قناه المقرن الحاضر الغائب والسبب ..... تراجى والمتحولين !!!
قرارات مؤتمر المائدة المستديرة واتفاقية أديس أبابا: تعقيب على السيد الصادق المهدي 4-4
قراءة حول أسباب الصراع في جنوب السودان (1 ـ 3) بقلم أفندي جوزيف
منتديات سودانيزاونلاين    تحديث الصفحة    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest [دخول]
اخر زيارك لك: 04-30-2017, 11:45 AM الصفحة الرئيسية

المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »

بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَمِّ الأشياء بأسمائها

04-07-2017, 10:30 AM

عادل القصاص

تاريخ التسجيل: 11-27-2004
مجموع المشاركات: 42

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَمِّ الأشياء بأسمائها

    بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل
    أو
    فلنُسَمِّ الأشياء بأسمائها


    عادل القصَّاص



    "أن تأتي متأخِّراً خيرٌ من ألَّا تأتي أبداً". حضرتْ هذه الحكمة إلى ذهني على إثر فراغي من قراءةِ نصِّ استقالة عبد العزيز الحلو. لا أقصد بهذا أن أُوحي، بشكلٍ حصري، بأنه كان ينبغي على الحلو أن يتقدَّم بمثل هذه الاستقالة منذ وقتٍ مبكِّر (وإنْ كنت لا أمانع في أن تؤوَّلَ إشارتي على هذا النحو). على أن المعنى الأشمل الذي أقصد إليه أنه كان ينبغي أن يتمَّ تغييرٌ إستراتيجي – تدريجي على الأقل – في البنية الفكرية، السياسية والتنظيمية، الهيكلية والإدارية، للحركة الشعبية لتحرير السودان منذ أمدٍ بعيد.

    بهذا المعنى، فإنني لستُ أشكُّ في أن بعضاً من – إنْ لم يكن جُلَّ – أزمات الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال لها جذورٌ تمتد إلى مراحل مبكَّرة، ترجع إلى مرحلة، أو مراحل، ما قبل "اتفاقية السلام الشامل". بل إن باستطاعتي أن أجرؤ على القول إنني أرى أنه كان للشهيد جون قرنق دورٌ مباشر وآخرُ غير مباشر، إنْ لم يكن في خلق، ففي استمرار جزءٍ من مشكلات الحركة، سواءً أدرك ذلك أم لم يُدرك. أقول هذا وأنا أضع في اعتباري أن لكلِّ مرحلةٍ من مراحل نموِّ الحركة مشاكلها الخاصَّة بها؛ ولكن أيضاً لكلِّ مرحلةٍ مساهمتها في تفاقم أو تعقيدِ مشاكلَ سابقة.

    ربَّما لا تكون الحركة فريدةً في هذا؛ بيد أن من الواضح، بالنسبة لي، أنها لم تحقِّق أيَّ تطوُّرٍ نوعي وملموس – يتَّسق مع إنجازاتها على الصعيد العسكري ومع التوقُّعات والحفاوة الشعبية الضخمة التي حظيت بها في أوقاتٍ سابقة – بحيث يقف ذلك شاهداً، ليس على تجاوز معضلاتها الداخلية، النظرية والتنظيمية، فحسب، وإنَّما على تقليصها بما يدلُّ على فعاليَّةٍ أو حيويةٍ داخليةٍ أصيلة.

    إنني قطعاً ألتمس العذر للذين لم تمكِّنهم ملابساتٌ متعدِّدة – وهم ليسوا قِلَّة، داخل وخارج الحركة الشعبية لتحرير السودان (بمرحلتيها) – من رؤية الأشجار وهي، من على بُعْدٍ، تسيرُ. تتضمَّن تلك – هذه – الملابسات، على نحوٍ عام، التجهيل أكثر مما تتضمَّن الجهل. لكن، فيما عدا أصحاب المصلحة في التجهيل (داخل وخارج الحركة)، فإنني أرى أنه كانت ثمَّة علائمُ جليَّة مُبكِّرة، لبعضِ الأزمات على الأقل. وأنا هنا لا أجد أيَّما عُذرٍ– وذلك يشملني– لكلِّ من رأى تلك – هذه – العلائم (أو بعضَها على الأقل) ولم يتحرَّك في اتجاه المعالجة، أو صوب الشهادة على الأقل.

