منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 09-22-2017, 03:28 PM الصفحة الرئيسية

المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

غايكوكوجن - ذكريات من اليابان

11-23-2016, 04:56 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


غايكوكوجن - ذكريات من اليابان

    04:56 AM November, 23 2016 سودانيز اون لاين
    Gaafar Ismail-طوكيو - اليابان
    مكتبتى
    رابط مختصرسعادة السفير (م) محجوب الباشا محمد احمد من الدبلوماسيين المخضرمين الذين افنوا زهرة شبابهم في خدمة الدبلوماسية السودانية . التحق بالخارجية في مطلع سبعينات القرن الماضي وتقاعد عام 2012 .عمل في بداية السبعينات بسفارة السودان في كينيا وفي منتصف السبعينات بسفارة السودان بطوكيو ثم التحق في بداية الثمانينات بجامعة (كي يو) اليابانية العريقة لنيل الدراسات العليا حيث نال درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية ، ثم عمل بسفارة السودان في مصر ثم سفيرا للسودان في اليابان مطلع التسعينات وسفيرا للسودان في إريتريا بعد ذلك. ولا شك من واقع عمله في اليابان لفترتين إضافة إلى فترة دراسته بطوكيو تؤهله هذه الخلفية خبيرا في الشئون اليابانية .خلال عمله ودراسته في اليابان خلق علاقات واسعة قيمة في المجالين الدبلوماسي والاكاديمي . الإخوة الكرام أعضاء المنبريسعدني أن تشاركوني لننهل بعض الذكريات من كتابه بعنوان (غايكوكوجن – ذكريان من اليابان ).فإلى هذا السفر القيم عن بعض ذكرياته في اليابان .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 11-23-2016, 10:34 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:34 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 05:16 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    مدخل: كلمة " غايكوكوجن " (gaikokujin) التي اخترتها عنوانا لهذا الكتاب كلمة يابانية مركبة تتكون من ثلاثة مقاطع ؛ المقطع الأول هو "غاي" وينطق عندما يأتي منفرداً "سوتو" (soto) ويعني الخارج بالنسبة لكل شئ. والمقطع الثاني وهو "كوكو" وينطق منفردا " كوني" (kuni) ويعني في اللغة اليابانية بلاد أو قطر أو دولة. أما المقطع الثالث والأخير وهو "جن" وينطق عندما يرد منفردا " هيتو" (hito) ويعني شخص أو مواطن. وعندما يتحدث اليابانيون عن الجنسيات فإنهم يقولون "سودان جن" بمعنى سوداني أو "أميركا جن" بمعنى أميريكي... الخ. أما اليابان نفسها فيطلق عليها أهل البلاد اسم "نيهون" أو "نيبون" وعليه فإن المواطن الياباني يكون عندهم "نيهون جن" ، وسنتحدث عن تعقيدات نطق اللغة اليابانية وأساليبها عندما نأتي لذلك في موقعه من الكتاب. وكلمة غايكوكوجن في مجملها تعني الأجنبي أو الغريب ، وقد اخترتها لأنها تعبر تعبيراً صادقاً عن حال الشخص الذي يأتي من المنطقة التي ننحدر منها أو من العديد من المناطق الأخرى في العالم للإقامة في اليابان فهو دائما غريب مهما احتك بالثقافة اليابانية ونهل منها. وذلك يعود في اعتقادي للبعد الجغرافي الذي جعل أشكالنا تختلف كثيراً عن أشكال القوم ، والتباعد الثقافي الذي جعلنا نستغرب أسلوب حياتهم كما يستغربون أساليب حياتنا. وقد كان الاحساس بالغرابة وليس الغربة هو الغالب على تجربتي الشخصية في اليابان فقد كانت تجاربي في الدول الأخرى التي عشت بها أو زرتها طوال فترة حياتي العملية مختلفة ، ففي أغلب هذه الدول كان التنوع العرقي أو الانفتاح على الشعوب الأخرى أكبر مما هو الحال في اليابان ، مما يجعلني أقل إحساساً بالغرابة مما هو الحال في اليابان. وإن كانت التركيبة البشرية في اليابان تبدو في السنوات الأخيرة أكثر تنوعاً خاصة في المدن الكبيرة ، إلا أن الأجنبي لا زال يحس بأجنبيته حيث ما حل. ما ذكرنا أعلاه لا يقدح بالطبع في حقيقة أن اليابانيين يرحبون بالأجنبي عموماً وبالضيف بصفة خاصة ، وهم يعبرون عن ذلك بمختلف الطرق. ولعل الأعداد الهائلة من السواح اليابانيين التي تجوب أنحاء العالم المختلفة تؤكد مدى رغبة اليابانيين في معرفة الشعوب الأخرى وثقافاتها ، وهي رغبة أصيلة زادت منها في اعتقادي العزلة المجيدة التي فرضت على البلاد فيما عرف في تاريخ اليابان بعهد "توكوغاوا". هناك عدد من الأجانب في اليابان من الذين تشملهم كلمة غايكوكوجن ولكنهم لا يختلفون في سحنهم عن اليابانيين وهم أولئك القادمون من شبه الجزيرة الكورية والصين وتايوان ، ومن الصعب جداً التفريق بين هؤلاء الأجانب واليابانيين خاصة إذا كانوا ممن يتقنون اللغة اليابانية.كان أحد السفراء الذين عملت معهم باليابان ــ وهو رجل عرف بخفة الروح والدعابة ــ يستغرب اللغة اليابانية كثيراً وهو دائماً ما يشير إليها بإنها اللغة التي يوصف فيها هو شخصياً بأنه "جن" أو "طايش" إشارة لكلمة "سودان جن" التي أشرنا لها أعلاه ، أما الكلمة الأخرى وهي "طايش" فهي تعني في اللغة اليابانية سفير وإن كان القوم ينطقونها أخف شيئاً ما بصوت أقرب إلى التاء منه للطاء. عليه فإن "سودان طايش" على حد نطق السيد السفير تعني السفير السوداني أو سفير السودان و "أميركا طايش" تعني السفير الأمريكي وهلمجرا. وينسب بقية السفراء "الطايشين" بالطبع إلى دولهم وبعض أسمائها تنطق بصورة لم نعهدها بسبب طريقة الكتابة أو اختصار الكلمات الطويلة التي يتكون منها اسم الدولة. ومن أمثلة الأسماء الغريبة التي لم تتعود عليها الأذن الأجنبية "تشوغوكو - Chugoku" وهوالأسم الذي يرمز للصين، و "كانكوكو- Kankoku" ويرمز لكوريا الجنوبية و "سولين - Solen" وهي اختصار لأسم الاتحاد السوفيتي ، أما كلمة "كيتا تشوسين Kita Chosen -" فإنها ترمز إلى كوريا الشمالية. الغريب في الأمر أن اليابانيين يطلقون على الولايات المتحدة الأمريكية اسم "بيكوكو" وهي كلمة تتكون من مقطعين الأول "Bei" وتعني في اللغة اليابانية أرز والثانية كوكو التي أشرنا لها أعلاه بمعنى بلاد. أثار دهشتي إطلاق اليابانيين على الولايات المتحدة اسم بلاد الأرز بالرغم من أنها اشتهرت بغيره من المحاصيل. وأحد التفسيرات ربما تزيل هذه الدهشة حيث تقول أن كلمة أميركا عندما تكتب كاملة بحروف "الكانجي" وهي الرسومات الصينية التي يستعملها اليابانيون تشتمل على رسمة تنطق “mei” في اللغة الصينية وذلك في موقع “me” من كلمة أميركا وهي تعني "الأرز" وتنطق في اليابانية “bei” والله أعلم.بدأت قصة هذا الكتاب قبل عدة سنوات عندما كنت أحكي لأحد الأصدقاء عن تجربتي في اليابان وكان الرجل يستزيدني في الكثير من المواقف سائلاً عن بعض التفاصيل وهو يبدي اندهاشه وإعجابه أحياناً بأسلوب الحياة في اليابان ، وقد طرح علي الصديق فكرة تسجيل هذه التجارب في كتاب ووعدته بالتفكير في الموضوع. كانت البداية عبارة عن محاولة كتابة بعض المقالات عن أوجه الحياة المختلفة في اليابان ، وقمت بتسجيل عدد من النقاط قبل الشروع في الكتابة ولكنني عندما بدأت فعلاً في الكتابة أحسست أن الموضوع يمكن أن يتوسع ليكون كتاباً فتوكلت على الله وقررت أن أحاول ذلك. لا بد من الأخذ في الاعتبار عند الاطلاع على هذا الكتاب أنه لا يعدو أن يكون تسجيلاً لتجربة شخصية بحتة قد تختلف عن تجارب آخرين عاشوا باليابان في نفس الفترة أو غيرها ، وكلي أمل في أن يجد القارئ ما يفيد في هذه التجربة الشخصية. ولعل ما شجعني على نشر الكتاب هو أن المكتبة العربية عامة والمكتبة السودانية بصفة خاصة تفتقر لهذا النوع من الكتب التي تتناول جوانب الحياة المختلفة في اليابان بينما يعتبر الانتاج باللغات الأخرى في هذا المجال غزيراً للغاية. ويمكن لمن أراد أن يدرس الحياة اليابانية بعمق أن يعود للمعلومات في مظانها حيث أن هناك العديد من الكتب الصادرة عن الموضوع باللغتين اليابانية والإنجليزية وعدد من اللغات الأخرى.ونواصل كلما وجدت مزيدا من وقت كاف

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:35 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 04:56 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 05:17 AM

حيدر حسن ميرغني
<aحيدر حسن ميرغني
تاريخ التسجيل: 04-19-2005
مجموع المشاركات: 19487

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    سلام ابو الجعافر عزيز طوكيو كما يقول الصديق الفاتح ميرغني
    ده حيكون شغل جميل جدا من شخصك الكريم
    أتمنى أن يكلل بإفاداتك وشهاداتك الشخصية خاصة وانك صاحب ذكريات لاتقل عن ذكريات السفير (م) محجوب الباشا لطول اقامتك في اليابان وشغلك في نفسك المجال
    أذكر لما طالعت إلبوم الصور الخاص بك في منزلك العامر في طوكيو كنت اقترحت عليك أن تكتب عن مناسبة صورك مع المخاليق المشاهير في دنيا الادب والدبلوماسية امثال
    جمال محمد احمد وعلي المك وغيرهم.
    اسأل الله أن يمتعك بكمالات الصحة والعافية ويديك مزاج الكتابة عن تجربتك الشخصية أيضا
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 05:22 AM

يحي قباني
<aيحي قباني
تاريخ التسجيل: 08-20-2012
مجموع المشاركات: 10794

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: حيدر حسن ميرغني)

    بوست رائع بروعتك استاذنا جعفر

    سأتابع بشغف كل هذا الجمال و كل هذا العلم ...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 01:32 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: يحي قباني)

    أخي الحبيب يحي قباني
    تقبل عميق شكري وتقديري على إطلالتك الرقيقة .أسأل الله لك موفور الصحة والعافية ، وإن شاء الله أواصل وبالله التوفيق.مع تحياتي ووافر احترامي

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:36 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:39 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:41 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 01:17 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: حيدر حسن ميرغني)

    أخي الحبيب حيدر
    آمل أن تكون والأسرة الكريمة بخيرمشتاقين كتير والإخوة هنا يذكرونك بالخير وكلما اجتمعنا نتذكر تلك اللحظات الجميلة التي كنا نقضيها معا في الأنس الجميل.تعرف يا حنين لقد فكرت كثيرا أن اكتب بعض ذكرياتي هنا ولكن كما تعلم فإن الإيقاع السريع للحياة في طوكيو لا يدع لنا كثيرا من الوقت للكتابة . لذا آثرت أن انقل لكم تجربة أخي العزيز دكتور الباشاولا أظن أنني كنت سأنقل لكم ذكرياتي أفضل مما كتب الباشا واسلوبه الشيقالرشيق .كان من حسن حظي عندما التحقت للعمل بسفارة دولة قطر في طوكيو أن زاراليابان الراحل العظيم الدبلوماسي الأديب جمال محمد احمد بدعوة من وزارة الخارجية اليابانيةالتي دأبت على دعوة كبار الدبلوماسيين والأدباء من جميع انحاء العالم لتقديم محاضرات عن تجاربهم وخبراتهم . وكان أديبنا الراحل جمال محمد احمد من القلائل الذين تمت دعوتهم من الدول العربية والإفريقية . وكعادة الكرم المعتاد من السادة السفراء السودانيين دعانا سعادة السفير محمد الأمين عبدالله - أطال الله بقاءه - على عشاءء بمنزله على شرف الراحل جمال محمد احمد .ومن خلال تقديم السفير محمد الأمين الضيوف للراحل جمال علم أنني التحقت للعمل بسفارة دولة قطر فطلب مني أن ازوره بالفندق في اليوم التالي بعد الخامسة مساء بعد عودته منالمحاضرات ليقدم لي النصائح عن كيفية التعامل مع القطريين فقد كان رحمه الله من مؤسسيوزارة الخارجية القطرية ويحظى باحترام بالغ من حكام قطر وكبار مسئولي وزارة الخارجية القطرية وكافة قطاعات الخدمة المدنية هناك. وفي الموعد المحدد زرته في الفندق حيث قدم لي الكثير من النصائح أفادتني كثيرا فقد كان رحمه الله موسوعة في شتي المعارف وضروب الحياة .ومنذ ذلك اليوم كنت احرص على زيارته كلما سمح وقته الثمين كل مساء خلال فترة الشهر التي امضاها في اليابان لأقضي وقتا ممتعا في الأنس والخروج أحيانا في المساء لمشاهدة كيف يقضي اليابانيون امسياتهم . كما حرصت دائما على زيارته كلماعلمت بموجوده في السودان وأنا مدين له – رحمه الله – بكل ما أصبت من نجاح أثناء عملي مع دولة قطر وحياتي العملية عموما .تقبل عميق شكري ووافر احترامي

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:37 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:47 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 06:48 AM

طارق عبد الله
<aطارق عبد الله
تاريخ التسجيل: 06-30-2016
مجموع المشاركات: 183

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    موضوع جميل جداً ومشوق....... تسلم ياأستاذ جعفر

    متابعين بشغف والله يديك العافية،،،،،
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 01:43 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: طارق عبد الله)

    أخي الحبيب طارق عبدالله
    تقبل عميق شكري وتقديري على إطلالتك الطيبة .أسأل الله لك موفور الصحة والعافية ، وإن شاء الله أواصل وبالله التوفيق.مع تحياتي ووافر احترامي

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:38 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 12:03 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 02:02 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    والكتاب كما هو واضح لا يتبع الأسلوب المعتاد في كتابة المذكرات الشخصية أو ما يسمى بكتب السيرة الذاتية ، كما إنه لا يمكن أن يصنف ضمن كتب أدب الرحلات ولكنه في الحقيقة مجموعة من الخواطر عن الحياة في اليابان على المستويين الشخصي والعام. قضيت في اليابان فترة امتدت لأكثر من ثلاث عشر عاماً وعشت فيها كدبلوماسي وكطالب وكسفير ، وهي في اعتقادي فرصة نادرة أتيحت لي للتعرض للثقافة اليابانية التي تختلف اختلافاً بيناً عن كل ما عرفت من ثقافات بحكم الاحتكاك المباشر أو عن طريق الاطلاع. كانت كل تجربة من هذه التجارب جديرة بالتسجيل بصورة منفردة فحياة الطالب تختلف أختلافاً كبيراً عن حياة الدبلوماسي وقد هيأ لي المولى عز وجل أن أتحول من دبلوماسي إلى طالب ثم إلى سفير في نفس البلد وهي فرصة قد لا تتاح للكثيرين فله الحمد والمنة ، غير أن هذه الحقيقة تجعلني أحس بعظم المسؤولية المتعلقة بالأمر الذي أقدم عليه.ولا شك أن هذا الكتاب ، وحتى يكون شاملاً ، فلا بد أن يضم بين دفتيه حديثاً عن تجربتي الدبلوماسية في اليابان فقد يكون فيها من الفائدة ما يبرر العناء. إلا أن الكتابة عن التجربة الدبلوماسية تقتضي الكثير من التقصي والبحث ، وشيئاً من الحذر إذ أن العلاقات بين الدول تشوبها الكثير من المحاذير التي تضع قيوداً عند الكتابة في مثل هذه الخواطر التي ينطلق فيها الانسان على سجيته. من جهة أخرى فإن عملي بالسفارة السودانية في طوكيو على فترتين يجعل من الضرورة تناول الأمر خاصة وأن العلاقات بين البلدين اختلفت بصورة جذرية بين فترة وأخرى. جاءت تجربتي الدبلوماسية الأولي في اليابان بين عامي 1978 و1983 وتميزت بعلاقات ممتازة مع اليابان تمثلت في التعاون الاقتصادي الذي جعل من السودان أكثر الدول الأفريقية تلقياً للعون ضمن البرنامج الياباني للمساعدات التنموية لدول العالم الثالث في ذلك الوقت. أما الفترة الثانية فقد كانت لعامين تقريبا من منتصف عام 1994 وحتى نهاية عام 1996 وهي الفترة التي كانت العلاقات السودانية اليابانية تمر فيها بمرحلة حرجة للغاية بسبب الحصار الذي كان مفروضاً على بلادنا من جانب المجتمع الدولي. شهدت هذه الفترة التي امتدت منذ بداية التسعينات تجميد المساعدات ، وإغلاق مكتب وكالة التعاون الدولية اليابانية بالخرطوم ، وتخفيض الكادر العامل بالسفارة السودانية بطوكيو بناء على قرار من مجلس الأمن الدولي. ولا أشك في أن دراسة مقارنة بين هاتين الفترتين وظروفهما قد تتيح لنا تلمس خطواتنا نحو المستقبل في علاقاتنا مع دولة من أهم الدول على الإطلاق ليس في آسيا وحسب وإنما على الساحة الدولية كذلك.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:42 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 02:21 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    حاولت تقسيم الكتاب إلى عدد من الفصول يتناول كل فصل منها وجها من أوجه الحياة في اليابان مع الإشارة إلى بعض التجارب الخاصة التي عشتها هناك. ورغم أن كثيراً مما ورد في الكتاب هو عبارة عن معلومات موثقة في العديد من المصادر اليابانية والأجنبية ، إلا أنني لم أشأ أن أشير لذلك في هوامش الكتاب فهو في النهاية ليس كتاباً علمياً بالمعنى المتعارف عليه كما إن إيراد هذه المراجع قد يفسد على القارئ متعة الاطلاع المتسلسل للمادة. وللحقيقة فإن الفترة التي قضيتها في اليابان والتي تمكنت خلالها من الطواف على مختلف أنحاء البلاد كانت ، على المستوى الشخصي ، من أمتع الفترات في حياتي فقد اتيحت لي الظروف لزيارة مدينة "أوتارو" في أقصى شمال اليابان على الحدود مع الجزر المتنازع عليها مع روسيا ، وهي منطقة تتجمد أشجارها من البرد في فصل الشتاء. كما قمت بزيارة مدينة "ناها" عاصمة جزير أوكيناوا والتي تبعد لأكثر من ألف كيلومتر إلى الجنوب من العاصمة طوكيو ويسود فيها جو مداري أقرب للجو الذي تعودناه في بلادنا. ولعل الانطباع الأهم الذي خرجت به من طوافي في البوادي والحضر هو أن الشعب الياباني وبالرغم من الرفاهية المادية التي يعيشها يتسم بالبساطة الشديدة ، ورغم العزلة التي عاشها اليابانيون لمدة قرنين من الزمان ، كما أشرنا أعلاه ، وجهلهم الواضح باللغات الأجنبية إلا أنهم يسعون للتعبير عن مشاعرهم بالمبالغة في خدمة الآخرين والابتسامة التي تعلو وجوههم بمجرد التحدث إليهم. ولعل أبرز صفات المواطن الياباني هي التهذيب الشديد والرقة في التعامل بالإضافة للأمانة والصدق. يقول اليابانيون عن أنفسهم أنهم يملكون وجهين أحدهما الوجه الحقيقي وهو الذي يخفونه عن العالم والثاني هو الوجه الذي يتعاملون به مع الآخرين ، إلا أنني لم أجد غضاضة في ذلك وأحسست أن التعامل معهم على المستوى الاجتماعي سهل ولم تواجهني مشكلة تذكر خلال إقامتي الطويلة في اليابان. ولا أظن أن مسألة الوجهين ظاهرة يختص بها اليابانيون دون غيرهم من البشر ، فلا بد لمن اراد أن يعيش في مجتمع يضم غيره من الناس أن يتميز بشئ من فن التعامل والمجاملة وهو ما يطلق عليه بعض المتشائمين اسم "النفاق الاجتماعي". قد يواجه بعض الأجانب عدداً من المشاكل بسبب اختلاف طبائع الشعب الياباني وعدم مقدرة هؤلاء على التعايش معها خاصة في مجال العلاقات الانسانية ، وكما سيأتي لاحقا بين طيات هذا الكتاب فإن لليابانيين نظرة تختلف عن نظرتنا نحن السودانيين للصداقة قد تترك آثارها على التجربة الشخصية لمن عاش في اليابان. ظلت اليابان في الكثير من جوانبها لغزاً محيراً للذين تعاملوا معها خاصة في الولايات المتحدة والدول الغربية ، وقد دلت على ذلك كثرة الكتب التي كتبها الغربيون عن اليابان وشعبها. اطلعت خلال فترة إقامتي باليابان كما هو متوقع على معظم ما صدر عنها في ذلك الوقت وناقشت بعضه مع أصدقائي من اليابانيين وقد وجدت أن الكثيرين منهم يعتقدون أن الغربيين لم يفهموا اليابان في يوم من الأيام. ولا أنكر أن بعض الآراء الواردة في هذه الكتب قد أثرت على فهمي شخصياً للمجتمع الياباني ولكنني حاولت في أغلب الأحوال أن أسعى لفهم تصرفات اليابانيين خارج إطار النماذج الواردة في هذه الكتب ، والغربيون عامة مغرمون بالنماذج إذ أن ذلك يهون عليهم فهم ما قد يصعب فهمه. قادتني محاولاتي في الكثير من الأحيان لاكتشاف أن ما ورد في الكتابات الغربية لا يعدو أن يكون تعميمات قد تتفق مع الواقع أحياناً ولكنها تختلف معه في أغلب الأحيان. من المعلوم أن الدراسات الغربية حول اليابان بدأت بصورة جادة خلال الحرب العالمية الثانية عندما فوجئ الأمريكيون بالهجوم الكاسح على ميناء بيرل هاربور بجزر هاواي في ديسمبر 1941 ، وكان الغرض من الدراسات في ذلك الوقت هو محاولة فهم العقلية اليابانية والتي لا زال بعض الكتاب الغربيين يؤكدون أن من الصعب جداً فهمها. وفي اعتقادي أن معظم الدراسات الغربية عن اليابان والتي أتيحت لي فرصة الاطلاع عليها كانت تنطلق في الغالب من اعتقاد راسخ بأن المجتمع الياباني يختلف عن المجتمعات الغربية وأن نقاط الخلاف بين المجتمعين عديدة يصعب تجاوزها وتنعكس بصورة أو أخرى على العلاقات بينهما. تخفي هذه الصورة العامة كما هو الحال بالنسبة لكل تعميم عن عادات الشعوب وأسلوب معيشتها حقيقة أن العديد من الغربيين عرفوا كيف يتعايشون مع المجتمع الياباني. بل هناك العديد من الزيجات بين الجانبين ، كما أن الجاليات اليابانية والصينية الكبيرة في عدد من الدول الغربية تؤكد أن التعايش والتفاعل الثقافي بين الطرفين ليس من الأمور المستحيلة بأي حال من الأحوال.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:43 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-23-2016, 03:45 PM

الطيب الجاك

تاريخ التسجيل: 08-12-2009
مجموع المشاركات: 316

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    سلام و تحية لصاحب البوست ، ، ،

    شكراً علي هذا البوست المتميز ، ، ،

    Quote: الغريب في الأمر أن اليابانيين يطلقون على الولايات المتحدة الأمريكية اسم "بيكوكو" وهي كلمة تتكون من مقطعين الأول "Bei" وتعني في اللغة اليابانية أرز والثانية كوكو التي أشرنا لها أعلاه بمعنى بلاد. أثار دهشتي إطلاق اليابانيين على الولايات المتحدة اسم بلاد الأرز بالرغم من أنها اشتهرت بغيره من المحاصيل. وأحد التفسيرات ربما تزيل هذه الدهشة حيث تقول أن كلمة أميركا عندما تكتب كاملة بحروف "الكانجي" وهي الرسومات الصينية التي يستعملها اليابانيون تشتمل على رسمة تنطق “mei” في اللغة الصينية وذلك في موقع “me” من كلمة أميركا وهي تعني "الأرز" و تنطق في اليابانية “bei” والله أعلم.


    الولايات المتحدة الأميركية في اللغة الصينية تكتب بالـــ هان زِ [ 美国 ] و تنطق ( meiguo - مييقوا) و تعني البلاد الجميلة و ليس بلاد الأرز. و في اللغة اليابانية تكتب بالــــ كان جِ [ 米国 ] و تنطق ( بيكوكو - beikoko ) و تعني بلاد الأرز كما جاء في الكتاب.
    الشاهد أن الولايات المتحدة يطلق عليها ( مييقوا - البلاد الجميلة ) في اللغة الصينية القديمة و المعاصرة و لكنها مرت بتغيرات كثيرة حتي إستقرت علي (بلاد الأرز) في اللغة اليابانية.

    تحياتي و إحترامي ، ، ،

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-24-2016, 11:59 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: الطيب الجاك)



    الأخ الطيب الجاك
    تحية طيبة
    شكرا جزيلا على المرور والمشاركة المقدرة
    تحياتي ووافر احترامي


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-24-2016, 12:18 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    في صباح الخامس من مارس من عام 1987 كانت صالة مطار الخرطوم تعج بالمسافرين والمودعين فقد كان موعد إقلاع طائرة الخطوط الجوية السويسرية المتجهة إلى أوروبا قد أزف. لم يكن السودانيون في ذلك الوقت قد ولعوا بعد بالأسفار إلى خارج البلاد وكان كل أفراد العائلة يصرون على وداع المسافر في المطار لذلك فقد كان عدد المودعين يفوق عدد المسافرين عدة أضعاف. وبما أن صالة المطار كانت مفتوحة للجميع فقد كان التزاحم شديداً واختلط المسافرون بالمودعين وتعالت الأصوات وسالت الدموع على الخدود. وربما كان هناك ركاب طائرات أخرى ستغادر في ذلك الصباح إلى وجهات مختلفة مما زاد من ازدحام الصالة بصورة سببت لي شخصياً شيئاً من الضيق.كانت معظم الخطوط الجوية الأوروبية تمر عبر مطار الخرطوم في ذلك الزمان ومنها ما كانت الخرطوم وجهتها النهائية تقفل راجعة بعدها من حيث أتت ، ومنها ما كانت الخرطوم تمثل لها محطة مهمة وهي في طريقها إلى مناطق أخرى من أفريقيا قبل أن يشيع استعمال الطائرات الكبيرة طويلة المدى التي اختصرت المسافات وتجاوزت محطات الترانزيت. والخرطوم من المدن التي عانت كثيرا من التطور الذي شهدته صناعة الطيران فقد تصادف ذلك التطور مع التدهور المريع الذي شهده اقتصاد بلادنا مما أعجز الخرطوم أن تلعب دور الجسر الذي يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوربا وهو دور يؤهلها له موقعها الوسيط. كانت السبعينات كذلك هي فترة الازدهار الاقتصادي في الكثير من الدول البترولية العربية والتي قامت بإنشاء المطارات الحديثة الكفيلة بأن تلعب الدور الذي كان يلعبه مطار الخرطوم في السابق. كان إلى جانبي رجل كبير السن علا الشيب رأسه ويبدو عليه أنه من الموظفين المتقاعدين بالمعاش ومن النوع الذي اعتاد أن يقضي إجازة الصيف في لندن ، وقد كانت لندن كما هو معروف قبلة الكثير من السودانيين لأغراض السياحة والتجارة والاستشفاء. ورغم أن نذر الصيف كانت بادية في سماء الخرطوم إلا أن الرجل كان يرتدي بدلة كاملة ويحمل في يده معطفاً تحسباً فيما يبدو لبرد لندن وضبابها الشهير. بدأ جاري محادثته معي مفترضاً أنني في طريقي إلى بريطانيا حالي في ذلك حال أغلب الركاب في طائرة الخطوط الجوية السويسرية ، وعندما أفدته بأنني في طريقي إلى اليابان فغر فاه مندهشا وما زاد عن قوله " كان الله في عونك يا بني". لم أطلب تفسيراً لهذه العبارة الأخيرة ولكني قلت بيني وبين نفسي لا بد أن الرجل قد أشفق علي من الرحلة الطويلة أو البلد الغريب الذي كنت في طريقي إليه. عندما حلقت بنا الطائرة في سماء الخرطوم كان المنظر تحتنا في غاية السحر والجمال. بدا النيل الأزرق متعرجا حتى عدل من مساره فأصبح يتجه من الشرق للغرب بدلا عن اتجاهه الطبيعي من الجنوب إلى الشمال ، ليلتقي بصنوه النيل الأبيض عند منطقة المقرن وجزيرة توتي بحيث يكونان معا نهر النيل العظيم الذي ينساب لآلاف الكيلومترات بكبرياء عبر الصحارى القاحلة ليصب على شواطئ البحر الأبيض المتوسط عند دمياط ورشيد في جمهورية مصر العربية. كان النيل الأبيض في ذلك الوقت من العام أكثر فتوة من رفيقه ، لذلك فقد اندفع تياره مقتحما بلونه البني الفاتح اللون الأزرق لرفيقه بقوة مما أدى لتراجع النيل الأزرق أمامه إلى المنطقة شرق القصر الجمهوري. وكأني بالنيل الأزرق يسعى جاهداً لتفادي هذا الهجوم الأبيض بانسحاب تكتيكي ، فإذا به يبدو وكأنه وجد المخرج بالانسياب بين جزيرة توتي ومدينة بحري تاركا المساحة بين الجزيرة الساحرة والخرطوم وأم درمان للنيل الأبيض يسرح ويمرح فيها كما يحلو له. بيد أن النيل الأزرق بما عرف عنه من عناد لا يرضى بهذه الهزيمة المذلة فيرد الصاع صاعين عند استعادة شبابه وعنفوانه في موسم الفيضان فيدفع بالنيل الأبيض مئات الأمتار إلى الجنوب مسيطراً على كل المنطقة حول جزيرة توتي التي تبدو كعروس جميلة يتنافس عليها الصديقان اللدودان فيكسب هذا تارة ويكسب ذلك أخرى.ظل النيلان الأزرق والأبيض ينسابان جنبا إلى جنب لمئات الآلاف من السنين ويندمجان في ألفة واضحة عند ملتقاهما بالقرب من جزيرة توتي ، إلا أنهما كانا دائما مختلفين في الكثير من الأوجه. فالنيل الأبيض الذي يشق آلاف الكيلومترات عبر السدود والغابات من منبعه في وسط أفريقيا يبدو هادئاً رقيقاً عند الخرطوم ، بينما يتميز النيل الأزرق بالقوة والعنفوان فهو يأتي منحدراً في انسياب قوي من مرتفعات إثيوبيا وإريتريا الشاهقة ويقول الخبراء أنه يمد نهر النيل بأكثر من 80% من جملة مياهه ويهب الأراضي على طول المجرى كميات هائلة من الطمي ساهمت كثيرا في الاستقرار الزراعي على جانبي نهر النيل وقيام الحضارات العظيمة هناك منذ قديم الأزل.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:44 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-24-2016, 12:40 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    قرأت في مقال لا يحضرني الآن اسم كاتبه أن بحيرة كبيرة كانت تغمر منطقة الخرطوم في الزمان السحيق ، وأن النيلين الأزرق والأبيض كانا يصبان في هذه البحيرة وأن النيل الكبير كان ينبع منها في اتجاه البحر الأبيض المتوسط. ويقول المقال أن النقص في كميات المياه الواردة من وسط أفريقيا والهضبة الأثيوبية أدى إلى جفاف البحيرة شيئا فشيئا وانحسار مساحتها حتى تحولت إلى مجرد نقطة يلتقي عندها النيلان . لا أدري إن كان ما ورد في المقال حقيقة ولكن لا أنسى انه عند حفر أساس البيت الذي أعيش فيه بمدينة الخرطوم بحري في منطقة تبعد عن النيل الكبير عدة كيلومترات أن كانت الرمال التي وجدت على عمق ثلاثة أمتار تقريبا مليئة بالأصداف مما يعني أن تلك المنطقة ربما كانت مغمورة بالمياه في العهود البعيدة والله أعلم . هناك بعض النظريات التي تقول كذلك أن نهر النيل قد غير مجراه عدة مرات خلال السنين مما قد يشير إلى أن موقع منزلي الحالي ربما كان ذات يوم في قاع النيل العظيم. كانت الأفكار تتزاحم في رأسي وهي تأخذ برقاب بعضها وأنا أتأمل صورة النيل الساحرة من نافذة الطائرة ، فقد كنت أغادر الخرطوم في طريقي لطوكيو للالتحاق بسفارة السودان هناك. كنت أغادر مراتع الصبا والشباب إلى بلاد مجهولة لا أدري ماذا يخبئ لي القدر فيها وكنت أتساءل ، كم يا ترى سيكون الغياب هذه المرة ومتى سيكتب لي مشاهدة هذا النهر الحبيب مرة أخرى. وكانت في الذهن ذكريات أربع سنوات قضيتها في مدينة نيروبي الجميلة التي تعتبر درة من درر شرق أفريقيا ولم يكن ينقصها في اعتقادي سوى نهر جميل شبيه بهذا النهر الذي ينساب تحتنا. ومن فرط شوق القوم هناك للأنهار فيما يبدو سموا أحد أهم شوارع مدينتهم باسم شارع النهر بالرغم من أنه لم يكن يقع على ضفاف نهر حقيقي. ومع أن كينيا كانت تذخر بعدد من الأنهار باعتبارها من الدول التي يمر عبرها الأخدود العظيم الشهير ببحيراته العديدة إلا أن الأنهار التي تجري في وسط نيروبي لا تعدو في الحقيقة أن تكون ما نسميه نحن في السودان "خيراناً" تظل جافة معظم أيام السنة ، وكلما مررت بذلك الشارع كنت أقارن بشيء من الحسرة بينه وبين شارع النيل في الخرطوم. عندما ذكرت هذه المعلومة لأحد الأخوان في وقت لاحق ، قال لي إن بعض أشهر الأنهار التي تغنى بها الشعراء العرب خاصة في الشام ليست أكبر في الحقيقة من الخيران.لم تكن الطائرة قد بلغت الارتفاع الطبيعي لها لذلك فقد كان بالإمكان مشاهدة معالم الخرطوم من النافذة التي ألصقت وجهي بها في محاولة لاختزان آخر ما يمكن من هذه المعالم. عبرت الطائرة بعد مغادرة المطار النيل الأزرق في اتجاه الخرطوم بحري وكانت المنازل الطينية المتناثرة في ضواحي الخرطوم بحري واضحة للعيان وحولها حيشانها الواسعة ، كما كانت تظهر من حين لآخر بعض السيارات في الشوارع الترابية التي تمتد فيما يبدو إلى ما لا نهاية وخلفها خيط طويل من الغبار يذكرني بذلك الخيط ناصع البياض الذي يعقب الطائرت النفاثة في سماء الخرطوم الصافية خاصة في صباح الأيام الباردة من فصل الشتاء. بدأت الطائرة في الارتفاع وكانت معالم الخرطوم تحتي آخذة في التناقص حتى أضحت غرف المنازل أشبه بعلب الكبريت. أحسست بأن الطائرة ترتج قليلا والأفق البعيد يرتفع نحونا ، ويبدو أنها كان تحول اتجاهها شمالا لمحاذاة مجرى النيل في طريقها إلى أوربا التي ستكون محطتنا الأولى في هذه الرحلة ودون أن أشعر وجدت نفسي أردد كلمة "وداعا ". قبل ذلك اليوم بشهور قليلة استدعاني السيد وكيل الوزارة - وكان في المنصب وقتها سفير يصرف أموره بالإنابة - ليخيرني بين أمرين هما انتظار نتيجة ترشيحي لإحدى الجامعات الكندية للتحضير لدرجة الماجستير أو النقل للعمل بسفارة السودان في طوكيو ، ويبدو أن هذا التخيير قد جاء بعد أن أحس المسئولون في الوزارة بأنني قضيت فترة أطول مما يجب برئاسة الوزارة على عكس أبناء دفعتي الذين تم نقل معظمهم بعد قضاء فترات أقصر. ويكمن وراء ذلك قصة طريفة فقد شاءت الأقدار بعد وصولي للخرطوم منقولاً من نيروبي للعمل بالإدارة الأفريقية أن نقل السفير الذي كنت أعمل معه في كينيا للخرطوم وكيلا للوزارة ، وبعد أن طال بقائي بالوزارة حتى بعد أن تقرر نقلي للعمل بسفارة السودان في طوكيو ، استفسرت الإخوان في الشئون الإدارية فأفادوني بأن السيد الوكيل يتمسك ببقائي في الإدارة الأفريقية. عندما سألت الرجل عن سر بقائي طوال هذه المدة ، حدثني حديثا طويلاً عن المرحلة الدقيقة التي تمر بها العلاقات السودانية – الأفريقية والدور الرائد للسودان في القارة مما يقتضي ضرورة بقاء الطاقم الموجود في الإدارة حتى لا يهتز الأداء فقلت له "حواء والدة". صدق حدسي فقد أجاد الأخ الذي خلفني في المنصب وأبدع حتى أصبح لاحقا من الخبراء الذين يشار إليهم بالبنان في الشئون الأفريقية. لم يوافق السيد الوكيل على نقلي وهو رجل فاضل ورقيق الجانب إلا بعد أن ختمت حديثي معه حول الموضوع مرة بالقولة المشهورة "من الحب ما قتل". بالرغم من رغبتي الشديدة في مواصلة الدراسة وأملي الكبير في الحصول على الموافقة من الجامعة الكندية التي تقدمت بطلبي لها ، إلا أنني لم أتردد كثيرا في اختيار العمل بسفارة السودان في طوكيو. ولعل السبب الرئيس وراء ذلك هو أن معلوماتي عن اليابان كانت شحيحة للغاية وكان ذكر تلك البلاد يرتبط في ذهني بالشرق الأقصى وسحره الآسر مما جعل تجربة العمل بها مغامرة تتوق لها نفسي الشابة في ذلك الزمان. ورغم أن معلوماتي عن كندا لم تكن وفيرة هي الأخرى إلا أن ما سمعته عن بردها القارس كان كافيا ليجعلني أتردد في القبول بفكرة الدراسة هناك لعدة سنوات. ولو أن التخيير بين كندا واليابان جاء متأخرا عدة سنوات بعد أن تقدم بي العمر وفعلت بي الأيام ما فعلت وضعفت في نفسي روح المغامرة لما كان الاختيار بهذه السهولة ولربما ترددت كثيرا قبل اتخاذ القرار أو لربما اخترت كندا إيثارا للسلامة باعتبار أنها الأقرب للثقافة الغربية التي تعرفت عليها خلال مراحل التعليم المختلفة.لا زلت أذكر أن السيد الوكيل قد أفادني عندما نقل لي خبر اختياري للعمل باليابان ، أن ذلك لم يتم إلا بعد تمحيص دقيق إذ أن السفير المرشح لتلك البلاد قد اشتهر بحدة الطبع وأنهم قدروا أنني الشخص الوحيد بين المرشحين الذي يستطيع – بما له من أناة وصبر – العمل مع السفير المذكور. ورغم أن ما ذكره السيد الوكيل عن السفير كان صحيحاً في مجمله ، إلا أنني لم أكن في الحقيقة قلقا خاصة وأن لي تجربة العمل مع ذات السفير في إدارة واحدة برئاسة الوزارة وقد تميز التعامل بيننا بالاحترام المتبادل. لكنني تعلمت من تجربتي في كينيا أن العيش في الغربة والعمل في سفارة صغيرة هو الفرصة الحقيقية لكشف معادن الرجال ، وقد صدق الفاروق رضي الله عنه عندما سأل الصحابي الجليل الذي ادعى معرفته بأحد الأشخاص إن كانت له تجربة صحبة ذلك الرجل في سفر. وقد شاء الله ألا ينفذ السفير المذكور النقل لليابان بسبب بعض الملابسات الإدارية وتقرر نقله لاحقاً إلى سفارة أخرى. لم أندم على اختياري لليابان فيما أقبل من سنوات ، فقد كانت إقامتي الطويلة هناك حافلة بالتجارب والذكريات. لا شك أن العيش في مجتمع غير الذي نشأ فيه الإنسان يعتبر في حد ذاته تجربة عالية القيمة ، أما إن كان ذلك المجتمع في بعد اليابان الجغرافي وغرابة ثقافتها المتفردة فإن التجربة تكتسب أبعاداً جديدة تستحق التسجيل.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:46 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-24-2016, 01:26 PM

محمد المرتضى حامد
<aمحمد المرتضى حامد
تاريخ التسجيل: 08-14-2006
مجموع المشاركات: 9996

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    هذه هي الكتابة التي يفتقدها المنبر.. الكتابة الماتعة السهلة الممتنعة المفيدة
    بأنامل ترسم ما احتبس في العقول الخبيرة..
    أنا مبسوط بعودتك استاذنا الجليل ، كلامك عن فهم الغرب
    لليابان يتطابق مع مؤلف ضخم بعنوان (اليابانيون) صدر في 1990 تقريبا
    عن سلسلة المعرفة الكويتية.. وهو من أجمل ما صدر عن تلك السلسلة ،
    اليابان رمز الأصالة والمعاصرة..
    بالله كانوا يقولوا ليهو طايش سودان وجن سودان..
    هسه اللتنين حاصلات..
    غايتو بعد أن أقرأ الكتاب المعني سأكون لائقا طبيا..
    مودتي يا حبيبنا أباسعد..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-24-2016, 02:21 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: محمد المرتضى حامد)

    أخي الحبيب مولانا الاستاذ محمد المرتضى
    أسعدني كثيرا حضورك الأنيق كعهدنا بك دائما.كتاب الدكتور محجوب يضم الكثير المثير مع أسلوبه الرائع ، فخليك قريب .
    تقبل عميق شكري ووافر احترامي ومحبتي .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:49 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-26-2016, 06:50 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: محمد المرتضى حامد)

    استقيت معظم معلوماتي عن اليابان قبل زيارتي لها مما درسناه في علم الجغرافيا خلال مراحل التعليم المختلفة ومن بعض الأفلام الأمريكية التي شاهدتها في فترتي الصبا والشباب والقليل جداً من المادة المقروءة ، إذ كانت اليابانفي ذلك الوقت لا زالت تكابد العزلة التي فرضت عليها بسبب الهزيمة في الحرب العالمية الثانية وكان دورها في المجتمع الدولي لا يزال محدوداً كما أن وسائل الاتصال لم تكن قد بلغت ما بلغت من تطور فيما لحق من سنوات أدى إلى ربط العالم بالصورة التي نراها الآن. والذين عاشوا سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي يعرفون أن السودان لم يكن قد عرف حينئذ المنتجات اليابانية ولم تمتلئ شوارع مدنه بالسيارات والبكاسي من انتاج شركة التويوتا وغيرها ، فالبلاد كانت قد خرجت لتوها من تجربة طويلة مع الاستعمار البريطاني لذلك فقد كانت العلاقات مع بريطانيا هي الأقوى وكان تأثيرها هو الأهم وبصمتها على الاقتصاد السوداني هي الأوضح. من ناحية أخرى فإن نظام التعليم كغيره في الدول التي ابتلاها الله بمحنة الاستعمار كان يسعى لربط السودان بالدولة المستعمرة في المقام الأول وبأوروبا ككل ، لذلك فقد كنا ندرس جغرافية وتاريخ أوربا على حساب العالم الآخر بما في ذلك أفريقيا والعالم العربي. لا غرو إذن أن تكون معلوماتنا عن اليابان محدودة خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أنها كانت في المعسكر المناوئ لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية. قبيل مغادرتي للسودان كان علي السفر إلى مدينة الأبيض أو عروس الرمال كما يحلو لأهلها أن يسموها لوداع شقيقي وعائلته ، هناك التقيت بشيخ سبق له زيارة اليابان وكان كل ما قاله لي أنها تختلف تماماً عن بلادنا وليدلل على ما يعني أشار إلى أنه بالرغم من عمله في التجارة طوال حياته فإنه دخل محلاً تجارياً في طوكيو وعجز عن التعرف على أي نوع من المعروضات التي كانت موجودة بالمكان. لم أشأ أن أستزيد الشيخ لأنني كنت أرغب في الاحتفاظ لنفسي بعنصر المفاجأة واستكشاف البلاد على طريقتي الخاصة وهي متعة لا تعادلها متعة لعشاق السفر والرحلات. كان معظم ما شاهدت من أفلام أمريكية عن اليابان مرتبط بتاريخ الحرب العالمية الثانية وهي الأفلام التي صورت اليابانيين كشخصيات شديدة الغباء أو شديدة القسوة بسبب تجربة الحرب المريرة وجرياً على عادة السينما الأمريكية في ذلك الوقت والتي تصور كل من لم ينتم للجنس الأبيض في أمريكا بهذه الصورة الشائهة ، ولعل من شاهد أفلام رعاة البقر والهنود الحمر يدرك ما أعني ناهيك عما كان يلصق بالزنوج من صفات كانت تعكس العنصرية البغيضة التي اتسم بها الرجل الأبيض في الولايات المتحدة. من بين ما شاهدت من أفلام عن اليابان ذلك الفيلم الذي يصور الهجوم على ميناء بيرل هاربور الأمريكية تحت عنوان " تورا .. تورا .. تورا " وكلمة تورا تعني في اللغة اليابانية " النمر" وقد كان ذلك هو الاسم السري للعملية اليابانية التي تم خلالها تدمير الميناء الأمريكي الشهير. المعروف أن هذا الهجوم الذي أصاب الكرامة الأمريكية في مقتل كان من الأسباب المباشرة لدخول الولايات المتحدة الحرب ضد اليابان ودول المحور ، وقد تميز الهجوم بالمفاجأة التي لا زال الأمريكيون ينظرون لها بمزيج من الغضب والانكسار كلما استعادوا ذلك التاريخ ولا زال هذا الحادث يشكل بعض الحساسية بين الجانبين خاصة بالنسبة للأجيال التي عاشت تجربة الحرب. كما شاهدت الفيلم الشهير " جسر على نهر كواي " الذي يصور معاناة الأسرى الغربيين تحت قبضة الجيش الياباني خلال الحرب وهي التجربة التي لا زال بعض الأسرى الذين أمد الله في أعمارهم وعائلاتهم يطالبون بالاعتذار والتعويض عنها. أما الفيلم الذي ترك في نفسي أثرا لا يزول عن اليابان وأهلها فهو الفيلم المعروف باسم "قمر أغسطس" بطولة النجم الأمريكي القدير مارلون براندو. ومع أنني لا أذكر الكثير من تفاصيل هذا الفيلم في الوقت الحاضر إلا أنه كان فيلماً ممتازاً ترك في نفسي انطباعاً طيباً عن أهل اليابان وثقافتهم وبصفة خاصة حبهم الشديد للطبيعة وتناغمهم التام مع روعتها وجمالها بالإضافة لاهتمامهم البالغ بالتفاصيل الدقيقة ، وهي أشياء تأكدت لي صحتها فيما بعد أثناء إقامتي الطويلة باليابان . تعرفت من خلال بعض الصحف والمجلات العربية في ذلك الوقت على شئ من أحداث اليابان ومن بينها زواج الإمبراطور الحالي أكيهيتو من إحدى الفتيات من عامة الشعب ، ويبدو أن الحدث كان من الأهمية بالدرجة التي جعلته يبلغ مسامعنا ونحن في سن الطفولة في ذلك الركن القصي من العالم. وقد علمت بعد أن شاء الله لي أن أقيم في اليابان أن الإمبراطور كان قد تعرف على زوجته وهما يمارسان لعبة التنس في أحد الأندية ، ويقال أن هذا الزواج أدى لرواج اللعبة بين الفتيات اليابانيات بعد ذلك بصورة كبيرة "عسى ولعل". شاء المولى عز وجل أن أجلس جوار نفس السيدة وهي إمبراطورة اليابان خلال دعوة غداء في القصر الإمبراطوري في خريف عام 1996 وكم كانت دهشتها عظيمة عندما أخبرتها أن الذاكرة لا زالت تختزن تفاصيل خبر زواجها من الإمبراطور والذي اطلعت عليه في الصحف العربية في ذلك الوقت البعيد. اندهشت بدوري لسعادة الإمبراطورة عند سماع حديثي ، وأذكر أنها قد نقلت ذلك بتلقائية شديدة لزوجها الذي كان يجلس على الجانب الآخر من المائدة والذي لم يكن رد فعله بأقل من رد فعلها. وسنرى فيما بعد عند حديثنا عن النظام الإمبراطوري أن شعبية العائلة الإمبراطورية الحالية تعود في جانب كبير منها لبساطة أفرادها وتواضعهم الجم.من جهة أخرى ، فقد نقلت لنا الصحف في نهاية الستينات أو بداية السبعينات على ما أظن خبر هجوم أحد الشباب اليمينيين المتطرفين على زعيم الحزب الاشتراكي الياباني وانتحار الكاتب الياباني الشهير يوكيو ميشيما على الطريقة المعروفة في الثقافة اليابانية باسم "سيبوكو" والتي اشتهرت في أنحاء العالم الأخرى باسم "هارا كيري" وهي طريقة للانتحار تمارس بطقوس مقدسة. وكلمة "هارا كيري" تعني حرفياً قطع الأمعاء. كان يوشيما روائياً بارعاً وتم ترشيحه لنيل جائزة نوبل للأدب ، غير أنه كان في الوقت نفسه من اليمينيين المتطرفين. جاء انتحار ميشيما بعد فشل محاولة انقلاب ساذجة قام خلالها باحتلال أحد مواقع قيادة القوات اليابانية واعتقال بعض كبار الضبط كرهائن. كان الهدف من المحاولة هو استعادة مجد النظام الإمبراطوري في اليابان بعد الهزيمة الماحقة لليابان خلال الحرب العالمية الثانية. المعروف أن الإمبراطور السابق هيروهيتو كان قد أعلن على الملأ بعد هزيمة بلاده في الحرب العالمية الثانية وبإيعاز من قوات الاحتلال الأمريكية بأنه لم يعد إلهاً كما تشير الأساطير اليابانية وأنما هو مجرد بشر. يقال أن عدداً من أبناء الشعب الياباني قد انتحروا في ذلك "اليوم الأسود" رافضين فكرة أن يكون امبراطورهم مجرد بشر عادي. ولا زال هذا الأمر يواجه بالرفض من قبل أقلية تمثل غلاة اليمينيين وكثيراً ما ترى في شوارع العاصمة طوكيو بعض المتظاهرين الذين يحملون اللافتات ومكبرات الصوت وهم يهتفون ضد خنوع اليابان للدول الغربية ويطالبون بعودة النظام الإمبراطوري القديم. ومع أن أعداد هؤلاء اليمينيين محدودة للغاية إلا أنهم يحدثون جلبة كبيرة ويلجأون أحيانا لأساليب عنيفة لنقل وجهة نظرهم المخالفة للتيار السائد في البلاد الآن. رغم التباين بين الأحداث الثلاثة إلا أنها تركت لدي انطباعاً عن اليابان يتسم بالغموض وهو الانطباع الذي ربما كان سبباً وراء ازدياد تشوقي لمعرفة البلاد وأهلها ، وها قد أتيحت لي الفرصة لزيارة اليابان بل الإقامة فيها عندما استدعاني السيد الوكيل في ذلك اليوم من صيف عام 1977 وعرض على النقل لطوكيو. ليس سراً أن سعادتي بسماع النبأ كانت بالغة ، ولم أتردد لذلك في إعلان موافقتي الفورية ، ولا زلت حتى الآن عندما أعود بالذاكرة لذلك اليوم أحس بأنني قد اتخذت القرار الصحيح باغتنام تلك الفرصة النادرة. بالنظر إلى الكرة الأرضية فإن الإنسان يدرك أن اليابان تقع تقريبا على الجانب المعاكس تماماً من العالم بالنسبة لبلادنا ، لذلك فإنه لم يكن من المستغرب أن تطول الرحلة إلى هناك إذ استغرقت ما يقارب الأربعة وعشرين ساعة. كان من الطبيعي أن أعيش خلال الرحلة أشكال متباينة من الأحوال الجوية ، ولعل من الطريف أن الإنسان يمر خلال أربعة وعشرين ساعة فقط بكم هائل من الثقافات المتباينة التي تتمثل في اللغات التي يتحدثها الناس ونوع الملابس التي يرتدونها في المطارات المختلفة التي تهبط بها الطائرة. وهذه بالطبع ظاهرة تتميز بها الحياة الحديثة بعد التطور المذهل في وسائل الاتصال والمواصلات والسرعة التي تطوى بها هذه الوسائل المسافات الشاسعة. تمكنا في زماننا هذا وبسبب هذا التطور من العيش خلال فترات زمنية قصيرة للغاية تجارب متنوعة لم يكن أجدادنا ليحلمون بها مهما امتدت بهم سنوات العمر. ولا شك أن قياس عمر الإنسان بالسنوات التي يعيشها ربما يكون خادعاً ، فلكم من شخص عاش حياة قصيرة بقياس الزمن إلا أنها غنية بالتجارب مما يجعلها أكثر غنى وتنوعاً من حياة شخص عاش أضعاف تلك السنوات في مكان واحد أو داخل ثقافة محدودة.كانت المحطة الأولى في رحلتي هي أثينا حيث كان علينا أن نقوم بتبديل الطائرة فتلك التي جاءت بنا إلى العاصمة اليونانية كانت في طريقها إلى مواقع أخرى في القارة الأوربية. ورغم أنني قضيت وقتاً طويلاً في مطار أثينا إلا أنه لم يسمح لنا بالخروج من المطار وبذلك لم تتح لي فرصة التجول في أرجاء المدينة رغم رغبتي الملحة فلليونانيين مكان خاص في نفوس معظم السودانيين من جيلي . كانت الفترة الاستعمارية فرصة طيبة للتجار اليونانيين للاستثمار في السودان عندما طبق المستعمر البريطاني سياسة غير معلنة ترمي لاستبدال التجار المسلمين بالمسيحين خاصة في جنوب السودان فقدمت أعداد كبيرة من اليونانيين لممارسة العمل التجاري في السودان . في مسقط رأسي ، مدينة كسلا ، لم تكن الجالية اليونانية كبيرة ولكن التجار اليونانيين كانوا معروفين بعلاقاتهم الطيبة بالمواطنين. كما عرفوا كذلك باتقانهم لعملهم مما جعل مشاريعهم الاقتصادية ناجحة للغاية. كانت الجاليتان الأجنبيتان الكبيرتان في كسلا هما الجالية الهندية والجالية اليمنية وكان أفرادهما يعملون في التجارة أيضا ولكن لكل منهما تخصص يختلف عن تخصص الجالية اليونانية. فبينما كان اليمنيون يسيطرون على البقالات الصغيرة في الأحياء فإن الهنود اشتهروا في العمل في مجال تجارة الأقمشة والملابس خاصة تلك الثياب الجميلة والمزركشة التي اشتهرت بارتدائها النساء في شرق السودان. أما اليونانيون فقد اشتهروا بالسيطرة على تجارة الوارد من أوربا بالإضافة إلى الخدمات كالأفران والطواحين والفنادق. ولا أدري إن كان ذاك قد جاء بمحض الصدفة أم أنه تخطيط محكم من جانب السلطات الاستعمارية. بالرغم من أن الجو داخل صالات مطار أثينا كان دافئاً إلا أن الواضح أن أثينا كانت تعيش الأيام الأخيرة من موسم الشتاء فقد كان معظم القادمين للمطار من المدينة يرتدون معاطف تقيهم البرد بالخارج. ورغم أنه يصعب الحكم على الشعب اليوناني من مجرد الوجود لساعات قليلة في المطار ، إلا أنني تذكرت مقولة أحد الأصدقاء بأن اليونانيين هم عرب أوربا. لاحظت أن القوم يتحدثون بصوت عال ويبدو أنهم يتميزون بروح مرحة للغاية فقد كانت الضحكات المجلجلة تنطلق من أركان الصالة خاصة المناطق التي توجد بها المقاهي والمطاعم. وقد علمت من بعض الأصدقاء لاحقاً أنه لم يكن من المستغرب أن تجد المتحدثين باللغة العربية في أثينا لأن اليونانيين كانوا يعملون بأعداد كبيرة في عدد من الدول العربية وخاصة مصر في النصف الأول من القرن الماضي.غادرنا مطار أثينا في وقت متأخر من الظهيرة وكانت وجهتنا الثانية هي مدينة بومباي في الهند. وللهند سحر خاص في نفوس أبناء جيلي من السودانيين فقد تفتحت عيوننا والهند واحدة من أركان حركة عدم الانحياز في العالم ، كما كان لقادتها السياسيين شعبية كبيرة في السودان حيث أنهم نجحوا فيما فشلت فيه القيادات السياسية السودانية وهو خلق دولة ديمقراطية متماسكة من ذلك التنوع الكبير والواضح الذي ظل يسود الهند عبر تاريخها الطويل. كان رئيس الوزراء جواهر لال نهرو أكثر الشخصيات الهندية احتراماً في السودان في ذلك الوقت. وقد انسحب هذا الاحترام فيما يبدو على إبنته إنديرا غاندي فقد أثبتت لنا في السودان أن إبن الوز عوام وأن بنت الزعيم يمكن أن تكون زعيمة بنفس قدر الوالد وهو أمر كنا ولا زلنا نفتقده في السودان بالرغم من أن الزعماء عندنا ظلوا وحتى يومنا هذا يفرضون أبناءهم على الحركات السياسية التي يقودونها ، ولعل المثل السوداني السائر "النار تلد الرماد" نابع حقاً من تجاربنا المحبطة في هذا المجال وغيره. رغم أنني لم أكن من المعاصرين لفترة نضال الهند السلمي ضد الاستعمار البريطاني بقيادة المهاتما غاندي ، إلا أن ذكرى الرجل في السودان كانت عطرة للغاية وربما حاول السياسيون السودانيون استلهام تجربته في نضالهم بعد الحرب العالمية الثانية من أجل التحرر الوطني. لم يكن إعجابنا بالهند محصورا بالطبع في السياسة فقط فقد كان للسينما الهندية ولا زال معجبون كثر في السودان ، فمن من أبناء جيلنا لم يبك مع أبطال الفيلم الخالد "من أجل أبنائي" ولم يغني ويرقص مع الموسيقى الشجية لأفلام مثل "جانوار". وقد اكتسب الفيلم الأخير شعبية واسعة حتى إن الكثير من الآباء أطلقوا على بناتهم في ذلك الوقت اسم بطلة الفيلم كما نسجت الطرائف حوله خاصة عند زيارة الزعيم اسماعيل الأزهري للهند. وصلنا إلى مطار بومباي في الساعات الأولى من فجر اليوم التالي وقد أسفت غاية الأسف لأنه لم يسمح لنا بمغادرة الطائرة فكم كنت أتمنى أن تطأ قدماي أرض الهند. ورغم أن الوقت كان متأخرا إلا أن درجات الحرارة كانت مرتفعة للغاية وكذا كانت الرطوبة ، ومما ضاعف من معاناتي أن المقعد الذي كنت أحتله كان قريبا من الباب الذي ظل مفتوحا طوال فترة بقاء الطائرة في المدرج لذلك فإنني لم أستفد من التكييف الخاص بالطائرة. كانت وجهتنا التالية في الرحلة هي مدينة هونغ كونغ التي طبقت شهرتها الآفاق بسبب النجاح الاقتصادي الكبير الذي حققته حتى أصبحت المركز التجاري والمالي الأول في المنطقة . وصلنا إلى مطار هونغ كونغ في صباح السادس من مارس وكان المنظر مرعباً أثناء هبوط الطائرة في المطار فقد امتدت البنايات الشاهقة على الجانبين وكادت الطائرة في اعتقادي أن تلامس أسقفها. ونسبة لضيق مساحة المدينة فقد كان المطار مشيدا فيما يبدو داخل البحر ، لذلك فإننا لم نكن نرى سوى المياه على الجانبين عندما اقتربت الطائرة من مدرج المطار حتى ساورني الشك في أنها ربما سقطت في البحر. عرفت أن السلطات في هونغ كونغ قامت لاحقا ببناء مطار جديد يعتبر آية في فن المعمار ، وأتمنى أن يكون قد تم بناء المطار في مكان يختلف عن المكان القديم حتى لا يتعرض المسافرون لما تعرضت له من تجربة مخيفة. عندما زرت هونغ كونغ في عام 1981 أدركت مدى المشكلة التي تعانيها المدينة بسبب ضيق المساحة فقد شهدت الكثير من مواطنيها يقيمون في مراكب داخل البحر كما أن هناك عدداً من المطاعم وأماكن اللهو العائمة.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:50 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-26-2016, 07:17 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    ارتبطت هونغ كونغ في ذهني دائما بما كنت أقرأه في الكتب العربية القديمة والتي كانت تتحدث أحيانا عن بلاد غريبة أطلقت عليها اسم بلاد " واق الواق " وقد كان اعتقادي أنها ربما كانت هونغ كونغ التي نطالع في الصحف أحيانا عن غرائب تقع فيها من حين لآخر. نسبت الكتب العربية كما هو معلوم العديد من الاساطير لبلاد "واق الواق" مثال ذلك ما ذكره أحد الكتب وكنت قد اشتريته بالقرب من القلعة المعروفة باسم " قلعة المسيح" في مدينة ممباسا الكينية. يقول مؤلف الكتاب أن في بلاد "واق الواق" أشجار ضخمة للغاية ثمرها عبارة عن فتيات في غاية الجمال يلتصقن بغصون هذه الأشجار بشعرهن الطويل المجدول. ويقول الكاتب ــ الذي يبدو أنه قد ذهب بعيدا مع خياله ــ أن في إمكان الرجل أن يقطف هذه الثمار الآدمية بقطع أطراف شعرها ويقضي منها وطره ، إلا أنها تموت بعد فترة ليست بالطويلة بعد قطفها على حد قوله. ولا عجب أن يبلغ الحال بالعرب ما بلغ إذا كانت مثل هذه الترهات سائدة بينهم في الوقت الذي كانت بقية أنحاء العالم تسعى لتطويع العلم واستغلال فوائده الجمة.كانت وجهة الطائرة بعد هونغ كونغ هي المحطة الأخيرة في رحلتي وقد كنت في غاية الشوق للوصول للعاصمة اليابانية ورؤيتها. هبطت الطائرة بنا في مساء ذلك اليوم في مطار "هانيدا" القريب من طوكيو ولم تكن الحكومة اليابانية قد قامت حتى ذلك الوقت بنقل المطار إلى موقعه الجديد في منطقة "ناريتا" والتي تبعد عن العاصمة حوالي السبعين كيلومترا ، غير أن الجدل كان محتدماً وقتها بين الحكومة التي كانت قد أكملت بناء المطار وسكان المنطقة الذين كانوا يعارضون وجود المطار في منطقتهم. ورغم أن الدولة استطاعت الحصول على موافقة معظم المزارعين في المنطقة على التنازل عن أراضيهم مقابل تعويضات مجزية إلا أن قلة منهم رفضت العرض الحكومي وظلت حتى كتابة هذه السطور تزرع أرضها حول المطار ، كما إن المنظمات اليمينية تصدرت موجة الاحتجاج التي قادها مواطنو المنطقة ضد الآثار البيئية السالبة للمطار خاصة الإزعاج الذي يسببه أزيز الطائرات المتواصل. اتخذت المعارضة ضد قيام المطار في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات شكلاً عنيفاً شمل القيام بالهجوم على بعض المواقع ذات الارتباط بعمل المطار بسيارات مفخخة ، وقد كان هذا سبباً في تشديد الإجراءات الأمنية حول المطار. من ناحية أخرى ، استطاعت الحركة المعارضة الحصول على وعد من الحكومة بإيقاف حركة الطيران في المطار في الفترة من الحادية عشرة مساءً وحتى السابعة صباحاً. وتفرض على الطائرات التي تهبط في المطار خلال هذه الفترة غرامات باهظة إلا إذا كان ذلك لظروف اضطرارية قاهرة ، ويجري عادة تحقيق دقيق في السبب وراء هبوط أي طائرة خلال ساعات الحظر للتأكد من الظروف التي جعلتها تهبط في ذلك الوقت. درجت الطائرات القادمة إلى " ناريتا " على قضاء الليلة في إحدى المطارات المجاورة إذا كان وصولها سيتأخر عن الحادية عشرة مساء ، وقد كان هذا سبباً في أن أقضي ليلة في العاصمة الصينية بكين في بداية الثمانينات من القرن الماضي عندما تأخرت الطائرة الباكستانية التي كنت استغلها عن مواعيدها المحددة. كانت تلك المرة الأولي التي تطأ فيها قدماي أرض الصين التي كانت في بداية عهدها بالانفتاح على العالم ، وقد اندهشت للمستوى الرائع للفندق الذي قضينا فيه الليلة بالرغم من أن الحي المجاور كان تبدو عليه علامات الفقر. لاحظت أن الفتاة العاملة في أحد المقاهي بالفندق تتحث الإنجليزية بلهجة أمريكية وبطلاقة واضحة ، وعندما سألتها عن المكان الذي تعلمت فيه اللغة الإنجليزية كان ردها مدهشا حيث قالت أنها لم تغادر الصين في حياتها وأنها تعلمت اللغة في مركز تعليم اللغات الأجنبية بالعاصمة بكين.وصلت طائرة الخطوط الجوية السويسرية كما ذكرت إلى مطار " هانيدا " ولم يكن الهبوط في هذا المطار بأقل إثارة من هبوطنا في مطار هونغ ، فقد بني المطار كله على أرض مسترجعة من البحر في خليج طوكيو وهو أسلوب متبع في اليابان التي تعاني من ضيق في الأرض. ولعل أغرب هذه المحاولات هي بناء مطار مدينة أوساكا العاصمة التجارية لليابان في وقت لاحق في جزيرة صناعية بعيدة من الساحل حيث تم ردم البحر لإقامة المطار وتوصيله بالمدينة عن طريق مواصلات من بينها قطار يسير تحت البحر. عندما أقدمت طائرتنا نحو مدرج المطار لم نكن نرى سوى الماء من الجانبين. بعد سنوات من وصولي لليابان سقطت إحدى طائرات الخطوط الجوية اليابانية فعلا في الخليج قرب المطار وقد اتضح فيما بعد أن الكابتن أصيب بلوثة عقلية وقرر الانتحار بإسقاط الطائرة المليئة بالمسافرين في الخليج. تعرضت الخطوط الجوية اليابانية بسبب ذلك الحادث للكثير من الانتقاد مما جعلها تدقق في النواحي النفسية للكباتن قبل اختيارهم وقبل كل رحلة يقومون بها.كان في استقبالي الإخوة من السفارة وبعد اكتمال إجراءات الجوازات والجمارك والتي لم تستغرق أكثر من عشرة دقائق كنا في طريقنا إلى وسط مدينة طوكيو. وقد لاحظت لاحقا خلال سفرياتي العديدة بين طوكيو والخرطوم أن هناك علاقة وثيقة بين درجة تقدم أي دولة أو تخلفها والوقت الذي يقضيه المسافر لإكمال إجراءات الجوازات والجمارك في مطارها ، فكلما كانت الدولة أكثر تقدما كان الوقت الذي يقضيه المسافر في الإجراءات أقصر. ظلت هذه النظرية صادقة بالنسبة لي حتى بدأت الدول تطبق إجراءات أمنية أكثر تشدداً بعد وقوع العديد من الحوادث الإرهابية في مختلف أنحاء العالم مما جعل الرقابة والتدقيق أشد بالنسبة لحملة الجوازات العربية بصورة عامة.كان خروجنا من المطار بعد الثامنة مساء ولكني لاحظت أن الطريق بين المطار ووسط المدينة كان مزدحما بالسيارات بصورة كبيرة رغم أننا كنا قد أخذنا ما يسمى بالطريق السريع أو الطريق العلوي . وعندما أبديت هذه الملاحظة للإخوة بالسيارة كان رد أحدهم أن علي أن انتظر حتى أشاهد الازدحام في ساعات الذروة صباحا ومساء . عرفت فيما بعد أنه يوجد في العاصمة طوكيو وحدها ما يزيد عن الستة ملايين سيارة ، لذلك فقد اندهشت أيما اندهاش عندما قرأت إحدى الاحصائيات التي تقول أن عدد السيارات في الولايات المتحدة يعادل عددها في بقية العالم . كان جانبا من الطريق العلوي الذي نسير فيه يتكون من ثلاث طبقات تسير كلها في نفس الاتجاه وكان بالرغم من ذلك مزدحما ، ولعل الميزة الوحيدة التي تميزه عن الطريق العادي أنه ليس به أنوار لتنظيم الحركة مما يجعل انسيابها فيه أكثر سهولة . عندما قضيت بعض الوقت في طوكيو لاحظت أن الطرق العادية قد تكون أحيانا أفضل من طريق المرور السريع الذي قد تجد فيه نفسك أحيانا محشورا بين مئات العربات ولا يكون المخرج قريبا منك وقد قضيت يوما سبع ساعات في الطريق السريع بسبب الزحمة الشديدة لقطع مسافة حوالي مائة كيلومتر فقط .الانطباع الأول عن الأشياء والأشخاص يكون في العادة خاطئا وكثيرا ما يضطر الإنسان إلى تعديله بعد المعايشة ، وقد كان هذا هو الحال بالنسبة لانطباعي الأول عن مدينة طوكيو. عندما تجولت في بعض أرجاء المدينة في اليوم التالي لوصولي لاحظت أن معظم الحدائق جافة للغاية ويميل العشب فيها للون الأصفر كما أن الأشجار فقدت خضرتها ونضرتها ووقفت عيدانا جافة ، وقفز إلى ذهني اعتقاد بأن طوكيو هي واحدة من المدن التي تفتقر للخضرة. كان ظني خاطئا فلم تمض علي وصولي أسابيع قليلة حتى أقبل موسم الربيع واكتست المدينة حلة خضراء وتزينت شوارعها الجميلة بالزهور المتنوعة. فيما أقبل من سنوات قضيتها في العاصمة اليابانية أدركت مدى ولع أهل البلاد بالأشجار والزهور ، ولاحظت أن الحدائق العامة المنتشرة في أرجاء المدينة من أكثر المناطق التي يفضلها اليابانيون خاصة في فصلي الربيع والصيف وهي تزدحم بالرواد خاصة في وقت الظهيرة عندما يخرج الموظفون من مكاتبهم لتناول وجبة الغداء وفي عطلة نهاية الأسبوع.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:52 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-27-2016, 11:29 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    كشفت صور فوتوغرافية بعث بها أحد الأقمار الصناعية التي تجوب الفضاء في منتصف التسعينات أن أرخبيل اليابان يقع في الحقيقة على بعد نصف كيلومتر تقريبا إلى الغرب عن الموقع الذي يظهر عليه في الخرائط الجغرافية المستعملة حالياً ، يعني هذا أن اليابان هي في الحقيقة أكثر قرباً من القارة الأسيوية مما يشير الاعتقاد السائد. ورغم أن هذه الحقيقة قد تكون ذات أهمية علمية بالنسبة للدارسين فإنها لا تعني الكثير بالنسبة للمواطن الياباني العادي الذي ظل يعاني من أزمة هوية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمنذ بداية الخمسينات في القرن الماضي أصبحت اليابان إحدى دول المعسكر الغربي بعد أن اعتمدت نظام الحكم الديمقراطي تحت ظل الدستور الذي وضعته قوة الاحتلال الأمريكية. ثم لم تلبث اليابان أن انضمت إلى معسكر القوى الصناعية الكبرى بحلول الستينات مما جعل ارتباطها بالمعسكر الغربي أكثر قوة. غير أن اليابانيين لم يكونوا يخفون ضيقهم من معاملة الدول الغربية لهم في كثير من الأحيان ، وكان بعضهم يرى أن هذه المعاملة ناتجة عن نظرة عنصرية ورغم ان الروابط الثقافية لليابان مع الجانب الأكبر من الدول الأسيوية تعتبر ضعيفة للغاية إلا أن روابطها مع كل من الصين وكوريا لا تخفى على أحد. غير أن هذه الروابط تعرضت لهزة عنيفة بسبب احتلال اليابان للدولتين ، منذ بداية القرن العشرين بالنسبة لكوريا ومنذ ثلاثينات القرن بالنسبة للصين.شهدت الدول الأسيوية خاصة تلك المجاورة لليابان والتي أطلق على بعضها اسم النمور الأسيوية نهضة أقتصادية كبيرة في نهايات القرن الماضي وهي النهضة التي كانت في جانب كبير منها نتيجة للتعاون الاقتصادي بين اليابان وهذه الدول حيث كانت الشركات اليابانية الكبرى هي رائدة الاستثمار الأجنبي في كل هذه الدول . ولعل التقارب في المستوى الاقتصادي والمصالح المشتركة التي نشأت بسبب هذا التعاون والتحولات السياسية المرافقة التي شهدتها هذه الدول قربت كثيرا بين اليابانيين ومواطني هذه البلاد الذين كانوا ينظرون لليابان بخليط من الخوف والكراهية بسبب احتلالها للعديد من هذه الدول خلال الحرب العالمية الثانية . ساعدت هذه التطورات ولا شك في أن تتجاوز اليابان أزمة الهوية التي كانت تعانيها فانضمت لعدد من التجمعات السياسية والاقتصادية التي تربطها مع هذه الدول ، غير أن هناك العديد من المفكرين اليابانيين الذين لا زالوا يعتقدون أن بلادهم لا تبذل ما فيه الكفاية لتأكيد هويتها الأسيوية . ولكن مما لا شك فيه هو إن اليابان وبسبب اهتمامها بمصالح الدول الأسيوية النامية حاولت في وقت من الأوقات أن تلعب دور المدافع عن العالم الثالث داخل مجموعة الدول الصناعية الكبرى وهو الدور الذي كانت ولا زالت تنافسها فيه بشدة فرنسا . لم تورد المصادر التاريخية أي اتصال مباشر للعرب مع اليابان ، غير أن وصولهم إلى بلاد الصين منذ القرن السابع الميلادي جعلهم على علم بوجود جزر اليابان التي تقع إلى الشرق منها. ويبدو أن العرب الأوائل كانوا يعتقدون أن الصين التي طبقت شهرتها الآفاق هي أقصى العالم من ناحية الشرق ، وربما عزز هذا الاعتقاد نصيحة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام بطلب العلم ولو في الصين كناية عن البعد. لذلك فإن دهشة بعض الرحالة العرب الذين وصلوا إلى الصين كانت كبيرة للغاية عندما اكتشفوا أن بلاداً أخرى تقع إلى الشرق منها. وربما كان ذلك هو السبب الذي جعل بعضهم يطلقون على اليابان اسم " صين الصين " كما تقول بعض المصادر التاريخية.ارتبطت اليابان بالشمس منذ قديم الأزل ، فالأساطير تشير إلى أن الإمبراطورية قد أنشئت أصلا بواسطة إلهة الشمس عند اليابانيين والتي يطلقون عليها اسم أماتيراس أوميكامي. تروي الأساطير اليابانية أن السماء قد انفتحت على الأرض ليهبط منها إلهان هما إزانامي وإزاناغي ليقوما بجمع قطع متفرقة من الأرض يكونان منها الأرخبيل الياباني. يعيش الإلهان المذكوران كزوجين فيما يعرف بهضبة السماء العالية وهي المنطقة التي يعتقد اليابانيون أنها تقع في مكان ما بعد المحيط وفوق دنيا البشر. تمضي الروايات للقول بأن الإلهين قد رزقا عدداً من الأبناء من بينهم أماتيراس أوميكامي إلهة الشمس وشقيقها سوسانو أونو ميكوتو إله الأعاصير والعنف. ويبدو أن العلاقة بين إلهة الشمس وشقيقها لم تكن على ما يرام وكان الصراع بينهما محتدماً ، ويبدو أن الإلهين قررا نقل صراعهما إلى الأرض فقاما بإرسال ذريتهما لليابان حيث استمر الصراع هناك قامت أماتيراس بتزويد أبنائها بالمرآة البرونزية والعقد اللؤلؤي بينما قام شقيقها بتزويد أبنائه بالسيف المقدس. وتمضي الأساطير للقول بأن أبناء إلهة الشمس قد استطاعوا في النهاية الانتصار على أبناء خالهم وانتزعوا سيف إله الأعاصير وجمعوا بين الأشياء المقدسة الثلاثة ودانت لهم السيادة على أرض اليابان كلها حيث أقاموا الإمبراطورية اليابانية التي لا زالت قائمة إلى يومنا هذا. ولا زالت هذه المقدسات الثلاث تمثل رموز السلطة الدينية والسياسية في اليابان واستمرت العائلة الإمبراطورية تتوارثها أباً عن جد ، ويستعمل العقد اللؤلؤي المقدس حتى اليوم في طقوس تنصيب الإمبراطور. كان من الطبيعي في ظل هذه الظروف أن يعبد اليابانيون الشمس ، ورغم أن هذه العبادة ليست من العبادات السائدة في الوقت الحاضر إلا أن مشاهدة شروق شمس اليوم الأول في العام الجديد من على قمة جبل فوجي تعتبر من الطقوس المقدسة ويعتقد الكثيرون أن مشاهدتها في ذلك اليوم تجلب السعادة خلال العام الجديد. لذلك فإن اليابانيين يقضون ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر ساهرين حتى الصباح لمشاهدة شمس العام الجديد. بالرغم من هذا الارتباط الوثيق بالشمس وادعاء أهل اليابان أن بلادهم هي مصدرها ، إلا أن رؤية الشمس تعتبر من رابع المستحيلات في الكثير من أيام العام . تتميز البلاد بجو غريب فشتاؤها بارد وصيفها حار ، أما فيما عدا ذلك فهو عبارة عن أمطار متواصلة. ولليابان موسم ممطر يمتد من منتصف يونيو وحتى منتصف يوليو ونادرا ما ترى فيه الشمس وأمطار هذا الموسم أشبه بالضباب أو ما يسمى بالشبورة ، أمطار خفيفة للغاية إلا أنها تستمر لساعات وربما لعدة أيام في بعض الأحيان.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:54 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

