنه لا إله إلا هو )) ..

    دائرتان

    ينتج ، لدى التفصيل ، مما تقدم إجماله دائرتان - دائرة داخلية ، ودائرة خارجية .. ولكل من الدائرتين (( مركز )) ، أو قل : (( قلب )) ، إن شئت .. ولكل من الدائرتين مدخل ، أو قل : باب يؤدي من هيكلها إلي داخلها - إلى قلبها- .. أما الدائرة الخارجية فهيكلها قولك : (( محمد رسول الله )) ، وهو شطر الشهادة المثنيـة .. وباب هـذه الدائـرة محمد ، وبـه الدخـول إلى قلبـها .. وقلبـها إنما هو قولك : (( لا إله إلا الله )) وهو الشطر الآخر من الشهادة المثنية ..
    وأما الدائـرة الداخلية فهيكلها (( لا إله إلا الله )) ، وقلبها (( الله )) ، وبابها (( الإله )).. فكأن محمدا باب الدخول على جملة (( لا إله إلا الله )) ، و(( الإله )) باب الدخول على خلاصتها .. وبين جملتها وخلاصتها أمد ما بين العبادة والعبودية ، وهو أمد تطير فيه القلوب ، بأجنحة بغير ريش ، طيرانها السرمدي .. وإلى هذا الطيران السرمدي الإشارة بقوله تعالى : (( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.. ولعلهم يتفكرون .. )) ..
    فالشهادة ((المثنية)) ليست بشهادة توحيد ، وإنما هي شهادة (( تثنية )).. و(( التثنية )) أدنى منازل التعدد من منزلة (( التوحيد )).. وفي السير منها إلى منزلة التوحيد يقع (( التجريد )).. والتجـريد هو معرفة مكانة (( الله )) من مكانة (( محمد )) .. ولا يتم (( التجريد )) إلا لمن أتقن (( التقليد )).. ومن أتقن التقليد يطالعه معنى لطيف من معاني قوله تعالى : (( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون )) ..
    والشهادة (( المفردة )) ليست بشهادة (( توحيد )) أيضا إلا إذا وقع (( التفريد )) ، والتفريد هو معرفة مكانة (( الإله )) من مكانة (( الله )) ، وتلك معرفة محجبة ، وممتنعة .. يقع شميمها ، ولا يتم تحقيقها .. وكل من كان له قدم رفيع في (( التفريد )) يطالع بالمعنى الذي يقابله من قوله تعالى : (( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين )) .. وإنما لم تكن الشهادة المفردة شهادة توحيد لأنها إنما تقوم على نفي وإثبات .. فهي حركة بين طرفين ، يمر الفكر أثناءها بخط الاستقامة ، وفي لحظة مروره تلك يتم له التوحيد ، ذلك بأنه في خط الاستقامة يجد الله .. وإلى ذلك الإشارة بقول هود : (( إني توكلت على الله ، ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها .. إن ربي على سراط مستقيم )) .. وشهادة التوحيد ، في شهادة التفريد ، هي حظ (( الله )) وحده .. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : (( قل الله !! ثم ذرهم في خوضهم يلعبون )) .. على أن يكون القول بلسان الحال ، وههنا يتـوحد الفـكر ، والقـول ، والعمـل .. فكأن (( قـل الله )) هنا هي (( كـن الله )) .. وتحقيـق هـذه الكينونـة هي وظيفـة الكلمة : (( لا إله إلا الله )) مدعـومة بالعمل الصالح ، وأعـلاه الصلاة الذكيـة .. وإلى ذلك الإشـارة بقولـه تعالى : (( إليه يصعـد الكلـم الطيـب والعمل الصالح يرفعه .. )) ..
    وكل إنسان من الناس ، بالغا ما بلغ من الرفعة ، له (( إله )) غير (( الله )) ذلك (( الإله )) هو تصوره هو (( لله )) .. وما من تصور (( لله )) إلا و (( الله )) من حيث ذاته العلية ‍، بخلافه ، فوقعت الشقة بين التصور والحقيقة .. وكل العباد إنما محاولتهم أن ينطبق تصورهم على الحقيقة ، ليكون (( إلههم )) (( الله )) ، وهيهات !! وإلى ذلك المطلب الرفيع الإشارة بقوله تعالى : (( وأقيمـوا الوزن بالقسط ، ولا تخسروا الميزان )) فكأن في إحدى كـفتي الميزان (( الله )) - (( الحقيقة )) ، وفي الكفة الأخرى (( الإله )) .. وفكـرة الإله تبـدأ من (( الباطل )) وتدخل مداخل (( الحق )) .. وإنما يطلب الحق (( الحقيقة )) .. يطلـب الحـق أن ينطـبـق على الحقيقـة تمـام الانطبـاق .. (( فالإله )) ، بمعنى آخـر ، هـو تصـورنا (( لله )) ، وهـو تصـور ، مهما بلـغ من الكمال ، قاصر قصوراً مزرياً حتى أن النبـي الكريـم قـد قال : (( أعلـم عالـم ، بجانب الله ، أحمق من بعير .. )) ..
    بإيجاز، من الناحية العملية ، والتطبيقية ، فإن (( إله )) كل إنسان إنما هو (( نفسه )).. ولما كانت نفوسنا هي حجبنا الناهضة بين عقولنا وبين الحقيقة - (( الله )) ، فقد قال المعصوم عنها : (( إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك )) .. وقال أحد العارفين : (( وجودك ذنب لا يقاس به ذنب )) .. وهذه النفس إنما هي النفس (( السفلى )) ، وقد سميت بالنفس (( الأمارة )) ، وهي تنزل من النفس (( الكاملة )) - نسبية الكمال - وهي نفس (( الإنسان الكامل )) .. وهذه ، بدورها ، إنما هي تنزل عن النفس (( الكاملة )) - مطلقة الكمال - وهي نفس (( الله )) .. وإنما سير العباد كله مجاهدة للارتقاء من النفس (( الأمارة )) إلى النفس (( الكاملة )) - إلى نفس الله .. وهذا سير سرمدي ، يقع البدء فيه ، ولا يتفق الفراغ منه .. وإلى هذا السير المجيد الإشارة بالآية الكريمة : (( قل يا أيها الناس !! قد جاءكم الحق من ربكم ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما أنا عليكم بوكيل )) .. من اهتـدى فإنما يهتدي إلى نفسه (( العليا )) - (( الكاملة )) - ومن ضل فإنما يضل في متاهات نفسه (( السفلى )) - (( الأمارة )).. وطريق محمد إنما هو (( السنة )).. هو سنة (( محمد )) في أوليات السير ، ثم هو سنة (( الله )) في أخرياته .. وهـذه السنة إنما هي السراط المستقيم ، الممدود ، رأسياً ، بيـن النفس السفلى في القاعـدة ، والنفس العليا في القمـة ، والمتمثـل ، أفقياً ، في نقطـة التقاء طـرفي الإفـراط ، والتفـريط ، أثناء تأرجـح (( النفس السفلى )) - ( اقرأ هنا (( النفس اللوامة )) بخاصة ، والأمارة موجودة ) بين هذين النقيضين .. نقطة التقاء هذين النقيضين ، في هذه القاعدة ، هي (( الحق )) .. والحق يتطور يطلب الحقيقة .. وإلى هذه السنّة النبوية الإشارة بقوله تعالى : (( قد جاءكم الحق من ربكم )).. وروح هذه الآية إنما هي في الفاصلة ، وهي قوله تعالى: (( وما أنا عليكم بوكيـل )) .. وإنما كانت هذه الفاصلة روح الآية لعظيم مكانتها في التأديب - تأديب النبي ، وتأديب أفـراد الأمـة - تأديـب (( المربي )) ، وتأديـب (( المتربي )) ، ذلك بأن بهـا يقـع على (( المتربي )) تحمل مسئولية عمله في مضمار سيره إلى تحقيق فرديته ، ويقع على (( المربي )) إخـراج نفسه من بين (( العبيد )) و (( ربهم )) حتى لا يكون قاطعاً لطريق الرب ، وحتى تكتمل له هو عبوديته ، فلا تكون له رائحة ربوبية على أحد من الخلق .. وفي هذا التأديب من لطف التأتي إلى رياضة النفوس البشرية ما يلحق بحد الإعجاز .. بل إنه لهو إعجاز القرآن الحقيقي ..
    في هذه الفاصلة إيجاز معجز لتفصيل ورد في آيتين شهيرتين ، طالما تحدثنا عنهما في عديد المواضع من كتبنا ، هما (( فذكر !! إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر )) ..
    يحسن أن نذكر هنا أن الفاصلة إنما هي سنة (( الله )) في حين : (( قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم )) هي سنة (( النبي )) .. وما يعقلها إلا العالمون ..

