التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان (1-6) .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

حفل دعم الجالية السودانية بمنطقة واشنطن الكبري بالفنان عمر احساس
منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 20-09-2018, 05:44 AM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف للعام 2016-2017م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-11-2016, 01:10 AM

Deng
<aDeng
تاريخ التسجيل: 28-11-2002
مجموع المشاركات: 46578

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان (1-6) .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

    00:10 AM November, 04 2016

    سودانيز اون لاين
    Deng-
    مكتبتى
    رابط مختصر



    1

    أتقدّم في البداية بخالص الشكر والتقدير لكل الأصدقاء والكُتّاب الذين قاموا بمراجعة كتابي "انفصال جنوب السودان – دور ومسئولية القوى السياسية الشمالية." كان معظم الطرح إيجابياً وجادّاً وتطرّق بوجهٍ خاص إلى الجهد البحثي ووضعِ ذلك القدر الكبير من الوثائق (ومعظمها غير متوفّر) في أيدي الباحثين والقراء.
    غير أن البعض أضاف أن الكتاب قد قلّل من شأنِ أمرين ولم يعطِهما الاهتمام الكافي، وهما:
    أولاً: دور التدخّل الأجنبي في انفصال جنوب السودان،
    ثانياً: دور القوى السياسية الجنوبية في انفصال جنوب السودان.
    سوف نقوم في هذه السلسلة من المقالات بالردِّ على هذين النقدين. وسوف نوضّح بالتوثيق أن دور التدخّل الأجنبي في الانفصال كان ثانوياً، وحدث في معظم الحالات بدعوةٍ من القوى السياسية الشمالية، وتركّز في الضغط على حكومات الخرطوم لتلتزمَ وتطبّقَ ما وافقت عليه هي نفسها.
    كما سنوضّح أنه لم تكن هناك سلطة للجنوبيين تنبع منها أيّة مسئولية عن الانفصال، وأن رفض مطلب الفيدرالية بواسطة القوى السياسية الشمالية هو الذي ادّى إلى رفع سقف مطالب الجنوبيين إلى حق تقرير المصير، ثم الانفصال.
    عليه فإننا سنعضّد بهذه المقالات ما أوردناه في الكتاب من أن مسئولية انفصال جنوب السودان تقع بكاملها على القوى السياسية الشمالية.
    وقد أثار بعضُ قادةِ الأحزاب الشمالية أمراً ثالثاُ ادّعوا من خلاله أن الكتاب قد قام بتضخيمِ دورِ أحزابهم في الاعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بل إن بعض قادة أحد الأحزاب الشمالية ادعوا أن حزبهم ليس طرفاً في أيِّ اتفاقٍ يعترف بحق تقرير المصير لجنوب السودان. سوف نقوم بالردِّ الكامل أيضاً على هذا الادعاء غير الصحيح، بعد الفراغ من الرد على النقدين الأساسيين. وسوف نُورِد ونناقش الاتفاقيات التي وقّعها كل حزبٍ شمالي مع الحركة الشعبية يعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    2
    لا بُدّ في البداية من إثارة مسألتين ترتبطان ارتباطاً وثيقاً بمسالة التدخّل الأجنبي في قضية الجنوب والشأن السوداني:
    أولاً: تحدّث عددٌ من الأكاديميين الجنوبيين في عدّة مناسباتٍ في دور جامعاتٍ ومراكز غربية عن ما أسموه بضغوط دول الجوار العربية والإسلامية على القيادات السياسية الشمالية بأن لا تمنح جنوب السودان النظام الفيدرالي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وقد أشار هؤلاء الأكاديميون الجنوبيون إلى أن دول الجوار هذه قامت بالضغوط وإقناع القيادات الشمالية أن النظام الفيدرالي سوف يُوقِف الزحف العربي الإسلامي في جنوب السودان، ومن هناك إلى أواسط وشرق أفريقيا. وشدّد هؤلاء الأكاديميون على أن هذه الضغوط كانت السببَ الرئيسي والعاملَ الأكبر في تراجع القيادات الشمالية عن وعدها للساسة الجنوبيين بإعطاء مقترح النظام الفيدرالي الاعتبار الكافي، ثم نقض ذلك الاتفاق. وأشاروا إلى أن تراجع الخرطوم عن وعدها أدّى إلى رفع سقف المطالب الجنوبية من النظام الفيدرالي إلى حق تقرير المصير. وجادلوا أن هذا التدخّل العربي الإسلامي والضغوط على الخرطوم هو في حقيقة الأمر الذي قاد بعد رفع سقف المطالب إلى انفصال جنوب السودان.
    ورغم أنني لم أعثر خلال بحثي على ما يؤيّد أو ينفي هذا الادعاء، إلا أن هذا الادعاء الخطير يشير إلى أن الحديث عن التدخّل الأجنبي هو في حقيقة الأمر طريقٌ لاتجاهين، وليس حكراً على السياسيين والأكاديميين والصحافيين الشماليين. فإذا كان البعض في الشمال يعتقد أن هناك من كان يدير للجنوبيين شئونهم السياسية ويدفعهم في اتجاه الانفصال، فهناك في الجنوب من يؤمن أن الشمال لم يكن سيدَ أمره، وأن قوىً أجنبية عربية إسلامية فرضت عليه رفض مقترح الفيدرالية الذي أدّى إلى رفع سقف المطالب الجنوبية، وقاد للانفصال.
    3
    ثانياً: لقد كان تقرير المصير هو الطريق الوعر والطويل الذي قاد في نهاية الأمر إلى بروتوكول مشاكوس، ثم اتفاقية نيفاشا، وانفصال جنوب السودان. وعند النظر إلى المحطات الأساسية والرئيسية في طريق تقرير المصير، فإننا سنجد أنها محطاتٌ سودانيةٌ بحتة، لا دخل أو دور فيها لدولةٍ أجنبية أو طرفٍ ثالث من قريبٍ أو بعيد .
    كانت المحطةُ الأولى والأكثرُ خطورةً هي مدينة فرانكفورت. فقد التقى الدكتور علي الحاج مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ بالدكتور لام أكول رئيس الفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية، ووقّعا معاً على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، والذي وافقتْ فيه حكومةُ الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كانت تلك هي المرّة الأولى في تاريخ السودان التي توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    تمّ ذلك اللقاء بدون وساطة أو حتى حضور طرف ثالث. كان الوفدان الشمالي والجنوبي هما الوحيدان في غرفة التفاوض على مدى ثلاثة أيام. تمثّل كلُ الدورِ الألماني في منح أعضاء الوفدين التأشيرات للذهاب إلى ألمانيا بعد أن تأخرتْ تاشيراتُ الدخول لبريطانيا لعقد الاجتماع في لندن كما كان الطرفان قد قررا في بداية الأمر. عليه فلا يمكن لأحدٍ أن يتحدث أو يدّعي أن إعلان فرانكفورت نتج عن الضغوط والتدخّل الأجنبي. كان إعلان فرانكفورت عملاً سودانياً بحتاً لم يشارك فيه طرفٌ ثالث.
    4
    ثم جاءت الاتفاقيات التي وقّعتها أحزاب المعارضة الشمالية مع الحركة الشعبية الأم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بدأت تلك الاتفاقيات بإعلان القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في يوليو 1994، ثم امتدت لاتفاقية شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994. تلى ذلك اتفاق الأمة والاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994.
    صبّت هذه الانفاقيات في مقررات اسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) والتي وافقتْ فيها كل أحزاب ومنظمات وأطراف المعارضة الشمالية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يونيو عام 1995.
    ثم انضمَّ حزب المؤتمر الشعبي (بعد انشقاق الإنقاذ إلى حزبين) إلى هذا الجمع عند توقيعه اتفاق جنيف مع الحركة الشعبية في 9 فبراير عام 2001 معترفاً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    لم يكن هناك طرفٌ ثالث أو تدخّلٌ أجنبي أو حتى وسيط. بل لم يكن هناك خلافٌ في وجهات نظر الأطراف أصلاً ليتطلّب تدخّلَ طرفٍ ثالث في أيّة اتفاقية من هذه الاتفاقيات.
    5
    ثم جاءت مبادرة السلام من الداخل واتفاقية الخرطوم في أبريل عام 1997 والتي وافقتْ فيها حكومة الإنقاذ مع الحركات الجنوبية المنشقّة عن الحركة الشعبية، وتلك التي لا تنتمي إلى الحركة، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلى فترةٍ انتقالية قدرها أربعة أعوام تسبق الاستفتاء. لقد تباهتْ حكومة الإنقاذ وتفاخرتْ أن مبادرة السلام من الداخل هي مبادرة سودانية بحتة ولا دور أو مجال فيها لأيّ طرفٍ ثالث. وقد أقرّتْ اتفاقية الخرطوم وجود جيشين، وتقاسم عائدات النفط في جنوب السودان بين الشمال والجنوب، وأعطت الاتفاقيةُ حكومةَ الجنوب صلاحيات إدارية واسعة. لم يكن هناك طرفٌ ثالث ليملي تلك التنازلات الكبيرة وغير المسبوقة على حكومة الإنقاذ.
    بل إن اتفاقية الخرطوم نفسها طلبتْ من منظمة الإيقاد والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة أن ترسل مندوبين لمراقبة الاستفتاء.
    ثم جاء دستور السودان لعام 1998 ليؤكّد في بنوده بوضوحٍ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    كيف يمكن بعد كل هذا أن يجادل أحدٌ أن حق تقرير المصير قد تمّ فرضه على الشمال وحكومة الإنقاذ بواسطة التدخل الأجنبي ودول الاستكبار ومجلس الأمن الدولي؟
    6
    لقد كان الدور الأكبر للوسطاء في مشاكوس في شهري يونيو ويوليو عام 2002 هو تذكير حكومة الإنقاذ بما وافقتْ ووقّعتْ عليه في اتفاقيتي فرانكفورت والخرطوم، ودستور السودان – حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وشمل دور الوسطاء وقف محاولات الحكومة المتكرّرة التنصّلَ من هذه الاتفاقيات. فهل يعتبر هذا حقاً تدخّلاً في شئوت السودان وفي فرض الحلول؟ أليست هذه هي الحلول نفسها التي وافقتْ عليها الحكومة والمعارضة دون وساطة أو حتى مراقبين؟
    بل إن الدعوات للمراقبين والوسطاء للمساعدة في حلِّ النزاع الشمالي الجنوبي تمّت وعلى مدى الخمسين عاماً الماضية بدعوةٍ من حكومات الخرطوم المختلفة لهؤلاء المراقبين والوسطاء، ودعوتهم بإلحاح كما حدث في معظم الأحيان، كما سنناقش أدناه.
    7
    بدأت حكوماتُ السودان المتعاقبة الاستعانةَ بدول الجوار والمنظّمات الإقليمية والدولية بغرض الوصول إلى اتفاقٍ مع الحركات المسلحة والأحزاب الجنوبية منذ عام 1965. فبعد أسابيع قلائل من انتصار ثورة أكتوبر اقترح رئيس حزب سانو السيد ويليام دينق، في رسالةٍ بعث بها إلى السيد سر الختم الخليفة رئيس وزراء الحكومة الانتقالية، عقد مؤتمر مائدة مستديرة لمناقشة مشكلة جنوب السودان. رحّبت الحكومة بالمقترح وبدأ النقاش بين الطرفين في التفاصيل. اقترحتْ الأحزابُ الجنوبية عقدَ المؤتمر خارج السودان وأن يحضره مراقبون دوليون. رأت الحكومة عقد المؤتمر بالخرطوم مُشيرةً إلى التغييرات السياسية الإيجابية في البلاد، وتحفّظت في البداية على حضور مراقبين على أساس أن هذا مؤتمرٌ سودانيٌ بحت.
    بعد نقاشٍ ومكاتبات، تراجعت الحكومة عن رفض حضور المراقبين مقابل موافقة الأحزاب الجنوبية عقد المؤتمر في الخرطوم. وأضافت الحكومة إلى المراقبين الأفارقة الذين اقترحهم الجنوبيون مراقبين من دول عربية وإسلامية. وهكذا توصّل الطرفان إلى هذا الحلِّ الوسط، وتمّت دعوة كلٍ من كينيا ويوغندا وتنزانيا ونيجيريا وغانا ومصر والجزائر لإرسال مراقبين إلى مؤتمر المائدة المستديرة. كانت حكومة السودان هي التي وجّهتْ الدعوات واستقبلتْ المراقبين وقامتْ باستضافتهم واحتفتْ بهم، وأضافتْ للقائمة أصدقاءها العرب المسلمين من مصر والجزائر.