11-27-2016, 11:57 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    وتجارة الشماسي تجارة رائجة في هذا الموسم ويتفنن أصحاب الحوانيت في عرضها في مكان بارز ما إن استمعوا لأخبار احتمال هطول الأمطار في النشرة الجوية وهي ليست كالنشرات الجوية في بلادنا حيث تصدق بنسبة تقارب المائة بالمائة. بل إن النشرة الجوية هناك تقسم اليوم إلى أربعة أجزاء أو أكثر وتنقل للمستمع والمشاهد النسبة المئوية لاحتمال سقوط الأمطار في كل وقت من أوقات اليوم. كما تباع الشماسي أيضا في الأكشاك المنتشرة داخل محطات المترو وتنتهز بعض المحلات هذه الفرصة لتوزيع شماسي عليها شعار المحل مجانا أو بأسعار منخفضة للغاية كنوع من الدعاية المتحركة . ونتائج مثل هذه الإعلانات مذهلة خاصة وأن اليابانيين مشغوفون بحب التسوق وهو أمر ملاحظ إذ نادرا ما تصادف أحدهم في الطريق العام خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع إلا وهو "مدجج " بالمشتريات ويحمل في يديه أكياسا منتفخة بصورة ملاحظة ، وكأني بهم يعتقدون أن عدم التسوق وحمل الأكياس التي عليها أسماء المحلات الشهيرة عار اجتماعي يخشى الإنسان أن يضبط متلبسا به . ولعلم المحلات التجارية بحب اليابانيين للتسوق فإن أبوابها تظل مشرعة في إجازة نهاية الأسبوع ، وللمحلات الكبيرة إجازة أسبوعية خلال أيام الأسبوع كالثلاثاء أو الأربعاء مثلا . وهناك بالطبع مواسم للتسوق كموسم الصيف والأعياد كالكريسماس ورأس السنة ، وفي رأس السنة بالذات تبلغ مبيعات بعض المحلات الكبيرة مثل تاكاشيمايا وسيبو التي تنتشر فروعها في كل أنحاء البلاد بالإضافة إلى دول جنوب شرق آسيا مئات الملايين من الدولارات . والنساء في اليابان كرفيقاتهن في أركان الدنيا الأربعة أشد شغفا بالتسوق ، كما أن هذا النشاط يعتبر من صميم واجباتهن بحكم سيطرتهن التامة على ميزانية الأسرة .أمطار فصل الصيف الذي يمتد من بداية يوليو وحتى نهاية سبتمبر شبيهة بأمطار فصل الخريف في السودان ، عبارة عن سحب رعدية عابرة وأمطار غزيرة وعنيفة للغاية تستمر لفترة قصيرة . من الصعب التنبؤ بتوقيت هطول الأمطار في الصيف إذ كثيرا ما يخرج الإنسان والجو صحو للغاية ثم لا تلبث السحب أن تتجمع بسرعة شديدة من كل حدب وصوب وتهطل الأمطار الغزيرة ، غير أن العزاء هو أن مثل هذه الأمطار لا تستمر طويلا إذ سرعان ما تتوقف ويعود الجو صحوا كما كان . كان السير على أرصفة الشوارع خلال الأمطار من أصعب الأمور بالنسبة لي ، فهذه الأرصفة تكون عادة مزدحمة بالمشاة والكل يحمل شمسية مشرعة لاتقاء المطر . وبما أن طولي ليس من النوع المناسب بالنسبة لأطوال اليابانيين فعادة ما تكون شماسيهم المشرعة على مستوي كتفي أو أقل من ذلك ولهذا السبب كنت أعود إلى منزلي دائما وقد ابتلت ملابسي وكأنني لم أكن أحمل شمسية. لاحظت أن الغالبية العظمى من الزملاء المنقولين للعمل بسفارتنا بطوكيو هم من طوال القامة ، وليت الشئون الإدارية بالوزارة تعمل على اختيار من هم أقصر قامة إذ أن الطوال يعانون هناك أيما معاناة . وعلى ذكر الطول ، دعيت يوما بواسطة بعض الأصدقاء من اليابان لحضور عيد ميلاد أحدهم ولسوء حظي جلست بالقرب من شخص مخمور . لاحظ الرجل أننا عندما نقف لتحية أي شخص من القادمين للحفل فإنه رأسه بالكاد يكون على مستوى كتفي ، وعندما نجلس على الكراسي تكون أطوالنا متساوية . احتار الرجل وطلب مني عدة مرات أن أقف ثم أجلس وهو في كل مرة يفرك عينيه ويردد يا للغرابة ! . لم يدرك الرجل السر إلا عندما طلبت منه مقارنة طول ساقيه بالنسبة لطول ساقي وكان الفرق كبيرا فمعظم اليابانيين من ذوي السيقان القصيرة . إياك أن تعتمد على الحكمة السودانية المعهودة بأن هطول الأمطار يرتبط بالبرق القبلي إذ أن اتجاه القبلة في تلك البلاد إلى الجنوب الغربي في حين تأتي أمطار الصيف عادة من المحيط الهادي شرق طوكيو. أما في الشتاء فإن الأمطار والجليد عادة ما يأتيان من المناطق الباردة في سيبيريا إلى الشمال الغربي ، لذلك فإن العاصمة طوكيو قلما تشهد سقوط الجليد لوقوعها في ظل الهضبة اليابانية بينما يبلغ ارتفاع الجليد المتراكم في مناطق الشمال والشمال الغربي المواجهة لساحل بحر اليابان اكثر من مترين في الكثير من الأحيان. ونسبة لتراكم الجليد في هذه المناطق فقد اشتهرت بالسياحة الشتوية حيث يمارس الكثير من الشباب رياضة التزلج على الجديد ، وتعتبر مدينة ناكانو وما جاورها من أكثر المناطق شعبية لممارسة هذه الرياضة . الغريب في الأمر أن اليابانيين يطلقون على هذه المناطق اسم اليابان الخلفية باعتبار أن العاصمة طوكيو وما جاورها من مدن كبيرة مثل يوكوهاما وأوساكا وكوبي هي واجهة اليابان. ولا غرو أن أهل الشمال الغربي لا يحبون هذه التسمية خاصة وأنها ارتبطت بحقيقة التخلف كما هو الحال بالنسبة " للصعيد الجواني " عند الإخوة المصريين. يتميز الصيف في طوكيو بالارتفاع الشديد في درجات الرطوبة مما يجعل الإحساس بدرجات الحرارة مضاعفاً. لا تتجاوز درجات الحرارة في طوكيو الثلاثين درجة إلا في حالات نادرة للغاية ، لكن الرطوبة تجعل الصيف غير محتمل فيها ، ويغادر الكثير من المواطنين المدينة لقضاء إجازاتهم في المصايف داخل البلاد أو خارجها. وتعتبر جزيرة هاواي من أكثر المناطق التي يؤمها اليابانيون لقضاء إجازة الصيف وذلك نسبة لقربها وقلة تكلفتها ، كما أن أعداداً متزايدة منهم تتوجه نحو أوربا وقد لاحظت شغف اليابانيين الشديد بزيارة المناطق السياحية التاريخية ولمدينة روما بالذات مكان خاص في قلوبهم. وعندما كنا نعرف لهم السودان فإننا نقول أنه جنوب الأهرام أو أبي الهول وليس جنوب مصر . يقوم سكان مدينة طوكيو في عطلة نهاية الأسبوع بالتوجه نحو ساحل البحر أو المناطق الجبلية هربا من درجات الحرارة المرتفعة والجو الخانق بالمدينة . إلا أن هذا قد لا يكون أحيانا مخرجا مناسبا فالطريق إلى هذه المناطق يكون في الغالب الأعم مزدحما بحيث يبلغ طول صفوف السيارات في بعض الأحيان ما لا يقل عن ثلاثين كيلومترا . وكم من مرة ندمت على مغادرتي غرف بيتي المكيفة لأحبس نفسي داخل السيارة لساعات طويلة في جو غائظ الحرارة ومرتفع الرطوبة. يمثل ازدحام الطرق في اليابان مشكلة حقيقية بالنسبة للسلطات وتقول الإحصائيات الصادرة عن وزارة الطرق أن ازدحام الطرق يكلف البلاد سنويا ما يقدر بحوالي مائة مليار دولار. تقوم وزارة الطرق عادة بإصدار إحصائيات سنوية عن مدى كثافة الزحام في مختلف الطرق وهي الإحصائيات التي تعتمد عليها عند الشروع في تخطيط وتشييد الطرق الجديدة في البلاد ، وقد بدأت الوزارة تقدير التكلفة الفعلية للازدحام فقط ابتداء من عام 2001. كغيرها من مثيلاتها في الدول المتقدمة فإن سلطات الحركة في اليابان تهتم اهتماما خاصا بانسياب الحركة لما في ذلك من تكلفة باهظة كما رأينا أعلاه ، لذلك فإن هذه السلطات قامت بإنشاء إذاعة خاصة لطرق المرور السريع تمد السائقين بأحدث المعلومات عن انسياب الحركة في هذه الطرق ومواقع الازدحام بصورة مستمرة طوال الأربعة وعشرين ساعة. كما تقوم قنوات التلفزيون بتقديم نشرات بحالة المرور أشبه بالنشرات الجوية وهي تصدر عن مكاتب مراقبة الطرق والشوارع في مدن اليابان المختلفة وتسهل كثيرا من مهمة السائق الذي يعرف الشوارع الملائمة قبل الخروج من منزله.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:53 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-01-2016, 04:21 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    واليابانيون عرفوا بعقليتهم التجارية الفذة ، وهناك حكاية لا تخلو من طرافة وقعت في منتصف الثمانينات من القرن الماضي. قام أحد أصحاب شركات التأمين باستغلال ثغرة في القانون وبدأ في ممارسة فريدة من نوعها تتمثل في تأمين أصحاب السيارات ضد مخالفات ركن سياراتهم في المناطق الممنوعة حيث كان يقوم بدفع الغرامة نيابة عنهم . ولك أن تتخيل الإقبال الشديد على هذا النوع من التأمين في بلاد تعاني من الزحام الشديد وتفرض فيها السلطات غرامات باهظة للمخالفات . وقد مثل ذلك صداعا لسلطات الحركة التي سعت لسد الثغرة القانونية التي نفذ منها صاحب شركة التأمين ، إلا أن ذلك لم يتم بالطبع إلا بعد أن جنى رجل الأعمال الذكي أموالا طائلة. قامت سلطات الحركة في يوم من الأيام بجر سيارتي التي كانت تقف لمدة أطول مما يجب في أحد المواقع وقد كلفني ذلك حوالي 170 دولاراً أمريكيا بسعر اليوم بما في ذلك قيمة الجراج الذي تركت فيه السيارة ، وقد علمت بموقع السيارة لأن رجال الشرطة كتبوا إسم مركز البوليس الذي من الواجب علي التوجه له للحصول على معلومات حول مكان سيارتي . وكثيرا ما تشاهد في شوارع المدينة شرطيات المرور وهن في سيارة صغيرة يرسمن خطا بالطباشير على إطار السيارة المخالفة والطريق بجانبها وكتابة الزمن . يعني ذلك أن عربات سحب السيارات ستقوم بسحب أي سيارة تجاوزت الزمن المحدد ، غير أن سكان المدينة اكتشفوا طريقة للتحايل على هذا الأسلوب بتحريك السيارة كل نصف ساعة للأمام أو الخلف بحيث لا يكون الخط على الإطار مطابقا للخط على الشارع . هناك بالطبع عدادات الوقوف التي لا تسمح لك بإخراج السيارة إذا تجاوزت الزمن المحدد إلا بعد تسديد الفرق ، أو تلك التي تصدر إشارة حمراء تنبه شرطي المرور إلى أن السيارة المركونة قد تجاوزت الزمن المحدد . رغم اهتمام السلطات بالشواطئ التي يؤمها المصطافون ونظافتها وتوفير كل سبل الراحة بها ، إلا أن الازدحام الشديد يفسد في الكثير من الأحيان متعة الاستمتاع بالجلوس عليها. ومع أن اليابان دولة ساحلية في المقام الأول وتحيط بها المياه من كل جانب إلا أن السواحل الصالحة للاستحمام قليلة ومزدحمة. ذات صيف زرت مع أحد الأصدقاء مسقط رأسه في مدينة ساحلية تدعى "توقاني" وهي تقع علي الساحل وبعيدة عن طوكيو. ورغم أن الشاطئ كان أقل ازدحاما من شواطئ مدينة طوكيو إلا أنه كان مزدحماً بالباحثين عن الجو اللطيف وهدوء الريف. كانت المنطقة ريفية وهادئة وقد قضيت الليل في منزل ذلك الصديق وكانت المرة الأولى التي أري فيها منطقة باليابان غير موصلة بالمجاري الحديثة ووجدت أن الناس هناك يستعملون المراحيض البلدية من النوع الذي نستعمله في السودان ونسميه الحفرة أو البئر. ورغم ذلك فإن كل وسائل الراحة الحديثة من كهرباء ومياه نظيفة وتلفزيون وبنوك وبقالات كبيرة … الخ كانت متوفرة في هذه القرية الصغيرة بحيث لا يحتاج الناس لمغادرتها لقضاء أمور حياتهم اليومية. شاركت أثناء إقامتي في "توقاني" في عملية صيد السمك بالشباك الكبيرة ، حيث يقوم بعض الصيادين بنشر الشبكة في البحر ثم يجري سحبها بواسطة ما يزيد عن العشرين شخصا وقد استغرقت العملية قرابة الساعة بمصاحبة الأغاني والأهازيج التي تشجع على العمل. كما شاهدت النساء يقمن بعملية حصاد النباتات البحرية التي يستعملها اليابانيون كثيرا في طعامهم وهي عملية شاقة تقتضي بقاء الإنسان في الماء لمدة طويلة. وتمثل النباتات البحرية التي تشبه الطحالب جانباً مهماً في المائدة اليابانية ويعتقد اليابانيون أن تناولها يساعد في تقوية وجمال شعر الرأس ، كما إن بعضهم يقول أنها تزيد من درجة الذكاء لدى الأطفال. وقد لاحظت أن السودانيين لا يطيقون أكل هذه النباتات التي تعد بطرق مختلفة وربما كان السبب وراء ذلك هو كمية الملح الكبيرة فيها ورائحتها غير المحببة أو ما نسميه في السودان "بالزفارة".عندما كنت صبيا شاهدت فيلما رومانسيا عن جزر جنوب الباسفيكي وقد سحرني جمال الجزر منذ ذلك الوقت ، لذلك فقد انتهزت فرصة وجودي باليابان قريبا من هذه الجزر فقمت بزيارة واحدة منها في 1987 لقضاء شهر العسل. الجزيرة التي قمت بزيارتها مع عروسي اسمها " غوام " وهي تتبع لأراضي الولايات المتحدة الأمريكية وتبعد عن طوكيو حوالي ستة ساعات تقريبا بالطائرة . الجزيرة صغيرة للغاية في مساحتها ولكنها ساحرة للغاية من ناحية جمالها الطبيعي وقد قضينا فيها اياما لا تنسى ، ولاحظت أن أغلب السواح الذين يزورون الجزيرة هم من اليابانيين ولا غرو فقد احتلت اليابان هذه الجزيرة خلال الحرب العالمية الثانية ولا زالت خنادق الجنود اليابانيين من المناطق السياحية التي تزار . البحر في الجزيرة ضحل للغاية لمسافة أكثر من كيلومتر مع رمال بيضاء مما يكسبه ألوانا رائعة من الأبيض إلى التركواز إلى الأزرق بدرجاته المختلفة كلما ابتعدنا عن الشاطئ ، ولمغيب الشمس على البحر حول الجزيرة منظر جميل للغاية خاصة الألوان التي يخلفها في الأفق . شهدت الجزيرة قصفا مركزا من جانب قوات الحلفاء عند تحريرها من قبضة الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية ، وقد تركت بعض القنابل التي انفجرت على الشاطي أخاديد عميقة وهي ترى كدوائر زرقاء وسط الألوان الجميلة للشاطئ وذلك بسبب عمق المياه فيها . استغل أصحاب الفنادق ورجال الأعمال هذه الحقيقة فقاموا باستثمار هذه الأخاديد لمقابلة احتياجات هواة الغوص في مناطق قريبة من الشاطئ ، غير أنني لاحظت في الفندق الذي نزلنا فيه تحذيرا من سمك القرش في سواحل الجزيرة . أعنف الأمطار في اليابان تأتي في الفترة الممتدة من منتصف سبتمبر وحتى بداية نوفمبر في موسم العواصف المعروفة باسم التايفون ، وهي الأعاصير الاستوائية التي تتميز بسرعة الرياح وغزارة الأمطار ويكون منشؤها خط الاستواء. ونسبة لأن التايفون يتسبب في الكثير من الأضرار خاصة بالنسبة للصيادين والمزارعين فإن الإعلان عن مقدمه يتم عادة قبل عدة أيام ، وتتم متابعة خط سيره من مصدره عن طريق الأقمار الصناعية بدقة متناهية. يقوم اليابانيون بإعطاء التايفون أرقاما متسلسلة بينما يطلق عليه الأمريكيون أسماء نسائية. وتشهد الجزر الجنوبية من الأرخبيل الياباني أعنف هجمات التايفون وتتعرض عادة لأكثر الأضرار بسبب الرياح العنيفة والأمطار الغزيرة التي تصل أحيانا إلى 500 مليمتر في اليوم الواحد. وتتمثل أغلب الأضرار التي تتعرض لها هذه المناطق في الانهيارات الأرضية التي تحدث بسبب سرعة تيار مياه الأمطار التي تجرف أمامها الأجزاء الترابية من الجبال حيث يقيم العديد من الناس منازلهم ، هذا فضلا عن الفيضانات والسيول التي تنتج عن هذه الأعاصير العنيفة .ولن أنسى أول تجاربي مع التايفون وقد كان ذلك في 12 أكتوبر 1978 ، وقد عانيت يومها كثيرا حتى أتمكن من الوصول إلى مكان العمل ثم أنني لم أتمكن من مغادرة المكتب عند نهاية اليوم لشدة الرياح . ورغم أن طوكيو لا تشهد عادة ضحايا في مثل هذه الأحداث إلا أن ذلك التايفون أدى لوفاة أحد الأشخاص عندما سقطت على رأسه لوحة إعلانات ضخمة ، وقد تسبب التايفون كذلك في انقطاع التيار الكهربائي عن المنطقة التي أقيم فيها بسبب سقوط أحد الأعمدة وهي المرة الوحيدة التي تنقطع فيها الكهرباء أثناء إقامتي بطوكيو والتي استمرت لحوالي ثلاثة عشرة عاما. وقد شاء الله أن أصل إلى مطار ناريتا الدولي في إحدى رحلاتي لطوكيو والمدينة تشهد أحد هذه الأعاصير وقد كانت تجربة صعبة للغاية ومثيرة . أقبلت الطائرة على مدرج المطار وهي تتأرجح بصورة واضحة ذات اليمين وذات الشمال ثم ما لبثت أن ارتفعت مرة أخرى بعد أن كادت عجلاتها أن تلامس المدرج ، وجاءنا صوت الطيار عبر الميكروفون مشيرا إلى أن برج المراقبة طلب منه عدم الهبوط نسبة للتقلبات المستمرة في اتجاه الرياح . وقد شاءت إرادة الله ولطفه أن نهبط بسلام في المحاولة الثانية ، فما كان من ركاب الطائرة إلا أن قابلوا ذلك بالتصفيق الحار حمدا على سلامة النجاة . الغريب أن للتايفون رأس وعين وذيل ، وعينه تتميز بالسكون التام حيث لا تكاد تحس أثرا لأي رياح أما الذيل الذي يعقب العين فإنه يمثل أخطر مراحل التايفون حيث تترك رياحه العنيفة والسريعة الكثير من الدمار . وربما كان هذا هو مصدر المقولة المعروفة " الهدوء الذي يسبق العاصفة " . وعندما يشاهد الإنسان شكل التايفون كما تعكسه صور الأقمار الصناعية فإنه يرى كتلة ضخمة من السحب هي رأس التايفون تتوسطها دائرة صغيرة خالية من السحب تماما تمثل العين ثم كمية أخرى من السحب أشبه بالأثر الذي تتركه الشهب والنيازك وهي تهوي للأرض من السماء وهو ما يطلق عليه اسم الذيل .ويا سبحان الله فإن اليوم الذي يعقب التايفون عادة ما يكون مشمسا وتكون السماء فيه صافية شديدة الزرقة بعد أن تغسل الرياح والأمطار الغزيرة كل تلك الملوثات العالقة بالجو بفعل بني البشر . وقد تفوق الأمطار التي تهطل على العاصمة طوكيو خلال التايفون الواحد الثلاثمائة مليمتر ، ولكن من عجب فإن الإنسان إذا خرج بعد ربع ساعة فقط من نهاية التايفون فإنه لا يشعر بأن المدينة قد استقبلت هذه الكمية الهائلة من الأمطار بفضل الكفاءة العالية لشبكة المجاري . والشئ الوحيد الذي يدل على أن التايفون قد زار المدينة هو بعض أغصان الأشجار التي تساقطت بسبب الرياح القوية . وشبكة المجاري في طوكيو ليست من الملامح التي يزورها السواح كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية ، ولكنها تجد الاهتمام الشديد من سلطات البلدية وتعمل بكفاءة عالية وتقوم الحكومة عادة بفرض رسوم على المواطنين مقابل استعمال الشبكة مما يضمن لإدارتها مصدر دخل ثابت يساهم بصورة كبيرة في صيانتها والحفاظ عليها . وكم من مرة شاهدت في شوارع طوكيو عمال صيانة المجاري وهم يجلسون على الطريق وأمامهم جهاز تلفزيون صغير ، وقد علمت أن المجاري يجري الكشف عليها من حين لآخر عن طريق كاميرا تلفزيونية تكشف مواقع الخلل ولا أدري إن كان إصلاح الخلل يقتضي دخول العامل أم أن هناك جهازا آخر لإصلاحها دون الحاجة لذلك .الشتاء من أجمل فصول العام في مدينة طوكيو ، فبالرغم من درجات الحرارة المنخفضة فإنه أكثر فصول العام تميزا بالجو المشمس . ويعود ذلك كما ذكرنا سابقا لأن طوكيو تقع في ظل الهضبة اليابانية ولا تؤثر عليها الرياح القادمة من سيبيريا كما هو الحال بالنسبة لمناطق الشمال والشمال الغربي حيث يتكاثر تساقط الجليد وتقل نسبة الأيام المشمسة. غير أن شمس الشتاء كما هو معروف في كل المناطق الباردة ضعيفة الأثر من ناحية التدفئة وإن كان مجرد شروقها يبعث الإحساس بالدفء والسرور في النفس. غير إن الشمس قد تكون خادعة أحيانا فعندما يرى الإنسان الشمس ساطعة وهو في مأمن داخل الغرف المدفأة فربما يعتقد خطأ بأن الجو في الخارج يسمح بالخروج في ملابس خفيفة. ولا زلت أذكر وصية أوصانيها أحد الإخوان السودانيين عند وصولي لطوكيو حيث قال لي: " عليك قبل الخروج من المنزل النظر للشارع وملاحظة ما يلبسه أهل البلاد ، ثم أضف قطعة أو قطعتين وتوكل على الواحد الأحد واخرج مطمئنا ".تستعمل البيوت اليابانية الحديثة أجهزة التدفئة بكل أنواعها ويسود في العاصمة طوكيو حيث يعتبر الجو أكثر دفئا الأجهزة التي تعمل بالغاز الطبيعي والكهرباء ، ولا تستعمل التدفئة المركزية إلا في البنايات الكبيرة . الأسلوب الياباني التقليدي للتدفئة كان يعتمد في الأساس على إشعال النار في موقد وسط الغرفة التي يتجمع فيها أفراد العائلة أول المساء لتناول وجبة العشاء. وكانت هذه النار تخدم غرضين فبالإضافة للتدفئة فإنها تساعد في تسخين الطعام وإعداد الشاي الأخضر الذي يعشق اليابانيون تناوله بصورة ملفتة للنظر وهم يشربونه دون وضع أي سكر. ووضع الماء الذي يستعمل في إعداد الشاي يساعد من جهة أخرى في ترطيب جو الغرفة خاصة وأن الشتاء يتميز في الكثير من مناطق اليابان بالجفاف الذي يتسبب أحيانا في اشتعال الحرائق في البيوت الخشبية التي تمثل العمارة التقليدية في البلاد ولا زالت حرائق الشتاء تمثل هاجسا لشرطة مكافحة الحرائق ، لذلك فإن الإعلان بالتحذير من الحرائق يتضاعف في فصل الشتاء كما أن الشرطة تقوم بعقد دورات تدريبية للمواطنين في هذا الموسم حول كيفية مكافحة الحرائق. مع التقدم التكنولوجي استبدل اليابانيون الموقد الموجود في منتصف الحجرة بجهاز أحدث يسمونه الكوتاتسو وهو يلصق في الجانب السفلي من المنضدة التي يجلس حولها أفراد العائلة على الأرض ويعمل الجهاز بالكهرباء ويرسل الأشعة فوق الحمراء مما يؤدي للتدفئة. تتم تغطية المنضدة بلحاف ويضع كل أفراد العائلة أرجلهم تحتها وهم يتجاذبون أطراف الحديث أو يشاهدون برامجهم المفضلةعلى شاشة التلفزيون . يتحسر الكثير من اليابانيين على انحسار استعمال الكوتاتسو في الفترة الأخيرة واستبداله بالأجهزة الكهربائية الحديثة إذ كان يمثل في اعتقادهم وسيلة فعالة للاجتماع في مكان واحد مما يشيع جوا من الدفء والإلفة بين أفراد الأسرة . يرى هؤلاء أن توفر أجهزة التدفئة الحديثة في كل غرفة من غرف المنزل بفضل مستوى المعيشة المرتفع قد ساعد في تكريس النزعة الفردية ، مما جعل الاتصال بين الأطفال وآبائهم محدودا . من الظواهر الملحوظة والمزعجة في الأسر اليابانية العصرية استقلال الأطفال بغرفهم المليئة بأدوات الترفيه الحديثة وانعزالهم شبه التام عن بقية أعضاء الأسرة ، وقد تفننت الشركات اليابانية في إنتاج الألعاب الفردية التي يغرم بها الأطفال اليابانيون غراما شديدا والتي أضحت تمثل الأنيس الأول لهؤلاء الأطفال .يتميز الشتاء في طوكيو بنقاء الهواء على عكس الصيف الذي أشرنا سابقا إلى أن الجو فيه يكون شديد التلوث . ويستطيع الإنسان خلال الشتاء خاصة في الصباح الباكر رؤية جبل فوجي الذي يبعد حوالي المائة كيلومتر عن العاصمة ويغطي الجليد قمته طوال فصل الشتاء . ويعتبر الجبل من المناظر الطبيعية الرائعة ويؤمه العديد من السواح للاستمتاع ببحيراته الخمس خاصة في فصل الصيف . ومنظر الشمس وهي تغرب خلف الجبل في موسم الشتاء من المناظر التي تأخذ بالألباب وتظل باقية في الذاكرة حيث يمكن أن ترى بوضوح الأبخرة المتصاعدة من قمة الجبل بسبب ذوبان الجليد بفضل شمس النهار . وجبل فوجي هو أكثر جبال اليابان ارتفاعا وهو جبل بركاني ، وتقول الإحصائيات أن الجبل قد شهد آخر انفجار له قبل ثلاثمائة عام تقريبا إلا أنه يظل تحت الرقابة المستمرة ويعلن بين الحين والآخر عن رصد أنشطة بركانية غير عادية داخل الجبل . ونسبة لقربه من العاصمة فإن الاهتمام به وباحتمال انفجاره من جانب السلطات يظل كبيرا .ومن حكم الله أنه في الوقت الذي يسعى فيه الإنسان جاهدا لزيادة قطع الملابس التي يرتديها في فصل الشتاء بحثا عن الدفء فإن الأشجار تتخلص من أوراقها وتقف عارية لاستقبال هذا الموسم . لاحظت وأنا أتجول في مدينة طوكيو أن سيقان الأشجار يجري تغطيتها خلال موسم الشتاء بشئ أشبه بالحصير ، وكنت أعتقد أن السبب وراء ذلك هو العمل على حماية الأشجار من البرد الشديد . ولكن عندما استفسرت أحد الأصدقاء اليابانيين عن ذلك أفادني بأن السلطات تقوم بهذه العملية حماية لبعض الحشرات التي تلجأ لهذا المكان في الفصل البارد . واهتمام اليابانيين بالبيئة لا تخطئه العين وهم يسعون للحفاظ على كل فصائل الحيوانات والطيور والحشرات الموجودة في بلادهم ويصورون عنها أفلاما تسجيلية رائعة . حكى لي أحد الأصدقاء السودانيين أنه عندما عاد لمنزله ذات مساء لاحظ عددا غير مالوف من الناس عند مدخل العمارة التي كان يقيم بها . أقبل عليه واحد من هؤلاء الأشخاص وقدم نفسه بأنه مخرج تلفزيوني وأنهم يرجون تعاونه معهم ومساعدته لهم . وعندما سأل صديقي عما هو المطلوب منه أخبره المخرج بأنهم قد قاموا بالحجز له في أحد الفنادق القريبة وهم يرجون منه قضاء الليلة هناك لأنهم سيقومون خلال الليل وفي الصباح الباكر بتصوير حشرة نادرة حطت على نافذة مسكنه . لم ينس المخرج بالطبع أن يسلم صديقي شنطة صغيرة فيها بجامة ومعجون أسنان وفرشاة وكل ما يمكن أن يحتاج له لقضاء الليلة بعيدا عن مضجعه المعتاد . من الظواهر الطبيعية الغريبة في جزيرة هوكايدو في أقصى شمال اليابان خلال فصل الشتاء ما يمكن أن نطلق عليه غابة المتفجرات وهي غابة تصدر أصوات انفجارات مرعبة في الساعات الأخيرة من الليل . تأتي هذه الأصوات نتيجة لانفجار جذوع بعض الأشجار بسبب تجمد الماء الموجود بداخلها . وهوكايدو باعتبارها أبرد مناطق اليابان فإنها تحتفل في فبراير من كل عام بمهرجان الجليد ، والمهرجان هو عبارة عن عرض في الهواء الطلق للمئات من التماثيل المنحوتة من الجليد وتشارك فيه العديد من الدول ويؤمه الكثير من السواح خاصة من الدول الأسيوية الواقعة في المناطق المدارية ولا يتاح لأهلها مشاهدة الجليد . وكغيره من المهرجانات فإن العرض يكون مصحوبا عادة بنشاطات ثقافية واقتصادية تقدمها المؤسسات اليابانية والجهات المشاركة من أنحاء أخرى من العالم . ويسعى الفنانون المشاركون في المهرجان لنحت تماثيل وأشكال تعبر عن ثقافات بلادهم فأنت تشاهد مجسما مصغرا للتاج محل أو برج ايفل وغيرها من الأماكن المشهورة مما يجعل المهرجان مناسبة عظيمة للتبادل الثقافي .تمتد اليابان أكثر من ألف كيلومتر من الشمال إلى الجنوب لذلك فإنها تشهد تنوعا مناخيا بين مختلف أقاليمها ، فبينما تبلغ درجات الحرارة أقل من ثلاثين درجة تحت الصفر خلال الشتاء في هوكايدو فإنها تفوق الثلاثين درجة خلال الصيف في أوكيناوا . وجزيرة أوكيناوا التي كانت تحت الاحتلال الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينات تتميز بسواحلها الجميلة وثقافتها التي تختلف عن الثقافة اليابانية السائدة ، والجو في هذه الجزيرة الجنوبية النائية شبيه للغاية بالجو المداري في جزيرة تايوان المجاورة . ومن أجمل السواحل في أوكيناوا " شاطئ النجوم " وهو ليس مكانا يقضي فيه نجوم الفن والسينما إجازة الصيف كما قد يتبادر للذهن ولكنه منطقة تتميز رمالها بالبياض الناصع ويكون شكل حبات الرمل المتناثرة فيها على شكل النجوم ، ولا أدري ما هو التفسير العلمي لهذه الظاهرة ولكني عندما أخذت حفنة من رمل هذا الشاطئ وجدت جميع حباتها على شكل نجيمات صغيرة . ولعل الشعب المرجانية في الجزيرة تعتبر من أكثر ما يجذب إليها السياحة حيث يستمتع الزوار بمشاهدة الشعب المرجانية الملونة والثروة السمكية الرائعة من على ظهر مركب أرضيته من الزجاج الشفاف ، والمنظر شبيه جدا لما سبق أن شاهدته في مدينة بورتسودان في بداية الستينات . إلا أن الأسماك الملونة والشعب المرجانية في بورتسودان في ذلك الوقت كانت أكثر غنى وتنوعا مما رأيته في أوكيناوا كما إنها كانت توجد داخل منطقة الميناء مما يعني أنك لن تكون مضطرا للابتعاد عن المدينة لتتمكن من مشاهدة هذه التحف الربانية ، وهو أمر اشك في وجوده حاليا بسبب التلوث الناتج عن النشاط التجاري الواسع بالميناء. صادف وصولي لليابان مع بدايات فصل الربيع وهو من أجمل فصول العام في طوكيو حيث تتحول الرياح إلى جنوبية معتدلة بعد فصل الشتاء الذي يتميز برياحه الشمالية الباردة . ويحتفي اليابانيون كثيرا ببداية تحول الرياح إلى جنوبية ويسمونها " هارو إتشبان" وهو تعبير يتكون من كلمتين الأولي وهي هارو تعني الربيع بينما تعني كلمة إتشبان " الأول " ، أي بداية الربيع أول هبوب الرياح الجنوبية للموسم المعني . وتتواصل احتفالات اليابانيين خلال الربيع كعادتهم في كل فصول العام التي يتميز كل منها بمهرجانات خاصة . وأهم احتفالات الربيع يعرف باسم "هانامي" ومعناها الاستمتاع برؤية زهور الكرز " ساكورا " في قمة تألقها ، يقوم اليابانيون خلال هذه الفترة بالرحلات العائلية حيث يمارسون الغناء والمرح تحت ظل أشجار الكرز . ويوجد عدد من الحدائق التي تشتهر بهذا النوع من الزهور في العاصمة طوكيو ويقيم رئيس الوزراء دعوة كبيرة كل عام للاحتفال بمشاهدة زهور الكرز في واحدة من هذه الحدائق وتتم دعوة كل البعثات الدبلوماسية لهذا الاحتفال .يتميز فصل الربيع بتفتح كل أنواع الزهور إلا أن اليابانيين يولون اهتماما خاصا لزهور الكرز التي لا تتجاوز فترة حياتها عادة ثلاثة أو أربعة أيام والتي تتميز بالسحر الأخاذ . يفسد هطول الأمطار الربيعية أحيانا متعة التمتع برؤية هذه الزهور ، إلا أن شكل أوراقها الرقيقة ولونها الوردي الفاتح منظر يأخذ بالألباب عندما تكون الورود في قمة تفتحها ولا غرو أن يتخذ اليابانيون هذه الزهرة رمزا لبلادهم ضمن رموز أخرى مثل جبل فوجي الشهير . وزهرة الكرز ترمز في الشعر الياباني المعروف باسم "هايكو" لفصل الربيع ، خاصة وأن هذا النوع من الشعر الذي يكتسب شهرة عالمية متزايدة يتميز بالمقاطع القصيرة مما يستلزم اللجوء للرمز كثيرا . من شدة حب اليابانيين لزهرة الكرز فإنهم قاموا بإهداء عدد من أشجارها لبعض الدول ومن بينها الولايات المتحدة لتزرع في حدائقها العامة . شاهدت بعض هذه الأشجار في الحديقة العالمية بالعاصمة المصرية القاهرة إلا أن الموسم لم يكن مناسبا لتفتح زهورها . تقع اليابان كما هو معروف في المنطقة المناخية المعتدلة لذلك فإنها تنعم بأربعة فصول في العام . والخريف في اليابان هو الموسم الذي يمثل الانتقال من الصيف للشتاء وهو من الفترات غير المحببة في المناطق الباردة عموما إذ أنه يؤذن بقرب موعد الشتاء كما أن الأشجار تبدأ في التخلص من أوراقها الخضراء خلال هذا الموسم استعدادا للشتاء الطويل . ورغم أن الموسم يوحي عادة بالانقباض إلا أن أوراق الأشجار تتحول خلاله للونين الأحمر والأصفر قبل أن تبدأ في التساقط ، وعندما يزور الإنسان المناطق الجبلية يرى مساحات واسعة من هذه الألوان التي يسميها أهل هذه المناطق ألوان الخريف وهي من المناظر الطبيعية الخلابة . وكغيره من الفصول الأخرى فإن الخريف يشهد في اليابان عددا من المهرجانات التي ربما ارتبطت أصلا بمواسم الحصاد في تاريخ البلاد القديم عندما كانت الزراعة تمثل النشاط الاقتصادي الأول ، وتتميز هذه المهرجانات التي يقام معظمها في المعابد بالرقص الجماعي والموسيقى كما تمثل فرصة لأصحاب المحلات التجارية للتخلص من منتجات الصيف بأسعار معقولة قبل حلول فصل الشتاء.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:55 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-03-2016, 02:04 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    يتكون أرخبيل اليابان من مئات الجزر أكثرها خالية وغير مأهولة ، وهناك خمس جزر كبيرة تمثل الجزء الأهم من اليابسة اليابانية وهي هوكايدو في أقصى الشمال ثم هونشو وهي الجزيرة الرئيسية وبها معظم المدن اليابانية الكبيرة مثل العاصمة السياسية طوكيو ويوكوهاما والعاصمة الاقتصادية أوساكا والميناء الأكبر في البلاد كوبي. وإلى الجنوب من هونشو تقع جزيرتا كيوشو وشيكوكو وفي أقصى الجنوب تقع جزيرة أوكيناوا. تبلغ المساحة الكلية لليابان حوالي 378 ألف كيلومتر مربع وهو ما يمثل حوالي 15% من مساحة السودان ، بينما يبلغ تعداد سكان اليابان حوالي 125 مليون نسمة أي ما يعادل أربعة أضعاف سكان السودان . وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن المنطقة المأهولة بالسكان في اليابان لا تتجاوز 13% من مساحة البلاد فلنا أن نتخيل الكثافة السكانية الكبيرة هناك. الزحام الشديد هو أول ما يلفت نظر القادم للعاصمة طوكيو ، فأغلب شوارع العاصمة ضيقة للغاية وهي عبارة عن أزقة مما يضطر سلطات الحركة أحيانا لوضع مرايا في مداخل هذه الشوارع إذ أن تلك هي الطريقة الوحيدة التي يتمكن السائق عن طريقها استكشاف الشارع قبل الدخول فيه. عليه فمن الطبيعي أن تصبح مسألة مواقف السيارات مشكلة حقيقية في طوكيو ، وقد يضطر الإنسان أحيانا إلى البحث لمدة نصف ساعة عن مكان للسيارة لأداء مهمة لا تستغرق الخمس دقائق ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الكثيرين يفضلون قطارات الأنفاق كوسيلة للمواصلات . بعد أن التحقت بالجامعة قررت أن أشتري سيارة صغيرة تكفي لتنقلاتي الخاصة مع أفراد أسرتي ، لم يستغرق شراء السيارة المستعملة وقتا طويلا غير أنني اضطررت للانتظار فترة طويلة للحصول على الإذن من سلطات الحركة لاستعمال السيارة . وقد كان السبب وراء ذلك هو أن السلطات لا تسمح باستعمال السيارة إلا بعد التأكد من أن صاحبها قد حصل على موقف خاص لا يبعد أكثر من خمسمائة متر عن مكان سكنه . ثبت لي أن عملية إيجاد الموقف لم تكن بتلك السهولة ، كما أن إيجار الموقف كان يكلفني حوالي ثلاثمائة دولار في الشهر الواحد وقد كان إدخال السيارة في ذلك الموقف الضيق بمثابة اختبار قيادة يومي بالنسبة لي . أدركت عندها السبب في تحويل معظم المواقع داخل المدينة إلى مواقف مؤقتة قبل إعادة بناء أي مبنى يتم هدمه ، خاصة وأن الحكومة تفرض ضرائب باهظة على المواقع غير المستغلة. يبدو أن الإلهين إزانامي و إزاناغي اللذين قاما بتكوين الجزر اليابانية من قطع متفرقة من الأرض كما تروي الأساطير ، قصدا المناطق الصلبة من الكرة الأرضية لاختيار هذه القطع لذلك فإن أهم ما يميز اليابان هو طبيعتها الجبلية . يتراوح ارتفاع الجبال والمرتفعات المحاذية للساحل الياباني الشرقي المطل على المحيط الهادي بين 1500 و 3000 مترا فوق سطح البحر . من جانب آخر ، فإن مناطق الساحل الغربي المحاذية لبحر اليابان تعتبر أكثر انخفاضا حيث يتراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين 500 و 1500 مترا . تكثر في اليابان القمم الجبلية العالية والأودية ذات الانخفاض المفاجئ بينما تقل الهضاب الصالحة للزراعة والسكن ، ولعل هذا هو أحد الأسباب في الازدحام السكاني الشديد في البلاد. ينحدر من هذه المرتفعات عدد من الأنهار التي تتجه في غالبها نحو المحيط الهادي وإن كان بحر اليابان في الغرب يحظى كذلك بنصيبه الوافر من المياه . وفي العاصمة طوكيو ثلاثة أنهار كبيرة هي سوميداقاوا وتاماقاوا وأراكاوا ، ويمر نهر سوميدا عبر المدينة القديمة التي كانت مركز العاصمة الصناعي والثقافي في السابق ولا زالت تحتضن العديد من المؤسسات الثقافية والصناعية التقليدية ، وهو نهر شديد التلوث بسبب وجود العديد من الصناعات ذات التكنولوجيا القديمة على شاطئيه . تجتهد السلطات اليابانية بضخ ملايين الأمتار المكعبة من المياه في النهر قبل أن يصل إلى مصبه في خليج طوكيو وذلك في محاولة لتقليل نسبة التلوث في مياهه . وتقوم على النهر عدة جسور تم بناء أغلبها خلال عهد أسرة توكوقاوا التي حكمت اليابان من القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر . تتميز هذه الجسور بالجمال المعماري التاريخي وتمثل أحد المواقع السياحية الهامة وتعتبر الجولة بالبصات النهرية على نهر سوميدا واحدة من المتع في مدينة طوكيو إذ تقع على ضفاف النهر كذلك العديد من الآثار التاريخية الهامة . وتشهد شواطئ النهر أهم احتفالات طوكيو بمهرجان الصيف و المتمثلة في الألعاب النارية التي يشهدها كل عام أكثر من مليون سائح يفدون من مختلف أنحاء اليابان والعالم ، كما يشاهدها على القنوات التلفزيونية المختلفة ملايين آخرون . ومع وجود هذه الأنهار الغنية بالمياه فإن مياه الشرب في مدينة طوكيو ترد من أحد الخزانات الكبيرة وتعاني المدينة أحيانا من شح المياه في أشهر الصيف ويطلب من المواطنين عادة ممارسة بعض الضوابط في ترشيد استهلاك المياه مثل الامتناع عن غسيل العربات خلال فترة الشح.قضيت جانبا من فترة إقامتي بطوكيو بالقرب من النهر المعروف باسم تاماقاوا وقد عرف في السابق بالتمرد وكانت فيضاناته تترك الكثير من الخسائر عندما تصيب المدينة. استطاعت بلدية طوكيو بفضل ما توفر لها من إمكانيات مادية وفنية من السيطرة على النهر الذي أصبحت شواطئه واحدة من المواقع السياحية الهامة في المدينة. يبلغ عرض النهر في موسم الفيضان حوالي الخمسمائة متر إلا أنه ينحسر حتى لا يتجاوز عرضه الثلاثين مترا في المواسم الأخرى ، وقد استفادت البلدية من المناطق الواسعة على جانبي النهر والتي ينحسر عنها في موسم الجفاف بإقامة الميادين الخاصة بممارسة مختلف أنواع الرياضة وخاصة البيسبول وهي اللعبة الشعبية الأولى في اليابان. هذا بالإضافة للأماكن المهيأة لإقامة الرحلات العائلية وقضاء وقت ممتع للأطفال ووالديهم ، وقد كنت أقصد النهر أحيانا نهاية الأسبوع خاصة وأنه يساعدني في استعادة ذكريات النهر الحبيب الذي تركته خلفي مع الفارق الكبير وكم تمنيت أن تستفيد السلطات عندنا من الشواطئ الرملية الجميلة لنهر النيل خاصة في موسم الصيف قائظ الحرارة.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:56 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-03-2016, 03:27 PM

محمد على طه الملك
<aمحمد على طه الملك
تاريخ التسجيل: 03-14-2007
مجموع المشاركات: 8384

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    مشكور أستاذنا جعفر على هذا الجهد المعلوماتي القيم ..
    أثمن فكرة الكتاب لما يوفره من إزجاء للمعارف والخبرات بين الأجيال..
    بل سوف يصبح مرجعا يسعى لاقتنائه كل من ياتي سائحا أو عاملا باليابان ..
    أسأل الله أن يمتعك بالصحة .
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-04-2016, 04:56 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: محمد على طه الملك)

