تقديمات وملامح من كتاب: النظرية الروحية للبيئة والتنمية...

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 15-12-2018, 08:35 PM الصفحة الرئيسية

مدخل أرشيف للعام 2015م
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
13-03-2015, 05:59 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


تقديمات وملامح من كتاب: النظرية الروحية للبيئة والتنمية...

    05:59 PM Mar, 13 2015
    سودانيز اون لاين
    مصطفى الجيلي-كاليفورنيا
    مكتبتى فى سودانيزاونلاين



    الاخوة والأخوات..

    التحية والمعزة..

    كما قلت، لم أستلم بعد نسخة من الكتاب، ولكن تم توزيعه في معارض بالقاهرة وبالمغرب وهذا الشهر سيعرض بعمان..
    الوعد أن أستلم نسخ من الكتاب في غضون هذا الشهر.. الكتاب في حوالي 200 صفحة (بالحجم المتوسط) وهو مصاغ
    ليصلح مادة لتدريس التخصصات الإنسانية بالجامعات العربية، مع تخصيص حالة السودان..

    أدناه تقديمات الكتاب وربما أورد ملامح منه ومقتطفات بعد التقديمات..

    IMG_1428_3.jpg Hosting at Sudaneseonline.com



    IMG_1429_1.jpg Hosting at Sudaneseonline.com

    (عدل بواسطة مصطفى الجيلي on 13-03-2015, 08:50 PM)
    (عدل بواسطة مصطفى الجيلي on 01-05-2015, 08:26 PM)
    (عدل بواسطة مصطفى الجيلي on 01-05-2015, 08:48 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-03-2015, 06:42 PM

محمد الأمين موسى
<aمحمد الأمين موسى
تاريخ التسجيل: 30-10-2005
مجموع المشاركات: 3711

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    أهنئك أخي الفاضل مصطفى على هذا العمل الجديد ونتمنى أن يضيف لبنة في صرح العلم النافع.
    حبذا لو تتحفنا بمفهوم النظرية الروحية مع الإجابة عن التساؤلات التالية:
    1 - هل النظرية الروحية من إنجازات الأستاذ محمود وأنت تسعى في الكتاب لتقديمها للقراء، أم هي من إنجازك بحيث قمت باستكشافها من خلال قراءاتك المتعمقة في نتاج الأستاذ؟
    2 - أيقوم الكتاب على ورقة علمية تم تطويرها كما يوحي بذلك عنوان الكتاب الطويل والمفصل؟
    3 - ما العلم الإنساني الذي يمكن يدرس ضمنه هذا الكتاب؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-03-2015, 08:56 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: محمد الأمين موسى)

    أخي الكريم الأستاذ محمد الأمين موسى...
    أشكر لك اهتمامك ووقتك..
    وإن شاء الله في نفس هذه التقديمات التي سأوردها سأجيب على كل اسئلتك..
    كما أشكر كلماتك الطيبة..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-03-2015, 11:04 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    الإهداء

    يرفع هذا العمل لداعي ومجسد الفهم الروحي،
    الأستاذ محمود محمد طه،
    في عليائه، للقبول..
    ثم عبر أسرته،
    تلاميذه وتلميذاته،
    يُهدى إلى كل باحث عن الحقيقة،
    وكل من يشغله تحقيق دولة المستقبل..





    مع إهداء خاص،
    لنجاة عثمان..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-03-2015, 11:05 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    شكر وعرفان

    العرفان مستحق لجميع تلاميذ وتلميذات الأستاذ محمود فهم في مادة الكتاب، وقد كتب بمشاركتهم، ويهدى للقراء عبرهم.. مع شكر خاص للأستاذ عيسى ابراهيم لتصحيحه اللغة بتؤدة وصبر..

    الشكر للبروفسير د. سمير محمد علي على اهتمامه المخلص وتقديمه الكريم للكتاب..

    الشكر للأستاذ الفنان تاج السر الحسن لتصميم واخراج الغلاف البديع..

    الشكر، والعرفان، والحمد، من قبل، ومن بعد، لله رب العالمين..


    المؤلف
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

13-03-2015, 11:07 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    تقديم: بروفسير د. سمير محمد على حسن الرديسي
    أستاذ الجغرافيا، وعميد كلية التربية ، جامعة الخرطوم


    بعد أن طوفت في سفر هذا الكتاب ، أجد نفسي في مأزق كتابة مقدمة تليق بما أحتواه من فكر جاد وثاقب في معالجة قضايا البيئة والتنمية عامة ، وفي البيئات الجافة خاصة، لأنه يعالج في مبتدئه قضايا جوهرية تتعلق بالنفس البشرية قبل أن يعالج قضايا البيئة والتنمية.