    8
    وهكذا انفتح بابُ استعانة السودان بالدول الأخرى لحل مشكلة الجنوب، وبدأت هذه الاستعانة بطلبٍ من الحكومة نفسها. عليه لم تكن هناك صعوبة أن تنعقد المفاوضات بين حكومة العقيد جعفر نميري وحركة تحرير جنوب السودان بقيادة السيد جوزيف لاقو في أديس أبابا في فبراير عام 1972، وسُمّيت الاتفاقية التي وقّعها الطرفان في مارس من ذاك العام "اتفاقية أديس أبابا." وقد وقّع على اتفاقية أديس أبابا (بجانب الحكومة وحركة تحرير جنوب السودان) ممثلون لامبراطور إثيوبيا، ومجلس الكنائس العالمي، ومجلس الكنائس الأفريقي. وهكذا امتدّ دور دول الجوار من مراقبين إلى شهودٍ على الاتفاقية، ودخلت الكنيسة العالمية والأفريقية حلبة النزاع السوداني بموافقة، بل وفي حقيقة الأمر بدعوة، الحكومة السودانية.
    9
    ثم بدأ الدور الإثيوبي ينمو ويتعاظم بعد انهيار اتفاقية أديس أبابا وقيام الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983. فقد أنشأت الحركة الشعبية منذ قيامها في مايو من ذاك العام تحالفاً وطيداً مع نظام منقيستو هايلي مريم، وأصبحت أديس أبابا مصدراً رئيسياً للعون العسكري والمادي للحركة، وصارت أراضي إثيوبيا المتاخمة للحدود مع ولاية أعالي النيل في جنوب السودان، وولاية النيل الأزرق في الشمال، ميداناً للتدريب والاجتماعات للحركة الشعبية ومعسكراتٍ للاجئين.
    10
    ولكن علينا أن نتذكّر أن ذاك العون الإثيوبي الضخم للحركة الشعبية كان محاولةً من الحكومة الإثيوبية لردِّ الصاع صاعين للسودان. فمنذ قيام الثورة الإريترية في ستينيات القرن الماضي كان السودان هو المصدر الأول للعون العسكري والمادي والسياسي والمعنوي للثوار الإريتريين. وقد أصبح السودانُ البلدَ الثاني للإريتريين بعد موطنهم الأصلي.
    هل توقّفنا لحظةً لنسأل أنفسنا إن كان ما قمنا به في اريتريا هو تدخّل في الشأن الإثيوبي؟ هل جادل الإثيوبيون أن انفصال إريتريا كان بسبب التدخّل السوداني؟ بل هل يصدق الإريتريون أنفسهم أنهم نالوا استقلالهم بسبب تدخّل السودان؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة، في رأيي هي لا. فلا أحد من القيادات السياسية أو من الأكاديميين الإثيوبيين أو الإريتريين يشير إلى التدخّل السوداني، ويعطيه أي دور، أكثر من الدور المؤيد والمساعد، في استقلال اريتريا.
    11
    بل المُلاحظ أن كل المتعلمين والسياسيين السودانيين كانوا يرون أنهم، بوقوفهم مع الثورة الإريترية، إنما يقفون مع الحق والعدالة والإنصاف، وضد الظلم والقمع، وأن مواقفهم لا تمثّل تدخّلاً في الشأن الإثيوبي. وهذا بالطبع موقفٌ صحيحٌ وسليمٌ وتقدّمي. ولكن الغريب في الأمر أن معظم هؤلاء المتعلمين والسياسيين الشماليين كانوا يرون أن ما يحدث في جنوب السودان هو تمرّدٌ على القانون والنظام، يغذّيه ويموله التدخّل الأجنبي ممثّلاً في الصهيونية والامبريالية العالمية ودول الاستكبار، ويجب التعامل معه بالحسم العسكري. حدث ويحدث هذا رغم تشابه وتطابق الموقفين - السوداني من القضية الإريترية، والإثيوبي من قضية جنوب السودان.
    12
    واصلت إثيوبيا لعب دورٌ جوهري في قضية الجنوب بمبادرة الأطراف السودانية نفسها. فبعد سقوط نظام نميري في السودان التقى مندوبون للأحزاب والتنظيمات السودانية التي قادت انتفاضة أبريل مع قيادات الحركة الشعبية في إثيوبيا. تمّ هذا اللقاء في منتجع كوكا دام في إثيوبيا وسُمِّي الإعلان الذي صدر في 24 مارس عام 1986 بـ "إعلان كوكا دام."
    لم تفرض أية دولة على الأحزاب والمنظمات السودانية الذهاب إلى أديس أبابا. بل إن التحضيرات للقاء كوكا دام كانت تتمُّ عبر سفر الوفود الشمالية إلى أديس أبابا. كما أن الدكتور الجزولي دفع الله رئيس وزراء حكومة الانتفاضة، ووزير دفاعها اللواء عثمان عبد الله، عرضا على الدكتور جون قرنق اللقاء في أي مكانٍ لمناقشة مشكلة الجنوب. وكان متوقّعاً أن يتم اللقاء في أديس أبابا، غير أن هذا اللقاء لم يتم.
    ثم قام رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي بلقاء رئيس الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق في أديس أبابا أيضاً في يوليو عام 1986. بعدها التقى السيد محمد عثمان الميرغني مع الدكتور قرنق ووقّعا على مبادرة السلام السودانية في أديس أبابا في 16 نوفمبر عام 1988. وتبع ذلك الاتفاق ورشة عمل شارك فيها مجموعةٌ من المثقفين الشماليين وعددٌ من مثقفي وقادة الحركة الشعبية، في شهر فبراير عام 1989 في مدينة أمبو الإثيوبية أيضاً. وهكذا أصبحت إثيوبيا هي نقطة اللقاء والتفاوض بين الشمال، حكومةً وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني، وبين الجنوب مُمثَّلاً في الحركة الشعبية.
    تمّ لقاء رئيس الوزراء السيد الصادق المهدي بالدكتور جون قرنق، ثم لقاء السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق في أديس أبابا بمبادرة الحكومة السودانية وأحزابها السياسية، وعبر سفر وفودها إلى أديس أبابا. فهل يعتبر هذا تدخلاً من إثيوبيا في الشأن السوداني؟
    13
    انفتح الباب على مصراعيه أمام الاجتماعات والمفاوضات بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية خارج السودان مباشرةً بعد انقلاب 30 يونيو عام 1989، وتوالت المبادرات الواحدة بعد الأخرى، وفي حالات كثيرة الواحدةُ متزامنةً ومتنافسةً مع الأخرى في نفس الوقت. وأصبحت مشاكل السودان مسألةً مفتوحةً للتدخّل والوساطة، ليس فقط لدول الجوار، وإنما لكل دولةٍ ترغب في تعيين مبعوثٍ خاص، أو تكليف أحد دبلوماسييها للقيام بهذه المهمّة. وكان ذلك بترحابٍ تام من الحكومة، إن لم نقل بطلبٍ منها في كثيرٍ من الحالات.
    فقد سافر أولُ وفدٍ من الحكومة الجديدة في أغسطس من عام 1989 لمقابلة أعضاء الحركة الشعبية في أديس أبابا، ولكن اللقاء لم ينتج عنه أيُّ اتفاق. تبعتْ ذلك وساطة الرئيس السابق السيد جيمي كارتر التي رحّبت بها الحكومة السودانية، واجتمع الطرفان في نيروبي في أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر عام 1989، لكن الوساطة فشلت. توالت الاجتماعات السرّية والعلنية في هاتين المدينتين، وفي عنتبي خلال عامي 1990 و1991.
    14
    وفي أكتوبر عام 1991 التقى في مدينة نيروبي الدكتور علي الحاج مُمثِّلاً لحكومة الإنقاذ بالسيد جون لوك مُمثلاً لفصيل الناصر الذي كان يقوده الدكتور لام أكول والدكتور رياك ماشار. وفي يناير عام 1992 انتقلت اللقاءات والاجتماعات إلى أوروبا حيث التقى ذاك الشهر الدكتور علي الحاج مع الدكتور لام أكول في ألمانيا، وأصدرا معاً إعلان فرانكفورت الذي أخرج مارد تقرير المصير من القمقم، كما ناقشنا أعلاه. ورغم أن حكومة ألمانيا لم تقترح أو تقُدْ أيّة وساطة، إلاّ انها سهّلت لقاء الطرفين هناك. فهل يُعتبر ذلك تدخلاً من المانيا؟
    15
    خلال عامي 1992 و1993 انتقلت الاجتماعات والتفاوض إلى غرب أفريقيا، واستلمت نيجيريا ملف السودان بطلبٍ من الحكومة السودانية للرئيس النيجيري إبراهيم بابنجيدا الذي كانت بلاده تترأس منظمة الوحدة الأفريقية ذاك العام. كانت الحكومة السودانية تعتقد أن نيجيريا التي واجهت مشكلة انفصال بيافرا وهزمتها سوف تنحاز إلى حكومة الإنقاذ وتُعينها. كان هناك أيضاً التشابه بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي/الوثني في كلا الدولتين. ولكنّ الحماس النيجيري سرعان ما خمد بعد سلسلةٍ من الاجتماعات (مفاوضات أبوجا) التي لم ينتج عنها اتفاق. قرّرت نيجيريا أن الإرادة السياسية غائبة من جانب الحكومة التي رفضت حق تقرير المصير في أبوجا بعد أن كانت قد وافقت عليه في فرانكفورت العام الماضي. أنهتْ نيجيريا وساطتها وغسلت يديها، وتمنّت للطرفين التوفيق في حل نزاعهما.
    فهل نعتبر دعوة الحكومة السودانية لنيجيريا للتوسّط، وقبول نيجيريا ذلك، ثم تنصّل الحكومة من حق تقرير المصير، تدخّلاً نيجيرياً في الشأن السوداني؟
    16
    في تلك الأثناء قفزت الولايات المتحدة إلى حلبة الصراع السودانية. وإذا كان الرئيس السابق السيد جيمي كارتر قد قدّم وساطته عام 1989 تحت مظلّة مركزه، فإن مبادرة السيد هاري جونستون ولقاء واشنطن في أكتوبر عام 1993 حملا الصبغة الأمريكية الرسمية. فقد كان السيد جونستون رئيسَ اللجنةِ الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأمريكي وراعي لقاء الأطراف السودانية. وقد حضر لقاءَ واشنطن وفدٌ كبيرٌ من التجمّع الوطني الديمقراطي. ومثّلت حكومة الإنقاذ نفسها بمدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الخرطوم، وحضرته الحركة الشعبية الأم، والفصيل المتّحد المنشقّ عنها. ورغم فشل مبادرة السيد هاري جونستون في توحيد فصائل الحركة الشعبية المتنازعة، إلّا أنها جمعت تلك الفصائل في الاتفاق على مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    وقد أوضح السيد هاري جونستون من بداية لقاء الأطراف الأربعة أن حق تقرير المصير في الوثيقة المقدمة منه للأطراف يستند ويرتكز على اتفاق فرانكفورت الذي وافقت فيه الحكومة السودانية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد أخذت الحكومة والمعارضة علماً بأن حق تقرير المصير قد أصبح حقيقةً معروفةً ومقبولةً على مستوى العالم، وليست سراً مدفوناً في غرفةٍ ما في إحدى غرف فنادق مدينة فرانكفورت الألمانية، كما توهّمت حكومة الإنقاذ.
    هل يمكن اعتبار ما تبنّته ووافقتْ ووقّعتْ عليه الحكومة السودانية نفسها تدخّلاً في شئون السودان، ونُحمّل الحكومة الأمريكية مسئولية فرض حق تقرير المصير الذي ابتدرته الحكومة السودانية نفسها؟
    17
    اندهشتُ كثيراً وأنا أقرأ ادعاء البعض أن لقاءات واجتماعات مجموعة من المثقفين الأمريكيين (ثلاثةٌ منهم من أصول إثيوبية وهندية وسودانية) في إحدى المقاهي في واشنطن لمناقشة مشكلة الجنوب ساهمت في انفصال الجنوب. إن محاولة التأثير على صانع القرار الأمريكي، في مسألة معقّدة مثل قضية جنوب السودان، لا تتم بهذه البساطة والسهولة.
    ولا بد من السؤال عن الغرض من التأثير إذا كانت الحكومة والمعارضة السودانية قد قبلتا حق تقرير المصير قبل عدّة سنوات من لقاءات هذه المجموعة؟
    18
    يتضّح من الشرح أعلاه أن المحطات الرئيسية لتقرير المصير هي محطاتٌ سودانية بحتة. كما يتضّح أن دور الدول الأخرى كان الضغط على الحكومة لكي تلتزم بعهودها واتفاقياتها مع الحركات الجنوبية. فقد بات جليّاً بذاك الوقت لكل العالم نقض الخرطوم المتواصل لعهودها واتفاقياتها مع جنوب السودان منذ عام 1955.
    19
    سوف نقوم في المقالين القادمين بمناقشة دور منظمة الإيقاد، ونوضّح أن دخول الإيقاد حلبة النزاع السوداني تمّ ليس فقط بدعوةٍ من الحكومة السودانية، بل تحت إلحاح الحكومة نفسها، وترحيب المعارضة الشمالية بذلك.