    أخي الحبيب محمد علي طه الملك
    تقبل عميق شكري على هذه المداخلة القيمةالكتاب يحمل معلومات قيمة حقا عن اليابان وقد ظللت ألح على أخي السفير محجوب الباشا أن يقوم بطباعته
    ويتكون من حوالي ثلاثمائة صفحةوسيرى النور قريبا بإذن الله . وقد سمح لي أن أنشر منه مقتطفات إلى حين صدوره.تحياتي ووافر احترامي وتقديري .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:58 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-30-2016, 11:04 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-04-2016, 01:53 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    تقول الروايات أن الشاعر العربي القديم بشر بن عوانة العبدي التقى أسداً في فلاة ورأى أن من العيب الهروب من أمامه فقرر منازلته ، إلا أن فرس الشاعر كان له رأى آخر فقال الشاعر يصف حال فرسه المتخاذل:تبهنس إذ تقاعس عنه مهـري محاذرة فقلت عقرت مهـــراأنل قدمي ظهر الأرض إنـي رأيت الأرض أثبت منك ظهراومن المؤكد أن شاعرنا الجسور لم يقم في حياته بزيارة اليابان وإلا لاختار شيئا آخر غير الأرض أثبت ظهراً من حصانه المتقاعس ، إذ تقول الإحصائيات أن الجزر اليابانية تشهد في العام الواحد أكثر من ثلاثمائة زلزال من النوع الذي يحس به الإنسان وآلافاً أخرى من تلك التي لا يحس بها الإنسان ولكن ترصدها الأجهزة الحساسة المخصصة لرصد الزلازل. وقد عايشت خلال فترة عشر أيام فقط في يونيو من عام 1980 ما يزيد عن الأربعين زلزالا ، منها ما كان من القوة بحيث يصحو الانسان من نومه مذعوراً. أورد العلماء الكثير من النظريات حول السبب الحقيقي وراء وقوع الزلازل ولكن أكثر هذه النظريات شيوعا في العالم اليوم هي نظرية الصحائف التكتونية والتي تقول أن الزلزال يقع بسبب اصطدام أو ابتعاد اثنين من الصحائف التكتونية. وهذه الصحائف عبارة عن كتل صخرية ضخمة تقوم عليها الكرة الأرضية وتتحرك بسرعة تعادل سرعة نمو الأظافر تقريبا ، غير أن هذه الحركة على بطئها الشديد كافية لوقوع الزلازل. ويبدو أن عدم اتفاق العلماء على تفسير الظاهرة هو السبب وراء عدم مقدرتهم بالتنبؤ بموعد وقوع الزلازل. تقع مجموعة الجزر اليابانية في الحدود بين اثنين من هذه الصحائف لذلك فإن بها أربعة أخاديد كبيرة تمثل بؤر الزلازل في الأرخبيل. تقع واحدة من هذه الأخاديد في خليج إيزو القريب من العاصمة طوكيو لذلك فإن العلماء ظلوا يحذرون من زلزال مدمر قد يصيب العاصمة ويخلف وراءه الكثير من الدمار والخراب .لا يخطئ الزائر للبلاد المكانة التي يحتلها الزلزال في نفسية اليابانيين ، فأول ما يقابله عندما يغلق باب غرفة الفندق هو إعلان بالخطوات التحوطية التي يجب اتخاذها في حالة وقوع زلزال وهو من الأشياء التي تدخل الرعب في نفوس بعض الزوار حتى قبل أن يعايشوا التجربة نفسها. قضيت أول ليلة لي باليابان بمنزل أحد الزملاء الذي لم ينس أن ينبهني بأن لا أنزعج إذا ما أحسست أن سريري يتحرك أثناء نومي. لم يكذب ظن الصديق كثيرا فقد عايشت أول تجربة زلزالية لي في اليوم التالي مباشرة من وصولي لليابان. كنت في زيارة للسيد السفير الذي كان طريح الفراش في الطابق السابع من أحد مستشفيات طوكيو ، أصابني الاندهاش وأنا خارج من غرفة السيد السفير عندما أحسست أن المبنى يهتز بكامله والوجوم يصيب القوم حولي لم أكن أدرك ساعتها بأن الذي يحدث هو في الحقيقة الزلزال . كلمة واحدة كانت تتردد على الشفاه وهي كلمة جيشن (Jishin) التي ترددت على مسامعي كثيرا فيما بعد وهي تعني باللغة اليابانية زلزال . والكلمة تتكون من ثلاث مقاطع الأول متحرك تحركا خفيفا والثاني هو مركز النطق في الكلمة أما الثالث فهو الحرف الوحيد الساكن في اللغة اليابانية كلها . واعتقادي أن الكلمة تعبر تعبيرا دقيقا عن هذه الظاهرة الطبيعية ، فالزلزال عبارة عن طاقة هائلة تبدأ بحركة خفيفة ثم تشتد شيئا فشيئا حتى تبلغ قوة الزلزال مداها ثم يعقب ذلك سكون تام . وهو نادرا ما يتجاوز نصف الدقيقة ولكن رهبة الموقف تجعل الإنسان يحس وكأن دهرا طويلا قد انقضى إذ أن هذه الزلزلة قد تعني فارقا زمنيا لا يذكر بين الحياة والموت . على عكس ما توقعت فإن تجربتي الأولى مع الزلزال لم تكن في حقيقتها مخيفة ، وربما كان ذلك بسبب جهلي بالاحتمالات التي تنوء بها هذه الثواني المعدودة . ولعل أسوأ ما في تجربة الزلزال هو الشعور بفقدان الحيلة ، فقد تعود الإنسان – كما عبر عن ذلك شاعرنا العربي - أن يتشبث بشئ ثابت كلما أحس أنه على وشك السقوط لذلك فإنه عندما يدرك أن كل شئ حوله متحرك فإن شعورا بالقلق العميق يتملكه . غير أن خوض هذه التجربة إن كان له من حسنة فإنها تتمثل في إدراك الإنسان لضعفه الشديد وعدم حيلته كما أن التعلق بين الخوف والرجاء خلال هذه الثواني يجعل الإنسان أكثر قربا من المولى عز وجل .اليابانيون قوم لا يتركون شيئاً للصدفة ، لذلك فإنهم يقومون بإعداد مواطنيهم خاصة في العاصمة طوكيو لما يطلقون عليه " الهزة الكبرى " وهي الزلزال المدمر الذي ظلت الجهات العلمية هناك تتنبأ بقرب وقوعه في المنطقة المحيطة بالعاصمة . المعروف أن آخر زلزال مدمر أصاب العاصمة اليابانية كان في الأول من سبتمبر 1923 ، وقد راح ضحية لذلك الزلزال أكثر من مائة ألف مواطن توفي أغلبهم بسبب الحرائق الهائلة التي شبت عقب الزلزال . تقول المصادر الرسمية أن سبب هذه الحرائق هو أن الزلزال وقع في منتصف النهار تماما عندما كانت ربات البيوت يقمن بإعداد وجبة الغداء وأن الحالة ازدادت سوءا بسبب الرياح القوية التي زادت من التهاب النيران . غير أن بعض التقارير تشير إلى أن عددا من النيران لم يكن بسبب الزلزال بل اشتعل بفعل بعض المخربين ، ولليابانيين تعبير جميل إذ يطلقون على الشخص الوضيع الذي يحاول استغلال محن الآخرين لتحقيق مصلحة شخصية اسم " لص الحريق " وهم اؤلئك النوع من اللصوص الذين يستغلون وقوع الحريق ليقوموا بسرقة ممتلكات المنكوبين . وبعض هؤلاء اللصوص هم المسئولون عن إشعال الحرائق بعد زلزال الأول من سبتمبر حتى يتسنى لهم السرقة في هذا الجو ، ولله في خلقه شئون .تحيي اليابان ذكرى الزلزال سنويا في الأول من سبتمبر الذي يعتبر إجازة قومية وتنتهز المناسبة لتكثيف برامج توعية المواطنين بأخطار الزلازل . في تجربتي الأولى مع هذه المناسبة أصبت بالاندهاش الشديد عندما بلغت مسامعي أصوات صفارات الإنذار تنطلق في كل أنحاء الحي الذي أعيش فيه في الصباح الباكر ، أعقب انطلاق الصفارات حديث باللغة اليابانية لم أفهم منه شيئا فخرجت للطريق أستفسر عن الخبر . استطاع أحد الجيران أن يفهمني بعد جهد وبلغة إنجليزية ركيكة أن هذه الصفارات هي مجرد إعلان عن بدء التمارين الجماعية استعدادا لمواجهة أي زلزال قد يقع . من ضمن التدريبات التي تتم في ذلك اليوم السماح لكل من أراد بمعايشة تجربة زلزالية وهمية . يتم ذلك في سيارة كبيرة يمثل صندوقها الخلفي شقة سكنية كاملة ، يجري هز الشقة الوهمية بجهاز مخصص لذلك مع إخطار من يعيش التجربة بكل درجة من درجات الهزة التي تتدرج من الأدنى للأعلى . ولليابانيين مقياسهم الخاص بالزلازل الذي ينقسم إلى سبع درجات فقط وهو يختلف في ذلك عن مقياس ريختر المفتوح . ويكفي زلزال من أربع درجات على المقياس الياباني لإسقاط الأشياء الخفيفة من الرفوف ، أما المقياس خمسة فإنه كفيل بإسقاط الأشياء ثقيلة الوزن بينما يصعب على الإنسان السير معتدلا خلال هزة أرضية من ست درجات . والدرجة السابعة تبلغ من القوة ما يكفي للإطاحة بالشخص من سرير نومه وهي ما يعرف عندهم عادة بالزلزال المدمر . تمسك اليابانيون لفترة طويلة بمقياسهم الخاص ، إلا أنهم بدأوا مؤخرا في استعمال مقياس ريختر إلى جانب مقياسهم الوطني . بالرغم من أن الاحتفال بالذكرى السنوية للزلزال يتم في اليوم الأول من سبتمبر إلا أن الثقافة الزلزالية عملية مستمرة في المجتمع الياباني ، فضلا عن أن كثرة الزلازل تجعل الناس في حالة من الحذر الدائم . ومن أهم الاحتياطات التي تتخذها السلطات اليابانية هي تحديد أماكن اللجوء في حالة وقوع زلزال مدمر ، ويتم وضع خرائط تفصيلية في أماكن واضحة بالشوارع العامة والجانبية تحدد بوضوح أقرب مواقع اللجوء . وبما أنه من الصعب حتى الآن التنبؤ بموعد وقوع الزلزال ، فإن السلطات تنصح رب كل أسرة بأخذ أسرته إلى مكان اللجوء المحدد لهم لتفقده من حين لآخر والتعود عليه والاتفاق على مكان يلتقي فيه أفراد العائلة إن شاءت الأقدار أن يكونوا بعيدين عن بعضهم البعض ساعة وقوع الزلزال . أما بالنسبة لتلاميذ المدارس فإن المدرسة عادة ما تخطر ولي الأمر منذ اليوم الأول بالمكان الذي سينقل له التلاميذ في حالة وقوع الكارثة ، وإن كانت المدارس نفسها تعتبر من المواقع المحددة للجوء بسبب اتساع ميادينها . من المناطق المفضلة كذلك كمناطق لجوء بعد الزلزال الحدائق العامة والمراكز الرياضية الواسعة ، وقد لاحظت أثناء إقامتي باليابان أن المراكز الرياضية المنتشرة في الأحياء تستعمل عادة لاستضافة المرحلين بسبب انفجار البراكين من حين لآخر . وبالنسبة لرياض الأطفال والحضانات فإن ولي الأمر يتسلم من المؤسسة بطاقة خاصة لاستلام طفله بعد تحديد موقع اللجوء ويظل الطفل تحت رعاية الحضانة إلى حين وصول الشخص الذي يحمل تلك البطاقة . يتوقع اليابانيون كما ذكرنا زلزالا مدمرا في المنطقة المحيطة بالعاصمة طوكيو في أي وقت منذ بداية الثمانينات . وتشير التوقعات إلى أن وقوع زلزال مدمر من النوع المتوقع سيقود إلى خسائر كبيرة في الأرواح قد تفوق المائة ألف قتيل ، وأكثر ما يتخوف منه اليابانيون الحرائق التي تعقب عادة الزلزال . ولعل أكثر ما يثير قلق السلطات هو أن نسبة تفوق الثلاثين بالمائة من المنشآت الصناعية الهامة تتركز في هذه المنطقة مما يعني أن أي زلزال من هذا النوع سيصيب الاقتصاد الياباني في مقتل . وقد وضح الأثر الاقتصادي للزلزال من التجربة التي عاشتها اليابان في أعقاب الزلزال الذي أصاب غرب اليابان في يناير 1995 وأدى إلى تدمير ميناء كوبي التي تعتبر من أكبر الموانئ اليابانية مما أثر على حركة التجارة وانعكس سلبا على النمو الاقتصادي بالبلاد . ومن المسائل التي تثير القلق كذلك اعتماد اليابان المتزايد على توليد الطاقة من المفاعلات النووية ، ورغم أن احتياطات مشددة تتخذ لضمان السلامة إلا أن بعض الأحداث التي وقعت في عدد من هذه المفاعلات في السنوات الأخيرة يجعل احتمال وقوع كارثة ككارثة تشيرنوبل واردا في حالة حدوث زلزال مدمر. من الاحتياطات التي تتخذها السلطات لمقاومة الزلازل المواصفات الخاصة بالمباني والتي تجهز خصيصا لتحمل الهزات الأرضية . ومن بين هذه الاحتياطات إقامة المباني على قواعد بلاستيكية متينة تساعد في امتصاص قوة الهزة بالإضافة لحشو الحيطان بالمواد المقاومة للحريق . والداخل إلى أي منزل يلاحظ ندرة الزينات التي توضع على الرفوف أو تعلق على الحوائط والسقوف ، وذلك بسبب التحذير المستمر من احتمال سقوط مثل هذه الأشياء على الرؤوس في حالة الهزات القوية ، كما ينتشر استعمال الوسائل التي تقوم بتثبيت قطع الأثاث الكبيرة كالدواليب والثلاجات التي يمكن أن تشكل خطرا حقيقيا على حياة ساكني البيت . ويحتفظ كل بيت ياباني بحقيبة صغيرة تحتوي على زجاجة ماء وبسكويت وبطارية وراديو ترانزستور بالإضافة للوثائق الثبوتية لأفراد العائلة . وبالطبع فإن كل هذا الحذر قد لا يفيد إذ أن الزلزال يمكن أن يفاجئ الجميع وهم بعيدون عن هذه الحقيبة المنقذة للحياة . ومحتويات الحقيبة يتم اختيارها بعناية فالبسكويت لا بد أن يكون من النوع الذي لا يقود للعطش وهو أمر هام خاصة إذا وجد الشخص نفسه محبوسا تحت الأنقاض في انتظار فرق الإنقاذ ، أما الراديو الترانزستور فإنه يستعمل للاستماع لتوجيهات السلطات إذ أن الاحتمال الأكبر هو أن تنقطع الكهرباء والتلفونات . من المألوف كذلك وجود سلالم اضطرارية سهلة الاستعمال داخل الغرف خاصة في المباني المرتفعة التي تستعمل للأغراض العامة ، كما يحمل أصحاب السيارات حبلا في شكل سلم لاستعماله للهبوط الاضطراري من الكباري والشوارع المعلقة إذ أن التعليمات هي أن يترك السائق سيارته حيث هي حتى لا تزدحم الشوارع فتتعطل أعمال فرق الإنقاذ . يرى بعض الساخرين أن الحديث المتكرر عن قرب وقوع زلزال مدمر ما هو إلا حيلة تسعى الشركات عن طريقها لتسويق منتجاتها المرتبطة بهذا الأمر . /font>

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 01:59 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-07-2016, 03:14 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    اللهم أكفنا شر الزلازل

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-07-2016, 12:44 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    تهدف السلطات فيما يبدو من برنامجها الإعلامي المكثف للوقاية من الزلزال إلى جعل المواطن في حالة استعداد كامل لمواجهة أي طارئ ، فتلاميذ المدارس مثلا يحفظون عن ظهر قلب الخطوات التي يجب اتخاذها عند وقوع الزلزال ومن بينها غطاء الرأس بلحاف صغير والاختباء تحت المناضد وعدم التحرك بتاتا أثناء الهزة وانتظار التعليمات من الأستاذ المشرف . وقد أدركت أهمية هذا التدريب المكثف عندما عايشت تجربة الزلزال الذي أصاب مدينة القاهرة في أكتوبر 1992 حيث فقد عدد من تلاميذ المدارس أرواحهم بسبب التزاحم على سلالم المدارس سعيا نحو النجاة وهو أمر لم يحدث طوال إقامتي باليابان . ولعل الفارق الوحيد هو أن التلاميذ والأساتذة في اليابان يتصرفون بنظام بسبب التدريب الذي يتلقونه وهو ما لم يكن متوفرا للتلاميذ والمدرسين في القاهرة حيث تنعدم تقريبا احتمالات وقوع الزلازل وتقل بالتالي الحاجة للتمارين والتدريبات .عرفت اليابان برد فعلها السريع لمواجهة آثار الزلازل في أي مكان من العالم ففرق الإنقاذ اليابانية هي دائما من أول الفرق التي تصل إلى موقع الحدث أينما كان . ويعود ذلك بالطبع لانفعال اليابان حكومة وشعبا بمعاناة المتأثرين بهذه الكوارث الطبيعية بسبب التجارب اليابانية في هذا المجال ، هذا فضلا عن أن مساعدة المتضررين تتيح لفرق الإنقاذ اليابانية فرصة طيبة للتدريب على مواجهة الكارثة ورفع كفاءتها في هذا المجال . غير أن هذا لم يمنع الحكومة من التعرض للانتقاد الشديد بسبب بطء رد فعلها حيال زلزال كوبي المدمر في يناير 1995 والذي راح ضحية له ما يزيد عن الخمسة آلاف قتيل وكشف عن الكثير من نقاط الضعف في النظام المتبع . وكما يقول المثل "رب ضارة نافعة" ، فقد كان زلزال كوبي فرصة للهيئات غير الحكومية للعب دور هام خلال عمليات الإنقاذ مما بث روحا جديدة في النشاط الطوعي في البلاد ككل والذي يعتبر من نقاط الضعف الواضحة في المجتمع الياباني بالمقارنة مع المجتمعات الغربية المتقدمة والتي بلغت فيها الأنشطة الطوعية شأوا بعيدا مما جعل منظماتها من اللاعبين الأساسيين في العلاقات الدولية مؤخرا .تشتهر اليابان كذلك بالبراكين التي تنتشر في طول البلاد وعرضها ولا زال عدد كبير منها بما في ذلك جبل فوجي الشهير نشطا ويمكن أن ينفجر في أي لحظة. ولعل المتابع للأخبار يدرك أن هناك العديد من البراكين اليابانية النشطة التي تنفجر من حين لآخر تاركة خلفها الكثير من الدمار . وعلى عكس الزلزال فإن انفجار البركان يمكن التنبؤ بتوقيته بسبب التقدم في البحث العلمي في هذا المجال ، وتقوم السلطات عادة باتخاذ الترتيبات التحوطية كترحيل المواطنين الذين يقيمون في طريق انسياب الحمم البركانية الملتهبة . ويسبق انفجار البركان زلزال تختلف قوته من انفجار لآخر ، غير أن السبب وراء هذه الهزة يختلف عما ذكرنا سابقا إذ أنها تنتج عن تحرك الحمم البركانية وهي الصخور المنصهرة بسبب درجات الحرارة العالية في باطن الأرض . المعروف أن اليابان تقع فيما يعرف باسم " الحلقة الملتهبة " وهي المنطقة التي تشمل جانبا كبيرا من سواحل المحيط الهادي في آسيا وأمريكا ، وعرفت المنطقة بكثرة البراكين النشطة ويقول العلماء أن أكثر من نصف براكين العالم تقع في هذه المنطقة .يعتبر بركان آسو في جنوب غرب اليابان من أشهر المناطق السياحية في البلاد وترى النيران المنطلقة من فوهته على مسافة عدة كيلومترات خاصة في المساء وتتكرر انفجارات البركان أحيانا عدة مرات في اليوم الواحد . قمت بزيارة بركان آسو في بداية الثمانينات ونسبة لأن زيارتي له كانت نهارية فإنني لم أتمكن من مشاهدة النيران الملتهبة على قمته إلا أن الدخان المتصاعد من الفوهة كان يرى بوضوح من مسافة بعيدة . أخبرنا دليل الرحلة ونحن مقدمون على المنطقة بأن في استطاعتنا الاستمتاع بمشاهدة الحمم البركانية الملتهبة في باطن البركان ونحن داخل العربة المعلقة التي ستمر بنا فوق فوهة البركان مباشرة . غير أنه وللأسف الشديد لم نتمكن من ذلك فبمجرد وصولنا إلى الموقع أخبرنا القائمون على الأمر بأن البركان سيشهد بعد قليل واحدا من انفجاراته وأنه ليس من الحكمة استعمال العربة المعلقة في مثل هذه الظروف . دعتنا الشركة المنظمة للرحلة لتناول وجبة الغداء في أحد المطاعم المنتشرة بالمنطقة القريبة من البركان انتظارا للضوء الأخضر للقيام برحلتنا فوق فوهة البركان ، وقد لاحظت أن المطعم الذي تناولنا فيه غداءنا أشبه بالمخابئ التي تستعمل أثناء الغارات الجوية إذ أن سقفه الخرساني كان سميكا للغاية . لم تمض لحظات حتى أدركت الحكمة وراء هذه الاستحكامات إذ بدأت الأرض تهتز تحت أقدامنا ثم سمعنا انفجارا كبيرا أعقبته رائحة غازات منفرة وأصوات أشياء ثقيلة تتساقط على سقف المطعم ، عرفت فيما بعد أنها الحمم التي تقيأها جبل آسو عند انفجاره . وما دامت السماء في اليابان تمطر حجارة فليس من عجب أن تنبت الحقول جبالا كما سنرى فيما يلي من صفحات . عشنا هذه التجربة لمدة خمس دقائق تقريبا وأخطرنا بعد الغداء أن بإمكاننا الآن مشاهدة الفوهة من على العربة المعلقة ، إلا أن كل أعضاء المجموعة وكان عددهم يربو على العشرة اعتذروا بلباقة . تحسرت على الفرصة التي ضاعت لمشاهدة البركان وهو يغلي إلا أن الظروف تهيأت لي في وقت لاحق وإن كان في مكان مختلف . بعد أن هبطنا من الجبل في طريق عودتنا عبرنا المدينة التي تقبع عند سفحه وقد لفت الدليل نظرنا إلى الطبقة الدخانية التي تغطي كل السيارات وأسقف المباني التي مررنا بها مشيرا إلى أن هذا ناتج عن الدخان الذي انطلق من فوهة البركان لحظة انفجاره . تذكرت قول الدليل بأن بركان آسو ينفجر في اليوم والليلة عدة مرات وعجبت لهؤلاء القوم الذين يقيمون في هذا المكان تحت الجبل إلا أن يكون تمسكا بقول أمير الشعراء أحمد شوقي " هب جنة الخلد اليمن لا شئ يعدل الوطن " ، كما قلت في نفسي ما أسعد الصبيان الذين يقومون بغسل السيارات في " مدينة الدخان " هذه .تقول بعض التقارير العلمية أن انفجارا في جبل فوجي القريب من العاصمة وهو أمر محتمل بعد ركوده لأكثر من ثلاثمائة عام قد يقود لإطلاق كمية كبيرة من الدخان تكون كافية لحجب ضوء الشمس مما يؤدي لانخفاض درجات الحرارة في مساحات واسعة من البلاد وينسحب أثره السلبي على الإنتاج الزراعي. يقول التقرير كذلك أن هذه الكمية الهائلة من الدخان ستقود إلى تعطيل أجهزة الحاسوب في مناطق كثيرة من العاصمة ، مما سيؤدي حتما إلى تعطيل دولاب الحياة الذي يزداد اعتمادا على هذه الأجهزة يوما بعد يوم. ولعل هذا يعيد للأذهان القلق الذي ساد العالم قبل حلول الألفية الثالثة بسبب مشكلة الصفرين في أجهزة الحاسوب.في منتصف الثمانينات انفجر بركان في جزيرة أوشيما القريبة من العاصمة طوكيو وقد كانت تجربة فريدة نقلها التلفزيون الياباني حية شهدنا خلالها الجهود الكبيرة التي يبذلها رجال الإطفاء وهم يحاولون دون جدوى وقف زحف الحمم المنطلقة نحو سفح الجبل. وبينما كان العلماء وكاميرات التلفزيون ويركزون على الفوهة الرئيسة انفجر الجبل من موقع آخر مرسلا الدخان الكثيف والحمم مما كاد – لولا لطف الله – أن يودي بحياة الكثيرين من رجال الإنقاذ والصحفيين. وقد حدثت ظاهرة غريبة في تلك الأيام وهي أن الرمال تحت الماء على ساحل البحر حول الجزيرة تحولت إلى اللون الأحمر الداكن ، وقد احتار العلماء في هذه الظاهرة التي يبدو أنهم لم يجدوا لها تفسيرا إلا أنهم حذروا من انفجار بركاني تحت البحر. وقال بعض العلماء أنه بالرغم من أن مياه البحر قد تساعد على تقليل درجة حرارة الحمم البركانية إلا أن هناك احتمال أن تتحلل الماء إلى عناصرها الأولية ( الأوكسجين والهيدروجين ) مما يعني أن الانفجار سيكون مروعا للغاية. قام هؤلاء العلماء بتأكيد نظريتهم عن طريق تجربة نقلها التلفزيون أكدت أن قوة الانفجار تحت سطح الماء تفوق قوة الانفجار على سطح الأرض بعدة مرات. عند مشاهدة هذه التجربة العلمية وجدت نفسي أقول سبحان الله وأنا أذكر الآية الكريمة في سورة التكوير "وإذا البحار سجرت" التي فسرها المفسرون بأن البحار ستشتعل نارا ، ولم أكن أدري حتى ذلك الوقت كيف ستشتعل البحار نارا بل كنت أعتقد أن الانفجار تحت سطح البحر أكثر أمن.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-08-2016, 02:00 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-07-2016, 01:33 PM

Kabar
<aKabar
تاريخ التسجيل: 11-26-2002
مجموع المشاركات: 15172

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    ول ابا استاذنا وصديقنا جعفر..حبابك
    كتر خيرك على اشراكنا في القراءة هنا..
    نحن عندنا مشكلة مع صادرات المكتبة السودانية ، لأنها نادرا ما تصلنا..!
    الشوف بقي طشاش يا قريبي ، يا ريت تكبر حجم الخط شوية..!
    المساهمات السابقة ، قاعد انسخها في فايل..واكبر الخط شوية..وبعد داك اقراها..!!
    ياريت تضع الحكاية في الإعتبار..!!
    طبعا مكابرة كده ، لسع الواحد ما مقتنع بحكاية النضاره..!!
    التحية عبر لأستاذنا محجوب..
    كبر
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-08-2016, 01:33 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Kabar)


    أخي الحبيب وصديقي العزيز الأستاذ ول أبا كبر
    تقبل عميق شكري على الطلة البهية ، وإن شاء الله أسعى لحل مشكلة تكبير الخط ، ويبدو أنه عندي مشكلة حقيقية مع
    تحديد الخط فعندما اجعله (5) يبدو كبيرا اكثر من اللازم وعندما أجعله (4) او (3) يبدو صغيرا كما هو الحال الآن .
    تقبل تحياتي ووافر احترامي


