الخطاب الديني في مواجهة عصرالنهايات والتحولات - للكاتب الأردني إبراهيم غرايبة

شرح مفصل و معلومات للتقديم للوتري 2020
فتحي الضو في أستراليا
Etihad Airways APAC
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 22-10-2018, 08:56 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف للعام 2016-2017م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-03-2017, 05:03 AM

زهير عثمان حمد
<aزهير عثمان حمد
تاريخ التسجيل: 07-08-2006
مجموع المشاركات: 19727

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


الخطاب الديني في مواجهة عصرالنهايات والتحولات - للكاتب الأردني إبراهيم غرايبة

    04:03 AM March, 08 2017

    سودانيز اون لاين
    زهير عثمان حمد-السودان الخرطوم
    مكتبتى
    رابط مختصر


    تؤسس هذه المقالة لسلسلة من المقالات في محاولة فهم تأثير موجة "النهايات والتحولات" سوف أقوم بنشرها هنا لكم للفائدة التي تجتاح العالم المعاصر في مرحلة "الشبكية" وتغير كل شيء تقريبا بدءا بالموارد والأعمال والأسواق مرورا بالمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدارس والجامعات، وانتهاء بالثقافة والفنون والأفكار والفلسفات، وتتكامل (وأرجو ألا يكون ذلك مكررا) مع مجموعة من المقالات السابقة التي نشرت من قبل، وبخاصة مقالة:

    الروح الخائفة: هل الحالة الدينية والفكرية القائمة تعكس الخوف والنكوص في مواجهة صدمة الشبكية؟ والتي نشرت في موقع مؤمنون بلا حدود في 10 كانون الأول ديسمبر 2016

    سلسلة التحولات في الخطاب الديني المعاصر: من إصلاح الخلافة إلى استئنافها إلى الأسلمة إلى البدائل الإسلامية .. إلى الأزمة!

    يمكن التأريخ للخطاب الإسلامي المعاصر بما هو الاستيعاب المعاصر لقضايا الدين والدولة ببداية القرن التاسع عشر، عندما بدأت الدول الإسلامية تحاول اقتباس النموذج الغربي المعاصر للدولة الحديثة كما حدث في مصر محمد علي والدولة العثمانية وتونس وكثير من الحواضر الإسلامية، وتطورت الظاهرة (الخطاب الإسلامي السياسي) وتعددت مساراتها واتجاهاتها ومرّت في تحولات عدة حسب تحولات وتطورات الدولة الحديثة في عالم العرب والإسلام، و بذلك فإنها تحولات تعكس الحالة الاجتماعية والحضارية وتغيراتها وأزماتها، وهي باختصار أزمة الدولة الحديثة نفسها، ويمكن القول أيضا، إن أزمة الإسلام السياسي وانسداد أفقها تؤشر إلى أن الدولة الحديثة تواجه الأزمة نفسها.

    ويمكن عرض هذه التحولات والاتجاهات في الخريطة التالية:

    1- إصلاح الخلافة والسلطة التي كانت امتداد للقرون الوسطى وتقوم على الحق الإلهي والغلبة لأجل استيعاب الاتجاهات السياسية والفلسفية الجديدة في تنظيم الدول والمجتمعات، مثل الدستور وفصل السلطات وبناء المؤسسات العامة للتعليم والرعاية، واستعادة أو اقتباس الاتجاهات العقلانية في فهم النصوص وتأويلها، ومن رواد هذه المرحلة رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، وعبد الرحمن الكواكبي.

    2- العمل لأجل استعادة أو استئناف الخلافة الإسلامية بعد إنهائها في إسطنبول، ومن أمثلة هذا الاتجاه رشيد رضا، وشكيب أرسلان، ومحب الدين الخطيب، وجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا عام 1928 وقدمت هدفها بوضوح في استئناف الخلافة ونهضة الأمة الإسلامية.

    3- الاستغناء عن الخلافة وفك العلاقة بين الدين والسلطة، وأوضح وأهم مثال على هذا الاتجاه علي عبد الرازق وكتابه الإسلام وأصول الحكم الذي صدر في عام 1925. وفي امتداد هذا الاتجاه وتطوره وتبلوره فيما يمكن وصفه "العقلانية الإسلامية" يمكن إدراج عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين، مثل نصر حامد أبو زيد، وطه حسين، وعبد الله النعيم، ومحمد محمود طه، ومحمد أركون، ووائل حلاق، وجورج طرابيشي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الوهاب المسيري، وعبد المجيد الشرفي، وعبد المجيد الصغير، وهشام جعيط، وطه عبد الرحمن، ومحمد عابد الجابري، وأحمد صدقي الدجاني، ومحمد الطالبي، ووحيد الدين خان،..

    4- فكر النهضة، رغم أن هذه الاتجاه يتقاطع مع الاتجاه السابق، ورغم أنه يتضمن اتجاهات وأفكارا مختلفة ومتباينة لكن يمكن ملاحظة أنها اتجاهات وجهود كانت تركز على النهضة والتقدم أو الإصلاح أكثر من انشغالها بالعلاقة بين الدين والدولة، ومن رواد وأصحاب هذا الاتجاه: سيد قطب في المرحلة السابقة لعام 1954 ، والتي يعبر عنها كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومصطفى السباعي (اشتراكية الإسلام) وحسن الهضيبي (دعاة لا قضاة) ومالك بن نبي وخاصة كتابه شروط النهضة، وسيد دسوقي: البعث الحضاري، وإسماعيل الفاروقي: إسلامية المعرفة، ورحيل غرايبة: الحقوق والحريات وفي الشريعة الإسلامية وأحكم الجنسية والمواطنة.

    5- تطبيق الشريعة الإسلامية والدور الديني للدولة

    على الرغم من أن هذا الاتجاه لم يدرس دراسة كافية، ولم تلاحظ بعد محاولات التأريخ والتحليل للحالة الدينية أثر عمليات تطبيق الشريعة وإحلالها في القوانين والتشريعات والمؤسسات والحياة اليومية والدور الديني الواسع للدولة الحديثة، ولعله دور غير مسبوق في التاريخ الإسلامي، حيث أنشأت الدول الحديثة وزارات ومؤسسات قائمة على الشأن الديني وكليات علمية في الجامعات لتدريس العلوم الدينية وتقديم البحوث والدراسات وكذلك العدد الكبير من رسائل الماجستير والدكتوراه، لقد ساهمت السلطات السياسية في إنشاء وتطوير خطاب إسلامي وحالة دينية مؤثرة، ولعلها أكبر وأهم مصدر في تشكيل الظاهرة الدينية القائمة اليوم، بما في ذلك الحالة المتمردة والمناوئة للسلطات السياسية.

    6- الأسلمة والإسلامية

    يقصد بهذا الاتجاه العمليات الاجتماعية والاقتصادية غير الحكومية لأجل الاستيعاب الإسلامي للحياة المعاصرة، مثل الجماعات الإسلامية الجديدة، والمؤسسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية "الإسلامية" والخطاب الفكري والسياسي المتمثل في شبكة من الدراسات والمحاولات والأعمال، والتي أنشأت حالة دينية واسعة وممتدة في الأسواق والمجتمعات.

    7- البديل الإسلامي والصراع

    تؤشر فكرة البديل الإسلامي إلى مؤسسات وكيانات اجتماعية واقتصادية "إسلامية" تشكل بديلا للمؤسسات الأخرى القائمة، والتي تعتبر "غير إسلامية" مثل المدارس والأندية والبنوك والمنتجعات السياحية، وكذلك أنظمة واتجاهات اللباس والطعام والبيوت والعمارة، وفي ذلك يتشكل صراع اجتماعي سلمي بين النموذجين، الموصوف أحدهما بأنه "إسلامي" والآخر "غير إسلامي"

    8- البديل الإسلامي والخروج من المجتمع والانقسام الاجتماعي

    تؤشر هذه الحالة على نموذج "إسلامي" انفصالي عن المجتمع والبيئة المحيطة، وهي تختلف عن الحالة السابقة في طبيعة ومستوى صراعها، إذ إنها تأخذ طابع العنف المعنوي والمادي أحيانا، والكراهية والاعتداء والرفض للآخر الموصوف بأنه "جاهلي" ورغم أنه تعبير غير محدد ابتدعه سيد قطب، ثم بلوره محمد قطب في كتابه "جاهلية القرن العشرين" لكنه يعني عمليا ضد الإسلام أو الكفر العملي، وإن لم يقل أصحابه صراحة بكفر من ليس سواهم، وطور هذا الاتجاه في تجمعات ودراسات جامعية وكتب مهمة مفاهيم واتجاهات جديدة ومؤثرة في الحالة الدينية الاجتماعية، مثل الولاء والبراء والحاكمية والمفاصلة الشعورية واستعلاء الإيمان،...

    9- السلفيات والأصوليات "استعادة النماذج المبكرة للإسلام"

    بدأ "البعث" السلفي في القرن الثامن عشر تجمعا سياسيا واجتماعيا محدودا في نجد في الجزيرة العربية، لكنه انتشر وازدهر سريعا وبقوة بعد سقوط الخلافة العثمانية، ثم تضاعف انتشاره وتأثيره في سبعينيات القرن العشرين (ربما ردّا على هزيمة حزيران 1967) وصعد في تسعينيات القرن العشرين، ليتحول مع بداية الألفية الثالثة إلى تحدّ عالمي يشغل العالم.

    ورغم أن السلفية ظلت فترة طويلة حالة سلمية، تمثل اتجاها محافظا في المجال الديني والاجتماعي وحليفا سياسيا للسلطات، لكنها تحولت إلى حاضنة ومنشئة لمتوالية من الجماعات القتالية والمتطرفة تطرفا غير مسبوق.

    10- الديمقراطية الإسلامية

    طور الاتجاه الإسلامي السياسي في جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المناظرة للإخوان في تركيا والقارة الهندية وشرق آسيا نموذجا ديمقراطيا، يعبر عنه بوضوح في عالم العرب راشد الغنوشي في كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية وفي تجربة حزب النهضة الذي أسسه ويرأسه الغنوشي في تونس، وحسن الترابي في كتابه السياسة والحكم بين الأصول والواقع إضافة إلى التجربة السياسية الواقعية للإخوان المسلمين ثم الجبهة الإسلامية في السودان برئاسة الترابي، وتجربة الإخوان المسلمين في المغرب (العدالة والتنمية) وحزب العدالة والتنمية في تركيا، إضافة إلى مشاركات سياسية عديدة للإسلام السياسي في مصر والاردن وباكستان وإندونيسيا وماليزيا والكويت، ...