    [email protected]
    http://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.org
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2016, 01:12 AM

Deng
<aDeng
تاريخ التسجيل: 28-11-2002
مجموع المشاركات: 46578

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب � (Re: Deng)

    التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان (2-6) .. بقلم: د. سلمان محمد أحمد سلمان

    التفاصيل

    1
    بدأنا في المقال السابق مناقشةَ مسألةَ التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان، والردَ على الادعاء أنه كان السببَ الرئيسي لانفصال الجنوب. أوضح المقال أن المحطّاتِ الرئيسية التي وافقتْ فيها الأحزابُ الشمالية، حكومةً ومعارضة، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، كانت محطاتٍ سودانيةٍ بحتة لا دور فيها للتدخّل الأجنبي أو للضغوط الغربية أو من دول الجوار.
    2
    وقد أشرنا إلى أن المحطةَ الأولى والأكثرَ خطورةً في مسألة تقرير المصير كانت مدينة فرانكفورت. فقد وقّع الدكتور علي الحاج مُمثّلاً لحكومة الإنقاذ والدكتور لام أكول ممثّل الفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، والذي وافقتْ فيه حكومةُ الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كانت تلك هي المرّة الأولى في تاريخ السودان التي توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. تمّ ذلك اللقاء بدون وساطة أو حتى حضور طرفٍ ثالث. كان إعلان فرانكفورت عملاً سودانياً بحتاً.
    3
    ثم جاءت الاتفاقيات التي وقّعتها أحزاب المعارضة الشمالية مع الحركة الشعبية الأم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. بدأت تلك الاتفاقيات بإعلان القاهرة بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في يوليو 1994، ثم امتدت لاتفاقية شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994. تلى ذلك اتفاق الأمة والاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف والحركة الشعبية في ديسمبر عام 1994. صبّتْ هذه الاتفاقيات في مقررات اسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) والتي وافقتْ فيها كل أحزاب ومنظمات وأطراف المعارضة الشمالية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يونيو عام 1995. لم يكن هناك طرفٌ ثالث أو تدخّل أجنبي أو حتى وسيط. بل لم يكن هناك خلافٌ في وجهات نظر الأطراف أصلاً ليتطلّب تدخّل طرفٍ ثالث.
    4
    ثم جاءت مبادرة السلام من الداخل واتفاقية الخرطوم في شهر أبريل عام 1997 والتي وافقتْ فيها حكومة الإنقاذ مع الحركات الجنوبية المنشقّة من الحركة الشعبية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. لقد تباهتْ حكومة الإنقاذ وتفاخرتْ أن مبادرة السلام من الداخل هي مبادرةٌ سودانيةٌ بحتة ولا دور أو مجال فيها لأيِّ طرفٍ ثالث. بل إن اتفاقية الخرطوم نفسها طلبت من منظمة الإيقاد والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة أن ترسل مندوبين لمراقبة الاستفتاء.
    ثم جاء دستور السودان لعام 1998 الذي صاغه الدكتور حسن الترابي بنفسه ولوحده ليؤكّد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    عليه فإن محطات حق تقرير المصير التي قادت إلى إنفصال جنوب السودان كانت كلها محطاتٍ سودانية بحتة لا دور فيها لدولٍ أجنبية أو لمجلس الأمن أو للمنظمات الكنسيّة العالمية.
    سوف نتعرّض في هذا المقال والمقال القادم لدور منظمة الإيقاد في مفاوضات السلام السودانية، ونوضّح أن حكومة الإنقاذ هي التي سعتْ لوساطة الإيقاد في حلقات التوسّط الثلاثة التي رعتها منظمة الإيقاد. كما سنوضّح مباركة وموافقة الأحزاب الشمالية المعارضة لذلك الدور، ولمبادئ الإيقاد دون تأخيرٍ أو تردّد. عليه فسوف يواصل هذا المقال تأكيد موقفنا من أن انفصال جنوب السودان هو مسئولية القوى السياسية الشمالية، وأن الدور الأجنبي هو دورٌ ثانويٌ فقط.
    5
    كما فصّلنا في المقال السابق، فقد انهارت الوساطة النيجيرية ومفاوضات أبوجا في عام 1993. فقد أصرّ الوفد الحكومي لمفاوضات أبوجا أن حكومة الإنقاذ وافقتْ على حق تقرير المصير في فرانكفورت مع الفصيل المنشق عن الحركة الشعبية، وليس مع الحركة الشعبية الأم. عليه فليس على الحكومة التزام تجاه الحركة الشعبية الأم. وقد أدهش هذا المنطق الوسطاءَ النيجريين الذين حاولوا إقناع الوفد الحكومي أن الحق هو لشعب الجنوب وليس لفصيلٍ أو آخر.
    وقد ازدادت دهشة الوسطاء عندما قرّر وفدا الحركة الشعبية التوحّد في وفدٍ واحد في اليوم الثاني لمفاوضات أبوجا. عندها أعلن وفد حكومة الإنقاذ للمفاوضات أن الحكومة منحتْ حق تقرير المصير للفصيل المنشق. وبما أنه لم يعد هناك وجود قانوني لذلك الفصيل، فإن هذا سيعني بدوره أنه لا وجود أو إلزام على الحكومة في مسألة حق تقرير المصير الذي كانت قد وافقت عليه في فرانكفورت.
    وقد كان ذلك المنطق الغريب السبب الرئيسي لتوقّف نيجيريا عن التوسّط بعد أن وضح لها عدم جدّية الوفد الحكومي. وقد أنهت نيجيريا وساطتها قبل أشهر من انتهاء أمد حكومة السيد إبراهيم بابنجيدا في 27 أغسطس عام 1993، وليس بسبب نهاية ولاية السيد بابنجيدا كما يدّعي البعض.
    6
    وكانت مجموعةٌ من اللقاءات قد تمّت بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية بعد انقلاب يونيو عام 1989، وشملت لقاءاتٍ ومفاوضات في أديس أبابا، ونيروبي وكمبالا. وقد فشلت كل تلك اللقاءات. كان الاتفاق الوحيد الذي وقّعته حكومة الإنقاذ هو إعلان فرانكفورت الذي اعترفت فيه بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يناير عام 1992.
    مع بداية غروب شمس عام 1993 كانت محاولات الدول الفرديّة لحل مشكلة جنوب السودان بواسطة كلٍ من إثيوبيا وكينيا ويوغندا ونيجيريا قد وصلت إلى طريقٍ مسدود. وكان كلُّ ما نتج من اتفاقٍ خلال هذه المفاوضات هو إعلان فرانكفورت الذي كانت الحكومة السودانية تواصل الإدعاء والإصرار على أن الحركة الشعبية الأم ليست طرفاً فيه، ولهذا السبب فهي ليست ملزمةً بمناقشته مع الحركة. عليه فقد ظلّت كل الخلافات عالقةً بين الحكومة والحركة الشعبية الأم، وكان على الأطراف البحث عن وسيطٍ آخر ومبادرةٍ جديدة.
    7
    انعقد في نهاية الأسبوع الأول من شهر سبتمبر عام 1993 في مدينة أديس أبابا اجتماع رؤساء دول منظمة "إيقاد" والتي يتمّ الإشارة إليها بـ "الهيئة الحكومية المشتركة للتنمية." والإيقاد منظمة تمّ إنشاؤها عام 1986 بواسطة دول شرق أفريقيا (إثيوبيا وجيبوتي وكينيا ويوغندا والسودان والصومال) لمواجهة التصحّر والجفاف في الإقليم. وقد عدّلت هذه المنظمة أهدافها لِتُركّز على التنمية، وقد انضمت إليها إريتريا عام 1993، ثم دولة جنوب السودان في عام 2011. وليس لهذه المنظمة دورٌ أو إنجازٌ يُذكر سوى اتفاقية السلام الشامل السودانية لعام 2005، والتي ساعدها للعمل فيها ما سُمِّي بمجموعة شركاء الإيقاد من الدول الغربية والتي دفعت جلّ تكاليف المفاوضات من فنادق وطعام وشراب وسفر ومطبوعات، كما سنناقش لاحقاً.
    كانت العلاقات بين النظام الإثيوبي الجديد بقيادة السيد ميليس زيناوي الذي وصل إلى السلطة في 28 مايو عام 1991، ونظام الإنقاذ في الخرطوم قد استطالتْ وقويتْ. فالخرطوم كانت قد ساعدت الجبهة الديمقراطية الثورية بقيادة السيد زيناوي في هزيمة نظام السيد منقيستو هايلي ماريام واستلام السلطة في أديس أبابا عام 1991. وكان نظام السيد ميليس زيناوي قد عزّز قبضته على السلطة في أديس أبابا. وهدأت المعارضة بعد انفصال إريتريا عن إثيوبيا في عام 1993. عليه فقد رأى السودان بعد فشل الوساطة النيجيرية أن يلجأ إلى حليفه الجديد للوساطة بينه وبين الحركة الشعبية، واثقاً أن نظام السيد ميليس زيناوي سوف يقفُ في صفِّ نظام الإنقاذ.
    8
    أثار الرئيس البشير هذه المسألة مع السيد زيناوي عندما التقيا أثناء اجتماعات الإيقاد في أديس أبابا في السادس من سبتمبر عام 1993. رحّب الرئيس الإثيوبي بطلب الرئيس السوداني، ولكنه اقترح أن تقود الوساطة منظمة الإيقاد وليس إثيوبيا لأن ذلك سيعطي الوساطة وزناً أكبر، خصوصاً وأن علاقة إثيوبيا مع الحركة الشعبية لم تكن قد تحسّنت بعد. فقد قام نظام ميليس زيناوي بطرد الحركة الشعبية من أراضيه وأوقف عونه العسكري لها. رحّب الرئيس السوداني بهذا التعديل وطلب من بقية دول الإيقاد الوساطة. وافقت دول الإيقاد على القيام بالوساطة في النزاع السوداني، وفوّضت لجنة رباعية تكوّنت من كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا للقيام بهذا الدور. اتفقت هذه الدول أن تكون كينيا مقرّاً لوساطة الإيقاد، وأن يشرف عليها رئيس جمهورية كينيا السيد دانيال أراب موي.
    9
    دارت جولة المفاوضات الأولى في وزارة الخارجية الكينية في 21 مارس عام 1994. قاد وفد الحكومة السودانية السيد محمد الأمين خليفة، وشمل الدكتور علي الحاج، والدكتور نافع علي نافع، والدكتور عبد الرحمن إبراهيم. وقاد وفد الحركة الشعبية السيد سلفا كير، وشمل السادة دينق الور، وباقان أموم، وجستين ياك، بينما قاد وفد الفصيل المتحد الدكتور ريتشارد مولا، وشمل القاضي جون لوك، والسيدة الاكير ملوال. وقد عيّنت الإيقاد سكرتارية لإدارة عملية التفاوض برئاسة وزير خارجية كينيا.
    كان وفد الحكومة السودانية مُصِرّاً على أن تبدأ المفاوضات من حيث انتهت الجولة الثانية من مفاوضات أبوجا، وأن يتركّز التفاوض على مصادر التشريع واستثناء الولايات التي بها أغلبية غير مسلمة من تطبيق الشريعة الإسلامية، ومسائل تقسيم الثروة والوضع الدستوري. من الجانب الآخر كان رأي جناحي الحركة الشعبية أن تتركز المفاوضات على حق تقرير المصير والاجراءات الانتقالية التي ستسبق الاستفتاء. استمع الوسطاء للأطراف الثلاثة وقرّروا إنهاء الجولة الأولى لإجراء مزيدٍ من التشاور، على أن تُعقد الجولة الثانية من المفاوضات في شهر مايو عام 1994.
    10