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-08-2016, 02:24 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    أتيحت لي فرصة مشاهدة الحمم البركانية عن قرب عندما قمت بزيارة جزيرة هوكايدو وهي واحدة من الجزر الخمس الكبيرة التي يتكون منها الأرخبيل الياباني وتقع في أقصى شمال البلاد
    وتجاور جزر الكوريل المشهورة التي تتنازع حولها كل من روسيا واليابان منذ الحرب العالمية الثانية . وجزيرة هوكايدو أقل مناطق اليابان من حيث الكثافة السكانية بسبب طول فصل الشتاء
    وبردها الشديد . شهدت الحمم البركانية في منطقة يطلق عليها هناك اسم "وادي جهنم " ، وهي عبارة عن واد واسع تصل فيه حرارة الصخور البركانية درجة الغليان . والمشهد أشبه بالعصيدة
    وهي تغلي فوق النار وتتميز المنطقة حول الوادي بدرجات الحرارة المرتفعة ، إذ بالرغم من برودة الجو فإن الواقفين لمشاهدة المنظر العجيب كانوا يتصببون عرقا . وبإمكان الإنسان معرفة
    مدى ارتفاع درجات الحرارة بوضع يده على السور المضروب حول الوادي لحماية الزوار من الانزلاق داخل هذه العصيدة الصخرية المحمومة.
    من المشاهد الغريبة التي رأيتها في هوكايدو جبل يطلق عليه أهل البلاد اسم " جبل شووا الجديد " . و شووا هي حقبة حكم الإمبراطور هيروهيتو والد الإمبراطور الحالي . ويحكى أنه
    في إحدى الليالي في منتصف الأربعينات شعر أهل المنطقة بهزة أرضية وهو أمر لا يهتم له الناس كثيرا خاصة إذا كانت الهزة من النوع الخفيف . في صباح اليوم التالي كما تقول الرواية
    خرج أحد مزارعي القرية من داره مبكرا للذهاب لحقل الأرز الذي يمتلكه وهو يحدث النفس عن يوم آخر من الأيام المليئة بالروتين الذي يصبغ حياة الفلاحين عادة . وكم كانت دهشة الرجل
    بالغة عندما وجد أن جبلا يتصاعد منه الدخان قد انتصب في مكان الحقل الأخضر الذي اطمأن عليه قبل أن يعود إلى بيته في الليلة السابقة ، ولا بد أن الرجل قد فرك عينيه جيدا ليتأكد أن الذي يجري
    أمامه هو حقيقة وليس حلما إذ أنه لا يتوقع أحد أن تنبت حقول الأرز جبالا . قامت الحكومة فيما بعد بشراء الجبل من صاحبه لتحويله لمنطقة سياحية تدر عليها أرباحا طائلة . الغريب في الأمر
    أنني وجدت الدخان لا زال يتصاعد من أماكن متفرقة من الجبل عندما زرته بعد ما يربو عن الأربعين عاما بعد وقوع الحادثة العجيبة .
    تعرف اليابان كذلك بوجود عدد هائل من الينابيع الساخنة التي يغرم اليابانيون بزيارتها لإيمانهم بأن مياهها تساعد على شفاء الكثير من الأمراض وبصفة خاصة الرطوبة وبعض
    الأمراض الجلدية لما فيها من خواص كيميائية عديدة. وقريبا من العاصمة طوكيو توجد منطقة اشتهرت بوجود مثل هذه الينابيع تسمى هاكوني ويؤمها الكثير من الزوار ، ويمكن أكل البيض
    المسلوق في مياه هذه الينابيع التي تغلي باستمرار ويقول الباعة على سبيل الدعاية أن هذا البيض مفيد للصحة وإن كنت شخصيا أشك في ذلك. وتقوم حول الينابيع الساخنة في مختلف أنحاء البلاد
    الفنادق لاستقبال الزوار الذين يحبون الانغماس في المياه والاستفادة من خواصها العديدة. والأسلوب المتبع هو توصيل مياه الينابيع عبر أنابيب إلى داخل غرف نزلاء الفندق حيث يمكن للنزيل الاستمتاع
    بالاستحمام فيها ، كما تقوم بعض الفنادق ببناء أحواض واسعة في الحديقة الخلفية للفندق حيث يمكن للزوار الاسترخاء في الهواء الطلق وهم يستمتعون برؤية عناصر الطبيعة الأخرى من زهور وأشجار وطيور وغيرها.
    وكبار السن من اليابانيين مغرمون بهذا النوع من الحمامات خاصة إذا كانت في المناطق الباردة حيث يتساقط الجليد ويكون الإحساس بالاسترخاء في المياه الدافئة مضاعفا. ويبدو أن الأمر لا
    يقتصر فقط على بني البشر فقد شهدت في أحد الأفلام التوثيقية التي عرضتها إحدى القنوات اليابانية أن مجموعة من القرود تستمتع بالانغماس في هذه المياه الدافئة. وللذين تمنعهم ظروفهم من زيارة
    هذه المناطق للاسترخاء فإن بعض الحمامات العامة في المدن الكبيرة توفر المياه المستجلبة من الينابيع الحارة خصيصا لزوارها. وللذين لا يملكون الوقت أو الرغبة في زيارة الحمامات العامة فإن خلاصة
    المعادن الموجودة في الينابيع الحارة تباع في عبوات صغيرة في الحوانيت ، وبإضافة القليل منها لماء حوض الحمام المنزلي يمكن للإنسان أن يحصل على الأثر المطلوب. يهتم اليابانيون كثيرا بمسألة الاسترخاء
    نسبة للضغوط النفسية الهائلة التي يتعرضون لها بسبب الإيقاع السريع للحياة في مجتمعهم الاستهلاكي. لذلك فإن المنتجات التي تساعد على الاسترخاء كمياه الينابيع الحارة وأدوات التدليك تجد رواجا كبيرا في السوق اليابانية.
    ودخول الحمام في آخر الليل من أهم عناصر روتين العائلة اليابانية ، والغريب في الأمر أن الأب يدخل الحمام عادة مع أطفاله القصر بما في ذلك البنات اللاتي يداوم بعضهن على هذه العادة أحيانا حتى التحاقهن بالثانوي
    العام. بل إن بعض الآباء يصطحبون أطفالهم بما في ذلك البنات للحمامات العامة ، ورغم أن معظم هذه الحمامات لها أماكن منفصلة للجنسين إلا أن بعضها خاصة في الريف مشتركة. كانت تجربتي الأولى مع الحمام الياباني
    العام عندما حططت الرحال لأول مرة في فندق من الطراز الياباني ويسمونه " ريوكان" ، وبما أن كل نزلاء الفندق يدخلون الحمام على دفعات في المساء فقد رفضت الدخول وقررت أن أفعل ذلك في الصباح قبل
    أن يصحو بقية النزلاء من النوم . وكم كانت خيبة أملي عظيمة عندما أدركت أن المياه الدافئة لا تتوفر في الحمام وأنها قد فصلت بعد الاستعمال الجماعي في المساء توفيرا للنفقات ، لذلك فقد اضطررت للاستحمام بالماء
    البارد وكانت تجربة صعبة للغاية . في المرات القليلة التي اضطررت فيها للإقامة في فنادق على الطراز الياباني بعد ذلك كنت أدخل في مفاوضات مطولة مع إدارة الفندق للسماح لي باستعمال الحمام منفردا وهو أمر كانت
    إدارة الفندق توافق عليه على مضض مع ضرورة دخولي للحمام مبكرا بعض الشئ عن مواعيد النزلاء اليابانيين . والحمامات المشتركة أمر شائع في اليابان فقد كانت الشقق السكنية وحتى وقت قريب لا تحتوي على حمامات
    خاصة مما يضطر السكان إما لاستعمال الحمام العام في الحي أو حمام مشترك لمجموعة الشقق التي يقيمون بها ، إلا أن هذه الظاهرة اختفت تماما في الوقت الحاضر وأصبحت كل الشقق السكنية تحتوي على حمامات خاصة بها .
    يعاني كذلك الإخوة من السودانيين الذين كانت تضطرهم الظروف أحيانا للبقاء بالمستشفيات إذ أن الحمامات هناك مشتركة أيضا ، وقد قامت إحدى السيدات السودانيات بحل المشكلة بأنها كانت تقوم بدخول الحمام
    قبل الجميع وإغلاق بابه من الداخل بالمزلاج غير آبهة باحتجاجات المرضى الآخرين أو إدارة المستشفى حتى قبل الجميع بهذا الوضع في النهاية .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-08-2016, 12:31 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    الدستور الذي يحكم اليابان في الوقت الحاضر تم إعداده بواسطة سلطات الاحتلال الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية ولكنه يجد تأييدا واسعا من جموع الشعب الياباني ، وهو يعلن في ديباجته عن رغبة الشعب الياباني الصادقة في العيش في سلام دائم داخل مجتمع دولي يسعى من أجل الحفاظ على السلام وإنهاء كل أنواع التسلط والعبودية والاضطهاد.كان وضع الامبراطور هو المفارقة الأكبر بين الدستور الجديد الذي أجيز في عام 1947 والدستور القديم الذي استمر العمل به في منذ عهد الميجي وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية. فبينما كان دستور الميجي يشير إلى أن السيادة تمثل في شخص الإمبراطور فإن الدستور الجديد يقول بأن الإمبراطور يمثل رمز الوحدة الوطنية وأن السيادة في الدولة تكون بيد الشعب الياباني . ويمكن إدراك أهمية هذا التحول إذا ما أدركنا أن الإمبراطور الياباني كانت له عبر التاريخ قدسية خاصة باعتباره من ذرية آلهة الشمس أماتيراس . كان هذا الوضع محفوظا للإمبراطور بالرغم من أن الإمبراطور لم يكن يمارس سلطة تنفيذية باعتبار أنها من الأمور الدنيوية التي يختص بها بنو البشر من وزراء ومستشارين . لم يتغير هذا الوضع إلا عندما أعلن الإمبراطور السابق هيروهيتو في مطلع عام 1946 وبعد هزيمة الحرب أنه بشر عادي وليس إلها كما كانت تروج الدعاية الرسمية .أثار وضع الإمبراطور بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية جدلا واسعا بين اليابانيين ، فبينما كان البعض يرى أن الإمبراطور كان مسئولا مسئولية مباشرة عن الحرب وأنه يجب أن يقدم لمحاكمة فإن البعض الآخر كان يرى أن الوزراء والمستشارين هم المسئولين عن الحرب وأن الإمبراطور رغم قدسيته لم يكن يمارس سلطة تنفيذية فعلية . كانت الفئة الأولى تدعو بالطبع إلى إلغاء النظام الإمبراطوري وإقامة نظام ديمقراطي على الطراز الغربي . ويبدو أن اتجاها معتدلا هو الذي ساد في النهاية خاصة وأن سلطات الاحتلال رأت أن وجود الإمبراطور ضروري لضمان الاستقرار فنجا الإمبراطور بذلك من المثول أمام محكمة طوكيو لمجرمي الحرب بالرغم من أن كل معاونيه من الوزراء والمستشارين قد مثلوا أمامها وحصل الكثيرون منهم على أحكام بالإعدام . من ناحية أخرى ، فقد أشير في الدستور الجديد صراحة إلى أن الإمبراطور يمثل رمز الوحدة الوطنية في البلاد ، وإن أصبح وضعه مراسميا فقط دون أي أعباء تنفيذية التي انتقلت لرئيس الوزراء المنتخب بواسطة البرلمان . كما أن وزارة القصر التي كانت تمارس نفوذا واسعا في العهد الماضي قد تم تقليصها لتصبح مجرد وكالة تابعة لمكتب رئيس الوزراء .يحس اليابانيون بالفخر لأن العائلة الإمبراطورية في بلادهم هي أقدم عائلة مالكة في العالم حيث كانت موجودة فعلا عندما ظهرت اليابان نفسها للوجود قبل آلاف السنين . ورغم أن سلسلة الأباطرة الذين حكموا البلاد منذ بداية التاريخ ينتمون في الأساس كما ذكرنا لأماتيراس آلهة الشمس إلا أن العرش جرى توارثه عبر التاريخ بواسطة الورثة الذكور ولم تعتلي العرش إمرأة قط طوال تاريخ العائلة المالكة . الإمبراطور الحالي أكيهيتو هو الوريث رقم 125 للعرش ، وهو أول إمبراطور يجري تنصيبه تحت ظل الدستور الياباني الجديد الذي عدل كثيرا في وضع الامبراطور كما أشرنا أعلاه ويرى الكثير من اليابانيين أن هذا يؤكد استمرار العائلة تحت ظل النظام الجديد.تحظى العائلة الإمبراطورية باحترام وحب أفراد الشعب الياباني ، وعلى غير ما يجري في بريطانيا مثلا فإن الصحافة وأجهزة الإعلام اليابانية لا تتناول تقاصيل حياة أفراد العائلة أو تصرفاتهم الخاصة . وقد يعود هذا في جانب منه إلى القدسية التي كانت تحيط بالامبراطور وإلى الأسلوب الصارم في تنشئة أطفال العائلة وجبلهم على الحفاظ على سمعتها ، ولكنه يعود كذلك في اعتقادي للبساطة الشديدة التي يتسم بها أفراد العائلة في مجملهم في تعاملهم مع عامة البشر . غير أن هذا لا يمنع بعض اليابانيين من تناول بعض أسرار حياة العائلة المالكة همسا في أحاديثهم الخاصة . سبق أن التقيت في بعض المناسبات الطارئة بالإمبراطور السابق هيروهيتو ، ورغم أنني لم أتبادل معه حديثا طويلا إلا أن انطباعي عنه أنه رجل بسيط للغاية ومهتم بالتفاصيل حول الأشخاص الذين يلتقيهم مما يعطي الاحساس بأنه يتصرف كالأجداد البسطاء حيال أحفادهم . أما العائلة الامبراطورية الحاليه فقد التقيت أفرادها في دعوة مختصرة لعدد محدود من أعضاء السلك الدبلوماسي في طوكيو وذلك في عام 1996 وقد تبادلت أطراف الحديث مع معظمهم وقد تركوا لدي نفس الانطباع بالبساطة رغم ثقافتهم العالية. سبق أن تناولت أعلاه لقائي بالامبراطورة خلال ذلك الحفل ، وقد تركت لدي الأميرة ساياكو وهي الأصغر بين ابناء الامبراطور انطباعا جيدا. كان حديثي معها عن دراستها الجامعية وعن هواياتها خاصة كتابة الشعر الياباني التقليدي ، وقد عرفت منها أن كتابة الشعر تقليد قديم في العائلة الامبراطورية وأن معظم الاباطرة الذين اعتلوا عرش الإمبراطورية كانوا يكتبون شعرا رائعا. ولعل هذا هو السبب في البساطة والرقة التي يتميز بها أفراد العائلة الامبراطورية وسر نجاحهم في كسب ود الشعب الياباني ، ترى ماذا كان سيكون حال العالم العربي لو حكمه الشعراء وبينهم من سعى لذلك كما تقول الروايات مثل الشاعر الفذ أبي الطيب المتنبئ.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-09-2016, 00:43 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-09-2016, 06:33 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    اطلعت على مقال نشرته إحدى الصحف اليابانية لاحقا تتحدث فيه عن اهتمام الأباطرة بالشعر ، وقد أورد المقال أن بعض الأباطرة كانوا يتكسبون من الشعر
    عندما ساءت أحوالهم في عهود حكم الأُسَر. غير أن هؤلاء الأباطرة لم يكونوا يمدحون الحكام كما هو الحال بالنسبة لبعض شعرائنا العرب بل كان مساعدوهم ودون
    موافقتهم على حد قول المقال يقومون ببيع الرقاع التي كتب عليها هذا الشعر الرفيع بخط الامبراطور مما كان يدر دخلا كبيرا على القصر الامبراطوري . ويمضي
    المقال للقول أنه بالرغم من القدسية التي تحيط بهم فإن أوضاع الأباطرة لم تكن دائما على ما يرام فقد مرت عليهم عهودا تم فيها نقل العاصمة إلى مدن أخرى في
    مختلف أنحاء البلاد حيث الثقل السياسي وكان الأباطرة يقبعون في العاصمة الإمبراطورية كيوتو وهم في حالة من شظف العيش أحيانا .
    تقوم اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على النظام الحزبي التعددي ، ونظامها يحتوي على كل العناصر الضرورية لقيام نظام ديمقراطي حديث من فصل تام بين
    السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتوفير لجميع أنواع الحريات والحفاظ على حقوق الإنسان . غير أن لليابان كما هو متوقع تجربتها الديمقراطية الخاصة بها
    فهي دون غيرها من الديمقراطيات الغربية التي تعتبر إحداها ظلت تحت حكم حزب واحد لما يقارب الأربعين عاما هو الحزب الديمقراطي الحر الذي جاء نتيجة
    لاندماج بين الحزبين المحافظين الديمقراطي والحر في عام 1955 . كان الحزب الاشتراكي الياباني طوال هذه المدة هو حزب المعارضة الرئيس حتى أطلق عليه
    بعض المحللين الساخرين اسم " المعارضة الأزلية " ، وذهب الكثير للقول بأن تركيبة عقلية الحزب قامت على دوره كمعارض حتى إنه لم يكن يفكر طوال هذه المدة
    في الوصول للحكم بالرغم من أن تداول السلطة هو أساس الديمقراطية التعددية .
    في اليابان أسلوب غريب للدعاية الانتخابية فبينما يهتم المرشحون في الدول الديمقراطية بالحديث عن برنامجهم الانتخابي الذي يحتوي على الكثير من الوعود والتي
    عادة ما ينساها المرشح حال فوزه في الانتخابات ، فإن المرشح الياباني يردد عبر مكبرات الصوت اسمه وجملة واحدة فقط لا غير وهي " دوزو يوروشكو أو نيقاشمس "
    وهي تعني باختصار أرجوكم أن تصوتوا لصالحي . ورغم غرابة هذا الأسلوب فإنني أجده أفضل من الأسلوب الأول فالمرشح هنا ليس مضطرا للكذب على الأقل . يقف
    المرشح عادة أمام محطات المترو وتقاطع الطرق المزدحمة بالمواطنين على سيارة كبيرة مزينة بصوره وهو يردد دون ملل أو كلل الكلمة التي أشرنا لها أعلاه . ولك
    أن تتخيل كمية الإزعاج عندما يقرر مرشحان أو اكثر اختيار منطقة بعينها للممارسة الدعاية الانتخابية . غير أننا نادرا ما نشاهد الحملات الانتخابية داخل الأحياء السكنية
    ولا أدري إن كان هناك قانون يمنع ذلك ، أم أن المرشحين يخشون الأثر السلبي في حالة إزعاج الناس في بيوتهم . غير أن ذلك لا يمنع بعض العاملين في الحملات
    الانتخابية بالدعوة لمرشحهم في الأحياء ولكن بطريقة أكثر هدوءا من تلك التي نراها في الميادين أمام المحطات وفي الشوارع الكبيرة .
    لاحظت كذلك أن المرشحين والعاملين معهم - وهم عادة ما يكونون في نفس السيارة – يرتدون في أيديهم قفازات ناصعة البياض ، وعندما سألت أحد أصدقائي اليابانيين
    عن سر هذا القفاز الأبيض أفادني أن ذلك كناية عن طهارة اليد . وهي ابتكار ياباني عبقري آخر فالمرشح ليس عليه إلا أن يلبس مثل هذا القفاز ليؤكد أمانته وطهارة يده
    وهو صادق أيضا في ذلك فكلنا نعرف أن الشخص الذي يرتدي قفازا لا يخلف وراءه أي بصمات تؤكد عدم طهارة يده . ولأن المرشحين لا يتحدثون كثيرا فإن الناس لا يأبهون
    بوجودهم وتراهم مندفعين نحو مصالحهم دون حتى الالتفات لرؤية المرشح أو الفتيات الحسناوات اللاتي يكن ضمن حملته الانتخابية . غير أن الظهور المتكرر أمام الناخبين
    يؤتي أكله ففي منتصف التسعينات مثلا كان حاكمي أكبر مدينتين في البلاد وهما طوكيو وأوساكا من نجوم التلفزيون المشاهير . الغريبة أن كليهما كانا من الممثلين الهزليين و
    لا أدري إن كانت هذه رسالة من الناخبين للسياسيين المحترفين أم أنه أمر حدث بالصدفة .
    تعتبر العلاقات اليابانية الأمريكية هي حجر الأساس الذي تقوم عليه السياسة الخارجية ، ورغم أن الاعتقاد السائد وسط العديد من المحللين خاصة في بلادنا هو أن اليابان ما
    هي إلا مجرد تابع للولايات المتحدة فإن اليابان كغيرها من الدول تعمل في النهاية على تحقيق مصالحها . وهناك بعض الحالات التي اتخذت فيها اليابان مواقف مخالفة للموقف الأمريكي
    خاصة في الشرق الأوسط والصين حيث المصلحة اليابانية أوضح . غير أن اليابان تعمل على خلق توازن رائع يخدم مصالحها ويحفظ في نفس الوقت علاقتها الحميمة مع الولايات
    المتحدة وهو الأمر الذي لا شك أنه يتعرض لامتحان في ظل الهيمنة الأمريكية المتزايدة في السنوات الأخيرة . تمثل اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين حجر الأساس الذي تقوم عليه
    علاقاتهما وهو أمر طبيعي إذا ما عرفنا أن هناك حوالي الستين ألف جندي أمريكي يرابطون فوق الأراضي اليابانية . يوجد معارضون قليلون لاتفاقية الدفاع المشترك مع الولايات
    المتحدة وهم عادة من اليمينيين الذين يدعون لعودة اليابان لمجدها العسكري القديم والنظام الإمبراطوري السابق .
    منذ ثمانينات القرن بدأت الأصوات ترتفع داخل الحزب الحاكم والقوي اليمينية بضرورة أن تلعب اليابان على الساحة الدولية دورا يتناسب وحجمها الاقتصادي الذي يؤهلها لاحتلال
    الموقع الثاني بين الدول الغنية بعد الولايات المتحدة . يجد هذا الاتجاه تأييدا ودعما من جانب الحكومة الأمريكية التي كانت ولا زالت ترغب في أن تتحمل اليابان جزءا من العبء
    العسكري الذي تضطلع به الولايات المتحدة كشرطي للعالم . لكن الفقرة التاسعة من الدستور الياباني تحظر إرسال أي قوات يابانية إلى خارج البلاد ويتمسك المواطنون اليابانيون
    بهذه الفقرة ولا يرون داع لتعديلها ، كما تراقب الدول الأسيوية المجاورة بقلق شديد أي اتجاه نحو عودة الروح العسكرية في البلاد . يمثل هذا قيدا ثقيلا على الحزب الحاكم والمؤيدين لدور أكبر لليابان .
    برزت هذه المشكلة للوجود بعد حرب 1973 في الشرق الأوسط عندما طلب من اليابان إرسال قوات لهضبة الجولان السورية لمراقبة وقف إطلاق النار هناك ، ولكنها أخذت أبعادا أكبر
    عندما كانت الولايات المتحدة تعمل على إقامة التحالف الدولي ضد العراق خلال حرب الخليج الأولي في تسعينات القرن الماضي . فشلت الحكومة اليابانية وقتها في إقناع البرلمان
    والمواطنين بإرسال قوات للخليج فاضطرت لأن تتحمل جانبا كبيرا من تكلفة الحرب ، وهو الأمر الذي وضع الحكومة لاحقا في موقف حرج عندما فازت الدول الغربية كفرنسا
    وبريطانيا بأغلب مشاريع إعادة التعمير في الكويت والعراق .
    تعتبر الحرب العالمية الثانية نقطة تحول هامة في تاريخ اليابان السياسي فقد أدت هزيمة دول المحور إلى تحول اليابان إلى ديمقراطية غربية وعضو في التحالف الغربي أثناء الحرب
    الباردة التي شكلت العلاقات الدولية في فترة ما بعد الحرب . غير أن اليابان عانت في الحرب الأمرين حيث تم تدمير قوتها العسكرية والاقتصادية بصورة تامة كما تعرضت مدنها الكبرى
    وعلى رأسها العاصمة طوكيو لقصف جوي عنيف في المراحل الأخيرة من الحرب مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا وتدمير هذه المدن بصورة كبيرة .
    من الظواهر التي أثارت دهشة وغضب قوات الحلفاء في الفترة الأخيرة من الحرب ظهور فرق الطيارين الانتحارية التي كان اليابانيون يطلقون عليها اسم " كاميكازي " ، وهي كلمة يابانية تعني
    " الرياح المقدسة " . وفرق الكاميكازي تتكون من شباب الطيارين الانتحاريين في سلاح الجو الإمبراطوري والذين عرفوا بتدمير السفن الحربية الأمريكية في المحيط الهادي بتفجير
    طائراتهم على سطح هذه السفن . ولا بد أن الروح الانتحارية قد أزعجت الأمريكيين ، وهو ما عبر عنه الرئيس ريغان بعد ذلك باربعين عاما تقريبا بعد العملية الانتحارية التي تعرض
    لها جنود البحرية الأمريكية في العاصمة اللبنانية بيروت . روي عن الرئيس ريغان أنه قال عندما قرر سحب القوات الأمريكية من بيروت " لقد ذهبنا لنخيفهم بسلاح الموت ، فماذا نفعل مع أشخاص لا يخافون الموت " .
    تقول الروايات اليابانية أن هؤلاء الشباب كانوا يقومون بهذه العمليات الانتحارية دفاعا عن الامبراطور الذي كانوا يعتقدون أنه إله ، وعرف عنهم إقامة حفلات الوداع والتقاط الصور
    مع بقية زملائهم في الليلة السابقة لتنفيذ العملية الانتحارية . وقد تسببت هذه العمليات في خسائر كبيرة بين القوات الأمريكية ، وكانت أنباءها في ذلك القوت تستقبل بحماس شديد من جانب المواطنين اليابانيين .
    عندما كنت أدرس بالجامعة جمعتني جلسة مع بعض الطلاب اليابانيين الشباب وقد سألتهم عن رأيهم في الكاميكازي وهل يعتبرونهم شهداء في سبيل الوطن ، وهل يمكن لأي واحد منهم
    أن يقوم بما قام به هؤلاء الكاميكازي . كان الرد كما توقعت أن الكاميكازي ما هم إلا مجموعة من الشباب الذين تعرضوا لعمليات غسيل مخ بواسطة الحكومة العسكرية في ذلك الوقت
    وأنهم قد فقدوا أرواحهم بلا طائل . تساءلت بيني وبين نفسي ترى ماذا كان سيكون إحساس أولئك الانتحاريين لو سمعوا رأي هذا الجيل في العمليات التي قاموا بها بدافع حب الامبراطور
    والوطن . اعتقد أن موقف الطلاب الذين جمعتني بهم الجلسة عن الكاميكازي يعكس التحول الكبير الذي حدث في تركيبة الشخصية اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية ، فالغالبية العظمى
    من الشعب الياباني تنظر الآن للأمريكيين بأنهم حداة تحرير اليابان واليابانيين من قبضة الجيش الإمبراطوري كما قال رئيس وزرائهم كوإيزومي في لقاء له بالرئيس الأمريكي بوش . لا أشك
    في أن علاقة المواطن الياباني بأمريكا معقدة للغاية وهي تتراوح بين الإعجاب الشديد بالقوة الأمريكية والرغبة في الانتصار على الولايات المتحدة وهو ما تسعى اليابان لتحقيقه على المستوى
    الاقتصادي . كلما فكرت في جلستي مع الطلاب الجامعيين أحاول أن أتخيل نظرة الأجيال العربية القادمة للولايات المتحدة وعملية احتلال أو تحرير العراق .
    تعود أصول كلمة " كاميكازي " أو الرياح المقدسة للقرن الثالث عشر الميلادي عندما تعرضت اليابان ولأول مرة في تاريخها لغزو أجنبي قاده المغول بعد أن دان لهم العالم الاسلامي والصين .
    قام المغول بإعداد أكبر أسطول بحري عرفه العالم حتى ذلك التاريخ لغزو اليابان في عام 1274 ومرة أخرى في عام 1281 . في الحالتين تعرضت الحملة المغولية لرياح عاتية في بحر اليابان
    مما رسخ عند اليابانيين فكرة حماية بلادهم عن طريق الآلهة إذ أن قوتهم لم تكن لتصمد أمام القوة المغولية فأطلقوا على هذه العواصف البحرية اسم الرياح المقدسة .
    رغم القصف المتواصل للمدن الكبرى في اليابان والذي راح ضحية له 670 ألفا من الضحايا كما تقول التقديرات فقد ظل الجيش الامبراطوري رافضا للاستسلام حتى قامت القوات الأمريكية
    ولأول مرة في التاريخ باستعمال السلاح الذري ضد مدن مأهولة بالسكان. وحتى بعد استعمال السلاح الذري فقد اضطر الإمبراطور للتدخل لإعلان الاستسلام في وجه معارضة شديدة من قيادات الجيش.
    يعتبر إلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما ونغازاكي في المراحل الأخيرة من الحرب أكثر الفصول مأساوية في الحرب العالمية الثانية على الاطلاق. ألقيت القنبلة الأولى على مدينة هيروشيما
    في يوم 6 أغسطس 1945 ، وألقيت الثانية بعد ثلاثة أيام على مدينة ناغازاكي. وتقول الروايات أن مدينة ناعازاكي كانت واحدة ضمن ثلاثة أهداف لإلقاء القنبلة وقد أدرك الطيار المكلف بالعملية استحالة
    إصابة الهدفين الأولين لأن الجو فوقهما كان ملبدا بالغيوم وعندما وصل إلى البديل الثالث وهو مدينة ناغازاكي وجد سماءها ملبدة بالغيوم أيضا فقرر أن يتجه نحو المحيط ويقوم بإلقاء القنبلة في البحر إذ لم يكن
    بإمكانه الهبوط بها في القاعدة الجوية الأمريكية التي انطلق منها حيث كان احتمال انفجارها عند الهبوط واردا. وفي الدورة الأخيرة قبل مغادرة مدينة ناغازاكي انكشفت الغيوم بالدرجة التي سمحت للطيار
    بإلقاء القنبلة المدمرة مما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين .
    تركت زيارتي إلى مدينة هيروشيما في نهاية عام 1978 آثارا قاسية للغاية على نفسي ، فالفيلم الذي شاهدته في سينما حديقة السلام والذي جرى تصويره بعد إلقاء القنبلة مباشرة كان محزنا للغاية
    خاصة مشاهد أهالي هيروشيما وهم يندفعون نحو النهر بعد أن سلخت جلودهم بسبب درجات الحرارة العالية التي خلفتها القنبلة. كما أن زيارة واحدة للمتحف الخاص بالقنبلة تكفي لترك آثار باقية في
    النفس عن بشاعة الجريمة ، كما قمت بزيارة اللوحة التي سجلت عليها أسماء مئات الآلاف من الضحايا الذين فقدوا حياتهم فور انفجار القنبلة ولعشرات السنين بعد ذلك. لم ينج من آثار القنبلة حتى
    الأجيال التي جاءت للدنيا بعد سنوات طويلة من نهاية الحرب بسبب الآثار البيئية المدمرة التي خلفها الانفجار مما زاد من نسبة الإصابة بمرض السرطان في المدينتين التعيستين. وتوضح
    القياسات التي تجريها وكالة البيئة اليابانية كل عام تقريبا أن نسبة الإشعاع الذري في هاتين المدينتين لا زالت تفوق بعشرات الأضعاف النسبة العادية.
    .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-10-2016, 06:30 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    لو كان غرض السلطات اليابانية هو زرع كراهية الحرب في من يقومون بزيارة
    هيروشيما فلا شك أنهم قد نجحوا نجاحا كبيرا ، إذ لا أعتقد أن أحدا يمكن أن يخرج
    من زيارة المدينة ومتحفها ألا وهو يكره الحروب وآثارها المدمرة. ربما كان من
    المناسب أن تقوم الحكومة السودانية بإقامة متحف للآثار المدمرة للحرب في جنوب
    السودان ، إذ أن ذلك سيكون في اعتقادي الخطوة الأولى نحو نشر ثقافة السلام.
    كان برنامج زيارتي يشمل الذهاب أيضا إلى مدينة ناغازاكي ولكني قررت إلغاء
    زيارتي للمدينة بعد التجربة المريرة التي عشتها في هيروشيما .
    هناك اعتقاد سائد – وهو صحيح في مجمله - بأن اليابان تمكنت خلال قرن واحد
    فقط من تحقيق معجزتين اقتصاديتين قل أن يجود الزمان بمثلهما. الأولى في
    نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عندما انتقلت اليابان في ظرف
    ثلاثين عاما تقريبا من دولة إقطاعية زراعية متخلفة إلى دولة تعتبر في عداد
    الدول الصناعية الكبرى في ذلك الوقت ، وتحولت من دولة معزولة لما يزيد
    عن القرنين من الزمان إلى دولة استعمارية تنافس القوى الأوربية العظمى
    على اقتسام المستعمرات وبسط نفوذها على الشعوب الأخرى خاصة في آسيا .
    تمكنت اليابان خلال هذه الفترة من إلحاق الهزيمة العسكرية بأكبر دولتين
    مجاورتين لها وهما الصين والإمبراطورية الروسية ، كما أخضعت شبه
    الجزيرة الكورية لاستعمار طويل استمر منذ مطلع القرن العشرين وحتى
    نهاية الحرب العالمية الثانية . وقد انفعل شاعر النيل حافظ إبراهيم بانتصار
    اليابان على الإمبراطورية الروسية باعتباره نصرا فريدا لأحدى الدول
    الصغيرة على واحدة من القوى العظمى في ذلك الزمان فنظم قصيدة
    رائعة تعكس الفرحة بهذا الانتصار .
    أما المعجزة الثانية فقد وقعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية عندما
    استطاعت اليابان في أقل من عشرين عاما إعادة بناء اقتصادها الذي
    دمرته الحرب تماما ولحقت بركب القوى الاقتصادية العظمى بل تفوقت
    على دول عريقة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا . وتشير بعض الإحصائيات
    إلى أن الدخل القومي الياباني يعادل حاليا اثني عشر ضعفا بالنسبة للدخل
    القومي لروسيا الاتحادية بالرغم من الفارق الكبير في المساحة والموارد
    الطبيعية . ولعل مما زاد قيمة المعجزة الثانية بصفة خاصة هو أن اليابان
    تعتبر من الدول الفقيرة في الموارد الطبيعية ، وأنها قد استطاعت
    تحقيق هذه المعجزة اعتمادا على الكفاءة الانتاجية العالية لقواها العاملة .
    ورغم أن هذه الإنجازات تستحق فعلا أن توصف بأنها معجزات إلا أن
    لها بالطبع كما لكل الأحداث التي يشهدها العالم قرائن ومسببات تقترن
    أساسا بطبيعة الشعب الياباني والنظام الإداري الذي كان سائدا في البلاد
    خلال الفترتين المذكورتين . في الفترة التي أطلق عليها في التاريخ
    الياباني اسم "عهد أيدو" نسبة للعاصمة التي تحول اسمها لاحقا إلى
    طوكيو والتي سيطرت فيها أسرة توكوغاوا على الحكم من منتصف
    القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر ، شهدت البلاد
    تطورات اقتصادية هامة قادت لهجرة واسعة نحو المدن مما أدى
    لزيادة كبيرة في سكان الحضر . وقد تبع ذلك كما هو الحال دائما
    تحول الاقتصاد من اقتصاد ريفي يقوم على الزراعة إلى اقتصاد
    حضري يقوم على تنوع النشاط من صناعة وخدمات واستثمار أموال .
    وقعت هذه التطورات الكبيرة في الوقت الذي كانت فيه اليابان
    تعيش عزلتها المجيدة بعيدا عن المراكز الاقتصادية الهامة في العالم .
    من ضمن ظواهر الشكل الجديد للاقتصاد نشوء نظام نقدي يقوم
    حول مكاتب تسليف الأموال ، وبحلول عام 1670 كانت هناك عشرة
    مكاتب لتسليف الأموال في مدينة أوساكا وحدها والتي كانت ولا زالت
    تعتبر العاصمة الاقتصادية للبلاد . وبما أن هذه المكاتب كانت تقوم
    بالدور الذي تقوم به المصارف في النظم الاقتصادية الحديثة فقد
    تطورت هذه المكاتب لاحقا لتصبح مصارف حديثة لعبت دورا
    هاما في الاقتصاد الياباني .
    بدأت الحياة في المدن تجذب المزيد من المهاجرين الذين ظلوا
    يفدون من الريف للبحث عن العمل في القطاعات الاقتصادية
    الحديثة ، كما ساعد توفر الخدمات المختلفة وانتشار الملاهي
    في أن تصبح الحياة في المدن أكثر راحة واستقطابا للشباب
    المنتج بصفة خاصة . برزت إلى الوجود منذ ذلك الوقت المبكر
    البيوتات التجارية الكبيرة أمثال ميتسوي وسوميتومو والتي لا
    زالت تلعب دورا هاما في الاقتصاد الياباني بعد أن ازداد حجمها
    بصورة كبيرة مع نمو الاقتصاد . مع منتصف القرن الثامن عشر
    الميلادي كانت نسبة سكان المدن في اليابان قد بلغت 10% من
    جملة سكان البلاد وهي نسبة كانت كفيلة بنمو الطبقة الوسطى
    التي تعتبر إحدى المقومات الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي في أي بلد .
    مع قيام حركة ميجي الإصلاحية في عام 1868 كانت اليابان
    تمتلك عددا من العوامل الضرورية لتحقيق الانطلاقة الاقتصادية
    ومن بينها نسبة التعليم العالية والتي بلغت أكثر من 40% من
    جملة سكان البلاد في ذلك الوقت المبكر من تاريخ اليابان ،
    والفائض الكبير في العمالة الزراعية بفضل الزيادة المستمرة
    في عدد السكان وإدخال تكنولوجيا أكثر تطورا في الأساليب
    الزراعية ، ومجتمع نقدي متطور تحت سيطرة طبقة تجارية
    تميزت بالغنى والمقدرات الاستثمارية العالية ، ووجود طبقة
    الساموراي التي كانت على درجة كبيرة من التعليم وتراكمت
    لديها خبرات على مدى مئات السنين مما جعلها في وضع
    مكنها من توفير القيادات الإدارية المطلوبة لإحداث
    الطفرة الاقتصادية .
    نفذت السلطات اليابانية وبناء على هذه الأرضية المتينة
    إصلاحات اقتصادية واسعة في مختلف القطاعات مما ساعد
    على تحقيق النهضة الاقتصادية المطلوبة . قامت الحكومة
    في البداية بإلغاء نظام العملة المعقد الذي كان سائدا واستبدلته
    بنظام جديد يقوم على النظام العشري المبسط ، كما أجرت
    تعديلات واسعة في قوانين البنوك والمؤسسات الاقتصادية .
    تم اقتباس النظام المصرفي المتبع في الولايات المتحدة في ذلك الوقت ،
    وأنشئ بنك اليابان المركزي في عام 1882 لتنظيم نشاط
    المصارف في البلاد . وفي عام 1897 تم افتتاح عدد من البنوك الخاصة
    التي أقيمت على القواعد العالمية الحديثة في النظام المصرفي بديلا
    لبيوت التسليف وارتفعت بصورة كبيرة نسبة الودائع عندما تمكنت
    البنوك من استقطاب وفورات المواطنين ، وقد تميز الاقتصاد
    الياباني دائما بنسبة عالية للتوفير مما أتاح فرصا واسعة للتمويل .
    كان تركيز الثروة في أيدي طبقة التجار الغنية ذات الإمكانيات
    الاقتصادية الكبيرة سببا في الاستثمار بصورة واسعة في المجال
    الصناعي حيث قام هؤلاء التجار باستثمار الفائض من أموالهم
    في شراء أحدث الماكينات التي توفرت عندئذ في السوق العالمية .
    لم تكتف اليابان بشراء التكنولوجيا الحديثة فقط من أوربا بل إنها
    بدأت ومنذ ذلك الوقت المبكر بابتعاث شبابها إلى تلك الدول لاكتساب
    الخبرات ، ويعرف الجميع القصة المتواترة عن الزعيم الياباني الذي
    قال إن أجمل الأصوات التي سمعها في حياته هو صوت الماكينة التي
    طورها مهندس ياباني درس الهندسة في إحدى الدول الأوربية .
    الغريب أن تركيز محمد علي باشا عند بداية اتصاله باوربا قبل ذلك
    الوقت بعشرات السنين كان على نقل التكنولوجيا الأوربية الحديثة
    للاستفادة منها في ترسيخ نفوذه في الشرق العربي ، ولكن لسبب
    ما تحول الدارسون المصريون في أوربا بعد ذلك إلى دراسة
    العلوم الإجتماعية بدلا من العلوم الطبيعية مما يشير إلى سوء
    التخطيط الاستراتيجي الذي أضاع فرصة نادرة على
    مصر والعالمين العربي والإسلامي .
    كانت صناعة النسيج هي الرائد في مجال الصناعة عموما في
    اليابان وذلك بسبب تشجيع الدولة لهذه الصناعة بناء على
    سياستها المعلنة للاكتفاء الذاتي في هذا المجال . وقد أتت
    السياسة أكلها فبحلول عام 1897 كانت اليابان من الدول
    المصدرة للنسيج بعد أن كانت من الدول المستوردة في السابق ،
    وقد ساعد توفر الأيدي العاملة الرخيصة المتمثلة أساسا في نساء
    الفلاحين إلى أن تتمكن اليابان من منافسة الدول الأخرى في هذا
    المجال والتفوق عليها . كانت القوة التنافسية اليابانية في هذا
    المجال كبيرة للغاية مما أزعج دولا ذات باع طويل في هذا
    المجال كالولايات المتحدة وبريطانيا حتى شاعت حينها القولة
    المشهورة " الخطر الأصفر " . انتعشت صناعة النسيج انتعاشا
    واسعا خلال الحرب العالمية الأولى عندما انشغلت الدول
    الأوربية بالحرب مما أتاح لليابان فرصة نادرة لغزو الأسواق
    الأسيوية ولعبت هذه الصناعة دورا هاما في قيادة النهضة
    الاقتصادية العامة للبلاد . وفي عام 1918 كانت باليابان
    ستة شركات كبيرة للنسيج لا تقل في حجمها عن معظم
    الشركات العالمية الكبرى عندئذ .
    كانت اليابان ترزح وقتها تحت ما سمي بالاتفاقيات غير
    المتكافئة التي أعطت اليابانيين الإحساس بالدونية وحفزتهم
    للمزيد من العمل الجاد من أجل اللحاق بالدول الغربية
    والتفوق عليها . لذلك فقد اتبعت الحكومة اليابانية منذ ذلك
    الوقت سياسة التركيز على أحد القطاعات الرائدة بغية أن
    يلعب هذا القطاع دوره في قيادة بقية القطاعات في نهضة
    صناعية واقتصادية شاملة وقد تم توجيه كل الإمكانيات
    لدعم الصناعات الرائدة التي يمكن أن تقود لتحقيق هذا الهدف .
    كانت الدول الكبرى تسعى حينها لامتلاك القوة التي تمكنها
    من توسيع الأسواق لمنتجاتها عن طريق بسط نفوذها على
    المستعمرات وقد آثرت اليابان ألا تتخلف في هذا المجال ،
    لذلك فقد وجدت صناعتا الحديد وبناء السفن تشجيعا من
    الحكومة التي دعمت القطاع الخاص وتدخلت بنفسها عن
    طريق الاستثمار المباشر في بعض الأحيان . تولدت عن
    هذا التعاون الوثيق ظاهرة تميز بها الاقتصاد الياباني إلى
    يومنا هذا وهي التنسيق الكامل بين الدولة والقطاع الخاص
    مما عرض اليابان لاحقا للكثير من الهجوم في الدوائر
    الغربية باعتبار أنها تتبع أساليب غير عادلة كالإغراق
    بخفض الأسعار بالنسبة لسلع التصدير ودعم صناعاتها
    حتى تتمكن من المنافسة في السوق العالمي .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-11-2016, 01:56 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    خلال عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي برزت للوجود الشركات
    التجارية الكبرى التي عرفت باسم " زايباتسو " وكانت تعمل في المجال التجاري
    بصفة أساسية إلا أن نشاطاتها الاقتصادية كانت متنوعة لتشمل التصنيع والمواصلات
    وغيرها من المجالات . كان لهذه الشركات دورا هاما في توسيع الأسواق اليابانية
    الخارجية وخاصة في الدول المجاورة والقارة الأسيوية عموما ، كما أن بعضها
    مثل ميتسوبيشي وكاواساكي وهيتاشي ارتادت مجال الصناعات الثقيلة وعلى رأسها
    صناعة السفن والتعدين . ويقول بعض المؤرخين أن هذه الشركات وفي سعيها
    لتوسيع أسواقها كانت تروج بصورة واضحة للأفكار الداعية للتوسع الاستعماري
    خاصة في الدول الأسيوية المجاورة .
    تصادفت هذه الرغبة لدى الشركات الكبيرة مع ظهور العديد من الجمعيات السرية
    خلال العقد الثالث من القرن العشرين والتي كانت تتسم بالتطرف الوطني وتدعو
    لاحتلال اليابان موقعها المستحق بين القوى العظمي عن طريق التوسع الاستعماري .
    بدأ التعاون بين هذه المجموعات والشركات الكبيرة عندما قامت الشركات بتمويل
    جمعيات الدراسة التي تروج لأفكار هذه المجموعات المتطرفة . أدت هذه الأجواء
    إلى وقوع ما عرف في التاريخ الياباني بحادثة منشوريا في عام 1931 عندما قام
    الجيش الياباني الموجود هناك ودون تعليمات من قيادته باحتلال مناطق واسعة من
    منشوريا وهي الحادثة التي قادت في النهاية للحرب اليابانية الصينية والتي استمرت
    لثماني سنوات من 1937 وحتى 1945 .
    أدت الحادثة والحرب التي أعقبتها إلى انتعاش مؤقت في الاقتصاد الياباني وخاصة
    بالنسبة للقطاع الزراعي الذي كان منوطا به توفير الغذاء للجيش الياباني المتعاظم في
    الصين ، وقد كان ترحيب القطاع الزراعي بهذه التطورات كبيرا إذ كان يعيش أزمة
    بسبب الركود الذي عانى منه خلال عقد العشرينات . غير ان الأحداث جرت اليابان بعد
    ذلك كما هو معروف إلى دخول الحرب العالمية الثانية إلى جانب دول المحور في عام
    1941 مما عرضها في السنوات الأخيرة من الحرب إلى قصف متواصل أدى إلى
    دمار اقتصادها وانتشار المجاعة في ربوع البلاد .
    قمت يوما برفقة أحد الأخوان السودانيين وصديق ياباني من المتقدمين في السن بتناول
    وجبة الغداء في أحد المطاعم ، وقد عجبنا عندما سألنا الصديق الياباني إن كنا قد
    عشنا تجربة المجاعة من قبل . ورغم أننا استغربنا السؤال إلا أننا أجبنا بلسان واحد:
    "لا والحمد لله"
    فقال الرجل:
    "لقد سألتكما هذا السؤال عندما لاحظت أنكما قد تركتما كمية من الأرز على
    الصحون مما يدل بأنكما لم تعيشا هذه التجربة المريرة".
    ثم مضى الرجل ليحكي لنا أيام المجاعة في طفولته التي عاشها وقت الحرب
    وكيف أن والدته كانت تضربه ضربا شديدا إذا ألقى بحبة أرز على الأرض ،
    وتقوم بعد ذلك برفعها وغسلها ثم أكلها وقد تعود هو منذ ذلك الوقت ألا يترك
    حبة أرز واحدة على الصحن . ورغم مرور عشرات السنين والعيش الرغد
    الذي ينعم به المجتمع الياباني في الوقت الحاضر إلا أن الرجل قال أنه لا يزال
    يذكر تلك التجربة القاسية ويحس أحياناً أن النعمة قد تزول في أي وقت ويعود
    الحال لما كان عليه في السابق لذلك فإنه وعلى حد قوله يكره الحرب كراهية فائقة.
    ذكرني حديث الرجل برسالة كنت قد كتبتها لإحدى الصحف اليابانية أقارن فيها
    بين المجاعة التي يروح ضحية لها آلاف الأطفال في أفريقيا وبين خبر نشرته
    الصحيفة من أن محلية واحدة في جنوب اليابان تقوم بإلقاء ما يعادل ملايين
    الدولارات من بقايا الأكل في براميل الزبالة وهو أمر يتكرر وللأسف حتى
    في الدول التي يعاني بعض مواطنيها من المجاعة . وأذكر أن الصحيفة قد وجدت
    الرسالة مؤثرة للدرجة التي جعلتها تقوم بترجمتها للغة اليابانية ونشرها في
    نسختها اليابانية ليطلع عليها أكبر عدد من القراء ، والواضح أن الجيل الجديد من
    اليابانيين لا يشاطر صديقي العجوز تجربته . والمشاهد لبعض الأفلام الوثائقية
    عن اليابان بعد الحرب العالمية يدرك مدى الجهد الذي بذله اليابانيون من أجل
    الارتقاء ببلادهم ، تظهر تلك الأفلام الأطفال الهائمين في الشوارع وهم يستجدون
    السابلة من أجل لقمة العيش وهم يرتدون أسمالا بالية مما يذكر الإنسان بحال
    أطفال الشوارع في عدد من دول العالم الثالث ومن بينها بلادنا الحبيبة.
    كان للتقدم الاقتصادي السريع الذي حققته البلاد آثارا سلبية على بعض
    قطاعات الاقتصاد وبصفة خاصة على القطاع الزراعي الذي جاء تطوره
    أقل سرعة من القطاعات الأخرى ، مما جعل البلاد تعاني مما يعرف بالاقتصاد
    المزدوج حيث تسجل بعض القطاعات معدلات نمو عالية بينما تظل الأخرى في
    حالة من الركود أو النمو البطئ. وقد تبع هذه الظاهرة عدد من المشكلات
    الاقتصادية والاجتماعية التي برزت بصورة أكثر حدة خلال فترة النمو
    السريع التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية.
    شهدت فترة الحرب تحول الاقتصاد الياباني بأكمله إلى اقتصاد حرب ، وقد
    عانت البلاد كثيرا بسبب المقاطعة الاقتصادية الأمريكية بعد دخول الأخيرة
    الحرب ضد اليابان في أعقاب الهجوم المفاجئ على ميناء بيرل هاربر. تمكنت
    اليابان بعد احتلال بعض الدول الأسيوية من توفير المواد الخام في الفترة الأولى
    من الحرب إلا أن سنوات الحرب الأخيرة أوضحت بجلاء مواقع الضعف في
    الاقتصاد الياباني وبصفة خاصة النقص الكبير في المواد الخام وعجزه عن
    دعم حرب طويلة ضد القوى العظمى في العالم في ذلك الوقت. وقد اضطرت
    الحكومة إلى وضع يدها على كل ما هو متاح من مواد خام في البلاد وتوجيهها
    نحو التصنيع العسكري حتى إنها قامت بمصادرة عدد من التماثيل المقامة في
    الميادين العامة وصهرها ومن ثم استعمالها في الصناعات الحربية ، وهي
    التماثيل التي أعيد نصبها بعد الحرب بجهد شعبي في الغالب الأعم. ولعل
    الأثر الأكبر على القوة العسكرية اليابانية كان عجز الحكومة عن توفير
    المحروقات بسبب المقاطعة الأمريكية ولاضطراب الأحوال في
    المستعمرات اليابانية المنتجة للبترول في آسيا.
    خرجت اليابان مهزومة من الحرب العالمية الثانية بعد أن ألقيت على
    أراضيها ولأول مرة في تاريخ البشرية قنبلتان ذريتان ، كما أن القصف
    الأمريكي المتواصل في السنوات الأخيرة من الحرب ساهم في تدمير
    الاقتصاد الياباني بصورة تامة. كان الاقتصاد في السنوات الأولي التي
    أعقبت الحرب مشلولاً بصورة تامة وكانت البلاد تعاني من نقص حاد
    في الغذاء ، وارتفاع كبير في نسبة التضخم ، وسوق سوداء شملت كل
    السلع تقريبا. وقد ضاعف من حدة الأزمة عودة ستة ملايين ياباني كانوا
    يقيمون بالمستعمرات اليابانية في آسيا وهي المستعمرات التي فقدتها اليابان
    بسبب الهزيمة في الحرب. انضم الملايين الستة إلى كشف العاطلين عن العمل ،
    وللأفواه الجائعة التي يجب أن تطعم. كان هؤلاء العائدون عبئاً ثقيلاً على
    الاقتصاد الياباني في السنوات التي أعقبت الحرب مباشرة ، ولكنهم بالإضافة
    للمسرحين من القوات المسلحة شكلوا القوى العاملة الرخيصة التي كان
    الاقتصاد يحتاجها عندما بدأ رحلة العوده لعهده السابق مع حلول عام 1951.
    وقعت اليابان بعد هزيمتها في الحرب تحت الاحتلال الأجنبي لأول مرة في
    تاريخها عندما تم تكوين إدارة اسمية للإحتلال من الحلفاء كانت في حقيقتها
    أمريكية فيما عدا تمثيل رمزي لبعض دول الحلفاء. جاءت سلطة الاحتلال تحت
    قيادة الجنرال الأمريكي الشهير دوغلاس ماك آرثر الذي أطلق عليه اليابانيون
    لقب " شوقن " وهو الاسم الذي كان يسمى به الحاكم العسكري تحت النظام الذي
    كان سائداً في اليابان قبل حركة الميجي الإصلاحية في القرن التاسع عشر. بالرغم
    من فقدان اليابان لسيادتها بسبب هذا الاحتلال إلا أن إعادة النظر في تلك الفترة
    تنبئ بأن بعض السياسات التي اتخذها الاحتلال كانت من ضمن الأسباب
    التي ساعدت على النهضة الاقتصادية السريعة التي شهدتها اليابان فيما تلى من سنوات.
    كان القرار بحل القوات المسلحة اليابانية وتضمين ذلك في الدستور سبباً في
    تخفيض الموارد الكبيرة التي كانت توجه نحو تجنيد القوات وتسليحها ، وقد أدى
    هذا إلى توفير موارد هائلة للاستثمار والانتاج. من ناحية أخرى ، فقد اتخذت
    سلطات الاحتلال بعض الخطوات الإصلاحية في مجال الاقتصاد كفك الاحتكار
    الذي كانت تمارسه الشركات الكبيرة والتي عرفت باسم "زايباتسو" مما أتاح
    فرصة واسعة للمنافسة وتحسين مستوى الأداء ، والاصلاح الزراعي الذي أنهى
    النظام الاقطاعي وقام بتمليك الأرض للمزارعين مما كان حافزاً للمزيد من
    الانتاج في هذا المجال المهم ، بالإضافة إلى السماح بحرية التنظيم النقابي مما
    وفر الأمن الوظيفي وساعد كثيراً في ارتفاع مرتبات العمال وبالتالي انتاجيتهم.
    ومع أن سلطات الاحتلال تراجعت بصورة جزئية عن بعض هذه الإصلاحات
    بسبب ظروف الحرب الباردة التي بدأت تطل برأسها في ذلك الوقت ، إلا أن
    ذلك لا ينفي أن الاصلاحات المذكورة ساعدت بصورة واضحة في النمو
    السريع للاقتصاد الياباني في السنوات التي تلت نهاية الحرب ، خاصة وأن
    ذلك توافق مع دعم أمريكي واسع للاقتصاد الياباني وتوسع في الاقتصاد
    العالمي ككل بسبب الموارد التي وجهت لإصلاح ما دمرته الحرب في
    أوربا ومناطق أخرى من العالم.
    انطلق الاقتصاد الياباني مع نهاية الاحتلال فشهدت الفترة من 1955 وحتى
    1965 نسبة نمو بلغت 11% في العام في المتوسط ، وعند مقارنة ذلك مع
    نسبة 4.3% لألمانيا و 4% للولايات المتحدة في نفس الفترة فإنه يمكن إدراك
    السرعة الفائقة التي كان ينمو بها الاقتصاد الياباني. قام هذا النمو السريع على
    الاستثمار في السلع الرأسمالية وقد استفادت الشركات اليابانية من مقدرة
    المواطن الياباني العالية على الادخار مما أدى إلى إتاحة موارد هائلة
    بالإضافة للدعم الامريكي. من ناحية أخرى ، لعبت الحرب الكورية دوراً
    مهماً في نمو الاقتصاد الياباني حيث كانت الشركات اليابانية تمد الجيش
    الأمريكي بمعظم احتياجاته مما جعلها تعمل بطاقتها القصوى في مختلف
    المجالات. شجع هذا النمو الكبير الحكومة اليابانية للإعلان في عام 1960
    عن خطتها الطموحة بمضاعفة الدخل القومي خلال عشرة سنوات ، وعملت
    الحكومة لتحقيق هذا الهدف بتشجيع الادخار والاستثمار ودعم المصانع التي
    تقود النمو والإرتقاء بقطاع التصدير. قامت اليابان كما هو متوقع بتحقيق
    هدفها بمضاعفة الدخل القومي قبل انقضاء السنوات العشرة التي حددت لذلك.
    قرأت كثيرا عن مقدرة المواطن الياباني الفائقة على الادخار مما كان له أكبر
    الأثر في توفير موارد مالية ضخمة للبنوك اليابانية والتي استغلتها في
    الاستثمار في مختلف النشاطات الاقتصادية ، غير أنني عرفت اهتمام
    اليابانيين بالمال مهما كان حجمه محدوداً من حادثتين. الأولى وقعت عقب
    وصولي لليابان مباشرة فبعد أن حاسبت إحدى الفتيات العاملات بأحد
    المحلات كان من المفروض أن تعيد لي مبلغ ثلاثة ينات ويعادل وقتها
    حوالي 15 مليما سودانيًا. وكعادة أهلنا في السودان قررت ألا أنتظر الفتاة
    حتى تعيد لي المبلغ إذ أنه أتفه من أن أنتظره. بعد أن خرجت من المتجر
    وقطعت مسافة حوالي مائة متر إذا بصوت الفتاة تناديني ، التفت ناحيتها
    ووجدتها تحمل صحنا صغيرا فيه 15 مليما وأنفاسها تتلاحق مما يؤكد أنها
    كانت تركض خلفي. مدت إلى الصحن قائلة "لقد نسيت الباقي" ، لم أحاول
    أن أشرح لها السبب وراء عدم انتظاري فقد قدرت أنها لن تفهم.
    وقعت الحادثة الثانية وأنا وقتها طالب في الجامعة. كان الاستاذ المشرف
    على بحثي قد كلف إحدى زميلاتي بمساعدتي في اللغة اليابانية ، وكانت
    هي في نفس الوقت تدرس اللغة العربية. في يوم من الأيام احتجت لمساعدتها
    واقترحت عليها أن نذهب للمقهي المجاور للجامعة بدلاً من الجلوس على كنبة في
    حديقة الجامعة حيث البرد الشديد. وبعد أن أجابت زميلتي على استفساراتي
    سألتني عن بعض المسائل الشائكة عليها في اللغة العربية. عند مغادرتنا المقهى
    دفعت الفاتورة فما كان منها إلا أن أخرجت المبلغ الذي يخصها وقدمته لي.
    رفضت أن أستلم المبلغ قائلاً لها بأنني سأتحمل الفاتورة كاملة ، اندهشت وعللت
    ضرورة دفع ما يخصها لأنها سألتني في اللغة العربية كما سألتها في اللغة اليابانية.
    ضحكت وقلت لها "ولكن أجري عن حصة اللغة العربية أعلى بكثير من ذلك" ،
    ثم تطوعت هذه المرة لأشرح أن عادتنا في السودان هي أن يدفع شخص واحد
    فاتورة المطعم أو المقهي مؤكداً لها أن من المناظر المألوفة عندنا أن ترى عددا
    من الأشخاص يتجادلون بأصوات مرتفعة وكل واحد منهم يصر على تسديد المبلغ.
    ظلت زميلتي تتحين الفرص حتى تمكنت من رد ما اعتبرته جميلاً في أحد الايام.
    أدركت وقتها معنى المثل الياباني الشهير الذي سمعته كثيرا والذي يقول بلغة القوم
    "تادا يوري تاكاكو ناي" ، وهو يعني باللغة العربية ليس هناك ما هو أغلى من المجان.
    تمكنت اليابان بحلول عام 1968 من القفز للمركز الثاني بعد الولايات المتحدة
    مباشرة من حيث حجم الدخل القومي متجاوزة بذلك دولاً كبريطانيا وفرنسا وألمانيا ،
    مما اعتبر معجزة كبيرة بالنسبة لدولة خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي في
    حالة دمار شبه تام. غير أن هذا النجاح لم يكن بالطبع دون ثمن فقد رافقت النمو
    السريع للاقتصاد بعض الظواهر السلبية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-12-2016, 01:11 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    كان التركيز على الصناعات الرائدة التي قادت الاقتصاد نحو هذا الانجاز الضخم سببا في إهمال بعض القطاعات الاقتصادية الأخرى كالزراعة والصناعات الصغيرة مما أثر على مستوي الانتاجية في هذه القطاعات المهمشة. من ناحية أخرى ، فإن تحقيق معدلات النمو بهذه السرعة والتركيز على صناعات بعينها كانت سببا في التضخم الكبير في أسعار السلع الاستهلاكية. ومما عقد الامور بالنسبة للمستهلك الياباني هو أن هجرة واسعة من الريف نحو المدن قد رافقت هذا النمو الاقتصادي مما خلق أزمة حقيقية في الأراضي السكنية وضاعف من أثر التضخم. كان التركيز على القطاعات الرائدة كذلك سبباً في إهمال بعض مشاريع البنية التحتية الهامة مثل الطرق في السنوات الأولى من النهضة الاقتصادية ، كما أن التوسع الكبير في الانتاج ترك أثراً واضحاً على البيئة فظهرت مشكلة التلوث البيئي في العديد من المناطق.سعت الحكومة اليابانية في سنوات الرخاء التي أعقبت النهضة الاقتصادية إلى علاج هذه المشكلات ، ورغم أنها نجحت في علاج الكثير منها إلا أن بعضها مثل مسألة السكن لا زالت تستعصي على صانع القرار الياباني حتى أطلقت الصحافة العالمية على اليابانيين صفة مدمني العمل الذين يقيمون في أقفاص الأرانب (workaholics living in rabbit hutches) كناية عن المنازل الضيقة التي يقيمون فيها. في مجال محاربة التلوث البيئي مارست منظمات المجتمع المدني ضغوطا كبيرة على الحكومة مما اضطرها لاتخاذ العديد من الخطوات في هذا الصدد . ففي السبعينات مثلا بدأت حكومة مدينة طوكيو والتي كانت تحت قيادة عمدة من الحزب الشيوعي الياباني بمنع السيارات من استعمال بعض الشوارع الكبيرة في وسط العاصمة وتخصيص هذه الشوارع للمشاة فقط . كما ألزمت شركات انتاج السيارات بتركيب أجهزة خاصة في السيارات تقلل من عادم السيارات مما أدى لارتفاع أسعار السيارات في اليابان ، وتم تضييق الخناق على السيارات القديمة التي تساهم في تلويث البيئة . تقوم العديد من المدن في اليابان كذلك بتركيب أجهزة قياس الصوت في الميادين العامة والشوارع وتتدخل السلطات في حالة زيادة التلوث الصوتي في هذه الأماكن . ذهبت الحكومة اليابانية لأبعد من ذلك عندما قامت في تسعينات القرن الماضي بتقديم مساعدات اقتصادية للصين لتحديث مصانعها وتحويلها للاعتماد على أنواع أنظف من الوقود حيث أن السموم الصادرة من المصانع الصينية التي تعتمد على الفحم الحجري تساعد في تلويث الجو في اليابان . كان من الطبيعي لليابان التي أحرزت هذا المركز المتقدم في الاقتصاد الدولي أن تبحث عن مكان لمنتجاتها في السوق العالمية ، غير ان هذا الأمر لم يكن سهلا فقد واجهت اليابان العديد من المشاكل مع شركائها التجاريين الرئيسيين خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. وبما أن الولايات المتحدة تعتبر الشريك الأكبر لليابان فإن المشاكل التجارية بين البلدين كانت تحتل دائما المرتبة الأهم. بدأت هذه المشاكل منذ الخمسينات عندما كان الاتهام الموجه لليابان هو محاولة إغراق السوق الأمريكية بالبضائع رخيصة الثمن ، لذلك فقد كان التركيز على ضرورة ممارسة بعض الضوابط على الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة وبصفة خاصة الفولاذ والعربات. وبحلول الثمانينات من القرن الماضي تنوعت المنتجات التي كانت تشتكي منها الولايات المتحدة لكن التركيز انتقل إلى ضرورة اتخاذ الخطوات الضرورية لفتح السوق اليابانية أمام المنتجات والخدمات الأمريكية بغرض تحقيق شئ من التوازن في الميزان التجاري بين البلدين.لم يكن غريبا أن تكون هناك أتهامات متبادلة بين الجانبين بسبب هذه المشكلة ، وقد كان الاتهام الأمريكي الأكبر لليابان هي أن العوائق غير الجمركية تجعل من الصعب على البضائع الأمريكية المنافسة في السوق اليابانية ، بينما كانت اليابان تدفع بالقول بأن انتاجية العامل الأمريكي أقل من انتاجية العامل الياباني وأن الأمريكيين لا يهتمون عادة بدراسة الاسواق الأخرى. يضرب اليابانيون مثلا لهذا بالسيارات الأمريكية كبيرة الحجم التي لا تصلح لشوارع اليابان الضيقة ، كما أنهم يقولون أن مواصفاتها لا تتناسب والبناء الجسدي للياباني صغير الحجم قصير القامة. كانت المفاوضات التجارية بين البلدين من المناسبات التي تتابعها الصحافة وأجهزة الإعلام متابعة لصيقة لأنها كانت تتميز في الكثير من الأحيان بالحدة. وقد اشتكى الأمريكيون في العديد من المناسبات من التباين الثقافي بين الشعبين مما يجعل التفاوض بينهما صعب للغاية ، كما أن بعض الصحفيين اليابانيين لم يكونوا يترددون في اتهام الولايات المتحدة وأوربا بالعنصرية خاصة عندما تتعرض اليابان لهجوم يرونه غير عادل في هذه الدول.ابتكرت اليابان عددا من الاساليب لتفادي الضغط الأمريكي المتواصل عليها من أجل تخفيض صادراتها للولايات المتحدة أو فتح الأسواق اليابانية أمام البضائع الأمريكية ، ومن ضمن هذه الأساليب زيادة المساعدات التنموية للعالم الثالث أو فتح الأسواق اليابانية أمام منتجات الدول النامية. في الثمانينات من القرن الماضي اضطرت اليابان لشراء كميات كبيرة من الأرز والأسماك المعلبة من تايلاند لتخفيف الضغط الأمريكي عليها ، غير ان المستهلك الياباني لم يكن يستسيغ المنتجات المذكورة لذلك فقد قامت اليابان بإرسال هذه الكميات لعدد من الدول الأفريقية من بينها السودان كمساعدات غذائية لمواجهة المجاعة التي كانت تعاني منها هذه الدول. وقد ظلت اليابان لهذا السبب تحتل المركز الأول من بين الدول الغنية التي تقوم بتقديم المساعدات التنموية للدول النامية خاصة في آسيا وأفريقيا خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. اسلوب آخر اتبعته اليابان هو نقل انتاجها من السلع وبصفة خاصة العربات والأليكترونيات للولايات المتحدة واوروبا وبعض الدول في جنوب شرق أسيا فيما سمي في اليابان بظاهرة " كودوكا " أو التفريغ. تمتلك معظم الشركات اليابانية المصنعة للسيارات كالتويوتا والنيسان مصانع لانتاج مختلف الموديلات في الولايات المتحدة وأوروبا ، ولا يظهر انتاج هذه المصانع بالطبع في الاحصائيات الخاصة بالفائض التجاري الياباني مع هذه الدول مما يخفف عليها الضغط. كما أن وجود المصانع في هذه الدول يوفر عمالة مما يجد ولا شك الترحيب من الأحزاب الحاكمة هناك خاصة وأن بعض هذه الدول تعاني من مشكلة عطالة كبيرة. ولعل المستهلك يلاحظ اليوم أن معظم المنتجات المشهورة في صناعة الأليكترونيات اليابانية التي تصل بلادنا تأتي في الحقيقة من دول مثل ماليزيا أو أندونيسيا أوتايلاند. يوفر انتقال الصناعة اليابانية إلى دول جنوب شرق آسيا بالطبع ميزة أخرى وهي تخفيض تكلفة الانتاج بسبب قلة تكلفة الأيدي العاملة في هذه الدول بالمقارنة مع اليابان.كان السودان على رأس قائمة الدول الأفريقية التي تتلقى الدعم التنموي من اليابان في الثمانينات ، وبالإضافة للمنح الكبيرة التي تقدمها اليابان في شكل دعم غذائي مباشر أو مساعدات في مجال انتاج الغذاء فإنها كانت تهتم أيضا ببعض المشاريع الصغيرة. تمكنا في مطلع الثمانينات عندما كنت مسئولا عن الشئون الثقافية بالسفارة من الحصول على منحة في حدود خمسين ألف دولار لإعادة تأهيل مطبعة جامعة الخرطوم ، وقد انتهزنا هذه الفرصة لإقناع الجانب الياباني بدعوة أحد كبار المسئولين بالجامعة لزيارة اليابان وقد كان غرضنا من الزيارة هو فتح مجالات للتعاون بين الجامعة والجهات المانحة في البلاد. عند التحضير للزيارة اتفقت مع المسئولين في وكالة الدعم الدولي اليابانية ( جايكا ) على تقديم هدية سنوية في شكل كتب لمكتبة جامعة الخرطوم تبدأ بما قيمته خمسة آلاف دولار سنويا وتتزايد حسب جدية الجامعة حتى تبلغ عشرين ألف دولار في العام. عندما طرحت على المسئول الزائر هذه الفكرة رفضها تماما ، وقد كان للرجل رأي نحترمه وإن لم نتفق معه وهو أن قيمة الهدية في مبتدأها (خمسة آلاف دولار) بسيطة للغاية وهو لا يرى داع لطلب مثل هذا المبلغ من اليابانيين. لم تجد محاولاتنا مع الرجل لإقناعه بأن الغرض ليس هو المبلغ في حد ذاته وإنما بداية التعاون بين الجانبين مما قد يفتح مجالات أوسع في المستقبل.من الأحداث الطريفة التي وقعت في ذلك الوقت كذلك هو أننا طلبنا مساعدة إحدى الشركات اليابانية للحصول على منحة لأحد المشاريع في السودان وذلك لعلمنا بأن الشركة المعنية ستكون راغبة في تنفيذ المشروع المذكور. زارني أحد المسئولين بالشركة في أحد الأيام بالسفارة ليبلغني أنه مضطر للسفر إلى واشنطن للاستعانة بالخارجية الأمريكية للضغط على الحكومة اليابانية للموافقة على المنحة التي طلبناها. عندما لاحظ الرجل استغرابي حول الامر أكد لي بأن تصرفه هذا يعتبر من الأشياء المعتادة خاصة وأن وزارة المالية المسئولة عن التصديق على القروض تتمنع في بعض الأحيان. تضطر وزارة الخارجية في مثل هذه الحالة للجوء إلى طلب المساندة من جهات بعينها في الولايات المتحدة خاصة تلك التي تبدي اهتماما بمستوى الدعم الياباني للدول النامية في إطار تناول المشاكل التجارية بين البلدين. ورغم أن الأمر قد يبدو غريباً للقارئ الكريم كما بدا لي عندما طرحه علي مسئول الشركة اليابانية لأول مرة ، إلا إنه يعكس ولا شك مدى تشابك مصالح الدول خاصة على أيام الحرب الباردة. كما أن مثل هذا التصرف يؤكد خطل النظرية المعمول بها في السياسة الدولية والقائلة بأن لكل دولة من الدول مصلحة قومية عليا متفق عليها ، فالواضح هنا أن تفسير المصلحة القومية يختلف من جهة إلى أخرى داخل الحكومة نفسها ناهيك عن اختلاف وجهات النظر بين الحكومة والقطاع الخاص أو مجموعات الضغط المختلفة.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-13-2016, 00:51 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-13-2016, 01:24 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    تعتبر اليابان من أكثر بلاد العالم تجانسا من الناحية العرقية في الوقت الحاضر ، إلا أنها كانت على
    مدى تاريخها الطويل موطنا للعديد من السلالات البشرية . تشير الحفريات إلى أن الإنسان قد عاش في
    اليابان منذ مائتي ألف عام تقريبا ، غير أن الهجرات التي كونت السلالة اليابانية الحالية قد توافقت كما
    يقول علماء التاريخ القديم مع الهجرات الواسعة التي بدأتها قبل حوالي عشرين ألف سنة الأجناس القوقازية
    والزنجية التي كانت تقطن آسيا الوسطى . يقول المؤرخون أن هذه الهجرات أخذت اتجاهين ، أحدهما إلى
    جنوب غرب آسيا واستراليا والآخر إلى شمال شرق آسيا . يرى بعض المؤرخين أن الجنس الذي سكن
    اليابان في البداية هو ما يعرف حاليا بقبائل الآينو وهي قبائل قوقازية تمت إزاحتها بواسطة الهجرات
    اللاحقة والقادمة من الجنوب حتى لم يبق منها إلا عدة آلاف في جزيرة هوكايدو في أقصى الشمال . تقول
    الدراسات التاريخية أن الآينو قد جاءوا أساسا من سيبيريا وأنهم استوطنوا في جزر سخالين الروسية
    والجزر اليابانية وأنهم يشكلون حاليا بقايا ما عرف بشعب "جومون" الذي استوطن اليابان قبل 13000 عام .
    تعرض الآينو للاضطهاد عبر تاريخهم الطويل من جانب الجنس المسيطر حاليا في اليابان ، وقد شهدت مناطقهم
    في جزيرة هوكايدو العديد من الانتفاضات ضد الحكومة المركزية غير أن أسلحتهم المتخلفة كانت تخسر دائما أمام
    أعدائهم الأكثر تطورا . منذ بداية عهد ميجي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي أصدرت الحكومة اليابانية
    المركزية عددا من القوانين التي تنظم وجود الآينو ، وقد ساعدت هذه القوانين في دمجهم في المجتمع الياباني بعد
    أن حوربت لغتهم وثقافتهم حتى إنهم لا يستطيعون التسمي بأسماء أسلافهم إذ أن كل من يرغب في الحصول على
    الجنسية اليابانية لا بد له من التسمي باسم ياباني . وقد تزاوج الآينو بصورة واسعة مع اليابانيين ففقد الكثيرون منهم
    سماتهم المميزة كما إنهم اضطروا لهجر العديد من عاداتهم التي تختلف عن عادات الأغلبية . وبما أن الحكومة
    اليابانية لا تعترف بالآينو كأقلية فإنه لا توجد إحصائيات بأعدادهم وتختلف التقديرات بين 25 ألفا ومائة ألف
    استطاع الآينو عبر منظمات المجتمع المدني والدعم الذي وجدوه من بعض المنظمات الغربية الحصول على
    اعتراف الأمم المتحدة بهم كسكان أصليين لليابان وذلك بمناسبة عام السكان الأصليين في بداية التسعينات من القرن الماضي .
    يقيم ما تبقى من أفراد قبيلة الآينو حاليا في قرى أشبه بالمعسكرات التي يقيم بها الهنود الحمر في الولايات
    المتحدة بدعوى الحفاظ على هويتهم وثقافتهم . وقد شاء الله أن أقوم بزيارة إحدى هذه القرى عند زيارتي لهوكايدو
    في بداية الثمانينات من القرن الماضي ، وقد لاحظت أن سكان هذه القرية يختلفون شكلا عن اليابانيين إذ تظهر
    فيهم بوضوح الملامح القوقازية كما تختلف ثقافتهم وبصفة خاصة الدين عن الثقافة السائدة . ويقوم المواطنون
    في هذه القرى ببيع التحف التي تمثل ثقافة الآينو والتي تختلف عن الثقافة السائدة ، وقد علمت أنهم فقدوا مصادر
    عيشهم المتمثلة في صيد الأسماك وقطع الأخشاب بعد أن منعتهم القوانين اليابانية من ممارسة هذه المهن .
    العنصر الغالب في اليابان حاليا هو العنصر المنغولي إلا أن بعض علماء الأجناس يقولون بأن جوانب هامة من
    الثقافة اليابانية ومن بينها اللغة تؤكد أن هناك عنصر ماليزي قوي في التركيبة اليابانية . ويعتقد بعض المؤرخين
    أن اتساع الإمبراطورية الصينية في التاريخ القديم قد أدى لإزاحة العديد من الأجناس التي يعتقد أن بعضها ربما
    عبر إلى اليابان عن طريق أوكيناوا أو غيرها من الجزر الجنوبية . وتقول بعض النظريات أن الجزر اليابانية
    وخاصة الجنوبية منها قد شهدت عبر التاريخ القديم هجرات متواصلة من منطقة جنوب شرق آسيا وأن ثقافة
    أوكيناوا وبقية الجزر إلى الجنوب منها كانت شيئا واحدا إلى أن انفصلت إلى ثقافتين تختلفان عن بعضهما البعض
    قبل ألفي عام تقريبا ، مما قد يفسر العامل الماليزي في الثقافة اليابانية . أما بالنسبة للعنصر المنغولي الغالب
    فالاحتمال الأكبر أنه قد جاء عبر المضيق الذي يفصل بين اليابان وشبه الجزيرة الكورية .
    يقدر سكان اليابان في الوقت الحالي بحوالي مائة وعشرين مليون نسمة إلا أن نسبة النمو السكاني في البلاد
    تعتبر من أقل النسب في العالم وذلك بسبب عزوف النساء عن الزواج المبكر وتنظيم الأسرة . وبالرغم من
    أن الحكومة لا تتخذ سياسة رسمية لتحديد النسل كما هو الحال في الصين أو سنغافورة مثلا ، إلا أن حجم العائلة
    آخذ في التناقص عاما بعد عام . وتقول الإحصائيات أن متوسط عدد الأطفال بالنسبة للعائلة الواحدة يزيد قليلا
    عن طفل واحد ويقل عن الطفلين . وقد صدرت أخيرا بعض التقارير التي تشير إلى أن عدد سكان اليابان ربما
    ا يتقلص لأقل من خمسين مليونا بحلول منتصف القرن الحالي مما أثار قلق الحكومة التي بدأت في دراسة
    الخطط الكفيلة بتشجيع زيادة النسل . يقول بعض المحللين أن تناقص السكان سيؤثر حتما على الوضع
    الاقتصادي في البلاد ويتنبأ بعضهم بأن اليابان ربما تنضم إلى مجموعة ما يعرف بالدول النامية بحلول
    عام 2050 إذا استمر معدل التناقص على ما هو عليه الآن .
    تعاني اليابان من مشكلة أخرى تقلق مضاجع المسئولين وهي زيادة عدد المسنين بسبب العناية الطبية
    المتطورة والانخفاض في نسبة المواليد ، مما يعني أن القوة العاملة في البلاد تتناقص بصورة تؤثر سلبا
    على الاقتصاد في المدى البعيد . وتمثل برامج رعاية المسنين هاجسا للحكومة التي تسعى من عام لآخر
    لتقليل تكلفتها بتحميل المسنين بعضا منها ، إلا أن خطط الحكومة في هذا الصدد تواجه بالكثير من المعارضة .
    ومن الظواهر الملفتة للنظر تزايد أعداد المهاجرين من أرباب المعاشات خاصة لبعض دول الجوار في جنوب
    شرق آسيا حيث تكفي مدخراتهم لمقابلة تكاليف المعيشة التي تعتبر معقولة جدا بالمقارنة باليابان . وجدت بعض
    المحليات في الفلبين الفرصة سانحة فقامت ببناء القرى المجهزة بكل أسباب الراحة والعلاج في محاولة لاجتذاب
    مدخرات المسنين اليابانيين للاستفادة منها في تصريف أمور هذه المحليات ودعم الاقتصاد
    الفلبيني الذي يسجل معدلات عالية من النمو .
    ويبدو أن المسنين يعانون فعلا في اليابان إذ أن الإحصائيات تشير إلى أن نسبة الطلاق بينهم أعلى بكثير
    منها بين الشباب . ويعزي بعض المحللين الاجتماعيين ذلك إلى أن استقلال الأبناء بحياتهم الخاصة يجعل الكثير
    من المسنين الذين أبقوا على الرباط المقدس فقط من أجل سعادة الأبناء أكثر استعدادا لفصم عراه . ولعل مما يشير
    إلى تعاسة المسنين في اليابان كذلك ارتفاع نسبة الانتحار في أوساطهم وهو أمر ينسبه المحللون النفسيون للشعور
    بالإحباط بعد بلوغ هذه السن في بلاد تقدس الشخص المنتج ، كما أن تقدم السن يرتبط بانتشار الأمراض المزمنة التي
    تستعصي على العلاج . الغريب أيضا أن اليابان تملك أعلى نسبة انتحار بين الأطفال في العالم . ولعل مفهوم اليابانيين
    عموما عن فكرة الانتحار كما سنرى لاحقا واحد من الأسباب وراء ارتفاع نسبته في البلاد .
    يعتبر الابن الأكبر في التقاليد اليابانية هو المسئول عن والديه المسنين وهو أمر لا زال متبعا لدرجة ما في الريف ،
    غير أن الوضع في المدن مختلف حيث انتشرت دور العجزة والمسنين للقيام بهذا الدور . ويعتقد البعض أن إقامة المسنين
    في ملاجئ خاصة بهم أفضل إذ أنها تتيح لهم الفرصة للاختلاط بمن هم في سنهم خاصة وأن الأبناء والأحفاد في شغل
    عنهم . تقوم دور المسنين بإعداد البرامج المناسبة للترويح عن نزلائها كما أن عددا من المتطوعين يقدمون الخدمات
    الضرورية لهم ، وبالرغم من انتشار هذه الدور فإن هناك عددا من المسنين اليابانيين يعيشون بمفردهم في منازلهم
    التي هجرها الأبناء . وكثيرا ما تشاهد في الطريق سيدة عجوز وقد انحنى ظهرها حتى كاد وجهها أن يلامس
    الأرض وهي تحمل سلة في طريقها للبقالة لشراء حاجياتها .
    تخصص الحكومة اليابانية يوما وطنيا لاحترام المسنين يجري خلاله تكريم عدد منهم كما تقام البرامج الترفيهية
    التي تجمع بينهم وبين أفراد عائلاتهم . ولعل أهمية هذا اليوم تكمن في أنه المناسبة التي يتم خلالها تسليط الضوء
    على المشاكل التي يعاني منها المسنون والبحث عن حلول لها . إلا أنه بالرغم من هذا الجهد فإن الكثيرين يتحسرون
    على الأيام الماضية ويشكون من أن المجتمع الياباني يتراجع شيئا فشيئا عن عاداته الحميدة في التعامل مع كبار السن
    . ويقول بعض المعلقين الاجتماعيين أن كبار السن أقلية ذات مشاكل خاصة وأن التعامل معهم يجب أن يكون من
    هذا المنطلق فهم مثل المعاقين مثلا في حاجة إلى أن يلتفت المجتمع بصورة أكبر لمشاكلهم المتزايدة .
    بالرغم من التناغم العرقي في اليابان والذي أشرنا له سابقا فإن هناك بعض الأقليات العرقية التي تقيم في البلاد ،
    ولعل أهم هذه الأقليات من حيث العدد الأقلية الكورية التي يقدر عدد أفرادها بثلاثة أرباع المليون نسمة . جاء أغلب
    الكوريين لليابان في الفترة من 1910 وحتى 1945 عندما كانت بلادهم تحت الاستعمار الياباني . كانت للاستعمار
    الياباني في كوريا طبيعة خاصة إذ أن السلطات الاستعمارية كانت تهدف إلى إذابة الهوية الكورية تماما واتخذت
    في ذلك أساليب منها فرض اللغة اليابانية كلغة للتفاهم كما فرضت على الكوريين استخدام الأسماء اليابانية . لذلك
    فإن الكوريين الذين نزحوا لليابان في ذلك الزمن البعيد لم يكن أمامهم إلا الانصهار في المجتمع الياباني ، وقد نتج
    عن هؤلاء المهاجرين جيل جديد لا يتحدث إلا اللغة اليابانية ولا يعرف له وطنا سوى اليابان ولكنهم لا زالوا يعاملون
    كالأجانب . والجالية الكورية في اليابان جالية مؤثرة للغاية وتمتلك البنوك والمؤسسات الاقتصادية العملاقة ، بل
    والمدارس والجامعات الخاصة بها . والغريب في الأمر أن الجالية أكثر انحيازا لكوريا الشمالية ، وربما كان
    السبب وراء ذلك هو أن غالبية أعضائها قد نزحوا أصلا من الشق الشمالي من كوريا أو ربما لأن كوريا الشيوعية
    أكثر اهتماما بتنظيم الجالية . وقد ظلت تنظيمات الجالية تقوم بدور السفارة في ظل انقطاع العلاقات الرسمية بين البلدين .
    بالإضافة للأقلية الكورية وأقلية الآينو التي تناولناها سابقا ، فإن هناك أقلية ثالثة تعرف باسم " بوراكومين " وهي
    أقلية مضطهدة بالرغم من أنه لا يمكن التفريق من حيث الشكل بين أعضاء هذه الأقلية والعنصر الغالب في اليابان .
    ويبدو أن اضطهاد هذه الأقلية قد جاء من حقيقة مهنة الجزارة التي يمارسونها والتي كانت من المهن المضطهدة في
    العهد الإقطاعي . ولا زال اليابانيون يرفضون التزاوج مع أفراد هذه الأقلية ، كما إنهم لا يفضلون الحديث عن وجودها .
    وتتعامل الحكومة والشعب الياباني مع حقيقة وجود هذه الأقلية بالكثير من الحذر .
    ويبدو أن عزلة اليابانيين الطويلة في عهد توكوقاوا قد جعلتهم قليلي الخبرة في التعامل مع الأقليات ، فاليابان لا
    زالت من أقل الدول الصناعية استقبالا للطلاب الأجانب بالرغم من أنها ظلت الدولة الأكثر تقدما في محيطها
    الآسيوي مما يعني أنها كان من المفترض أن تكون القبلة لكل الدول المجاورة الباحثة عن التكنولوجيا الحديثة .
    ورغم أن الطلاب الآسيويين يمثلون أكثر من 90% من الطلاب الدارسين في اليابان ، إلا أن جملة الطلاب
    لا تقارن مع عدد الطلاب الأجانب الذين يدرسون في دول أوربية كفرنسا أو بريطانيا دع عنك الولايات المتحدة
    الأمريكية . تظهر عدم خبرة اليابانيين بوضوح في تعاملهم مع اللاجئين إذ أن قوانين اللجوء في اليابان تعتبر
    من أكثر القوانين تعقيدا وتعكس عدم ترحيب المجتمع الياباني باللاجئين . وقد عايشت في نهاية السبعينات
    وبداية الثمانينات مأساة اللاجئين الفيتناميين الذي عرفوا في الصحافة باسم " أهل القوارب " ، وقد لجأ العديد
    من هؤلاء إلى الشواطئ الآسيوية بما فيها شواطئ اليابان بعد رحلات قاسية على قوارب صغيرة في
    عرض البحر أدت لوفاة العديد منهم .
    لم يتعرض اللاجئون الفيتناميون في اليابان لما تعرضوا له في هونغ كونغ مثلا من معاملة قاسية ، إلا أن
    البيئة في اليابان لم تكن مرحبة وكان المفهوم السائد هو أن اللاجئين سيظلون في البلاد إلى حين الحصول
    على ملجأ آخر في الولايات المتحدة أو أوروبا . لذلك فإن برامج الحكومة اليابانية لاستيعاب هؤلاء اللاجئين
    في المجتمع الياباني لم تكن جادة وقد اكتفت الحكومة بإنشاء المعسكرات المؤقتة مع تطبيق بعض برامج بدائية
    في اللغة اليابانية . لهذا السبب فإن اللاجئين الذين اضطرتهم ظروفهم للبقاء في اليابان ظلوا يعانون كثيرا
    وظهرت بين العديد منهم بعض الآثار النفسية السالبة ، بينما ارتحلت الغالبية العظمى للولايات المتحدة
    وأوروبا . في التسعينات من القرن الماضي وصلت مجموعات من المواطنين من أقطار العالم الثالث غير
    الآسيوية بحثا عن اللجوء في اليابان ومن بينهم عدد بسيط من السودانيين ، إلا أن حظهم لم يكن بأفضل من
    حظ اللاجئين الفيتناميين الذين سبقوهم . هناك بعض الهيئات والأفراد الذين يعملون بنشاط كبير لجعل اليابان
    أكثر ملائمة للعيش بالنسبة للأجنبي لاجئا كان أو غير ذلك إلا أن هناك الكثير من الخطوات التي لا بد من
    اتخاذها قبل أن تبلغ اليابان مصاف الدول الصناعية الأخرى في هذا المجال .
    اللغة هي من نعم الله على عباده فلولاها لما تمكن الناس من التواصل ولقل كثيرا كسبهم في مجالات
    الإبداع والعلوم ، ولكن اختلاف اللغات بالرغم من أنه من النعم الظاهرة أيضا إلا أنه يقف حجر
    عثرة في طريق التفاهم التام بين مختلف بني البشر. واللغة هي أول مظاهر الثقافة في أي بلد من
    البلاد يواجهها الشخص الزائر ، وكثيرا ما يجد الإنسان أن اللغة المستعملة في الدولة التي يزورها
    غريبة على مسامعه وكلما بعد البلد الذي يزوره كلما كانت لغته أكثر غرابة . وبالنسبة للغة اليابانية
    فإنها تبدو للوهلة الأولى غريبة وغير منطقية ، فبالإضافة لغرابة نطق الكلمات فإننا لم نعهد بالطبع
    شكل الحروف المختلفة التي تكتب بها . يستعمل اليابانيون لكتابة لغتهم الحروف الصينية والتي
    يطلقون عليها اسم "كانجي" بالإضافة لنوعين آخرين من الحروف الأبجدية تم استنباطها من
    الرسومات الصينية نفسها وهي "هيراغانا" و "كاتاغانا" . وتشتمل الجملة الواحدة من اللغة
    اليابانية في العادة على كل هذه الأنواع من الرسومات والحروف مجتمعة مما يجعل الأمر أكثر تعقيدا .
    .