    حضرتْ إلى ذهني أيضاً: "أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتني إلى الشروع في كتابة هذا الكتاب تتمثَّل في قلقي من أن تؤول الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى نفسِ المصير البشع الذي آلت إليه كلُّ حركات التحرُّر الوطني في أفريقيا". تلك صياغةٌ، أزعم أنها مُحكَمة من حيث تلخيصها للمعنى الذي أراد صديقي القديم محمد سعيد بازرعة نقله إليَّ عبر ردِّه على سؤالٍ وجَّهته إليه في سياقِ قعدةٍ لنا، في أسمرا منتصف تسعينيات القرن الماضي، عن محتوى كتابٍ كان – وربَّما ما يزال – يعمل على كتابته منذ بداية تسعينيات نفس القرن. كان بازرعة يخشى – كما أوضحتْ لي تداعياتُ نفسِ تلك القعدة وقعدات ومناسبات أخرى قبلها وبعدها – من أن تخون قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان الأحلام التي أدَّت إلى نشوئها، وبالتالي خيانة آمال الكثيرين – ممن انتظموا فيها وممن لم يفعلوا – من المؤمنين بالحركة، وأولئك الذين لم يكن بوسعهم – لأسبابٍ مختلفة – أن يتعرَّفوا عليها، من "الأغلبية الصامتة" التي استعارت الأخيرة لسانهم بأنها ستحقِّق لهم/لهنَّ تلك – هذه – الأحلام، التي هي ليست مشروعة فحسب، وإنَّما تحقيقها ممكنٌ أيضاً. بتعبيرٍ آخر، لقد كان هاجس بازرعة يكمن في كيف أدَّى الوصول إلى السلطة إلى جعلِ الكثير من قادة حركات التحرُّر الوطني يديرون ظهورهم للبرنامج الذي حملهم إلى السلطة. باستطاعتي أن أُرجِّح – رغم أنني لم أطَّلع على مسودة كتابه في ذلك الوقت، ولم أفعل حتى الآن – أن بازرعة – وهو الذي انخرط في صفوف الحركة الشعبية، مُفضِّلاً العمل في الجبهة العسكرية لجيشها الشعبي منذ النصف الثاني من ثمانينيات ذلك القرن – كان قادراً على رؤية علائم أو ملامح ذلك التحوُّل في بعضِ من خَبِرَ العمل معهم من القادة. ذلك أنني أؤمن بأنه – ومهما كانت حذاقة قائدٍ سياسيٍّ ما في إخفاء ملامحه الحقيقية – من الممكن لمْسُ – أو على الأقل، شمُّ، أو الشعور بـ – مَلمَحٍ، أو أكثر، من تلك – هذه – الملامح الحقيقية المخفيَّة. أمَّا لماذا لم يفعل، أو يقُل، بازرعة شيئاً يحذِّر من المآل الذي كان يخشاه (وهو ما أرى أنه كان – وما يزال – آخذاً في الحدوث فعلاً) في وقتٍ مبكِّر – شأنه في ذلك شأن رفاقٍ آخرين، سأسمِّي بعضاً ممن أعرف منهم فيما بعد، هنا أو في سياقٍ آخر، متى حانت مناسبةٌ – فهذا ما سوف أتوجَّه إليه به في وقتٍ وسياقٍ لاحقين يتَّفق عليهما كلانا.

    بالنسبة لي، كانت فترة عملي المباشر مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، منذ منتصف وحتى نهاية تسعينيات القرن الفائت، كافيةً لكي أشمَّ، أُبصر، وألمس، بعض العناصر، التي لم أكن – وما أزال لا– أشك في مساهمتها – إلى جانب عوامل أخرى بالطبع – ليس في تحجيم نموِّ الحركة فحسب، وإنَّما أيضاً في خلقِ أزماتٍ، لو تواصل تخلُّقها، نموُّها، وتفاقُمها، من المرجَّح أن تكون المحصِّلة النهائية القضاء عليها، حتى لو استمرت عبر وجودٍ شكلي. وفي اعتقادي أن قسماً معتبراً من هذه العناصر موروثٌ، بنسبٍ متباينة، من بعض التقاليد الفكرية و/أو الآيديولوجية، السياسية/العسكرية والتنظيمية لحركات التحرر الوطني في أفريقيا، أميركا الجنوبية وآسيا. ومن هنا يكتسب تخوُّف بازرعة أهمية خاصة، لا سيَّما في هذا الوقت الذي دفع فيه عبد العزيز الحلو باستقالةٍ تضمَّنت كشفاً عن (وبالنسبة لي: تأكيداً على) بعض دلائلِ إدارة شخصين بارزين، ياسر عرمان ومالك أقار، ظهريهما لآمالِ، وأعمالِ، غيرهما التي تسبَّبتْ في وصولهما إلى مواقع قيادية في الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال.