    11- الفوضى الدينية والتمرد والخروج على الدول والمجتمعات

    تطور جزء كبير من الحالة الدينية المعاصرة إلى عنف دامي وصراع مسلح وأهلي طاحن في بلاد عربية وإسلامية كثيرة، كما حدث في مصر منذ منتصف التسعينيات، وفي الجزائر طوال عقد التسعينيات، وفي العراق وسوريا وأفغانستان وليبيا واليمن وإيران وطاجيكستان، وفي عمليات القتل والتفجير والاعتداءات والمنتمية إلى اتجاهات ومشاعر وتنظيمات إسلامية، والتي تحدث في أنحاء واسعة في العالم.

    12- الأزمة والطريق المسدود

    تمثل حالة التطرف والكراهية والعنف والفوضى والصراعات الدينية والأهلية الطاحنة اليوم، والتي تجتاح عالم العرب والمسلمين أزمة عميقة للخطاب السياسي الإسلامي وتحديا قد تعصف به، أو تجعله يعيد صياغة نفسه صياغة جديدة مختلفا جذريا عما كان عليه الحال منذ أوائل القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، فمن الواضح أنها أزمة لا يمكن مواجهتها إلا بسلسة من المراجعات الشاملة في الخطاب الديني نفسه وفي تطبيقاته كما في المنظومة الاجتماعية والاقتصادية التي أنشأت وشكلت هذا الخطاب، والتي هي أيضا تواجه تحديات النهاية والتحولات.

    تبدأ مواجهة التطرف بتفكيك شبكة عميقة مؤسسية وتعليمية واقتصادية ترعاها الدول والمجتمعات والشركات، قائمة على «الأسلمة». لقد تشكلت متوالية هائلة ومعقدة من المؤسسات والكليات والمناهج التعليمية والأسواق والبنوك والشركات، ولم يعد ممكناً وقف هذا التطرف المتنامي إلا بالعودة إلى مبتدأ «الأسلمة» التي اشتعلت في العالم العربي والإسلامي. ذلك أن ما تقوم به الأنظمة في مواجهة التطرف لا يختلف عن الانشغال بإطفاء الحرائق من دون وقف مصدر اشتعالها، وذلك كخزان هائل يتدفّق منه الوقود فيزود الحرائق المشتعلة وينشئ حرائق جديدة بلا توقف. وسيظل ما تفعله السلطات والمجتمعات في مواجهة التطرف مهمة سيزيفية أبدية ومستحيلة.

    بدأت منظومة «الأسلمة» وما نشأ عنها من جماعات وأنماط جديدة من التدين السياسي والعنفي ومن تدمير المؤسسات الدينية العلمية والروحية التي كانت قائمة وتعمل لقرون عدة، بالتحول من التدين إلى الأسلمة، أو من التأثير في الأفراد والمجتمعات والمؤسسات القائمة على أساس من الدين إلى تغييرها أو إنشاء منظومات بديلة مختلفة عنها جذرياً تحل مكان المنظومة «الجاهلية» أو تصارعها وتنافسها. هكذا صارت لدينا بنوك إسلامية وكليات جامعية للصيرفة الإسلامية وإعلام إسلامي وكليات ودراسات جامعية للإعلام الإسلامي، وكذلك الحال في الحكم والسياسة واللباس والطعام والفنون. وصارت في كل بلد عربي وإسلامي منظومات مؤسسية وفكرية ناشطة وموازية للمنظومات القائمة أو بديلة لها أو منافسة. ومن المفارقات المحيرة، أنها منظومات أنشأتها الأنظمة نفسها ورعتها، وهكذا فالطلاب يدرسون في الجامعات الرسمية التابعة للدول، والتي تنفق عليها من الموارد العامة أنظمة «إسلامية» تعتبر الأنظمة القائمة والمطبقة كفراً وجاهلية يجب تغييرها، وتقدّم في ذلك دراسات وأطروحات جامعية ومقررات ومناهج دراسية تُفرض على طلاب المدارس والجامعات. وماذا أفضل من ذلك للتطرف والجماعات المتطرفة لتحشد المؤيدين والأعضاء والمناصرين والمقاتلين أو تعمل في أمان وسلام في المساجد والجامعات والمدارس، وتهيئ لهم الحكومات إضافة إلى ذلك بيئة علمية وبحثية لتحويل هذه الاتجاهات إلى أفكار متماسكة ودراسات علمية ورسائل ماجستير ودكتوراه!

    أن تكون في القرآن أحكام واجبة التطبيق في المجالات السياسية أو الاقتصادية أو توجيهات عامة، لا يعني ذلك أن هناك نظام حكم إسلامياً، أو نظاماً اقتصادياً إسلامياً، أو صيرفة إسلامية. وتطبيق أحكام قرآنية في التشريع والحياة العامة لا يعني ذلك دولة إسلامية، وعدم تطبيقها لا ينفي الإسلام عن الدولة أو القيادة السياسية للدولة، ذلك أن الدولة، أية دولة، لا يمكن وصفها بأنها إسلامية أو يهودية أو مسيحية أو بوذية. فحين نقول دولة ملكية أو جمهورية أو عسكرية، فهل تكون هذه إسلامية أم غير إسلامية؟ وإذا كانت تطبق نظام ملكية الدولة للموارد والمؤسسات والخدمات الأساسية، أو كانت دولة تعتمد نظام السوق أو نظاماً مختلطاً، فهل تكون إسلامية أم غير إسلامية؟ كذلك فتحريم الربا لا ينشئ نظاماً مصرفياً إسلامياً: حسناً، إذا منعت السويد الربا، فهل يمكن وصف نظامها الاقتصادي أو المصرفي بأنه إسلامي؟ ولمّا كانت الدول الشيوعية السابقة تطبّق نظاماً اقتصادياً غير ربوي، فهل نقول إنها كانت إسلامية؟ وللمناسبة، ما الربا؟ ومن قال إن البنوك القائمة ربوية؟ وكيف صارت البنوك المسماة إسلامية إسلامية؟

    وهكذا، فبذل الجهود العلمية والمؤسسية لإقامة أنظمة إسلامية ليس سوى عمل ضد الذات ننشئ لخدمته وتطويره مؤسسات ننفق عليها من الموارد العامة، وليس ذلك مطلباً دينياً ولم يأمر به الله، لكننا في ذلك نرعى التطرف ونمنحه بيئة مشجّعة وآمنة.

    وأخيراً، كيف يمكن تنظيم الشأن الديني والمؤسسات الدينية والتعليم الديني من دون تناقض مع الدين أو متطلبات الدولة الحديثة، ومن دون رعاية للتطرف؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2017, 05:19 AM

زهير عثمان حمد
<aزهير عثمان حمد
تاريخ التسجيل: 07-08-2006
مجموع المشاركات: 19727

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الخطاب الديني في مواجهة عصرالنهايات والت� (Re: زهير عثمان حمد)

    المقالة الثانية

    تطور الخطاب الديني في سياق التحالف والتعارض مع الأنظمة السياسية

    تشكل السلفية بما هي التزام القواعد والمبادئ التي يضعها المؤسسون والرواد تيارا طبيعيا ومكونا دائما في الأديان والأفكار والفلسفات والمؤسسات. وفي السياسة أيضا (المحافظون) هي باختصار تعني تحويل الثقافة أو الأفكار السائدة إلى مناهج وتطبيقات سواء في الدين أو السياسة، وقد نشأت السلفية الإسلامية في مرحلة مبكرة في العصور الإسلامية، ثم اتخذت اتجاهات مؤسسية وسياسية متعددة منذ بدأ التشكل والتدوين والجدل في الدين والفقه ومتوالية هذا التشكل والجدل في السياسة والحكم، ففي التوأمة التاريخية والدائمة بين قلعة الحكم وهيكل الدين، لا بد أن يؤثر كل واحد منهما في الآخر.

    يعد الإمام أحمد بن حنبل رائد الاتجاه السلفي في التراث الفقهي والديني، وإن كان الإمام مالك بن أنس قد سبقه في ذلك، وكان ذلك في سياق الجدل المنهجي الذي بدأ يتبلور في عالم الإسلام، إذ بدأ المنهج الديني عقليا فلسفيا محايدا تجاه السياسة والحكم أو كما يقال في التراث الإسلامي إرجائيا (المرجئة) ولكن السلطة السياسية لم يرق لها ذلك الافتراق بين الدين والسياسة، ولما كان المنهج العقلي سائدا ومهيمنا، فقد دخلت السلطة في تحالف مع هذا الاتجاه، ولكن في سياق من التنازلات والتسويات التي أجراها هذا الاتجاه متحولا بنفسه من الإرجاء إلى الحنفية نسبة إلى أبي حنيفة، وتعني التنظيم المنهجي العقلي للفقه والتراث الديني، أو الاعتزال (العقلانية الممنهجة والمنسجمة مع السياق الديني والسياسي) واتخذت السلفية (الحنابلة أو أهل الحديث) خطا معارضا للسلطة وتحالفها مع المعتزلة والأحناف، وتعرضت السلفية للاضطهاد السياسي فترة من الزمن وبخاصة في عهد المأمون والمعتصم والمتوكل من الخلفاء العباسيين، ولكنها نجحت في اختراق الجمهور والجند، وأجبرت السلطة السياسية على وقف الاضطهاد ثم إعادة التحالف معها بدلا من التحالف مع العقلانية والرأيوية في الدين، وبدأت هذه الاتجاهات في الانحسار والتراجع أمام المد السلفي أو التوفيق بين العقل والنقل (الشافعية والأشاعرة)، بل وتحول الصراع من كونه في مواجهة بين أهل الرأي وأهل النص، إلى مواجهة بين أهل الحديث الذين تسموا بأهل السنة والجماعة في مواجهة الأشاعرة، وأحيانا يطلق على هذا الصراع أهل السلف وأهل الخلف، والحال أنه صراع أثّر وغير في الاتجاهين؛ فقد نزع الحنابلة باتجاه التصوف والعرفان والمنطق، ونزع الأشاعرة باتجاه النقل والنص، ولم يعد الفرق بين الاتجاهين كبيرا أو واضحا، ثم لحق بهما اهل العقل من الأحناف والمعتزلة والماتريدية واقتربوا منهما كثيرا، واختفى الطابع السياسي والعقدي للخلاف، ليتحول إلى جدل فقهي ومنهجي في الاستدلال والأخبار،...