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-13-2016, 01:14 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    لم تكن اللغة اليابانية مكتوبة حتى القرن السادس الميلادي عندما استقدم اليابانيون الرسومات الصينية لكتابة لغتهم ضمن ما استقدموا من أوجه الثقافة الصينية في عملية يراها بعض المؤرخين أكبر عملية لنقل حضارة دولة ما إلى دولة أخرى . ونسبة للاختلاف الكبير في تركيب الجمل والأفعال بين اللغتين أضطر اليابانيون حوالي القرن التاسع الميلادي لاستنباط حروف هجائية تضاف للرسومات الصينية حتى يتمكنوا من تشكيل الأفعال بالصورة التي تتناسب ولغتهم أطلقوا عليها اسم " كانا " وانقسمت كما ذكرنا سابقا إلى هيراغانا وكاتاغانا . وبينما تستعمل هجائية " هيراغانا " بالإضافة للرسومات الصينية في كتابة الأفعال اليابانية والكلمات المشتقة منها ، فإن هجائية " كاتاغانا " تستعمل فقط لكتابة الكلمات الأجنبية التي دخلت حديثا على اللغة اليابانية بما في ذلك أسماء الأشخاص والمناطق الأجنبية. ونسبة للكمية الكبيرة من الكلمات الأجنبية في اللغة اليابانية بسبب تفاعل اليابانيين المتزايد مع العالم الخارجي فقد ازداد استعمال الكاتاغانا بصورة ملفتة للنظر. بل إن بعض دوائر المعارف اليابانية التي تصدر سنويا تفرد بابا خاصا في طبعاتها الجديدة للكلمات الأجنبية التي دخلت اللغة اليابانية خلال ذلك العام. شهدت اللغة اليابانية على مدى تاريخها الطويل دخول العديد من الألفاظ الأجنبية وقد أصبحت الكلمات الصينية والهندية لطول عهدها من صميم اللغة بحيث يصعب حتى على اليابانيين في الوقت الحالي معرفتها . أما اللغات الأوربية فقد بدأت بالبرتغالية التي كان لها سبق الاتصال باليابان ثم الإسبانية وتلت ذلك معظم اللغات الأوربية الأخرى كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية . وتوجد الكلمات المستعارة بصورة أوضح في المجالات التي تعلمها اليابانيون من الدول الأخرى ، فالكلمات الصينية أكثر انتشارا في مجالي الفلسفة والدين والفرنسية واضحة جدا في الموضة والفنون والدبلوماسية بينما تنتشر الكلمات الإنجليزية في العلوم والقانون والألمانية في الطب … الخ . في البداية كان اليابانيون يأخذون نطق الكلمة الأجنبية ويقومون بكتابتها بالرسوم الصينية غير أن الأسلوب المتبع حاليا هو كتابة الكلمة بهجائية " كاتاغانا " . وكما هو الحال بالنسبة لمعظم اللغات فإن بعض الكلمات الأجنبية عندما تدخل اللغة اليابانية فإنها تتحرف وتكتسب معنى جديدا يختلف عن معناها في اللغة الأم ، ومن تلك الكلمات مثلا الكلمة الإنجليزية ( moody ) التي يستعملها أهلها لوصف الشخص متقلب المزاج في حين يستعملها اليابانيون وبنفس النطق لوصف المكان الذي يبعث في النفس إحساسا رومانسيا رقيقا. ومن الطرائف أن أسماء أهالي جزيرة أوكيناوا كانت تكتب بحروف الكاتاغانا المخصصة للأسماء الأجنبية عندما كانت الجزيرة خاضعة للاحتلال الأمريكي في الفترة من الحرب العالمية الثانية وحتى سبعينات القرن العشرين بالرغم من أن أسماءهم لا تختلف عن أسماء اليابانيين في الأقاليم الأخرى من البلاد ، وما أن انتهى الاحتلال الأمريكي حتى استعاد سكان أوكيناوا الحق في كتابة أسمائهم بالرسومات الصينية شأنهم في ذلك شأن بقية إخوانهم اليابانيين. ليس للغة العربية نصيب في اللغة اليابانية الحديثة سوى كلمة واحدة كما تقول المصادر وهي كلمة " جبة " بمعنى جلباب ويعتقد أن الكلمة دخلت من منطقة شمال الصين حيث الأثر الإسلامي الواضح . غير أنني لاحظت شيئا غريبا وهو أن المرأة اليابانية تستعمل كلمة " أناتا " وتنطق في بعض مناطق البلاد "أَنْتَ" تأدبا مع زوجها وتفاديا لنطق اسمه مباشرة ، وهي بالطبع نفس الكلمة تقريبا التي كانت تستعملها النساء ولذات السبب في بعض الأقاليم السودانية عند مخاطبة أزواجهن.ومما يزيد الأمور تعقيدا فإن اليابانيين عندما قاموا بتبني الرسومات الصينية لكتابة لغتهم فقد قاموا كذلك بنقل نطقها الصيني الأصلي فأصبح بذلك لكل رسم من الرسومات الصينية أكثر من نطق في اللغة اليابانية . فنطق رسمة ماء مثلا يختلف إذا كنا نتحدث عن الماء فقط أو كنا نتحدث عن الفيضان الذي يتكون من شكلين احدهما يشير إلى الكثرة والآخر يشير إلى الماء . وبعض الرسومات لها أكثر من نطق في اللغة الصينية نفسها نسبة لاختلاف لغات الأقاليم هناك وقد قام اليابانيون في بعض الأحيان بنقل النطق الصيني بمختلف أنواعه . والرسم في اللغة اليابانية يعبر عادة عن معنى وتقول الدراسات اللغوية أن البداية كانت هي رسم شكل الشئ الذي يراد التعبير عنه كما هو ومع مرور الزمن تم تجريد الأشكال حتى تسهل كتابتها في شكل خطوط مستقيمة ، وحسنا فعلوا وإلا لعجز أمثالنا ممن يجهلون أبجديات الرسم عن نقل أفكارهم للآخرين كتابة . تتكون بعض الرسومات الصينية من كمية هائلة من الخطوط المتقاطعة قد تبلغ أحيانا سبعة عشر خطا أو يزيد ، ويؤدي عدم كتابة أي خط من هذه الخطوط أو وضعه في غير موضعه إلى تغيير المعنى أحيانا. للتعبير عن المعاني المجردة فإن استعمال تركيبات تتكون من أكثر من شكل يعتبر ضروريا ، فكلمة راحة أو إجازة مثلا تتكون من شكل الإنسان بالإضافة لشكل الشجرة مما يفيد بأن المزارع يقضي بعض الوقت تحت ظل الشجرة للراحة من عناء العمل . أما كلمة حب فهي عبارة عن مركب من شكلي امرأة وطفل ، وهو تعبير بليغ إذ ليس هناك عاطفة أكثر صفاء من حب الأم لوليدها . يبدو انه ليس هناك إحصائية معتمدة لعدد الرسوم الصينية في اللغة اليابانية إلا أن الرقم المتفق عليه هو أن عدد هذه الرسومات يبلغ ما بين أربعين إلى خمسين ألفاً . بالرغم من هذه الوفرة في الرسومات فإن اليابانيين استعملوا في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية حوالي خمسة آلاف إلى ستة آلاف رسم فقط. قامت وزارة التعليم اليابانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية بتحديد 1850 رسما لتدرس لأطفال المدارس كأساس لتعلم اللغة ثم عادت ورفعت العدد إلى 1945 في عام 1981 وهو العدد الذي يحتاجه الإنسان حاليا للاطلاع على الصحف السيارة دون صعوبة ، كما قام القانون بإضافة 284 رسما وذلك خصيصا لكتابة أسماء الأشخاص . أما إن أراد الإنسان الغوص في مجاهل اللغة أو العودة لبعض المراجع التاريخية القديمة فإن حصيلة الألفي رسم لن تكون كافية وعليه الإلمام بأضعاف هذا العدد . يرى الكثيرون من الأجانب أن كتابة اللغة اليابانية معقدة أكثر من اللازم وهناك من حين لآخر دعوات وسط الأجانب لكتابتها بالحروف اللاتينية إذ أن ذلك أسهل في اعتقادهم . ولا يبدو أن مثل هذا الجدل يشغل بال اليابانيين كثيرا إذ يبدون في غاية الراحة مع نظام كتابتهم المعقد ، كما أن التطور الكبير في مجال الكمبيوتر قد جعل كتابة اللغة اليابانية لأغراض الطباعة أكثر سهولة من السابق . وبالإضافة للحفاظ على الشخصية الوطنية فإن هذا التعقيد يخدم في اعتقادي غرضا هاما إذ أن هناك العديد من الكلمات اليابانية متشابهة في النطق ولكنها مختلفة في المعنى وبالنظر للرسم فإن الإنسان يستطيع أن يدرك المعنى فورا وهو أمر لا يتوفر في حالة كتابة اللغة بالحروف اللاتينية كما يدعو البعض . تقوم في الصين المجاورة حاليا حملة كبيرة لتسهيل كتابة اللغة الصينية وذلك عن طريق اختصار الرسومات بحيث تعطي المعنى دون الحاجة لعدد كبير من الخطوط المتقاطعة ، وتعتبر العملية الصينية مرحلة جديدة من مراحل كتابة اللغة التي مرت بالعديد من المراحل في التاريخ القديم والحديث . ورغم أن حركة مشابهة لم تبدأ بعد في اليابان إلا أننا لا نستبعد أن يقوم اليابانيون في المستقبل باستنباط أسلوب أسهل لكتابة لغتهم خاصة وأن الكمبيوتر قد فتح آفاقا واسعة في هذا المجال . ولعل تشابه النطق واختلاف الكتابة بالنسبة لبعض الرسومات هو السبب وراء حاجة اليابانيين للنظر إلى الرسوم لمعرفة المعاني الحقيقية لأسماء بعضهم البعض وكيفية كتابتها ، وكثيرا ما تسمع أحد اليابانيين وهو يسأل الشخص الذي تعرف عليه للتو عن كيفية كتابة اسمه. عندما تعلمت اللغة اليابانية بدأت أبحث عن رسومات يمكن عن طريقها نطق أسمي الأخير " باشا" و بعد طول تفكير اهتديت إلى اختيار رسمة " با " وتعني الحصان ثم " شا " وتعني العربة ، والتركيبة تعني عند اليابانيين العربة التي يجرها الحصان أي الحنطور وإن أصبح بعض الأصدقاء السودانيين ينادونني بالكارو عندما رأوا الرسم . لجأت لأحد اليابانيين لمساعدتي في اختيار اسم أكثر رقة فكان أن اختار لي رسمتين بنفس النطق ولكنهما تعنيان حسبما قال لي حبات الرمل الصغيرة على الشاطئ ، وقد أعجبني المعنى الجديد وإن كان يذكرني بأسماء الهنود الحمر في أمريكا . ويحتاج الإنسان أحيانا لاختيار إسم بالرسومات اليابانية لأن القوم هناك يستعملون الأختام بدلا عن التوقيع ويتفننون في صناعة الأختام من العاج أو البلاستيك المقوى أو الأخشاب الثمينة حسب المقدرة المالية لصاحب الختم . وقد اغتنيت كغيري ختما للتوقيع على الوثائق الرسمية باسمي الجديد خاصة وأن مكان التوقيع في الوثائق يكون عادة عبارة عن دائرة صغيرة على حجم الختم ولا تحتمل توقيعاتنا كبيرة الحجم . من الطرائف أن أحد اليابانيين قام باختيار كلمة " الشيطان " اسما لطفله الوليد ، وعندما رفضت السلطات المحلية تسجيل الطفل بهذا الاسم الغريب قام الأب وفي إصرار عنيد بتعديل الرسومات التي يكتب بها الأسم لتعطي معنى آخر ولكنها تحتفظ بنفس نطق كلمة " شيطان" . يحدد القانون الياباني الرسومات التي يمكن استعمالها لكتابة أسماء الأطفال ويرفض تسجيل اسم أي طفل خارج عن النطاق المحدد .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-16-2016, 01:13 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-15-2016, 02:24 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    عانيت في أيام وصولي الأولى لليابان كثيرا في عملية التحرك داخل المدينة فقد كانت كل اللافتات وأسماء المناطق مكتوبة بالرسومات الصينية ، كما أنه كان من الصعب جدا وجود شخص يتحدث الإنجليزية لإرشادي على المكان الذي أريده . ورغم أن اليابانيين قوم في غاية اللطف وأن الواحد منهم على استعداد لتعديل طريق سيره في سبيل إيصالك للمكان الذي تريد ، إلا أنهم يتهيبون كثيرا الحديث للأجانب فما أن تحاول لفت انتباه أي منهم بعبارة إنجليزية حتى يهز يده كناية عن عدم المعرفة باللغة ويمضي مسرعاً. كنت أقيم في حي يسمى " شبويا " من الأحياء المعروفة وسط المدينة وهو يتكون من شكلين هما " شبو " و " يا " وقد تبرع أحد الإخوان السودانيين تعليمي شكل الحرف الأخير لمعرفة البصات التي تتجه إلى ذلك الحي عندما أحتاج لاستعمالها نسبة لأن الشكل الأول الذي يتكون منه الإسم معقد بعض الشئ . نجحت هذه الخطة تماما في البداية ولكني أدركت أهمية الرسمة الأولى بتكلفة عالية وذلك عندما فقدت طريقي يوما ووصلت عن طريق الخطأ إلى منطقة أخرى اسمها " يوتسويا " تتفق مع شبويا في الرسم الأخير " يا " ولكنها تختلف عنها في شكل الرسم الأول ، وقد عانيت يومها ما عانيت للعودة إلى "شبويا " . اضطررت بعدها إلى حفظ الاسم كاملا ، بل إنني أعددت قاموسا صغيرا فيه أسماء المناطق التي أزورها من حين لآخر . تغير الموقف كثيرا عندما زرت اليابان في عام 1994 حيث وجدت أن الكثير من اللافتات في العاصمة أصبح يكتب بالحروف اللاتينية بالإضافة للحروف الصينية مما سهل الأمور كثيرا على الأجانب . يعتبر اهتمام اليابانيين بموسيقى الحروف – خاصة حروف المد – من المصاعب التي تواجه الأجنبي عند دراسة اللغة اليابانية ، فتطويل صوت الحرف أكثر من اللازم قد يعنى تحولا كبيرا في معنى الكلمة. مثالا لذلك فقد ظللت أعاني طوال إقامتي باليابان من عدم المقدرة على التفريق بين كلمتي الجسر والعصا التي تستعمل في تناول الطعام إذ أن نطقهما متشابه للغاية مع اختلاف بسيط جدا في موسيقى نهاية كل منهما. والخطأ في نطق الكلمات قد يقود كما هو معروف لمواقف طريفة ومحرجة. ومن الروايات المتواترة في هذا الصدد قصة الضيف الأجنبي الذي زار عائلة يابانية وكما هي عادة الناس هناك قام بخلع حذائه عند مدخل المنزل. وعندما انحنت ربة المنزل أمام الضيف لتقوم بالواجب المتمثل في إعادة وضع الحذاء بالوضع الذي يجعل ارتداءه سهلا عند الخروج ، أراد الضيف أن يتندر على حجم قدميه الكبيرين إلا أنه بدلا من أن يقول " ما أكبر الحذاء " قال " ما أكبر العجيزة " وذلك عندما أخطأ في نطق كلمة حذاء "كوتسو" قائلا بدلا عنها عجيزة "كيتسو". وللقارئ أن يتخيل مدى دهشة السيدة التي كانت لا تزال في وضع الانحناء ومدى حرج الضيف عندما رأى رد فعلها.من غرائب اللغة اليابانية كذلك انفراد النساء بأسلوب خاص بهن في الحديث يبدو أكثر تهذيبا من أسلوب الرجال. كما أن المناطق المختلفة في اليابان تتميز بلهجات مختلفة تجعل الخبير يحدد بسهولة المكان الذي ينتمي له المتحدث. أدى انتشار التعليم والراديو والتلفزيون ووسائل المواصلات المختلفة إلى بروز لغة مشتركة هي لغة العاصمة طوكيو مع انحسار الغالبية العظمى من اللهجات. إلا أن هناك لهجتان لا زالتا تنافسان لهجة العاصمة وهما لهجة كيوتو العاصمة القديمة لأكثر من ألف عام ولهجة أوساكا العاصمة التجارية للبلاد ، ويدعي سكان طوكيو أن لهجة أوساكا أقرب إلى حديث النساء ويسخرون من رجال تلك المناطق عندما يتحدثون بلهجتهم الناعمة. يعاني بعض الذكور من المقيمين الأجانب من نفس المشكلة إذ أن المدارس تدرس عادة اللغة المهذبة ، كما أن اعتماد الكثيرين على ممارسة اللغة في الحديث مع الجنس الآخر يجعل لغتهم أقرب للغة السيدات. يستغل اليابانيون التشابه في نطق بعض الكلمات مع الاختلاف البين في معانيها لتقديم مسرحيات فكاهية تعتمد أساسا على التلاعب بمثل هذه الألفاظ ، وأرجو أن نتمكن من الحديث عن هذا النوع من المسرح عند تناول الحركة الثقافية في اليابان لاحقا. ورغم مهارة اليابانيين في هذا النوع من الفن الراقي فإنهم يتركون لدى الأجنبي الإحساس بأنهم يفتقرون لروح الفكاهة إذ أنهم نادرا ما يفهمون النكات الأجنبية أو أسلوب الفكاهة الأجنبية . ويبدو أن الأمر لا يختص باليابانيين وحدهم بل يشمل بقية أهل تلك المنطقة ، إذ أذكر أن الممثل الأمريكي الهزلي بوب هوب عندما زار الصين على أول أيام انفتاحها على العالم كان يحكي للجمهور الصيني فاصلا من النكات الرائعة بيد أن القاعة كانت غارقة في الصمت. عندما لاحظ بوب هوب عدم انفعال الجمهور التفت للمترجم قائلا " إما أن تكون النكات التي أرويها غير مضحكة أو أن الترجمة غير أمينة ". وعندما قام المترجم بنقل معنى هذه الجملة للجمهور انفجر الحضور ضاحكين فزاد اندهاش بوب هوب. يهتم اليابانيون كثيرا باستعمال اللغة المهذبة في مخاطبة الآخرين ويستعملون الألقاب عند الحديث ، فكلمة "سان" عندهم تعني سيدة أو سيد ولكنهم عندما يرغبون في استعمال الأسلوب المهذب فإنهم يستعملون كلمة "ساما". ومن الأشياء التي لم أجد لها تفسيرا مقنعا حتى الآن هي أن القوم هناك يستعملون نفس المفردة ( أوكياكو ) للإشارة للضيف والزبون. ورغما عن سؤالي المتكرر للعديد من الأصدقاء اليابانيين إلا أنني لا زلت في حيرة من أمري ولا أدري إن كان السبب وراء ذلك هو أن اليابانيين يعاملون الضيف كالزبون أم أن العكس هو الصحيح. وللغة اليابانية تركيباتها الخاصة بها ، فترتيب الجملة اليابانية هو عبارة عن ( فاعل + مفعول به + فعل ) ، فجملة " أكل الولد الطعام " مثلا تأتي على النسق الياباني " الولد الطعام أكل ". ومن عجائب اللغة اليابانية أن تركيب الجمل فيها يبدو معكوسا ، فالمستمع لا يستطيع أن يحدد إن كانت الجملة في الماضي أو الحاضر أو إن كانت منفية أو مثبته إلا بعد الاستماع لنهايتها وهي عملية صعبة جدا بالنسبة للمبتدئين خاصة في حالة الجمل الطويلة .ظلت اليابان معزولة عن العالم الخارجي لمدة قرنين من الزمان خلال فترة حكم أسرة توكوقاوا منذ منتصف القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي . وتقول بعض الروايات التاريخية أن حكام أسرة توكوقاوا أرادوا إبعاد الأثر الأجنبي عن البلاد بعد أن بدأت بعض البعثات التبشيرية الأوربية تدعو للمساواة بين البشر أمام الرب وهو أمر لم يكن مفهوما في المجتمع الياباني الإقطاعي الذي يقوم على الفصل التام بين الطبقات . كان الإقطاعيون وجنودهم من الساموراي على قمة النظام الطبقي بينما كان المواطنون العاديون في أدني السلم الاجتماعي ولم تكن اليابان قد سمعت وقتها بحقوق الإنسان . كانت العزلة على البلاد محكمة للغاية بحيث لا يسمح للسفن الأجنبية بالرسو في الموانئ اليابانية باستثناء ميناء واحد في جنوب غرب البلاد حيث يمكن أن يتم التبادل التجاري في نطاق محدود للغاية ، وقد كان اليابانيون يلصقون بالأجانب في ذلك الوقت صفة الوحشية والبربرية . أما بالنسبة للمواطن الياباني الذي يلقي به حظه العاثر على سواحل إحدى الدول الأجنبية فإنه سيتهم حتما بالتجسس ويكون مصيره عند العودة للبلاد الموت المحقق . تركت هذه العزلة المجيدة آثارا واضحة على الشخصية اليابانية ، فاليابانيون لا زالوا يتحاشون الاختلاط بالأجانب متمترسين خلف لغة غريبة ومعقدة وعزوف عن الحديث باللغات الأجنبية . ومع أن نظام التعليم يفرض على الطالب دراسة اللغة الإنجليزية ابتداء من الصف الأول بالثانوي العام ، إلا أن اليابانيين عرفوا بالضعف الشديد في اللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية عموما مما خلق مشكلة حقيقية عندما فرضت الظروف الاقتصادية والسياسية على اليابان الانفتاح على العالم بصورة أكبر . ولعل ضعف اليابانيين الشديد في تعلم اللغات الأجنبية يعود إلى أن لغتهم تقع ضمن مجموعة لغوية صغيرة للغاية حسب التقسيمات التي يعتمدها علماء اللغة وتختلف بالتالي في تركيباتها عن معظم لغات العالم ، هذا فضلا عن تطور نظام التعليم الياباني وتحقيق معدلات عالية من النمو والتقدم الاقتصادي مما جعل الياباني العادي لا يحس بأنه في حاجة لتعلم اللغات الأخرى . وهو أمر ينطبق على بعض المتحدثين بالإنجليزية كالأمريكيين والأستراليين ، إلا أنه من حسن حظ هؤلاء أنهم يتحدثون اللغة العالمية الأولى في الوقت الحاضر . ولعل اليابان هي الدولة الوحيدة بين الدول الكبرى التي لا يتحدث وزراؤها أي لغة غير لغتهم الأم مما يجعل مساهماتهم في المؤتمرات الدولية لا تتناسب وحجم بلادهم الاقتصادي . ولاحظت أثناء إقامتي باليابان أنهم يهتمون جدا بالمشكلة التي تواجههم بسبب اللغة على الصعيد الدولي . هناك بالطبع عدد كبير من المتحدثين باللغات الحية بما في ذلك اللغة العربية في وزارة الخارجية والشركات الكبيرة التي يعم نشاطها مختلف أنحاء العالم ، ورغم مقدرة اليابانيين في تجاوز حاجز اللغة بصورة كبيرة بفضل حركة الترجمة والبحث العلمي الواسعة ، إلا أن عجزهم في اللغة الإنجليزية بصفة خاصة قلل كثيرا من مساهمتهم على المستوى الدولي . من الطرائف التي تروى عن السياسيين اليابانيين وعجزهم عن التحدث بالإنجليزية ما حدث خلال إحدى الزيارات التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لليابان . طلب رئيس الوزراء الياباني من مساعديه تدريبه على تحية الرئيس الأمريكي باللغة الإنجليزية ، فعلموه أن يسأل الرئيس عن حاله ثم قالوا له أن الرئيس غالبا ما يرد بأنه بخير ويسأل بدوره رئيس الوزراء عن حاله كذلك وفي هذه الحالة على رئيس الوزراء أن يقول باختصار شديد وأنا كذلك . وعند اللقاء بين الزعيمين أخطأ رئيس الوزراء سائلا الرئيس الأمريكي : " من أنت ؟ " بدلا عن " كيف حالك ؟ " عندما خلط بين الكلمتيـن الإنجليزيتين how)) بمعنى كيف و (who) بمعنى من . رد الرئيس الأمريكي مازحا : " أنا زوج السيدة هيلاري " فما كان من رئيس الوزراء إلا أن ردد ما حفظه من معاونيه : " وأنا كذلك " . وجدت هذه الطرفة تغطية واسعة في الصحافة اليابانية في حينها وكانت حديث المجتمعات .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-16-2016, 01:16 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-16-2016, 01:53 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)




    Skip to content
    instant Humour
    The best jokes and humor stuff on the net
    • ABOUT IH

    • CONTACT


    • TOP JOKES
    When Mori Met Clinton
    POSTED ON BY ADMIN
    English is a difficult language ……. for some!
    This is a true story from the Japanese Embassy in US.
    A few years ago, Japanese Prime Minister Mori was given some basic English conversation training before he visited Washington and met President Bill Clinton.
    The instructor told Prime Minister Mori, “When you shake hands with President Clinton, please say ‘how are you’.
    Then Mr. Clinton will say, ‘I am fine, and you؟’
    Now then you should say ‘me too’.
    Afterwards we, translators, will do the work for you.’ ”
    It looks quite simple, but the truth is…

    When Mori met Clinton , he mistakenly said ‘who are you؟’ (instead of ‘how are you؟’)
    Mr. Clinton was a bit shocked but still managed to react with humor: ‘Well, I’m Hillary’s husband, ha-ha…’
    And Mori replied ‘me too, ha-ha.. .’
    Then there was a long silence in the meeting room.
    POSTED IN FUNNY JOKES
    .

    ههههههههههههه

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-16-2016, 02:06 AM)
    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-16-2016, 02:08 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-17-2016, 12:58 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    لتجاوز مشكلة العجز في اللغة الإنجليزية فإن حركة واسعة للترجمة تنتظم اليابان في
    الاتجاهين وإن كانت الترجمة من اللغات الأخرى لليابانية تفوق كثيرا الترجمة من
    اليابانية للغات الأخرى . في فترة نقل التكنولوجيا والعلوم الغربية كانت بعض الجامعات
    تفرض على طلابها وأساتذتها ترجمة الأعمال الهامة في مجال تخصصهم وهو شئ أشبه
    ببيت الحكمة الذي أنشأه الخليفة العباسي المأمون لنقل علوم الحضارات القديمة للعربية .
    أما الآن وقد أصبحت مساهمات العلماء اليابانيين الأصلية في مجال العلوم والتكنولوجيا
    لا تقل أهمية عن مساهمات رصفائهم الغربيين فإن الترجمة من اليابانية إلى اللغات
    الأخرى تحتاج إلى مجهود حقيقي للاستفادة من هذا التراث الإنساني. الغريب في الأمر
    أن الترجمة في مجال الأدب الياباني تقدمت كثيرا حيث قام عدد من الأمريكيين
    والأوروبيين بترجمة الأعمال الأدبية اليابانية الراقية قديمها وحديثها للغات الأجنبية
    بصورة رائعة للغاية ، ولعل السبب وراء ذلك يكمن في فوز عدد من الأدباء
    اليابانيين بجائزة نوبل للآداب .
    في اليوم التالي لوصولي إلى طوكيو خرجت بصحبة أحد زملائي بالسفارة للتعرف
    على معالم المدينة . وبعد جولة حول بعض المعالم دلفنا لدخول أحد المقاهي لأخذ
    قسط من الراحة ومشروب ساخن يقينا البرد الشديد الذي كان يلف المدينة . ما إن
    فتح باب المقهى وقدمت رجلي إلى الداخل حتى تعالت أصوات كل العاملين بالمكان
    " إراشاي " ، فوجئت بهذا الصراخ فقفلت راجعا للخارج بصورة غريزية اعتقادا مني
    بأن خطأ ما قد وقع خاصة وأن المكان لم يبدو لناظري كالمقاهي التي تعودت عليها .
    ما كان من مرافقي إلا أن ضحك ملء شدقيه مشيرا إلى أن هذه هي طريقة اليابانيين
    للترحيب بالزبائن والكلمة تعني حرفيا مرحبا . تعودت على هذه الكلمة فيما بعد فهي
    تسمع في كل مكان مكتبا كان أو منزلا أو محلا تجاريا ، وهي من الكلمات المحببة
    التي تعكس مدى ترحيب الياباني بالزائر واستعداده لتقديم كل ما بإمكانه لإسعاد ضيفه .
    ومن الكلمات التي لا تخطئها أذن الزائر لليابان في الأيام الأولى كلمة " هي " بفتح
    الهاء وسكون الياء وتنطق أحيانا أطول قليلا " هاااي " وهي كلمة تحمل الكثير من
    المعاني اعتمادا على حالة الاستعمال فقد تعني نعم أو حاضر أو موافق أو مفهوم أو
    لمجرد الدعوة للاستمرار في الحديث لذلك فإنها أكثر الكلمات ورودا في أحاديث اليابانيين .
    يحس الأجنبي ما عدا أبناء الجنس الأصفر من الكوريين والصينيين بغربته طوال الأربعة
    وعشرين ساعة ما دام خارج منزله. فبينما يمكن للناس من كل جنس ولون التجول في
    طرقات أمريكا مثلاً دون أن يحس بهم أحد فإنه ما إن تطأ قدما الأجنبي أرض الشارع في
    أي مدينة يابانية إلا ويبدو كالغراب الأبيض واضحا لكل ذي عينين . ويبدو أن هذا الإحساس
    قد خلق ألفة بين الأجانب ، فقد لاحظت أنني عندما أسير في الطريق أتلقى التحايا
    والابتسامات من الأجانب بغض النظر عن جنسهم أو لونهم ودون سابق معرفة. ولعل
    الحائط السميك الذي يفصل بين اليابانيين وغيرهم والمسمى باللغة اليابانية يساعد في تأكيد
    الإلفة بين الأجانب في تلك البلاد. وكتأكيد لغربة الأجنبي فإنني لا زلت أذكر ذلك الكلب
    الصغير الذي ظل يلتفت بين الحين والآخر ليمعن في شخصي النظر بعد أن تقاطعت سبلنا
    في ذات ليلة صيف في إحدى مدن الريف الياباني ، فقد كاد الفضول أن يقتل ذلك الكلب فظل
    يقف مرة بعد أخرى ليعيد النظر في هذا الشخص الغريب بالرغم من محاولات صاحبته
    المستمرة لحثه على الإسراع في السير. لا غرو أن اليابانيين يستعملون كلمة "alien" التي
    تعطي الانطباع بالقدوم من كوكب آخر في وثائقهم الرسمية بدلا من كلمة "foreigner"
    الأكثر شيوعاً في الدول الأخرى .
    كنت في أيامي الأولى أقصد ما يسمى بصوالين التخاطب بالإنجليزية وهي عبارة عن
    مقاه يرتادها اليابانيون الذين تضطرهم ظروفهم العملية لاستعمال اللغة الإنجليزية ويرغبون
    في تقوية مهاراتهم التخاطبية بهذه اللغة. لاحظت بعد عدة زيارات أن أغلب رواد هذه
    المقاهي هم في الحقيقة من الأجانب الذين يتوقون للتحدث بلغة مفهومة ، ورغم أن
    الإنجليزية هي اللغة السائدة في هذه الأماكن إلا أن روادها يأتون من كل فج عميق. راقت
    لي فكرة هذه المقاهي فقد كانت مكانا حقيقيا للتعرف وتلاقح الأفكار وتمنيت لو أنها طبقت
    عندنا خاصة بعد التدني المريع في اللغة الإنجليزية بين طلاب المدارس والجامعات في بلادنا .
    بعد مرور شهر على إقامتي باليابان وقعت على سر كان له أثر كبير في تغيير مجرى حياتي
    بالبلاد . ففي الوقت الذي بدأت ألعن فيه حظي العاثر لعدم مقدرتي على الاتصال المباشر
    بأهل البلاد ، اكتشفت بمحض الصدفة أن القوم لا يجيدون الحديث بالإنجليزية إلا أن
    بالإمكان أن يتواصلوا عن طريقها كتابة . ومنذ ذلك اليوم كنت أتسلح دائما بدفتر وقلم
    للحديث تحريريا – إن صح التعبير – مع من التقي بهم من اليابانيين ، وكانت حيلتي في
    بداية الحديث هي ترديد جملة واحدة بلغة القوم توحي بأنني أتحدثها . ورغم أن هذه
    الجملة لم تكن تتعدى الثلاث كلمات إلا أنها كانت كافية لإذابة الجليد والبدء في حوار
    تحريري شيق . وقد احتفظت ببعض دفاتري لفترة من الزمن وكنت أجد متعة
    بالعودة إليها من وقت لآخر .
    تتباين معرفة اليابانيين بأحوال الدول والشعوب الأخرى بقدر أهميتها بالنسبة لهم ،
    فالولايات المتحدة والصين وكوريا مثلا من الدول التي يتابع اليابانيون التطورات
    فيها بشئ من الاهتمام أما أفريقيا والعالم العربي فإنهم يجهلون الكثير عنهما. وكم
    تكون دهشة الياباني كبيرة عندما يعلم أن أفريقيا ليست دولة واحدة بل هي قارة
    تضم أكثر من خمسين دولة ، ورغم أن الغالبية العظمي تعرف أبو الهول والأهرام
    إلا أن القليلين منهم يعرفون أين توجد هذه الآثار التاريخية الهامة. أما السودان فحدث
    ولا حرج وكنا دائما نصفه أحيانا بالبلاد التي تقع غرب إثيوبيا ، وقد اشتهرت إثيوبيا
    بين كبار السن من اليابانيين بسبب الأداء الرائع للعداء أبيبي بيكيلا في أولمبياد طوكيو
    في عام 1964 أما بالنسبة لصغار السن فقد عرفت إثيوبيا عن طريق ما نقله التلفزيون
    حول الجفاف والمجاعة التي ضربت البلاد في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.
    ومن المقالات الطريفة التي نشرتها إحدى الصحف اليابانية ما كتبه أحد الإخوان من
    غانا يقول فيه أن أحد اليابانيين سأله إن كان صحيحاً أنهم يقيمون في الأشجار في
    أفريقيا ، فأجاب الغاني أي نعم وأن أكبر شجرة في عاصمة بلاده هي مقر رئيس
    الدولة أما الشجرة التي تليها في الحجم فهي منزل السفير الياباني .
    عايشت تجربة قريبة من تجربة الأخ الغاني المشار إليها أعلاه . قضيت السنوات
    الأولى من حياتي في طوكيو في منطقة تبعد قليلا عن المركز التجاري الكبير
    المعروف باسم شبويا . تميزت المنطقة بالهدوء وكنت أقضي جانبا من وقتي خاصة
    في عطلة نهاية الأسبوع في مقهى صغير قريب من المنزل الذي أقيم فيه تديره سيدة
    يبدو أنها في العقد السادس أو السابع من عمرها تسمى ناكامورا . كان الغرض من
    زيارة هذا المقهي هو تزجية وقت الفراغ ، وتناول كوب من القهوة ، ومحاولة الحديث
    باللغة اليابانية مع السيدة ناكامورا أو مع رواد المقهى وكنت قد بدأت وقتها دراسة اللغة
    التي استهوتني كثيرا . كنت مساء يوم في طريقي للبقالة لتناول بعض الأشياء ،
    وعندما تجاوزت المقهي سمعت صوتا يقول:
    " باشا سان ... باشا سان " وكلمة " سان " توازي كلمة سيد في اللغة العربية وهي
    الطريقة التي ينادي بها القوم بعضهم بعضا وتستعمل أيضا للسيدات .
    التفت فإذا السيدة ناكامورا عند باب المقهى .
    " كونبان وا ... " جاء صوتها وتعني مساء الخير
    " كونبان وا ... " كان ردي عليها ، واشارت إلى بالدخول إلى المقهى .
    عندما دخلت إلى المقهى أشارت السيدة ناكامورا للتلفزيون الذي كان
    يعرض برنامجا عن إحدى القبائل الأفريقية . كان معظم البرنامج عن
    الأبقار التي تمثل مركز حياة أفراد القبيلة على حد قول التعليق المرافق
    فقد كان الأطفال يمسحون أجسادهم النحيلة بالرماد ويتحركون برشاقة
    شديدة مع الأبقار من مكان لآخر . سألتني السيدة ناكامورا:
    " هل تعيش بهذه الصورة عندما تعود إلى بلادك ؟ "
    " هناك الكثير من الناس في بلادي يعيشون بهذه الصورة ، ولكن هناك
    من يعيشون في مدن مثل طوكيو حيث توجد المقاهي والبقالات وسبل
    الحياة الحديثة وهو أمر ينطبق على معظم دول القارة الأفريقية والعالم
    الثالث " كان ردي على السيدة ناكامورا . وقد اندهشت السيدة ناكامورا
    عندما قلت لها أنني أشاهد مثل هذه البرامج فقط عندما أكون في دول مثل
    اليابان رغم علمي بأن هذا النوع من الحياة يوجد في كل أنحاء بلادي ،
    فالمسئولون عن التلفزيون عندنا يرون في عرض مثل هذه الأفلام أمرا
    مخجلا لا يليق بدولة حديثة .
    انصب حديث السيدة ناكامورا بعد ذلك عن السعادة التي كانت تغمر وجوه
    الصبيان وتعاملهم الرقيق مع الحيوانات من حولهم وتناغمهم الكامل مع الطبيعة .
    لم تلاحظ السيدة ناكامورا الفقر الشديد للصبية وأجسادهم الناحلة ، كما إنها لم
    تلاحظ أنهم عراة من أي شئ يسترهم . قفزت إلى ذهني وقتها اجتماعات لسفراء
    الدول الأفريقية بطوكيو يتحدثون فيها دائما عن تقديم احتجاج لهذه القناة التلفزيونية
    أو تلك لأنها قدمت فيلما مهينا عن أفريقيا . كنت كلما حضرت مثل هذه
    الاجتماعات بعد ذلك حكيت تجربتي مع السيدة ناكامورا التي رأت في البرنامج
    أشياء تختلف تماما عما كنا نراه نحن في اجتماع مجلس السفراء .
    عندما كنت مسئولا عن الشئون الثقافية بالسفارة في مطلع الثمانينات من القرن
    الماضي أقامت إحدى الهيئات معرضا عن قبائل جبال النوبة أساسه عدد من
    الصور التقطتها إحدى المصورات الألمانيات في المنطقة. وقد ركزت المصورة
    على القبائل التي تسكن في مناطق نائية من الجبال وكان أفرادها حتى ذلك الوقت
    يعيشون على سجيتهم عراة دون أي لبس يسترهم خاصة فيما يتصل بالرجال منهم.
    اكتسب المعرض الذي عقد في واحد من أكبر المحلات التجارية في طوكيو شهرة
    واسعة ، مما حدا بواحدة من أشهر القنوات التلفزيونية للسعي نحونا في السفارة
    للحصول على إذن بتصوير فيلم عن هذه القبيلة وعرضه في التلفزيون الياباني.
    ولعلمي بأن الفريق التلفزيوني سيجد طريقة ما لتنفيذ الفيلم الذي يرغب في تصويره
    حتى إن لم نتعاون معه ، رتبت لقاء مع مخرج الفيلم ومنتجه وعرضت عليهم فكرة
    جديدة لسيناريو الفيلم تشمل تصوير المدن المعروفة في منطقة الجبال مثل كادوغلي
    والدلنج لعكس حياة الناس هناك كذلك ، إذ أن ذلك أدعى للمتعة بالنسبة للمشاهد كما
    إنه أكثر فائدة من الناحية التعليمية حيث يشير إلى التنوع في أساليب الحياة في المنطقة
    والتطور الذي تشهده . صدق حدسي فبعد عودة الفريق التلفزيوني من السودان أفادني
    أفراده بأن مرافقهم من وزارة الإعلام - وكان من أبناء جبال النوبة - منعهم من تصوير
    حياة القبائل المنعزلة ، إلا أنهم تمكنوا من خداعه وتصوير اللقطات التي كانوا يرغبون
    في تصويرها. واعتقادي أن الفيلم كان من أفضل الأفلام التي عرضت عن السودان على
    التلفزيون الياباني حيث لم يكتف بالتركيز على ما نسميه المناطق المتخلفة ولكنه تحدث
    بصورة مفصلة عن الحياة الاقتصادية والثقافية في منطقة جبال النوبة مما عكس
    صورة حقيقية لما كان يجري هناك.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-19-2016, 03:39 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    ******
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-19-2016, 12:56 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    من أكثر ما كان يثير الضيق في اليابان هو اختلاف مقاييس الأشياء ، فالأبواب قصيرة للغاية والغرف ضيقة وأحواض غسيل الوجه منخفضة. ورغم طول إقامتي فكنت أعاني كثيرا كلما عدت من إجازتي من السودان فارتفاع الأبواب في المنازل اليابانية لا يفوق عادة 170 سنتمترا بينما يبلغ طولي 183 سنتمترا ، ويتبع ذلك بالطبع إصابات الرأس وكدماته. كنت أعاني كذلك بصورة كبيرة عندما أذهب لمشاهدة فيلم أو ركوب البص إذ أن المساحات بين الكراسي ضيقة للغاية وكنت دائما أحجز المقعد القريب من الممر في قاعة السينما لأتمكن من تمديد رجلي أما في البصات فكنت افضل الوقوف. كانت من مشاكلي المستعصية أيضا عدم وجود ملابس مناسبة الطول لذلك فكنت أقوم بتفصيل ملابسي في هونغ كونغ نسبة لارتفاع تكلفة التفصيل باليابان. كان الترزية من هونغ كونغ يزورون طوكيو من حين لآخر ويقومون بأخذ المقاييس وإرسال الملابس من هناك. وأول تجربة لي مع ترزية هونغ كونغ كانت طريفة بعض الشئ ، فعندما أرسل لي الترزي القمصان التي طلبتها لاحظت أن أكمامها قصيرة للغاية. في أول زيارة للترزي إلى طوكيو عنفته فقال معتذرا إنه عندما نقل القياسات لأصحاب المحل كان رد فعلهم أنه لا بد أن يكون قد أخطأ في تسجيلها ، وأنه لا يمكن أن يكون هناك إنسان بهذه الأيدي الطويلة. لا أدري إن كان اليابانيين لا زالوا يصرون على مقاساتهم القديمة خاصة وأن الإحصائيات تقول أن الشباب أكثر طولا من آبائهم بفضل تغيير نوع الغذاء .لعل من المشاكل التي تواجه المسلم في اليابان هي كثرة استعمال لحم الخنزير ومشتقاته في إعداد الطعام . وبما أنني كنت مضطرا لتناول معظم وجباتي بالمطاعم حيث قضيت الفترة الأولي من حياتي هناك عازبا ، فقد واجهت الكثير من المواقف الصعبة . ما إن وصلت إلى طوكيو حتى تبرع أحد الأخوان بتعليمي كلمة خنزير باللغة اليابانية منبها إياي ألا أنسى السؤال عن كل نوع من الطعام يوضع أمامي إن كان يحتوي على لحم الخنزير ، وكم كانت خيبة أملي كبرى عندما اكتشفت لاحقا أن القوم يستعملون كلمات مختلفة للأنواع المختلفة من لحم الخنزير وأنهم يستعملون دهن الخنزير في طهو اللحوم وصنع الحلويات مما عقد الأمور كثيرا بالنسبة لي . والغريب في الأمر أن كلمة خنزير في اللغة اليابانية وتنطق " بوتا " قريبة الشبه جدا من معبودهم " بوذا " والذي ينطقون اسمه بالدال بدلا من الذال ، وقد كنت حريصا على النطق الصحيح حتى لا أجرح شعور السامعين . أدركت بعد فترة أن حذري لم يكن ضروريا فالخنزير عند أهل البلاد ليس بالكراهة التي نحسها كمسلمين ، بل إن من أكثر لعب الأطفال شعبية ما يكون في شكل خنزير . ولا أستبعد إن كان عدد من القوم يعبدون الخنزير نفسه والعياذ بالله ضمن ما يعبدون من آلهة غريبة .من المشاكل التي واجهتني أيضا فيما يتعلق بالطعام استعمال اليابانيين للكحول في العديد من المأكولات والمشروبات . فقد لاحظت في الحوانيت زجاج للنبيذ بأحجام كبيرة ومدهشة وعندما سألت عنه جاءتني الإجابة بأن هذه الأنواع من النبيذ تستعمل للطبيخ فقط . تضاف الكحول كذلك للحلويات والخل وبعض المشروبات الغازية ، وبعد أن تعلمت اللغة اليابانية كنت أجدني أقضي وقتا طويلا لقراءة محتويات كل الأشياء الموضوعة أمامي . وبعض مناضد المطاعم عند القوم أشبه بشفخانات القرى عندنا من كثرة ما يضعون من زجاجات تساعد محتوياتها في تحسين مذاق الطعام . من المشاكل التي واجهتنا في البلاد كذلك مسألة الذبيح ، فالقوم هناك لا يدينون بديانة سماوية . ورغم بعض الترخيص الذي وصلنا إلا أننا كنا نجتهد لأن ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا . خلال أيام الدراسة بالجامعة اشتهرنا نحن السودانيين الأربعة الذين كنا ندرس بالجامعة بأكل السمك وتحاشي بقية أنواع اللحوم ، لذلك فإن العاملين بمطعم الجامعة كانوا يهتمون دائما عند حضورنا للمطعم بإخطارنا بأطباق السمك المختلفة . وذات يوم بينما كنت بمكتبة الجامعة إذ حضر شخص يسأل عني ، وعندما أخطرني موظف المكتبة بذلك ولم أكن أتوقع أحدا قلت " اللهم أجعله خيرا " . فوجئت أمام مدخل المكتبة بأحد العاملين بمطعم الجامعة الذي جاء خصيصا ليخطرني بوجود أطباق من السمك في ذلك اليوم . فرض علي هذا الاهتمام والجهد المقدر من إدارة المطعم إلتزاما أخلاقيا بضرورة تناول وجبة السمك في ذلك اليوم بالرغم من عدم رغبتي في ذلك .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-22-2016, 01:47 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-21-2016, 05:01 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    كان الانطباع الذي خرج به كل من شاهد المسلسل التلفزيوني الشهير "أوشين" أن اليابانيين قوم يعشقون العمل لدرجة الإدمان وهو أمر لا يجافي الحقيقة كثيراً.
    معروف عن الموظفين اليابانيين أنهم لا يعودون إلى منازلهم بعد انتهاء ساعات العمل مباشرة إذ أن أغلبهم يعملون ساعات إضافية ومن المألوف أن تجد بعضهم
    يعملون حتى ساعات متأخرة من الليل. غير أن عددا من الموظفين يبقون بالمكاتب دون عمل إضافي أو يمرون على مناطق اللهو قبل العودة لمنازلهم. وإذا عرف
    السبب زاد العجب ، فالزوجات اليابانيات على عكس رصيفاتهن في كل أنحاء العالم لا يحبذن عودة أزواجهن مبكراً من العمل إذ أن ذلك يقلل من قيمة الأزواج
    الاجتماعية باعتبار أن الوظائف التي يشغلونها ليست ذات أهمية. ويتأثر نمط حياة الأسرة اليابانية كثيراً بهذه الحقيقة ، فبسبب غياب الزوج المتواصل عن المنزل
    تقوم الزوجة بأغلب الواجبات الأسرية بما في ذلك إدارة ميزانية العائلة ومتابعة أداء الأبناء في المدارس. فالمرأة اليابانية هي أول من يصحو من بين أفراد العائلة
    في الصباح الباكر وهي آخر من يأوي للفراش في المساء ، وقد يعني ذلك أن على الأم أن تصحو قبل الخامسة صباحا ولا تخلد للنوم إلا بعد منتصف الليل.
    من الممارسات التي تسترعي الانتباه في المكاتب اليابانية أن الموظفات عليهن بالإضافة إلى أعمالهن الرسمية عبء إعداد الشاي والقهوة للعاملين الآخرين
    بالمكتب وتوزيعه عليهم مرتين أو ثلاث مرات أثناء اليوم ، هذا بالإضافة لخدمة الضيوف الذين يزورون المكتب. ولا يهم الدرجة الوظيفية للموظفة إذ أنها تعتبر
    هذا من واجباتها حتى إن كان من تخدمهم من الموظفين الرجال أصغر منها سنا وأقل درجة ، وتقوم موظفات المكتب بتوزيع هذا النوع من العمل بينهن على
    نظام النوبات. لا يوجد في المكاتب اليابانية سعاة أو حجاب أو عمال بوفيه يقومون بالتجول بين المكاتب كما هو الحال عندنا ، ويوجد في كل مكتب ركن صغير
    لإعداد الشاي والقهوة للعاملين وضيوفهم. ورغم أن كل الوزارات والشركات الكبيرة بها مطاعم مدعومة لخدمة الموظفين إلا أنهم يزورون هذه المطاعم لتناول
    وجبة الغداء في المواعيد المحددة لذلك فقط ، ويتناولون الشاي والقهوة في أوقات محددة خلال ساعات العمل داخل مكاتبهم وأثناء تأدية أعمالهم. ولا شك أن هذا
    يمثل نوعا من الانضباط المفروض على الموظفين في المكاتب حتى لا تصبح زيارة المطاعم والكافتيريات مدعاة للتسيب.
    مكاتب الموظفين في اليابان وبصفة خاصة في المصالح الحكومية والشركات الكبيرة هي عبارة عن صالة كبيرة تتصدرها المنضدة التي يجلس عليها الرئيس
    أو المدير وتتناثر مناضد العاملين حول رئيس المكتب الذي يمكنه مراقبة الجميع. وبالرغم من هذا المكتب المفتوح فإنك لا تسمع عندما تدخل إلا همساً حول
    موضوعات ترتبط بالعمل دون جلبة أو ضوضاء ولا تتبع نظرات الموظفين كل داخل للمكتب أو خارج منه فالكل منكب على أداء عمله. وفي كل مكتب عادة
    غرفة صغيرة أو ركن معزول لاستقبال الضيوف. ويبدو أن وجود الرئيس في نفس الصالة يتيح فرصة للرقابة اللصيقة على الموظفين ، كما يساعد هذا النظام
    على انسياب المكاتبات بين الموظفين دون الحاجة لسعاة. لا تخصص مكاتب منفصلة إلا لكبار الموظفين الذين عادة ما تكون لهم سكرتارية خاصة لتنظيم مقابلاتهم.
    يعرف عن اليابانيين حبهم الشديد للعمل وعدم الاستمتاع بإجازات طويلة ، وهو أمر يعود للسنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية عندما كان الهدف القومي الأسمى
    هو اللحاق بالدول الصناعية المتقدمة وتجاوزها في مجال التقدم الاقتصادي. ورغم أن شباب الجيل الجديد أكثر ميلاً من آبائهم للاستمتاع بمباهج الحياة إلا أن إجازات
    العاملين اليابانيين لا زالت قصيرة ، وهم عادة ما يقومون بتجزئتها للاستفادة بإضافة يومي السبت والأحد إجازة نهاية الأسبوع للاستفادة منها. كانت أول إجازة لي
    باليابان تبلغ تسعين يوما حسب لوائح الخدمة التي كانت سائدة عندئذ ، ولكن عندما سألني أحد الأصدقاء اليابانيين عنها أخفيت الحقيقة وذكرت له أنها ستكون شهرا واحدا.
    لاحظت علامات الدهشة تعلو وجه ذلك الصديق الذي قال: " إذا لا حاجة لتعيينك في هذا الموقع إن كان دولاب العمل سيسير دون وجودك طوال هذه المدة " ،
    ضحكت وأنا أتذكر القصة المتواترة عن رجل الأعمال السوداني الشهير.
    في بعض الشركات يقوم رئيس المكتب في الصباح بقيادة موظفي مكتبه قبل بدء العمل في أداء تمارين رياضية خفيفة أشبه بتلك التي يقوم بها اللاعبون قبل بدء
    المباريات. ويرى البعض أن مثل هذه التمارين تساعد في إعداد الموظف بدنياً ليوم طويل من العمل كما إنها تساهم في تخفيف الضغط النفسي بعد رحلة طويلة
    بالقطار إلى المكتب قد تفوق الساعتين أحياناً. والقطارات في اليابان مزدحمة للغاية حتى إن بعض موظفي الشركات التي تسير القطارات يقومون في المحطات
    الكبيرة بدفع الركاب إلى داخل القطار المزدحم حتى يمكن إغلاق الأبواب ، لا غرو إذن أن يصل الموظف إلى مكتبه مرهقاً وفي حاجة لرفع المعنويات.
    يرتبط الموظف الياباني ارتباطاً وثيقا بالشركة التي يعمل بها ونادراً ما يقوم بتغيير مكان عمله ، ورغم أن العمل في مختلف المواقع يعني اكتساب المزيد من
    الخبرات كما هو الحال في مختلف أنحاء العالم إلا أن اليابانيين ينظرون لذلك كنوع من عدم الاستقرار ، ولا يحبذون الموظف الذي يتنقل بين عدد من
    الوظائف وينطبق ذلك على أساتذة الجامعات على عكس ما نلاحظه في السودان إذ أن أستاذ الجامعة يحرص على إيراد أسماء كل الجامعات التي عمل بها أو
    تعاون معها في سيرته الذاتية. ويفسر البعض عدم حماس اليابانيين للعمل في الشركات الأجنبية أو الالتحاق بالمنظمات الدولية بعدم مقدرة العائدين بعد نهاية
    فترة عملهم على الالتحاق بالوظائف المناسبة نسبة للسبب الذي أوردنا أعلاه. تسعى الشركات خاصة الكبيرة منها لتهيئة كل أسباب الراحة للموظف توفيراً
    للجو المناسب لأداء واجبه وتحاول أن تجعله مرتبطاً بها بالصورة التي تجعل كل وقته للعمل. تقوم الشركات ببناء الداخليات للموظفين صغار السن حديثي
    التعيين وتقدم لهم الوجبات المدعومة في مطعم الشركة وتبيعهم السلع بأسعار معقولة في المتاجر التابعة لها. أما بالنسبة للموظفين القدامى فإن الشركات تقوم
    بتمليكهم الشقق السكنية بأسعار معتدلة وأقساط مريحة للغاية ، والمعروف إن من أهم ما يتمناه المواطن الياباني هو امتلاك مسكن خاص في بلاد بلغت فيه أسعار
    الأراضي مستوى لا يقارن بأي مكان آخر في العالم . تملك الشركات عادة منازل ريفية للراحة والاستجمام يمكن للموظفين استعمالها بالمجان أو بمقابل
    رمزي بسيط ، كما تمتلك الأندية الرياضية أو تشترك في أهمها بما يسمح لموظفيها بتزجية أوقات فراغهم وممارسة نوع الرياضة التي يفضلون . بل إن بعض
    الشركات تذهب لأبعد من ذلك عندما تقيم الوكالات المتخصصة لمساعدة موظفيها في إيجاد الشريك المناسب للزواج حبذا من العاملين بالشركة نفسها خاصة
    وإن معظم الشركات لا تنقل للعمل بفروعها بالخارج إلا الموظفين المتزوجين .
    خلاصة الأمر أن الشركة تسعى لتوفير كل حاجيات موظفيها وتكلأهم بالرعاية الأبوية وتعمل على راحتهم مما قد يفسر الولاء المطلق الذي يكنه الموظف
    لشركته. الوظيفة في اليابان ليست هي مجرد عقد للعمل مع الشركة أو المؤسسة بل هي وسيلة لتحديد الهوية ، ففي الوقت الذي نجد فيه الناس في مناطق
    أخرى من العالم يعرفون أنفسهم بأنهم مهندسون أو أطباء أو من قبيلة أو منطقة معينة فإن الياباني يقدم نفسه بأنه ينتمي للشركة أو المؤسسة الفلانية.
    لاحظت كذلك أن اليابانيين يتحدثون عن أسرارهم العائلية بصراحة شديدة قد تحرج المستمع أحيانا ، لكنني لم أصادف يابانيا واحدا يتحدث عن أسرار الشركة
    التي يعمل بها. ولليابانيين حكمة مؤداها أن الأولوية تكون للعمل وليس للأسرة. ومع أن الشباب الذين ولدوا في ظل دولة الرفاهية يبدون اهتماما أكبر
    بمباهج الحياة واكتراثا أقل بالعمل من الأجيال السابقة إلا أن الولاء للشركة لازال يحتل موقعا هاما في النفسية اليابانية.
    ولعل انتماء الياباني وإخلاصه الشديد للشركة ينبع من عقلية المجموعة التي تميز المجتمع الياباني ككل. ومع أن الانتماء للمجموعة تأكيدا للهوية هي
    غريزة إنسانية توجد في كل المجتمعات ، إلا أن الظاهرة تبدو أكثر وضوحا في اليابان. فاليابانيون ينظرون إلى بلادهم باعتبار أنها عائلة واحدة على
    رأسها الإمبراطور ، وهو السبب الذي جعلهم يتسمون بروح وطنية عالية تمثلت بصورة جلية في التضحيات الكبيرة التي قدموها لإعادة بناء بلادهم بعد
    الحرب العالمية الثانية. ويدرك الإنسان الذي له بعض الإلمام باللغة اليابانية أن القوم يستعملون كلمة " والد " لوصف رئيس
    المجموعة وكلمة " بيت " لوصف المجموعة عموماً.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-23-2016, 02:49 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    ****
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-24-2016, 03:08 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    سن المعاش في اليابان هي الستين بالرغم من أن اليابانيين يبدون في عنفوان الشباب في تلك السن ، لذلك فإن أغلبهم يعملون لسنوات طويلة بعد التقاعد على المعاش. وقد سبق أن انتقدت بعض الصحف والمجلات أحد رؤساء الوزارات اليابانية واصفة إياه بصغر السن وعدم الخبرة بينما كان الرجل قد قارب السبعين. بالنسبة لموظفي الخدمة المدنية خاصة من الوزارات الاقتصادية الهامة كوزارة الصناعة والتجارة الدولية ووزارة المالية فإن هناك نظاما يتيح لهم العمل في الشركات بعد التقاعد. ويعني هذا النظام حياة عملية جديدة للموظف المتقاعد قد تستمر في بعض الأحيان لأكثر من عشرين عاما ، كما أنه يتيح للشركات فرصة الاستفادة من خبرات الموظفين المتقاعدين وصلاتهم المستمرة بوزاراتهم السابقة. ومع إن النظام يتعرض للانتقاد باعتباره من العوامل المشجعة للفساد - إذ أن الكثير من الشركات تحصل على امتيازات عن طريق وعدها لكبار الموظفين بوجود وظيفة مغرية بعد المعاش – إلا أنه لا زال معمولا به بصورة واسعة للغاية. وتجد الكثير من الجهات الحكومية نفسها ملزمة أخلاقيا بتوفير العيش الكريم عن طريق التوظيف بعد المعاش لمن أراد من موظفيها ، وتسعى هذه الجهات إما لتوظيف المتقاعدين في الشركات التابعة لها أو المؤسسات الملحقة بها والخاصة بالبحوث والمعلومات أو عن طريق إلحاقهم بالشركات الخاصة كمستشارين. وللخدمة المدنية اليابانية وضع مميز للغاية ، لذلك فإنه يطلق على هذه الممارسة اسم "أماكوداري" وهي لفظة تعني حرفيا الهبوط من السماء باعتبار أن مستوي الموظف الاجتماعي ينخفض بعد أن يترك الوظيفة الحكومية ويلتحق بإحدى الشركات.لا يلتحق بالعمل في الخدمة المدنية اليابانية عادة إلا النخبة من المواهب المتمثلة في خريجي جامعة طوكيو وشبيهاتها من الجامعات الحكومية المنتشرة في مختلف أرجاء البلاد. وقد سمعت من أحد الأصدقاء اليابانيين أيضا أن خريجي جامعة طوكيو هم الغالبية العظمى بين السياسيين في الحزب الحاكم الذي احتكر الحكم لأكثر من 45 عاما ، بينما يقود خريجو الجامعات الأخرى أحزاب المعارضة. ولعل هذا يعود لأن الكثير من السياسيين هم في الحقيقة من موظفي الدولة المتقاعدين أو أبناءهم. والحقيقة أن الجامعات اليابانية الشهيرة تحتكر أسواق العمل في مجالات محددة فخريجي جامعة "كي أو" مثلا يجدون فرصة أوسع في مجال الشركات التجارية بينما يسيطر خريجو جامعة " واسيدا " على أجهزة الإعلام ، وهما من الجامعات الخاصة العريقة في البلاد. لموظف الخدمة المدنية سطوة تفوق كثيرا سطوة السياسيين أحيانا لدرجة أن طرفة شائعة في اليابان تقول أنه عندما أثيرت داخل البرلمان مسألة عن موضوع يتعلق بعمل واحدة من الوزارات ما كان من الوزير المختص إلا أن قال: " إن هذا الموضوع يتميز بأهمية وحساسية بالغتين لذا فإنني أقدم لكم وكيل الوزارة للرد عليه ". ولعل ذلك واحداً من الأسباب وراء الاستقرار الإداري الذي تتمتع به اليابان بالرغم من الاضطراب الذي يسود الساحة السياسية خاصة في السنوات الأخيرة. اكتسب موظفو الخدمة المدنية هذا الوضع الفريد منذ العهد الإقطاعي عندما كان موقعهم متقدماً للغاية في السلم الاجتماعي إذ كانوا يمثلون الطبقة التي تأتي في الدرجة الثالثة مباشرة بعد النبلاء وجنودهم من الساموراي. الطريف أن طبقة التجار ورجال الأعمال كانت تحتل موقعا متدنيا للغاية في السلم الاجتماعي وهو الأمر الذي انعكس تماما بعد ثورة الميجي في منتصف القرن التاسع عشر حيث قرر العديد من الساموراي المسرحين من الخدمة العسكرية دخول مجال الأعمال الحرة . ساعد التحول الاقتصادي الكبير بعد الثورة كذلك في تعاظم دور رجال الأعمال مما قاد لارتقائهم السلم الاجتماعي بخطوات سريعة ، وقد تضاعفت أهمية هذه الفئة بعد قيادتها للنهضة الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية . يضطرم بين الحين والآخر صراع بين السياسيين ورجال الخدمة العامة حول مسألة نفوذ الموظفين الزائد عن الحد. وسبب الصراع الذي ازداد حدة في السنوات الأخيرة هو رغبة السياسيين في لعب دور أكبر في مجالين هامين هما الشئون المالية والسياسة الخارجية لذلك فإن العاملين في هذين المجالين هم الأكثر عرضة لهجوم السياسيين . تتعالى أصوات السياسيين من حين لآخر متهمة موظفي وزارة المالية ووزارة الخارجية بالتعالي وتجاوز الحدود ، بل إن بعضهم ينادي باتخاذ خطوات عملية للحد من النفوذ الطاغي للموظفين . إلا أن الحقيقة تبقى أن العديد من السياسيين أنفسهم وبصفة خاصة في الحزب الحاكم هم من قدامى الموظفين ، كما أن وزارة المالية تتحكم في عملية الصرف على المشروعات التي تهم الناخبين مما يجعل السياسيين أكثر حذرا في التعامل معها مما يشير إلى أن نفوذ الموظفين ربما ستمر لوقت طويل بالرغم من جهود السياسيين لتقليص هذا النفوذ .ظلت المرأة اليابانية تحتل موقعا متقدما في الاقتصاد الزراعي التقليدي في اليابان حيث كانت تشارك الرجل جنبا لجنب في الحقل. وفي أعقاب ثورة ميجي الإصلاحية في 1868 أصبحت النساء العاملات عماد صناعة النسيج في البلاد وكن يتلقين أجورا زهيدة للغاية بل إن بعضهن كن يلتحقن بالمصانع مقابل مبلغ معين يمنح للعائلة مرة واحدة وهو أمر أشبه بالاسترقاق . قامت في عقد التسعينات من القرن التاسع عشر حركة لحماية النساء والأطفال العاملين في ظروف بيئية واقتصادية سيئة. وقد كانت هذه الحركة نواة لميلاد الاتحادات العمالية في اليابان ونجحت بإجازة قانون في عام 1911 يحدد العمل اليومي للنساء باثني عشرة ساعة فقط مع عدم تخديمهن في نوبات ليلية بين العاشرة مساء والرابعة صباحا وحقهن في إجازة يومين على الأقل خلال الشهر . ومع أن العمالة النسائية كانت تتركز في صناعة النسيج بصورة أساسية إلا أن عدد النساء العاملات كان يفوق عدد الرجال ، وقد ارتفع العدد بصورة كبيرة مع ظهور نذر الحرب العالمية الثانية والتحاق أعداد متزايدة من الرجال بالخدمة العسكرية. مع نهاية الحرب العالمية الثانية وجدت الكثير من النساء أنفسهن في حالة اضطرار للعمل بعد أن فقدت معظم الأسر عائلها وظل عدد النساء العاملات يمثل نسبة مرتفعة في قوة العمل اليابانية . قادت النهضة الاقتصادية الكبيرة التي شهدتها البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى زيادة فرص عمل النساء في مجالات الاقتصاد الحديث ، فبينما كانت النساء العاملات في الزراعة يمثلن حوالي 60% من جملة النساء العاملات في الاقتصاد ككل حتى عام 1960 فإن هذا الرقم انخفض إلى 16% تقريبا مع بداية التسعينات من القرن الماضي . بالرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته المرأة العاملة في اليابان إلا أنها لا زالت تعاني الكثير بسبب التقليد الياباني الذي يقول بأن مكان المرأة الطبيعي هو بيتها وأن المرأة لا يجب أن تعمل بعد الزواج . ارتفع بالطبع مؤخرا عدد النساء المتزوجات العاملات إلا أن الشركات لا زالت ترى إن عمل المرأة شئ مؤقت ، لذلك فإن هذه الشركات لا تكل للنساء مواقع قيادية مرموقة مما يجعل المرأة في وضع ضعيف مقابل الرجل في حال التنافس على الوظائف العليا . وبالرغم من إجازة قانون الفرص المتكافئة في التوظيف في عام 1985 إلا أن المرأة العاملة لا زالت تعاني من عدم المساواة . تقول الإحصائيات الحكومية أن متوسط مرتب المرأة العاملة في اليابان يتجاوز قليلا 60% من متوسط مرتب الرجل العامل في نفس المهنة ، وهي أقل نسبة بين الدول الصناعية المتقدمة ، ويعود ذلك لسبب هام وهو أن متوسط نسبة استمرار المرأة في العمل في نفس موقع العمل أقل من متوسط استمرار الرجل وبما أن المرتب يحسب على أساس الأقدمية فإن وضع المرأة يكون ضعيفا . وبالنظر إلى أوضاع المرأة العاملة باليابان فإن الإنسان لا يملك إلا أن يحيي المرأة السودانية العاملة التي استطاعت بفضل كفاحها أن تحصل على حقوق لم تتمكن من الحصول عليها النساء العاملات في عدد من الدول الصناعية المتقدمة . يوصينا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن نطلب العلم من المهد إلى اللحد ، وهي الوصية التي طالما أهملناها وتمسك بها قوم غيرنا من بينهم اليابانيين . ونسبة لما ذكرنا أعلاه عن أوضاع الموظفين والجامعات فإن الأسرة تهتم اهتماما بالغا بتعليم الأبناء منذ الحضانة إذ أن اختيارها قد يحدد الجامعة التي سيلتحق بها الأبناء في المستقبل . من الأشياء الملاحظة اهتمام اليابانيين الكبير بالقراءة ، ففي وسائل المواصلات تجد جميع الركاب بمختلف فئاتهم العمرية منهمكين في القراءة كما إن المكتبات من أكثر المحلات ازدحاما في الأسواق . لذلك فإن اليابان تأتي في مقدمة الدول التي تنتعش فيها صناعة الطباعة والنشر . تشير إحصائيات الحكومة اليابانية إلى أن 1,5 مليار نسخة من الكتب قد بيعت خلال عام 1997 ، بينما باعت المجلات الشهرية ما يزيد قليلا عن الثلاثة مليارات نسخة وباعت المجلات الأسبوعية ما يقارب الملياري نسخة خلال نفس العام .عرفت اليابان التعليم النظامي مع استقدام اللغة والحضارة الصينيتين في القرن السادس الميلادي وقد قام نظام التعليم الإقطاعي على التعاليم الكونفوشية التي ترتكز على إعلاء القيم الأخلاقية وتدعو للولاء المطلق للحاكم . حرص النبلاء في ذلك الوقت على تعيين معلمين خصوصيين لأبنائهم ، ثم ما لبث هذا النظام أن شمل أبناء قادة الجيش في البداية ثم المواطنين من الطبقات الأدنى حتى أضحى التعليم منتشرا بصورة كبيرة مع قدوم القرن التاسع عشر . وتورد الإحصائيات أن نسبة المتعلمين في اليابان عشية ثورة ميجي (1868) قد فاقت الأربعين بالمائة وهي نسبة كبيرة للغاية بالمقارنة مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في اليابان عندئذ ، ولعل ذلك كان سببا في التقدم الكبير الذي أحرزته اليابان مرتين خلال تاريخها الحديث وبسرعة جعلت الكثيرين يشيرون لما حدث بأنه معجزة . استطاعت اليابان كما هو معروف تحقيق معدلات نمو عالية في أعقاب ثورة ميجي خلال القرن التاسع عشر وبعد تدميرها في الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي ، ويرى كثير من الاقتصاديين أن وجود قوى عاملة رفيعة التعليم كان من الأسباب الرئيسة في تحقيق هذه الإنجازات العظيمة .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-28-2016, 04:40 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-24-2016, 12:29 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    بدأ التعليم الحديث في اليابان مع إصدار قانون التعليم في عام 1872 وهو القانون الذي اتسم بالتركيز على تنمية حب الوطن والولاء للإمبراطور وذلك بسبب الروح الوطنية العالية التي تميز بها قادة ثورة ميجي الذين قاموا بإجازته والذين كانوا يهدفون إلى إعداد البلاد للحاق بركب الأمم المتقدمة في ذلك الوقت . كان من الطبيعي أن يصطبغ القانون بالفلسفة الكونفوشية التي كانت تمثل أساس التعليم في اليابان حنى انهيار حكم النبلاء ، لذلك فقد كانت التربية الوطنية والأخلاقية من أهم أولويات النظام التعليمي الذي قام على أساس القانون . استمر هذا النظام بصورة أو أخرى حتى هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية عندما قامت سلطات الاحتلال الأمريكي بإجازة قانون جديد للتعليم في عام 1947 في إطار حملتها الإصلاحية التي كانت تهدف لإشاعة المثل الديمقراطية باعتبارها الترياق ضد انحراف اليابان مرة أخرى نحو التطرف الوطني والعسكري . السلم التعليمي المتبع في اليابان منذ الحرب العالمية الثانية هو ما يعرف بنظام 6-3-3 وهو شبيه في الشكل بالنظام الذي كان متبعا في السودان على العهد المايوي . وكما سبق أن أشرنا فإن اليابانيين يتخيرون المدارس التي يلتحق بها أبناؤهم منذ الحضانة إذ أن هناك العديد من المؤسسات التعليمية المتكاملة التي تشمل المراحل التعليمية من الحضانة وحتى الجامعة . لذلك فإنه ليس من المستغرب أن يكون التنافس حادا على الحضانات التابعة للمؤسسات التعليمية التي تضم بعض الجامعات المشهورة . وليس مستغربا أن تلجأ بعض العائلات اليابانية للدروس الخصوصية لإعداد أطفالها للمعاينة التي تسبق الالتحاق بالحضانة وهو أمر ربما تنفرد به اليابان دون غيرها من الدول . ومسألة الدروس الخصوصية التي تتم عادة في معاهد متخصصة عملية تلاحق التلميذ الياباني منذ فترة ما قبل المدرسة وحتى الالتحاق بالجامعة . غير أن مجرد الالتحاق بالجامعة يضمن للطالب التخرج بشهادة جامعية ، لذلك فإن الطلاب يركزون جهودهم على امتحانات الدخول ويقضون بعد ذلك حياة جامعية ممتعة تتميز بالنشاط الاجتماعي والثقافي .التعليم قبل المدرسي يتكون كما هو الحال في معظم الدول من الحضانة والروضة. والحضانة تقبل الأطفال من سن الصفر كما يقول اليابانيون بالنسبة للأمهات العاملات لذلك فإن هناك العديد من الشركات والمؤسسات الكبيرة التي تقيم داخل مبانيها حضانات للأمهات العاملات. يحسب اليابانيون العمر بتاريخ الميلاد كغيرهم من الشعوب ولكن الطفل يعتبر في سن الصفر حتى يحتفل بعيد ميلاده الأول ، على عكس النظام في بعض الدول كما سمعت حيث تحسب الأشهر التسع التي قضاها الطفل في رحم أمه ضمن عمره . والروضة تقبل الأطفال من سن ثلاث سنوات تقريبا ، وتعتبر رياض الأطفال التابعة للبلديات أكثر شعبية من الرياض الخاصة لمستواها الجيد وتكلفتها البسيطة . ويختلف مستوى الروضة بمستوى الحي الذي تقع فيه ، فالرياض التابعة لمحليات غنية الموارد أحسن حالا من تلك التي تقع في أحياء أقل غنى. لاحظت ذلك عندما قمت بنقل إحدى بناتي من روضة لأخرى داخل مدينة طوكيو نفسها ، فقد كانت أدوات الترفيه في الروضة الأولى أكثر عددا وأحسن نوعا كما أن عدد المعلمات بالنسبة للأطفال كان أكبر . وبينما كانت الروضة الأولى تقدم للأطفال تورتة حقيقية في الاحتفال بأعياد ميلادهم فإن الروضة الثانية كانت تضع الشموع على تورتة بلاستيكية . وكنت كلما أزور واحدة من رياض الأطفال في اليابان أتذكر أطفال بلادي داعيا المولى عز وجل أن يهيئ لهم ظروفا مشابهة خاصة فيما يتعلق بالاهتمام الكبير الذي توليه المشرفات لهؤلاء الصغار . تشغل الحضانة والدي الطفل لدرجة الإزعاج في محاولة للربط الوثيق بينها وبين العائلة لمراقبة الطفل وتربيته بالصورة المطلوبة . هناك دفتر خاص للتقرير اليومي من الوالدين والذي يوضح نشاطات الطفل قبل الذهاب للحضانة ويشتمل على معلومات دقيقة حول نشاطه بالمنزل بما في ذلك زياراته للحمام ونوع وكمية الإفطار الذي تناوله . من جانبه فإن المشرف على الطفل يقدم تقريرا عن كل حركاته وسكناته أثناء اليوم الدراسي وعلى الوالدين التعليق على هذا التقرير أو الاكتفاء بالتوقيع عليه يوميا . يقوم المشرفون أحيانا بزيارة منزل الطفل للتعرف على البيئة التي يعيش فيها ، كما انهم يبدون اهتماما بجمع المعلومات عن الوالدين بما في ذلك مستواهما التعليمي . تصدر الحضانة كذلك نشرة شهرية تحتوي على نشاطات الأطفال كالرحلات واحتفالات أعياد الميلاد ، ويطلب إلى الوالدين أحيانا المساهمة في تحرير هذه النشرة بكتابة ملاحظاتهم عن الحضانة ونشاطاتها . عندما ألحقت بنتي بإحدى رياض الأطفال بطوكيو كانتا ضمن ثلاثة أطفال أجانب فقط في الروضة ، لذلك فقد كانتا مثار فضول جميع الأطفال للاختلاف البين في الشكل وقد كان نصيبهما وافرا في إصدارة الروضة في الأسابيع الأولى . أهم النشاطات التي يشارك فيها الوالدان هي اليوم الرياضي للروضة وهو أمر ينطبق على المدارس كذلك . والمناسبة عبارة عن يوم مفتوح يعقد في مباني المدرسة أو خارجها ويشكل فيه التلاميذ والآباء بالإضافة للمعلمين والمعلمات فرق مشتركة للتنافس الرياضي الترفيهي ، وتحضر كل عائلة طعام الغداء الذي يتم تناوله في مجموعات تحت الأشجار . ويعتبر اليوم من أكثر المناسبات المحببة للأطفال ويتيح الفرصة للمزيد من الترابط بين إدارة المدرسة وأولياء الأمور . ورغم أن النشاط خلال هذا اليوم في رياض الأطفال يتمثل في ألعاب الأطفال البسيطة والساذجة فقد لاحظت أن الآباء والأمهات يبدون في غاية السعادة وأن بعضهم يستعيد في الحقيقة ذكريات طفولته من خلال ممارسة هذه الألعاب التي تشبه كثيرا ما يتم في برنامج تليماتش التلفزيوني المعروف . تمنيت لو أن مدارسنا ورياضنا تقيم مثل هذه المناسبات خاصة وأن أطفالنا في المدن الكبيرة - وبعد انتشار التلفزيون وما ألحق به من ألعاب تملأ وقت الأطفال بأشياء لا تمت لثقافتنا بصلة - يجهلون تماما ألعاب الأطفال الشعبية التي كان يمارسها آباؤهم وأمهاتهم . وبينما ينحصر اليوم في النشاطات الرياضية والترفيهية البسيطة بالنسبة لرياض الأطفال ، فإن فقرات الأيام الرياضية للمدارس تتميز بالتنوع والغنى وتشتمل على نشاطات متعددة تعكس مختلف أوجه الثقافة اليابانية . تمثل الرحلات المدرسية جانبا هاما في النشاط العام للطلاب والتلاميذ وهي تبدأ من مرحلة الحضانة حيث يجري تعريف الأطفال بالبيئة المحيطة بهم وبصفة خاصة حياة الحيوان . تنعكس هذه التجربة التعليمية المبكرة بوضوح على حياة اليابانيين الذين عرفوا بتناغمهم مع البيئة المحيطة بهم . ومع تقدم التلاميذ في السن تتسع دائرة المعرفة فتتنوع الأماكن التي يزورونها خلال الرحلات المدرسية ابتداء من المعالم الطبيعية خلال سني الدراسة الأولى في مدارس الأساس إلى المعالم التاريخية أثناء الدراسة الثانوية ثم المشاركة في الرحلات الشبابية التي تجوب أرجاء العالم خلال الدراسة الجامعية .تقدم رياض الأطفال والمدارس وجبة الغداء للتلاميذ ويقول البعض أن التقليد قد بدأ في عهد الاحتلال الأمريكي للبلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وذلك في محاولة من سلطات الاحتلال تغيير العادات الغذائية لليابانيين حتى يصبحوا أكثر اعتمادا على المنتجات الأمريكية فتم استبدال الأرز بالقمح والسمك بلحم البقر . وجدت نفسي مضطرا لإمداد الروضة من حين لآخر بكميات من لحم الضأن والبقر لضمان عدم تناول بنتي لحم الخنزير خاصة وأن وجبة الغداء يجري إعدادها في مطعم الروضة . وعندما انتقلت البنت الكبرى للمدرسة كان من المحتم علينا الحصول على قائمة الطعام الشهرية قبل وقت مناسب لتجهيز البديل عندما يكون طعام المدرسة محتويا على منتجات الخنزير . بالنسبة للمدارس فإن وجبة الغداء لا يتم إعدادها في مطبخ المدرسة وإنما تستجلب من الخارج . تقوم المدرسة عادة بتكليف عدد من التلاميذ بتجهيز السفرة وتقديم الطعام لزملائهم وجمع الأواني بعد نهاية الوجبة ، وقد كانت ابنتي في غاية السعادة في يوم نوبتها وكانت أسعد ما تكون عند ارتداء المريلة وغطاء الرأس لتقديم الطعام لزملائها وزميلاتها . ويبدو أن الأمر قد استهواها كثيرا للدرجة التي كانت تتحدث عن أمنيتها بأن تصبح مضيفة أو عاملة بمطعم في المستقبل .في مارس 1983 تفرغت للتحضير لشهادة فوق الجامعية والتحقت بجامعة كي أو وهي من أعرق الجامعات الخاصة إذ تم إنشاؤها قبل عام 1868 بواسطة أحد أشهر رواد التنوير في اليابان والعاملين في مجال التعليم في ذلك الوقت وهو يوكيشي فوكوزاوا . وقد اشتهر فوكوزاوا بالدعوة لنقل العلوم الغربية الحديثة مع الاحتفاظ في نفس الوقت بالتقاليد اليابانية . وللجامعة عدة فروع من بينها الفرع الذي انتميت إليه والذي يقع في منطقة " ميتا " في وسط العاصمة طوكيو ، والفرع هو المركز الرئيس الذي افتتحت فيه الجامعة قبل ما يربو على المائة عام ولا زالت إحدى القاعات التي بنيت في ذلك الوقت قائمة إلى يومنا هذا وقد أعلنتها الحكومة اليابانية واليونسكو من الكنوز الثقافية الوطنية. تفتح هذه القاعة مرة واحدة في العام وذلك عند الاحتفال بتوزيع درجات الدكتوراه ، ومن الطبيعي أن يمنع التدخين داخلها بل إنه يمنع حولها كذلك خوفا أن يؤدي لاشتعال النيران في هذا المبنى الأثري الهام . من أهم المباني كذلك مبنى مكتبةالجامعة وهو مبنى حديث سبق أن أفردت له مجلة النيوزويك مقالا باعتباره من التحف المعمارية ليس في اليابان وحسب بل وعلى نطاق العالم كذلك .ولعل أهم ما يميز الحياة الطلابية في الجامعات اليابانية عموما هو عدم اشتغال الطلاب اليابانيين بالأمور السياسية وانشغالهم بصورة أكبر بالرياضة والشئون الثقافية . ويبدو أن هذه الظاهرة قد جاءت مع ازدهار دولة الرفاهية حيث يقل انشغال المواطنين عموما بالقضايا السياسية ، ولعل آخر ما سجله التاريخ من نشاط سياسي للطلاب اليابانيين هو تلك المظاهرات العنيفة في ستينات القرن العشرين عندما قاد الطلاب الحملة الرافضة لتجديد الاتفاقية العسكرية بين اليابان والولايات المتحدة . المعروف أن عقد الستينات من القرن الماضي كان يمثل أوج الحركة الطلابية في العالم أجمع كما أن العالم شهد في ذلك الوقت حركات سياسية هامة كحركة التحرير الأفريقية وحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحد وحرب فيتنام … الخ . لاحظت عند التحاقي بالجامعة خلوها من الصحافة الحائطية التي تمثل معلما بارزا في جامعاتنا السودانية ، وقد استبدلت الصحف في جامعة " كي أو" بالإعلانات التي تروج للمسرحيات والحفلات الغنائية والمباريات الرياضية . ويندر أن تجد طالبا جامعيا في اليابان لا يمارس نوعا ما من أنواع الرياضة . اشتهرت جامعة " كي أو " بفريقها الممتاز في رياضة البيسبول التي تعتبر اللعبة الشعبية الأولى في اليابان ، ويحرز فريق الجامعة عادة مراكز متقدمة في الدوري السنوي للجامعات . وهناك العديد من لاعبي فريق الجامعة الذين يحترفون في الفرق اليابانية العريقة . وهناك منافسة حادة بين جامعة " كي أو " وجامعة " واسيدا " في مجال البيسبول وهو أشبه بالتنافس بين جامعتي كمبردج واكسفورد في سباق القوارب السنوي الذي يقام بينهما . يجري حشد الطلاب بواسطة لجان مخصصة لحضور مباريات الجامعتين وتباع تذاكر المباريات في الجامعة ، كما يتم تكوين فرق التشجيع بقيادة الراقصات والفرق الموسيقية من الجامعة على الطريقة الأمريكية . وتظل هذه الروح التنافسية بين خريجي هاتين الجامعتين حتى بعد دخول الحياة العملية ، ويشهد المباريات بينهما الكثير من قدامى الخريجين بالإضافة للطلاب . بل إن التنافس قد يتجاوز مجال الرياضة ليشمل بروح تنافسية مرحة مجالات أخرى ، ويكفي أن تذكر أنك خريج هذه الجامعة أو تلك حتى تنفرج أسارير المستمع إليك ويبدأ حديث عن الجامعة وسنواتها إن كان الشخص من خريجي تلك الجامعة . تقيم الروابط المختلفة بالجامعة حفلات سنوية للتعارف وتبادل الذكريات ، وتجمع مثل هذه الحفلات أعضاء الرابطة من مختلف الأعمار والمجالات . من الأشياء الطريفة أنني عملت سفيرا لبلادي في اليابان في الفترة من 1994 إلى 1996 وكان السفير الذي سبقني في الموقع وهو الأخ موسى محمد عمر من خريجي " واسيدا " ، وقد كانت هذه الحقيقة مدعاة للتعليق من أغلب اليابانيين باعتبار أن التنافس بين الجامعتين قد وصل حتى السودان .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 12-28-2016, 04:41 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-25-2016, 05:22 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    مبنى الجامعة صغير جدا ولا يتجاوز 10% تقريبا من مساحة جامعة الخرطوم ،
    إلا أن استغلال المساحة المتوفرة جعل الجامعة تستوعب أكثر من أربعة وعشرين
    ألف طالب وطالبة وبفضل التنظيم الدقيق لجداول المحاضرات - حيث تقوم الإدارة
    بنشر جدول يحدد المحاضرة المعينة والأستاذ الذي يقدمها والتوقيت ورقم الغرفة -
    فإن الطلاب يحضرون للجامعة فقط في الأوقات المخصصة لمحاضراتهم صباحا
    ومساء فلا يكون هناك ازدحام في حرم الجامعة. وربما يعود ذلك أيضا لعدة أسباب
    أخرى من بينها أن الجامعة ليس بها داخلية كما أن معظم النشاطات الثقافية
    والرياضية تتم خارج أسوار الجامعة هذا فضلا عن أن غالبية الطلاب يقومون
    بالعمل في أوقات فراغهم لتغطية تكاليف الدراسة. يحصل بعض الطلاب المتفوقين
    على منح من عدة جهات منها البلديات أو المؤسسات الاقتصادية أو الأكاديمية
    ذات الاهتمام بمجال دراسة الطلاب ، كما إن بعضهم يحصلون على
    قروض لتغطية تكاليف الدراسة.
    عندما قررت في عام 1983 مواصلة دراساتي فوق الجامعية باليابان كانت
    رغبتي الأولى هي الالتحاق بجامعة طوكيو الحكومية ، إلا أن الأستاذ الذي
    اتصلت به نصحني بعد أن حدثته عن الموضوع الذي أرغب في تحضير
    شهادة الماجستير حوله أن اتصل بالبروفيسور أودا هيديو بجامعة "كي أو".
    كان موضوع رسالة الماجستير عن اللاجئين الأفريقيين ، لذلك فقد كان اختيار
    البروفيسور أودا منطقيا باعتبار أنه من أشهر المتخصصين في الدراسات
    الأفريقية في اليابان في ذلك الوقت وقد كان عضوا بارزا في مجلس الخبراء
    المتعاونين مع وزارة الخارجية اليابانية. من جانب آخر فإن مكتبة جامعة
    طوكيو كانت تمتلك أكبر مجموعة من المراجع عن أفريقيا وتعتبر الجامعة
    نفسها مركزا مهماً للدراسات الأفريقية وكثيرا ما كانت الجمعية اليابانية
    للدراسات الأفريقية تعقد نشاطاتها في الجامعة.
    تعتبر مكتبة فرع جامعة " كي أو " في " ميتا " بالإضافة إلى مبناها الحديث
    الفخم من أكبر المكتبات في الجامعات اليابانية حيث أنها كانت تضم بين
    رفوفها في ذلك الوقت حوالي مليون ومائة ألف كتاب في مختلف أوجه المعرفة.
    احتوت المكتبة كذلك على قسم خاص بالكتب العربية يضم أغلب كتب التراث
    كما إنه يمثل مرجعا مهماً للعاملين في مجال الدراسات العربية ، وقد تعرفت
    في ذلك القسم على كتاب الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد الشهير
    " السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل " وكان ذلك في مطلع الثمانينات
    من القرن الماضي. ترتبط مكتبة الجامعة كذلك بالمكتبات اليابانية الأخرى عن
    طريق نظام يتيح للطالب أن يستعير أي كتاب يحتاج إليه من هذه المكتبات ،
    ويربط هذا النظام بين مكتبات الجامعة والمكتبات الشهيرة الأخرى كمكتبة
    البرلمان الياباني التي تعتبر أكبر المكتبات في البلاد. من ناحية أخرى ، فإن
    المكتبة تتيح للطلاب كذلك الاستفادة من ذخيرة المكتبات الكبيرة في الولايات
    لمتحدة وأوروبا عن طريق تصوير المراجع التي يحتاجها الطالب مقابل مبلغ
    بسيط. ولا أشك في أن دخول المكتبة عصر الانترنيت بعد تخرجي
    قد أتاح لطلابها آفاقاً أوسع للبحث العلمي.
    كانت فترة دراستي بالجامعة مليئة بالذكريات اللطيفة كما أنها كانت فرصة
    طيبة للاطلاع على حياة الطلاب وطريقة تفكيرهم. عند التحاقي بالجامعة
    كانت معرفتي باللغة اليابانية غير كافية ، ورغم أنني كنت أتابع المحاضرات
    بدرجة معقولة في المجالات المعروفة بالنسبة لي كالسياسة في الشرق الأوسط
    وأفريقيا إلا أنني كنت أعاني في متابعة المحاضرات التي تقدم في مجالات ليس
    لي بها كبير إلمام. كنت أعاني بصفة خاصة عند متابعة الحديث عن السياسة أو
    التاريخ الصيني ، والسبب في ذلك أن لليابانيين نطقهم الخاص للأسماء الصينية
    كما سبق أن أوردنا فإن اللغة اليابانية تكتب بالرسومات الصينية إلا أن لهذه
    الرسومات نطق مختلف جدا في بعض الأحيان. بعد أول سمنار حضرته في
    السياسة الصينية وكان عن تاريخ الثورة الشيوعية ، سألت زميلي الذي قدم
    السمنار كيف يمكن أن تتحدث عن الثورة الشيوعية في الصين دون أن تورد
    أسماء مثل ماوتسي تونغ وشوإن لاي أو لين بياو. اندهشت جدا عندما علمت
    أن كل هذه الأسماء قد وردت خلال المحاضرة ولكن بالنطق الياباني
    الذي لم أتمكن من تمييزه بالطبع.
    كانت خفايا اللغة بالنسبة لي مشكلة كبيرة في الأشهر الأولى فبينما كان حديثي
    مع الأساتذة يبدو مباشرا أكثر من اللازم لعجزي عن تغليف الألفاظ على
    الطريقة اليابانية ، فإن زملائي الطلاب كانوا يشعرون حيالي بحاجز نفسي
    إذ أن اللغة التي أتحدث بها معهم تبدو مهذبة أكثر من اللازم على حد قولهم.
    يختلف الأسلوب الذي يستعمل بين الأتراب عن ذلك الذي يستعمل مع من
    هم أكبر أو أصغر سنا ، ومن حسن الأدب في اليابان ألا يعبر الطالب عن
    رأيه بصورة مباشرة إن كان مخالفاً لرأي الأستاذ وأن عليه أن يقوم بالكثير
    من اللف والدوران قبل التصريح برأيه. ورغم أني بذلت جهداً كبيراً في
    هذا المجال فإن هذه المشكلة ظلت تلازمني طوال إقامتي بالبلاد ، وربما يعود
    السبب في ذلك لاختلاف الثقافات. ولا زلت أذكر برنامجا قدم في التلفزيون
    الياباني عن السودان ضم جلسة مشتركة لإحدى الأسر المحافظة
    – في اعتقادي – من منطقة رفاعة. لم أجد في البرنامج ما يدهش إلا أن الكثير
    من أصدقائي اليابانيين الذين شاهدوه أبدوا دهشتهم للحرية الشديدة التي
    تتحدث بها إحدى فتيات العائلة لوالدها وإبداءها لآرائها المخالفة لرأي
    والدها بصورة صريحة ومباشرة على حد تعبيرهم.