    في تلك الأثناء اتصلت سكرتارية الإيقاد بعددٍ من الدول المانحة للمساهمة المالية في تغطية تكاليف التفاوض، والتي شملت تكلفة إقامة الوفود في الفنادق، وإيجار قاعات الاجتماعات، وتكاليف السكرتارية والطعام والمشروبات. وقد قرّرت مجموعةٌ من الدول من بينها بريطانيا وهولندا والنرويج والولايات المتحدة إرسال مراقبين للمساعدة في دفع المفاوضات، وساهمت هذه الدول في تغطية تكلفة المفاوضات. وقد استخدمت سكرتاريةُ الإيقاد للمفاوضات مبدأ المشاركة في مراقبة المفاوضات مقابل المساهمة المالية في تكلفتها استخداماً جيداً، خصوصاً والإيقاد نفسها ليست أحسن في الوضع المالي من الدول الأعضاء فيها. من الجانب الآخر فقد استغلّت هذه الدولُ الإيقاد ومبادرتها للتسريع بحل مشكلة الجنوب بدون أن تكون طرفاً مباشراً في عملية التفاوض، بل وأن تُظهر عملية التفاوض على أنها شأنٌ أفريقيٌ بحت تقوم هي فقط بدعمه.
    11
    بدأت الجولة الثانية لمفاوضات الإيقاد في 18 مايو عام 1994، ومثّل الأطراف الثلاثة نفسُ الشخصيات التي حضرت الجولة الأولى. دار نقاشٌ مطول بين الأطراف الثلاثة مع سكرتارية المؤتمر المكوّنة من وزراء خارجية الدول الأربعة (كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا). كرّر كل طرفٍ من أطراف التفاوض موقفه السابق. وبعد نقاشٍ استمر طوال اليومين الأولين أصدرت لجنة الوساطة مسوّدة لما اسمته إعلان المبادئ، وتضمن عدّة نقاط أهمها أن النزاع في السودان لا يمكن حلّه عسكرياً، لأن الحلّ العسكري لن يحقّق سلاماً قابلاً للاستمرار. تضمّن الإعلان تأكيد حق مواطني جنوب السودان في تقرير مصيرهم عبر الاستفتاء، مع إعطاء الأولوية لوحدة السودان، وإنشاء دولة علمانية وديمقراطية تسود فيها حرية الاعتقاد والتعبّد، وفصل الدين عن الدولة. شمل إعلان المبادئ نصوصاً عن التفاوض حول ترتيبات الفترة الانتقالية وإجراءات وقف إطلاق النار.
    12
    عليه فقد أصدرت السكرتارية مسودة إعلان المبادئ في 20 مايو عام 1994، في اليوم الأخير من الجولة الثانية من المفاوضات، وأصبحتْ الموقفَ الرسمي لوسطاء الإيقاد. وقد اعترضت الحكومة السودانية على عدّة نقاط في مسوّدة المبادئ من بينها حق تقرير المصير، وعلمانية الدولة، بينما رحب بها وفدا الحركة الشعبية. إزاء هذه الخلافات أعلن رئيس لجنة الوسطاء السيد كولونزو مسيوكا، وزير خارجية كينيا، انتهاء الجولة الثانية من مفاوضات الإيقاد، على أن تُعقد الجولة الثالثة في 19 يوليو عام 1994، أي بعد شهرين من تلك الجولة، لإعطاء الوفود مزيداً من الوقت لدراسة المسودة.
    13
    بدأت الجولة الثالثة في موعدها المحدد لها في 19 يوليو عام 1994، وأعلنت سكرتارية مفاوضات الإيقاد تمسّكها بالمسودة كما هي، بينما أكّد الوفد الحكومي رفضه للإعلان. وأعلنت الحركة الشعبية قبولها مسودة الإعلان. واصبح التفاوض والنقاش والجدل في حقيقة الأمر بين سكرتارية مفاوضات الإيقاد والوفد الحكومي.
    وقد ذكّرت سكرتارية مفاوضات الإيقاد الوفد السوداني باتفاقية فرانكفورت وحق تقرير المصير الذي تضمّنته تلك الاتفاقية. ولكن الوفد الحكومي أثار مسألة قدسيّة الحدود بموجب ميثاق منظمة الوحدة الأفريقية، وركّز على رفض مسألة علمانية الدولة مشيراً إلى أن أغلبية أهل السودان المسلمة هي التي أقرّت مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية. لكن سكرتارية الوساطة كانت قد حسمت أمرها. فقد صدر إعلان مبادئ الإيقاد للسلام في 20 يوليو عام 1994، كما رسمت خطوطه العريضة المسودة التي تمّت مناقشتها في الجولة الثانية للمفاوضات في مايو عام 1994.
    وقد أصبح إعلانُ مبادئ الإيقاد الذي انبنى على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية، الموقفَ الرسمي للإيقاد في مفاوضات السلام السودانية. وقد أشارت ديباجة إعلان مبادئ الإيقاد إلى إعلان فرانكفورت الذي أقّر حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وتضمّنت الفقرة الثانية إشارةً صريحةً إلى مبدأ حق تقرير المصير ونصّت على الآتي: "يجب التأكيد على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لتحديد وضعه المستقبلي عن طريق الاستفتاء."
    وقد كان صدور إعلان مبادئ الإيقاد نصراً كبيراً للحركة الشعبية الأم التي لم تكن تريد الاعتماد على إعلان فرانكفورت وتعطي شرفَ انتزاع حق تقرير المصير للدكتور لام أكول. عليه فقد بدأت الحركة الشعبية الأم الاعتماد التام منذ تلك اللحظة على مبادئ الإيقاد ولم تُشِر إطلاقاً إلى أعلان فرانكفورت.
    14
    كان واضحاً أن حكومة الإنقاذ قد خسرتْ خسارةً فادحةً رهان وساطة الإيقاد التي كانت تؤمّل أن تخرجها من مأزق فرانكفورت. فبالإضافة إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان فقد منح إعلانُ مبادئ الإيقاد نفسَ الحق للأقليات الأخرى إذا تمّ خرقٌ للحقوق الأساسية المضمّنة في الإعلان لهذه الأقليات. وكأن هذا لا يكفي فقد أكّد الإعلان علمانية الدولة السودانية.
    كان تكوين لجنة الوساطة من إثيوبيا وإريتريا وكينيا ويوغندا يحمل في طياته بذور مثل هذا الإعلان. فإثيوبيا تحت نظام السيد ميليس زيناوي كانت قد وافقتْ على حق تقرير المصير لإريتريا، ولم تضع أيَّة عراقيل في وجه الاستفتاء لشعب إريتريا. وفي حقيقة الأمر فقد كانت إثيوبيا أولَ دولةٍ تعترف بإريتريا عندما صوّت شعبها لصالح الانفصال. وقد تضمّن دستور إثيوبيا الجديد حق تقرير المصير لكل المجموعات العرقية في إثيوبيا. عليه فلم يكن متوقّعاً أن تقف إثيوبيا في وجه حق تقرير المصير لجنوب السودان. ولا يعقل أن تقف إريتريا التي حاربتْ لنحو أربعين عاماً لتنال حق تقرير المصير في طريق مجموعةٍ أخرى ظلّت تحارب من أجل نفس الحق لفترةٍ أطول من حرب إريتريا نفسها. وقد كان السودان يعرف جيداً موقف كينيا ويوغندا المتعاطف مع جنوب السودان منذ أن نالت هاتان الدولتان استقلالهما في بداية الستينيات. لذا كان غريباً أن تعهد حكومة الإنقاذ إلى هذه الدول الأربعة بمهمة التوسّط لحل النزاع في السودان، وتتوقع منها قراراتٍ غير تلك التي تضمّنها الإعلان.
    15
    كما أن حكومة السودان نفسها كانت قد وافقتْ على حق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت عام 1992. وقد أشار الوسطاء مراراً وتكراراً إلى إعلان فرانكفورت وظلّوا يُذكّرون الوفد السوداني به. ولم تفلح محاولات الوفد السوداني خلال جولتي المفاوضات في أبوجا في التنصّل من إعلان فرانكفورت. بل إن المتابع لعملية التفاوض يجدُ أنه كلما حاول السودانُ التنصّلَ من الإعلان، كلما زادت قناعة الوسطاء بعدالة موقف الحركة الشعبية التي ظلّت تشكو من نقض العهود بواسطة الحكومات السودانية المختلفة منذ الاستقلال، وبعدم جدّية الحكومة السودانية. وقد أشار وسطاء الإيقاد أنهم لم يفعلوا أكثر من إعادة تضمين التزام حكومة السودان بحق تقرير المصير المضمّن في إعلان فرانكفورت.
    16
    لقد كان إعلانُ فراكفورت مأزقاً تاريخياً أدخلتْ حكومةُ الإنقاذ السودانَ فيه دون دراسةٍ ووعيٍ بالتبعات التي كانت ستنتج عنه. وزادتْ محاولاتُ التنصّل منه الوضع سوءاً للسودان. لقد أخرج الإعلانُ ماردَ تقرير المصير من قمقمه في 25 يناير عام 1992 في مدينة فرانكفورت الألمانية، وأصبحت مسألة إعادة هذا المارد إلى قمقمه أمراً مستحيلاً.
    17
    كانت سكرتارية وساطة الإيقاد قد أوضحتْ بعد تسليم نسخٍ من الإعلان إلى جميع الأطراف أن الجولة الرابعة للمفاوضات ستبدأ في 5 سبتمبر عام 1994، وأشارت إلى أنها سوف تواصل اتصالاتها بالأطراف لتقريب وجهات النظر حول الاستفتاء وإجراءاته وترتيبات الفترة الانتقالية. عليه فقد تجاوزت سكرتارية الإيقاد مسألة حق تقرير المصير لجنوب السودان في 20 يوليو عام 1994 وأصبحت نقاط التركيز بعد ذلك التاريخ هي تفاصيل الاستفتاء وترتيبات المرحلة الانتقالية.
    18
    تغيّرت استراتيجية حكومة الإنقاذ بعد جولة المفاوضات الثالثة إلى الرفض التام لمبادئ مبادرة الإيقاد التي سعى السودان لوساطتها بدايةً، وتغيرّت معها تشكيلة الوفد المفاوض. عهدت الحكومة برئاسة الوفد المفاوض للجولة الرابعة لمفاوضات الإيقاد إلى الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، وشملت عضوية الوفد الدكتور نافع علي نافع، والدكتور مطرف صديق. وصل الوفد نيروبي في 5 سبتمبر والتقى سكرتارية الوساطة في يوم 6 سبتمبر عام 1994 ونقل إليها رفض السودان القاطع والنهائي لمبادئ الإيقاد وللمبادرة نفسها. وانتهى الاجتماعُ والجولةُ الرابعة للمفاوضات في أقلِّ من ساعة.
    19
    كان السبب الرئيسي لهذا التغيير الحاد في موقف الحكومة هو الانتصارات العسكرية التي حقّقتها الحكومة مع بداية النصف الأول من عام 1994. فقد نجحت القوات المسلحة في استرداد معظم المدن التي كانت في قبضة الحركة الشعبية، بما في ذلك مدينة توريت ذات التاريخ الخاص للحركة. وقد سمّت الحكومة عملياتها العسكرية "صيف العبور"، وأطلقت على عام 1994 "مسك الختام."
    أعطى هذا الوضعُ اليدَ العليا لصقور حكومة الإنقاذ الذين قرّروا أنهم سوف يستطيعون حسم مشكلة الجنوب عسكرياً ونهائياً، مثلما حسموا مسألة صراع السلطة في الخرطوم عبر البندقية.
    20
    وهكذا أنهتْ حكومةُ الإنقاذ مبادرةَ الإيقاد في 6 سبتمبر عام 1994 برفض إعلان المبادئ الصادر في 20 يوليو والذي نادى بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. تمَّ هذا الرفض رغم أن حكومة الإنقاذ نفسها كانت قد وقّعت على إعلان فرانكفورت الذي وافقت فيه على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في 25 يناير عام 1992، ورغم أنها هي التي سعت إلى وساطة الإيقاد.
    21
    لكنَّ حكومةَ الإنقاذِ نفسَها عادتْ عام 1997 وقبِلتْ إعلانَ المبادئ الصادرَ من منظمة الإيقاد في 20 يوليو عام 1994، والتي كانت قد رفضته في 6 سبتمبر عام 1994. بل وطلبتْ حكومةُ الإنقاذ من منظمة الإيقاد إحياءَ مبادرتها وبدء الحلقة الثانية من المفاوضات تحت مظلة ورعاية الإيقاد.
    سوف نناقش في المقال القادم الأسباب التي دفعتْ حكومة الإنقاذ إلى تغيير موقفها، وإلى دعوة منظمة الإيقاد إلى العودة إلى التوسّط بينها وبين الحركة الشعبية مرةً ثانية. وسوف نتعرّض بالتفصيل لما دار خلال جولات التفاوض في حلقة مفاوضات الإيقاد الثانية.