    ثم صعدت السلفية مرة أخرى في مواجهة المد الشيعي الذي اكتسح العالم الإسلامي، وعبر عن ذلك بوضوح ابن تيمية الحنبلي في القرن الرابع عشر، ولكن الانتصار التركي العثماني الحنفي أعاد دمج وصياغة العالم الإسلامي من جديد، وعادت السلفية مذهبا فقهيا أقل تأثيرا وبخاصة مع تطور المذهب الحنفي برعاية الدولة العثمانية، وتطور المذهب الشافعي برعاية الأزهر والمؤسسات الدينية الاجتماعية في الشام مثل المسجد الأموي في دمشق، والمالكي برعاية السلطنة المغربية ومسجد الزيتونة في تونس، ثم عاود الظهور مرة أخرى في اتجاهين: أحدهما علمي فكري في مصر في مواجهة المد العلماني الليبرالي وموجة التأثر في الغرب، وبرز في ذلك رشيد رضا ومحب الدين الخطيب في مصر، ثم ناصر الدين الألباني في سوريا، وفي اتجاه سياسي في الجزيرة العربية على يد محمد بن عبد الوهاب.

    وتطورت السلفية برعاية الدولة السعودية الحديثة، وأنشأت مؤسسات وجامعات وتحالفات علمية واسعة في العالم الإسلامي، وكان طابعها علميا أو في اتجاه محافظ اجتماعيا ومعتدل سياسيا، ينزع إلى المشاركة والتعاون مع السلطات السياسية، لكن ظهرت وفي سرعة سلفية احتجاجية وجدت في الدولة الحديثة خروجا على منهج السلف، ودخلت في مواجهة مع الدلة الحديثة انتهت بطبيعة الحال باختفائها فترة طويلة من الزمن، لتعاود الظهور في سبعينات القرن العشرين في حالة مواجهة مسلحة يائسة انتهت أيضا بالقضاء عليها.

    وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في أواخر العشرينيات مستلهمة النموذج السعودي الناشئ، وقد تكون اقتبست التسمية والشعار (السيفين والمصحف) وتشكل تعاون وتأثير متبادل بين الإخوان المسلمين والسلفية السعودية، تأثر الإخوان بالمنهج والفكر السلفي وساعدوا الدولة السعودية في تحديث المناهج السلفية وتطويرها في صيغ ودراسات حديثة تصلح للتدريس في المدارس والجامعات، وفي استيعاب الحداثة الغربية وتطبيقها معادا إنتاجها في صيغ إسلامية او موافقة للإسلام. وساهمت الجامعات السعودية الحديثة في تطوير وتحديث الفكر الدعوي والديني مؤثرة بذلك في اتجاهات وبناء الجماعات السلفية والإخوانية أيضا.

    وفي نمو وصعود جماعة الإخوان المسلمين ثم المد الديني في سبعينيات القرن العشرين تفاعلت السلفية مع الحالة الناشئة باتجاه التأثير فيها والاقتباس منها، وظهرت اتجاهات وجماعات سلفية جديدة، مثل السلفية الإخوانية، سواء في تيارات واتجاهات سلفية داخل جماعات الإخوان المسلمين أو في تيارات وجماعات وشخصيات سلفية متأثرة بالإخوان المسلمين، والسلفية القتالية التي أكسبت أفكار ومقولات سيد قطب طابعا سلفيا وقتاليا، أو سلفيات احتجاجية تتبع فكرا متشددا عقائديا ولكن تدعو إليه سلميا، تجمع في ذلك بين الأفكار والجماعات القومية الشوفينية والفكر الديني القطبي، وتعززه بأصوله وجذوره في التاريخ والتراث الإسلامي والفقهي، وتعيد إنتاج وتأويل النصوص الدينية في صياغات وأفكار حديثة مستفيدة أيضا من المؤسسات التعلمية والمناهج البحثية والمصادر الفكرية الجديدة في التعليم والبحث العلمي، ويمكن الإشارة هنا على سبيل المثال إلى محمد قطب وتلامذته، وحزب التحرير الإسلامي.

    هكذا يمكن الإشارة إلى اتجاهات وجماعات سلفية كثيرة متباينة، مثل السلفية العلمية، والسلفية التقليدية (علمية في أفكارها لكنها تنحو باتجاه تطبيقات اجتماعية محافظة ومشاركة سياسية)، والسلفية الدعوية أو الإخوانية، سواء في التأثير على جماعات الاخوان في اتجاه سلفي أو في اقتباس أفكار الإخوان وأدواتهم في الدعوة في عمل سلفي دعوي وتنظيمي، والسلفية الاحتجاجية، التي وإن كانت تتفق مبدأيا مع العلمية والتقليدية لكنها ترفض كثيرا مما قبلت به في الحداثة السياسية والاجتماعية والمنجزات والأفكار الغربية التي اجتاحت عالم المسلمين، والسلفية القتالية (الجهادية) التي طورت مناهج الإخوان والسلفية في نموذج استيعابي جديد، والسلفية التكفيرية المتطرفة التي استلهمت سيد قطب ثم مضت بعيدا في المواجهة والمفاصلة مع الدول والمجتمعات، والسلفية العلمية العقائدية، والتي أقامت على مفاهيم الحاكمية والولاء والبراء ومواجهة الفلسفات الغربية والحداثوية تصورا جديدا للحياة والحكم، ولكنها لا تلجأ إلى العنف.

    وفي مسار آخر للفكر والجهد الإصلاحي الذي بدأ في القرن التاسع عشر ممثلا بجمال الدين الأفغاني، وخير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي، والمؤسسة السياسية والدينية في الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم في سلسلة يمكن الرمز إليها بمحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ثم رشيد رضا ومحب الدين الخطيب، ثم حسن البنا ثم سيد قطب ثم عمر عبد الرحمن فأيمن الظواهري وأسامة بن لادن، وبالطبع فإنه ترميز يختزل ويخفي حلقات أخرى كثيرة مشابهة أو مختلفة، ولكنه تسلسل يصلح لملاحظة الأجيال وتطوراتها وتفاعلات الأفكار وعلاقاتها بالأنظمة السياسية والأحداث الكبرى التي مرت بالعالم الإسلامي، ويمكن أيضا ملاحظة التحولات التي لحقت بالفكر الإصلاحي والديني الذي نهض لأجله علماء ومفكرون ورواد في السياسة والإصلاح والفكر منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم كيف آل الفكر والإصلاح إلى حالة خروج عن الأمة ثم العالم والتاريخ، بدأت بسيد قطب ولكنها تحولت بعده إلى أسوأ بكثير على يد شباب وقادة في جماعة الإخوان المسلمين وحولها ومن تحت عباءتها، مثل شكري مصطفى وأيمن الظواهري وأسامة بن لادن، .. كانت مغامرة قاسية ومدمرة، ألحقت ضررا كبيرا بالإسلام الدين والفكرة وبالمسلمين المجتمعات والدول، وبالموقف العالمي من الإسلام والمسلمين ومصالحهم السياسية والاقتصادية.

    وإنه لمن المحير والمحزن أن تكون الحالة الفكرية والإصلاحية الناضجة والمتقدمة التي قدمها الإمام محمد عبده متقدما على أستاذه جمال الدين الأفغاني تؤول إلى سلفية رشيد رضا، وللأمانة فإنها تبدو اليوم سلفية إصلاحية واعية ومتقدمة، إذا قورنت بالغرابة والخروج الذي وقعت فيه جماعات الإسلام السياسي، ثم إلى تشكيلات وممارسات فيها قليل من إصلاحية محمد عبده وكثير من الاقتباسات المرعبة للجماعات والتنظيمات الفاشية والباطنية الموغلة في السرية والتطرف، وتيه وخلط فكري وباطنية سياسية وإصلاحية بددت الوعي الفكري واستنزفت أجيالا من المتدينين والإصلاحيين ثم أدخلتهم في صراعات قاسية ومدمرة مع الدول والمجتمعات، ولكن ذلك كله كان متقدما ومعتدلا بالنسبة إلى الحالة الجديدة التي بدأت تتشكل في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين!

    فقد كانت مغامرات حسن البنا وتجاربه ضمن الفكر والجهود المنتمية إلى المجتمعات والدول، ولكن سيد قطب دفع الجماعة إلى الخروج عن الدول والمجتمعات والنظر إليها باعتبارها غير مسلمة، وصارت جماعة الإخوان المسلمين تشكيلا منظما وواسعا ولكنه معبأ بمفاصلة المجتمع والاستعلاء عليه، ولكن شكري مصطفى وعبد السلام فرج وأيمن الظواهري وأسامة بن لادن وجدوا الإخوان متناقضين مع أنفسهم، بل ومنافقين، يحملون فكر المفاصلة والولاء والبراء ويمارسون مهادنة الجاهلية وترقيعها، فمضوا بنا إلى مواجهة حقيقية ومسلحة وليس مجرد مفاصلة شعورية (كما ينسب إلى سيد قطب) مع الدولة والمجتمع بل والأسرة والمجتمع الصغير المحيط، وأخيرا إلى مواجهة مدمرة مع العالم بأسره، .. وصارت الدول والمجتمعات الإسلامية رهينة لجماعات مسلحة متطرفة لا يمكن توقع أفعالها وردود افعالها، ..

    ولقائل أن يقول: ولكن الإخوان المسلمين ليسوا جماعات التكفير والقتل والتطرف! وهم يشاركون في العمل السياسي السلمي والإصلاحي من مداخل وقنوات علنية وقانونية متاحة.

    وذلك صحيح من الناحية الظاهرية أو في بعض أجزاء فهم الظاهرة والحالة، ولكنها أفكار وجماعات نشأت في البيئة الفكرية والتنظيمية التي أنشأها الإخوان المسلمون، ولا تختلف في أفكارها ومرجعياتها عن الإخوان، بل هم أصحاب هذه الأفكار والمرجعيات ومؤسسوها، والفرق الوحيد بينهم وبين الإخوان أنهم يطبقون ما يدعو إليه الإخوان ويؤمنون به، ويملك الإخوان من الباطنية والتجربة والمؤسسية والتراكم في القيادات والأجيال والحيل السياسية والتشابك الاجتماعي مع المصالح والمجتمعات ما يجعلهم قادرين على التوفيق بين العمل السلمي والتطرف الفكري، وهذا أسوأ وأخطر ما في الإخوان المسلمين!

    فبالنظر إلى التبريرات الفقهية والتأسيس الفكري والنظري الذي يقدمه قادة وكتاب من الإخوان المسلمين يمكن ملاحظة العقل الباطن واللاشعور الذي يفيض بتكفير الناس والعداء للمجتمعات، والأمثلة كثيرة جدا ومتاحة في الكتب والممارسات العلنية والأخبار والتجارب المتسربة من داخل الجماعة، والتي تؤكد هذا الانفصال الكبير عن السياق العام للأمة والمجتمعات والدول،.. وعلى سبيل المثال، فإن ما يؤمن به معتدلو الإخوان المسلمين من جواز المشاركة في المجالس النيابية والوزارات مستند إلى أن النبي يوسف كان وزيرا للملك الكافر!