    وحسناً فعل الحلو باتخاذ هذه الخطوة الشجاعة، الاستثنائية تقريباً في تقاليد العمل السياسي السوداني (معارِضٍ أو غير معارض)، قبل أن يفوتَ ما تبقَّى من وقت. هذه الخطوة الباسلة للحلو هي، في تقديري، الخطوة المُعَبِّرة الأولى في اتجاه استعادة احترامه لنفسه قبل استعادة احترام الكثيرين والكثيرات له، لا سيَّما أولئك الذين كانوا على قناعةٍ بأن انخراطه الرائد في مسيرة الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان كان نابعاً من سعيٍ أصيل فيه صوب التغيير، لا نحو جاه السلطة. ولعلَّ أبرز بقية الخطوات، المُعَبِّرة، تتمثَّلُ في المساهمة في توفير الشروط الأساسية لـ، مثلاً:

    - المراجعة المؤسسية، الشاملة، أي غير الانتقائية، الصارمة، أي غير المسرحية، كما للمواجهة الشجاعة (بما يتضمَّن مواجهة الذات).

    - إعادة البناء التنظيمي-المضموني-الهيكلي، العضوي، لا الشكلي، بما يشمل التغيير، غير المُساوِم، لمحتوى، هيكل ومُحدِّدات القيادة.

    إذن، فلتكن استقالة الحلو هي الفرصة، غير الضائعة، للشروع في تخليق عملية أو خطوات نقطة التحوُّل، الصميمة، الأولى في تاريخ الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان منذ تأسيسهما.

    بهذه الروح، ليت الحلو يفصح، أكثر، عمَّا يراه مساهماتٍ سلبية منه، سواءً في خلق أو استمرار أو استفحال الأزمة العامة للحركة، أو، بتعبيرٍ أدقَّ، ليته يُسَمِّي أو يحدِّد "الأخطاء القيادية والإدارية التي ارتكبها"، وهل كانت هذه الأخطاء قاصرةً على الفترة التي عيَّنها في تلك الفقرة من الاستقالة؟

    بهذه الروح، ليت مسؤولين وأعضاءَ آخرين في الحركة – وهذا يشملني بالطبع – ممن ساهموا/ساهمنَ بهذا الشكل أو ذاك – بما يتضمَّن الصمت – في التسبُّب في الأزمة العامة للحركة أو في استمرارها أو في استفحالها، أن يساهموا/يساهمنَ في المراجعة والمواجهة، البينية والذاتية، وبالتالي في إعادة البناء العضوي المقترَحة.

    بهذه الروح، أشرعُ في تحديد بعض العناصر والأدوار التي أرى أن لها دوراً محورياً في تحجيم نموِّ الحركة و/أو في إنتاج، استدامة وتفاقمِ جانبٍ بارزٍ من أزماتها.


    1- العُنصر النظري:

    تكمنُ محمدةٌ فكرية رئيسة للحركة الشعبية لتحرير السودان – في سياقِ تحوُّلاتٍ إستراتيجية تتعلَّق بتطوُّر الفكر السياسي الماركسي-السوداني – في تمرُّدها على التأويل الماركسي-اللينيني السائد (وقتها؟) للثورة. فقد أعانها ذلك على انتخاب "كتلة تاريخية"، تتمثَّلُ في قوى اجتماعية من الهامش الجغرافي/الاقتصادي/الاجتماعي/الإثني/السياسي/الثقافي ، بدلاً عن طبقةٍ عاملة تقود شرائح وفئات اجتماعية أخرى، مدينية وريفية، كما ساد لدى الأحزاب الشيوعية التقليدية، بما في ذلك الحزب الشيوعي السوداني. لكن كانت تلك هي البداية فقط؛ والنهاية أيضاً. ذلك إن تلك البداية التأسيسية النظرية، التي تمَّ الإفصاح عنها في "البيان التأسيسي" للحركة عام 1983، كان أوَّلها ومنتهاها – كما بَيَّنتْ ممارساتٌ مختلفة عاصرَتها وأخرى تلَتها – التجييش الآيديولوجي، لا التأسيس والتطوير الفكري، السياسي، الثقافي والتنظيمي. فالمشهد الفكري-السياسي السوداني لم يرَ صعوداً رصيناً في البناء النظري للحركة، يتَّسق مع تلك البداية الخصيبة، بما يشمل جبهات تتجاوز، فيما تتعالق مع، السياسي مثل الثقافة، الإعلام، الاقتصاد، المرأة، التنمية، القانون، والتعليم. غير أن الحركة آثرتْ – إن كان هذا هو التوصيف المناسب – شأنها في هذا شأن أغلب مثيلاتها من حركات التحرُّر (الأفريقية على الأقل) – أن توجِّه جُلَّ – إن لم يكن كلَّ – جهدها للعناية بالجبهة العسكرية والسياسية اليومية، مستندةً في هذا التوجُّه على تبنِّي مبدأ الممارسة العملية، كنقيضٍ للتنظير. وقد سوَّغ لها الركود المركزي الماركسي-السوداني العام، السابق (السبعيني) واللاحق (الثمانيني)، مشروعية هذا التقليد/المبدأ، على المستوى الظاهر. لكن، على المستوى الباطن، كان هذا تعبيراً – أيضاً – عن نظرةٍ – سائدةً طبعاً على أكثر من صعيد – تزدري التنظير وتتعامل معه، في خِفَّةٍ موروثة، كنقيضٍ للممارسة العملية، غير مدركةٍ أن التنظير نفسه هو ممارسة، وعملية، تنهض على عناصر مختلفة، تنتمي إلى حقل التجريد، لكنها ليست، بالضرورة، نقيضةً للممارسة العملية، الحركية أو الفيزيائية؛ وتلك – هذه – نظرةٌ تشيرُ – من بين ما تشيرُ أيضاً – إلى نوعٍ من عدم الامتنان نحو ركيزةٍ بنائية شرطية، هي النظرية، التي لولاها لما قامت الحركة، من الأساس، أي بهويَّتها (رغم الجمود السابق والارتباك اللاحق) ومساهمتها التاريخية الفارِقة في مسار مشروع التغيير الثوري في السودان، بغضِّ النظر عن المآل المؤسف والموجِع الذي انتهى إليه أُفقٌ صميمٌ من آفاق مشروعها: أُفق السودان الموحَّد.

    فسارتِ الحركة بموروثٍ نظري، فكري-ثقافي، ضامر، أفلحتْ عواملُ متضافرة في مواراته، إلى حدٍّ ما على الأقل، لعلَّ أهمها: أصوات معارك الجيش الشعبي لتحرير السودان ضد القوات الحكومية، وما نجم عن ذلك من قوَّةِ دفعٍ سياسي، وما اتَّصل بالاثنين من زخمٍ آيديولوجي شيوعي، دولي، إقليمي وداخلي مُركَّب، داعمٍ، خلال حقبة ثمانينيات القرن الماضي. ولكن مع تداعي المركز الاشتراكي ومحيطه الأوروبِّيِّ، أصاب الحركة ما أصاب معظم – إن لم يكن كلُّ – التنظيمات اليسارية، ذات المنطلقات الفكرية/الآيديولوجية الماركسية في المحيط غير الأوروبِّيِّ، من ذهولٍ، حيرةٍ وارتباك.

    في عالمٍ غدا ذا قُطبٍ واحد، واصلت الحركة مسيرتها بنكهةٍ يساريةٍ حييَّة، ولكن دون موروثٍ فكري، أي من غير ضوءٍ نظري. على أن الحركة وارَتْ تَوَهَانَها الفكري بعِدَّةِ وسائل، أقترحُ إجمالها في وسيلتين:

    - الوسيلة الأولى، تتمثَّلُ في موجِّهاتٍ شفوية ارتجلتها براعة مؤسس الحركة وقائدها الشهيد جون قرنق، توصي بتقليص الملامح و/أو الأصوات اليسارية الرادكالية للحركة (فمثلاً، بدلاً عن المناداة بالاشتراكية، يجب التركيز على رفع "شعارات عامة" من شاكلة: "التوزيع العادل للثروة والسلطة" و "السودان الجديد").