    [email protected]
    http://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.org
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-11-2016, 08:35 AM

جمال ود القوز
<aجمال ود القوز
تاريخ التسجيل: 25-01-2013
مجموع المشاركات: 4250

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب � (Re: Deng)


    لا احد ينكر دور القوى الشمالية .. حكومة / معارضة في فصل الجنوب ..
    كل الادوار التي سردها الكاتب كانت موجودة .. نعم ..
    لكن ترتيب فعالية وتأثير هذه الادوار بعاليه فيه الكثير من التلبيس والتدليس ..
    بل أجد في محاولة تقليل تأثير الدور الأمريكي وبهذه الصورة المخجلة ..
    يشتمل على كثير من الظلم والغبن للقوى الشمالية او حتى الجنوبية التي دفعت للانفصال ..

    ترتيب تأثير الادوار أعتقد انه مربوط بمؤامرة قتل جون قرنق ..
    وفي ذاك التوقيت بالتحديد ..
    فمن قتل قرنق هو صاحب الدور الأعظم في انفصال جنوب السودان ..
    خلا ذلك كل الادوار أعتبرها ثانوية ..










                   |Articles |News |مقالات |بيانات

06-11-2016, 01:46 PM

Deng
<aDeng
تاريخ التسجيل: 28-11-2002
مجموع المشاركات: 46578

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب � (Re: جمال ود القوز)

    التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان 3 - 6 بقلم د. سلمان محمد أحمد سلمان