    أفي الله شك ؟

    في وقتنا الحاضر ليس هناك من يشك في وجود الله تعالى ، مجرد الشك ، بل هناك من ينفي وجوده وهو على ثقة مما يقول .. أكثر من هذا ، فإنه ليدعي علمية ما يقول .. ولقد وردتنا ملاحظة على ما نكتب من بعض أصدقاء (( الدعوة الإسلامية الجديدة )) .. يقول صاحب تلك الملاحظة : أننا نكتب وكأن وجود الله مفروغ منه ، بينما وجوده عند كثير من المثقفين ، عندنا وفي الخارج ، يحتاج إلى برهان ..
    يقول القرآن : (( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ؟؟ قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، والذين من بعدهم ، لا يعلمهم إلا الله ، جاءتهم رسلهم بالبينات ، فردوا أيديهم في أفواههم ، وقالوا : إنا كفرنا بما أرسلتم به ، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب * قالت رسلهم : أفي الله شك ؟؟ فاطر السموات ، والأرض ، يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجلٍ مسمى ؟؟ )).. وسيقول قائل : كيف تحتجون بالقرآن على وجود الله لدى قوم ينكرون وجود الله نفسه ؟؟ والجواب قريب : فليست المحاجة هنا بالقرآن ، وإنما المحاجة بالعبارة التي تنطوي على الإشارة إلى البداهة المعاشة وهي قوله تعالى : (( أفي الله شك ، فاطر السموات ، والأرض ؟؟ )).. ذلك بأن البداهة المعاشة ، عبر الحياة الطويلة ، هي أن لكل صنعة صانعاً .. هذه القاعدة لم تتـخلف ، ولا للحظة واحـدة .. ولقد قيل أن أعرابياً سئل عن برهـانه على وجود الله فقال : (( البعرة تدل على البعير )) .. وهذا أمر هو من البداهة بحيث لا يحتاج إلى ذكاء .. فلو أن هناك صنعة صنعت نفسها لقام اللبس الذي يمكن أن يجئ منه عذر المنكرين وجود الله ..
    وفي موضع آخر ، يجئ قوله تعالى : (( أم خلقوا من غير شئ ؟؟ أم هم الخالقون ؟؟ * أم خلقوا السموات ، والأرض ؟؟ بل لا يوقنون ..)).. قوله : (( أم خلقوا من غير شئ ؟؟ )) يعني : أم خلقوا من غير خالق ؟؟ قوله : (( أم هم الخالقون ؟؟ )) يعني أم هل خلقوا أنفسهم ؟؟ وهذا ، أو ذاك ، قول تمنع البداهة أي عاقل أن يقول به .. ومثل هذا القول يقال عن الآية الثانية :(( أم خلقوا السموات ، والأرض ؟؟ بل لا يوقنون .. )) فإن دعوى المدعين ههنا تنتهي .. انظر ماذا جاء في القرآن على لسان إبراهيم في أمر انقطاع دعوى المدعين !! قال تعالى : (( ألم تـر إلى الذي حاج إبراهيـم في ربـه ، أن آتاه الله الملك ، إذ قال إبراهيـم : ربي الذي يحيي ، ويميت .. قال : أنا أحيي ، وأميت .. قال إبراهيم : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ، فأت بها من المغرب ، فبهـت الذي كفر ؟؟ والله لا يهـدي القوم الظالمين ..)) .. وفي موضع آخر: (( خلق السموات بغير عمد ترونها ، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ، وبث فيها من كل دابـة ، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريـم * هذا خلق الله ، فأروني ماذا خلق الذين من دونه ؟؟ بل الظالمون في ضلال مبين .. )) ..
    مرة أخرى !! هل هذا احتجاج ، بالقرآن ، لإثبات وجود الله في مواجهة قوم ينكرون وجود الله ؟؟ لا !! ولا كرامة !! وإنما هو اتخاذ اسلوب القرآن ، وهو أسلوب البداهة المعاشة .. ذلك بأنه ، في البداهة المعاشة ، عبر مئين الملايين من السنين ، لم نجد صنعة بغير صانع ، ولا أثراً بغير مؤثر .. ولقد ألمعنا القول آنفاً إلى جواب الأعرابي الذي قال (( البعرة تدل على البعير )) ، وذلك في الرد على من سأله : كيف عرف وجود الله ؟؟ القـرآن كتاب الأمييـن .. نبيـه أمي ، وأمتـه أميـة .. وهـو إنمـا يتـخـذ أسلـوب البـداهة البسيـط – السـاذج إن شئـت - في مواجهتـه لقضيـة هي كبـرى قضايا الفكـر المعاصـر .. نحـن إذن لا نحتـج بالقـرآن في مواجـهة الملحـدين ، وإنما نحتـج بالأسلـوب الذي لا تقبـل البداهة غيـره .. والبـداهة تقـرر الأمـور البديهيـة ..
    ( والأمور البديهية هي الأمور الضرورية في نظر العقل ) حتى إنهم قد قالوا :-
    وليس يصح في الأذهان شئ * إذا احتاج النهار إلى دليل
    وانطلاقاً من هـذه (( الأمـور البديهية )) سار العارفـون ، والمفكـرون ، والعلماء عنـدنا .. ولقد قال العارف النابلسي :
    وخلف حجاب الكون ما أنت طالب ومن لفظة المقهور يلزم قاهر
    تأمل ملياً قوله: (( ومن لفظة المقهور يلزم قاهر )) ، تجده أمراً في غاية البداهة ..
    قالوا أن أعرابياً سئل : (( كيف عرفت الله ؟؟ )) فأجاب : (( عرفته بنقض العزائم )) ..
    منذ بضع سنوات زار مصر الفيلسوف الماركسي المعروف روجيه قارودي ، وكانت زيارته بغرض إلقاء محاضرات عامة على مجاميع المثقفين ، وقد احتفل بـه هؤلاء أيما احتفال ، ولقيت محاضراته القبـول ، والثـناء .. وقـد أوردت عنـه مجلة (( الطليعة )) فيما أوردت قوله ، في إحدى محاضراته : (( أنا طبعاً ملحد )) .. ولقد وقفت طويلا عند هذه العبارة الجريئة ، وقام في بالي أن رجلا يقول مثل هذا القول عن نفسه ليس خليقا بأن يحاضر الناس - في أي مستوى من مستوياتهم .. ذلك بأن عنده مشكلة يجب عليه الاشتغال بحلها قبل أن يشتغل بمحاضرات الآخرين ..