    وبالطبع هناك ردّ متوقع بالكتب والدراسات الفكرية المعتدلة مثل كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية لراشد الغنوشي، ولكنها مقاربات تواجه التهميش والإقصاء والرفض في معظم سياقات الجماعة، وتعاني هي نفسها من تناقض وخلل، وإن كانت أيضا مرحب بها وتعتبر تقدما فكريا ومحاولة لإصلاح الإخوان المسلمين،.. ولكنها ليست أكثر من محاولة، وهي مقاربات على أية حال تحتاج إلى وقفة ونقاش مستقل وأكثر توسعا.

    ما زالت الجهود والمبادرات الإصلاحية التي انطلقت في القرن التاسع عشر في العالم الإسلامي ملهمة للإصلاح والفكر الإصلاحي، ويجري بحثها واستعادتها على نطاق واسع في مجالات الفكر والبحث والعمل العام، وهي بالإجمال تستوعب التقدم الغربي الذي شكل صدمة كبرى لعالم العرب والمسلمين، ويشمل ذلك المعادين والرافضين للغرب، فهم في واقع الحال يستخدمون أدوات الغرب وأفكاره.

    ومنذ مئتي عام والعرب والمسلمون يسألون أنفسهم لماذا تقدموا وتأخرنا؟ ولكننا اليوم نواجه سؤالاً لعله أكثر أهمية وإلحاحاً: كيف آلت المبادرات والمشروعات الإصلاحية والتنويرية بدءاً برفاعة الطهطاوي في أوائل القرن التاسع عشر ومروراً بجمال الدين الأفغاني وخير الدين التونسي ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي ورشيد رضا ومحمد بلحسن بلحجوي والفضل بن عاشور ولطفي السيد وسلامة موسى وطه حسين وعلي عبدالرازق... إلى جماعات وأفكار للكراهية والتطرف يقودها أبو بكر البغدادي وأبو مصعب الزرقاوي؟ وكيف تحولت برامج التحديث وبناء مؤسسات الدولة التي بدأت بمصر (محمد علي) عام 1805 ثم شملت جميع الدول العربية إلى سلسلة من الهزائم المهينة وأنظمة حكم استبدادية وعسكرية، فما قيل عن مآل رفاعة الطهطاوي إلى أبو بكر البغدادي يقال عن مآلات المؤسسين وقادة التحرر في الدول إلى معمر القذافي، وصدام حسين، كما أدت برامج اقتباس التنمية الحديثة إلى فقر وفساد واعتماد على المساعدات الخارجية. وكما يقول برنارد لويس: «لم تساعد الجيوش ولا المدارس والجامعات والمصانع والبرلمانات دول الشرق ومجتمعاتها، ولا أوقفت الفجوة بين العالم الإسلامي وبين الغرب، وكل ما عملته أنها ساعدت بعض النخب».

    ولكن بينما نحن متوقفون (تقريباً) عند صدمة لحظة غزو نابليون لمصر في 1798 حدثت في عالم «الغزاة» تحولات كبرى وجذرية تفوق في أهميتها وتأثيرها الثورة الصناعية، وتحتاج إلى أسئلة وصدمات كبرى جديدة. فالعالم يعيد تشكيل نفسه وفق موارد وتقنيات وأفكار وقيم جديدة ومختلفة تعصف بكل ما لدينا وما نحسبه إنجازاً، الدول والمؤسسات والقيم والهويات والطبقات والعلاقات كما الموارد والأسواق! فالدولة الحديثة برغم قصر تجربتها في عالم العرب تواجه تحدياً حقيقياً يهدد مصيرها واستمرار سيادتها وطبيعتها ووظائفها، ويمتد ذلك إلى المدارس والجامعات والمهن والأعمال، وربما كان من أسباب نجاح وامتداد الجماعات الأصولية والمتطرفة أنها تمنح إجابة ما في ظل الشعور بالضياع، وشعوراً جديداً بالهوية والانتماء بعدما فشلت الأنظمة السياسية في تحقيق حياة الرفاه وحياة أفضل لمواطنيها، كما فشلت في بناء هوية ورواية تجمع الأمم والأفراد حول فكرة جامعة، ثم وإمعاناً في الفشل والهروب فقد أدارت ردة مخيفة إلى الروابط القرابية والدينية وحولت بلادها إلى قبائل وطوائف تائهة.

    وقد أضافت العولمة وتقنيات الاتصال فرصاً وتحديات جديدة، حيث بدأت الدول تتخلى بسرعة عن كثير من وظائفها وسيادتها لمصلحة الشركات والمجتمع الأهلي أو للقوى والمنظمات الخارجية كالأمم المتحدة، وحلف الأطلسي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية أو للشركات العالمية الكبرى التي تحولت بسرعة فائقة إلى دول وإمبراطوريات عملاقة.

    يرى جون اسبوزيتو، الأستاذ بجامعة جورجتاون، أن مشروعات ووعود النخب السياسية بالتنمية وحياة أفضل لهم تتحقق، وارتبط هذا الفشل بالعلمانية، وكان المشهد الذي آلت إليه الدول والمجتمعات يدعو إلى ردود فعل عكسية وغاضبة وبحث عن وسائل وأطر أخرى للإصلاح غير تلك التي سادت طوال هذا القرن، حيث تكونت مجتمعات تستفيد فيها أقلية ضئيلة عدداً من كل مزايا الحضارة الحديثة، وترزح الغالبية في بؤس وفقر، وكان هذا الغنى الفاحش والفقر المدقع على درجة من التجاور والاحتكاك، تؤدي إلى المواجهة المستمرة.

    ويقدم ممثلو الحركات الدينية أنفسهم على أنهم سيحققون مجتمعاً أكثر أصالة وعدالة اجتماعية، ويدافعون عن الفقراء والمضطهدين، وقد جذبت هذه الحركات مهنيين ومثقفين وأساتذة وعلماء تخرجوا من أفضل الجامعات وأهمها في بلادهم وفي أوروبا وأمريكا، كما تستخدم بفاعلية التقنية الحديثة ووسائلها الإعلامية في التأثير والاتصال على نحو يبشر بمهارة قيادية وتقنية تؤهلها لقيادة المجتمعات والدول. وبالطبع، فإنه لا يكفي القول إن الفقر والبطالة والتهميش هي الأسباب المحركة للبعث الديني؛ فالمجتمعات تبحث بحرقة عن أصالتها وهويتها، وسيظل الدين والثقافة لهما وزنهما في التنمية.

    وكما قلت مرارا في هذا المنبر، إننا لا نملك في هذه المرحلة الانتقالية رؤية واضحة لما يحدث، ولم تتشكل لدينا بعد الحكمة الكافية لبناء فلسفة وأفكار تصلح لبناء نموذج معرفي جديد ملائم، ولا نملك سوى الملاحظة والمحاولة، ولكنا نملك القول أو تشكلت الحكمة الكافية للقول إن المعرفة الدينية كما الإنسانية بعامة تحتاج إلى إبداع مستقل ومختلف عما تشكلت وبنيت فيه المعرفة في المراحل السابقة.

    الإبداع يقود الاقتصاد اليوم، وبطبيعة الحال، فإن المبدعين سيقود المجتمعات والدول، وهم الذين ينشئون المعرفة الدينية الجديدة، وقد نكون دخلنا بالفعل في مرحلة جديدة من التدوين والفهم للدين والثقافة والمجتمعات كما الموارد والأعمال والسياسة،... وإن لم يحدث ذلك، فإنه سوف يحدث حتما، وسوف تنقرض النخبة السائدة، وينقرض معها بطبيعة الحال الأفكار السائدة.

    يتشكل الإبداع في السلوك المعرفي والمهني بما هو تراكم المعلومات والمعرفة وتحويلهما إلى إبداع أو حكمة، ويجري ذلك في مسارين لإنتاج المعرفة وبنائها؛ تنظيم المعرفة وفوضى المعرفة، ففي تنظيم المعرفة، وهو المسار التقليدي والأكثر حضورا وتأثيرا ومؤسسية (ولكنه أقل إنتاجا للإبداع والحكمة في مرحلة التحولات الكبرى القائمة) تتشكل وتتراكم المعرفة والمهارات والتجارب وتتطور في عمليات يومية يقوم بها عادة الأكاديميون والمهنيون وعلى نحو بطيء وغير مقصود في تقديم المعرفة وتبسيطها والإضافة والحذف والمقارنة والنقد والتأييد والمعارضة للاتجاهات المعرفية والفكرية والفلسفية وفي العمل اليومي الروتيني في قاعات الدرس والمختبرات والدوريات والنشر والتأليف والندوات والمحاضرات والمؤتمرات والنقاشات العلمية والفكرية. ولكنها في خيرها الكثير تتضمن شرا كثيرا من السلفية المعرفية والجمود والغش والتزوير والسادية والانحياز والتكرار والهدر والتنميط والتنكيل والإقصاء والتهميش.
    وتتميز أيضا عمليات تنظيم المعرفة بفرص التمويل والإنفاق العام والتبرع . وتمنح للعاملين غيها فرص الارتقاء الوظيفي والتأثير العام والإعلامي والسياسي .. ولكنها تقصي بحسن نية وبسوء نية أحيانا الفكر النقدي والمختلف.

    وفي المسار الثاني بما هو البحث عن الحقيقة على نحو مستقل عن المؤسسات والتقاليد القائمة تتشكل معارف وإبداعات من خلال عمليات للبحث عن الحقيقة تخلو من المصلحة والتحيز، وتكون لأجل الحقيقة فقط أو الاقتراب منها. ويقوم عليها عادة مجموعات من المثقفين والمبدعين والهواة غير المتفرغين للفكرة التي يبحثون فيها أو متخصصين يعملون في غير مجالاتهم بعيدا عنها أو بالإضافة اليها، فيقدمون إضافات أو إبداعات مهمة بسبب الدافع القوي، أو تداخل المعارف والعمل في تخومها، حيث تقع عادة الإبداعات والإضافات.
    مشكلة هذا المسار فقره وعدم الاعتراف به وقلة الوقت .. كما أن حب الحقيقة مثل جميع أنواع الحب بلا مصلحة أمر نادر وغير كافٍ، ولكن هؤلاء الثلة من محبي الحقيقة يمثلون ضرورة كبرى للمعرفة. إذ يمنحونها الجمال والحافز والمشاركة العامة، كما أهم وهذا هو الأهم يمثلون ضمير العمليات المعرفية والرقابة الروحية، بل والمؤسسية على عمليات إنتاج وتنظيم المعرفة.