    سلمان محمد أحمد سلمان-واشنطن-الولايات المتحدة




    1
    بدأنا في المقالين السابقين مناقشةَ مسألةَ التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان، والردَّ على الادعاء أنه كان السببَ الرئيسي لانفصال الجنوب، وأوضحنا أن مسئوليّة الانفصال تقع كاملةً على القوى السياسية الشمالية.
    كما ذكرنا في المقالين السابقين أيضاً، فإن المحطّاتِ الرئيسية التي وافقتْ فيها الأحزابُ الشمالية، حكومةً ومعارضة، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، كانت محطاتٍ سودانيةٍ بحتة لا دور فيها للتدخّل الأجنبي أو للضغوط الغربية أو من دول الجوار. فقد وافقتْ حكومة الإنقاذ على حق تقرير المصير في فرانكفورت عام 1992، ثم عادت وأكّدته في اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997. ووافقتْ أحزاب المعارضة على حق تقرير المصير عبر سلسلسة من الاتفاقيات مع الحركة الشعبية، ثم أكّدتْ موافقتها في إعلان أسمرا – مؤتمر القضايا المصيرية لعام 1995.
    عليه فقد اندهش وسطاء الإيقاد عندما رفضت حكومة الإنقاذ مبادئ الإيقاد التي انبنت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وعندما قرّر وفدها الانسحاب من المبادرة في شهر سبتمبر عام 1994. حدث ذلك الرفض والانسحاب على الرغم من موافقة الحكومة على حق تقرير المصير في فرانكفورت عام 1992، وعلى الرغم من دعوتها الإيقاد للتوسّط.
    2
    في حقيقة الأمر فقد تأرجّحتْ سياساتُ حكومة الإنقاذ في تعاملها مع مشكلة الجنوب بين إعطاء الأولوية للتصعيد العسكري، أو البحث عن السلام، اعتماداً على الحقائق على أرض المعركة في جنوب السودان. ففي الفترات التي كانت يدُ الحكومة هي العليا في الحرب اختفتْ مسألة البحث عن السلام من أسبقيات الحكومة، واختطف جناحُ الصقور داخل الحزب الحاكم زمامَ المبادرة، وصعّدوا الحرب في جنوب السودان.
    وكان هذا هو ما حدث في سبتمبر عام 1994 عندما قرّرت حكومة الإنقاذ الانسحاب من مفاوضات الإيقاد في الجولة الرابعة في سبتمبر عام 1994. فقد أعلن الدكتور غازي العتباني رئيس وفد حكومة الإنقاذ خلال تلك الجولة "إن حق تقرير المصير لجنوب السودان ليس لديه أي سندٍ قانونيٍ أو سياسي، ولن يقدّم حلّاً للمشكلة، وإن تقرير المصير أو أي تعبيرٍ آخر من الممكن أن يعني الانفصال هو ليس قضية، وإن الحكومة غير مستعدةٍ للتداول حوله."
    3
    غير أن الوضع العسكري في جنوب السودان بدأ في التغيير لصالح الحركة الشعبية في عام 1996. وفي شهر أبريل عام 1997 وقّعت الخرطوم على اتفاقية الخرطوم للسلام مع الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية الأم. وقد أكّدت تلك الاتفاقية حق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره. لهذه الأسباب وأسباب أخرى قرّرت حكومة الإنقاذ العودة لوساطة الإيقاد والغاء قرار رفض المبادرة الذي أوصلته لسكرتارية الإيقاد في سبتمبر عام 1994 خلال جولة المفاوضات الرابعة.
    4
    التقى السيد رئيس الجمهورية برئيس الوزراء الإثيوبي السيد ميليس زيناوي في شهر يوليو خلال المؤتمر السنوي لمنظمة الوحدة الأفريقية لعام 1997، وأثار معه مسألة إحياء مبادرة الإيقاد وتفعيلها. وافق السيد زيناوي على لعبِ الإيقاد لدور الوسيط مرةً ثانية. بعد اتصالاتٍ مع الأطراف الثلاثة الأخرى للمبادرة (كينيا ويوغندا وإريتريا) وأصدقاء الإيقاد (الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا والنرويج) اتفقت الأطراف على إحياء وساطة الإيقاد، وبدء الحلقة الثانية منها.
    بدأت تلك الحلقة الثانية بالجولة الأولى من المفاوضات في شهر نوفمبر عام 1997. وقد قرّرت الإيقاد اعتباره تلك الجولة الخامسة مواصلةً للجولات الأربعة الأولى تحت مظلة الحلقة الأولى من المفاوضات.
    5
    دارت الجولة الخامسة من مفاوضات الإيقاد بين الحكومة والحركة الشعبية الأم في نيروبي في شهر نوفمبر عام 1997، وقد قاد الوفد الحكومي السيد علي عثمان محمد طه الذي كان وقتها وزيراً للخارجية، وشمل الوفد الدكتور رياك مشار رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية (بعد توقيع اتفاقية الخرطوم بينه وبين حكومة الإنقاذ، وتعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية)، والدكتور علي الحاج، والسادة محمد الأمين خليفة الأمين العام للمجلس الأعلى للسلام، وأحمد إبراهيم الطاهر، وقطبي المهدي، وأروك طون أروك، وعبد الله دينق، وأنجيلو بيدا. قاد السيد سلفا كير وفد الحركة الشعبية الذي شمل السادة اليجا مالوك، ودينق الور، وجستين ياك، ونيال دينق نيال، وباقان أموم، وسامسون كواجي.
    طالب الوفد الحكومي عند بدء المفاوضات بالتركيز على النظام الفيدرالي باعتباره مطلب الجنوبيين منذ عام 1947، ورفض اعتبار تقرير المصير حقّاً إنسانياً، ووصفه بانه قرار سياسي. حدث هذا رغم توقيع حكومة الإنقاذ قبل أشهر قصيرة على اتفاقية الخرطوم للسلام التي اشتملت على حق تقرير المصير لجنوب السودان.
    أصرّت الحركة على حق تقرير المصير ليس فقط لجنوب السودان بل ليشمل أيضاً ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان. رفض الوفد الحكومي ذلك رفضاً قاطعاً، ووجد الوفد تلك فرصةً للتراجع عن حق تقرير المصير حتى لجنوب السودان طالما ربطته الحركة بمناطق شمالية.
    6
    فشل الطرفان في التوصّل لاتفاقٍ في مجموعة قضايا أخرى. فقد طالبت الحركة بنظامٍ كونفيدرالي خلال الفترة الانتقالية، بينما أصرّت الحكومة على حكمٍ ذاتيٍ محدود، وأوضحت أن مبادئ الإيقاد لا تتحدّث عن الكونفيدرالية. طالبت الحركة بقيام حكومة وحدة وطنية ونظامٍ ديمقراطيٍ تعدّدي خلال الفترة الانتقالية، واعترضت الحكومة بحجّة أن هذا المطلب خارج مرجعية التفاوض. كما كان هناك خلافٌ حادٌ في مسألة الدين والدولة. فبينما أصرّتْ الحركة على مبادئ الإيقاد التي نادت بعلمانية الدولة السودانية، تذرّعت الحكومة بأن النظام الكونفيدرالي الذي تطالب به الحركة يحتّم على الحركة عدم التدخّل في شئون الدولة الأخرى، بما في ذلك شمال السودان، علماً بأن الوفد الحكومي رفض النظام الكونفيدرالي.
    7
    فشلت سكرتارية الإيقاد للتفاوض في تقريب وجهات النظر حول هذه القضايا الخلافية الكبيرة. كان واضحاً أن أحد أهداف الحركة الشعبية هو إرضاء حلفائها في التجمّع الوطني الديمقراطي بإثارة مسألة العودة للنظام السياسي التعدّدي، وتكوين حكومة قومية عريضة، وهذا ما كانت تتخوّف منه حكومة الإنقاذ وترفضه. من الجانب الآخر رفضت الحكومة علمانية الدولة، وتذرّعت بأن مطلب الحركة للكونفيدرالية يجرّدها من حق التدخّل في القوانين التي تُطبّق في الشمال. لكن لا بد من التساؤل كيف يمكن للحكومة التي رفضت النظام الكونفيدرالي أن تتذرّع به؟
    8
    وهكذا برزت نقاط خلاف جديدةٍ حادّة بما فيها مسألة تقرير المصير لشعب جنوب السودان التي كان الوسطاء يعتقدون أنها قد حُسِمتْ باتفاقية الخرطوم للسلام واتفاق فرانكفورت، وقبول حكومة الإنقاذ لمبادئ الإيقاد. إزاء هذا الفشل قرّرت سكرتارية المفاوضات إصدار بيانٍ أوضحت فيه نقاط الالتقاء، وكذلك نقاط الخلاف والتي ستحتاج إلى مزيدٍ من الجهد ومحاولات تقريب وجهات النظر قبل مواصلة التفاوض. أوضح البيان أيضاً اتفاق الطرفين على عقد الجولة القادمة، والتي هي السادسة، من المفاوضات في شهر مايو عام 1998.
    9
    لم يكن أيٌ من الطرفين يريد أن يتحمّل مسئولية فشل أو توقّف المفاوضات. عليه فقد بدأت جولة المفاوضات السادسة في نيروبي في الرابع من شهر مايو عام 1998، كما كان مقرّراً لها. وقد قاد وفد الحكومة الدكتور رياك مشار وشمل الوفد الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية، والدكتور علي الحاج، والسادة أحمد إبراهيم الطاهر، وقطبي المهدي، وأحمد علي الإمام. قاد وفد الحركة الشعبية السيد نيال دينق نيال، وشمل السادة جون لوك، وجستين ياك، واليجا مالوك، وباقان أموم، وياسر عرمان، وعبد العزيز الحلو. يُلاحظ أن الطرفين لم يعطيا هذه الجولة من المفاوضات الأهمية التي أعطياها للجولة السابقة. فقد تخلّف السيد علي عثمان محمد طه، والسيد سلفا كير عن قيادة وفديهما. كما تغيّب السيد محمد الأمين خليفة من وفد التفاوض الحكومي لأول مرة منذ عام 1989 (عدا مفاوضات فرانكفورت التي لم يشارك فيها). شمل وفد الحركة الشعبية عدداً من الشماليين، كما شمل وفد الحكومة عدداً من الجنوبيين وكان هذا دائماً مثار دهشة وسطاء الإيقاد وشركائهم.
    غير أن اختيار الدكتور رياك مشار لقيادة الوفد الحكومي لم يكن خطوةً موفقة على خلفية الخلافات الحادة بينه وبين قيادات الحركة الشعبية الأم، والتي كانت قد أخذت طابعاً شخصياً، وساهمت في تعقيد عملية التفاوض.
    10
    رأت سكرتارية التفاوض التركيز على نقطتي حق تقرير المصير وعلمانية الدولة، ولكن هذا لم يساعد في أيّ تقدّمٍ في عملية التفاوض لأن كلّاً من الوفدين أصرّ على مواقفه التي تبنّاها في الجولة السابقة. أثارت الحكومة مسألة النظام الفيدرالي باعتباره مطلب الجنوبيين الأصلي، ورفضت اعتبار حق تقرير المصير حقاً إنسانياً كما فعلت في الجولة السابقة. أصرّت الحركة عل حق تقرير المصير ليس فقط لجنوب السودان، بل ليشمل أيضاً ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وهذا ما رفضه الوفد الحكومي. طالب وفد الحركة بعلمانية الدولة السودانية وإلغاء قوانين سبتمبر كما قضت بذلك مبادئ الإيقاد، وقد رفض الوفد الحكومي هذا المطلب أيضاً.
    إزاء هذا التعنّت من الجانبين أعلن رئيس الجلسة الدكتور بونايا غودانا، وزير الخارجية الكيني، انتهاء الجولة السادسة من المفاوضات، على أن تُعقد الجولة السابعة في مدينة أديس أبابا بإثيوبيا. يبدو أن كينيا، مثلها مثل نيجيريا من قبلها، قد بدأ يصيبها الإعياء والانهاك من مشاكل السودان المزمنة، ومن محاولات حكومة الإنقاذ التنصّل من اتفاقياتها والتزاماتها السابقة.
    11
    انعقدت الجولة السابعة من المفاوضات في 4 أغسطس عام 1998 في أديس أبابا وترأسها السيد سيوم ميسفن وزير الخارجية الإثيوبي. قاد وفد الحكومة الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، بينما قاد وفد الحركة السيد سلفا كير. حضر الجلسة السيد سالم أحمد سالم أمين عام منظمة الوحدة الأفريقية، والسيد بونايا غودانا وزير خارجية كينيا، اللذين خاطبا الجلسة الافتتاحية وحثا الطرفين على إبداء قدرٍ اكبر من المرونة.
    قرّر الوسطاء التركيز على مسألة تقرير المصير والتفاوض حولها، ومحاولة التوصّل لاتفاقٍ في تفاصيلها قبل الانتقال لمسألة الدين والدولة. تمسّك كلٌ من الوفدين بطرحه السابق. أصرّت الحركة على أن يشمل تعريف الجنوب ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان (بما في ذلك منطقة أبيي)، وأن تمتد الفترة الانتقالية لمدة عامين فقط يُحكم فيها السودان بنظامٍ كونفيدرالي بجيشين ودولتين.
    لم توافق الحكومة على هذا الطرح وأصرّت على تعريف الجنوب حسب حدود عام 1956، ورفضت الدخول في تفاصيل الفترة الانتقالية قبل حسم مسألة تعريف الجنوب. وانتهت الجولة السابعة دون اتفاق، وحتى دون إصدار بيانٍ من سكرتارية التفاوض. وتمّ الاتفاق على عقد جولة قادمة تحدّد السكرتارية تاريخ انعقادها في وقتٍ لاحق بعد التشاور مع كلٍ من الطرفين.
    12
    عادت سكرتارية الإيقاد بالتفاوض إلى كينيا، وانعقدت جولة المفاوضات الثامنة في نيروبي في الفترة من 19 يوليو عام حتى 23 يوليو عام 1999. قاد الدكتور رياك مشار الوفد الحكومي الذي شمل الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل، والدكتور نافع علي نافع، والدكتور عبد الرحمن إبراهيم، ونفس الأعضاء من أبناء الجنوب الذين شاركوا في الجولة السابعة. وقاد وفد الحركة الشعبية السيد سلفا كير وشمل السادة يوسف كوه مكي، واليجا مالوك، ونيال دينق، ودينق الور، وجستين ياك.
    حضر هذه الجولة وزراء الخارجية لدول مبادرة الإيقاد الأربعة (كينيا ويوغندا وإثيوبيا وإريتريا). بدأت هذه الجولة بدايةً متعثّرةً بسبب التصريحات الصحفية التي سبقت الجلسات والتي انهالت فيها الاتهامات من كل طرفٍ على الطرف الآخر. ابتدأت الجلسات وانتهت من حيث انتهت الجولة السابقة السابعة في مسألة تقرير المصير وتعريف الجنوب والفترة الانتقالية والدين والدولة والكونفيدرالية.
    قرّرت سكرتارية الإيقاد للتفاوض أنه لا معنى لمواصلة الجلسات، لأن التفاوض قد تحوّل إلى حوارٍ للطرشان. رفعت السكرتارية الجلسات وأعلنت تعليق التفاوض حتى يتم مزيد من الاتصالات مع الطرفين بغرض تقريب وجهات النظر قبل الدعوة لجولة مفاوضات قادمة. غير أنه لم تقمْ سكرتاريةُ الإيقاد بالدعوة لأيّة جولة مفاوضات بعد ذلك.
    13
    وهكذا انتهت حلقتا التفاوض تحت مظلة الإيقاد واللتان شملتا معاً ثماني جولات تفاوض. امتدّت هذه الجولات لأكثر من خمسة أعوام، من شهر مارس عام 1994 وحتى شهر يوليو عام 1999، بدون التوصّل لاتفاقٍ بين طرفي النزاع السوداني.
    ركّزت سكرتارية تفاوض الإيقاد في الجولات الثلاثة الأولى على التوصّل إلى إعلان المبادئ والذي تمّ في الجولة الثالثة في يوليو عام 1994، متضمّناً حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وعلمانية الدولة السودانية. لكن الوفد الحكومي عاد ليعلن رفض الحكومة الرسمي لمبدأ حق تقرير المصير في الجولة الرابعة في سبتمبر عام 1994 رغم توقيع الحكومة على إعلان فرانكفورت.
    ثم أصبحت مسألة علمانية الدولة السودانية عقبةً أخرى رئيسية في المفاوضات. فعلى الرغم من قبول حكومة الإنقاذ لمبادئ الإيقاد التي تضمّنت مسألة علمانية الدولة السودانية، إلا أن حكومة الإنقاذ تراجعت عن ذلك القبول. وبرزت مسألة ولايتي جنوب كردفا والنيل الأزرق كقضية خلافية أخرى. طالبت الحركة أن يشمل حق تقرير المصير هاتين المنطقتين. رفضت حكومة الإنقاذ ذلك ووجدته فرصةً للتراجع عن حق تقرير المصير لجنوب السودان طالما ربطت الحركة بين الاثنين.
    14
    رغم الرفض الحكومي فقد مثّل إعلان مبادئ الإيقاد نقطة تحولٍ تاريخية هامة لعملية التفاوض. فقد اختطفت الحركة الشعبية الأم مبادئ الإيقاد حتى قبل إعلانها رسمياً، واستخدمتها بدهاءٍ وحنكة في مفاوضاتها مع أحزاب المعارضة الشمالية، وبنت عليها انتزاعها حق تقرير المصير من كلٍ منهم، فرادى وجماعات.
    لجأت الحركة الشعبية الأم لمبادئ الإيقاد رغم اتفاق الحكومة السودانية وفصيل الناصر على حق تقرير المصير في إعلان فرانكفورت في يناير عام 1992. لكن الحركة الشعبية الأم تجاهلت ذلك الإعلان وارتكزت على إعلان الإيقاد للمبادئ حتى لا تعطي فصيل الناصر شرف انتزاع ذاك الحق.
    شملت كل واحدةٍ من اتفاقيات الحركة الشعبية الأم الأربعة مع أحزاب المعارضة الشمالية إشارة واضحة وصريحة إلى حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بموجب مبادئ الإيقاد، بدءاً باتفاقية الحزب الاتحادي الديمقراطي (اتفاقية القاهرة 13 يوليو 1994)، وحزب الأمة (اتفاقية شقدوم 12 ديسمبر 1994)، ثم حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي وقوات التحالف السودانية (اتفاق قوى المعارضة السودانية الرئيسية 27 ديسمبر 1994)، وأخيراً إعلان أسمرا الذي وقّع عليه كلُّ قادة التجمّع الوطني الديمقراطي في 23 يونيو عام 1995 (مؤتمر القضايا المصيرية – قرار حول قضيّة تقرير المصير). تمّت كل هذه الاتفاقيات دون مشاركة أو تدخّل طرفٍ ثالث.
    15
    من الجانب الأخر فقد سهّل إعلان مبادئ الإيقاد مهمة الفصائل المنشقة من الحركة الشعبية أثناء مفاوضات السلام من الداخل مع الحكومة، رغم توقيع الحكومة وفصيل الناصر على إعلان فرانكفورت الذي اعترف بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير في يناير عام 1992. لكن على عكس اتفاقيات الحركة الشعبية الأم مع أحزاب المعارضة الشمالية، فلم تشر اتفاقيات الفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية مع الحكومة إطلاقاً إلى إعلان المبادئ الصادر من الإيقاد.
    16
    وهكذا عندما بدأ عقد التسعينيات، والقرن العشرون نفسه، في الأفول كانت خطى التفاوض من أجل الوصول إلى السلام في السودان تسير في اتجاهين قد يبدوان للناظر على أنهما متوازيان: الحركة الشعبية الأم وأحزاب ومنظمات المعارضة السودانية من جهة، والحكومة السودانية والفصائل المنشقّة عن الحركة الشعبية من الجهة الأخرى.
    فمن الجانب الأول كانت أحزاب المعارضة الشمالية قد وافقت كلها في اتفاقياتها مع الحركة الشعبية الأم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بعد فترةٍ انتقالية تلي اسقاط النظام في الخرطوم. ولأنه لم يكن لأيٍ من هذه الأحزاب، فرادى أو جماعاتٍ، المقدرة العسكرية والسياسية على إسقاط النظام فقد كانت في انتظار أن تقوم بذلك نيابةً عنها الحركة الشعبية. بمعنى آخر كانت المعادلة هي موافقة أحزاب التجمّع على تقرير المصير مقابل إسقاط الحركة الشعبية لنظام الإنقاذ.
    17
    لم يكن جانب الحكومة والفصائل المنشقّة عن الحركة أكثر اختلافاً عن الجانب الأول. فقد وافقت الحكومة على حق تقرير المصير مع هذه الفصائل بغرض إضعاف وهزيمة الحركة الشعبية الأم وأيلولة أمور الحكم في جنوب السودان لهذه الفصائل. بمعنى آخر كانت المعادلة في هذا الجانب هي تقرير المصير لهذه الفصائل مقابل هزيمة الدكتور قرنق وحركته الشعبية وبرنامج السودان الجديد العلماني الموحّد.
    ورغم أن تقرير المصير أصبح القاسم المشترك بين الحكومة، وأحزاب التجمّع، والحركة الشعبية الأم، والفصائل المنشقّة عنها، لكن كان واضحاً أنه ليس في مقدور أي من الأطراف الأربعة تحقيق جانبه من المعادلة. فلا الحركة الشعبية الأم استطاعت إسقاط النظام، ولا الفصائل المنشقّة استطاعت هزيمة الحركة الشعبية الأم.
    18
    مثلما حدث في عام 1993، فقد كانت حكومة الإنقاذ هي التي طلبت تدخّل ووساطة ومساعدة الإيقاد مرّةً ثانية عام 1997. تمَّ هذا الطلب رغم فشل الحلقة الأولى من التفاوض والتي شملت أربع جولات.
    ورغم فشل حلقتا التفاوض بجولاتهما الثمانية، إلا أن النتيجة الأساسية كانت ترسيخ مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. فقد تأكّد للوسطاء وكل المراقبين للتفاوض أن حكومة الإنقاذ، وكل أحزاب المعارضة الشمالية السودانية، قد وافقت صراحةً وفي اتفاقيات عديدة، وفي دستور السودان، نفسه، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وأصبح همُّ هؤلاء الوسطاء والمراقبين وقفَ الحرب والإقتتال والموت والدمار والجوع في جنوب السودان من خلال إلزام حكومة السودان الوفاء باتفاقياتها وتطبيق حق تقرير المصير الذي وافقتْ ووقّعتْ عليه على أرض الواقع والجنوب.
    هل يمكن حقّاً أن نعتبر محاولاتِ الوسطاء إلزامَ الحكومة تطبيقَ ما التزمتْ به هي نفسُها تدخّلاً في شئون السودان وعاملاً في انفصال جنوب السودان؟
    19
    سوف نناقش في المقال القادم ما دار في جولات الحلقة الثالثة والأخيرة من حلقات التفاوض تحت مظلة الإيقاد، والتي جاءت أيضاً بطلبٍ من حكومة الإنقاذ، وقادت إلى بروتوكول مشاكوس، ثم اتفاقية نيفاشا، ثم انفصال جنوب السودان.
    وسوف نعيد التأكيد أن مسئوليّة انفصال جنوب السودان تقع كاملةً على القوى السياسية الشمالية، وأن دور التدخّل الأجنبي في قضية جنوب السودان كان ثانوياً، وللضغط على حكومة الإنقاذ كي تقبل حق تقرير المصير الذي وافقتْ ووقّْعت عليه هي بنفسها، وفي أكثر من وثيقة.