    الملحد !! من هو ؟؟

    الملحد هو رجل يرفض أن يعتقد في الله ، وفي الغيب ، وفي الأرواح ، وفي الحياة الأخرى التي تكون بعد الموت .. ويرفض ما تقوم عليه الأديان من تفسير للكون - يرفض جملته وتفصيله- ويبني اقتناعه على ما يسميه نظرة علمية للكون ، مأخوذة من نظريات ، ومعطيات العلم التجريبي المادي .. وفلسفة الملحد هي (( الفلسفة المادية )) التي تنبني على نقض قيم الدين ، وعلى محاولة تقويضها .. وتسعى لصرف الناس عن الدينونة بتلك القيم ، وعن الاعتقاد فيها ..

    وما هي المادية ؟

    الفلسفة المادية هي النظرة المبنية على العلم التجريبي ، والتي تقول : أن الكون مادة .. ( والمادة هي ما تدركه الحواس ، وما يدركه العقل ، من هذا الكون المحسوس الذي نعيش فيه ) ..
    فالمادية هي الفلسفة التي تقول أن الكون مادة .. فليس في الكون غير المادة ، وغير القوانين التي تحكم تحركها ، وتغيرها .. والفلسفة المادية في حرب سافرة ، لا هوادة فيها ، ولا مهادنة ، مع كل المفاهيم الروحية التي تقوم على ما وراء المادة ، سواء عندها أكانت هذه المفاهيم تظهر في ثوب الدين ، بصوره العقيدية ، أم كانت تلبس ثوب الفلسفة المثالية ، ( كما تعبر هي عنها في سخرية ، وفي زراية ) ..
    لدي النظرية المادية الطبيعة ( المادة ) تتطور حتى تبلغ أعلى شكولها ، بما في ذلك الحياة ، والعقل المفكر نفسه ، بأسباب مودعة فيها ، وفي قوانينها ، وليس بأسباب ، أو قوى ، خارجة عنها .. ولقد نشأت الفلسفة المادية منذ زمن طويل ، ولكنها بلغت قمة تفلسفها على يدي ماركس ، وانجلز ، فيما سمى عندهما (( بالمادية الديالكتيكية )) ..
    هذا هو الإلحاد ، وهذه هي فلسفته المادية ، أوردتهما بإيجاز شديد ، ولكنني أرجو له ألا يكون إيجازاً مخلا ..
    عنـد الفلسـفـة المـاديـة المـادة ، كمـا تـدركها الحـواس ، والعقـول ، أصـل ، والعقـل أثر - المادة سابقة والعقول لاحقة .. هذا بطبيعة الحال صحيح .. فقد برزت المادة إلى حيز الوجود قبل العقل البشري ، وبأمد طويل .. ولكن ، ما ظن الماديين إذا أخبرناهم أن المادة مسبوقة بالعقل الكلِّي ، العقل الذي ما العقل البشري إلا محاكاة له تحـاول أن تسير على أثره لتخرج من قصورها إلى إحاطته .. إن الماديين يتحدثون عن القوانين التي تحكم حركة المادة وتغيرها ، ولكن أليست القوانين ، في حد ذاتها ، أثراً من آثار العقـول ؟؟ ألم يقـل أرسـطـو : أن القانـون هـو : (( العقـل الذي لـم يتأثر بالرغبة ؟؟ )) أم أن هذه فلسفة مثالية ؟؟