    - الوسيلة الثانية، تتمثَّلُ في استمرارِ المعارك، خصوصاً بعد أن استعاد الجيش الشعبي زمام المبادرة العسكرية من القوات الحكومية؛ وما نَجَمَ عن ذلك من قوَّةِ دفْعٍ سياسي، موضَعَت الحركة في قمة فصائل تحالف المعارضة السودانية (أو "التجمع الوطني الديموقراطي" في ذلك الوقت)، مما أدَّى إلى تنامي شعبيتها في السودان، أكثر من غيرها من الفصائل المعارضة؛ غير أنها لم تستمتع بالزخمِ الآيديولوجي الدولي السابق هذه المرَّة، ولكن بدعمٍ إقليمي و"تفهُّمٍ" دولي محدودين، أملتهما أغراضٌ تكتيكية في أغلبِ الحالات، أغراضٌ ناجمةٌ عن رعونةٍ وَسَمتِ السياسة الخارجية للنظام السوداني، لا سيَّما خلال العشرِ سنوات الأولى من عمره.

    ملامح الهوية الفكرية-السياسية للحركة، التي تمَّ التعبير عنها في الجُملة الأولى للفقرة التي سبقت الفقرتين الآنفتين، هي التي لازمتها، علاوةً على الفقر التنظيمي والتخبُّط و/أوالاعتباط الإدراي، في فترة ما بعد "اتفاقية السلام الشامل"، لا سيَّما في الفترة التي أعقبت استشهاد مؤسسها، قائدها السياسي والعسكري وأبيها الروحي، وقد بانت بوضوح العاقبة المأساوية لـ"التقليد التنظيمي الثوري"، وغير الثوري، السوداني، وغير السوداني، المتمثِّل في اعتمادِ تنظيمٍ بأكمله على قائدٍ/مرجعٍ واحد، عوضاً عن المؤسَّسة.

    ولم تلازم تلك – هذه – الملامح الفكرية-السياسية الحركة خلال مرحلة ما بعد "اتفاقية السلام الشامل"، أي مرحلة الحرب الثانية، فحسب، وإنَّما استفحلت، كما أُضِيفت إليها ملامحُ أخرى بِنْت المرحلة.

    أخلُصُ من هذا الجزء إلى أن عنصراً رئيساً من عناصر الأزمة العامة للحركة يعود إلى جدْبها النظري الذي أعقب مرحلة خصوبة بيانها التأسيسي إلى يومنا هذا.

    فلو كان قد تزامن مع، وتلا، مرحلة خصوبة التأسيس نموٌّ في الجبهة الفكرية، لكان من شأن ذلك أن يُكسِبَ الحركة هويةً فكرية-سياسية-تنظيمية أكثر تماسكاً. فمثلاً، ربَّما كان الأرجح أن يكون لديها استعدادٌ أفضل للتعامل مع المنعطفات الكبرى، مثل:

    1- منعطف انهيار المركز الاشتراكي ومحيطه الإقليمي (فربَّما كانت ستتوقَّع المفاجأة، أو ربَّما كان ردُّ فعلها سيكون أقلَّ ذهولاً، حيرةً وارتباكاً من غيرها من التنظيمات الماركسية؛ ربَّما وربَّما).

    2- منعطف "اتفاقية السلام الشامل" (فربَّما كانت ستتلقَّى التوقُّعات والحفاوة الشعبية الهائلة التي استقبلتها وحضنتها لفترةٍ غير قصيرة بالامتنان المركَّب التي كانت قمينة به؛ ربَّما كانت ستكون أكثر يقظةً، خبثاً وقوَّةً من الشريك الأوَّل في الاتفاقية؛ ربَّما كانت الشروط المؤسَّسية والتقاليد الديموقراطية هي التي ستسيِّرها، لا الإرادة والرغائب الفردية؛ ربَّما كان بوسعها استيعاب الإقبال الشعبي عليها؛ ربَّما كان باستطاعتها أن تبني وتقود جبهة معارضةٍ وطنية داخلية عريضة؛ ربَّما ما كان الاستشهاد المفاجيء لقائدها أن يشلَّها؛ ربَّما وربَّما).