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-25-2016, 11:56 AM

saadeldin abdelrahman
<asaadeldin abdelrahman
تاريخ التسجيل: 09-03-2004
مجموع المشاركات: 8854

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    سلام و تحية
    كتابة ممتعة كعادته في السرد ، سعدت بمعرفة أن كتابه في طريقه للنشر
    محبتي لكما
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-28-2016, 02:02 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: saadeldin abdelrahman)




    ابو السعود
    تقبل عميق شكري على المرور
    تحياتي وامنياتي لك بموفور الصحة والعافية

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-28-2016, 05:08 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    تعتبر الديانة البوذية أكبر الديانات من حيث عدد الأتباع في اليابان حيث يدين بها حوالي 85% من الشعب الياباني وتقول الإحصائيات
    أن هناك ما يزيد عن 75000 معبد ومائتي ألف كاهن بوذي في البلاد. انتقلت البوذية لليابان أصلا حوالي القرن السادس الميلادي من
    الهند عن طريق الصين وشبه الجزيرة الكورية. أما ديانة "شنتو" فيعتقد أنها الديانة اليابانية الأصلية إذ أنها كانت سائدة قبل وصول البوذية.
    والشنتو ديانة وثنية يقوم خلالها اليابانيون بعبادة كل أنواع الأحياء والجمادات ، وقد كان تقديس الأسلاف في الشنتو هو الخاصية التي استغلها
    الحكام اليابانيون لترويج نظرية تأليه الإمبراطور خدمة لمصالحهم. دخلت المسيحية اليابان منذ عدة قرون إلا أنها حوربت بشدة كما أشرنا
    سابقا ولم تبدأ في الانتشار إلا بعد ثورة ميجي في منتصف القرن التاسع عشر. أما الإسلام فإنه أحدث الديانات السماوية وصولا لليابان ،
    إذ لم يدخل اليابان بصورة مؤثرة إلا مع وصول الأتراك المسلمين من مناطق آسيا الوسطي بعد قيام الثورة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي.
    بالرغم من ارتباط المواطن الياباني بالآلهة للدرجة التي يشاهد فيها الإنسان في عديد من المنازل اليابانية التقليدية معبدا صغيرا ، إلا أن الدين
    لم يعد يحتل موقعا محوريا في حياة المواطن العادي وبصفة خاصة الشباب. ومع أن الدين كان في السابق مرتبطا بالحياة اليومية للياباني
    بصورة وثيقة إلا أن ما تبقي منه حاليا هو الأثر الواضح في بعض الطقوس التي تصحب بعض النشاطات كحفل الشاي الياباني المعروف
    ورياضة المصارعة اليابانية "سومو" . ونظرة اليابانيين للدين غريبة إذ أن أغلبهم يدينون بأكثر من ديانة واحدة في ذات الوقت ، فالياباني
    يمكن أن يتزوج في معبد الشنتو أو حتى الكنيسة ويدفن عند وفاته وفقا لطقوس الديانة البوذية. ينعكس هذا لانتماء المزدوج على الشخصية
    اليابانية التي اكتسبت صفتي الطهارة والإخلاص من ديانة الشنتو وصفتي العطف والتخلص من الرغبات الشخصية من البوذية والولاء
    المطلق للرؤساء وكبار السن من التعاليم الكونفوشية. غير أن هذه النظرة للدين تمثل عقبة كبيرة أمام العاملين في مجال الدعوة الإسلامية
    والأديان الأخرى إذ أنه يصعب على المواطن الياباني فهم فكرة الالتزام بدين واحد دون بقية الأديان . ولعل هذا يفسر قلة أتباع المسيحية
    بالرغم من الأموال الطائلة التي تصرفها الكنيسة والجهود الكبيرة التي قامت بها سلطات الاحتلال الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية .
    كلمة " شنتو " تتكون من مقطعين هما " شن " وتعني إله و" تو " وتعني طريق لذلك فإن الترجمة الحرفية هي طريق الآلهة . وقد استطاع
    اليابانيون بمقدرتهم الفائقة على استيعاب الثقافات الوافدة من الدمج بين البوذية التي قدمت من آسيا والشنتو بحيث ظهرت نظريات فلسفية
    تتحدث عن آلهة الشنتو باعتبارها استنساخا لروح بوذا . غير أنه ظهرت من الحين للآخر دعوات للعودة للديانة القديمة وتطهيرها من الآثار
    الأجنبية ، إلا أن البوذية عادت في كل مرة أقوى مما كانت عليه . ولعل أشهر هذه الدعوات هو ما جرى في عهد الامبراطور
    ميجي (1868 – 1912 ) عندما أصبحت الشنتو الديانة الرسمية للبلاد وقامت مؤسسة المعبد الحكومي والمكاتب الحكومية الخاصة بالديانة
    كما تم كذلك تدريس الشنتو في المدارس حيث ارتبطت الديانة بالروح الوطنية المتطرفة التي سادت البلاد في ذلك الوقت .
    ولعل أهم ما يميز الشنتو كدين هو عملية التطهير التي تنقسم إلى قسمين أحدهما يتعلق بالتطهير من الاتصال بأشياء نجسة كالمرضى والموتى ،
    والآخر يتعلق بالتطهير من ممارسة الذنوب . ارتبط النوع الأول بالأسطورة التي تروى عن الإله إزاناغي الذي تبع زوجته المتوفاة إزانامي
    إلى عالم الظلام حيث شهد جسدها المتعفن مما اضطره عند العودة لعالم الضوء أن يتطهر في أحد الأنهار المقدسة . أما النوع الثاني من
    التطهير فقد ارتبط بالأسطورة التي تروى عن إله الأعاصير والعنف سوسانو ميكوتو الذي أجبر بعد هجومه على قصر أخته إلهة الشمس
    بأن يدفع فدية ويحلق ذقنه وتنزع أظافره . وقد تكون عملية التطهير قاسية أحيانا بحيث يقضي الإنسان شهرا كاملا لإكمال العملية بالابتعاد
    عن النظر إلى الموتى والمرضى والمرأة الحائض والأشخاص المعاقين وعن ممارسة الجنس أو أكل اللحوم . وهناك بعض العادات
    المرتبطة بعملية التطهير هذه ومنها تعليق الأوراق على الأشجار المقدسة وتقديم الهبات في شكل أرز أو ملح . ولعل من العادات الملاحظة
    في اليابان في الوقت الحاضر والمرتبطة بهذه العملية وضع كمية من الملح أمام أبواب البيوت أو المحال التجارية ، كما أن من أهم طقوس
    مصارعة السومو أن يقوم المصارع بإلقاء كمية من الملح على حلبة المصارعة قبل دخولها .
    دخلت المسيحية اليابان منذ القرون الوسطى عن طريق الآباء اليسوعيين في عهد توسع البرتغاليين والإسبانيين وقد سميت الفترة
    من 1540 وحتى 1640 بالقرن المسيحي في اليابان . استغل الأوربيون ضعف اليابان التي كانت تعاني من الحروب الأهلية فقاموا بعقد
    التحالفات مع الإقطاعيين الذين كانوا يرغبون في الحصول على التكنولوجيا الأوربية المتقدمة نسبيا خاصة في مجال التسليح . انتشرت
    المسيحية مع انتشار نفوذ الأوربيين واستغل المبشرون معرفتهم بالطب وغيره من العلوم الحديثة لنشر دعوتهم . ما إن توحدت اليابان تحت
    أسرة التوكوقاوا في بداية القرن السابع عشر حتى بدأ المبشرون وأتباعهم من اليابانيين يتعرضون للاضطهاد . ويبدو أن الطبقة الحاكمة
    اليابانية لم تستطع هضم الحقيقة التي كان يدعو لها المبشرون بأن كل الناس سواسية أمام الخالق ، خاصة وأن المجتمع الياباني تميز في ذلك
    الوقت بطبقية صارمة يعتبر فيها المواطن مخلوقا أقرب للحيوان ودون أي حقوق . من ناحية أخرى أدرك اليابانيون في ذلك الوقت المبكر
    أن الكنيسة لم تكن إلا ذريعة لاستعمار البلاد بواسطة الدول الأوربية ، وقد كانت اليابان حتى ذلك الوقت تفخر باستقلالها إذ لم تتمكن أي من
    القوى الخارجية السيطرة على البلاد خلال تاريخها الطويل ولم يحدث ذلك إلا بعد الحرب العالمية الثانية عندما وقعت البلاد
    تحت الاحتلال الأمريكي إثر هزيمتها في الحرب .
    قامت أسرة توكوقاوا الحاكمة كما أشرنا سابقا بفرض عزلة مجيدة على اليابان بإغلاق الحدود أمام الأجانب ، وقد أدى ذلك إلى انحسار
    المسيحية وحصرها فقط في المنطقة التي كان يسمح فيها بالاتصال بالأجانب في الجنوب الغربي للبلاد . عادت المسيحية مرة أخرى لليابان
    مع انفتاح البلاد على العالم الخارجي في منتصف القرن التاسع عشر . وبما أن الولايات المتحدة كانت هي المبادرة بالضغط على اليابان
    لفتح أبوابها أما العالم الغربي فقد تنامى نفوذ الكنيسة البروتستانتية بالمقارنة مع غيرها من الكنائس . كان للمسيحيين الجدد دور بارز في
    مجالي التعليم والعمل الإنساني كما ارتبطوا ارتباطا وثيقا بالفكر الاشتراكي ولا زالت آثارهم واضحة في الحركة الاشتراكية في اليابان
    إلى يومنا هذا . وبالرغم من قلة عدد المسيحيين في البلاد إذ لا يتجاوز عددهم الواحد بالمائة من مجموع السكان ، إلا أن أثرهم الثقافي
    والاجتماعي أكبر بكثير من حجمهم . ويبدو ذلك جليا لمن يزور اليابان في موسم عيد الميلاد السيد المسيح عليه السلام حيث تزدان الشوارع
    بأشجار الميلاد وتنطلق من المحلات التجارية الأغاني المرتبطة بهذه المناسبة . وقد يعود ذلك بالإضافة لأثر الثقافة الغربية إلى سعي
    الشركات الكبيرة لاغتنام مثل هذه المناسبات لتسويق منتجاتها ، ومن ضمن المناسبات التي تستغلها الشركات مناسبة عيد الحب أو ما يسمى
    عندهم بيوم القديس فالنتاين في فبراير من كل عام حيث ترتفع بصورة كبيرة مبيعات الشوكولاتة فقد جرت العادة أن تقوم الفتيات في ذلك
    اليوم بتقديم الحلوى كهدايا للفتيان . وبما أن اليوم لم يكن أصلا من الأعياد التقليدية للمسيحيين بمختلف طوائفهم فإن العامل التجاري
    واضح فيه وضوح الشمس حيث تتفنن شركات إنتاج الشوكولاته في الترويج للمناسبة . ويبدو أن العدوى قد انتقلت للعالم العربي حيث
    تبدي القنوات الفضائية العربية حاليا اهتماما بالمناسبة.
    بالرغم من وصول الإسلام حتى الصين ومناطق من جنوب شرق آسيا منذ صدر الخلافة الإسلامية ، إلا أنه يبدو أن اليابان كانت في معزل
    عن تأثيره . وصل الإسلام كما أشرنا سابقا إلى اليابان حديثا على أيدي الأتراك الذين هربوا من جحيم الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي ،
    وقد ظل ارتباط الجالية التركية الصغيرة في اليابان بتركيا مستمرا حتى الآن . استطاعت الجالية التركية أن تقيم أول مسجد بالعاصمة
    اليابانية طوكيو في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين ، وظلت وزارة الأوقاف التركية تعين إماما لهذا المسجد حتى نهاية السبعينات .
    أعقب ذلك تعيين إمام مصري من خريجي الأزهر الشريف بتعاقد مع المركز الإسلامي الياباني الذي نشط بصورة كبيرة في نهاية
    السبعينات وخلال عقد الثمانينات بفضل الدعم المادي والمعنوي الكبير الذي كان يتلقاه من المحسنين في المملكة العربية السعودية
    ودول الخليج بالإضافة لرابطة العالم الإسلامي . قامت السلطات اليابانية في منتصف الثمانينات بهدم المسجد الوحيد في العاصمة
    طوكيو بعد أن أصبح يمثل خطرا على المصلين بعد خمسين عاما من بناءه وصموده أمام العديد من الزلازل والعوارض الطبيعية الأخرى .
    وقد ظلت طوكيو دون مسجد جامع حتى قامت الحكومة السعودية ببناء مسجد في فناء المعهد العربي الإسلامي التابع لها ، كما
    علمت أن الحكومة التركية قد قامت مؤخرا بإعادة تشييد مسجد الجالية التركية على طراز جميل .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

12-30-2016, 11:24 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    تم إنشاء المركز الإسلامي الياباني في السبعينات على أيدي عدد من المبعوثين من الدول الإسلامية وقد ساهم
    المواطن السوداني موسى محمد عمر بدور كبير في إنشاءه ، كما كان لجهوده وجهود بعض الإخوان من الدول
    العربية الأخرى دورا بارزا في توفير الدعم للمركز واستمراره . وفي مطلع الثمانينات تم افتتاح مقر المركز ،
    وهو مبنى حديث تم إنشاؤه على أرض قام المركز بشرائها في موقع ممتاز مما جعل المبنى مركز إشعاع إسلامي
    في العاصمة اليابانية . وكانت أبرز النشاطات التي يقوم بها المركز هي توفير العلماء الذين يعلمون المسلمين من
    اليابانيين أمور دينهم بالاضافة للغة العربية ، هذ فضلا عن المحاضرات المتنوعة عن الثقافة الإسلامية والعربية .

    رغم أن للمركز مجلس إدارة وجمعية عمومية إلا أنه ظل يعتمد بصورة أساسية على بعض الشخصيات النشطة
    وقد أدى غياب هذه الشخصيات عن اليابان في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين إلى انحسار
    كبير في نشاط المركز بالرغم من الزيادة الكبيرة في عدد المسلمين الوافدين وزيادة عدد اليابانيين الذين اعتنقوا
    الدين الإسلامي . عندما عدت لليابان في منتصف التسعينات وجدت أن نشاط المركز قد انحصر بصورة أساسية
    على الدروس التي تقدم للمسلمين اليابانيين بمباني المركز ، إلا أن عودة بعض الناشطين الذين قام المركز على
    أكتافهم بعثت شيئا من التفاؤل آمل أن يكون قد ترجم إلى نهضة جديدة في نشاط المركز خاصة وأن اليابانيين
    أصبحوا يقبلون بصورة أكبر على الإسلام . وقد تأثر نشاط المركز كذلك بسبب انحسار الدعم الذي كان
    يصله من المحسنين في السعودية ودول الخليج العربي .
    ارتفع عدد المسلمين في اليابان بصورة ملحوظة في السنوات الأولي من عقد التسعين بسبب نزوح أعداد
    كبيرة منهم من باكستان والهند وجنوب شرق آسيا بحثا عن ظروف معيشية أفضل ، كما ازداد بصورة
    واضحة عدد النازحين من الدول العربية وإيران . ونسبة لعدم وجود مسجد جامع في العاصمة طوكيو في
    ذلك الوقت فقد قامت معظم هذه الجاليات بإيجار مبان في مناطق متفرقة من المدينة لإقامة صلاة الجمعة ،
    كما تساهم بعض السفارات الإسلامية الكبيرة كالسفارة الإندونيسية بتخصيص جزء من مبانيها لإقامة صلاة الجمعة .
    ظل أعضاء الجالية الإسلامية رغم ظروفهم المادية الصعبة يشكلون اللجان ويجمعون التبرعات من أجل إقامة
    مسجد جامع ، ولا شك إن إقامة مسجدين في المدينة خلال السنوات القليلة الماضية يعتبرا إنجازا عظيما يثلج
    صدور أبناء الجالية الإسلامية . وقد كانت الجالية تعاني كثيرا في إقامة صلاة العيدين فهي أحيانا تقام في قاعات
    بعض الفنادق الكبرى أو في الحدائق العامة ، وكثيرا ما يواجه المنظمون العديد من المشاكل قبل الحصول
    على المكان المناسب .

    ازداد اهتمام اليابانيين عموما بالأديان في السنوات الأخيرة فكسب الدين الإسلامي عددا لا بأس به من الأنصار
    وخاصة في صفوف الشباب ، ويقول بعض علماء الاجتماع أنه بعد التقدم الاقتصادي والعلمي الكبير فإن الأديان
    اليابانية التقليدية لم تعد تستجيب لتطلعات الشباب الذين بدأوا يشعرون بشئ من الفراغ الروحي فاتجهوا للأديان
    الوافدة من الخارج . من جانب آخر فإن الدين الإسلامي قد جذب كذلك عددا من السيدات اللاتي تزوجن بالشباب
    النازحين من الدول الإسلامية وإن كانت بعض هذه الزيجات لا تقوم على أساس دعوي . سألت يوما أحد الدعاة
    الإسلاميين في اليابان وهو من أصل صيني عن أهم المشاكل التي تواجههم في مجال الدعوة فلم يتردد أن قال:
    " إن أم المشاكل بالنسبة لنا هي مسألة انعدام القدوة " ، ومضى شارحا ذلك بأن اليابانيين عندما يرون الاحتراب
    بين المسلمين والتخلف والجهل سائدين في البلاد الإسلامية أو عندما يرون بعض الشباب الإسلامي غير
    الملتزم فإنهم لا يجدون حافزا حقيقيا لاعتناق الدين الإسلامي .

    كما تبدو لنا ممارسات اليابانيين وعاداتهم غريبة فإن عاداتنا وممارساتنا تبدو لهم أيضا غريبة ، وقد كان من
    تجربتي الشخصية أن ذلك أوضح ما يكون في مجال الدين . كنا أربعة سودانيين كما ذكرت في نفس الجامعة
    وكانت لنا مناضد خاصة للمذاكرة في الطابق المخصص لطلاب الدراسات العليا ، ولما كانت الصلوات
    تدركنا أحيانا ونحن في الجامعة فقد أحضرنا مصلاة كنا نستعملها لأداء صلواتنا . لاحظت في الأيام الأولى
    دهشة الطلاب اليابانيين عندما رأوني أؤدي صلواتي ، ولكن عندما أدركوا أهمية الصلاة بالنسبة لديننا فقد
    كانوا يظهرون الكثير من الاحترام لذلك فعندما يبدأ أحدنا بالصلاة يسود المكان سكون تام . تصادف أن التقيت
    أحد الطلاب اليابانيين في نهار رمضان وعندما طلب أن نتناول القهوة ذكرت له أنني صائم ، فسأل عن
    الصيام فأوضحت له أنه أحد واجباتنا الدينية التي فرضها علينا الله عز وجل ، وفاجأني الرجل قائلا: "
    ولكن الله موجود في السودان فلماذا تصوم وأنت بعيد هنا في اليابان ؟ " . وعندما شرحت له الفرق بين
    اعتقادنا في الله واعتقادهم في آلهتهم التي لا يعبدونها إلا عندما يرونها أمامهم أبدى تفهما ولكنه قال إلا أن
    فلانا مسلم أيضا ولكنه لا يصوم مثلك . أوضحت له باختصار شديد الرخص الممنوحة للمسلمين بشأن
    الصيام مشيرا إلى أن فلانا هذا ربما كانت له واحدة من هذه الرخص ، ولعل أكثر الأسئلة التي كانت
    تواجهنا وبصفة خاصة من البنات هي لماذا يسمح للرجل المسلم بزواج أربع نساء . الغريب أن مثل هذا
    السؤال يطرح في الوقت الذي لا ينظر فيه اليابانيون باستغراب لاحتفاظ الرجل بعشيقة لا يفرق بينها وبين
    الزوجة إلا عدم وجود عقد الزواج ، فالكثير من الأزواج اليابانيين القادرين يحتفظون سرا بشقة أخرى
    للعشيقة وبعضهم يعترفون بالأطفال من مثل هذه العلاقة ويورثونهم كما حدث بالنسبة لأحد رؤساء
    الوزارة المشهورين هناك .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-01-2017, 06:09 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    في ذات يوم من الأيام كنت أستمتع بكوب من الشاي في إحدى المقاهي بعد نزولي من القطار فتقدم
    نحوي - على غير عادة اليابانيين –
    شاب يحمل عددا من الكتب وعرفني بنفسه قائلا أنه ينتمي لطائفة سوكا غاكاي وهي من الطوائف البوذية
    المشهورة في اليابان وسألني
    عن ديني . عندما أجبته أبدى اهتماما وبدأ يسأل عن الإسلام ولم ينس بالطبع أن يدعوني للانتماء لطائفته ، ودعاني لزيارة منزله
    للحديث مع أفراد عائلته حول الإسلام والبوذية وقبلت الدعوة . وطائفة سوكا غاكاي هي من ضمن ما يعرف في اليابان بالأديان
    الجديدة وأغلب هذه الأديان تقوم على أساس خليط من البوذية والشنتو . وتدعى طائفة سوكا غاكاي أن أتباعها يقاربون العشرين
    مليونا من مختلف أنحاء العالم . تقيم الطائفة مؤتمرات سنوية وعدد من الأنشطة الثقافية والرياضية التي تصرف عليها ببذخ كما
    أن احتفالاتها تتسم بالفخامة البالغة مما يجذب لها العديد من الأتباع ، هذا فضلا عن أن البعض يعتقدون أن الأوراد التي يتلوها
    أفراد الطائفة لها فعل السحر في علاج الأمراض المستعصية . يقول بعض علماء الاجتماع أن نجاح مثل هذه الطوائف يعود في
    المقام لأنها تقدم للأشخاص الذين يعيشون على هامش المجتمع فرصة للانتماء في مجتمع يعتبر فيه الانتماء لأي مجموعة
    أساسا في تحديد هوية الإنسان .
    قمت بتلبية دعوة الرجل في اليوم المضروب وفوجئت عندما وصلت للمنزل بوجود عدد من أفراد عائلته وأصدقائه من أفراد
    نفس الطائفة وجرى بيننا حديث طيب عن الدين كان أشبه بالندوة . ولعلمي ببعض معتقدات البوذيين وإيمانهم بتناسخ الأرواح
    فقد سألتهم سؤالا مباشرا عن الجزاء والحساب عندهم وماذا يحدث للمذنب عندهم بعد الوفاة ، فأجابوني كما توقعت أن المذنب
    يبعث من جديد في شكل حيوان أو شخص شقي . قلت لهم أنني لا أذكر بتاتا ماذا كنت أنا في حياتي السابقة فهل فيكم من يذكر
    ذلك . وعندما أجابوا جميعا بالنفي ، قلت لهم إذا لماذا أعمل الصالحات ما دامت حياتي السابقة وحياتي اللاحقة منفصلتان تماما ،
    وأوضحت لهم أننا كمسلمين نؤمن بأن الإنسان يبعث وأمامه كتاب حياته كاملا ويذكر بكل أفعاله ثم يحاسب بعد ذلك فيعرف
    ماذا فعل من خير أو شر ولماذا حوسب على ذلك . وحار القوم جوابا فأمهلوني أسبوعا آخر ليسألوا أحد شيوخهم وعندما عدت
    لهم بعد أسبوع أفادوني بأن شيخهم لم يجد جوابا لسؤالي ولكنه طلب منهم عرض رغبة الطائفة في فتح فرع لها بالسودان
    واستطلاع رأيي في مبدأ التعاون معهم في ذلك . اعتذرت بالطبع وإن استمرت علاقتي بالشخص المذكور الذي يبدو أن
    الشك بدأ يساوره حول معتقداته وطلب كتبا عن الإسلام وقد قمت بتقديمه للمركز الإسلامي ، غادرت اليابان وكان الرجل لا
    يزال في مرحلة الشك وأسأل المولى عز وجل أن يكون قد اهتدى للسراط المستقيم .
    تمثل المهرجانات أهم الأساليب للتعبير عن الارتباط بالدين ، فما من معبد في اليابان إلا ويقيم عددا من المهرجانات في
    العام أهمها في الصيف والخريف بالإضافة للمهرجانات الكبيرة التي تقام بمناسبة حلول العام الجديد . يبدو أن هذه
    المهرجانات بدأت تاريخيا كنوع من الاحتفال لتقديم الشكر للآلهة في المناسبات المرتبطة بمختلف مراحل العملية الزراعية
    كبذر البذور أو الحصاد ، إلا أنها تحولت مع مرور الوقت إلى مناسبات للهو والتجارة . وما من معبد في اليابان سواء
    أن كان تابعا للبوذية أو الشنتو إلا ويقيم المهرجانات الكبيرة في مختلف مواسم العام . وهذه المهرجانات أشبه بموالد
    الأولياء والصالحين في مصر ، حيث يشدو المغنون بالأهازيج ويرقص الجميع على أنغامها وتقام الأكشاك التي
    تقدم مختلف أنواع الأطعمة والمشتريات الخفيفة .
    وفي فصل الصيف فإن كل حي من أحياء المدينة يقيم مثل هذه المهرجانات حيث ينضم كل سكان الحي نساؤهم
    ورجالهم ، شيبهم وشبابهم لساحات الرقص في الشوارع التي تغلق يومها أمام حركة المرور العادية . ويسير
    سكان الحي في موكب كبير يتقدمه هيكل خشبي – يسمونه ميكوجي – أشبه بالهودج عندنا ويحمله عدد من الشباب
    الأقوياء وعليه ضاربو الطبول الذين تهز ضرباتهم القوية أوتار القلوب والجميع يغنون ويرقصون . تقيم المدارس
    مهرجانات مشابهة إلا أن الميكوجي عندهم أصغر حجما ليناسب أحجام التلاميذ ، بينما يقوم ضاربو الطبول في
    هذه الحالة بممارسة عملهم وهم على الأرض . وضرب الطبول في اليابان عملية فنية تحتاج للكثير من التدريب ،
    وطبولهم كبيرة للغاية تفوق في ارتفاعها طول الشخص الضارب عليها وهي أشبه بالنحاس عندنا . وتحتاج عملية
    قرع الطبول إلى مقدرة جسدية عالية وعندما يرى المشاهد قارع الطبول والجزء الأعلى من جسده عار وهو
    يتصبب عرقا يعتقد أنه يشاهد عرضا من عروض كمال الأجسام . وتصدر الطبول إيقاعا عنيفا يتميز بالسرعة
    وارتفاع الصوت مع تهاوي العصي التي يستعملها القارعون على جلد الطبل المشدود . والطبل نفسه مصنوع
    من أجود أنواع الخشب ويهتم اليابانيون كثيرا بزركشته وتجميله ، ولا غرو فهو الآلة الأساسية في هذه المهرجانات .
    تستغل المعابد مناسبات المهرجانات للحصول على دعم مادي كبير من الزوار الذين يفدون بالآلاف للصلاة ودفع
    مبالغ في شكل " زيارة " كما هو الحال عندنا في السودان عند زيارة قبور وبيانات الأولياء والصالحين . وكلما
    كانت الرغبة أشد في تحقيق الغرض والاستجابة للدعاء كلما زاد المبلغ المالي الذي يدفعه المصلي ،
    فالآلهة اليابانية قد تأثرت هي أيضا بالرخاء الكبير الذي تحقق في البلاد . ومن أكثر المعابد جذبا للزوار خاصة في
    رأس السنة هو المعبد الذي يضم رفاة إمبراطور الميجي الذي يعود له الفضل في إدخال اليابان العصر الحديث
    عبر ما عرف في تاريخ اليابان باسم ثورة ميجي الإصلاحية والتي وقعت في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي .
    وتروج بصفة خاصة في مهرجان رأس السنة تجارة قراءة البخت التي تخصص لها المعابد مواقع بارزة ويؤمها
    العديد من الزبائن وعلى رأسهم الفتيات الباحثات عن الزواج ورجال الأعمال الراغبون في الربح السريع .
    وقد شهدت في معبد ميجي الشباب من الجنسين وهم يقومون بتعليق قصاصات من الأوراق على إحدى أشجار
    المعبد بعد كتابة الأمنيات التي يرغبون في تحقيقها خلال العام الجديد لاعتقادهم بأن الآلهة ستستجيب
    لرغباتهم بهذه الصورة .
    وتعتبر قراءة البخت واحدة من الممارسات التي تؤكد مقدرة اليابانيين الفائقة على المزج بين ثقافتهم المحلية
    والثقافات الواردة . فبالرغم من أن قراءة البخت التي تمثل موروثا يابانيا قد يبدو غاية في التخلف ، إلا أن
    اليابانيين استطاعوا إدخال التكنولوجيا الحديثة فيها حيث يتم حاليا قراءة الكف عن طريق الكمبيوتر كما يقوم
    الجهاز بدور الخاطبة بين الشباب الراغبين في الزواج . يتم إدخال المعلومات الضرورية في الجهاز الذي
    يقوم بتحليلها ومن ثم الخروج بنتائج عن مدى صلاحية المتقدمين كشركاء لبعضهم البعض . وقد شاهدت
    في أحد المعابد مواطنا يابانيا تمكن من تدريب العصفور الذي نطلق عليه في السودان اسم " ود أبرق " على
    الصلاة في معبد صغير خصص لذلك ثم سحب ورقة من مكان مخصص تحمل بخت الشخص المعني الذي
    يقوم بدفع المبلغ المطلوب عن طيب خاطر وهو يبتسم خاصة وأن العصفور السعيد يخرج عادة ببخت
    سعيد أو بكلام مبهم حمال أوجه .
    حكى لي أحد الأصدقاء السودانيين واقعة طريفة حدثت له في اليابان ، وذلك عندما جمعته مناسبة مع عدد
    من الفتيات اليابانيات كن يعتقدن أنه قادم من الهند أو بنغلاديش فطلبت إحداهن منه أن يقرأ لها بختها .
    ومن باب الدعابة قام ذلك الصديق بقراءة كف تلك الفتاة مدعيا لها أنها ستتزوج في المستقبل القريب .
    ضحكت الفتاة قائلة له أنها غير مخطوبة ومن المستحيل أن تتزوج كما يدعي وضحك الجميع بعد أن أكد
    لهم الصديق أنه لا علاقة له بالهند أو بنغلاديش أو قراءة البخت . يقول الصديق أنه بعد مرور شهر أو
    شهرين تلقى محادثة من واحدة من أولئك الفتيات تدعوه للقاء المجموعة ، ويمضي قائلا أنه اندهش أيما
    اندهاش عندما التقى بهن في أحد المقاهي إذ كانت كل واحدة منهن ترغب في أن يقرأ لها البخت بعد أن أ
    خبرنه بأن صديقتهن التي قرأ بختها سابقا قد تمت خطبتها وأنها ستتزوج في ظرف أسبوع . يقول الصديق
    أن واجه صعوبة بالغة في إقناع مجموعة الفتيات بأنه ليس من قراء البخت وأن ما حدث لا يعدو
    أن يكون ضربة لازب كما يقولون .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-02-2017, 03:06 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    يشهد فصل الصيف العديد من المهرجانات وأشهرها ما يعرف باسم مهرجان "أوبون" ويحتفل به في منتصف أغسطس من كل عام . يعتقد اليابانيون أن أرواح الأسلاف تعود للأرض خلال فترة هذا المهرجان لذلك فإن الياباني يفضل قضاء أيام المهرجان في مسقط رأسه للاحتفال بالمناسبة مع أفراد عائلته واستقبال أرواح الأسلاف عند عودتها للأرض . ارتباط اليابانيين بأسلافهم وثيق للغاية حتى إن بعضهم يقدسون الأسلاف ويعتبرونهم من الآلهة ، وتستغل بعض الطوائف الدينية هذه العاطفة لابتزاز الأعضاء عن طريق إقناعهم بأن أسلافهم يعانون من عذاب شديد في العالم الآخر وأن الطريقة الوحيدة لإنقاذهم من هذا العذاب هي دفع مبالغ معينة للطائفة .يمثل احتفال العام الجديد ويسميه اليابانيون " شوقاتسو " أهم الأعياد التي يحتفل بها في البلاد . وتبدأ إجازة العام الجديد عادة من اليوم الثامن والعشرين من ديسمبر وتستمر حتى الرابع من يناير من العام الجديد . ويتم خلال هذه الفترة تجمع أفراد العائلة في بيت كبيرها للاحتفال ويقومون بزيارة المعابد للصلاة والدعاء لإله العام الجديد ، وتقوم كل ربة منزل بنظافة منزلها بصورة أشبه بما يتم عندنا في السودان لاستقبال العيدين . أما المعابد فإنها تستنفر المتطوعين لنظافتها إذ أن استقبال العام الجديد في حلة باهية يعتبر من أهم الطقوس في هذه المناسبة الكبيرة . تقوم كل أسرة بوضع حبل مزين بعناية شديدة بالأوراق على مدخل البيت باعتباره مسكنا مؤقتا لإله العام الجديد ، كما أن هذا الحبل المقدس يساعد على طرد الأرواح الشريرة ومنعها من دخول البيت .من الطقوس التي يمارسها اليابانيون بهذه المناسبة كذلك حفل وداع العام ويسمونه " بونين كاي " وهي تعني حرفيا حفل نسيان العام ، وحفل استقبال العام الجديد ويسمونه " شنين كاي " . وتبدأ احتفالات وداع العام منذ الخامس عشر من ديسمبر تقريبا وهي عبارة عن تجمع الأصدقاء في مطعم من المطاعم اليابانية التقليدية لتناول بعض الأنواع من الطعام تعد خصيصا لمثل هذه المناسبة وتبادل الأنخاب ، ويستهلك اليابانيون كمية كبيرة من الخمور المصنوعة من الأرز بعد تسخينها نسبة لبرودة الجو . واحتفالات استقبال العام الجديد أقل صخبا وهي تتم أحيانا بالمكاتب في اليوم الأول بعد العودة من إجازة رأس السنة ، إلا أن بعض الأصدقاء يصرون على اللقاء في المطاعم اليابانية لتناول أنواع الطعام التي تقدم في المناسبات السعيدة والتي يعتقد أنها تجلب الحظ . يقوم اليابانيون مع بداية العام الجديد بزيارة المعابد المختلفة للصلاة ورفع الدعاء ، ويزور الشباب عادة المعابد منتصف ليلة الأول من يناير لسماع قرع أجراس المعابد بمناسبة وداع العام السابق واستقبال العام الجديد ويبقى العديد منهم حتى يشاهدوا شروق شمس اليوم الأول من العام الجديد . أما بالنسبة لكبار السن والأطفال فإنهم يقومون بالزيارة الأولى للمعابد في العام الجديد خلال الأيام الثلاثة الأولى من يناير وهي أيام العيد حيث لا ينقطع سيل زوار المعابد في أي لحظة من لحظات اليوم ، ويقدر زوار بعض المعابد الكبيرة خلال هذه الأيام بالملايين . كانت ليلة الأول من يناير من عام 1979 هي المرة الأولى التي استقبل فيها عاما جديدا في اليابان لذلك فقد حرصت على مشاركة اليابانيين احتفالهم بالمناسبة في معبد ميجي بطوكيو وقد كان الازدحام كبيرا للغاية والجميع يزحفون في اتجاه المعبد لأداء صلوات العام الجديد . كان عدد المصلين يقدر بعشرات الآلاف عند منتصف الليلة وكان الجميع يزحفون نحو محراب المعبد الذي يوجد فيه رماد إمبراطور الميجي لأداء الصلاة والدعاء للعام الجديد . ورغم أن الجو كان يسوده الكثير من المرح إلا أن الانضباط كان واضحا ولم يصاحب الثواني الأخيرة من العام القديم وبداية العام الجديد ما يحدث عادة في الدول الغربية من صخب . يستمر المرح لمدة ثلاثة أيام تزدان فيها الشوارع بالسيدات وهن يرتدين اللباس التقليدي الكيمونو ، وهو لباس يلف جسم السيدة وتختار له أنواع من الأقمشة زاهية الألوان وغالية الثمن . وطريقة لبس الكيمونو صعبة للغاية إذ أنه يتكون من عدة طبقات بالإضافة لحزام يلف الخصر ويربط بطريقة معينة ويسمى " أوبي " ، ويلف الكيمونو حول أرجل الفتاة بصورة تجعل حركتها رشيقة للغاية فالمشي السريع يعتبر في التقاليد اليابانية القديمة من عدم اللياقة مصداقا لقول الشاعر العربي تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل . والكيمونو مناسب جدا مع أجساد اليابانيات التي تتميز بالرشاقة ، ولكن أغلب فتيات الأجيال الجديدة لا يلبسنه نسبة لغلاء ثمنه وصعوبة لبسه وعدم ملاءمته للحركة السريعة التي يتميز بها المجتمع الياباني الحديث . وفي العهود السابقة كان الكيمونو تعبيرا عن الطبقة الاجتماعية للفتاة خاصة عند الزواج ، فكلما ازداد غنى عائلة الفتاة كلما ازدادت طبقات اللباس وكلما ازداد عدد الكيمونوهات التي ترتديها في ليلة الزفاف . وفي زيارة لي إلى مدينة كيوتو العاصمة القديمة تمكنت من زيارة أحد مصانع القماش الذي يستعمل في صناعة الكيمونو وقد شاهدت الجهد الكبير الذي يبذل في تزيين هذه الأقمشة بالرسومات الجميلة ذات الألوان الزاهية . ولاحظت أن هذه الأقمشة توضع داخل أحد الأنهار لمدة ثلاث أيام بغرض تثبيت الألوان ، وقد اختير هذا النهر كما أبلغت لنظافة مياهه وخاصيتها الطبيعية في تثبيت الألوان . وعلمت أن القطعة الواحدة من منتجات هذا المصنع وهي لا تتجاوز خمسة أمتار قد يبلغ سعرها حوالي عشرة آلاف دولار أمريكي .ترتدي الفتيات كذلك الكيمونو في الخامس عشر من يناير في الاحتفال الخاص ببلوغ سن الرشد وهي حسب القانون الياباني عشرون عاما . في هذا الوقت تقوم البلديات بتقديم الدعوة لكل الشباب من الجنسين الذين بلغوا العشرين في الفترة من الثاني من أبريل من العام الماضي إلى الأول من أبريل من العام الذي يقام فيه الاحتفال . تصل الدعوات لكل من بلغ العشرين على عنوان منزله مما يؤكد كفاءة نظام السجل الاجتماعي الياباني حيث تعرف السلطات أعمار كل هذه الأعداد من الشباب ومواقع إقامتهم . وتعتبر المناسبة إيذانا لهؤلاء الشباب ببلوغ سن الرشد وممارسة العديد من الحقوق ، إلا أن أغلبهم يعبر عن ذلك بزيارة المطاعم والبارات لشرب الخمر علنا حيث يحرم القانون الياباني الشرب على القاصرين وإن كان بعضهم يمارس ذلك وغيره في الخفاء . يذكرني هذا بأيام الدراسة عندما كان الالتحاق بالجامعة يعني الانعتاق من تسلط المعلمين في المدارس الثانوية والذين تميزوا بالصرامة الشديدة ، وكان الكثيرون يعبرون عن حريتهم المكتسبة بتدخين السجائر علنا في قهوة النشاط بجامعة الخرطوم .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 01-02-2017, 11:45 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-02-2017, 12:18 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    هناك العديد من المهرجانات التي يقيمها اليابانيون في مختلف المناسبات الدينية وغيرها ، ومن
    هذه الاحتفالات ما يطلقون عليه اسم " ستسوبون " . تقوم ربات البيوت في هذه المناسبة بطرح
    حبات فول الصويا أو غيره من أنواع البقوليات على كل أرجاء المنزل أو المبنى وهم يغنون
    أغان بسيطة يعتقدون أنها تساعد على طرد الأرواح الشريرة وجلب الحظ . وكنت كلما أرى
    هذه الممارسة في الثالث أو الرابع من فبراير كل عام أتذكر أمهاتنا وهن يحملن المباخر في ليلة
    عيد الفطر وهن يجبن أرجاء المنزل لطرد الشياطين التي تطلق من أصفادها في تلك الليلة .
    ومن الاحتفالات الهامة أيضا ما يسميه اليابانيون " هينا ماتسوري " أي مهرجان العرائس وهو
    خاص بالبنات حيث يزين كل بيت فيه بنت بعدد هائل من العرائس المتقنة الصنع والتي تمثل
    الإمبراطور والإمبراطورة وأعضاء البلاط بالإضافة للموسيقيين وكلهم يرتدون الملابس التقليدية
    الزاهية التي يغلب عليها اللون الأحمر . ورغم أن هذا الاحتفال يكون عادة في الثالث من مارس
    إلا أن العرائس تستمر في موقعها لفترة طويلة حسب رغبة البنت في المنزل . وفي الخامس من
    مايو يحتفل اليابانيون بيوم الأطفال ويسمونه أحيانا " شجي قو سان " وهي تعني حرفيا " سبعة ،
    خمسة ، ثلاثة " حيث يقوم الأطفال في سن السابعة والخامسة والثالثة وهم يرتدون الملابس التقليدية
    المزركشة بزيارة المعابد مع أولياء أمورهم للصلاة والدعاء . وتذكرني البنات الصغيرات خاصة
    الأعياد عندنا فهن يلبسن الكيمونو والحذاء الخاص به ، ويصعب عليهن في العادة المشي بصورة
    طبيعية مما يعيد للذاكرة أيام العيد في السودان عندما ترتدي الفتيات الصغيرات الملابس المزركشة
    والأحذية الجلدية الجديدة وهن يمشين بصعوبة بالغة أحيانا . وتعتبر كل هذه المناسبات كما هو
    معروف فرصة للشركات لتسويق منتجاتها إذ تسبقها عادة مواسم للتسوق .
    من أهم المعابد في العاصمة طوكيو معبد ياسوكوني الذي يضم رفاة قتلى الحروب اليابانية المختلفة
    وهو يضم ضمن ما يضم رفاة قتلى الحرب العالمية الثانية ، لذلك فقد اكتسب المعبد أهمية سياسية
    خاصة . تمثل زيارة المسئولين الرسميين خاصة الوزراء ورئيس الحكومة لهذا المعبد من حين
    لآخر حساسيات بالغة بين اليابان والعديد من الدول الأسيوية وعلى رأسها جارتيها الصين وكوريا
    بشقيها . ترى هذه الدول في زيارة المسئولين للمعبد تكريما لبعض الأشخاص الذين قررت محكمة
    طوكيو لمجرمي الحرب إعدامهم ودفنت رفاتهم في المعبد ، وتربط عادة بين هذه الزيارات وعودة
    الروح العسكرية البغيضة لليابان . من المعابد الغريبة التي قدر لي أن أراها ذلك المعبد الذي يقع
    في مدينة ناقانو وسط اليابان والذي يقدس أتباعه العضو التناسلي للرجل وينصبون تمثالا كبيرا
    لمعبودهم عند مدخل المعبد . ولا يخلو تقديس هذا المعبود العجيب من جانب فلسفي إذ يرى أتباع
    الطائفة أنه يمثل مصدرا للحياة . وقد حدثني مرافقي أن أقل ما يمكن أن توصف به الأنشطة التي
    تقام خلال المهرجان السنوي لهذه الطائفة أنها تخدش الحياء فالرقص الذي يمارس خلال
    المهرجان والتحف التذكارية التي تباع في تلك المناسبة كلها تمجيد لهذا المعبود الغريب .
    تحتل المعابد الكبيرة مواقع ممتازة وتشغل مساحات واسعة في المدن وتحفها الخضرة الشديدة
    مما يعتبر متنفسا للأهالي في المدن الكبيرة كالعاصمة طوكيو ، أما في الريف فإن المعابد تبنى
    عادة في المرتفعات المطلة على القرى ويتطلب الصعود إليها مشقة لارتفاعها الشديد أحيانا .
    وتمتاز المعابد البوذية بالحدائق الرملية والصخرية التي تقام في فناء المعبد ويتم تزيينها بدقة
    فائقة وتوضع بعض الصخور في الميدان الرملي الذي ترسم عليه خطوط دائرية تعطي
    الانطباع باللانهائية . تستعمل هذه الحدائق في ممارسة رياضة التأمل الروحية وهي جزء هام
    للغاية من العبادة الخاصة المعروفة باسم " زازين " . تمكنت خلال زيارتي للعاصمة القديمة
    كيوتو من مشاهدة العديد من المعابد البوذية التي شيدت قبل مئات السنين ، ورغم أن هذه
    المعابد تبنى بالخشب فقط إلا أنها فخمة للغاية . وبما أن فن المعمار الياباني لم يكن قد عرف
    المسامير المعدنية في ذلك الوقت فقد ابتكر المهندسون اليابانيون نوعا من المسامير الخشبية
    التي يتم بواسطتها رفع السقوف وتركيب الأرضيات المعقدة .
    ومن عجائب ما شاهدت في أحد المباني الأثرية في كيوتو – وهو عبارة عن قصر قديم
    لأحد نبلاء العصور الوسطى – أرضية يطلق عليها اسم أرضية العندليب ، والسبب هو
    أنها تصدر أصواتا أشبه بغناء طائر العندليب عندما يمشي الإنسان عليها . وحسبما أفادنا
    المرشد السياحي المرافق فإن القصر قد تم بناؤه في وقت كانت اليابان تشهد فيه اضطرابات
    سياسية واسعة وأن الغرض من تصميم أرضية القصر بتلك الصورة هو تأمين صاحب
    المنزل ضد أي محاولة اغتيال قد يقوم بها أعداؤه ، خاصة وأن حوائط الغرف في القصر
    كانت من الورق كما أن الأبواب لم يكن بها أي وسائل تأمين كالأقفال وغيرها . ولا زالت
    عالقة بالذهن تلك الأصوات الجميلة التي كانت تصدر من تحت أقدام أفراد مجموعتنا
    السياحية وهم يتجولون في أرجاء القصر المختلفة .
    كلف البناء بالمواد الخشبية اليابان غاليا إذ أن الكثير من التراث المعماري قد ضاع بسبب
    النيران التي أتت على العديد من هذه المباني التاريخية . ولعل أشهر هذه الحرائق تلك التي
    قضت على أحد المباني الأثرية الهامة في مدينة كيوتو وهو المبنى المعروف باسم القصر
    الذهبي ، ويمثل القصر الذهبي الذي بني في العصور الوسطى توأما للقصر الفضي الذي
    يقع في الجانب الآخر من ذات المدينة . ومنظر البناء الذهبي اللون تحفه الخضرة الجميلة
    وهو ينعكس على البركة الصغيرة الواقعة أمامه يسلب الألباب ويعتبر من أجمل المناظر
    التي رأيتها في حياتي . تم إعادة بناء القصر بنفس المواصفات بعد أن التهمه الحريق
    وقد خلد الأديب الشهير يوكيو ميشيما قصة الحريق في أحد كتبه .
    من أشهر الآثار البوذية في اليابان تمثال بوذا العظيم في قرية كاماكورا التي تقع غير
    بعيد عن العاصمة طوكيو وكانت هي نفسها عاصمة للبلاد خلال ما عرف بالعصر الذي
    سمي باسمها واستمر من سنة 1185 وحتى سنة 1333 ميلادية . والتمثال ضخم للغاية
    ومصنوع من الحجر في شكل جلسة القرفصاء الشهيرة لبوذا التي يرفع فيها يده اليمنى ،
    وحول التمثال الذي يؤمه الكثير من السواح معبد أثري قديم منذ ذلك العهد . وفي
    العاصمة القديمة كيوتو يمكن زيارة المعبد الذي يضم أكثر من مائة تمثال لبوذا وهو
    أيضا من الآثار البوذية العظيمة التي تجذب السواح . وقد شاهدت في بانكوك عاصمة
    تايلاند تمثال بوذا النائم وهو تمثال خشبي ضخم يستلقي على جانبه الأيسر ،
    كما شاهدت تمثالا لبوذا من الذهب الخالص ذكر لنا مرافقنا السياحي أن 90 طنا من
    الذهب الخالص قد استعملت في صناعته . وفي كل معبد من المعابد البوذية في اليابان
    هناك ركن خاص مقدس يعتقد أن جزءا من رفاة بوذا مدفون فيه ، وإذا ما علمنا أن
    هناك أكثر من خمسة وسبعين ألف معبد بوذي في اليابان وحدها فلنا أن نعلم أن
    مثل هذا الحديث لا أساس له من الصحة .
    يهتم اليابانيون كثيرا بالمعابد وتزيينها واغلبها مبني من الخشب ويغلب عليها اللونان
    البني والأحمر ، وتزين جدران بعض هذه المعابد بالرسومات اليابانية القديمة التي
    تعكس جمال الطبيعة وبعض اللوحات منها تحكي أحداثا تاريخية وقد تمتد لعدد
    من الجدران المتصلة . وقد لاحظت في منطقة " نكو " التي يدفن فيها رفاة موحد
    اليابان ايياسو توكوقاوا أن صورة حيوان التنين الخرافي ترسم بألوان زاهية للغاية
    على سقوف المعابد هناك . وعندما سألت المرافق السياحي أفادني بأن اليابانيين
    يعتقدون أن التنين يحرس هذه المعابد من الحريق ، وعجبت فالفكرة السائدة عن
    التنين أنه حيوان يطلق اللهب المخيف من فمه أو هكذا صورته لنا القصص الخرافية .
    وكما هو الحال بالنسبة للفنانين الأوربيين في العصور الوسطى والذين تفننوا في
    تزيين الكنائس والكاتدرائيات القديمة في القارة الأوربية ، فإن أشهر الفنانين اليابانيين
    في العصور الماضية كانوا يتنافسون في تزيين المعابد مما ساعد على حفظ الكثير
    من التحف الفنية ومن بينها تحفة " القطة النائمة " التي ترقد على باب القاعة
    المسماة باسمها في أحد المعابد في منطقة " نكو " .