    هل المادية علمية؟

    لا !! على التحقيق !! هي ليست علمية ، حتى بمقياس العلم التجريبي المادي المعاصر ، ذلك بأن هذا العلم قد قال ، بأعلى صوت ، أن المادة ، كما ، تدركها الحواس ، والعقـول ، ليست هناك ، وإنما هي ، لدى التحليل الأخير ، طاقة ، تعرف خواصها ، ويجهل كنهها .. هذا ، وعلمية العلم المادي التجريـبي المعاصـر نفسـها ليسـت علميـة .. ولقـد تحدثنا عن هـذا بإيجاز واف في مقدمة كتابنا (( الدين والتنمية الاجتماعية )) مما يغني عن الإعادة ههنا ، فليراجع ..
    إن أيسر ما يقال عن الفلسفة المادية أنها ، حين عجزت عن إدراك الغيب ، اتخذت من عجزها فضيلة ، فأنكرت الغيب .. وإنكارنا وجود ما نجهل لم يكن ، في يوم من الأيام ، وهو لن يكون علميا ، في أي وقت ، وإنما هو جهل ينطوي على غرور لا يشرف عقل أي عاقل .. إن العقل العلمي لا ينكر كل ما يجهل ، وإنما يؤمن به ريثما يعلمه - يؤمن به ، ويصبر عليه ، ويبحث فيه ، حتى يبني إنكاره ، أو إقراره ، على علم يتكشف له نتيجة لتواضعه ، وأدبه ، ودأبه ، وصبره على البحث ، والتنقيب ..
    ومـن عجب أن المادييـن يقـررون حـداثة العقل ، وقـدم المادة ، ثم هـم، بعد ذلك، يحكمـون على القديم بالحادث ، ويجعلـون هـذا الحكم فيصلاً لا يتـرددون في إطلاقـه ، ولا في تعميمه .. فهل هـذا ، في حد ذاته ، عمل علمي ؟؟

    إعتـراض

    وقد يرد إعتراض وجيه على ما سقنا من حجج لإثبات وجود (( الله )) وهي حجج تقوم أساسا على ما تعطيه البداهة المعاشة .. هذا الاعتراض يقول : إذا كانت البداهة المعاشة تقرر : أن لكل مصنوع صانعا ، ولكل موجود خالقا ، فمن الذي خلق الله ؟؟ هذا اعتراض قد يبدو وجيها ، لدى النظرة العجلى ، ولكنه غير وجيه ، على التحقيق ، لدى النظرة المستأنية .. ومعلوم أن الماديين يبنون على هذا الاعتراض حجتهم بأن المادة غير مخلوقة ، ولا هي تحتاج لقوة خارجها .. إنهم هم يقولون لنا : إذا كنتم ، في آخر السلسلة ، ستصلون بنا إلى موجود لا موجد له ، ثم تطلبون إلينا أن نعقل هذا ، فمن الآن ، فدعونا نقرر : أن المادة موجـود لا موجـد له ، ولا هـو يحتـاج إلى موجد .. واضح عندنا أن هذا منطق غير مستقيم .. ذلك بأن الأمور لا تقرر بهذه البساطة .. هي لا تقـرر اعتباطاً ، ولا هي تقرر خبطاً عشوائياً .. الصورة هكذا : هناك ، في الوجود ، الناقص .. وهناك الكامل .. والعقل يستطيع أن يدرك الناقص ، وأن يحدده .. وهو يستطيع ، بالمقارنة ، أن يدرك ما هو أكمل منه ، وهو أيضاً يستطيع أن يلاحظ أن الناقص يتطور نحو الكامل - العقل يستطيع أن يدرك الناقص ، وهـو يستطيع أن يدرك الكامل ، نسبي الكمال .. وهو أيضاً يستطيع أن يتصور الكامل ، مطلق الكمال .. إننا نحن ، إذن ، كما قررنا ، نعرف الناقص ، ونشاهده يتطور في مراقي الكمال النسبي .. وواضح عندنا أن كل كمال فوقه كمال أكمل منه .. ونستطيع ، من ثم ، أن يمتد بنا الخيال في متابعة الكمال إلى غير نهاية .. فهناك إذن كمال غير متناه .. هذا الكمال غير المتناهي نستطيع أن نتصور وجوده ، وإن عجزنا عن الإحاطة بكيفية وجوده .. ونستطيع أن نسميه : (( الكمال المطلق )) ذلك بأنا إنما عجزت عقولنا عن الإحاطة بكيفية كماله لأن عقولنا (( معقولة )) بمعطيات الحواس ، والمطلق غير معقول ( غير مقيد ) . (( فالمعقول )) هنا إنما هو من العقال .. ومن العلم ـ أعني من علمية المنهج ـ ألا نـنكر (( المطلق )) لأننا نجهل كيفية إطلاقه .. وإنما يجب أن نقره ، وأن نؤمن به ، وأن نصبر عليه ، ريثما نعلمه .. ولـن يجئ يوم يكـون علمنا بالمطلـق علـم إحاطة .. وإلا لما كان (( مطلقاً )) .. ووجود (( المطلق )) هو أس الرجاء في نظرة التطور ، ذلك بأن حياتنا إنما تتـطور من (( الناقص )) إلى الكمال النسبي ، وهي تطلب الكمال (( المطلق )) .. وهذا يعني أن ليس هناك حد لكمال حياتنا ..
    المادة غير العضوية ناقصة ، والمادة العضوية - الخلايا الحية - أكمل منها - فالنملة أكمل من الشمس .. والمادة العضوية ، في الحيوات الدنيا ، في مرتبة النمل والذر ، ناقصة ، وحيـاة الحيوان الثديي ، مثلاً ، أكمل منها .. وحياة الحيـوان الثديي ناقصة ، وحياة الإنسان أكمل منها .. وحياة الإنسان (( الجاهل )) ناقصة ، وحياة الإنسان (( العالم )) أكمل منها .. وكل من كان (( أعلم )) فهو (( أكمل )) ممن هـو دونه (( وفوق كل ذي علم عليم )) .. وحياة أعلم عالم تقصر دون العلم (( المطلق )) .. وهي ، من ثم ، نسبية الكمال لنسبية علمها ، وهي تتطور في المراقي تطلب (( العلم المطلق )).. والعلم المطلق علم يدرك العقل وجوده ، ويستطيع أن يتصوره ، وأن يؤمن به ، وأن يسعى في تحصيله .. هذا العلم المطلق هو علم الله .. وهو الله .. فللناقص خالق ، ومن ههنا جاء نقصه ، لأنه محتاج لغيره .. وللكامل ، نسبي الكمال ، خالق ، ومن ههنا جاء نقص كماله ، لأنه محتاج لغيره أيضا .. وليس للكامل ، مطلق الكمال خالق لأنه ، لإطلاق كماله ، لم يكن مسبوقاً بعدم ، ولا هو ملحوق بعدم ، ولا هو محتاج لغيره .. ولإنهاض هذه الحجة يرد في القرآن : (( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله.. والله هو الغني الحميد )) ..
    فنحن ، حين نقرر ، في آخر السلسلة ، أن هناك موجوداً لا يحتاج إلى خالق ، إنما نقرره على صورة يقبلها العقل ، بل يستحيـل عليه أن يقبل غيرها .. ومن ههنا فإن ما تعطيه البداهة هو ، في حقيقته ، أمر يبلغ من الدقة مبلغاً عظيماً .. هذا ، وغني عن القول أن الخالق واحد ، للناقص وللكامل نسبي الكمال .. وإنما تقرر وحدة الخالق وحدة الوجود ..