    3- منعطف الحرب الثانية (فربَّما ما كانت هذه الحرب ستنشب؛ ربَّما ما كانت – وقد وقعت – ستكون الطرف الأضعف فيها؛ ربَّما كانت قدرتها على توحيد قوى متباينة من المعارضة، وعلى التجييش الشعبي، أفضل، بما لايُقارَن، من الآن؛ ربَّما وربَّما). الثراء الفكري، أي غير الدوغمائي، له دورٌ حاسم في إضفاء حيويةٍ ثقافية على التنظيم، في انفتاحه الثقافي والسياسي، في تثقيف سياسته، وفي ابتكار هياكل تنظيمية غير رخوة وغير عاطلة. لتحقيق هذا المشروع، كان يمكن لقيادة الحركة الشعبية أن توفِّر بعض العناصر الأساسية؛ منها:

    - الإقرار، غير الهشِّ، بالأهمية الإستراتيجية والعضوية للحراك الفكري، غير أُحاديِّ الجانب، لمشروعِ تغييرٍ، و/أو تحريرٍ، بالضخامة والتركيب، بالأحرى التعقيد، الذي تحلم به وتسعى إليه الحركة.

    - الإقرار، غير المداوِرِ، بأن البيان التأسيسي لم يقُل كلَّ شيء.

    - الإقرار، غير الفاتِر، بأن الحاجة عارضة للبندقية، بينما هي دائمة للفكر.

    - الإقرار، غير المُكابِر، بأن تحقيق "السودان الجديد" لن يتمَّ إلَّا عبر عمليةٍ مستمرَّة، لا بانقلابٍ زاحف، وبأن دور الفكر في المركز من هذه العملية المستمرَّة.

    - إن لم يكن بوسعها توفيرُ دعمٍ مادي، فكان يمكن للحركة أن تساهم – حتى لو رمزياً – في تأسيسِ جهازٍ ثقافي- إعلامي يمكن أن يكون بمثابةِ نواةٍ للمشروع.

    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 10:32 AM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 10:34 AM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 10:55 AM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 11:02 AM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 11:06 AM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 11:10 AM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 01:58 PM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-07-2017, 02:21 PM)
    (عدل بواسطة عادل القصاص on 04-09-2017, 06:07 AM)

                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-07-2017, 07:48 PM

Nasr
<aNasr
تاريخ التسجيل: 08-18-2003
مجموع المشاركات: 7969

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: عادل القصاص)

    هذه كتابة جادة وعميقة
    نرفعها فوق للإطلاع والحوار
    نعود بعد قرايتها بمهلة
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-08-2017, 02:36 AM

معاوية الزبير
<aمعاوية الزبير
تاريخ التسجيل: 02-07-2003
مجموع المشاركات: 6242

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: Nasr)

    برضو فوق من أجل قراءة متأنية
    شكرا لكما
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-08-2017, 05:27 PM

بله محمد الفاضل
<aبله محمد الفاضل
تاريخ التسجيل: 11-27-2007
مجموع المشاركات: 8361

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: معاوية الزبير)

    شكراً جميلاً عادل على هذه الكتابة الجادة، الهميمة والمهمة
    أظن الداء العضال يكمن دائماً في الشخصية التي تكابد كل المرارات
    أي شخصية كانت، وتضع نصب عينها، أنها حالما تبلغ الهدف المراد من كل هذه الجهادات
    وتتبوأ مقعدها في القيادة المأمولة
    حتى تسعى إلى (التكويش) والاستئثار بكل الغنائم، من مبدأ أنها كافحت وناضلت وآن لها أن تجد سبيلاً إلى الراحة والمغانم...
    من هنا تماماً، ينقطع كل سبيل بينها وبين القيادة الحقيقية، فالقيادة الحقيقية تبدأ بعد القيادة الميدانية والكفاح
    لكن الأمل دائماً يبقى معقوداً على تصحيح المسار


    تحياتي واحترامي
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-10-2017, 06:44 AM

عادل البراري
<aعادل البراري
تاريخ التسجيل: 01-07-2013
مجموع المشاركات: 5177

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: بله محمد الفاضل)