    أرجعنى الكتاب لفترة بداية الثمانينيات من القرن الماضي ونحن طلاباً ندرج في مدارج الحياة الجامعية في كلية التربية – جامعة الخرطوم ، وقد أتى إلينا مؤلف الكتاب مساعدا للتدريس في قسم الجغرافيا. ثم تزاملنا ردحا من الزمان إلى أن فرقت الأيام بيننا. ولكن ظل عبق تلك الفترة راسخا في النفوس وبما أحتوته من طرح فكري جرىء بين مختلف الأطراف من الإخوان المسلمين والإخوان الجمهوريين ، والشيوعيين والبعثيين وغيرهم، وفي تقديري لم ولن تشهد الجامعة ، ولا السودان، مثل تلك الفترة من الازدهار الفكري مرة أخرى على الأقل في القريب العاجل، وذلك بحكم متابعتي للأحداث ومجريات الحياة الفكرية في السودان وفي جامعة الخرطوم التي أعمل فيها حتى الآن. في تلك الفترة برز الإخوان الجمهوريون بقوة في الحياة الفكرية في كلية التربية يقيمون لقاءين أسبوعيين في أمسيتي الأحد والثلاثاء من كل أسبوع. لقد كان الكثير من الطلاب، وأنا أحدهم، يحرصون على حضور تلك اللقاءات وما يكتنفها من طرح فكري يجعلك تقلب الموازين يمنة ويسرة، بل وقد يجعلك في حيرة من أمرك لما تطرحه من أفكار جديدة في شأن الشريعة والحقيقة ، وتجعلك تسأل نفسك: هل هذا طرح جديد للدين؟ هل يتفق مع ما تعارفت عليه الأمة لقرون عديدة؟ هل لهذا الفكر صلة بالمذاهب الوضعية من ماركسية وهندوسية وكنفوشيوسية وغيرها؟ لماذا يحرص أتباع الفكر الجمهوري على تحمل مشاق الدعوة لفكرتهم رغم ما يحيط بهم من مخاطر من التنظيمات الفكرية أو من النظام الحاكم ؟، وغيرها كثير. أسئلة جوهرية ظلت تلازمني ، وتلازم عددا كبيرا من زملائي اللصيقين بي. ولكن وبالتجربة صدق الجمهوريون على ما عاهدوا الله وأنفسهم عليه ، بصرف النظر عن اتفاق الناس أو اختلافهم معهم. فالمحاكمات التي أجريت لهم وللأستاذ محمود محمد طه ، وما تبعها من إعدامه، بينت للناس ثبات عقيدتهم وصدقهم في ما يدعون الناس إليه.

    لقد حوى هذا الكتاب الكثير من أصول الفكر الجمهوري التي كنت استمع إليها في تلك اللقاءات الفكرية. ولكن الكتاب أتى بالطرق والوسائل التجريبية التي تنقل الفكر العقدي إلى واقع التطبيق. وأرى أن هذه أول مزية لهذا الكتاب. فلقد درجت الكثير من الكتب التي تتعلق بالفكر الديني ( بالتحديد) على سرد الكثير من الآيات والأحاديث التي تخاطب المسلمين على حسن التعاون ورفعة الأخلاق والسمو ، وهذا من أساسيات الدين الإسلامي ، ولكن لم أقرأ من قبل عن خطة محكمة ، تستند على الجانب الديني ، تسعى لتحقيق غرض تنموي يمس الإنسان وبيئته إلا من خلال الاطلاع على تجربة هذا الكتاب.

    لقد ساق المؤلف قاريء الكتاب ، في أبوابه المتتابعة والمتماسكة ، سوقاً سلساً ليصل إلى محطته الأخيرة وهي تنمية البيئات الجافة من خلال تطبيق المنهج الروحي. نعرف بديهياً أن الإنسان روح ومادة. والمادة محسوسة، تراها في الجسد البشري بأعضائه المختلفة التي تستخدم لتحقيق أغراض مختلفة تقوم عليها حياة الإنسان. وأمر الروح شغل الإنسان منذ القدم وحاول بشتى السبل الوصول إلى فهم كنهها، ولكن هيهات. ونحن كمسلمين نعرف أن الروح من أمر الله ، وأن الله سبحانه وتعالى قد نفخ من روحه في أب البشر آدم عليه السلام. وبذلك فهى موجودة لا ينكرها أحد. وبناءً على وجودها لِمَ لا يسعى الإنسان للاستفادة منها في شؤون حياته قدر استفادته من المادة في اشكالها المختلفة من الماء والهواء والمعدن والتربة والصخور وغيرها.