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-03-2017, 12:50 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    ومعابد الشنتو تتميز أيضا بالفخامة ومدخلها عبارة عن باب خشبي
    كبير به العديد من النحوت الجميلة وعلى جانبيه تمثالان لإلهين يتميزان بالصرامة الشديدة ويمتشقان عددا من الأسلحة الفتاكة ، ويبدو أن مهمة
    هذين التمثالين هي حراسة المعبد من تطفل المتطفلين . وعادة ما يكون المبنى الرئيسي للمعبد في مواجهة هذه البوابة الكبيرة ويربط بينه وبينها
    طريق طويل تحفة الأشجار ذات الزهور الجميلة ، ويصعد الإنسان للمعبد على درج مرتفع وعريض تعبق في أنحائه روائح البخور . يقف
    المتعبد عند المدخل ويرمي ببعض المال في صندوق خشبي كبير بعرض مدخل المعبد ، ثم يبدأ بالصلاة وهي عبارة عن ضم راحتي اليدين
    وإغماض العينين والدعاء وعند النهاية يصفق الإنسان ثلاث مرات ثم يغادر المكان . والمعبد نفسه عبارة عن غرفة واسعة وقاتمة يصعب في
    أغلب الأحيان مشاهدة الأشياء الموجودة داخلها ولا يسمح بدخولها إلا لكهنة المعبد وعمال النظافة . ويوجد بالغرفة الإله المعبود الذي ربما كان
    تمثالا لإنسان أو جماد أو رفاة أحد الأسلاف كما هو الحال بمعبد ميجي الشهير في العاصمة طوكيو .زرت يوما أحد المعابد الواقعة بالقرب من برج
    طوكيو الذي يعتبر من المواقع السياحية المشهورة في العاصمة اليابانية وقد بني على غرار برج إيفل في باريس ، ولكن اليابانيين يفخرون بأنه
    طول من إيفل وبه كمية أقل من الحديد . لاحظت في المعبد الذي زرته كمية كبيرة من تماثيل الأطفال التي لفت حول أعناقها قطع حمراء من القماش ،
    وعندما سألت مرافقي الياباني عن سر هذه التماثيل أفادني بأن الإله الموجود في هذا المعبد هو إله الأطفال بمعنى أن العائلة التي ليس لديها أطفال تزور
    عادة هذا المعبد للصلاة من أجل أن ترزق بطفل . تذكرت بعض الأضرحة في بلادنا حيث تقوم السيدات بالزيارة لاعتقادهن بأن الشيخ المدفون في
    الضريح يمكن أن يرزقهن بالأطفال ويقوم البعض منهن بالسفر لمسافات بعيدة لأداء هذه الزيارة ، وهي بالطبع من العادات التي تتسم بالجهل والتخلف .
    كثير من الناس وأنا من بينهم يبدون دهشتهم عندما يرون ممارسة اليابانيين للدين ويتساءلون عن السر وراء هذا الفهم المتخلف لعلاقة الإنسان بربه في
    حين أن البلاد أحرزت كل هذا التقدم الاقتصادي والعلمي . الغريب أن اليابانيين يتصفون بأغلب الصفات التي تدعو لها الأديان السماوية كالصدق والأمانة
    وغيرهما ، وينطبق عليهم القول الشهير الذي أطلقه أحد شيوخنا الأجلاء بعد أن زار أوروبا " مسلمون بلا إسلام " . والمطلع على أقوال بوذا وتعليمات
    كونفوشيوص يجد أنها وبالرغم من ضلالها عن الطريق القويم تركز كثيرا على الدعوة لمكارم الأخلاق التي لا يقوم مجتمع بدونها . ورغم أن هذه الأديان
    التي يعتنقها اليابانيون وبصفة خاصة البوذية تقوم على أساس فلسفي عميق تطور خلال آلاف السنين إلا أن المتعمق في المجتمع الياباني يجد أنه يعاني كغيره
    من المجتمعات التي أحرزت درجة عالية من التقدم الاقتصادي من إحساس بالفراغ الروحي . ولعل ذلك هو السبب وراء ظهور عدد من الطوائف الدينية
    المنحرفة مثل طائفة " أوم شنريكيو " والتي تقوم فلسفتها على محاربة المجتمع الذي تتهمه بالفساد واعتقادها بقرب موعد نهاية العالم . وقد فاجأت الطائفة
    المجتمع الياباني في عام 1995 عندما قامت بتنفيذ حادثة غاز السارين في قطار الأنفاق وحاولت لاحقا اغتيال مدير عام البوليس . نفذ الحادث بوضع غاز
    السارين القاتل في جهاز تكييف أحد القطارات المزدحمة في الصباح والموظفون في طريقهم للعمل مما أدى لمقتل البعض وإصابة العديدين بالتسمم . وقد
    أوضحت التحقيقات أن الطائفة التي يرأسها شخص لم يكمل تعليمه بعد كانت تضم بين صفوفها علماء قاموا بتصنيع الغاز السام في معامل الطائفة بعيدا عن
    أعين السلطات . أصاب الحادث المجتمع الياباني بالذعر الذي جعل الجميع يحسون بعدم الأمان ، كما إنه حظي بالكثير من التغطية في الإعلام العالمي .يتناول
    الكثير من الكتاب الغربيين المجتمع الياباني باعتباره مجتمعا فريدا يختلف عن المجتمعات الأخرى في العالم ، ويقوم بعضهم بتصوير هذا المجتمع وأفراده وكأنهم
    قادمون من كوكب آخر. ولعل السبب الرئيس وراء ذلك هو البحث عن تفسير سهل لتعقيدات مجتمع لم ينفتح على العالم إلا في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ،
    كما أن اليابانيين أنفسهم حاولوا أن يؤكدوا هذه الحقيقة بسبب العزلة المجيدة التي فرضت عليهم لمدة قرنين كاملين من الزمان مما أعطاهم وأعطى الآخرين الإحساس
    بأنهم شعب متفرد يمتلك مزايا وتركيبات اجتماعية فريدة. وقد سعى الغربيون في بحثهم عن الصفات المميزة للشعب الياباني إلى التركيز بصورة فيها شئ من المبالغة
    على الروح الجماعية في اليابان حتى أبرزوا أفراد هذا الشعب وكأنهم شخصيات الاسكندر دوماس الشهيرة في كتابه المعروف "الفرسان الثلاثة". ومع إننا حاولنا فيما
    سبق من فصول وسنحاول في تناولنا للموضوع إبراز الظواهر الغريبة في المجتمع الياباني والتي قد تختلف عما يجري في مجتمعاتنا تعميما للفائدة وبحثا عن الطريف ،
    إلا أن النظر إلى الصورة الكاملة يؤكد ولا شك أن الذي يجمع اليابانيين مع الشعوب الأخرى – برغم ميزاتهمالخاصة – أكثر في الحقيقة مما يفرقهم عن هذه الشعوب.
    مما لا شك فيه أن اليابانيين يتميزون فعلا بالروح الجماعية حتى أن هناك حكمة شعبية مشهورة تقول أن " 1 + 1 = 3 " بمعني أن يابانيين إذا ما وحدا جهدهما فإن ذلك
    يساوي جهد ثلاثة أشخاص ، وإذا ما حاولنا تطبيق هذه الحكمة على بعض الشعوب التي عرف أفرادها بالمشاكسة فإن ناتج واحد + واحد سيساوي بالطبع نصف لا غي
    أو ربما أقل من ذلك في بعض الأحيان. ولعل ظاهرة المجموعات السياحية اليابانية التي يتقدمها العلم الأزرق الذي يحمله المرشد السياحي في شوارع العديد من الدول
    الأوربية ، والطريقة المنضبطة التي تتصرف بها المجموعة على هدي توجيهات المرشد السياحي قد عمقت هذا المفهوم عن اليابان على المستوى الشعبي في هذه الدول.
    وقد كانت الروح الجماعية وذوبان الفرد في الجماعة واحدة من الأسباب الرئيسة لنجاح الاقتصاد الياباني في التقدم بخطوات واسعة بعد الدمار الذي أصاب البلاد في
    الحرب العالمية الثانية ، وذلك عندما نجحت الحكومة في حشد الشعب حول أهدافها القومية المعلنة وعلى رأسها اللحاق بالدول الغربية المتقدمة والتفوق عليها في سنوات
    معدودة. كما أن هذه الروح تجعل الشعب الياباني كغيره من الشعوب المجاورة سهل القياد – إن صح القول – وملتزماً التزاماً صارماً بالنظام وهي من الصفات التي تساعد
    على تحقيق الأهداف القومية. ويتصدر اتحاد رجال الأعمال اليابانيين في السنوات الأخيرة الدعوة لإصلاح النظام التعليمي في البلاد بحيث يخرج شبابا يتميزون بالروح
    الفردية الخلاقة ، ويقولون أنه بالرغم من أن التركيز على الجماعة على حساب الفرد كان من أهم أسباب نجاح اليابان في فترة الثورة الصناعية إلا أن فترة ثورة
    المعلوماتية تحتاج لقادة أكثر مقدرة على الخلق والإبداع وهو ما لا يوفره نظام التعليم الحالي. ينسب للروح الجماعية كذلك البطء الشديد في اتخاذ القرار في اليابان ،
    إذ أن العملية تستلزم إجماع المشاركين فيها. ففي البرلمان الياباني مثلا ظلت سيطرة الحزب الديمقراطي الحر واضحة منذ منتصف الخمسينات وحتى بداية التسعينات
    من القرن الماضي ، وقد استطاع الحزب أن يظل حاكماً طوال هذه المدة كما استطاع في الكثير من الأحيان امتلاك الأغلبية المطلقة دون الحاجة للتحالف مع أي حزب آخر.
    إلا أنه وفي كل هذه الحالات كان الحزب يسمح للمعارضة بالسيطرة على بعض اللجان البرلمانية ويسعى في كل الأوقات للحصول على موافقتها على القرارات الصادرة
    من البرلمان. ورغم أنه كان بإمكان الحزب تمرير ما يريد من قرارات بأغلبيته الميكانيكية إلا أن مثل ذلك التصرف كان سيواجه بالامتعاض الشديد من الناخبين الذين ربما
    اتهموا الحزب بالغرور. ولعل البطء الشديد في اتخاذ القرار كذلك ينعكس على سياسة اليابان الاقتصادية خاصة في مجال تقديم المساعدات للدول النامية ، فالمعروف أن فترة
    دراسة الجدوى والتشاور حول اتخاذ القرار تستغرق وقتاً طويلاً في اليابان بالمقارنة مع غيرها من الدول. كنت كثيراً ما أقول لأصدقائي اليابانيين ممازحاً إنكم في حاجة لفهم
    عقلية السياسيين عندنا حيث أنهم في ذلك الجزء من العالم يهتمون بوضع حجر الأساس أكثر من اهتمامهم بافتتاح المشروع.يقول علماء الاجتماع أن النظام الياباني في التاريخ
    القديم كان يقوم على أساس سيطرة الأم ، لذلك فلم يكن من المستغرب أن تكون عائلة الزوجة هي الأساس في أي مشروع زواج حيث كان على الرجل بعد الزواج أن ينتقل إلى
    منزل زوجته ويلتحق بأسرتها على عكس ما يجري اليوم تماما إلا في بعض الحالات النادرة. ومن الحالات الشهيرة في التاريخ الياباني الحديث حالة رئيس الوزراء الياباني
    الأسبق والذي حصل على جائزة نوبل للسلام إيزاكو ساتو ، فهو أصلا من عائلة تسمى بعائلة كيشي ومنها شقيق المستر ساتو الذي كان رئيسا للوزراء أيضا في فترة سابقة. ويقال
    أن رئيس الوزراء ساتو قد اتخذ الإسم العائلي لأحد أقربائه للحفاظ على ثروته وهي عادة متبعة في اليابان حاليا وإن كانت على نطاق أضيق مما كان في السابق. أذكر إن زوج إحدى
    السكرتيرات التي كانت تعمل معنا بالسفارة أخذ اسم عائلة السكرتيرة التي كان أبوها غنيا ولم يكن له أولاد من الذكور وكان عليه أن يحافظ على إسم الأسرة بتزويج بنته من شخص
    يوافق على التسمي باسم العائلة.كان الرجال من الطبقات الراقية في المجتمع الياباني فيما مضى يمارسون عملية تعدد الزوجات وذلك لأنه كان يتوجب على المرأة الأرستقراطية أن
    تنسب أطفالها لشخص من ذات الطبقة ليحصلوا على الوضع الاجتماعي المميز. بدأ نظام تعدد الزوجات في التغيير ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي عندما بدأت طبقة
    الساموراي الظهور في الحياة اليابانية كنتيجة للاضطرابات السياسية التي سادت البلاد في تلك الفترة بسبب الحروب المتواصلة بين النبلاء الإقطاعيين. أصبح الزواج في العهد
    الإقطاعي وسيلة هامة لتقوية وتمتين التحالفات السياسية ، فاختفت بذلك الممارسة السابقة بتعدد الزوجات وأصبح الارتباط بزوجة واحدة جزء من العملية السياسية ككل.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 01-24-2017, 04:01 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-04-2017, 12:50 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    الاعتقاد الشائع في مختلف أنحاء العالم بما في ذلك شرقنا العربي هو أن الزوج الياباني يسيطر سيطرة كاملة على
    شئون الأسرة وأن الزوجة هي مجرد تابع له. وربما نشأ هذا الاعتقاد من الاتصال الأول بين الغربيين واليابان في
    منتصف القرن التاسع عشر عندما كان النظام الاجتماعي في عصر التوكوقاوا يلغي تماما شخصية المرأة ويجعلها
    أشبه بالممتلكات التي يقتنيها الرجل. يقول الكاتب الأمريكي أدوين رايشاور – وهو من أشهر الكتاب الأجانب الذين
    كتبوا عن اليابان – أنه كان من الطبيعي في عشرينات القرن العشرين أن ترى المرأة اليابانية تحمل الأطفال
    والأحمال الثقيلة وهي تسير على بعد عدة خطوات خلف زوجها الذي يتبختر خالي اليدين ، وهو أمر كان سائدا في
    بلادنا كذلك حتى وقت قريب. أما اليوم فإن العكس هو الصحيح بالنسبة للأسرة اليابانية فالاحتمال الأكبر هو أن
    يكون الزوج محملا بأكياس المشتريات وربما الأطفال والزوجة تسير معه جنبا إلى جنب وهي تحمل فقط حقيبة يدها.
    ومن الظواهر التي تعكس التحول في الوضع الاجتماعي للمرأة اليابانية هو ازدياد عدد السيدات اللاتي يقدن
    السيارات بينما يكون الزوج جالسا على المقعد الآخر وهو أمر كان الأزواج يقاومونه بصورة كبيرة في الماضي.
    وربما كان هذا التقليد لا زال سائدا عندنا في السودان ، بل إن بعض الدول الإسلامية لا زالت تمنع قيادة المرأة
    للسيارة. والمرأة اليابانية هي المسئولة عن إدارة شئون الأسرة في الوقت الحاضر فهي التي تضع وتنفذ ميزانية
    الأسرة وهي المسئولة الأولى عن مشاريع الأسرة الكبيرة كشراء شقة للسكن أو خلافه كما إنها تمثل الأسرة عادة
    في مجلس الآباء في مدارس أبنائها وتراجع دروسهم. ولعل السبب وراء ذلك هو غياب الزوج المتواصل عن
    المنزل نتيجة لانشغاله الشديد وخروجه مع الأصدقاء.
    تهتم المرأة اليابانية كثيرا بأناقتها ومع تحول المرأة من الزي التقليدي وانتشار الملابس الغربية بعد الحرب
    العالمية اهتمت بيوت الأزياء اليابانية والأجنبية بتقديم منتجاتها بأسلوب ساحر وجذاب في السوق الياباني .
    وتعتبر عروض الأزياء من الأنشطة التي تجد إقبالا كبيرا في المجتمع الياباني كما اشتهر عدد من مصممي
    الأزياء اليابانيين مثل السيدة هاناي موري على المستوى العالمي ، وهناك بعض الأسواق المشهورة بعرض
    أحدث صيحات الموضة لمختلف الأجيال ومن بينها منطقة هاراجوكو الشهيرة في العاصمة طوكيو
    والتي عرفت بمحلات الأزياء للشباب .
    من أهم الأركان في الأماكن التجارية الكبيرة الركن الخاص بمستحضرات التجميل ، والغريب في ذلك أن
    هذه المنتجات لا تختص بالنساء فقط بل أن هناك منتجات تجميل للرجال أيضا إذ أن الشركات تهتم بمظهر
    موظفيها بصورة مبالغ فيها . هناك بعض البرامج التلفزيونية التي تعلم الرجال كيفية استعمال منتجات
    التجميل بالصورة التي تجعلهم يظهرون في أبهى صورهم وهم يتعاملون مع الزبائن . أذكر أن الصحف
    اليابانية اهتمت في بداية الثمانينات من القرن الماضي بقضية رفعها أحد الموظفين ضد الشركة السياحية
    التي كان يعمل بها بعد ان قامت بفصله بدعوى أن لحيته الكثة تنفر الزبائن . وتقول بعض الإحصائيات
    أن المجتمع الياباني يعتبر أكثر المجتمعات صرفا على مستحضرات التجميل في العالم إذ تبلغ جملة
    مبيعات هذه المنتجات حوالي 5,9 مليار دولار في العام بالمقارنة مع 5,7 مليار دولار بالنسبة للولايات
    المتحدة التي تحتل المركز الثاني ، بينما نجد حجم سوق مستحضرات التجميل في دولة مثل إسبانيا
    مثلا لا تتجاوز 520 مليون دولارا في العام .
    قضيت شهرا مع إحدى الأسر اليابانية ضمن برنامج تعلم اللغة اليابانية ولاحظت أن الزوج وهو يعمل
    أستاذا بإحدى الجامعات لا يعود إلا في المساء ليحضر مع العائلة وجبة العشاء وكثيرا ما يعتذر عن
    حضور العشاء ويعود متأخرا ، وكانت الأم هي المسئولة عن تربية طفليهما بالإضافة لأعبائها الأخرى .
    لاحظت أن ربة المنزل بالرغم من مسئولياتها العديدة تصر على ممارسة حياتها الاجتماعية فتشارك في
    الجمعيات النسائية المختلفة والأنشطة الثقافية التي تقام خلال ساعات النهار ، وقد ساعدها في ذلك
    أسلوب الحياة السهل في اليابان . أدى استعمال التكنولوجيا الحديثة لتسهيل الحياة كثيرا بالنسبة لربة
    المنزل كما قاد لتوفير الكثير من الوقت الذي كانت المرأة تحتاجه في الماضي للطبخ وتدبير المنزل
    وغسل وكي الملابس مما مكنها من أن تشغل وقت فراغها لممارسة هواياتها وحياتها الاجتماعية .
    كل ما يقوم به الزوج الياباني هو تسليم مرتبه كاملا لربة المنزل عند بداية كل شهر ويحصل على
    مصروفه اليومي مع الأطفال كل صباح ، وتنشر الصحف اليابانية من حين لآخر متوسط المصروف
    اليومي للموظفين والذي لا يتجاوز في العادة الألف ين وهو ما يعادل تقريبا ثمانية دولارات وكثيرا
    ما يشكو الأزواج من قلة المصروف في التحقيقات التي تنشرها الصحف حول هذا الموضوع .
    لا يستطيع الرجل الياباني أن يخدع زوجته بشأن المبلغ الذي يتقاضاه كمرتب كل شهر إذ من السهل
    جدا معرفة ذلك ، ولكن كثيرا من الرجال يخبئون عن زوجاتهم دخلهم الحقيقي من ساعات العمل
    الإضافية حتى يتسنى لهم الاستفادة من المبالغ التي يوفرونها نتيجة لذلك للخروج مع أصدقائهم
    إلى مجالس الشرب التي يحبها اليابانيون كثيرا أو ممارسة هواياتهم المفضلة .
    لا زالت الكثير من التقاليد القديمة التي تقوم أساسا على تعاليم كونفوشيوص تلقي بظلالها على أسلوب
    التربية في الأسرة اليابانية ، ومن بين هذه التقاليد تدريب الأولاد الذكور على عدم إظهار عواطفهم
    إذ أن ذلك يعتبر نوعا من الضعف وهو أمر خليق بالبنات فقط . وقد لاحظت خلال وجودي في
    اليابان أن البنات يبالغن فعلا في التعبير عن عواطفهن خاصة إذا كن يتصرفن كمجموعة في حالة
    الاستماع لفنانهن المفضل أو تشجيع فريقهن الرياضي ، وربما كانت تلك محاولة لإثبات أنوثتهن
    واختلافهن حقا عن الأولاد . ينعكس هذا الأسلوب التربوي على علاقة الرجل بزوجته إذ أن
    الرجال اليابانيين نادرا ما يظهرون عواطفهم تجاه زوجاتهم أمام الآخرين ، بل إن بعضهم ظل
    حتى وقت قريب يشير إلى زوجته عند الحديث عنها للآخرين بلفظة " زوجتي الحمقاء " . هذا
    بالطبع بالرغم من أن حب الزوج الياباني لزوجته لا يختلف عن حب رصفائه في أنحاء العالم
    الأخرى لزوجاتهم . وهنالك عبارة يابانية تقول " إن الأزواج اليابانيين يتعاركون أمام الآخرين
    ويقبلون بعضهم بعضا سرا ، بينما يقبل الأزواج الأمريكيون بعضهم بعضا أمام الآخرين
    ويتعاركون سرا " .لا يختلف تصرف الرجل الياباني في اعتقادي كثيرا عن تصرف رصيفه
    السوداني فلا زالت الغالبية العظمى من الرجال في السودان تعتبر أن إبداء العاطفة نحو الزوجة
    يحط من قدر الرجل ولا يفعلون ذلك أمام الآخرين حتى وإن كانوا أطفالهم .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-06-2017, 10:25 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    أسلوب اليابانيين في التحية غريب بالنسبة للأجانب فهم لا يتصافحون أو يحضنون بعضهم البعض كما
    تفعل معظم شعوب العالم بل يكتفون بالانحناء . وللتحية اليابانية أصول فيما يبدو فالشخص الأصغر
    سنا أو أقل مكانة يجب أن ينحني بصورة أكبر من الآخر ، كما أنه يجب ألا يرفع رأسه من وضع
    الانحناء إلا بعد أن يرفع الشخص الأعلى درجة أو أكبر سنا رأسه . وكثيرا ما تعرضت للحرج في
    الأيام الأولى فكنت أمد يدي للمصافحة فيهوي الشخص الذي أمامي لينحني على الطريقة اليابانية ،
    وعندما أتذكر ذلك وابدأ في الانحناء يكون هو قد بدأ في رفع رأسه وكنت أخشى في الكثير من
    الأحيان أن تصطدم الرؤوس في منتصف الطريق .
    من الطرائف التي تحكى في هذا المجال أن أحد الإخوة العرب كان في انتظار المرافق الياباني
    بالغرفة في الفندق ، وعندما وصل المرافق واتصل بالتلفون من الاستقبال كعادتهم طلب منه الأخ
    العربي الصعود وقرر في نفس الوقت أن يؤدي الصلاة فترك باب الغرفة مفتوحا . عندما وصل الياباني
    ووجد الأخ العربي في حالة ركوع ركع هو أيضا ، وعندما رفع الأخ العربي من الركوع رفع
    الياباني كذلك ، وعندها سجد العربي فما كان من الياباني إلا أن سجد هو الآخر فانفجر العربي
    ضاحكا وسأل الياباني:
    " لماذا تفعل ذلك ؟ "
    فرد الياباني :
    " أليس هذا هو أسلوب التحية في بلادكم ؟ "
    اختلاف العادات يقود كما هو معروف للكثير من المواقف الطريفة . لم يكن بالامكان شراء
    إبريق لاستعماله في الطهارة داخل الحمام لذلك فإنني كنت استعمل بعض زجاجات العصير .
    كانت هناك سيدة تحضر لنظافة المنزل مرة في الأسبوع بعد خروجي للمكتب وكنا لا نلتقي
    إلا عندما تحضر للحصول على أجرها كل شهر . لاحظت أن السيدة كلما جاءت لنظافة
    المنزل فإنها تقوم بنظافة الزجاجة الموجودة في الحمام وملئها بالماء ثم وضعها في الثلاجة ،
    وكنت في كل أسبوع أعيد الزجاجة إلى مكانها المعتاد . قررت ألا أحدث السيدة عن سر
    الزجاجة في الحمام ويبدو أنها آثرت ألا تسأل كذلك ، ولكني كنت دائما أتخيل دهشتها وهي
    تقول ولا شك: " كم من الوقت يا ترى يقضيه هذا الرجل في الحمام حتى يحتاج لشرب الماء ؟ " .
    يحتل الأطفال موقعا مميزا في المجتمع ويظهر اليابانيون خاصة النساء حبا مفرطا للأطفال ،
    ويبدأ الاحتفاء بهم بمجرد ميلادهم إذ يتقاطر أفراد الأسرة على المستشفي الذي يوضع به الطفل
    لإلقاء نظرة على المولود الجديد وهم يتفحصونه بدقة شديدة قد تجعل الأمهات عندنا في
    السودان يتمتمن بالتعويذات والدعوات . ولا يخفي اليابانيون إعجابهم بالوليد ويمطرونه
    بالإطراء عن حجمه ولونه وغزارة شعره وغيرها من الصفات الحميدة ، وبما أنني قد رزقت
    اثنين من بناتي في اليابان فقد كان الإطراء الذي أسمعه عنهن هو دائما عن عيونهن الكبيرة
    ولا غرو فإن أطفال اليابانيين يولدون بعيون لا تكاد تبين . وأكثر الملاحظات التي ترددت
    على سمعي من أفواه اليابانيين في مثل تلك المناسبات هي أن الطفل يشبه والده شبها شديدا
    رغم اعتقادي أنه من الصعوبة بمكان تحديد شبه الطفل في تلك السن المبكرة . وقد سمعت من
    أحد الأصدقاء اليابانيين الساخرين أن أهل الزوجة هم الأكثر تأكيدا لشبه المولود لوالده
    ربما لإثبات بنوته وإبعاد أي شك والله أعلم .
    كان المجتمع الياباني التقليدي يفضل المولود الذكر على الأنثى وذلك انطلاقا من تقاليد
    المجتمع الزراعي ، لذلك فقد كان على المرأة أن تعتذر لأهل الزوج إذا رزقت بعدد من
    الإناث حيث أنها كانت تتحمل وزر ولادة البنات . تغير هذا الوضع كثيرا بالطبع في
    المجتمع الياباني الحديث بعد أن تغير وضع المرأة عموما في المجتمع بعد الحرب
    العالمية الثانية . ونسبة للظروف الاقتصادية فإن أغلب العائلات أصبحت تكتفي عادة
    بطفلين فقط تفضل أن يكونا ولدا وبنتا . ونسبة لأن الإجهاض بموافقة الوالدين يعتبر
    عملا قانونيا في البلاد فإنه ليس من المستبعد أن يحدد الوالدان نوع المولودين اللذين
    يريدانهما عن طريق إجهاض الطفل غير المرغوب فيه . في نهاية الثمانينات توصل
    أحد العلماء اليابانيين لاستنباط أسلوب يحدد نوع الجنين قبل الحمل عن طريق تلقيح
    بويضة المرأة بالحيوانات المنوية للرجل التي ينتج عنها نوع المولود المطلوب
    خارج الرحم ، بيد أن هذه الطريقة لم تجد رواجا فيما يبدو رغم أنها أثبتت نجاحا كبيرا
    كما تقول التقارير في المراحل التجريبية ، ولا أدري إن كان عزوف الناس
    عن استعمالها بسبب التكلفة أم لأسباب أخرى .
    تهتم الدولة والقطاع الخاص في اليابان بالمنتجات الخاصة بالأطفال إذ أنها تحتل
    جانبا هاما من السوق اليابانية . ولعل مجالات الترفيه عن الأطفال هي أكثر المجالات
    جذبا للاستثمار ، وتنتشر في معظم أنحاء اليابان مدن الملاهي الكبيرة كما أن
    البلديات تهتم اهتماما خاصا بحدائق الأطفال التي تقام في عدة أماكن من كل حي .
    وقد أقامت شركة ديزني المشهورة أول مدينة ملاه لها خارج الولايات المتحدة في
    طوكيو في النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن الماضي تحت اسم " ديزني لاند " .
    وقد ظلت مدينة الملاهي مزدحمة بالزوار لعدة سنوات حيث كانت زيارتها تقتضي الحجز
    قبل فترة طويلة ، كما إن على الإنسان أن يتخير الأيام المناسبة حتى يستمتع الأطفال
    بالألعاب المختلفة حيث يمكن أن يقضي الطفل أكثر من ساعتين انتظارا للاستمتاع
    ببعض الألعاب ذات الشعبية العالية . انتهزت العديد من الشركات السياحية الفرصة
    لإقامة عدد من الفنادق الفخمة قرب الحديقة لصالح المواطنين القادمين من مناطق
    بعيدة لعلمها بأنه لا يمكن تغطية كل أقسام الحديقة في يوم واحد مما يضطر بعض
    الأسر لقضاء يومين أو ثلاثة في الفندق .
    تعتبر تربية الأطفال وتوفير التعليم المناسب لهم الشغل الشاغل للأسرة اليابانية ،
    كما أن أصغر الأطفال يمثل عادة مركز اهتمام الأسرة ويخاطب الجميع بعضهم بعضا
    انطلاقا من موقعه ، فالأب والأم يناديهم جميع أفراد العائلة بابا وماما والأخ أو الأخت
    الكبرى يناديهم الجميع بما فيهم الوالدين أيضا بالأخ أو الأخت الكبرى . يهتم اليابانيون
    اهتماما خاصا بالترتيب العمري للأطفال ويندر أن يشير ياباني لأخيه أو أخته هكذا
    بصورة مجردة إذ لا بد أن يشير إن كان هو أكبر أو أصغر ، وحتى عندما يلعب
    الأطفال مع بعضهم فإنهم لا ينادون إخوانهم وأخواتهم بأسمائهم المجردة ولا
    يخاطبونهم إلا بهذه الألقاب . وفي حالة التوائم لا بد من تحديد أيهما قدم للدنيا قبل
    الآخر حتى يمكن مخاطبتهما باللقب المناسب ، وعندما كانت الأسر اليابانية كبيرة
    الحجم وبها أكثر من طفلين كما هو الحال في الوقت الحاضر فقد كان ترتيب
    الأطفال يتم حسب تاريخ ميلادهم ويعطى كل واحد منهم اللقب المناسب كما هو
    الحال بالنسبة لبعض قبائل الهوسا في نيجيريا .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-07-2017, 02:06 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    عرف عن اليابانيين حبهم الشديد للطبيعة ، لذلك فإنهم يبدون شغفا كبيرا بالحيوانات وبصفة
    خاصة القطط والكلاب وقد يبلغ هذا الحب حد الهوس كتلك الفنانة الشهيرة التي كانت تتصل
    تلفونيا من أي مكان في العالم لسماع صوت قططها التي يربو عددها عن العشرين . والمتجول
    في شوارع أي مدينة يابانية يلاحظ العدد الكبير من المواطنين الذين يقومون باصطحاب كلابهم
    في جولات يومية حتى لا يصاب الكلب بحالة من الاكتئاب لطول البقاء داخل المنزل ، وقد امتهن
    البعض مهنة ترتيب جولات للكلاب نيابة عن أصحابها الذين قد لا تسمح ظروفهم بذلك . من
    الأشياء الملفتة للنظر كذلك وجود فنادق خاصة بالحيوانات ، حيث يمكن لصاحب الحيوان في
    حالة سفره أن يتركه في أحد هذه الفنادق التي يشرف عليها أطباء بيطريون مقابل مبلغ معين
    من المال . يقوم الفندق برعاية الحيوان بما في ذلك الجولات اليومية وتفوق أسعار الغرف
    " الأقفاص " أحيانا أسعار الغرف في بعض الفنادق التي يقيم بها بنو البشر . وتختلف أنواع
    الكلاب كما هو معروف وأحجامها التي تتراوح من الحجم الكبير المماثل لحجم الحيوانات
    المفترسة كالأسد وغيره والذي يكلف صاحبه أموالا طائلة لإطعامه إلى الحجم الصغير الذي
    يكاد يكون أصغر من القطة . ومن الطرائف أن أحد الإخوان السودانيين كان يصطحب
    طفلته الصغيرة والتي لاحظت أن العديد من السيدات اليابانيات يحتضن في حنو شديد كلابا
    صغيرة وهن يسرن في الشوارع فما كان منها إلا أن سألت والدها ببراءة شديدة
    " بابا … هل تلد اليابانيات كلابا " .
    تتنوع الحيوانات التي يقوم اليابانيون بتربيتها بصورة كبيرة فهناك من يقومون بتربية الفئران
    والثعابين وهناك من يقومون بتربية النمور والأسود في الحدائق الخلفية لمنازلهم ، وتباع
    هذه الحيوانات وبصفة خاصة النادرة منها بأسعار مرتفعة للغاية وقد شهدت ببغاء أفريقيا
    نادرا يباع بسعر يفوق سعر السيارة الكريسيدا . أما الكلاب والقطط ذات الحسب والنسب
    فإن المشتري يحصل معها على شهادة هي عبارة عن شجرة العائلة التي
    تؤكد الأصل الكريم للحيوان .
    قد يكون هذا الحديث غريبا بالنسبة لمجتمعات كمجتمعنا ، إلا أنه يبدو أن تربية الحيوانات
    تشبع رغبة عاطفية عند القوم خاصة وأن بعضهم يعيشون حياة موحشة لا يؤنسها إلا
    وجود هذه الحيوانات . ويبدو أن بعض هذه الحيوانات تبادل الناس حبا بحب ، فقد وقعت
    حادثة مأساوية في منتصف الثمانينات تناولتها الصحافة اليابانية بتوسع واهتمت بها
    اهتماما كبيرا وذلك عندما قام كلب بقتل طفلة وليدة بدافع الغيرة حسبما يقول المحللون
    البيطريون النفسانيون ( إن كان هناك من يمكن أن نطلق عليهم مثل هذه الصفة )
    وذلك عندما أحس الكلب بأن عاطفة ربة المنزل قد تحولت عنه نحو الطفلة الوليدة.
    من جانب آخر فإن جمعية الرفق بالحيوان كرمت كلبا قام بإنقاذ صاحبه الأعمى من
    موت محقق في حادث حركة مما أدى لأن يفقد الكلب ساقيه الخلفيين في هذه العملية الشهمة ،
    وقد كان من ضمن التكريم تزويد الكلب بعجلتين تعويضا عن الساقين المفقودين .
    ومن أشهر الميادين في العاصمة طوكيو ميدان يعرف باسم " هاجيكو " وهو اسم للكلب
    الذي يتوسط تمثاله الكبير الميدان الواقع أمام واحدة من أهم محطات القطارات ، وتقول
    الرواية أن الكلب كان يرافق صاحبه في الصباح للمحطة كل يوم ويستقبله عند العودة من
    المكتب ليرافقه للمنزل . وفي يوم من الأيام توفي الرجل في مكتبه وعندما جاء الكلب
    لمحطة القطار لم يعد صاحبه بالطبع ، ولم تجد كل المحاولات لإقناع الكلب بالعودة
    للمنزل وظل في مكانه إلى أن توفي انتظارا لصاحبه فأقام سكان المنطقة التمثال تخليدا
    للكلب الوفي . وفي سنوات الحرب العالمية الثانية عندما قررت الولايات المتحدة وقف
    تصدير المعادن لليابان قامت الحكومة اليابانية بمصادرة تمثال الكلب ضمن ما جمعت
    من مواد لصناعة الأسلحة ، غير أن سكان المنطقة قاموا بإعادة بناء التمثال بعد نهاية الحرب .
    والتمثال من المواقع المفضلة للقاء العشاق من الشباب ، ولا شك أن الرمزية واضحة
    هنا فالشاب أو الشابة يريدان أن يؤكدا للحبيب وفاءهما بالوقوف في ذات المكان الذي
    وقف فيه ذلك الكلب الوفي .
    يعتبر دب الباندا النادر والذي يعيش في الصين من أكثر الحيوانات التي تكتسب حب
    اليابانيين ويظل قفصه في حديقة الحيوانات في أوينو بالعاصمة طوكيو من أكثر
    المناطق ازدحاما بالحديقة ، وتتابع الصحافة أخبار هذا الحيوان باهتمام خاص إذا
    ما وضعت أنثاه مولودا جديدا وعادة ما تجري مسابقة بين الأطفال اليابانيين لاختيار
    اسم جديد للمولود . في نهاية السبعينات توفيت واحدة من إناث هذا الحيوان في الحديقة
    وقد كانت مناسبة حزينة للغاية بالنسبة للشعب الياباني والأطفال بصفة خاصة وقد ظلت
    أجهزة الإعلام تتابع الخبر بصفة مستمرة لعدة أيام . تصادفت وفاة الباندا مع وفاة رئيس
    الوزراء الياباني في نفس الفترة . ورغم أن وفاة رئيس الوزراء قد وجدت تغطية إعلامية
    واسعة خاصة وأنه توفي أثناء حملة انتخابية مصيرية بالنسبة لحزبه ، إلا أن الملاحظ
    هو أنه بينما اجتذبت جنازة رئيس الوزراء حوالي الثلاثمائة من المشيعين فإن جنازة
    الباندا اجتذبت حوالي الثلاثين ألفا ولم تفت المفارقة على أجهزة الإعلام التي تناولتها بالتعليق .


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-08-2017, 08:29 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    قمت بزيارة لحديقة الحيوان في أوينو مع أحد الأصدقاء السودانيين وقد عجزنا حينها
    عن زيارة قفص الباندا الذي كانت تصطف أمامه صفوف الراغبين في مشاهدة الحيوان .
    ومن الطرائف أن تصادف وجود طفل في حوالي الرابعة من عمره أمام قفص الغوريلا
    عندما وصلنا إلى هناك ، وقد لاحظنا أن الطفل يمعن النظر في الغوريلا ثم يعود لينظر
    لي ولصديقي وقد كرر ذلك عدة مرات فقال الصديق: " لا بد انه وجد بعض أوجه الشبه " .
    الشباب الياباني كغيره من الشباب في أنحاء العالم الأخرى يتميز بالتمرد وحب المغامرة
    وإن كان الانطباع العام لكل من يزور اليابان أن شباب البلاد لا يقارن تمرده بما يحدث في
    الدول المتقدمة الأخرى ، فالتقاليد اليابانية المحافظة لا زالت تنعكس بصورة واضحة على
    الشباب . تقل الظواهر السالبة كإدمان المخدرات وما يتبعها من جريمة وسط الشباب الياباني
    بالمقارنة مع غيره من الشباب في دول العالم المتقدمة ، كما يبدو الشباب من الجنسين أكثر
    اهتماما بمظهره العام وأناقته وهناك بيوت أزياء خاصة لموضات الشباب . ولا زال الشباب
    يهتم بالروابط العائلية حيث يظل الأبناء في بيوت أسرهم إلى حين إكمال الدراسة الجامعية
    إلا إذا اقتضت الظروف إكمال الدراسة في مدينة أخرى ، ويظلون على صلة بأسرهم حتى
    بعد التخرج وتكون البنات عادة في بيت الأسرة إلى حين الزواج . إلا أن هذا لا يمنع بالطبع
    بروز بعض الظواهر التي ترافق عادة التقدم الصناعي وتحول المجتمع بصورة أكبر نحو
    الاقتصاد الاستهلاكي ، لذلك فإن بعض العائلات وبصفة خاصة في المناطق الحضرية بدأت
    تعاني من التفكك الأسري فقد أصبح الشباب أكثر رغبة في الانعتاق من قبضة الأسرة
    والاستقلال بحياتهم . ويتضح بين الشباب ضيقهم بنوع الحياة التي تلغي شخصية الفرد وتقوم
    بتذويبه تماما في الجماعة والتي كان آباؤهم قانعين بها . ويرى الكثير من علماء الاجتماع أن
    هذه الظاهرة في ازدياد وأنه قد لا يمضي وقت طويل قبل أن تظهر في اليابان نفس الظواهر
    الاجتماعية التي تشكو منها المجتمعات الصناعية الأخرى .
    بالرغم من الصورة العامة التي أشرنا إليها أعلاه إلا أن كبار السن في اليابان يرون أن
    الشباب أقل جدية منهم في التعامل مع الحياة وأكثر ميلا نحو الاستمتاع بمباهجها . ولعل ولع
    الشباب الشديد بالرقص والموسيقى يعتبر واحدة من الظواهر التي تشير للتحول الذي يحدث
    في المجتمع عموما . فبالإضافة للمراقص الكثيرة التي تشتهر بها بعض المناطق في العاصمة
    طوكيو والتي يؤمها الشباب صغار السن من طلاب الجامعات والمدارس الثانوية ، فإن هناك
    مهرجانا أسبوعيا للرقص يقام في واحد من أكبر الشوارع في منطقة " هاراجوكو " المعروفة
    بمحلاتها التي تخدم الشباب بصفة خاصة . يتجمع الشباب من الجنسين في هذه المنطقة منذ
    الصباح الباكر يوم الأحد من كل أسبوع في شكل مجموعات تستعمل كل واحدة منها مسجلا
    كبيرا تصدر منه أصوات الموسيقى الصاخبة . تتميز كل مجموعة بزي خاص ويقوم أفرادها
    من الأولاد والبنات بوضع مكياج خاص ويمارسون الرقص طول النهار بشكل جماعي ،
    وتسمى هذه المجموعات باسم " تاكي نو كو " . اشتهرت المنطقة حتى أصبحت من المناطق
    الجاذبة للسياح الذين يحضر معظمهم للفرجة ولكن بعضهم يشارك الشباب في الرقص والمرح .
    من الظواهر الشبابية السالبة أيضا الظاهرة التي يطلق عليها اسم "بوسوزوكو" وهي
    مجموعات من الشباب التي تستعمل الموتوسيكلات وتسبب الكثير من الإزعاج للسيارات
    والمارة خاصة في أوقات متأخرة من الليل في فترة إجازة الصيف . ورغم أن هذه المجموعات
    التي تتكون أحيانا من خمسين أو ستين موتوسيكلا قد تكتفي فقط بالمخالفات المرورية البسيطة
    كالسير في الاتجاه المعاكس من الطريق ، إلا أنها تصطدم أحيانا بأفراد الشرطة أو سائقي
    السيارات مما قد ينتج عنه بعض الإصابات . وواضح في تصرفات هذه المجموعات الأثر
    الغربي خاصة ما يشاهده هؤلاء الشباب في بعض الأفلام الأمريكية ، وتسبب الظاهرة إزعاجا
    كبيرا إلا أنها لم تتطور بعد لتشكل تهديدا للأمن كما هو الحال في بعض المدن الأمريكية أو
    المجتمعات الأوربية حيث ارتبطت الظاهرة أحيانا بالتعصب العرقي .
    نسبة الجريمة في اليابان عموما قليلة جدا أيضا بالمقارنة مع الدول الصناعية الكبيرة وبعض
    الدول النامية وربما يعود ذلك في جانب منه للوضع الاقتصادي المستقر حيث ظلت استطلاعات
    الرأي العام تظهر حتى بداية الثمانينات قناعة اليابانيين بأحوالهم الاقتصادية وثقتهم في المستقبل .
    بيد أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعا في معدلات البطالة في البلاد ويتوقع بعض علماء
    الاجتماع أن يتبع ذلك بعض الظواهر الاجتماعية غير المرغوب فيها . تعتبر المدن اليابانية من
    أكثر المدن أمانا في العالم أجمع وكثيرا ما تجد النساء وهن عائدات إلى منازلهن في أوقات
    متأخرة من الليل دون خوف من أن يتعرض لهن شخص بأذى ، وتنحصر الجرائم الصغيرة
    كالنشل والسرقة في بعض المناطق المحدودة في العاصمة طوكيو .
    مع ذلك فإن باليابان وجودا بارزا للجريمة المنظمة والعصابات الكبيرة التي تعمل أحيانا
    خارج الحدود وتعرف باسم " ياكوزا " . وتتخذ الياكوزا عادة مكاتب مسجلة رسميا كغطاء
    لها وهي أشبه بعصابات المافيا المشهورة وتقول إحصائيات البوليس الياباني أن هناك أكثر من
    أربعة وعشرين عصابة من هذا النوع في البلاد ، ولعل أشهرها العصابة المعروفة باسم
    " ياماقوشي قومي " . تعمل هذه العصابات عادة في مجالات غير مشروعة كالدعارة وتهريب
    الأسلحة وغسيل الأموال ، ويرتبط أعضاء المجموعة بقسم يؤدونه من ضمن طقوسه
    قطع خنصر اليد اليسرى تأكيدا لتعميد هذا العهد بالدم .
    تتقاسم العصابات الكبيرة مناطق النفوذ في البلاد وتقع بين هذه العصابات معارك من حين
    لآخر يروح ضحيتها عدد من أفرادها إلا أنها نادرا ما تهاجم المواطنين العاديين ، غير أن
    بعض الأبرياء قد يصابون عندما يضعهم حظهم العاثر في وسط مثل هذه المعارك .
    وقد نقل التلفزيون الياباني على مدى عدة أيام نزاع بين عصابة ياماقوشي قومي وواحدة من
    العصابات المحلية في شمال البلاد عندما أصرت الأولى على فتح مكتب لها في الشمال . لم
    يتطور النزاع إلى صراع مسلح ، والعجيب في الأمر أن الشرطة تدخلت في النهاية لإنهائه
    بإقناع ياماقوشي قومي بالتراجع . تقول الاحصائيات أن 472 معركة قد وقعت بين أفراد
    هذه العصابات في فترة عشر أعوام من عام 1993 وحتى عام 2003 ، وتقول مصادر
    أمنية أن 85 من هذه الحوادث شملت بعض الأبرياء الذين تصادف وجودهم في مواقع
    هذه الحوادث . الغريب أن القانون الياباني لا يعوض مثل هؤلاء عن الأضرار التي وقعت
    بهم لأنهم يفشلون دائما في تحميل العصابة التي ينتمي لها الشخص الذي تسبب في الأذي
    المسئولية ، وذلك لسبب بسيط هو عجزهم عن إثبات أن الأوامر بإلحاق الأذى قد صدرت
    فعلا من رئيس العصابة . يسعى البرلمان الياباني حاليا لتعديل القانون بحيث يتحمل رئيس
    العصابة مسئولية تصرفات كل منسوبيه ، العجيب أن القانون الذي يحاكم مثل هذه الحالات
    هو قانون الأعمال الخاصة بالرغم من أن بعض المحامين الذين يرافعون عن العصابات
    يقولون بأن صفة " العمل الخاص " لا تنطبق على موكليهم .
    من المجالات التي تعمل فيها عصابات الياكوزا ما يعرف في اليابان باسم " ساراكين "
    وهو نظام ربوي يستدين بموجبه الموظفون وأعضاء الطبقة الوسطى بعض الأموال من
    العصابات لقضاء أمورهم وإعادتها فيما بعد بنسبة ربوية عالية ، ويقود النظام للعديد من
    المآسي من بينها انتحار أسر بأكملها إذ أن وفاة رب الأسرة لا تعفي الآخرين من تسديد الدين .
    وكم من حالة أوردتها الصحف تتحدث عن والدين قررا الانتحار وقاما بقتل أطفالهما
    الأبرياء خوفا من المستقبل . وتستعمل العصابات كما هو متوقع أساليب عنيفة لاسترداد
    أموالها ويتعرض غير القادرين على تسديد الديون لضغوط شديدة تقودهم للانتحار .