    تحياتي يا صديقي القصاص تحياتي في زمن الرحيل والبارود واللا استقرار جميل ما كتبت وقد يرفتع سقف التحديات أعلى مما عليه لكن هناك في المقدمة وليس هي بمقدمة بل جهلاً للب الموضوع ذكرت أسباب ودور آخرين لكن ما ذكرته كان كأنك تميس على السطح لم تتعمق وتظهر ذلك أو تلك الأدوار . تخوف بازرعة تخوف مشروع لكن لم تحليل مصاحب منك لهذا التخوف بشكل عام تجدني أنظر لهذه المساهمة التى دفعت بها أنها إطار عام ليس تقع في الجانب التحليلي الذي نستخلص منه نتائج تدفع بالعملية للامام لذا تجدني أقف قليلاً هنا
    Quote: إذن، فلتكن استقالة الحلو هي الفرصة، غير الضائعة، للشروع في تخليق عملية أو خطوات نقطة التحوُّل، الصميمة، الأولى في تاريخ الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان منذ تأسيسهما. ا
    أيضا تطرح ولا تسبب وتدخلنا في تحليل عميق يمكنا ان نرجع له عند.الاحتياج إذاً هناك جانب تكميلي أرى يجب ان تعمل عليه لك الحياتي واحترامي فاعذرني فأنا أكتب من الجوال
    ا
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-17-2017, 10:25 AM

عادل القصاص

تاريخ التسجيل: 11-27-2004
مجموع المشاركات: 42

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: عادل البراري)

    الحميم والهميم، ود البراري (كم أشتاق لبرارينا تلك، وما يجاورها من امتداد ناصر ومنشية!)

    نعم، فثمة تفاصيل قادمة، يا صديقي، وما هذا الجزء سوى تحريض على المكاشفة والمفاكرة العلنية، وأيضاً عن الدور النظري في الأزمة.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-17-2017, 10:17 AM

عادل القصاص

تاريخ التسجيل: 11-27-2004
مجموع المشاركات: 42

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: بله محمد الفاضل)

    "القيادة الحقيقية تبدأ بعد القيادة الميدانية والكفاح".
    شكراً لك، شكراً لك، يا فاضل.
    هذا هو المفهوم الذي ظل ينقص عملية التغيير الحقيقية عندنا، يا صديقي وشاعري.
    لك الامتنان والأحضان على هذا التقعيد.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-17-2017, 10:09 AM

عادل القصاص

تاريخ التسجيل: 11-27-2004
مجموع المشاركات: 42

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: معاوية الزبير)

    يشرفني تقديرك لهذه المساهمة مني يا معاوية.
    ولك اعتذاري أيضاً على التعقيب المتأخر.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-17-2017, 10:05 AM

عادل القصاص

تاريخ التسجيل: 11-27-2004
مجموع المشاركات: 42

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: Nasr)

    لك التحية والتقدير والامتنان يا نصر على حفاوتك بهذا المقال.
    وأعتذر لك عن تأخري في العودة إليك وإلى بقية المساهمين الأفاضل، لأنني كنت متورطاً في أو مع مجابدات الحياة.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-18-2017, 05:08 PM

Nasr
<aNasr
تاريخ التسجيل: 08-18-2003
مجموع المشاركات: 7969

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: عادل القصاص)

    مقطع
    "بتعبيرٍ آخر، لقد كان هاجس بازرعة يكمن في كيف أدَّى الوصول إلى السلطة
    إلى جعلِ الكثير من قادة حركات التحرُّر الوطني يديرون ظهورهم للبرنامج الذي حملهم إلى السلطة."
    وفي معرفة ذلك فليتنافس المتنافسون
    ناس مانديلا ما خانو العهد
    وناس ملس نفذوا قدرا من برنامجهم
    المشكلة كانت في ناس أنجولا وريمبابوي وموزمبيق
    وناس سلفا كير

    المهم يا القصاص
    مساهماتكم (أقصد تطوير مساهماتكم باوسع مما فعلت هنا)
    ضرورية
    ومن الضروري معرفة الموضوعي قبل الذاتي
    كاريزما القائد مرات بتعمل مشاكل اكثر مما تجلب من حلول
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-19-2017, 06:55 PM

osama elkhawad
<aosama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 10669

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: Nasr)
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

04-20-2017, 00:28 AM

عادل القصاص

تاريخ التسجيل: 11-27-2004
مجموع المشاركات: 42

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: بعيداً عن الرَّمل، صوبَ الفيل .. أو فلنُسَ� (Re: Nasr)

    شكرا، مرة أخرى، يا نصر على هذه العودة المتفكِّرة.
    أعدكم بالمواصلة، أو تطوير المساهمة كما عبرت.

    "كاريزما القائد مرات بتعمل مشاكل اكثر مما تجلب من حلول".

    أشد على يدك.
                   <=====للزوار: للتعليق على هذا الخبر او المقال اضغط رد |Articles |News |مقالات |بيانات

[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

· دخول · ابحث · ملفك ·

اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia
فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de