    [email protected]
    http://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.orghttp://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.org

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

09-11-2016, 05:09 PM

Deng
<aDeng
تاريخ التسجيل: 28-11-2002
مجموع المشاركات: 46578

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب � (Re: Deng)

    التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان 4 - 6 بقلم د. سلمان محمد أحمد سلمان


    قُمْنا في المقالاتِ الثلاثةِ السابقة من هذه السلسلة بالردِّ على ادعاءات بعض الأصدقاء الكُتّاب على ما أسموه التدخّل الأجنبي الذي فرض على حكومة الانقاذ حقَّ تقرير المصبر لشعب جنوب السودان، والذي قاد بعد سنواتٍ إلى الانفصال. أكّدنا بالوثائق تأكيداُ جازماً عدم صِحّة هذا الادعاء، وأوضحنا أن المحطات الرئيسية لحقِّ تقرير المصير لشعب جنوب السودان كانت جميعها مجطاتٍ سودانيةٍ بحتةٍ، لا دور أو مجال فيها على الإطلاق لدول الغرب أو دول الجوار أو المنظمات الكنسية أو مجلس الأمن الدولي.
    1
    وقد كرّرنا في المقالات السابقة، ونعيد الذكر الآن، أن المحطةَ الأولى والأكثرَ خطورةً في مسألة تقرير المصير كانت هي مدينة فرانكفورت. فقد وقّع الدكتور علي الحاج مُمثِّلاً لحكومة الإنقاذ والدكتور لام أكول مُمثِّل الفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، والذي وافقتْ فيه حكومةُ الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    2
    ثم جاءت الاتفاقيات التي وقّعتها أحزاب المعارضة الشمالية فرادى مع الحركة الشعبية الأم تعترف فيها بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد صبّتْ هذه الاتفاقيات في مقررات اسمرا (مؤتمر القضايا المصيرية) والتي وافقتْ فيها كل أحزاب ومنظمات وأطراف المعارضة الشمالية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في يونيو عام 1995.
    3
    تلت ذلك مبادرة السلام من الداخل واتفاقية الخرطوم عام 1997 والتي وافقت فيها حكومة الإنقاذ مع الحركات المنشقّة من الحركة الشعبية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وأكد دستور السودان لعام 1998، والذي خطه الدكتور حسن الترابي بنفسه ولوحده، حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    عليه فإن محطات حق تقرير المصير كلها محطاتٌ سودانية بحتة لا دور فيها إطلاقاً لدولٍ أجنبية أو طرفٍ ثالث. كان دور الدول الغربية ودول الجوار هو تذكير الحكومة بهذه الاتفاقيات والضغط عليها لتلتزم بما وقّعت ووافقت عليه هي نفسها.
    4
    غير أن محاور هذه الاتفاقيات حول حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان كانت حتى ذلك الوقت متوازيةً، أو على الأقل يبدو ذلك عليها. فمن الجهة الأولى كانت الاتفاقياتُ قد تمّت بين حكومة الانقاذ والحركات المنشقّة عن الحركة الشعبية. بينما كانت الاتفاقيات في الجهة الثانية بين أحزاب ومنظمات المعارضة والحركة الشعبية الأم. عليه فقد ظلّت الحلقة الأساسية لقضية الجنوب – بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية الأم – بلا اتفاق، رغم اللقاءات التي تمّت بين الطرفين في أديس أبابا وكمبالا ونيروبي، والتي انتهت كلها بالفشل.
    5
    انتقلت حكومة الانقاذ بعد ذلك إلى غرب أفريقيا، وسعت وطلبت الوساطة النيجيرية، والتي انتهت بالفشل أيضاً بسبب محاولات حكومة الإنقاذ التنصّل من حق تقرير المصير الذي وافقت عليه في فرانكفورت. بعد فشل الوساطة النيجيرية لجأت حكومة الإنقاذ إلى منظمة الإيقاد. وقد انتهت حلقتا التفاوض في جولاتهما الثمانية بالفشل بسبب محاولات حكومة الإنقاذ التنصّل من حق تقرير المصير، وبسبب إصرار الحركة أن يشمل حق تقرير المصير ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، كما ناقشنا في المقالين السابقين.
    6
    كان واضحاً أن حكومة الإنقاذ قد خسرتْ خسارةً فادحةً رهان وساطة الإيقاد التي كانت تؤمّل أن تخرجها من مأزق فرانكفورت. فبالإضافة إلى حق تقرير المصير لجنوب السودان فقد منح إعلانُ مبادئ الإيقاد نفسَ الحق للأقليات السودانية الأخرى إذا تمّ خرقٌ للحقوق الأساسية المضمّنة في الإعلان لهذه الأقليات. وكأنّ هذا لا يكفي فقد أكّد الإعلان علمانية الدولة السودانية.
    7
    قفزت الولايات المتحدة إلى حلبة الصراع السودانية في عام 1993. فبمبادرة من السيد هاري جونستون، رئيسُ اللجنةِ الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأمريكي، دعت الولايات المتحدة الأمريكية الحركة الشعبية الأم، والفصيل المتحد الذي انشقَّ من الحركة الشعبية في أغسطس عام 1991، وحكومة الإنقاذ، والتجمع الوطني الديمقراطي لاجتماعٍ تفاكري بواشنطن في أكتوبر عام 1993.
    شارك في لقاء واشنطن وفدان للحركة الشعبية، أحدهما بقيادة الدكتور جون قرنق والدكتور منصور خالد مُمثّلاً الحركة الشعبية الأم، والآخر بقيادة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول مُمثلاً للفصيل المنشق عنها. وكان وفد التجمّع الوطني الديمقراطي ضخماً، وشمل الدكتور عمر نور الدائم، والدكتور أحمد السيد حمد، والدكتور بيتر نيوت كوك، والدكتور أمين مكي مدني، والدكتور تيسير محمد أحمد علي، والسادة التيجاني الطيب، ومبارك الفاضل المهدي، وفاروق أبو عيسى، وبونا ملوال، والتوم محمد التوم. ومثّل القيادة الشرعية الفريق فتحي أحمد علي والعميد عبد العزيز خالد. وشاركت حكومة الإنقاذ بوفدٍ صغير قاده الدكتور كمال عثمان صالح من مركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم، وشمل مندوبين للسفارة السودانية بواشنطن.
    ورغم فشل مبادرة السيد جونستون في توحيد فصيلي الحركة الشعبية المتنازعين، إلّا أن المبادرة جمعت الفصيلين في الاتفاق على مبدأ تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد أوضح السيد جونستون من بداية لقاء الأطراف الأربعة أن حق تقرير المصير في الوثيقة المقدّمة منه للأطراف الأربعة يستند على اتفاق فرانكفورت الذي وافقت فيه الحكومة السودانية على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وصدرت الوثيقة التي تمت تسميتها "إعلان واشنطن" في 22 أكتوبر عام 1993 متضمنةً حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    وقد أخذت الحكومة والمعارضة علماً بأن حق تقرير المصير قد أصبح حقيقةً معروفةً ومقبولةً على مستوى العالم، وليست سراً مدفوناً في غرفةٍ ما في أحد فنادق مدينة فرانكفورت الألمانية، كما توهّمت حكومة الإنقاذ.
    كيف يمكن مع هذا السرد التاريخي الموثّق الحديث عن التدخّل والضغوط الأمريكية التي أدّت إلى انفصال جنوب السودان؟ لم يكن إعلان واشنطن، والذي أصبح منذ تلك اللحظة الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية، أكثر من إعادة صياغة اتفاق فرانكفورت بين حكومة الإنقاذ والفصيل المنشق عن الحركة الشعبية.
    8
    توقّفت اللقاءات بين الحركة الشعبية الأم وحكومة الإنقاذ بعد انهيار وساطة الإيقاد الثانية في عام 1999. غير أن الوضع في الخرطوم بدأ في التغيير والانتكاس في نهاية تسعينيات القرن الماضي. فقد انهارت اتفاقية السلام من الداخل على الرغم ما استثمرته حكومة الإنقاذ فيها من مالٍ وجهد إعلامي وسياسي، وغادر الدكتور رياك مشار الخرطوم في عام 1999 إلى جنوب السودان ليلتحق بجيشه الذي لم يكن قد تم استيعابه بعد.
    في تلك الأثناء ضاق حبلُ العقوبات الاقتصادية الأمريكية على عنق نظام الإنقاذ، وأصبحتْ التعاملاتُ التجارية والاقتصادية والمصرفية مع أمريكا وبقية العالم في غاية الصعوبة بعد أن اتهمت واشنطن الخرطوم برعاية الإرهاب، مما زاد الوضع المعيشي للمواطنين سوءاً. وانسحبت مجموعةٌ من الشركات الغربية العاملة في مجال النفط خوف العقوبات الأمريكية. وتغيّر الوضع العسكري في جنوب البلاد وبدأت الحركة الشعبية في استعادة عددٍ من الحاميات والمدن، وتعرّض الجيش الحكومي والمليشيات والدفاع الشعبي إلى هزائم متواصلة.
    وزاد الوضع سوءاً الانقسام الحاد في البيت الحاكم، وانشقاق إخوة الأمس والدين وتشتّتهم بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، وبروز وازدياد الفجور في الخصومة. ثم قام المؤتمر الشعبي بتوقيع اتفاق جنيف مع الحركة الشعبية في 9 فبراير عام 2001، معترفاً بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقد زاد ذلك الاتفاق الضغوطَ على حكومة الإنقاذ كي تصل إلى اتفاقٍ مع الحركة الشعبية الأم.
    9
    كما كان هناك عامل النفط الذي دفع الطرفين إلى طاولة التفاوض. فالحكومة كانت تخشى من هجوم الحركة على مواقع النفط في جنوب السودان، بينما كانت الحركة تسعى لوقفِ الحرب لتنال نصيبها من عائدات نفط الجنوب.
    بالإضافة إلى هذا، فقد وضحتْ تدريجياً لكل طرفٍ الخطوط الحمراء للطرف الآخر منذ أن التقيا لأول مرة في أديس أبابا في أغسطس عام 1989، وتأكّدتْ تلك الخطوط في جولات التفاوض الثمانية لوساطة الإيقاد بين الأعوام 1994 و1999. كانت الخطوط الحمراء هى حق تقرير المصير لجنوب السودان بالنسبة للحركة الشعبية، وتطبيق الشريعة الإسلامية في شمال السودان بالنسبة لحكومة الإنقاذ.
    10
    إزاء ذلك الوضع الحرج وجدت الحكومة السودانية نفسها مُضطّرةً عام 2002 لأن تطلب من الإيقاد، وبإلحاح، تحريك المفاوضات بمقتضى إعلان المبادئ الصادر في 20 يوليو عام 1994، موضّحةً أنها قد قبلت مبادئ الإيقاد بلا تحفّظٍ هذه المرّة.
    كانت تلك هي المرّة الثالثة التي تطلب فيها الحكومة السودانية من الإيقاد أن تتوسّط في النزاع مع الحركة الشعبية. فقد كان الطلب الأول للوساطة قد تمّ عام 1993 بعد فشل الوساطة النيجيرية. ثم جاء الطلب الثاني في عام 1997 بعد اتفاقية الخرطوم، كما ناقشنا من قبل. ولا بُدّ من الإضافة هنا أن طلب حكومة الإنقاذ للإيقاد لتحريك المفاوضات للمرة الثالثة عام 2002 لم يرْفُضْ، أو حتّى يتحفّظ، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وعلمانية الدولة السودانية التي تضمّنتها مبادئ الإيقاد.
    11
    لا بد أن الاندهاش قد ساد دوائر الإيقاد لهذا الطلب الثالث والإلحاح عليه بعد رفض الحكومة مبادئ الإبقاد في المرتين السابقتين. رغم هذا فقد تحرّكت الإيقاد في اتجاه قبول لعب دور الوسيط للمرة الثالثة، وساعدها الدعم السياسي والمالي من دول أصدقاء الإيقاد. عيّنت الحكومة الكينية الجنرال لازارو سومبييو وسيطاً لعملية التفاوض، بينما عينّت النرويج وزيرة التعاون الدولي الآنسة هيلدا جونسون. مثّل الولايات المتحدة في مفاوضات السلام في بدايتها السيد والتر كانشتاينر، بينما مثّلت بريطانيا السيدة كلير شورت، ثم لاحقاً السفير الآن قولتي.
    12
    بعد المشاورات الداخلية في الخرطوم تمّ اختيار الدكتور غازي العتباني مستشار رئيس الجمهورية لشئون السلام رئيساً للوفد السوداني المفاوض، وعضوية كلٍ من السادة إدريس محمد عبد القادر، ويحيى حسين بابكر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب. قامت الحركة الشعبية باختيار السيد سلفا كير، نائب رئيس الحركة الشعبية، رئيساً لوفدها المفاوض، وعضوية السادة نيال دينق نيال، ودينق ألور، وسامسون كواجي، و الدكتور جستين ياك.
    كانت خطّة سكرتارية التفاوض أن تستمر المفاوضات، والتي بدأت في نيروبي في شهر مايو عام 2002، لأطول فترةٍ ممكنة حتى تضمن الوصول لاتفاق، وألّا تتقيّد السكرتارية بفترة زمنية محدودة كما حدث في جولات المفاوضات الثمانية السابقة. ثم انتقلت سكرتارية التفاوض والوفدان من نيروبي إلى منتجع ماشاكوس، بعيداً عن الإعلام المتلهف للأخبار في شهر يوليو عام 2002.
    13
    يبدو أن السكرتارية لم تجد نقطة التقاءٍ للوفدين من المفاوضات السابقة لتحرّك منها عملية التفاوض في جولاتها الجديدة. عليه فقد بدأت المفاوضات بفكرة "بلد واحد بنظامين." وكان قد تمّ إعداد ورقة بهذا المضمون لمعهد السلام في واشنطن من أجل ندوة داخلية عام 2001. أعدّت سكرتارية الإيقاد ورقة في موضوع بلد واحد بنظامين استناداً على ورقة معهد السلام لتبتدر بها النقاش.
    ولكن كانت فكرة النظامين تعني شيئاً مختلفاً لكلٍ من طرفي التفاوض. فقد حاول الوفد الحكومي استغلالها لدفع اقتراحه السابق والخاص بالفيدرالية إلى واجهة المفاوضات والإصرار عليه. من الجانب الآخر كان فهم وفد الحركة للفكرة على أنها تجسيد لنظام الكونفيدرالية. ووصلت المفاوضات بسرعة إلى طريقٍ مغلق.
    14
    أحسّتْ الحركةُ الشعبية أن إعلان مبادئ الإيقاد التي اعتقدت أنها ستكون أساس التفاوض قد تمّ تمييعها، وأن المفاوضات قد عادتْ للمربع الأول، مربع أديس أبابا في شهر أغسطس عام 1989، وأن كل إنجازاتها خلال تلك الفترة قد أوشك أن يعصفَ بها الزمان.
    طالبت الحركةُ سكرتاريةَ التفاوض بالعودة الفورية إلى حق تقرير المصير الذي تضمّنته مبادئ الإيقاد التي صدرت قبل ثمانية أعوام، والاتفاق عليه قبل معالجة الأمور الأخرى، وهدّدت بأنها ستنسحب من المفاوضات إن لم يتم ذلك.
    رفض الوفد الحكومي في بداية الأمر مسألة تقرير المصير رفضاً قاطعاً، وطالب بالتركيز على مقترح دولة بنظامين. غير أن الوسطاء الأفارقة والأوروبيين والأمريكيين ذكّروا الوفد الحكومي السوداني بإعلان فرانكفورت، والميثاق السياسي، واتفاق الخرطوم، ودستور السودان لعام 1998، والتي تضمّنت كلها مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وحذروا الوفد السوداني أنه لا يمكن النكوص والتنصّل عن تلك الالتزامات.
    من الصعب تفصيل ما دار في مفاوضات ماشاكوس في مقالٍ قصيرٍ مثل هذا. غير أن الاتفاقات التي وقّعتها حكومة الإنقاذ في فرانكفورت والخرطوم وفشودة والتي تضمّنت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وشملها دستور السودان لعام 1998، قد عادت جميعها أخيراً لتلِفَّ حبلَ تقريرِ المصير حول عنق حكومة الإنقاذ ووفدها المفاوض. واضطرت حكومة الإنقاذ إلى توقيع بروتوكول ماشاكوس متضمّناً حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان لأولِّ مرة مع الحركة الشعبية الأم في 20 يوليو عام 2002.
    من سخرية القدر أن بروتوكول مشاكوس قد تم التوقيع عليه في نفس اليوم والشهر الذي تم فيه إصدار مبادئ الإيقاد- 20 يوليو – بعد ثماني سنوات من صدور مبادئ الإيقاد في عام 1994. وقد ارتكز بروتوكول مشاكوس، مثله مثل مبادئ الإيقاد، على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    15
    وهكذا وصلت محاولات الانقاذ للتنصّلِ من إعلان فرانكفورت واتفاق الخرطوم إلى طريقٍ مسدود، واضطرت حكومة الإنقاذ إلى قبول اتفاقياتها السابقة. ونجحت الحلقة الثالثة من مفاوضات الإيقاد فيما فشلت فيه الحلقتان السابقتان بجولاتيهما الثمانية. وتمّ توقيع بروتوكول مشاكوس الذي ارتكز على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان في 20 يوليو عام 2002، مثله مثل إعلان فرانكفورت لعام 1992، واتفاقية الخرطوم لعام 1997، ودستور السودان لعام 1998 نفسه. وقاد بروتوكول مشاكوس إلى اتفاقية نيفاشا عام 2005، والتي نتج عنها انفصال جنوب السودان عام 2011.
    16
    لم يكن دور الإيقاد الذي طلبته وألحّتْ عليه حكومةُ الإنقاذ ثلاثَ مراتِ أكبرَ أو أكثرَ من إلزام حكومة الإنقاذ بما وقّعتْ ووافقتْ عليه هي نفسها من حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان منذ عام 1992. فهل يُعْتبر دور الإيقاد وشركائها هذا تدخّلاً من دول الجوار والغرب والمنظمات الكنسية ومجلس الأمن، وسبباً لانفصال جنوب السودان؟
    إن الوثائق والتاريخ توضّح بجلاء أن مسئولية انفصال جنوب السودان تقع بكاملها على أكتاف القوى السياسية الشمالية، خصوصاً حكومة الإنقاذ - كما أثبتتها بوضوحٍ وثائقُ كتابي: انفصال جنوب السودان.
    17
    سوف نختتمُ سلسلةَ مقالاتِ التدخل الأجنبي هذه بالتعرّض في المقالين القادمين لآراء وتصريحات بعض قيادات الإنقاذ في مسألة تقرير المصير وانفصال جنوب السودان. وسوف نوضّح كيف اعترفت بعض قيادات الإنقاذ صراحةً أنه لم يكن هناك دورُ للتدخل الأجنبي، وأن المسئولية الكاملة لحق تقرير المصير ثم الانفصال هي مسئولية حكومة الإنقاذ. بل إن بعض قيادات الإنقاذ تباهت بأن اتفاقية نيفاشا هي مفخرة السياسة السودانية، كما سنوضح في المقالين القادمين.

    http://http://www.salmanmasalmanwww.salmanmasalmanhttp://http://www.salmanmasalmanwww.salmanmasalman
    http://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.orghttp://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.org
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-11-2016, 10:24 PM

Deng
<aDeng
تاريخ التسجيل: 28-11-2002
مجموع المشاركات: 46578

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب � (Re: Deng)

    التدخُّلُ الأجنبي ومسئوليّة انفصال جنوب السودان 5 - 6 بقلم د. سلمان محمد أحمد سلمان


    1
    تعرّضنا في المقالاتِ الأربعةِ السابقة إلى ادعاء بعض الأصدقاء الكُتّاب والقراء أن كتابنا "انفصال جنوب السودان" قد قلّل كثيراً من دورِ التدخّلِ الأجني من بعض الدول الغربية والمنظمات الكنسية ودول الجوار الأفريقي ومجلس الأمن الدولي في انفصال جنوب السودان. نفينا بشدّة هذا الادعاء وأوضحنا بالوثائق والوصف والتحليل التفصيلي أن كل محطاتِ تقرير المصير لشعب جنوب السودان، والتي قادت إلى الانفصال، كانت محطاتٍ سودانية بحتة لا دور فيها لطرفٍ ثالث. وشرحنا أن دور الوسطاء الأفارقة والغربيين كان فقط محاولةَ إلزام حكومة الإنقاذ بما وافقتْ عليه هي نفسُها ووقّعتْ عليه من حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
    2
    وقد جادلنا مراراً وتكراراً وأثبتنا من خلال عشرات الوثائق أن مسئولية انفصال جنوب السودان تقع كاملةً على القوى السياسية الشمالية منذ خمسينيات القرن الماضي، وتتحمّل حكومة الانقاذ القدح المعلّى في ذلك.
    فقد كان النظام الفيدرالي هو كل حلم أبناء الجنوب ومطلبهم. غير أن القيادات الشمالية جميعها تعاملت مع ذلك المطلب المتواضع بإزدراء وغطرسة وسخرية. ثم بذلت تلك القيادات السياسية كل ما في وسعها لإفشال الحكم الذاتي (اتفاقية أديس أبابا)، فارتفع سقف مطالب أبناء وبنات الجنوب ليصل إلى مرحلة الانفصال. ثم عادت نفس الأحزاب تحت نفس القيادات ووافقت على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بعد أن كانت قد رفضت حتى مطلب حق تقرير المصير.
    لكن رغم هذا التعميم فلا بُدّ من التوقّف عند بعض القرارات والأشخاص الذين كانت لهم اليد العليا في عهد الانقاذ في قبول حق تقرير المصير ودفعه والتوقيع على الاتفاقيات التي شملته.
    3
    كما ذكرنا مراراً من قبل فقد كانت المحطةُ الأولى والأكثرُ خطورةً هي مدينة فرانكفورت. فقد التقى الدكتور علي الحاج مُمثِّلاً لحكومة الإنقاذ بالدكتور لام أكول رئيس الفصيل المتّحد المنشقّ عن الحركة الشعبية، ووقّعا معاً على إعلان فرانكفورت في 25 يناير عام 1992، والذي وافقتْ فيه حكومةُ الإنقاذ على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. كانت تلك هي المرّة الأولى في تاريخ السودان التي توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