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-09-2017, 12:51 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    كما سبق أن أشرنا فإن نسبة الانتحار في اليابان تعتبر من أعلى النسب في العالم خاصة بين المسنين والأطفال بالرغم من الوضع الاقتصادي المريح بالمقارنة مع معظم دول العالم . غير أن التغيير الذي طرأ في الأوضاع الاقتصادية مؤخرا وازدياد نسبة البطالة قد ساعد في رفع نسبة الانتحار بين الرجال العاملين . تقول الاحصائيات أن عدد المتحرين في اليابان قد بلغ ثلاثين ألفا في عام 2000 وهو عدد يفوق ضعف عدد الذين فقدوا أرواحهم في حوادث الحركة . وهناك عدة أسباب ترتبط بهذه الظاهرة ولعل أهمها هو نظرة المجتمع الياباني لعملية الانتحار نفسها ، فعلى عكس ما هو حادث في بقية أنحاء العالم فإن الانتحار لا ينظر إليه في اليابان باعتباره قمة الفشل بل ربما العكس من ذلك تماما فقد كان الانتحار في اليابان ولا زال ينظر إليه باعتباره خطوة نحو المجد . من جانب آخر فإن الأمراض النفسية تعتبر علامة ضعف لذلك فإن المصابين بها لا يقومون عادة باستشارة الأطباء ، كما أن وضع الطب النفسي في اليابان يؤكد مدى عدم اهتمام المجتمع به بالمقارنة مع الدول الصناعية الأخرى حيث أن الميزانية المخصصة لهذا النوع من العلاج تأتي عادة في ذيل منصرفات وزارة الصحة اليابانية . عرفت اليابان في العهد الإقطاعي الانتحار باعتباره قمة المجد ولم يكن يسمح للناس العاديين بالانتحار الذي كان يعتبر من الممارسات التي تميزت بها طبقة النبلاء والساموراي . ويتم الانتحار الذي يطلق عليه في اللغة اليابانية " سيبوكو " أو " هاراكيري " وفق طقوس معينة ، فالنبيل أو الساموراي يحمل عادة سيفين أحدهما طويل والآخر قصير وهما السيفان اللذان يستعملان في ممارسة العملية . يقوم المنتحر عادة باستعمال السيف الصغير لشق أمعاءه ويوكل لأعز أصدقائه شرف الإطاحة برأسه باستعمال السيف الطويل . ويجب أن يقع المنتحر للأمام بعد الوفاة وإلا لظل العيب يلاحق أهله فيما بعد ، لذلك فإن المنتحر يقوم قبل ممارسة العملية بوضع أكمام جلبابه الطويلة تحت ركبتيه وهو جاث في انتظار ضربة السيف التي ستطيح برأسه . هناك قصة شهيرة عن عدد من الساموراي الذين انتقموا لمقتل قائدهم فنالوا مباركة الإمبراطور لممارسة الانتحار وتم تكريمهم بالموافقة على دفن بقاياهم التي لا زالت تزار في معبد مشهور في وسط العاصمة طوكيو ، بالرغم من أن الساموراي الذي يفقد قائده ويسمونه " رونين " يفقد شرف الانتحار . وتقول القصة أن أحد النبلاء المشهورين في البلاط الإمبراطوري استفز نبيلا آخر في مجلس الإمبراطور مما جعل الأخير يسحب سلاحه تهديدا للأول وهو خطأ فادح لا يمكن تصحيحه إلا بالانتحار وهو ما قام به النبيل الذي ارتكب الخطأ . غضب أتباع هذا النبيل الذين أصبحوا من الرونين بسبب وفاة قائدهم فصمموا على الانتقام من النبيل الآخر ، وبعد عدة سنوات من العمل السري المتقن استطاعوا تنفيذ خطتهم . وتقديرا لولائهم المطلق لأميرهم الفقيد وافق الإمبراطور على انتحارهم جميعا ودفنت رفاتهم في المعبد المذكور .ولعل من الأسباب التي تجعل الانتحار أمرا مقبولا في اليابان بالإضافة للتمجيد الذي يجده الشخص المنتحر هو أن التربية في اليابان تعلم الأولاد بصفة خاصة ضرورة النجاح وألا مكان لفاشل . لذلك فإن الياباني إذا فشل في أي عمل فإنه يلجأ للانتحار باعتباره الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يرد بها اعتباره . وكثيرا ما يلاحظ الإنسان أن الأسباب التي يوردها المنتحر عادة ما تكون غير مقنعة بالنسبة لأمثالنا ممن ينهاهم الدين نهيا جازما عن الانتحار ، ولعل ذلك أوضح ما يكون في أوساط الأطفال الذين ترتفع في أوساطهم نسبة الانتحار بسبب الفشل في الدراسة أو في الواجبات التي يكلفون بها . ولا شك أن اليابان تشارك غيرها من الدول الصناعية في الحقيقة المعروفة وهي أن سرعة التقدم الاقتصادي وما يتبعها من ضغوط خلقت نوعا من الخلل الاجتماعي مما انعكس سلبا على العديد من الأشخاص الذين لا يستطيعون التأقلم مع التحولات الاجتماعية السريعة مما يقود في النهاية لارتفاع نسبة الانتحار . ولعل هذا ينعكس أيضا في ازدياد نسبة الأمراض النفسية المرتبطة بظواهر التقدم الصناعي السريع كالتلوث الهوائي والسمعي وغيره ، بالإضافة لضغوط المجتمع الاستهلاكي . ويبدو أن هناك مناطق مفضلة لدى الأشخاص الذين يمارسون عملية الانتحار من بينها بعض البنايات الشاهقة وأحد الشلالات المرتفعة المشهورة في وسط اليابان بالإضافة لإحدى غابات جبل فوجي المعروف بالقرب من العاصمة طوكيو . ويبدو أن لهذه الغابة سحر خاص لدى الأشخاص الذين يمارسون هذه العملية البغيضة سواء أن كان ذلك بسبب عزلتها أو لأسباب دينية إذ أن الجبل يعتبر من المناطق المقدسة لدى البعض . وفي بداية موسم الصيف تقوم السلطات بنظافة الغابة استعدادا لاستقبال السياح الذين يؤمونها في ذلك الموسم وعادة ما تعثر السلطات على العشرات من بقايا جثث المنتحرين كل عام . شهد المجتمع الياباني في السنوات الأخيرة من القرن الماضي عددا من الجرائم الغريبة التي يقوم بها الجاني ضد أشخاص لا صلة لهم به بسبب الضغوط النفسية التي يتعرض لها فتجعله عدائيا تجاه المجتمع ككل . من بين هذه الجرائم الغريبة تلك التي ارتكب سلسلة منها رجل كان يطلق على نفسه اسم " الرجل ذو الواحد وعشرين وجها " ، وكان أسلوبه هو تسميم المنتجات الغذائية لإحدى الشركات في المتاجر المختلفة مما اضطر الشركة في وقت من الأوقات إلى حصر توزيع منتجاتها في متجر خاص بها . وقد استمر المجرم يمارس جريمته منذ منتصف الثمانينات وحتى منتصف التسعينات دون أن تتمكن الشرطة اليابانية من إلقاء القبض عليه بالرغم من أنه كان يقوم أحيانا بإرسال رسائل تهديد مطبوعة على الآلة الكاتبة ، ورغم أن كاميرات أحد المحال التجارية التقطت له صورة .من الظواهر الاجتماعية التي ارتبطت بالضغوط الاجتماعية والعملية ظاهرة الألعاب الفردية لتزجية أوقات الفراغ بالنسبة للمواطن الياباني ، فقد انتشرت منذ منتصف السبعينات من القرن العشرين المقاهي المخصصة للألعاب الأليكترونية . تمثل المنضدة في هذه المقاهي شاشة تلفزيونية يستطيع الإنسان خلالها ممارسة العديد من الألعاب الأليكترونية الحديثة ، ويعتبر هذا النوع من الألعاب المثير خاصة بالنسبة للأطفال والشباب مضيعة للوقت والمال . وقد شهدت الثمانينات من القرن الماضي جدلا واسعا حول الأضرار الاجتماعية التي تنتج عن هذه الممارسات ، كذهاب الأطفال للمقاهي للعب أثناء ساعات اليوم الدراسي واستعمال مصروفهم اليومي للصرف على هذه الهواية وربما الاضطرار للسرقة لتمويل هوايتهم . ولكن أخطر ما أشار إليه العلماء الاجتماعيون هو أن المقهى يفقد بذلك وظيفته الاجتماعية المتمثلة في التواصل بين الأشخاص وهم يتناولون مشروبا باردا أو فنجانا من القهوة ، خاصة وأن معظم هذه الألعاب يمكن أن تلعب بواسطة شخص واحد فقط . لم تكتف الشركات المنتجة لهذه الألعاب بالمقاهي فقط بل طورت منتجاتها بحيث يمكن استعمالها في المنزل بربطها بشاشة التلفزيون أو تصغير حجمها بحيث تحمل في الجيب ويمارس اللعب عليها في أي مكان بما ذلك قاعات الدراسة بين الحصص . وقد شهدت بداية التسعينات ولع الأطفال اليابانيين بلعبة تمثل حيوانا أليكترونيا تتم رعايته بصفة مستمرة وإلا فإنه يتعرض للمرض ثم الموت ، وقد جنت الشركة التي أنتجت هذه اللعبة المبتكرة أموالا طائلة .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 01-09-2017, 01:02 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-10-2017, 12:53 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    من الألعاب المنتشرة في اليابان بصورة واسعة كذلك لعبة يطلق عليها القوم هناك اسم " باشنكو " وهي عبارة عن عدد من الكرات الحديدية الصغيرة يتحكم فيها الإنسان بواسطة ماكينة وفي حالة إدخال هذه الكرات في فتحات معينة فإن الإنسان يكسب عددا من الكرات ويواصل اللعب بقدر ما يسمح له المكسب الذي حققه . ونسبة لأن لعب الميسر ممنوع بالقانون في اليابان فإن الشخص بإمكانه استبدال الكرات التي تتجمع لدية ببضائع كالصابون أو السجائر أو الاحتفاظ بها في المكان واستلام إيصال بعددها لممارسة اللعب في مناسبة قادمة . بيد أن بعض المحلات تقوم بدفع مقابل من المال وهو الأمر الذي يتم بحذر شديد إذ أنه يمكن أن يوقع المحل تحت طائلة القانون مما يؤدي لسحب ترخيصه . ومحلات الباشنكو تكون عادة جاذبة للغاية في شكلها حيث تزينها الثريات المتلألئة وتكون كمية الإضاءة الداخلية بها مبالغ فيها . ورغم أن الناس يمارسون اللعبة في مقاعد متجاورة إلا أنهم نادرا ما يتبادلون الحديث لاندماجهم التام في اللعب ، واللعبة من النوع الذي يدمنه بعض الناس لتميزها بالإثارة . وقد أوردت الصحف اليابانية في منتصف التسعينات أن سيدة تدمن اللعبة دخلت إلى أحد المحلات بينما تركت طفليها في السيارة بعد أن أحكمت إغلاقها خوفا من أن يغادرها الطفلان . ويبدو أن السيدة نسيت أمر الطفلين تماما بعد أن استغرقت في اللعب وعندما خرجت من المكان وجدت أنهما فارقا الحياة بسبب درجات الحرارة المرتفعة داخل السيارة وكان الوقت صيفا . انتهزت الصحف هذه المناسبة للتركيز على الآثار الاجتماعية الخطيرة لمثل هذه الألعاب إلا أن ذلك لم يؤثر بالطبع على استمرار اللعبة بسبب نفوذ الشركات والشعبية الكبيرة للعبة خاصة في فترات الركود الاقتصادي . مع التوسع الكبير في ثورة المعلومات في العقد الأخير من القرن العشرين ازداد في اليابان بصورة كبيرة للغاية ارتباط الناس بشبكة الإنترنت . ويما أن اليابان تعتبر من أكثر البلاد التي ينتشر فيها الكمبيوتر الشخصي ونسبة لانخفاض تكلفة الانضمام لشبكة الإنترنت بسبب التنافس الشديد بين الشركات التي تقدم هذه الخدمة فقد أصبح الإنترنت على كل لسان وفي كل بيت . ورغم الفائدة العظيمة للإنترنت كوسيلة لاكتساب المعرفة إلا أنه تحول بالنسبة للكثيرين إلى وسيلة لتزجية الفراغ وتبع ذلك كما هو معروف في مختلف أنحاء العالم آثار اجتماعية معروفة وظواهر سلبية . ورغم أن البريد الأليكتروني يتيح التحادث مع أشخاص في مختلف أنحاء العالم وخلق تواصل وصداقات جديدة ، إلا أن شبكة الإنترنت أضحت نوعا من الإدمان بالنسبة لعدد كبير من الناس في اليابان وعززت من ظاهرة التواصل مع الآلات عوضا عن التواصل مع البشر .ظل التلفزيون منذ ظهوره في اليابان في عام 1953 وإلى وقت قريب الوسيلة الأولى لتزجية أوقات الفراغ بالنسبة للعائلة اليابانية . يرسل التلفزيون في العاصمة طوكيو على ثمانية قنوات منها اثنتان حكوميتان إحداهما تعليمية وخمس قنوات خاصة تتبع كلها للشركات الإعلامية المعروفة التي تصدر عنها كبريات الصحف اليابانية ، بالإضافة لقناة مخصصة لبث محاضرات الجامعة التي ترسل على الهواء . ورغم أن القناتين الحكوميتين يتم تمويلهما بواسطة الحكومة والضرائب الطوعية التي يتم تحصيلها من المشاهدين ، إلا أنهما تتميزان باستقلالية كبيرة كما تتميز برامجهما بالجودة بسبب توفر التمويل المطلوب . وقد أصبح لأغلب هذه المؤسسات إرسال فضائي منفصل عن القناة المحلية تختلف المادة المرسلة عن طريقه عن المادة المرسلة في القناة المحلية أحيانا . ترتفع نسبة المشاهدة بصورة كبيرة في نهاية الأسبوع والإجازات القومية ، لذلك فإن التلفزيون يقدم برامج خاصة بهذه المناسبات تحتوي على نسبة عالية من البرامج الرياضية والدراما التلفزيونية وبرامج المنوعات التي تستضيف النجوم .كان التلفزيون هو الأنيس الوحيد بالنسبة لي في أول أيام إقامتي باليابان بسبب عدم إلمامي باللغة اليابانية وتجنب اليابانيين الحديث باللغة الإنجليزية ، وقد كانت حسرتي كبيرة عندما وجدت أن الإرسال في كل القنوات باللغة اليابانية مما جعل من الصعب على متابعة ما يبثه التلفزيون . كانت برامج الرياضة هي البرامج الوحيدة التي تحتاج للقليل جدا من اللغة لمتابعتها ، لكن اليابانيين لم يكونوا قد شغفوا بعد بكرة القدم في ذلك الوقت لذلك فإن قناة واحدة فقط كانت تبث أحد شوطي مباراة من كرة القدم الأوربية في الأسبوع على أن يبث الشوط الثاني في الأسبوع التالي . وقد كنا نترقب موعد هذا البث بلهفة شديدة وننتظر أسبوعا كاملا لنعرف نتيجة المباراة . بعد وصولي لليابان بفترة قصيرة قامت شركات الأليكترونيات بإنتاج ما يسمي بالصندوق الأسود ، وهو عبارة عن جهاز يوصل بالتلفزيون ويمكن عن طريقه الاستماع إلى اللغة الأصلية للأفلام التي تتم دبلجتها باليابانية ولكنها ترسل أيضا بلغتها الأصلية وهي في الغالب الإنجليزية . كانت بعض القنوات ترسل على الأقل نشرة واحدة مترجمة للإنجليزية مما مكن أمثالي ممن لا يجيدون اليابانية من متابعة تطورات الأحداث في البلاد . تطور الجهاز فيما بعد وأصبح من ضمن محتويات أجهزة التلفزيون الحديثة التي ترسل على نظام الاستريو ، بحيث يمكن الاستماع إلى اللغة اليابانية على أحد السماعات واللغة الأخرى على السماعة الأخرى . وتقوم القنوات المختلفة بالإشارة للبرامج المرسلة بلغتين ضمن قائمة برامجها الأسبوعية حتى يتمكن الأجانب من متابعتها . مع قدوم عصر الإرسال التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية والقنوات الرقمية أصبح بالإمكان مشاهدة أكثر من مائتي قناة من مختلف أنحاء العالم بما في ذلك القنوات المتخصصة في الرياضة والسينما وغيرها مما جعل الحاجة للترجمة أقل مما كانت عليه . تنتشر في اليابان كذلك ظاهرة اجتماعية أخرى قد تبدو غريبة على مجتمعاتنا وهي ارتباط الناس هناك على مختلف أعمارهم بمجلات وكتب القصص الكرتونية التي تعتبر ذات الشعبية الأولى بالنسبة للمادة المقروءة في البلاد . وكثيرا ما ترى اليابانيين في القطارات وهم منهمكون في قراءة المجلات التي تحتوى على مثل هذه الروايات خاصة وأنهم لا يتبادلون الحديث مع من لا يعرفون في وسائل المواصلات ، ومن الملاحظ ازدحام أكشاك بيع الصحف في محطات القطارات لشراء المجلات المتخصصة في الرسوم الكرتونية والتي تصدر عادة أسبوعيا . وتخصص هذه المجلات لمختلف الأعمار ابتداء من الأطفال وحتى الراشدين ، كما تخصص البرامج التلفزيونية الكرتونية لمختلف الأعمار . ويبدو أن الكبار بالذات يستعملون هذه المجلات لتزجية الوقت الطويل داخل القطارات إذ أنهم غالبا ما يتركونها داخل القطار بعد مغادرته في المحطة التي يقصدونها .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 01-10-2017, 12:57 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-11-2017, 01:32 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    تعتبر القطارات السطحية والمترو هي الوسيلة الأولى في اليابان للانتقال بين المنزل
    والمكتب وتوجد في العاصمة طوكيو أكثر من ستة عشرة شركة لتسيير قطارات النقل
    الداخلية . والشبكة الداخلية للقطارات كما هو الحال في معظم الدول المتقدمة محكمة
    للغاية بحيث يمكن للإنسان الانتقال من بيته إلى موقع عمله بسرعة فائقة ، بيد أن معرفة
    أقصر الطرق من مكان لمكان عن طريق استعمال تقاطع الخطوط يحتاج لمعرفة
    ودراية بخريطة تشابك هذه الخطوط . وترتبط بشبكة القطارات الداخلية شبكة أخرى
    للبصات التي تديرها الحكومات المحلية والشركات الخاصة وتقوم بنقل الركاب من
    المنازل إلى محطات السكك الحديدية حيث يمكن استغلال القطارات . ويستعمل
    الكثير من اليابانيين الدراجات الهوائية والبخارية للانتقال من المنزل إلى أقرب
    محطة للسكة حديد ، ويوجد أمام المحطات عادة مواقف واسعة للدراجات .
    والدراجات هي من الأشياء التي ينساها أو يتناساها الناس في مواقف المحطات
    مما يؤدي إلى مصادرتها بواسطة سلطات السكك الحديدية وبيعها في المزادات
    التي تقام للمهملات كل عام . وتضم هذه المزادات بصفة أساسية الشمسيات
    بالإضافة للعديد من المتعلقات الأخرى كالنظارات وغيرها. وقد أصابني العجب
    عندما علمت بمتابعتي لبرنامج توثيقي لهيئة الإذاعة البريطانية أن طقم الأسنان
    يحتل موقعا متقدما في المهملات التي تنسى في قطارات الأنفاق في بريطانيا .
    من الأشياء الغريبة التي يتناساها اليابانيون أحيانا في القطارات رماد الموتى
    بسبب التكلفة الباهظة لدفن هذا الرماد خاصة بالنسبة لذوي الدخل المحدود ،
    وإكراما للميت فإن الدولة تتكفل بدفن علب الرماد التي تنسى في القطارات
    ولا يحضر شخص لاستعادتها .
    دخلت السكك الحديدية اليابان لأول مرة في عام 1872 عندما تم بناء أول
    خط بين العاصمة طوكيو وميناء يوكوهاما المجاور . والطريف في الأمر
    هو أن المهندس الإنجليزي الذي قام ببناء هذا الخط هو ذات المهندس الذي
    قام ببناء أول خط للسكة حديد في السودان بعد سنوات قليلة من ذلك التاريخ .
    وفي الوقت الذي تطورت فيه السكك الحديدية اليابانية إلى حد جعلها من
    أحسن الخطوط في العالم فإن حال السكك الحديدية في السودان لا يخفى
    على أحد . ظلت الخطوط الوطنية اليابانية تمثل العمود الفقري بالنسبة للسكة
    حديد في اليابان حتى عام 1987 عندما تم تحويلها إلى ستة شركات شبه
    حكومية تغطي كل أنحاء اليابان .
    عانت السكك الحديدية اليابانية من المنافسة الحادة من جانب السيارات
    والنقل الجوي ، فقد ارتفعت نسبة ترحيل المسافرين بالسيارات الخاصة
    والبصات من 1% في عام 1950 إلى 66% في عام 1990 بسبب
    ازدياد استعمال السيارات الخاصة بصورة ملحوظة نتيجة للتقدم الاقتصادي
    الكبير الذي حققته البلاد . أما الخطوط الجوية فقد حققت ارتفاعا ملحوظا
    بالنسبة لنقل الركاب إلى الخارج حيث ارتفع عدد المسافرين على السفريات
    العالمية من 112 ألفا فقط في عام 1950 إلى 11,3 مليون راكب في عام
    1990 ، غير أن نصيب الخطوط الجوية في نقل الركاب داخليا لا زال
    متواضعا بحيث لم يتجاوز 4% بالمقارنة إلى 30% يتم نقلهم عن
    طريق القطارات و66% عن طريق السيارات كما ذكرنا أعلاه .
    يعتبر القطار فائق السرعة المعروف باسم " شنكان سن " في اليابان
    من عجائب البلاد الحديثة حيث تبلغ السرعة القصوى للقطار مائتان
    وسبعون كيلومترا في الساعة . وقد أدى استقدام هذا النوع من القطارات
    في عام 1964 إلى انقلاب في أسلوب النقل بالسكة حديد في البلاد حيث
    اختصر مدة الرحلة بين العاصمة طوكيو ومدينة أوساكا التي تعتبر
    المركز التجاري الرئيس من ست ساعات ونصف إلى ساعتين ونصف
    فقط . وبالرغم من السرعة الفائقة فإن قطارات " شنكان سن " تتميز
    بالأمان الكامل إذ لم يحدث طوال هذه المدة أن تعرضت لأي حادث
    بالرغم من أن المناطق التي تجري فيها الخطوط تشهد الكثير من
    الهزات الأرضية حيث يتوقف القطار بصورة آلية .
    السفر على هذه القطارات السريعة يعتبر غاية في المتعة فبالرغم
    من أن السرعة تصل أحيانا أكثر من 250 كيلومترا في الساعة
    فإن كوب الماء الذي تضعه المضيفة أمامك لا يهتز إلا اهتزازا
    خفيفا للغاية دون أن يندلق ، وكم كنت أقارن بين هذه القطارات
    وقطاراتنا في السودان التي وصف درجتها الرابعة
    المونولوجست بلبل فقال :
    درجة رابعة تقول ترماي موية زيرها تحل الشاي
    لمن لاجت غادي وجاي نحن في أولى اترشينا
    ومن الملاحظ أن مواعيد القطارات تحدد بالدقيقة إمعانا في الدقة
    فهي عادة ما تغادر في الدقيقة الرابعة والعشرين أو السادسة
    والثلاثين ، ولا يقضي القطار أكثر من دقيقتين في أي محطة من
    المحطات . قد يبدو هذا غريبا بالنسبة لنا في السودان حيث يحتاج
    المسافر لربع ساعة على أقل تقدير لوضع حقائبه على القطار ،
    ولكن السرعة الفائقة للقطارات هناك أدت لتبسيط إجراءات
    السفر ، إذ أن القطار يمكن أن يقطع مسافة تبلغ طول المسافة
    بين الخرطوم وكسلا في ساعتين ونصف تقريبا . وبما أن الإنسان
    يمكن أن يسافر لكسلا أو بورتسودان ويعود في نفس اليوم فإنه
    لا يحتاج بالطبع لكل هذه الحقائب . تفتقر قطارات "شنكان سن"
    كذلك للمطاعم أو حجرات النوم التي تتميز بها القطارات البطيئة ،
    ورغم وجود مطعم صغير داخل القطار إلا أن أغلب المسافرين
    يعتمدون على ما يمكن شراءه من وجبات سريعة من الأكشاك
    المنتشرة في المحطات أو من المضيفات المتجولات داخل القطار.
    سافرت مرة في القطارات المخصصة للسفر بالليل وقد كنت
    وقتها أقصد منطقة في جنوب غرب جزيرة هونشو ، ولأن مسافة
    الطريقة تستغرق أكثر من ثمانية ساعات فقد اخترت القطار
    الليلي حتى أصل صباح اليوم التالي بعد أن أخذت قسطا من النوم
    في القطار . وغرف القطار الليلي مجهزة بكل أجهزة الراحة مثل
    السرائر الوثيرة والحمامات ، وفي الكابينة عادة اربعة سرائر
    اثنين فوق بعضهما البعض في كل جانب وقد كانت رحلة ممتعة
    لم يتوقف القطار خلالها كثيرا . ومن الرحلات المثيرة بالنسبة لي
    هي استغلال قطار " شنكان سن " من مدينة هيروشيما في
    جزيرة هونشو الرئيسية إلى مدينة فوكوأوكا في الجانب الآخر من
    البحر في جزيرة كيوشو . وبما أنه لم يكن هناك جسر يربط بين
    الجزيرتين لبعد المسافات فإن القطار يضطر للمرور عبر نفق
    تم حفره تحت البحر . وإحساس الإنسان بأنه يسافر تحت البحر
    إحساس غريب خاصة إذا كان من الذين لا يحسنون العوم من
    أمثالي وإن كنت أعتقد أني أي حادث في مثل هذا النفق يعني
    النهاية الحتمية للجميع . ترتبط الجزر اليابانية الأربع الكبيرة
    بأنفاق تحت البحر سواء أن كان ذلك عن طريق السكة حديد
    أو طرق المرور السريع ، إلا أن أوكيناوا ونسبة لبعدها الشديد
    عن بقية الجزر فإنه يمكن الوصول إليها فقط عن طريق
    الجو أو عبر البحر .


                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-13-2017, 02:29 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)



    يعتبر جسر " سيتو أوهاشي " الذي يربط بين جزيرتي هونشو وشيكوكو من أطول الجسور في العالم إن لم يكن
    أطولها على الإطلاق حيث أن امتداده فوق البحر يبلغ حوالي 9 كيلومترات ونصف الكيلومتر. يربط الجسر الذي
    تم افتتاحه في عام 1988 ويعتبر من عجائب المعمار في عالم اليوم بين مدينة "كوراشكي" في جزيرة هونشو
    الرئيسية ومدينة "ساكايدي" في جزيرة شيكوكو ، ويشتمل الجسر على ستة أجزاء طولية مستفيدا من الجزر
    الصغيرة التي تنتشر بين الجزيرتين الكبيرتين كنقاط ارتكاز. ورغم طول الجسر فإنه يتكون من طابقين بحيث
    تجري السيارات على الطابق الأعلى بينما يستعمل القطار الطابق السفلي . كلف بناء الجسر ما يقارب الثمانية
    مليارات من الدولارات وقد صمم لمقاومة الكوارث الطبيعية فهو يتحمل رياحا تبلغ سرعتها حوالي 235
    كيلومترا في الساعة ، وزلزالا بقوة ثمان درجات ونصف الدرجة على مقياس ريختر.
    قل أن يوجد في اليابان من لا يمارس نوعا ما من أنواع الرياضة مهما كانت فئته العمرية ، ولا زلت أذكر
    أنني كنت في يوم من الأيام وبرفقة أحد الأصدقاء أمارس الرياضة في استاد طوكيو الأولمبي عندما رأينا
    شيخا عجوزا يجري حول ميدان الكرة وقد عجبنا لنشاطه وعندما سأله صديقي عن سنه أدهشنا عندما قال
    أنه قد بلغ من العمر أربعة وسبعين عاما. فبالإضافة لاهتمام اليابانيين البالغ بحالتهم الصحية وضرورة
    ممارسة الرياضة للحفاظ عليها فإنهم من الشعوب المغرمة بالرياضة بمختلف أنواعها ، ويوجد باليابان
    أنواع من الرياضة التقليدية كالسومو والجودو والمستوردة من الخارج ككرة القدم والبيسبول . تقوم
    الدولة والشركات الخاصة عادة بتوفير المنشآت التي تهيئ للراغبين ممارسة الرياضة في أوقات
    فراغهم وتعتبر رياضتا المشي والجري من اكثر أنواع الرياضة انتشارا نسبة لسهولة ممارستهما
    في الحدائق العامة والشوارع .
    ولعل من المناظر المألوفة في كل المدن اليابانية في الصباح الباكر أن تجد عددا كبيرا من المواطنين
    في الحدائق والميادين لعامة وقد تحلقوا حول جهاز الراديو وهم يؤدون الحركات الرياضية على
    أنغام الموسيقي مع برنامج الرياضة الصباحي الذي تبثه الإذاعة اليابانية يوميا . ويعتبر هذا البرنامج
    من أكثر البرامج شعبية وقد استمر بثه لأكثر من خمسين عاما . كما يشاهد المتجول في شوارع
    العاصمة اليابانية العديد من الرجال والنساء الذين تجاوزت أعمارهم الثمانين وهم يمارسون نوعا
    من الرياضة أشبه بلعبة البولو إلا أنهم لا يستعملون الجياد ، ويبدو أن هذه الرياضة تثير كبار السن
    كثيرا إذ ترتفع أصواتهم المرحة بصورة ملفتة للنظر وهم يتقاذفون الكرة الخشبية بالعصي في
    محاولة لإحراز الأهداف في المرمى صغير الحجم .

    المصارعة اليابانية التقليدية المعروفة باسم السومو تعتبر من أنواع الرياضة ذات الشعبية الواسعة ،
    وتجذب المصارعة العديد من المشاهدين الأجانب المقيمين باليابان نسبة لسهولة قوانينها وبالتالي
    متابعتها. فالفكرة وراء الفوز في هذه الرياضة بسيطة للغاية وتكمن في مقدرة أحد المتصارعين
    على إسقاط الآخر على سطح الحلبة بعد الالتحام أو دفعه خارج الحلقة . ورغم أن هناك العديد
    من الحالات التي يصعب فيها تحديد الفائز إلا بعد اجتماع الحكام الجالسين حول الحلقة – وهم
    في العادة من مشاهير اللاعبين الذين اعتزلوا اللعب - والتشاور فيما بينهم إلا أن أغلب
    المباريات تحسم بوضوح ودون لبس. تنشأ المشكلة أحيانا عندما يشتبك المتصارعان ويسقطان
    على سطح الحلبة سويا مما يقتضي تحديد أيهما لمس سطح الحلبة بأي عضو من أعضاء
    جسمه قبل الآخر أو عندما يتدافع المصارعان ويصعب معه تحديد الذي خرجت رجله قبل
    الآخر من الحلبة . ومن النادر ألا يتفق الحكام وتنتهي المباراة بالتعادل ويجري في هذه
    الحالة إعادتها إذ لا بد من فوز أحد المتصارعين.
    تستمر مباريات الدورة لمدة أسبوعين ويحصل اكثر المصارعين فوزا في مباريات الدورة
    وعددها خمسة عشر على كأس البطولة ، وربما يتعادل مصارعان أو أكثر في النتيجة
    النهائية ولا بد في مثل هذه الحالة من إجراء مباريات فاصلة بين المتعادلين لحسم البطولة
    ويتم ذلك في اليوم الأخير من المنافسة. بما أنه يجري تقسيم المصارعين إلى عدة درجات
    فإن بعض المصارعين من ذوي الدرجات الدنيا قد لا تتاح لهم الفرصة للقاء بالمصارعين
    الكبار خلال الدورة . إلا أنه في حالة إحساس اللجنة المنظمة بأن أحد المصارعين الصغار
    ربما يكون منافسا على البطولة فإنه يجري ترتيب لقاءات له في الأيام الأخيرة مع كبار
    المصارعين ، وفي العادة فإن المصارع الصغير يفقد مبارياته مع الكبار مما يبعده
    عن المنافسة إلا أن بعضهم ربما أحدث مفاجآت ليست في الحسبان.
    لا يترك مصارع السومو لدى المشاهد إحساسا بأنه يتفرج على شاب رياضي ، فبدلا من
    العضلات المفتولة والقوام الممشوق فإن المصارع يتميز بحجم كبير وكرش بارز.
    وقد بلغ وزن أحد المصارعين خلال الثمانينات أكثر من مائتي كيلوجرام. نقلت
    الصحف في يناير من عام 2004 عن وزير الدولة بالخارجية الفرنسية أن السومو ليست
    رياضة للمثقفين ، وأنها مجرد معركة بين شخصين من ذوي الكروش الكبيرة والوزن
    الزائد وانه لا يمكن اعتبارها رياضة . لا شك أن مثل هذه التصريحات لا تجد هوى
    في نفوس اليابانيين الذين يعتبرون السومو جزءا من ثقافتهم وقد أشارت بعض
    الصحف لتصريحات الوزير الفرنسي بأنها نوع من التحامل المعتاد على اليابان .
    يساعد الوزن الثقيل على زيادة قوة المصارع مما يمكنه من دفع الخصوم خارج الحلبة
    بسهولة شديدة وإن كان يؤثر كثيرا كما هو متوقع في خفة حركته . يقوم المصارعون
    بتناول نوع معين من الطعام فيه الكثير من الأرز ويخلدون للنوم بعد تناول الطعام
    مباشرة مما يساعد على زيادة وزنهم . ورغم الوزن الثقيل للمصارعين فإن حكام
    الحلقة يكونون عادة من ذوي الوزن الخفيف والجسم الضئيل ، ويروى أن التحكيم
    يجري توارثه في عوائل معينة منذ مئات السنين . ومنظر الحكم ضئيل الحجم والذي
    يرتدي عادة ملابس تقليدية مزركشة بالقرب من المصارعين ذوي الحجم الكبير
    والذين يتصارعون وهم عراة إلا من حزام يغطي المناطق الحساسة يوحي بالإشفاق
    على هذا الشخص الهزيل ، وكثيرا ما كنت أتخيل ماذا يحدث لو هبطت أربعمائة كيلو
    جرام من الشحم واللحم على هذا الرجل المسكين . يكون الحكم أغلب الوقت قريبا
    جدا من المصارعين حتى يتمكن من تحديد الفائز منهما ، ولكني لاحظت أن هؤلاء
    الحكام رغم تقدمهم في السن فإنهم يتميزون بالرشاقة ويتحركون في الحلبة
    بخفة شديدة وربما كان ذلك ضرورة حتى يتفادوا الدهس بواسطة المصارعين.
    يقوم مصارع السومو قبل دخول الحلبة بتصفيف شعره بصورة معينة ولكل مصارع
    من المصارعين الكبار مصفف خاص يكون بجانبه لضمان شكل الشعر. وقد علمت
    أن عملية التصفيف هذه تأخذ وقتا طويلا وتقتضي أن يكون شعر المصارع طويلا .
    في تسعينات القرن الماضي حاول بعض المصارعين من السنغال الاشتراك في اتحاد
    السومو للمحترفين في اليابان إلا أن الاتحاد رفض ذلك لأن طبيعة شعرهم لا تمكن
    من تصفيفه بالصورة المطلوبة . رفض الاتحاد كذلك السماح للمصارعين السنغاليين
    استعمال الشعر المستعار كحل وسط مما حدا ببعض الكتاب الرياضيين لاتهام الاتحاد
    بالعنصرية ، غير أن الاتحاد أصدر بيانا نفى فيه هذه التهمة وموردا حالة لمصارع
    ياباني ممتاز أجبر على اعتزال اللعبة عندما أصيب بالصلع ولم يسمح له باستعمال
    الشعر المستعار . ولا شك في أن موقف الاتحاد يتسم بعدم المرونة وذلك في
    محاولة للحفاظ على تقاليد اللعبة التي تشبه طقوسها الطقوس الدينية ، ولكن لا بد من
    أن يأتي الوقت الذي تصل يد التحديث لهذه اللعبة التقليدية . ولا تخلو مجموعة
    اللاعبين المحترفين الذين يمارسون اللعبة من بعض اللاعبين الأجانب إلا أن
    أغلبهم يأتون من كوريا أو الصين أو هاواي . من المواقف المتشددة أيضا لاتحاد السومو
    رفضه لإقامة منافسات للسيدات على المستوى الرسمي باعتبار أن اللعبة هي للرجال فقط.
    يرتدي المصارع كما ذكرنا أعلاه حزاما يغطي المناطق الحساسة ، وهناك أشخاص
    متخصصون في ربط هذه الأحزمة إذ من المفروض أن يكون الحزام ملتصقا بالجسد
    بالصورة التي تمنع المصارع الآخر من إدخال يديه بين الحزام والجسد مما يؤدي
    لهزيمة المصارع خاصة إذا كان المنافس من الأقوياء مما يمكنه من رفع خصمه
    ودفعه إلى خارج الحلبة بسهولة . من ناحية أخرى ، فإن المسافة بين طبقات الحزام
    التي قد تبلغ ست أو سبع طبقات يجب أن تكون واسعة قليلا حتى تنفك من بعضها
    البعض بسهولة إذا حاول الخصم رفع المصارع عن طريق القبض عليها . لذلك
    فإن المصارعين يتوقفان أحيانا لفترة قد تطول في وسط الحلبة بينما يحاول كل منهما
    الحصول على قبضة تمكنه من رفع الخصم ودفعه للخارج . وكثيرا ما ينحل الحزام مما
    يضطر الحكم لإيقاف المباراة وإعادة ربط الحزام حتى لا تنكشف العورة المغلظة لأحد المصارعين.
    من الأشياء التي تثير حماس المشاهدين تبادل النظرات الحادة بين المصارعين قبل بدء الجولة
    بينهما حيث يحدق كل منهما في عيني الآخر ويستمر التحديق أحيانا لما يقرب من الدقيقة . يقول
    المتابعون للرياضة أن الهدف من التحديق هو كسر إرادة الخصم ، فالذي يحول عينيه أولا في
    مثل هذه المبارزة هو الأقرب للخسارة وإن لم يكن ذلك هو الحال دائما . تقابل مثل هذه المبارزة
    في التحديق بالتصفيق الحاد والهتاف من المشاهدين الذين يحيطون بحلقة المصارعة.
    قمت في منتصف الثمانينات ضمن مجموعة سياحية بزيارة معسكر تدريب لعدد من مصارعي
    السومو ولاحظت أنه بالرغم من انتهاء النظام الإقطاعي في اليابان منذ منتصف القرن الماضي
    إلا أن الحياة التي يمارسها المصارعون داخل المعسكر هي أقرب لذلك النوع من النظام .
    فالأسلوب الذي يتعامل به المدرب - وهو عادة من قدامى لاعبي السومو ويقوم بإدارة المعسكر
    بعد الحصول على رخصة خاصة من اتحاد السومو الياباني – يتسم بالكثير من القسوة إذ أن
    المدرب يقوم بضرب اللاعبين الصغار عندما يخطئوا بعصاة يحملها في يده طوال الوقت كما إنه
    يعاقبهم بتخفيض كمية الأرز المقرر تناولها بعد التمرين. يصحو المصارعون في الصباح الباكر
    عادة ، وبعد أن يقوموا بواجباتهم التي لا علاقة لها برياضة السومو كنظافة المكان وخدمة كبار
    المصارعين يتجهون إلى حلبة التدريب حوالي الساعة السابعة صباحا حيث يبدأون تدريباتهم
    اليومية التي تتسم بالعنف وتستمر عادة حتى الثانية عشرة ظهرا . يتناول اللاعبون بعد ذلك
    وجبتهم الرئيسة ثم يخلدون للنوم حتى الخامسة تقريبا حيث يقومون بجولة تدريبية قصيرة تعقبها
    فترة راحة ويمارس اللاعبون حياتهم الخاصة في الأمسيات . يعتبر الطبيخ من ضمن واجبات
    اللاعبين تحت إشراف زوجة صاحب المعسكر لذلك فإن بعض اللاعبين يقومون بافتتاح
    مطاعم بعد اعتزالهم اللعب ، ويقوم كبار اللاعبين بالمساعدة في تدريب زملائهم الأصغر سنا .
    قمت خلال زيارتي ضمن مجموعة من عشرة أشخاص بتناول طعام الغداء في المعسكر وقد
    فوجئنا عندما أخبرنا المرافق بأن الطعام الذي تناوله عشرتنا هو في الحقيقة ما يعادل نصيب
    مصارع واحد فقط من المصارعين الذي شهدنا تدريبهم ذلك اليوم ، لا غرو إذن أن يكون
    مصارع السومو بهذا الحجم المهول.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-16-2017, 03:16 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    ظلت البيسبول حتى منتصف التسعينات أكثر أنواع الرياضة شعبية في اليابان بالنسبة للحضور الجماهيري لمبارياتها. ولعبة البيسبول هي
    عبارة شكل متطور للعبة " التيوة " التي كان يمارسها أطفالنا في أنحاء مختلفة من السودان. اليابان هي من أول الدول التي نقلت لعبة
    البيسبول من الولايات المتحدة حيث اكتسبت اللعبة شعبيتها الواسعة وقد تم نقل اللعبة لليابان في سبعينات القرن التاسع عشر كهواية جاء
    بها الأمريكيون الذين وفدوا للبلاد بعد إنهاء عزلتها المجيدة في عام 1868. ويقول المحللون الاجتماعيون إن اليابانيين وجدوا في البيسبول
    مميزات تتسق ورغبتهم في تربية الأبدان وتعليم الصبر والمثابرة التي كانت أساس كل أنواع الفنون العسكرية التي أحبها اليابانيون
    كالجودو والكاراتيه … الخ . من ناحية أخرى فإن إتقان اللعبة كان يمثل كذلك جزءا من جهود اليابان للحاق بالمجتمع الغربي
    وقد نقلت للبلاد ضمن ما نقل من العديد من مظاهر ذلك المجتمع.
    مورست اللعبة في البداية كهواية في المدارس وأقيمت أول دورة مدرسية في عام 1915 وضمت فرق عدد من المدارس الثانوية .
    ولا زالت الدورة المدرسية للبيسبول أحد أهم النشاطات الرياضية في فترة إجازة الصيف وهي تتسم بالحماس الشديد الذي يميز
    الشباب عادة ويقوم التلفزيون القومي والقنوات الخاصة بنقل مبارياتها على مدار الأسبوعين اللذين تستغرقهما الدورة . ويشاهد
    الدورة بالإضافة للملايين عبر التلفزيون طلاب المدارس المشاركة وجماهير المدن التي تجري فيها المباريات . ومن الصعب
    الحصول على تذكرة دخول لهذه المباريات إذ يحرص الآباء والأمهات على حضور المباريات مع أبنائهم ، كما أن كل من تصادف
    وجوده في المدينة المعنية من خريجي المدارس المشاركة يقوم بحضور المباريات مهما بعد عهده بمدرسته أو تقدمت به السن .
    وهناك بعض المدارس التي اشتهرت فرقها على مدى التاريخ فأصبح كل من يرغب في احتراف اللعبة مستقبلا يسعى للدراسة
    بواحدة من هذه المدارس التي تخرج من بين صفوفها العديد من كبار اللاعبين في اليابان . ورغم أن دورات المدارس الثانوية
    تشمل كل الألعاب إلا أن البيسبول وكرة القدم تعتبران الأكثر شعبية بين هذه الدورات . وتعتبر الدورة المدرسية معمل
    التفريخ للاعبي البيسبول في اليابان ، وهناك دورة مشابهة للجامعات الكبيرة في مدينة طوكيو .
    بدأ دوري المحترفين بإنشاء رابطة البيسبول اليابانية في عام 1936 ونسبة للأثر الأمريكي الواضح فقد اتخذت فرق الرابطة
    وكان عددها ستة أسماء إنجليزية إلا أنه تم تعديل هذه الأسماء إلى اللغة اليابانية في فترة الحرب العالمية الثانية عندما شنت
    السلطات حربا على اللغة الإنجليزية ضمن سياستها الثقافية التي تهدف لإعلاء القيم والتقاليد اليابانية. ويبدو أن الفرق قد
    عادت لأسمائها الإنجليزية بعد نهاية الحرب العالمية إذ أن ذلك هو الحال في الوقت الحاضر . يوجد باليابان حاليا
    رابطتان للبيسبول هما الرابطة المركزية وهي الأقدم والرابطة الباسفيكية وقد أنشئت في مطلع الخمسينات وتضم كل
    منهما ستة فرق . وتجري في نهاية الموسم منافسة بين الفريقين الحائزين على البطولة في كل من الرابطتين لتحديد
    بطل اليابان ، وتتكون المنافسة من سبعة مباريات بحيث يعتبر الفائز في أربعة منها هو البطل المتوج للبلاد . وفي
    منتصف كل موسم تجري منافسة بين منتخبي الرابطتين من ثلاث مباريات وتجذب أعدادا كبيرة من المشاهدين .
    يتم تكوين فريق كل رابطة مناصفة بين الجمهور والمدربين حيث يجري انتخاب أكثر اللاعبين شعبية بواسطة الجمهور
    ويتم إكمال الفريق بلاعبين مهرة يختارهم المدرب المكلف بتدريب منتخب الرابطة المعنية . وكما هو متوقع فإن
    لاعبي الفرق الأكثر شعبية هم الأوفر حظا في المشاركة في مثل هذه المباريات ، وذلك لسببين هما حصول هؤلاء
    اللاعبين على أعلى الأصوات في الاقتراع الجماهيري وضرروة وجودهم ضمن المنتخب لضمان نجاح الدورة ماليا وجماهيريا .
    تستعين الفرق اليابانية بلاعبين محترفين من الولايات المتحدة مقابل الملايين من الدولارات للاعب الواحد في العام . ولا
    غرو أن تكون للاعبين الأمريكيين شعبية عارمة وسط مشجعي البيسبول اليابانيين فالدوري الأمريكي للعبة هو اشهر دوري
    للمحترفين في العالم . غير أن اللاعبين الأمريكيين يشكون أحيانا من المعاملة غير العادلة من جانب زملائهم اليابانيين ،
    وأذكر أن أحد هؤلاء اللاعبين يقول أنه قد حرم عن قصد بواسطة الرماة اليابانيين في الفرق الأخرى من تحطيم أحد الأرقام
    القياسية حتى لا يتفوق على اللاعب الياباني الذي كان الرقم مسجلا باسمه . شاءت الأقدار أن أكون في يوم من الأيام وبرفقة
    صديق سوداني بالقرب من استاد " كوشي إن " بمدينة أوساكا في غرب اليابان وهو الاستاد الخاص بفريق التايجرز ثاني
    الفرق شعبية في الدوري الياباني . ونسبة لأننا مررنا بالاستاد قبيل بداية إحدى المباريات فقد كانت الساحة حوله مزدحمة
    بالمشجعين وكثير منهم من الأطفال ، ويبدو أن بعض الأطفال عندما رأوني وصديقي ظنوا أننا من اللاعبين الأمريكيين
    المحترفين بالدوري الياباني وأننا في طريقنا للاستاد فتحلقوا حولنا وأخرج أحدهم مفكرة وقلما طالبا توقيعاتنا . بذلنا جهدا
    كبيرا بما توفر لنا من لغة القوم في ذلك الوقت لإقناع هؤلاء الأطفال بأننا لا نمت لهذه اللعبة بأي صلة .
    يقوم التلفزيون الياباني بمختلف قنواته وبصفة يومية تقريبا بنقل مباريات البيسبول خلال الموسم الذي يستمر منذ مارس
    وحتى نوفمبر تقريبا من كل عام . عجزت أول أيام وصولي لليابان عن متابعة هذه المباريات لعدم معرفتي بقوانين اللعبة
    مما اضطرني للجوء لدائرة المعارف البريطانية . بعد أن تعرفت على قوانين اللعبة أصبحت من المعجبين بها وكنت
    أتابعها باهتمام طوال إقامتي في اليابان ، كما قمت بشرح قوانينها لعدد من السودانيين المقيمين هناك والذين أصبحوا فيما
    بعد من المشجعين المتعصبين لعدد من الفرق . ولعل سر الإثارة في لعبة البيسبول يكمن في احتمال تغيير النتيجة في أي
    لحظة من لحظات الأشواط التسعة التي تستغرقها المباراة حتى وإن كان الفريق المنافس متقدما بعدد وافر من الأهداف ،
    لذلك فإن اللاعبين لا يعرفون اليأس ويظلون يحاولون تعديل النتيجة حتى آخر لحظة من المباراة . والسر وراء ذلك هو
    أن أحد الفريقين يكون مهاجما صرفا بينما يكون الآخر مدافعا وهو شئ أشبه بركلات الترجيح في كرة القدم ، ولا يتم
    تحديد الشوط بزمن معين ويمكن لكل فريق أن يلعب لأي مدة ممكنة ما دام في استطاعة لاعبيه البقاء في الهجوم وإحراز
    أي عدد من الأهداف . وفي حالة تعادل الفريقين في الأشواط التسعة فإن الأسلوب المتبع في اليابان هو تمديد المباراة
    لأشواط إضافية مع تحديد وقت انتهاء المباراة التي قد تنتهي بالتعادل ، وهو عكس الأسلوب المتبع في الولايات المتحدة
    حيث أن المباراة لا بد أن تنتهي بفوز أحد الفريقين لذلك فإنها تمتد إلى أن تحسم بصورة واضحة .
    حاولت من باب " العلم بالشئ " محاولة التعرف عن قرب على لعبة البيسبول مرتين ، الأولى عندما حاولت قياس
    مقدرتي على قذف كرة البيسبول بواسطة جهاز قياس صنع خصيصا لذلك الغرض . وقد كانت أفضل سرعة أحرزتها
    عندما قذفت الكرة بأقصى ما أستطيع من قوة هي 47 كيلومترا في الساعة ، ولك أن تقارن ذلك بالسرعة القصوى
    لبعض المحترفين الأمريكيين والتي تبلغ 150 كيلومترا في الساعة . أما المرة الثانية فقد كانت عندما شاركت بعض
    اليابانيين اللعب وحاولت أن أقبض على الكرة التي يقذف بها أحدهم بعد ارتداء قفاز خاص من الجلد المقوى .
    لا أدري كم كانت سرعة الكرة التي قذف بها الياباني ولكنني كدت أن أكسر أحد أصابعي بالرغم من أنني قد تمكنت
    من الإمساك بالكرة . المعروف أن كرة البيسبول تصنع من الخيوط التي يجري لفها بواسطة ماكينة خاصة
    ويتم بعد ذلك تغطيتها بطبقة من الجلد .

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-17-2017, 12:17 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    كما سبق أن أشرنا أعلاه فإن كرة القدم لم تكن تحظى بشعبية تذكر عند وصولي لليابان في نهاية السبعينات من القرن الماضي. وبالرغم من وجود رابطة الهواة لكرة القدم فإن مستويات الفرق وأغلبها تابعة للشركات المعروفة كانت متواضعة للغاية. بدأت شركة تويوتا الشهيرة في ذلك الوقت العمل على نشر ثقافة كرة القدم في اليابان حيث أقامت بطولة سنوية تضم بطلي أوربا وأمريكا الجنوبية على مستوى الأندية لتحديد بطل العالم الذي يفوز بالكأس المقدم من الشركة. ويبدو أن جهود الشركة قد أثمرت إذ ازدادت بصورة كبيرة شعبية دورة المدارس الثانوية وأصبحت تجتذب أعدادا متزايدة من الجمهور. كما أن ارتفاع قيمة العملة اليابانية بصورة كبيرة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي ساعد الأندية على استجلاب بعض مشاهير اللاعبين خاصة من البرازيل مما رفع كثيرا من شعبية اللعبة. شهدت ملاعب اليابان في ذلك الوقت لاعبين من أمثال زيكو وكاريكا ودونقا من البرازيل وسكيلاشي من ايطاليا واللاعب الانجليزي لينيكر وبعضهم من هدافي منافسات كأس العالم . ولعل من الأسباب التي أدت لارتفاع شعبية اللعبة كذلك بث كرتون الأطفال المعروف عندنا باسم "كابتن ماجد" لعدة سنوات على التلفزيون الياباني مما زاد من حماس الأطفال للعبة والذين أضحوا يشكلون الغالبية العظمى من مشجعيها . استطاعت كرة القدم مع قدوم منتصف التسعينات من تجاوز البيسبول من حيث الإقبال الجماهيري وأصبحت بذلك اللعبة الشعبية الأولى في اليابان وإن كان بعض المراقبين الرياضيين يعتقدون بأن الحماس لها لا يلبث أن ينحسر وهو التوقع الذي كذبته الأحداث اللاحقة .قامت عشرة من أندية المحترفين بإنشاء الرابطة اليابانية لكرة القدم في عام 1991 وقد انضم للرابطة ناديان آخران في عام 1994 . وقد وضعت الرابطة شروطا محددة لانضمام الأندية لضمان استمرارية اللعبة وزيادة شعبيتها وهي: 1 - أن يكون النادي شركة مساهمة على أن يتم تبنيه بواسطة مدينة من المدن اليابانية وهو الأمر الذي تدافعت المدن للقيام به بعد أن اتضحت أهمية هذه الأندية للارتفاع بحظوظ المدن الاقتصادية .2 - أن يمتلك النادي استادا رياضيا يسع على الأقل خمسة عشرة ألف متفرج 3 - أن يكون للنادي فريقا للناشئين لضمان استمرارية تفريخ لاعبين جدد . بفضل مشاركة مشاهير اللاعبين والتخطيط الصبور والمتقن ارتفع مستوى كرة القدم في اليابان حتى أصبح الدوري في البلاد من أقوى المنافسات في قارة آسيا ، كما استطاعت اليابان الفوز بكأس الأمم الأسيوية والمشاركة في كأس العالم وقد أصبحت أنديتها من أقوى المنافسين في كأس الأندية الأسيوية. ومن ظواهر التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم اليابانية احتراف بعض اللاعبين اليابانيين في أوروبا وبصفة خاصة في الدوري الإيطالي الذي يضم أعظم اللاعبين من مختلف أنحاء العالم . ولعل أكبر نصر لكرة القدم اليابانية هو تنظيمها لكأس العالم عام 2002 بالمشاركة مع جارتها كوريا الجنوبية .كون الدبلوماسيون الأفريقيون بطوكيو في بداية الثمانينات فريقا لكرة القدم للتنافس مع الفرق اليابانية في مباريات ودية كانت سببا في تمتين العلاقات بين السفارات الأفريقية ومجتمع كرة القدم الياباني . ونسبة لضعف مستوى كرة القدم اليابانية في ذلك الوقت فقد تمكن فريق الدبلوماسيين من الفوز على عدد من الفرق الكبيرة مما أكسبه شهرة واسعة كانت السبب في دعوته لعدد من المنافسات في مختلف المدن اليابانية . شاءت الأقدار أن أشارك مع الفريق في إحدى المباريات بعد أن تغيب بعض لاعبيه الأساسيين وكانت تجربة قاسية بالنسبة لي حيث كنت أقوم بوظيفة الظهير الأيسر في مواجهة جناح شاب لم يتجاوز سنه السابعة عشرة وكانت لياقته البدنية في قمتها وكنت حينها اقترب من الخامسة والثلاثين . وأذكر في ذلك الوقت أن المسئولين عن الفريق الأفريقي كانوا في غاية السعادة عندما نقل لاعب الهلال الفذ والدبلوماسي المحنك على قاقارين للعمل بسفارتنا في طوكيو وأصبحوا يتوعدون مختلف الفريق انتظارا لوصوله . إلا أن ظروف فريق الهلال في ذلك الوقت حالت دون تنفيذ الأخ قاقارين النقل مما أصاب الجميع بخيبة الأمل وقد أسر لي رئيس الفريق عندها وكان من ساحل العاج أنهم بصدد الكتابة لوزير الخارجية السودانية مطالبين بضرورة إنفاذ قرار النقل . من أنواع الرياضة المحبوبة جدا في اليابان سباقات الماراثون وللعاصمة طوكيو سباقان مشهوران هما سباق الرجال وسباق النساء . وتجتذب هذه السباقات أشهر اللاعبين واللاعبات في العالم ويقوم التلفزيون الياباني ببثها مباشرة كما تعطى حقوق البث لعدد من القنوات في مختلف أنحاء العالم . ونسبة لهذا الاهتمام فقد اشتهرت اليابان بوجود عدد من العداءين المشهورين على مستوى العالم والذين يشاركون باستمرار في السباقات العالمية كماراثون بوسطن بالولايات المتحدة وغيره رغم ضعف اليابان الواضح في السباقات القصيرة . ومن أنواع الماراثون الذي تتميز به اليابان ما يعرف في البلاد باسم "ايكيدين " وهو عبارة عن سباق ماراثون بالتتابع . اشتق اسم السباق من نظام قديم للمواصلات في اليابان كان يعتمد على الخيل حيث تقام محطات معينة يتم فيها استبدال الخيول . يضم فريق التتابع في هذا النوع من السباق ما بين خمسة إلى عشرة أعضاء تقريبا ويتم تقسيم المسافة إلى أطوال بين 5 إلى 20 كيلومترا بالنسبة للرجال ومن 2 إلى 10 كيلومترات بالنسبة للنساء . أشهر سباقات الايكيدين في اليابان هو سباق العام الجديد والذي يجري التنافس فيه بين طلاب الجامعات اليابانية ويستمر لمدة ثلاثة أيام ويعتبر من أهم مناسبات الاحتفال بالعام الجديد . تهتم المدن المختلفة باستضافة سباقات الماراثون حيث يجري السباق في شوارع المدينة المختلفة ويقوم التلفزيون بالتركيز على معالمها لمدة ساعتين أو ثلاثة في مناسبة يتابعها الملايين مما يعني دعاية سياحية نادرة للمدينة المذكورة .

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 01-24-2017, 03:17 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-22-2017, 01:21 PM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)

    أنواع الرياضة التقليدية مثل الجودو " وهي تعني حرفيا طريق المرونة "والكندو" طريق السيف "والكيودو" طريق السهم " تعكس ثقافة اليابان الحقيقية ، فبالرغم من أن هذه الأنواع من الرياضة تمارس حاليا بغرض بناء الأجسام إلا أن لها ارتباط وثيق بالمعتقدات الروحية للشعب الياباني . تتجاوز هذه الأنواع من الرياضة مجرد التدريب من أجل اكتساب المهارات إلى قيادة القلب نحو المعتقدات البوذية حول الحياة والموت وتعاليم كونفوشيوص للتناغم مع الطبيعة . لذلك فإننا نجد الكيودو مثلا يركز أكثر على حركات الجسد وطريقة استعمال القوس والسهم أكثر من التركيز على إصابة الهدف كما هو الحال في الرياضة التي تمارس في الغرب مثلا . بالرغم من الاهتمام البالغ بمختلف أنواع الرياضة إلا أن اليابان لا زالت تحتل موقعا متخلفا للغاية في الدورات الأولمبية وهو الأمر الذي يزعج الكثير من اليابانيين خاصة وأن جيرانهم في الصين وكوريا يحرزون من الميداليات أكثر بكثير مما يحرز اليابانيون . كان اليابانيون حتى وقت قريب يحتكرون الميداليات الذهبية في منافسات الجودو وينافسون بقوة في الجمباز إلا أنهم فقدوا مقدرتهم على التنافس في السنوات الأخيرة ويعزي الكثير من المراقبين ذلك لضعف اللجنة الأولمبية اليابانية . وضعف اليابان في الدورات الأولمبية صعب التبرير خاصة وأنه يجري اختيار أطفال المدارس ذوي الميول الرياضية منذ سن مبكرة لاعدادهم بصورة علمية للمشاركة في المنافسات الأولمبية . المعروف أن اليابان قد استضافت دورة الألعاب الأولمبية لأول مرة في العاصمة طوكيو في العام 1964 ، ويقول الكثير من المحللين الاقتصاديين أن الدورة كانت نقطة التحول التي نقلت اليابان من دولة نامية إلى واحدة من الدول الصناعية الكبرى التي تتحكم في اقتصاد العالم . كانت الإنشاءات التي أقيمت بمناسبة استضافة الدورة من العظمة بمكان بحيث ساعدت الأموال الطائلة التي صرفت على إقامتها في تحريك الاقتصاد بالصورة التي جعلته يستفيد من الظروف المحيطة وينطلق بسرعة إلى الأمام . ويشير هؤلاء مثلا إلى اكتمال الطريق العلوي بالعاصمة طوكيو في ذلك العام بالإضافة لإنشاء العديد من الفنادق والمنشآت الرياضية لاستقبال الرياضيين المشاركين في الدورة بالإضافة للأعداد الكبيرة من السواح الذين زاروا البلاد في ذلك الوقت .الفنون كما هو معروف من أكثر النشاطات الإنسانية التي تعكس مستوى ومحتوى حضارة أي بلد من البلاد . واليابان لا تعتبر استثناء من هذه الحقيقة فالفنون اليابانية متنوعة بتنوع الحضارات التي أثرت على البلاد وبمقدرة وإبداع أهل البلاد مما يغطي على عجز اليابان في التنوع الثقافي الذي يرتبط عادة بالتعدد العرقي والثقافي في بلاد أخرى . وقد تميز الشعب الياباني عبر التاريخ بالمقدرة الفائقة على استيعاب الحضارات الوافدة وتحويلها إلى إبداع ياباني خالص مع الاحتفاظ ببعض السمات الأساسية للحضارة المنقولة . ولعل هذا يبدو واضحا في الفنون اليابانية المختلفة التي انتقلت لليابان أصلا من الدول الأسيوية المجاورة وعلى رأسها الصين وأعيد تصديرها للعالم بعد أن اكتست الصبغة اليابانية الخالصة .يعتبر المسرح في اليابان كما هو الحال في غيرها من الدول أبو الفنون ، ويمكن عند مشاهدة المسرح الياباني ملاحظة الطبيعة الآسيوية العامة التي تميزت بالمزج الرائع بين الرقص والغناء والرواية الشعرية . هناك خمسة أنواع من المسرح الياباني التقليدي التي لا زالت تمارس حتى يومنا هذا وبعضها لا زال يجذب الكثير من المشاهدين وبصفة خاصة السواح الذين يزورون اليابان بأعداد كبيرة من الولايات المتحدة والدول الأوربية .الكابوكي هو أشهر أنواع المسرح في اليابان وهو مسرح تقليدي ازدهر كثيرا في فترة العزلة اليابانية المجيدة منذ بداية القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر . بدأ الكابوكي كمسرح متنقل يقوم بالتمثيل فيه عدد من المسرحيين الجوالة الذين يجوبون المدن المختلفة لتقديم مسرحياتهم في الهواء الطلق ويتكسبون من وراء المبالغ التي يتطوع بها المشاهدون والتي تعكس درجة إعجابهم بالمسرحية . كان الكابوكي في ذلك الوقت مسرحا مختلطا تشارك فيه السيدات بيد أن المسرح هبط إلى نوع من الرقص الخليع مما أدى لانتشار الرذيلة بين الممثلات اللاتي أصبح أداءهن يجتذب الشباب الباحث عن المتعة الرخيصة . نسبة لذلك تدخلت الحكومة وقامت بمنع النساء من المشاركة بالتمثيل في مسرحيات الكابوكي ابتداء من عام 1629 . أصبح الكابوكي منذ ذلك الوقت مسرحا خاصا بالرجال فقط من حيث الأداء ، وبالرغم من أن الحظر على النساء قد رفع منذ نهاية القرن الماضي إلا أن قيام الممثلين الذكور بدور المرأة أضحى جزءا لا يتجزأ من تقاليد الكابوكي للدرجة التي جعلت أي محاولة لدخول العنصر النسائي تعني فقدان هذا النوع من المسرح لواحدة من أعمدته الأساسية . كما أن إتقان الممثلين لدور النساء وتقديمه بصورة تعكس نظرة مجتمع الرجال للمرأة على اختلاف العصور جعل من الصعب على السيدات اقتحام هذا المجال الفني الهام إلى يومنا هذا .بعد الإقبال الكبير على مسرحيات الكابوكي منذ منتصف القرن السابع عشر أصبح للفرق المسرحية مسارح تقدم فيها أعمالها . ومع قدوم عام 1664 قام مسرحان في العاصمة إيدو "طوكيو" وأوساكا باستقدام نظام الستائر في المسرح مما غير كثيرا في أسلوب الكابوكي إذ أصبح بالإمكان بعد ذلك تغيير الخلفيات وتقديم مسرحيات تتميز بالتنوع والمرونة . في وقت لاحق بدأ استعمال المسارح الدائرية المتحركة التي أتاحت الفرصة لمواصلة المسرحية دون انقطاع حيث يجري إعداد الخلفيات في النصف الآخر من المسرح في الوقت الذي تكون المسرحية مستمرة في النصف المواجه للجمهور ، إلا أن المسارح قد عادت في الوقت الحاضر للنوع التقليدي مع استعمال الستائر ويتم خلال فترات الاستراحة بين فصول المسرحية المختلفة تقديم فقرات فكاهية . من الأشياء اللافتة للنظر في مسرح الكابوكي كذلك وجود ممرات في شكل مثلث من الجانب الخلفي وحتى خشبة المسرح ، وتستعمل هذه الممرات لدخول وخروج الممثلين كما أنها تتيح لهم الفرصة لأداء أدوارهم وسط الجمهور مما يزيد من التفاعل بين المشاهدين والممثلين.

    (عدل بواسطة Gaafar Ismail on 01-24-2017, 03:14 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

01-24-2017, 03:35 AM

Gaafar Ismail
<aGaafar Ismail
تاريخ التسجيل: 08-27-2005
مجموع المشاركات: 4564

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: غايكوكوجن - ذكريات من اليابان (Re: Gaafar Ismail)


    تعتمد مسرحيات الكابوكي بصورة أساسية على الممثل ، لذلك فإن الممثلين كثيرا ما يخرجون عن النص لكسر الرتابة وضمان تفاعل الجمهور. ونسبة لأهمية الممثل فإنه يخضع لتمارين
    قاسية قد تستمر منذ الطفولة المبكرة وتركز بصورة أساسية على مهارات الرقص والغناء التي تعتبر أساس مسرح الكابوكي . هناك عائلات محددة اشتهرت في فن الكابوكي وعلى كل
    ممثل ناشئ أن ينضم لواحدة من هذه العائلات التي استمر بعضها لسبعة عشر جيلا من الممثلين حتى يضمن مكانه في عالم المسرح . ليس من الضرورة أن يكون الممثل من أفراد هذه
    العائلة ولكن إتقانه للمهارات الأساسية يمكن أن يكسبه اسم إحدى العائلات المحترمة في المجال . وعندما يرتقي الممثل سلم المجد في مسرح الكابوكي فبإمكانه الحصول على اسم جديد
    مطابق لاسم أحد الممثلين الذين ذاع صيتهم في الماضي ، ويتم ذلك عادة في احتفال صغير يقوم الممثل فيه بإلقاء كلمة يطلب فيها دعم وتأييد الجمهور . ولعل من أكثر الأسماء شهرة
    والتي يتمنى كل ممثل الحصول عليها هو اسم الممثل الشهير " إتشيكاوا دانجورو " وهو من الممثلين الذين اشتهروا في بداية ظهور الكابوكي كمسرح محترم يرتاده الكثير من المشاهدين .
    ولعل نفس الأسلوب متبع في مصارعة السومو وهي كما رأينا ضرب من ضروب الرياضة اليابانية التقليدية ، فهناك أيضا يكتسب اللاعب اسما من أسماء المشاهير كلما ارتقي في درجات المصارعة .
    لا يعتبر الكابوكي مجرد ضرب من الفن لكنه كان دائما الوسيلة التي تعكس الأوضاع الاجتماعية في اليابان . ففي عهد توكوقاوا الذي تميز بعلو منزلة المحاربين الساموراي ووقوع التجار
    والمواطنين العاديين في أدني السلم الاجتماعي كان الكابوكي هو الأسلوب الذي تعبر به هذه الطبقات المهمشة عن خبايا نفوسها. كانت طبقة التجار تملك المال بالرغم من موقعها المتدني في
    السلم الاجتماعي لذلك فإنها كانت تقوم برعاية مسرح الكابوكي وتجد في مسرحياته خاصة تلك التي تنتقد بعض المظاهر في الحياة المعاصرة سلوى لما تلاقيه من اضطهاد في المجتمع .
    ولا يزال مسرح الكابوكي يركز على نوعين من المسرحيات وهما القصص التاريخية التي تتناول بصورة أساسية بطولات الساموراي وما يسمى بالمسرحيات العائلية والتي تتناول موضوعات
    معاصرة تعكس معتقدات المجتمع . ولعل مما أكسب الكابوكي شعبية واسعة داخل اليابان وخارجها كذلك ذلك الإسراف في استعمال الألوان سواء أن كان في الملابس التي يرتديها الممثلون أو
    في الأصباغ التي يطلون بها وجوههم للأدوار المختلفة . ونسبة للإقبال الكبير على مسرحيات الكابوكي من قبل الأجانب فإن المسارح الكبيرة في العاصمة طوكيو تقوم بتوزيع ملخص
    للمسرحية باللغة الإنجليزية بل إن بعضها يقدم خدمة للترجمة الفورية .
    يعتبر المسرح الذي يطلق عليه اسم " نو " هو أقدم المسارح اليابانية على الإطلاق إذ أن أصوله تعود للقرن الرابع عشر الميلادي ، كما أن الميزة التي يتميز بها النو عن غيره من المسارح
    التقليدية هي أنه لا زال يحتفظ بالأثر الديني المتمثل في ارتباطه بالفكر البوذي . تبدا مسرحيات النو عادة بدخول الفرقة الموسيقية المكونة في الغالب من ثمانية عازفين ثم يتبعها الممثل
    الذي يلعب دور الشخصية المساعدة في زي الرهبان وفي النهاية يخرج من الظلام عبر الممر البادئ من طرف المسرح الشخصية الرئيسية وعادة ما يكون الممثل الذي يقوم بهذا الدور
    ملثما عند الدخول . اللغة المستعملة في هذا المسرح شعرية كما أن الخطوات التي يقوم بها الممثلون مدروسة بعناية وتنفذ بدقة وبطء وهي أقرب إلى الرقص منها للحركات العادية
    حيث تصاحبها عادة الموسيقى التعبيرية التي تقوم بعزفها الفرقة الموسيقية .
    ظهر مسرح النو كما ذكرنا في القرن الرابع عشر وكان مرتبطا بصورة أساسية بمعابد ديانة الشنتو والبوذية . كانت الفرق المسرحية تقوم بالأداء في المهرجانات التي كانت تقيمها
    هذه المعابد في المواسم وكانت مسرحياتها تؤدي غرضين هما الدعوة لأفكار هذه الديانات والترفيه عن المشاهدين . تعتمد مسرحيات النو المشهورة فلسفة " زن " وهي إحدى
    فروع الديانة البوذية والتي تمجد التقشف والاقتصاد في الحديث وتعتمد التعبير الرمزي لنقل المعاني . في العصر الإقطاعي وجد مسرح النو دعما مقدرا من الاقطاعيين الذين
    كانوا يتنافسون على دعم الفرق المسرحية