    تمثل موسوعة ويكبيديا مثالا إبداعيا لفوضى المعرفة، حيث يملك جميع الناس فرصة المساهمة والتحرير في إعداد وتصحيح المادة المعرفية، وأنتجوا موسوعة هائلة بعشرات اللغات، لعلها المرجع الأكثر استقبالا للباحثين أو هي على الأقل أول مرجع يقصده الباحثون والكتاب والقراء في خطوات بناء وتشكيل المعرفة، وتصلح ويكيبيديا مثالا يمكن تكراره وتطبيقه في مجالات معرفية ومؤسسية وخدماتية أخرى كثيرة، إذ يمكن إنشاء جامعات ومدارس ومستشفيات ومختبرات ومؤسسات بحثية وتدريبية وإعلامية متاحة للمشاركة في الإنتاج والاستهلاك المعرفي، وأصبح موقع يوتيوب مكتبة هائلة بلا حدود للتعليم والتدريب والثقيف والموسيقى والسينما والترفيه، .. وفي هذه الفوضى الإبداعية وفي قدرة الناس على العمل بأنفسهم وعلاج وتعليم أنفسهم؛ تنشأ أيضا معرفة دينية وإنسانية جديدة، وتنشأ علاقات جديدة بين الدين والسلطة، فتعيد المعرفة تشكيل وإنتاج نفسها متأثرة بالاستقلالية الجديدة ومستفيدة منها.

    وكما أن العلاقة بين الدين والسلطة وبين الدين والمجتمعات تعمل الآن في الوقت الضائع، فإن الجماعات والمعارف الدينية نفسها متبوعة بالخطاب الديني القائم والمصاحب لها تتحول إلى منتجات آيلة للأفول، ولم يعد ثمة مجال إلا لخطاب ديني يلائم التحولات والتشكلات المصاحبة للمعرفة، إذ يبدو مؤكدا أن المؤسسات والمعارف والجماعات الدينية تواجه تحديات جوهرية تغير في دورها ومصيرها، ولن تكون بطبيعة الحال في منأى عما أصاب مؤسسات الإعلام والثقافة والمعرفة الأخرى في مرحلة "الشبكية" فكما انحسرت المؤسسات الإعلامية للدولة وضعفت قدرتها على الاحتكار والمراقبة والسيطرة على عالم الفضاء والشبكات وما يتدفق فيهما من معلومات؛ فإن المؤسسات والجماعات والأفكار الدينية أيضا لم تعد قادرة على احتكار المعرفة الدينية، وفي ذلك فإننا في انتظار مؤسسات دينية شبكية مختلفة اختلافا كبيرا وجوهريا، ولن يكون في غضون سنوات قليلة قادمة وجود للمؤسسة الدينية في هيكلها القائم اليوم، ومن ثم لن يكون ثمة معنى للصراع الديني نفسه أو للصراع على الدين! كما لن تظل الجماعات الدينية المهيمنة اليوم على المشهد الاجتماعي والديني.

    كان التحالف بين المؤسستين السياسية والدينية ضرورة للطرفين، إذ كان ثمة حاجة ملحة لدعم وحماية التميز والاحتكار الذي نشأ لطبقتي الحكم والدين، التأثير المعرفي والروحي الذي يعزز السلطة القهرية للحكم، والقهر الذي يحمي الهيكل، وهكذا نشأت الجماعات والأفكار الدينية في تحالفها أو معارضتها للسلطة! لكن الشبكية بما هي مساواة مطلقة تنشئ مدنا جديدة مختلفة، ففي القدرة على الحصول على المعرفة وإنتاجها ايضا تتشكل مشاركة عامة جديدة تغير من معنى المؤسسة الدينية، ولعل سؤال الدين وعلاقته بالدولة والمجتمعات والأفراد هو اليوم أكثر تطبيقات اقتصاد المعرفة وتقنياتها؛ ففي واقع الحال لم يعد الدين أداة سلطوية ونخبوية، ولم تعد المعرفة الدينية سراً مقتصراً على طبقة من رجال الدين، ولم يعد الهيكل مقصدا لطالبي المعرفة.

    وربما يكون الصراع الديني القائم اليوم هو إدراك واع أو غير واع لنهاية التحالف بين القلعة والهيكل، بل ونهاية الهيكل نفسه، .. فقد تحول الدين من أداة سلطوية إلى أداة فاعلة بيد المهمشين والمعارضين والمتمردين، وربما يكون الحلّ أو المآل تحرير الدين من الصراع وتحرير الصراع من الدين، .. سوف يكون ذلك أمراً حتمياً، ولن يطول المقام حتى يتحول الدين إلى شأن بعيد عن السلطات والجماعات والطبقات، فالشبكية التي حرمت السلطات والنخب من هذا المورد لن تجعله حكراً على الجماعات، أو على أحد من الناس، طالما أنها تمنحه بلا وساطة أو وصاية من أحد أو هيئة.

    وإذا كان الواقع المتعين يعبر عن فكرة داخلية تشكله أو تمنحه هويته كما يقول هيغل، وإذا كانت الفكرة الدينية الجديدة هي التي تحلّ نفسها، فإن المؤسسات والجماعات الدينية والخطاب الديني بطبيعة الحال يجب أن تكون منسجمة مع هذه الفكرة!

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2017, 05:25 AM

زهير عثمان حمد
<aزهير عثمان حمد
تاريخ التسجيل: 07-08-2006
مجموع المشاركات: 19727

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الخطاب الديني في مواجهة عصرالنهايات والت� (Re: زهير عثمان حمد)

    المقالة الثالثة
    الخطاب الإصلاحي في ظل اقتصاد المعرفة: من التنظيم إلى التشبيك

    ما الخطاب الإصلاحي المفترض تشكله حول اقتصاد المعرفة (الشبكية)؟ يفترض أن تنشأ حول اقتصاد المعرفة أو الشبكية، بما هو التقنيات والموارد الجديدة (الحوسبة والتشبيك والتصغير والأنسنة والجينوم والروبتة والطابعات ثلاثية الأبعاد، والبرمجة الإدراكية والمعلوماتية،...)، منظومة اجتماعية وثقافية. وبطبيعة الحال، يفترض أيضا أن ينشأ خطاب إصلاحي جديد مستمد من التشكل الحضاري والاجتماعي المصاحب لهذه الموارد والتقنيات، فكما نشأت فلسفة وأفكار مصاحبة للاقتصاد الصناعي يتوقع/ يجب أن تنشأ أفكار وفلسفات "شبكية"، وأن يستمد منها خطاب إصلاحي.

    تبدو التقنيات والموارد واضحة ومجمعاً عليها، لكن التشكل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي ليس واضحاً ولا حتمياً أو تلقائياً، وفي ذلك فإن الخطاب الإصلاحي يجتهد بالاستجابة للمرحلة "الشبكية/ المعرفية" ببناء منظومة فكرية وفلسفية يستمد منها برامج وأفكار واتجاهات في التعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية والسياسية والقيم والثقافة والمدن،...

    إنها عمليات تكتنفها صعوبة الانقطاع عن الماضي "الصناعي" وغموض التشكل والاتجاهات، فما زلنا في مرحلة انتقالية من الصناعة إلى الشبكية/ ما بعد الصناعة، وهي مرحلة مليئة بالخوف وعدم اليقين والتغير المستمر، لكن وبطبيعة الحال يمكن تقدير اتجاهات ومبادئ للتفكير والاستشراف، منها إنشاء العلاقة الصحيحة والملائمة بين الموارد والتقنيات وبين التشكلات والاستجابات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ومواجهة العلاقات والتشكلات الخاطئة، وإعادة صياغة الأهداف والأغراض العملية للإصلاح، في ظل الفرص والتحديات الجديدة الناشئة عن هذه التقنيات والموارد، وأخيراً إعادة تعريف الإصلاح نفسه، والتمييز بين الإصلاح وضده، وملاحظة ما أنجز بالفعل، أو تلقائياً، من أهداف إصلاحية، بفعل التقنية والتحولات الجديدة، وما يجب إنجازه، وما يجب التمسك به، وما يجب التخلي عنه، وإعادة توزيع الأدوار والأعباء والشراكات والتحالفات بين فئات العمل الإصلاحي ومكوناته، فما كانت تقوم به، على سبيل المثال، وسائل الإعلام، صارت تشارك فيه المجتمعات على نحو فاعل ومؤثر.

    إنسان المعرفة بفرديته وإمكاناته الجديدة، في المعرفة والعمل، وقدراته على العمل بنفسه، يعيد تعريف المهن والحرف، وتتغير تبعاً لذلك المدن والمجتمعات، وعلاقتها بالأفراد والدولة والسوق؛ ففي مدن الأفراد القادرين على العمل، بأنفسهم ولأنفسهم، والذين لم يعودوا في مواردهم يرتبطون بمؤسسات عمل محددة، وأنظمة عمل تقليدية، يتغير تخطيط المدن والطرق والبيوت، وتتغير، أيضاً، العلاقة مع السلطات والأسواق... إنها مدن ومجتمعات أقرب إلى الاستقلالية والقدرة على تنظيم احتياجاتها وأولوياتها أو معظمها بلا حاجة كبيرة إلى السلطة المركزية، فتصعد أنظمة الحكم المحلي واللامركزية، ويدبر الأفراد وأهل المدن معظم احتياجاتهم وخدماتهم الأساسية، ما يجعلهم أكثر ولاية على أنفسهم واحتياجاتهم وخدماتهم، ويصبح للديمقراطية والحريات محتوى ومعنى جديد ومختلف.

    يمنح التطور التكنولوجي لحظة يجب توظيفها، كيف نوظف التكنولوجيا المتاحة اليوم لأجل الإصلاح؟ كيف تساعد التكنولوجيا في التأثير على السياسة العامة، وتدفع بها باتجاه الإصلاح؟ كيف تساعد في تغيير علاقات القوة والإنتاج في المجتمع والدولة، ومن ثم كيف تنشئ قيادات اجتماعية واقتصادية وطبقات ومصالح جديدة؟ ثم كيف تنظم هذه الطبقة الجديدة مصالحها وأدواتها في التأثير والتغيير؟ كيف ينشئ الإصلاحيون بالتكنولوجيا الجديدة فرصاً وموارد وأسواقاً وأعمالاً جديدة، تنشئ موارد مستقلة لهم، ولقواعدهم الاجتماعية؟ هم بذلك فقط ينشئون علاقات قوة وتأثير جديدة وبديلة، تحرك الأسواق والمجتمعات، بعيداً عن الاحتكار والامتيازات التي ترفل فيها النخبة المهيمنة، ويجبرونها على المشاركة في الإصلاح والتنافس العادل، أو يخرجونها من التأثير. يضعونها في مواجهة الانقراض والفناء. وببساطة، وعلى نحو عملي، يجعلون قواعد الدخول إلى النخبة (النخب تعني قيادة المؤسسات والأعمال والقطاعات) والخروج منها على قاعدة "البقاء للأصلح"، وفي هذه القاعدة يكون الإصلاح!