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

    كوستي في 28 /7/ 1966 ـ ص ب 71
    عزيزي الفاتح .. تحية طيبة ..
    وبعد ، فلابد من الإعتذار مرة أخرى ، حيث تأخر الرد على جوابك الأول ، مما أوجب أن تستعجله بجوابك الذي وصل البارحة ، بتاريخ 24 /6 / 66 ولابد من المبادرة بالرد على جواب البارحة، وذلك لثلاثة أسباب.. أولها أني أجد بعض الفراغ منذ أمس، وذلك لإنتظام الأعمال أخيراً .. وثانيهما لأكفر عن تأخير الرد على جوابك الأول .. وثالثهما ، إني قد انتشيت بقراءة هذه الكلمة التي وردت على منك مطوية مع جوابك هذا المؤرخ 24 / 7 / 1966 ، مما أوجب المبادرة ، وقد أرسلت الرد على جوابك الأول مسجلاً ، ولابد أن يكون قد وصلك الآن ..
    علم الظاهر ليس علماً

    نعم علينا أن نسير وسط الظلمات: ظلمات النفس، وظلمات الكون، فلولا السير لا تكتسب الأنوار.. فلو لم يسر الهلال ما أصبح بدراً مكتملاً.. ونحن، في هذه المسيرة، محتاجون لضوء، ولو ضوء شمعة، يبدد الحلكة، كما قلت.. وهذا الضوء البدائي، تلتمسه النفوس المؤمنة في إيمانها "إن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، يهديهم ربهم بإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار، في جنات النعيم".
    ولقد صدقت أن المعارف قد كثرت، وأصبحنا لا نعرف ماذا نأخذ منها، وماذا ندع ولكنها معارف تتعلق بالقشور، ولا تتصل باللباب "وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون" قال "لا يعلمون" ثم قال "يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا" . فكأنه قال: إن علمهم ليس بعلم.. وكأنه قال أيضاً: إنهم لا يعلمون حقائق الوجود، وإنما يعلمون مظاهر الوجود ـ لا يعلمون الله ـ ومن أجل ذلك كثر القلق، وكثرت الحيرة في عهد العلم ـ كثرت معرفة الفروع، وقلت معرفة الأصول ـ والفروع تفرق، والأصول تجمع الناس على واضحة..
    العقيدة مقدمة العلم

    وأنت تقول: "ولكنا، مع توفر المعارف، والعلوم، لا نزال نبحث عن مرفأ ترسو فيه مراكبنا، التي أضناها المسير" وهذا حق، يعرفه كل ذكي يقلب الطرف فيما حوله من حالة القافلة البشرية وأنت تقول: "نحن في حاجة لعقيدة نهائية، نعرفها، ونهضمها، ونتمرس بها، ونختبرها لتصبح لنا ذلك المرفأ الذي ترسو عليه مراكبنا" وأنا على ذلك موافق، بشرط واحد: هو أن تكون العقيدة مقدمة المعرفة.. نحن نتوكأ على العقيدة، ريثما نعرف ما نعتقده معرفة يقين.. نحن إذن، في حاجة إلى معرفة متكاملة للحقيقة الكلية، التي منها صدرنا، وإليها معادنا..
    لقد وردت إشارة في "رسالة الصلاة"، الصفحة 46 الطبعة الأولى إلى ذلك، حيث ورد "إن الإسلام، في حقيقته، ليس ديناً، بالمعنى المألوف عن الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه، مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه.. مرحلة الشريعة فيه، مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة، حيث يرتفع الأفراد من الشريعة الجماعية إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة" ..
    نحن نبحث عن أنفسنا