    4
    رغم أن إعلان فرانكفورت لم يستعمل مصطلح "تقرير المصير" إلاّ أنه اشتمل على المُقوِّم الأساسي لهذا المبدأ وهو الاستفتاء لشعب جنوب السودان. كما أن الإعلان لم يستبعد أي خيارٍ، بما في ذلك بالطبع خيار الانفصال، والذي كان أحد مطالب فصيل الناصر. من الواضح أنّ الاستحياء من استخدام مصطلح "تقرير المصير" كانت قد فرضته حقيقةُ أنّ هذه أول مرةٍ في تاريخ السودان توافق فيها حكومةٌ في الخرطوم على حقِّ تقرير المصير لمواطني جنوب السودان.
    لكن السؤال المُلِحّ والذي يحتاج إلى إجابة هو: من أين ياترى استمدّ الدكتور علي الحاج مرجعيته، ومن أعطاه التفويض والسلطة للموافقة على هذا التنازل الكبير والخطير والغير مسبوق في تاريخ السودان لفصيل الناصر في فرانكفورت عام 1992؟ هل كان ذلك قراراً من الحكومة، أم من الحركة الإسلامية والحزب الحاكم، أم تفويضاً من الدكتور حسن الترابي الذي كان الآمر والناهي والحاكم الحقيقي والفعلي للسودان في ذلك الوقت؟ أم كان قراراً اتخذه الدكتور علي الحاج بنفسه في فرانكفورت بعد أن رفض فصيل الناصر عرضه الخاص بالنظام الفيدرالي، وتعاملت معه الحكومة والحزب الحاكم بعد ذلك على أنه أصبح أمراً واقعا؟ أم أن ذلك القرار كان توجيهاً من الحركة الإسلامية العالمية التي كانت المرشد والموجّه لنظام الإنقاذ في عشريته الأولى؟
    5
    هناك إجاباتٌ متعدّدة حسب المصدر الذي تعرّض لهذه المسألة. ففي كتابٍ لأحد شباب الحركة الإسلامية عن تجربة الإسلاميين في الحكم في السودان - عبد الغني أحمد إدريس: الدعوة للديمقراطية والإصلاح السياسي في السودان – الإسلاميون: أزمة الرؤيا والقيادة (مؤسسة سنار الثقافية، لندن 2012) - تطرّق الكاتب في صفحة 95 إلى إعلان فرانكفورت وحق تقرير المصير، وذكر أنه: "عند عودة د. علي الحاج إلى الخرطوم، وفي اجتماع مشترك للقيادة (جرى في منزل د. الترابي) وفي ردٍّ على سؤالٍ عن مدى التفويض الذي ناله ليقدم مثل هذا المقترح لممثل الجنوب في اللقاء، أجاب د. علي الحاج أنه تحادث مع د. الترابي (عبر الهاتف) وأنه نال مباركته على هذا الأمر – يكشف هذا بجلاء كيف أن قضية محورية لا تمس السودان فحسب بل تتجاوزه إلى القارة الأفريقية جمعاء يجري تفويض شخص فيها عبر اتصال هاتفي مع آخر، بغض النظر عن الثقل الذي يمثلانه – شبّه أحد الحضور الأمر بأنه وكأنه (منزل يريدان بيعه أو ايجاره) وليس وطناً يعيش عليه ملايين من البشر."
    6
    عليه فقد فتح الدكتور علي الحاج والدكتور حسن الترابي باب القمقم وخرج مارد تقرير المصير ولم يستطع أحدٌ إعادته إلى مكانه. وقد أصبح إعلان فرانكفورت المرجعية الأساسية لكل الإعلانات والاتفاقيات والمبادرات اللاحقة لحق تقرير المصير، مروراً باتفاقية الخرطوم، وماشاكوس ونيفاشا، وانتهاءً بانفصال جنوب السودان.
    الغريب في إعلان فرانكفورت (يناير عام 1992) أنه تم في الوقت الذي كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان في أضعف حالاتها. فقد سقط نظام منقيستو هايلي ماريام في أديس أبابا في مايو عام 1991، وقامت الحكومة الجديدة بقيادة السيد ميليس زيناوي بطرد الحركة الشعبية من إثيوبيا. فقدت الحركة الشعبية الإمداد غير المحدود من الأسلحة والمواد التموينية، والأراضي التي كانت تدرب فيها محاربيها، ومكاتب الاتصال في أديس أبابا. وانشق فصيل الناصر عن الحركة الشعبية الأم في أغسطس عام 1991. لذا يبدو غريباً أن توافق أيُّ حكومة في الخرطوم على مطلب حق تقرير المصير الذي كانت تطالب به حركة تحرير بذلك الضعف.
    هل كان هناك دور للحركة الإسلامية العالمية تحت غطاء مؤتمر الشعب العربي الإسلامي الذي أنشأه وأداره د. الترابي في إعلان فرانكفورت؟ هل كان رأي مؤتمر الشعب العربي الإسلامي أن تترك الخرطوم جنوبَ السودان يذهب لحاله حتى تستطيع الخرطوم أن تتفرغ لإسقاط الأنظمة العربية العلمانية؟ يعتقد البعض أن هذا هو ما حدث وأدّى إلى إعلان فرانكفورت.
    7
    كشفت أبوجا غياب الاستراتيجية من جانب حكومة الإنقاذ تجاه قضية الجنوب، وعدم الإكتراث بأبجديات التفاوض والوساطة. فقد كانت الإنقاذ تعتقد أنها بتغيير قيادة وأعضاء وفدها المفاوض فإنها تستطيع أن تتنصّل من التزاماتها السابقة. فقد قاد وفد الإنقاذ لأبوجا السيد محمد الأمين خليفة وشمل الدكتور علي الحاج كعضوٍ فقط، رغم أن د. علي الحاج كان رئيس وفد التفاوض لفرانكفورت، ولم يشارك في مفاوضات فرانكفورت السيد محمد الأمين خليفة. حاول وفد الإنقاذ لمفاوضات أبوجا في سذاجةٍ بالغة نكران إعلان فرانكفورت وما شمله من حق تقرير المصير.
    ثم حاول بعد أن انكشف أمر الإعلان إقناع الوسطاء أن حكومة الإنقاذ قد وافقت على حق تقرير المصير مع الفصيل المتّحد المنشقِّ من الحركة الشعبية (مجموعة الدكتور لام أكول) وليس مع الحركة الشعبية الأم، ولذا فوفد حكومة الإنقاذ غير ملزمٍ بذلك الاتفاق مع الحركة الشعبية الأم.
    أثار ذلك المنطق المعوج والغريب من جانب وفد حكومة الإنقاذ غضبَ وفد الوساطة النيحيري، فغسلت نيحبربا يديها من عملية الوساطة، وقرّرت إنهاءها حتى قبل انتهاء فترة رئاسة السيد بابنجيدا. وكانت نيجيريا قد ذكّرت وفد حكومة الإنقاذ مراراً وتكراراً أن الالتزامات التي تخلقها الاتفاقيات هي التزامات الدولة وليس الأفراد.
    8
    وتواصلتْ حالة الارتباك فقرّرت حكومة الإنقاذ في سبتمبر عام 1994 رفض مبادئ الإيقاد التي تضمنتْ حق تقرير المصير الذي وافقت عليه الإنقاذ نفسها في فرانكفورت في شهر يناير عام 1992. ثم قررت الإنقاذ إنهاء وساطة الإيقاد التي كانت قد طلبتها بنفسها وبإلحاح.
    لقد التزمت حكومة الإنقاذ وبتوقيع الدكتور علي الحاج في اتفاقية فرانكفورت عام 1992 على حق تقرير المصير، ووافقت فيه على الآتي: "يمارس شعب جنوب السودان حقه ليختار بحرية النظام السياسي والدستوري الذي يناسب تطلعاته الوطنية دون استبعاد أي خيار."
    ثم عادتْ حكومةُ الإنقاذ على لسان الدكتور غازي العتباني لتخبرَ وفدَ وساطة الإيقاد كتابةً وشفاهةً في نيروبي يوم 6 سبتمبر عام 1994 بالآتي: "إن حق تقرير المصير لجنوب السودان ليس لديه أي سند قانوني أو سياسي .... وإن حكومة السودان هي تبعاً لذلك ملزمة بأن تسلم نفس السودان إلى الأجيال القادمة. إن تقرير المصير أو أي تعبير آخر من الممكن أن يعني الانفصال هو ليس قضية وإن الحكومة غير مستعدة للتداول حوله."
    9
    ثم يبلغ الارتباك داخل حكومة الإنقاذ قمّتَه عندما نقارن بين موقفي الدكتور غازي العتباني والدكتور علي الحاج من مسألة وساطة الإبقاد. فقد كتب الدكتور غازي عن وساطة الإبقاد الآتي:
    "في سبتمبر من عام 1994 انتُدبتُ لقيادة وفد مباحثات السلام في كينيا بدلاً عن الرئيس السابق للوفد. كان ذلك التكليف لمرة واحدة فقط، وكانت المهمة التي أُوكِلت إليّ واحدة ومحددة للغاية وهي إلغاء إعلان مبادئ مبادرة الإيقاد الذي صاغه الوسطاء أو إلغاء مبادرة الإيقاد من أساسها. الدافع لهذا التحول نما من الإدراك بأن مبادرة الإيقاد أصبحت شركاً كبيراً. فهذه المنظمة التي ترجمت اسمها «السلطة بين الحكومات من أجل التنمية»، والتي لم تكن تملك في رصيدها آنذاك ولا الآن إنجازاً واحداً في التنمية، استُخْدِمتْ واجهة للولوج إلى عمق الشأن السوداني. وكانت الدول الأربعة التي تولت التوسط بين الحكومة السودانية والحركة المتمردة آنذاك «يوغندا، كينيا، إثيوبيا، إريتريا» في عداءٍ مستحكم مع السودان، ولم يكن مرجوّاً من أيّةٍ منها أن تنصف السودان في أيّة قضية محل نزاع، وهذا بالضبط ما حدث" (راجع مقال الدكتور غازي العتباني: "قرار الاتحاد الافريقي استنساخ للإيقاد ثم نيفاشا جديدة" المنشور بصحف الانتباهة، والسوداني، والرأي العام، وعددٍ من المواقع الالكترونية في 29 أبريل عام 2012).
    10
    لكنّ الدكتور علي الحاج له رأيٌ يُعارضُ تماماً رأي الدكتور غازي في مسألة وساطة ودور منظمة الإيقاد. فقد ذكر الدكتور علي الجاح:
    "أقول إن دخول الإيقاد لم يكن تآمراً من جهة خارجية أو قوى دولية، كان دخولها برغبتنا وتقديراتنا وحساباتنا نحن وليس غيرنا." وواصل الدكتور علي الحاج القول: "دخول الإيقاد في ملف السلام صنعناه نحن وتورطنا فيه بأيدينا منذ بداية تأسيس هذه الهيئة مطلع التسعينيات" (انظر: مقابلة مع علي الحاج في مهجره، الجزء الثاني، جريدة الانتباهة، الثلاثاء 05 حزيران/يونيو 2012.)
    لا بُدَّ من التذكير أن طلبات وساطة الإيقاد جاءت في المرات الثلاثة وبإلحاحٍ، كما ذكرنا مراراً، من حكومة الإنقاذ نفسها.
    كما لا بُدَّ من التذكير أيضاً أن الدكتور غازي العتباني كان رئيس وفد السودان للحلقة الثالثة لمفاوضات الإيقاد التي قادت إلى بروتوكول ماشاكوس الذي وافق ووقّع عليه الدكتور غازي العتباني بنفسه في 20 يوليو عام 2002 متضمّناً حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان. وقّع الدكتور غازي العتباني، مع السيد سلفا كير، على بروتوكول ماشاكوس تحت أضواء الكاميرات في القصر الرئاسي في نيروبي، رغم أن مبادرة الإبقاد كانت قد أصبحت في رأيه "شركاً كبيرا،" وأن الإيقاد نفسها قد "اسْتُخْدِمتْ واجهةً للولوج إلى عمق الشأن السوداني."
    11
    سوف نواصل في المقال القادم (السادس والأخير في سلسلة مقالات التدخّل الأجنبي) مواصلةَ شرح وتفصيل حالة الارتباك تجاه حق تقرير المصير وتبعاته في أوساط رؤساء وأعضاء وفود حكومة الإنقاذ لمفاوضات السلام مع الحركة الشعبية تحت مظلّة منظمة الإبقاد.

    [email protected]
    http://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.orghttp://http://www.salmanmasalman.orgwww.salmanmasalman.org
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de