    السؤال، إذن، ببساطة، ومرة أخرى، كيف تنشئ المجتمعات والطبقات موارد وأعمالاً جديدة، تحررها من هيمنة النخب والاستبداد والاحتكار والامتيازات والإذعان والوصاية؟ فبغير الخروج من هذه الدوامة اللعينة، لن تستفيد المجتمعات من الانتخابات والديمقراطية والحريات!

    يجد المُستضعَفون دائماً في التقنية الجديدة فرصاً جديدة في التحرر ومواجهة الظلم، وربما يردّ على ذلك بالقول إنها (التقنية) كانت أداة جديدة للهيمنة والاستغلال، ويبدو ذلك صحيحاً أيضاً. ولكن، من المؤكد أنه كانت تصحب التقنية، على مرّ التاريخ، تحولات اجتماعية، تستفيد منها طبقات وفئات، كانت مهمشة أو مظلومة، وترحل دائماً طبقات مهيمنة!

    المطبعة جعلت المعرفة والقراءة والكتابة والتعليم متاحةً للفقراء، كما الأغنياء، وأصبح، للمرة الأولى، في مقدور عامة الناس في أوروبا قراءة الكتاب المقدس،... كان ذلك حدثاً جدلياً كبيراً غيّر في أوروبا حتى اليوم، وكان واحداً من أسس الدعوة البروتستانتية التي انشقت على الكنيسة الكاثوليكية.

    ويمكن، اليوم، ملاحظة فرص جديدة تتشكل حول الشبكية، بعضها بدأ بالفعل، يستخدمه المهمَّشون والفقراء، وبعضها مازال فرصاً واعدةً تحتاج إلى نضال وتنظيم اجتماعيين؛ ففي التعليم الذي يشكل، اليوم، أحد الأولويات الأساسية والكبرى للأفراد والمجتمعات والدول يمكن إتاحة تعليم جيد، كان يحتاج من قبل إلى سفر ونفقاتٍ كبيرة، لكنه أصبح متاحاً، أو ممكناً، بتكاليف قليلة، يقدر عليها معظم الناس؛ إذ تفتح تقنيات الحوسبة والتشبيك آفاقاً جديدة في العملية التعليمية، سواء في التدريس أو المناهج أو المؤسسات التعليمية ودورها، ودور الأسرة والمجتمع الذي يكاد يكون ثانوياً، أو غير متكامل، مع دور المؤسسات والإدارة والمناهج التعليمية القائمة.

    فيمكن بموارد قليلة تطوير التعليم ومواكبة الإنتاج المعرفي المتواصل والمتدفق، والحصول على وسائل معرفية واتصالية وتدريبية، وتؤسس لتعليم جديد قائم على التعليم والتواصل عن بعد، وتمكن من تفعيل اكتساب المعرفة الراقية والمهمة من مصادرها المهمة والأولية، بجهود وتكاليف وتراتيب سهلة وممكنة.

    وتمضي الشبكية، أيضاً، بالناس إلى أنماط واتجاهات جديدة في التعليم وإدارته؛ فالترجمة والتأليف، والإنجازات يمكن إتاحتها وتنسيقها، لتكون بين يدي جميع الناس.

    والشبكية نفسها تتحول إلى فلسفةٍ في الحياة والإدارة والتعليم والسياسة والثقافية، بديلة للهرمية القائمة، أو التي كانت قائمة، فالناس، في تعاملهم الشامل مع الشبكات، للتعليم والتواصل والاتصال والعمل والتشاور والحصول على المعلومات والمعارف وتبادل الآراء والخبرات والمعارف، وتحويل وتلقي المال والخدمات والسلع، يستبدلون بنظامهم الهرمي التاريخي في الحياة نظاما شبكياً قائماً على المساواة والمشاركة المتحققة فنياً.

    القادة الجدد

    كانت التحولات الكبرى في الدول والمجتمعات على مدى التاريخ تتشكل حول التطورات في الموارد والتقنية. وفي ذلك، صعدت وهبطت دول وطبقات ومجتمعات وفئات اجتماعية أو مهنية. في مرحلة الصناعة، سقطت الأرستقراطية وصعدت الطبقة الوسطى، وانتهت الديكتاتوريات وصعدت الديمقراطية،... فمن هم القادمون الجدد في اقتصاد المعرفة، ومن هم المنقرضون؟ السؤال ليس جديداً، ويكاد يكون أكثر الموضوعات شغلاً للكتب والدراسات الغربية (بالطبع)، ولو حاول كل إنسان التأمل في الأسواق والأعمال والعلاقات، فإنه سوف يلاحظ بالتأكيد حجم التغير الكبير والعميق في الأسواق والحياة عامة. يمكن لأحدنا أن يسير في الأسواق والشوارع التجارية، وينظر ويقرأ اللافتات، ويقارن ما يشاهده بما كان عليه الحال قبل عشرين سنة، أو ينظر في السلع والأجهزة المعروضة، ثم يتخيل الأعمال والمهن الجديدة الصاعدة والمنسحبة، ثم يقدر من هم القادمون الجدد!

    في الحوسبة التي هيمنت على العالم، صعدت شركات الحواسيب والبرمجة، كما نلاحظ في مايكروسوفت وأبل وسامسونغ ونوكيا،.. وفرسانها المبرمجون ومهندسو الكمبيوتر ومصممو الأفكار والأجهزة، ونجومها مثل ألن تورينغ، وبيل غيتس وستيف جوبز. وفي موجة الاتصالات، صعدت شركات عملاقة لم تكن من قبل، أو كانت صغيرة محدودة، وظهر قادة أعمال جدد، وفي الشبكية (الإنترنت)، ظهرت غوغل وفيسبوك وتويتر،... وفي النانو تكنولوجي والهندسة الحيوية، تشكلت أعمال واسعة في الزراعة والغذاء والطب، ثم أعاد القائمون على الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والرعاية، إدارة أعمالهم وتنظيمها، وفق هذه التقنيات الجديدة، محدثين تغييرات كبيرة فيها، وبطبيعة الحال، فإن المؤسسات والمهن التعليمية والطبية تتغير تغيراً جذرياً!

    ووجد الناشطون والقادة الاجتماعيون الجدد مجالاً جديداً للعمل والتأثير، وخرجت من الحصار والتهميش طبقات وفئاتٌ لم يكن متاحاً لها من قبل المشاركة، واتخذ النضال لأجل الكرامة والحريات وتحسين الحياة أدواتٍ ووسائل جديدة، وسلك في آفاق جديدة مختلفة. وسأغامر بالقول، إن النخب التي تشكلت مصاحبة للدولة الحديثة في السنوات المائة الماضية، من قادة السياسة والمجتمعات والأعمال والثقافة والمؤسسات، تؤول إلى السقوط، إلا فئة قليلة منها؛ من القادة الذين يحاولون أن ينهضوا بدولهم ومجتمعاتهم وأعمالهم، ويستوعبوا التغيرات، أو تسعفهم نياتهم الحسنة في الإصلاح. وبعامة، إنها طبقة تلعب في الوقت الضائع، وليس لها أمل في البقاء والاستمرار، سوى أن تطور نفسها، وتشارك القادمين الجدد، أو تمضي في صناعة الخوف والحروب الأهلية الداخلية والفوضى، وهذا سوف يزيد أزمتها مع المجتمعات والناس، لأنها تزداد سوءاً وقبحاً في نظرهم، وتضيف إلى فشلها وفسادها أنها تتحول إلى جماعات من الأشرار!

    لقد توجت التقنية الجديدة، أو مرحلة اقتصاد ومجتمعات المعرفة، بـ "الأنسنة"، بمعنى قابليتها للتداول والاستخدام بسهولة وبساطة، من غير خبرات معقدة، ومن دون حاجة إلى تدريب متخصص ومؤسسي، بل يمكن لكل إنسان (تقريباً) إتقانها والتعلم ذاتياً على استخدامها وتطبيقها. "الإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه" تكاد هذه العبارة تلخص المحتوى الجديد لاقتصاد المعرفة، ففي قدرة الإنسان على التعلم والتواصل والعمل مستقلاً عن السلطات والشركات الكبرى، وفي تطور تقنيات الطاقة والتواصل والغذاء والصحة سيكون في مقدور الأفراد والمجتمعات الاستقلال عن الدولة والشركات بنسبة كبيرة. ولذلك، سوف تعيد المجتمعات تنظيم نفسها من جديد، حول أولوياتها وخدماتها، لتدير، معتمدة على نفسها، مواردها وخدماتها الأساسية في التعليم والرعاية وتوفير السلع والخدمات. وبذلك، سوف تعيد إدارة وتنظيم علاقتها بالحكومات والشركات اعتماداً على قدراتها وفرصها الجديدة.

    سوف تكون المجتمعات قوة ثالثة جديدة، إلى جانب الشركات والحكومات، وبطبيعة الحال، فإن قادة المجتمعات سوف يكونون قادة جدداً، ومؤثرين في الدولة والمجتمع، رؤساء البلديات وقادتها وأعضاء مجالسها وقادة الأعمال والمؤسسات المجتمعية في التعليم والصحة والخدمات والرياضة والثقافة، ومن بين هؤلاء ستكون نسبة كبيرة من أعضاء المجالس النيابية، وبطبيعة الحال الوزراء!

    سيكون في مقدور المدن والمحافظات أن تمول وتدير وتنظم معظم، إن لم يكن جميع، الخدمات والاحتياجات الأساسية والإدارية. وبذلك، سوف يتراجع كثيراً الإنفاق الحكومي، وكذلك المؤسسات المركزية، ففي قدرة المجتمعات على إدارة ومراقبة الطرق والأماكن العامة بتكاليف قليلة، وتقنيات متاحة، يقل كثيراً عدد أفراد الأمن، وتصبح الأجهزة الأمنية مكاتب تقنية أنيقة محدودة العدد. وفي انتهاء الحروب، وتطور تقنيات المراقبة والردع، تتغير الجيوش ووسائل الدفاع. وفي ولاية المجتمعات والبلديات على التعليم والصحة والرعاية، تتحول الوزارات المركزية لهذه الخدمات إلى مؤسسات للتنسيق والمراقبة، أكثر منها تنفيذية مباشرة.