    فالشريعة الفردية علم نفس.. والذي نبحث عنه نحن الآن، هو معرفة أنفسنا، ويحدثنا القرآن فيقول: "من اهتدى، فإنما يهتدي لنفسه" والنبي يحدثنا أيضاً، فيقول: "من عرف نفسه، فقد عرف ربه".. والآيات الكونية، التي يعيننا على كشفها العلم المادي التجريبي، إنما هي وسائلنا إلى معرفة نفوسنا: "سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟".. فنحن لا نبحث في مجاهيل الفضاء، ولا في ظلمات الأرض، إلا عن أنفسنا، ولكنا لا نعلم ذلك..
    فالعقيدة مرفأ من عواصف الحيرة، ودياجير الشك، ما في ذلك ريب.. ولكن العقل البشري المعاصر، لا يريد العقيدة إلا متوكأ يبلغ بها مشارف العلم، ومنازل اليقين، وكلما استيقن العقل من مرحلة، طالعته مرحلة جديدة، لا يسعه فيها إلا الاعتقاد، ريثما تتكشف له معمياتها، وتدخل بذلك في مرحلة العلم، فتطير له في الأفق البعيد، مرحلة جديدة، لا يسعها إلا العقيدة، وهكذا دواليك.
    الكشوفات: ظلمانية ونورانية

    وأنت تقول: "العلم لم يعط كلمته النهائية في كل شيء" والحقيقة العلم لا يعرف النهايات في أي شيء، وهو لا يبحث في الحقيقة المطلقة بالطبع، وإنما يبحث في ظواهر الأمور، وخصائص المادة، وقوانين القوى.. يذكرني هذا بقولة الصوفية: إن هناك كشوفات ظلمانية، وكشوفات نورانية.. فأما الكشوفات الظلمانية فتتعلق بالآيات الكونية، وأما الكشوفات النورانية فتتعلق بالآيات الإلهية.. وقد وردت الإشارة إلى ذلك، في أول هذا الخطاب، حين قال تعالى: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة هم غافلون".. وأنت تسأل: "فما هو هذا الشيء؟" وتعني الشيء الذي نحتاجه.. وتجيب: "هو الإيمان" ثم تقول: "نحن، كمسلمين علينا أن نؤمن، عن اقتناع، ورضى بالله سبحانه وتعالى.. وإنني في هذا، لا أكتب إلا عن تجربة شخصية أخوضها" وأنا أحب أن أهنيك على هذه التجربة، فإن المعارف لا تكون إلا عن تجارب، فليسدد الله خطاك..
    ما في الكون إلا الله

    وأنت تقول: "فالله سبحانه وتعالى في كل شيء أراه" وأحب أن أسمع منك أكثر من هذا.. كيف تراه؟
    وأنت تقول: "وهو بالطبع منفصل عن الأشياء، "ليس كمثله شيء"، ولكن مخلوقاته تبدو للمؤمن إشارات لوجوده" والله ليس منفصلاً عن الأشياء، وليس متصلاً بها.. وليست الأشياء تشير إليه، إلا لدى البدايات.. وفي النهايات، ليس للأشياء وجود، وإنما هي هو.. وفي قولة عبد الغني النابلسي:
    إن تكن بالله قائم لم تكن ، بل أنت هو
    أنت ظل الغيب من أسمائه ، والشمس هو
    أو كقوله أيضاً على لسان الحق:
    لذاتي بذاتي ، لا لكم ، أنا ظاهر وما هذه الأكوان إلا مظاهر
    أو كقوله أيضاً:
    لمعت أنوار سلمى لك من خلف الستاير
    لا يكن طرفك أعمى عن تناويع الأشاير
    والصوفية يقولون: "ما في الكون إلا الله" وفي توسع في الأمر يقولون: "ما في الكون إلا الله، وأسماؤه، وصفاته، وأفعاله" كأنهم يقولون بذات، وأسماء، وصفات، وأفعال، يشيرون بذلك إلى تنزلات الذات في مراتب الوجود، وقد وردت إشارات إلى ذلك في "رسالة الصلاة"..
    رسالة الإنسان تحقيق ربوبيته

    وأنت تقول: "ولكن الإنسان، في خاطر المؤمن، مخلوق له رسالة يؤديها.. ورسالته هي معرفة الله، والائتمار بأمره.." وهو قول حسن، ولكنه غير كافٍ لوقتنا الحاضر.. أولاً أحب لك أن تتحدث عن المسلم، فإنه أرقى من المؤمن، والمستقبل للإسلام، لا للإيمان، وعند المؤمن، الإنسان كما وصفته في قولتك السالفة، ولكنه، عند المسلم، مخلوق رسالته تحقيق ربوبيته، عن طريق تحقيق عبوديته.. "كونوا ربانيين، بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون".. هو مخلوق رسالته أن يحقق حريته الفردية المطلقة، عن طريق المعرفة.. معرفة الحق ـ "اعرفوا الحق، وسيجعلكم الحق أحرارا" كما قال السيد المسيح.. أو قل: إن رسالة الإنسان هي أن يعرف نفسه.. فرد الأمر إلينا.. فإن الله غير محتاج إلى معرفة من يعرفه، ولا إلى عبادة من يعبده، ولا إلى توحيد من يوحده، وإنما نحن المحتاجون إلى كل أولئك.. وحصيلة حاجتنا أن نعرف أنفسنا، وأن نكون في سلام معها، وذلك عن طريق معرفة الله، ومسالمة الله..
    أراني سأطيل إن أنا تابعت رؤياك الطريفة بمثل هذا التفصيل، ولكني سأوجز بأن جميع الصور التي وردت في الصفحة الثانية تروقني، وتدلني على بداية لها ما بعدها، ويثلج صدري، بوجه خاص، قولك في ختام إلهاماتك: "إنني أرى النور أوشك أن يشرق، فعلينا أن نعمل بما سلف، لعل هذا الأمل يتحقق، وهو ليس على الله ببعيد"..نعم ! علينا أن نعمل، رجاء موعود الله.. "والله متم نوره، ولو كره الكافرون".."إن موعدهم الصبح !! أليس الصبح بقريب؟" بلى!!
    وبعد، فآمل أن يكون جوابي الأول قد وصلك، وأن تكون قد وجدت فيه حاجتك.. وعسى أن أراك بخير.. سلامي الكثير للأستاذ عبد الله، مع هذا رؤياك الطريفة.. أمدك الله بمدد من عنده، وجعلك من أرباب البصائر والأبصار..
    المخلص
    محمود محمد طه