    وهكذا، فإن الأرستقراطية القادمة سوف يضاف إليها مجموعتان جديدتان مؤثرتان، بل وحاسمتان، قادة المجتمعات، وقادة الإبداع والابتكار والخيال

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

08-03-2017, 05:44 AM

زهير عثمان حمد
<aزهير عثمان حمد
تاريخ التسجيل: 07-08-2006
مجموع المشاركات: 19727

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: الخطاب الديني في مواجهة عصرالنهايات والت� (Re: زهير عثمان حمد)

    المقالة الرابعة
    الإصلاح الشبكي بما هو إعادة تعريف العمل والموارد والعلاقة بين السوق والمجتمع
    تبدو التحولات الكبرى المصاحبة للشبكية مثل الأعمال والموارد والقيم منشئة للفوضى وضياع الأعمال وزيادة الفحوة بين الأمم والدول، وبين الفقراء والأغنياء في الدولة الواحدة، وتأتي بأغنياء جدد وفقراء جدد أيضاً، ولا تبدو الوعود المنطقية في الرخاء والازدهار الناشئين عن "الرقمنة/ الحوسبة" تلقائيةً، بل هي محاطة بالشكوك والمخاوف. لكن من المؤكد أنها مليئة بالفرص والأعمال الجديدة، كما أنها تقتضي بطبيعة الحال استجابات وتشكلات اجتماعية ثقافية جديدة، وربما تكون هذه العبارة هي مفتاح السؤال والتفكير في الإصلاح الشبكي القادم.

    تركز هذه المقالة على ثلاث استجابات متوقعة أو مقترحة في المجتمعات الشبكية، وهي إعادة تنظيم العلاقة بين السوق والمجتمع في اتجاه الاقتصاد الاجتماعي الذي يعكس زيادة استقلال المدن والمجتمعات وقدرتها على المشاركة والتأثير، وإعادة تعريف الأعمال والموارد بالنظر إليها مستمدة من المعرفة والمهارات المتشكلة حول احتياجات وأولويات جديدة واختفاء موارد وأعمال مستمدة من أسواق واحتياجات انحسرت، والأخذ بالاعتبار صعود الفرد والفردية، وبالنظر إلى أن العلاقة وقيم العمل والموارد القائمة اليوم نشأت مصاحبة للثورة الصناعية، ولم تكن قبل ذلك على هذا النحو الذي نعرفه، فمن المؤكد أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الناشئة عن الحوسبة والتشبيك ومتوالياتهما في التكنولوجيا والأعمال تغير في هذه العلاقات والقيم.

    وعلى الرغم من كثرة (وتكرار) الحديث والكتابة والدراسات والتحليلات في هذا الشأن، ما زالت الأفكار الناشئة عن التحولات، ومحاولة فهمها، غامضة جدلية، وأسوأ من ذلك أنها لم تنشئ في عالم العرب جدلاً إيجابياً وكافياً للاهتمام، والاستجابة للتحديات والفرص الناشئة،.. ليس سوى الاحتجاج والتذمر، وكأن الحوسبة والعولمة يمكن التصدّي لهما، أو منعهما، بدلاً من توظيفهما واستثمارهما،.. وفي ذلك، تتضاعف الخسائر، ويزيد هدر الوقت والجهد.

    لقد حلت الرأسمالية مصاحبة للصناعة من غير استئذان ولا توقع، وأصبح المجتمع الإنساني ملحقا بالنظام الاقتصادي الجديد القائم على السوق ذاتي التنظيم، لكن يمكن أيضا ملاحظة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والانهيارات والمراجعات التي تلحق اليوم بالنظام الاقتصادي والاجتماعي، لم تعد فكرة تنظيم السوق بذاتها تصلح، ويصعد رأس المال الاجتماعي، كما تصعد الفردانية، وتيارات وأفكار سياسية وفلسفية ودينية تغير كثيرا في بنية الدول والمجتمعات والأسواق. ويمكن الملاحظة أيضا، كيف حلت الحوسبة من دون إعلان ومن دون توقع كاف أيضاً، ولم تفهم بعد التأثيرات والتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للتكنولوجيا الرقمية على نحو كاف لفهم التحديات والاستجابة.

    في المرحلة الصناعية، امتدت آلية السوق إلى عناصر الإنتاج؛ اليد العاملة والأرض والمال، وكانت النتيجة الحتمية لدخول نظام المصنع في المجتمع التجاري أن تكون عناصر الإنتاج معروضةً للبيع، وبما أن أصحاب الأيدي العاملة ليسوا أرباب عمل، بل هم مستخدمون، فيتبع ذلك أن تنظيم اليد العاملة هو تعبير آخر عن أشكال حياة العامة من الناس، فهذا يعني أن تطور نظام السوق يصحبه تغيّر في تنظيم المجتمع نفسه، فأصبح المجتمع الإنساني ملحقاً بالنظام الاقتصادي.

    السؤال نفسه الذي نسأله اليوم عن التحولات والاستجابات لعصر الشبكية شغل المفكرين في القرن الثامن عشر، عندما بدأت الآلة تأخذ مكانها في العمل والإنتاج والسوق، ومن الملفت أن جون لوك لاحظ في منتصف القرن السابع عشر في كتابه "الحكم المدني" أن المطبعة غيرت علاقة الإنسان بالدين والمؤسسة الدينية.

    تتشكل تقنيات المعرفة حول تزويد الحاسوب بالمهارات الإنسانية، وبذلك، فإن التقدم التقني، متبوعاً بالاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، يمكن فهمه وتقدير مساراته ومستقبلاته، اعتماداً على التقدّم العلمي في معرفة الإنسان، ثم حوسبة هذه المعرفة، .. وكل ما لدينا اليوم من تقدم يقوم على الحوسبة القائمة، أو التي أُنجزت، وما لدينا من وعود وتوقعات للمستقبل، تقوم على وعود الحوسبة، .. هكذا تطورت الأعمال والمؤسسات، بناء على برامج المحاسبة والتصميم والتحكم والمحاكاة... ماذا يمكن أن يحدث، إذا أمكن حوسبة مهارات الإنسان في الإدراك والتداعيات، على سبيل المثال؟

    في الحوسبة "الإدراكية"، إن صحت العبارة، يمكن بناء متوالية غير منتهية من التوقعات، عندما يتقدم الحاسوب، نحو مزيد من الأعمال، فيحل محل الإنسان في التفكير وتنظيم الأفكار، فهذا الجهاز/ الكائن، القادر على تخزين واسترجاع قدر هائل وغير محدود من المعلومات، سوف يكون في مقدوره معالجتها معالجة متقدمة، وإنتاج معرفة إضافية، .. سوف يكون منتجاً للمعرفة، وليس مجرد قاعدة معلومات.

    وبدأت عمليات التقييم الآلي للبيانات المتاحة في قواعد البيانات، وتفسيرها وتقديم استنتاجات منطقية واقتراحات ذكية حولها.. ثم يعلم الحاسوب نفسه، وفقاً لهذه المعالجات والتقنيات، ويكتسب مزيداً من المهارات والقدرات المعرفية الجديدة، ويمكن، أيضاً، أن يعلم المستخدم (البشري)، ويعدل في سلوكه ومهاراته. وفي هذا التفاعل، أو العلاقة الجديدة بين الحاسوب والإنسان، يمكن تصور تداعيات بلا حدود.وبالطبع، بدأت تطبيقات في هذا المجال منذ زمن، في اتخاذ القرارات والبيع والشراء والمقايضة وفي مراقبة السلوك والقرار الإنساني نفسه، بل والسلطة عليه، وفي اتجاه العلاج النفسي إلى تغيير السلوك، يمكن للحاسوب أن يكون فاعلاً في تنظيم المحفزات العصبية والكيميائية ومعالجتها في اتجاه السلوك المرغوب أو المطلوب. وحتى في العلاج النفسي التقليدي، يمكن للحاسوب أن يستمع إلى المستخدم/ المريض ويقدم تحليلاً وتفسيراً معمقاً واستشارات واقتراحات طبية ذكية، لا تقل إن لم تتفوق على ما يمكن أن يقدمه الطبيب.

    وتوجد اليوم بالفعل منصات على الإنترنت، تقدم خدمات علاجية نفسية، أو لقاءات ومشورات دينية (الاعتراف والنصيحة)، ويقدم البرنامج تحليلاً للشخصية من شبكة واسعة من المدخلات والبيانات المتاحة، أو التي يحصل عليها، ثم استخدامها في العلاج، ويمكن، أيضاً، أن يقدم الحاسوب إنذارات مبكرة حول الاكتئاب والانتحار واحتمالات الجريمة، أو التعرض لنوبات وإصابات صحية خطيرة.وتقدم، اليوم، شركات في تكنولوجيا الحوسبة الإدراكية خدمات لمنع تسرب المعلومات، أو مراقبتها، من خلال تنظيم قواعد الاتصالات وضبطها، ويمكن أن تقدم معلومات وإنذارات ذكية، بتحليل البيانات في عمليات استخدام الحاسوب والشبكة والبريد الإلكتروني والاتصالات الهاتفية، وملاحظة الاستخدامات المختلفة والشاذة.

    وهناك تطبيقات بدأت منذ فترة طويلة (نسبياً) في مساعدة المرضى، وربطهم بالأطباء، على مدى الزمان والمكان الذي ينشط ويعيش فيه الأطباء والمرضى، ويمكن إجراء التدخلات الضرورية للمساعدة والإسعاف، وتلقي المشورة والتعليمات الطبية، .. تقوم بذلك، اليوم، أجهزة صغيرة مرافقة للإنسان في جسمه أو ملابسه.وفي نمو المعلومات والمعارف الطبية وتراكمها، فإن الحواسيب بما تزوّدت به من قدرات معرفية وتعلمية وتعليمية، فإنها تكون قادرة على أداء أعمال واستشارات وتدخلات طبية وعلاجية، لكن الأنظمة الحاسوبية الإدراكية يمكن أن تتقدم في اتجاه تصميم أجهزة الرعاية الصحية وتصنيعها، بل وأن تبتكر في ذلك.

    ويمكن أن نواصل، لو تسمح المساحة المتاحة في استقصاء هذا السيناريو الواقعي والمنطقي لوعود الحاسوب في التجارة والطاقة والنقل والإعلام والترجمة والتعليم والبناء والصيانة والتسويق، والمشاركة الواسعة على مستوى العالم، في التأثير والتجارة والعمل.

    ثم، وفي اتجاه آخر من التفكير، نتساءل عن مصير الأعمال والمهن والمؤسسات والأدوات في ظل القدرات الجديدة للحاسوب، ويمكن، ببساطة، أن نضع أربع قوائم: المنقرضة والمتغيرة والصاعدة التي تزيد أهميتها، وأخرى جديدة ليست موجودة اليوم، أو هي في بداياتها، وكما اختفت مهن في المرحلة الصناعية؛ ستختفي أو تتغير مهن وأعمال ومؤسسات قائمة.

    في صعود الفردية والفرص والإمكانات التي أتيحت للفرد، يمكن التوقع صعود وزيادة أهمية الأعمال التي يمكن أن يؤديها الإنسان بنفسه، ولنفسه، في الزراعة والصيانة والبناء والغذاء واللباس والدواء، ويمكن توقع تحولات جوهرية في أعمال ومهن ومؤسسات، إن لم تنحسر، أو لم تكن، في تغيرها، وكأنها اختفت، مثل الصحافة والتعليم والطب والصيدلة والصيانة والمحاماة، وكذا المدارس والمستشفيات والمجمعات التجارية والمباني والشوارع والبيوت، .. وبطبيعة الحال، يمكن التقدير أنه سوف تقود المؤسسات والمجتمعات والأسواق الأعمال والعقول الإبداعية والمهارات والمواهب المتقدمة. وسوف تقوم الموارد والفرص على الخيال والإبداع. وفي ذلك، سوف تصعد تخصصات وحقول، مثل الشعر والفلسفة وعلم النفس وعلم الحياة والموسيقى والفنون والعمارة والتصميم، ...

    تبدو "الروبتة"، بما هي مشاركة الروبوت في الحياة، والعمل في تحولاتها وتأثيراتها الاجتماعية، صعوداً للفرد، على الرغم من صحة ما يقال، من منظور آخر، إنها تهديد للفرد في العمل والفرص. ولكن، ما من شك في أن الفرد يصعد اليوم مستقلاً عن الدولة والمجتمع والشركات، بل متحدياً لها، كما لو أنه الإنسان "السوبر" الذي بشر به نيتشه، أو ببساطة أجمل وأوضح، "الإنسان الذي يعمل بنفسه ولنفسه، ويعلم نفسه بنفسه، ويداوي نفسه بنفسه". وقد تبدو طرافة مؤلمة أن الإرهاب نفسه يتطور إلى حالة فردية، ولم يعد فقط جماعات منظمة، وهي الظاهرة التي تسمى، اليوم، في دوائر الإعلام والدراسات "الذئب المتوحد"، وقد تكون مثالاً على صعود الفرد والفردية، والحال أن الإرهاب كان دائماً أكثر التقاطاً وإدراكاً لفرص التقنية وتحولاتها؛ فالجماعات الإرهابية من أكثر، إن لم تكن أكثر، القطاعات توظيفاً للحوسبة والإنترنت والتقنيات الحديثة الفائقة.

    يكاد الروبوت، اليوم، يحل مكان مهن وأشخاص كثيرين، إن لم يكن يشارك فيها بنسبة كبيرة غالبة، ويمثل تهديداً للأطباء والمحامين والمعلمين والصحفيين والمصممين والمبرمجين والطيارين والباحثين والمترجمين والممثلين والمخرجين، إضافة إلى الأعمال الأقل مهارة في الأمن والحراسة والمراقبة والتسلية والمجالسة والمساعدة في العمل المنزلي. ويمكن أن نمعن في التغير والتقدير في مصير وتحولات الجيوش والأجهزة الأمنية الاستخبارية والحروب والصراعات والسينما والنقل وقيادة المركبات والطائرات والقطارات.

    لكن الإنسان ينشئ بذلك اليوم موارد وأعمالاً وفرصاً جديدة، ويحسن حياته، ثم يستقل بنفسه، ليجعل من بيته وذاته مجالاً للعمل والتواصل والتأثير والتعلم والمشاركة، وكما كانت التقنية غالباً تعمل لصالح الإنسان، فإن "الروبتة" وبطبيعة الحال "الفردية" ليست بالضرورة أمراً سيئاً، بل تبدو أمراً مفضلاً وملائماً أكثر للطبيعة الإنسانية ونزعة التفرد والخصوصية، .. لقد كانت الفردية تبدو ضريبة مؤلمة لعصر الصناعة، لكنها تبدو اليوم مطلباً وفضيلة لعصر المعرفة.

    يمكن التقدير أن البشرية تدخل في مرحلة من القدرات الجديدة ترقى بالإنسان وتطيل عمره وتحسن أداءه وصحته وعمله، ويمكن على هذا الأساس النظر في التحدي القائم اليوم في صعود الإرهاب الفردي، والذي ينشئ مخاطر وأفكاراً وربما قوانين وأنظمة جديدة، فقد كان الصراع تاريخياً بين الدول، وكان ينظمه القانون الدولي والمصالح والعلاقات الدولية وموازين القوة والصراع بين الدول، لكنه تحول إلى صراع مع جماعاتٍ لا تنطبق عليها قوانين الدول ومؤسساتها وجيوشها. اختفت الحروب بين الدول، ولكن الصراع، وخصوصاً في الشرق الأوسط زاد حدة وخطورة. وها نحن ندخل اليوم في صراع جديد بين الدول والأفراد؛ كأن الفرد يتحول إلى كيان مستقل يشبه الدولة أو الجماعة، ولم يعد ثمة مجال سوى بناء تفاهمات وتوازنات جديدة بين الدولة والأفراد، وبين المجتمع والأفراد، وبين الشركات والأفراد، وبين الأفراد بعضهم بعضا. وعلى نحو عملي واضح، فإن المواطنة تمضي نحو تعريف جديد، يغير جوهرياً في دور السلطة وعلاقتها بمواطنيها، ويمنح للجغرافيا معنى جديداً.

    وفي التفكير للإصلاح في ظل هذه المعطيات والفرص وبالنظر إليه (الإصلاح) صراع سلمي أو تسويات بين القوى والأطراف والطبقات المؤثرة في الحياة والموارد، يكون السؤال ببداهة ما الذي يجب فعله وما الذي يجب تركه؟

    إن التحول الأساسي الذي يجب الوصول إليه في هذا الصراع هو التأكيد على قاعدة عدم الاستبعاد والإقصاء وحاجة جميع الأطراف إلى بعضها بعضا، وفي ذلك يجب أن تتخلى النخب المهيمنة عن سياسات الاحتكار والامتيازات والتهميش، وأن تسعى في المقابل إلى تسويات وشراكات جديدة مع المجتمعات. كيف تدير المجتمعات صراعها مع النخب السائدة اليوم، وتنتزع منها تنازلات ومكاسب؟ يمكن الملاحظة على سبيل المثال كيف تحول التدوين والتواصل الشبكي إلى أداة مؤثرة بيد الأفراد والمجتمعات، ويمكن أيضا الملاحظة كيف تظهر النخب المهيمنة نفسها حريصة على الدين والقيم لأجل التضييق على فرص التشبيك، ولتحييدها أو تقليل أثرها في الصراع.

    الفرص والموارد الأساسية المتاحة في الشبكة اليوم هي بناء المعرفة والمهارات وكسر احتكارها وتقليل كلفة الحصول عليها، وفي ذلك يجب أن ينشغل الإصلاح بتحويل الشبكة إلى مورد معرفي وتعليمي أكثر من الانسياق في غواية التأثير والجدل السياسي والثقافي، على أهمية وضرورة الجدل في التأثير المتبادل.

    وفي ذلك، فإن العمل الإصلاحي يفترض أن ينشئ ويطور رؤية عقلانية في المسؤولية وحدودها، لتنتقل الأفكار من حالة الفوضى إلى التأثير بالفعل في السياسة والفكر والمجتمعات. وفي المحصلة، دفع النخب على القبول بحرية الرأي والتعبير والمشاركة، .. السؤال بالنسبة إلى الإصلاحيين هو كيف نحمي الحقوق العامة، ولا نلحق الضرر بأنفسنا.. وكيف نحافظ أيضا على فرص الشبكية في العمل والتعبير والتعلم والتواصل الجيد؟ ثمّة خشية حقيقية أن نضيّع فوائد الشبكة وفرصها، ومؤكد بالطبع أن فئة في الدول والمجتمعات تتربص بها، وتتمنى احتكارها.

    صحيح أن الشبكة خرجت عن السيطرة.. ولكن نحتاج إلى وقت، حتى نستوعب الشبكية القائمة، ونجعلها تعمل ذاتياً في اتجاه إيجابي.. وأن نصبر على عجرفة النخب وتسلطها، ولكننا ندفعها ايضا على أن تنسجم وتكيف نفسها مع الاتجاهات الجديدة في الأجيال، وقبول نزعتها إلى الحرية والكرامة، وأن تدرك عمق التحولات الجارية في الأفكار والموارد.

    الأوليغاركيا محقة من وجهة نظرها في مخاوفها، وسوف تتضرّر بالتأكيد، لكنها أقدر على التكيف وإعادة تنظيم نفسها، ويمكنها أن تكون الرابح الرئيس، .. وبعض الأوليغاركيين سوف يخرجون من اللعبة؛ فليس كل ملّاكي الأراضي والمواشي تحولوا إلى رجال أعمال، وليس كل المرابين تحولوا إلى مصرفيين، وليس كل التجار التقليديين استوعبوا سوق المعلوماتية والحوسبة، وليس كل المخاتير صاروا نواباً وأعياناً.. ولكنْ، هناك مسألتان على الأقل بجب أن تدركها المجتمعات والنخب؛ الأولى، لا مناص من تغيير قواعد الصراع والتنافس، لأن اللعبة نفسها تغيرت. وفي ذلك، فإن المجتمعات في حاجة للنضال من أجل التنافس العادل، وأن تتنازل النخب المهيمنة عن امتيازات كثيرة غير عادلة، إن لم تكن جميعها، وأن تدخل في اللعبة، بما اكتسبته من مكاسب وفرص مقبولة في اللعبة العادلة (نسبياً) والثانية، إعادة تحديد وتعريف الموارد والفرص التي يجري التنافس والصراع حولها. تدرك الأوليغاركيا، بالطبع، أكثر من المجتمعات والجماهير، أبعاد اللحظة وفرصها، ولا بأس في ذلك. هي تملك القدرة على المبادرة والسبق. ولكن، يجب ألا تواصل الاحتكار والإغلاق القاسي والظالم للفرص والموارد الجديدة، وعلى المجتمعات والجماهير أيضا أن تدرك اللحظة، وتسأل نفسها بعقلانية وهدوء، ما الذي تريده وما الذي لا تريده، وماذا يمكنها أن تحقق وماذا لا يمكنها.
    الإصلاح الشبكي
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de