    لذاتي بذاتي
    عبد الغني النابلسي

    لذاتي بذاتي لا لكم أنا ظاهر وما هذه الاكـوان إلا مظاهر

    تقيدت والإطلاق وصفي لأنني علي كل شيء حين لا حين قادر
    ومرتبة التقييد أظهـرت رحمة ومرتبة الإطـلاق أني ساتر

    جسوم وأعراض تلوح وتختفي وما هي للمحبوب الا ستائر
    وخلف حجاب الكون ما أنت طالب ومن لفظة المقهور يلزم قاهر

    تأمل حروف الكائنات فإنها تشير الى معنى به أنت حائر
    وبرق الحمى هذا الوجود وميضه ولكن بما تجنيه تعـمى البصائر

    فيا ظاهراً في خلـقه وهو باطن ويا باطنا في أمـره وهو ظاهر
    تجليت لي في كل شيء ولم أكن سواك فمنظـور كما أنت ناظر

    وللقلب مني قد ظهرت بكل ما ظهرت ولم تنكرك مني الخواطر
    بكل مليـح بل بكل مليحة ترآيت حتي حققتك الضمائر

    لأنت المنى والقصد يا غاية المنى وإن لامني فيك القنا والبواتر
    فماملت يوماً عنك للغير سـلوةً فكيف ويا نوري معي انت حاضر

    وأنت رفيقي لارفيق سواك لي وإن أنا عن ايفاء حقك قاصر
    احبك لا بي بل بك الحب منة علي كما اني بك الآن شاكر

    يقول عـذولي لا تخاطر بقربه وهل يدرك المأمول إلا المخاطر
    فررت به مني إليه لأننـي تحققت أن لاغير والأمر ظاهر

    طلبت مقاما بذل نفسك شرطه وانت علي ما أنت ناه وآمر
    فإن شئت فاقدم هكذا الشرط بيننا والا فلا تقدم لأنك آخر

    فإن طريق الحق سهـل سلوكه واوضح منه ليس يـدرك ناظر
    وليس بذكر أو بفـكر تناله سوى بالصفا والمحو عما يغاير
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

02-13-2016, 06:18 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 22194

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. (Re: Yasir Elsharif)

    ترآيت

    الصحيح

    تراءيت

    وقد تم التصحيح في المصدر ايضا.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

02-13-2016, 06:44 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 22194

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. (Re: Yasir Elsharif)
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

02-13-2016, 08:54 PM

محمد الزبير محمود
<aمحمد الزبير محمود
تاريخ التسجيل: 10-30-2010
مجموع المشاركات: 3719

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. (Re: Yasir Elsharif)

    انت قديم جدا ، محمود تخلى عن لا اله الا الله ووصل لمرحلة الله !!!
    انت نايم وين ، عبثا تحاول تغطية الشمس باظافرك ، الفكرة اصلت مولود مشوه ولا تحتاج لمن يشوهها !!
    غفرانك
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

02-14-2016, 05:51 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 22194

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. (Re: محمد الزبير محمود)

    "كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى"


                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

02-14-2016, 12:17 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 22194

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. (Re: Yasir Elsharif)

    القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

    الفصل الأول
    لا إله إلا الله

    ليس هذا أول فصول الكتاب، ولكنه الفصل قبل الأخير، ونحن إنما قدمناه، فجعلناه أول فصول الرد على الدكتور مصطفى، لأنه فصل مخصص للحديث عن الكلمة، (لا إله إلا الله) .. وهذه هي كلمة التقوى، وإنما يجيء إتقانه لباقي الفصول بسبيل من إتقانه لهذا الفصل، وإنما يجيء إتقانه لهذا الفصل بسبيل من إتقانه للتقوى .. والتقوى علم، وعمل بمقتضى العلم .. فهي، في أول الطريق، علم بالشريعة، وعمل في العبادة .. وهي، في وسط الطريق، علم بالحقيقة، وعمل في تصحيح العبودية .. وهي، في أخريات الطريق، فناء عن العلم، وبقاء بالحياة – الحياة الحية، الواسعة، الرغيدة – حياة الله، التي تنزهت عن أن تؤوفها آفة، أو ينقصها منقص ..
    و(لا إله إلا الله) هي هادية التوحيد .. والتوحيد هو العلم اللدني، الذي يؤخذ من الله مكافحة .. فهو لا يعلمنا إياه النبي، إلا في معنى أنه فاتح بابه، وقدوة السلوك إليه .. ولقد قال النبي في ذلك: (إنما أنا قاسم، والله يعطي، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين .. ولا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يجيء أمر الله.) أراد بقوله (إنما أنا قاسم) أنه معلم الشريعة، ومعلم الطريقة، وقدوة السلوك .. وأراد بقوله: (والله يعطي) أن الله هو الذي يعلم حقائق الدين، لا أنا .. وهذا هو معنى قوله تعالى: (واتقوا الله، ويعلمكم الله) ..
    والتوحيد علم ذوق، فهو لا يدرك بالقراءة .. ومعنى (علم ذوق) أنه إنما يجيء عن طريق الممارسة، والتجربة في العبادة .. فمن إلتمسه عن غير هذا الطريق سقط على الدعاوى، وتخبط في متاهات الجهل .. ونحن نتهم الدكتور مصطفى محمود بأنه اعتمد على القراءة في تحصيله للتوحيد .. وليس معنى هذا أن الدكتور لا يعبد، ولكن معناه أنه لم يتقن العبادة حتى يدخل بها مداخل العبودية، إذ ليست مرحلة العبادة مرحلة تذوق الحقيقة، وإنما هي مرحلة إعداد لهذا التذوق .. هي مرحلة عقيدة، في حين أن مرحلة تذوق الحقيقة مرحلة علم .. ولا يستقيم الحديث لمتحدث عن أصول الدين قبل إتقانه مرحلة العلم هذه .. ذلك بأن الإسلام يقع على مرحلتين: مرحلة الإيمان، ومرحلة الإيقان ... فأما مرحلة الإيمان فلها ثلاث درجات: الإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان .. وأما مرحلة الإيقان فلها ثلاث درجات، أيضا: علم اليقين، ثم علم عين اليقين، ثم علم حق اليقين، وبعد حق اليقين يجيء الإسلام، الذي هو دين الله، الذي لا يقبل غيره .. قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) .. وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين) ولا يشم أحد شميم معرفة أصول الدين قبل أن ينزل أدنى منازل الإيقان، وهي منزلة علم اليقين ..
    فمرحلة الإيمان مرحلة عقيدة، ومرحلة الإيقان مرحلة علم .. ويتضح من كلام الدكتور مصطفى أنه لم ينزل هذه المنزلة .. وخير ما يكشف لنا ذلك منه حديثه عن هذا الفصل، (لا إله إلا الله) .. ثم حديثه عن الفصل الذي يليه، وعنوانه (مخير أم مسير) .. فلنأخذ في استعراض حديثه عن (لا إله إلا الله) .. وأول الدلائل على أن الدكتور مصطفى لم يرح رائحة اليقين قوله من صفحة 240: (لا إله إلا الله .. إذن لا معبود إلا الله ..
    (ولن يعبد بعضنا بعضا .. ولن يتخذ بعضنا بعضا أربابا ولن نقتتل على شيء وقد أدركنا أنه لا شيء هناك ..
    (ولن يأخذنا الغرور وقد أدركنا أننا خيالات ظل تموج على صفحة الماء ..
    (ولن نفرح بثراء ولن نحزن لفقر ولن نتردد أمام تضحية ولن نجزع أمام مصيبة فقد أدركنا أن كل هذه حالات عابرة ..
    (وسوف تلهمنا هذه الحقيقة أن نصبر على أشد الآلام .. فهي آلام زائلة شأنها شأن المسرات ..
    (لن نخاف الموت.
    وكيف يخاف ميت من الموت؟؟)
    إنتهى حديث الدكتور مصطفى .. وأنت، حين تقرأه، يخيل إليك أنه يمكنك تحصيل هذا الإدراك في جلسة واحدة، أو في أيام قلائل، بعدها تملك الصبر على (أشد الآلام) ..
    وما هو هذا الإدراك؟؟ هو إدراكنا (أننا خيالات ظل تموج على صفحة الماء)!! وهل نحن حقا خيالات ظل؟؟ أم هل نحن خلائف الله في الأرض؟؟
    و(لن يخاف ميت من الموت) يقول الدكتور، ثم يردف: (وكيف يخاف ميت من الموت؟؟) فهل رأيت كيف يرى الدكتور انتصارنا على الخوف من الموت؟؟ هو يراه في اليأس من الحياة، وفي اليأس من القدرة على الفرار من الموت .. (وكيف يخاف ميت من الموت؟؟) .. والحق غير ذلك .. فإن انتصارنا على الخوف من الموت إنما يجيء من إطلاعنا على حقيقة الموت، ومن استيقاننا أن الموت، في الحقيقة، إنما هو ميلاد في حيز جديد، تكون فيه حياتنا أكمل، وأتم، وذلك لقربنا من ربنا .. وبالموت تكون فرحتنا، حين نعلم أن به نهاية كربنا، وشرنا، وألمنا .. قال تعالى عنه: (لقد كنت في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد) .. وإنما بالبصر الحديد ترى المشاكل بوضوح، وتواجه بتصميم ..
    وعندما اشتدت بالنبي غصة الإحتضار، وقالت السيدة فاطمة البتول: (وا كرباه لكربك يا أبي !!) أجابها المعصوم: (لا كرب على أبيك بعد اليوم) .. وقد سمى الله، تبارك، وتعالى، الموت (اليقين) فقال: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) و (اليقين)، أيضا، العلم الذي لا يكاد يكون فيه شك، والذي به تتكشف الحقائق المستورة وراء الظواهر .. وإنما سمي الموت اليقين لأن به اليقين، ولأن به يتم اليقين الذي يكون قد بدأ هنا عند العارفين، وإنما يكون بدؤه بالموت المعنوي الذي هو نتيجة العبادة المجودة .. وعن هذا الموت المعنوي قال المعصوم (موتوا قبل أن تموتوا) .. وقال عن أبي بكر الصديق: (من سره أن ينظر إلى ميت يمشي في الناس فلينظر إلى أبي بكر) هذا هو اليقين الذي باطلاعنا عليه، لا نتحرر من خوف الموت فحسب، وإنما به قد يكون الموت أحب غائب إلينا ..
    وما هو الإدراك الذي به توصل الدكتور إلى مثل هذا القول الذي قاله: (وكيف يخاف ميت من الموت؟؟) ؟؟
    إنه من غير شك الإدراك الذي تعطيه العقول لحقيقة الموت – الإدراك الذي يعطيه النظر – وهو إدراك قاصر، ومخيف .. فإن الموت، كما يعطيه النظر العقلي، هو، عند أكثر الناس، نهاية، به تنقطع الحياة، وتسكن الحركة، ويتصلب البدن، ويعود إلى تحلل، ونتن، ويستحيل إلى تراب .. ألم يقل الدكتور نفسه في صفحة 237: (أين كل هذا؟ تحت الردم .. انتهى .. أصبح تربا .. كان حلما في مخيلة الزمان وغدا نصبح، أنا وأنت، تحت الردم ..) إن هذا هو الموت كما يعطيه نظر العقول غير المرتاضة، ولكن الموت، كما تعطيه حقائق القلوب السليمة، والعقول الصافية، فهو شيء يختلف اختلافا كبيرا .. ولا عبرة بالعقول غير المرتاضة بأدب القرآن فإن علمها ليس بعلم، لأنه يقف عند الظاهر، ولا يتعداه إلى بواطن الأمور .. وقد قال تعالى في ذلك: (وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون) فهم لا يعلمون اللباب، وإنما يعلمون القشور، (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) ولا يكون بعلم القشور تحرير من الخوف .. هذا هو مبلغ علم الدكتور، وهو به يظن أنه (لن يخاف الموت ..) ويقول، فيما يشبه البداهة، (وكيف يخاف ميت من الموت؟) ألا ترى أنك قد هونت صعباً، وأرخصت عزيزاً؟؟ أني لأرجو أن تحدث مراجعة لأمرك هذا ..


    من كتاب الأستاذ محمود: "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري"
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de