    إن المحاولة لإدخال المنهج الروحي في الدراسات التنموية لا يقل شأنا عن المناهج المادية من رأسمالية وماركسية وبعض جوانب المنهج الإسلامي في التعامل مع الأموال والثروات والأنصبة المفروضة عليها من زكاة وغيرها. ويأتي تفرد المنهج الروحي في أنه يدعم الاتجاهات الحديثة للتنمية البشرية. لقد برزت التنمية البشرية في العقود الأخيرة كمنهج فلسفي تنموي يهدف لترقية الحياة البشرية ورفاه الإنسان من خلال النظر للإنسان كمورد ، وليس كآلة صماء يديرها الرأسماليون أو الماركسيون كيفما شاؤوا لتحقيق أهدافهم الشخصية والايدلوجية. وتهتم التنمية البشرية في الأساس برفع قدرات الإنسان الكامنة التي أودعها الله (سبحانه وتعالى) فيه والسعى لاستخراجها ليستفيد منها المجتمع والبيئة في النهاية قبل أن نفكر في الاستفادة من الموارد الطبيعية المختلفة. والسبيل إلى ذلك ما نراه من اهتمام التنمية البشرية بالجوانب الروحية للإنسان، وبذلك يتفق هذا الكتاب مع الطرح العالمي الجديد لمفاهيم التنمية الحديثة.

    وفي تقديري المتواضع أن الأستاذ محمود محمد طه ، بناء على ما طرحه مؤلف الكتاب، هو الرائد لمنهج التنمية البشرية الحديث، الذي من يقرؤه ويتعمق فيه ، يجد أن قصوية optimization الاستفادة من الفرد البشري تكمن في كيفية الوصول إلى مكوناته الروحية. فالفرد الطبيعي المتعافي مع نفسه ومجتمعه هو ذلك الفرد الصحيح روحيا وبدنيا. إن تكامل المنهج الروحي مع المنهج المادي أصبح ضرورة للخروج بالمجتمعات المعاصرة من وهدة الصراع المدمر للمجتمعات الحديثة، وهو جانب لم يغفله مؤلف الكتاب. وبهذا الطرح المتماسك هناك ضرورة بأن تلتفت المؤسسات الأكاديمية في العالم لتبني المنهجية الروحية في مناهجها الدراسية مثلما تتبنى المنهجيات الرأسمالية والماركسية والاشتراكية وغيرها.

    صحيح أن هناك بعض المجتمعات لا تتبنى الطرح الديني ، بحكم تجاربها السابقة مع السلطة الدينية، ولكن مشاكل المجتمع البشري المعاصر تحتم ضرورة مراجعة فهمنا وممارستنا الدين بمنهجه الصحيح ، وهنا يشكل الجانب الروحي نقطة البداية لتصحيح أخطاء الرأسمالية والماركسية وحتى الطروحات الدينية الضيقة المتمحورة حول طرح فكري لعالم دين معين.

    لقد أشرت عند كتابة هذه المقدمة إلى أنني أجد صعوبة في كتابتها، ولكنني أجد نفسي عند هذا الحد من الكتابة قد وقف بعيري وسط الصحراء لا يجد قدرة على مواصة السير ، ولهذا أكتفي بما جادت به بنات أفكاري ، وأدعو المؤسسات الأكاديمية بمختلف مستوياتها لضرورة الالتفات لمثل هذه الكتابات القيمة بصرف النظر عن توجهاتها الايدولوجية ، فالعلم بحر لا شاطيء له ، ولكنه قارب له ربان.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-03-2015, 12:56 PM

محمد الأمين موسى
<aمحمد الأمين موسى
تاريخ التسجيل: 30-10-2005
مجموع المشاركات: 3711

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطون USA- 2/28/2015 (فيديوهات) (Re: مصطفى الجيلي)

    شكرا أخي مصطفى على الرد والاهتمام... هناك ملاحظة يمكن التطرق إليها في ردودك على الأسئلة، وهي أن تقديم الأستاذ سمير تطرق إلى المنهج الروحي ولم يستخدم تعبير النظرية الروحية.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-03-2015, 09:56 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطو� (Re: محمد الأمين موسى)

    نشكر أخي محمد... لسوف أتابع أسئلتك..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

14-03-2015, 10:01 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطو� (Re: مصطفى الجيلي)

    تقديم الدكتور عبد الله الفكي البشير
    مؤلف كتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام
    محمود محمد طه والمثقفون
    قراءة في المواقف وتزوير التاريخ



    هذا السِّفر الموسوم بــ "النظرية الروحية للبيئة والتنمية مأخوذة عن فهم مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه: حالة البيئات الجافة بالسودان"، والذي وضعه الأكاديمي الدكتور مصطفى الجيلي، سفر جديد في بابه، وأصيل في فكرته وموضوعه، وغريب في مرجعيته. فالسفر يقدم "نظرية البيئة الروحية" أو "فهم البيئة كحقيقة روحية"، بمرجعية علمية قوامها فهم مأخوذ من طرح مؤسسها الأول الأستاذ محمود محمد طه (1909م- 1985م)، وبهذا فهو يدشن تفاعلاً علمياً جديداً مع مصدر غير مألوف في الأكاديميا السودانية والعربية، إذ إنه غريب عليها. لقد وضع هذا السفر الأكاديميا السودانية والعربية، أمام تحدي المصدر الغريب عليها أولاً؛ ثم أمام تحدي أصالته وعلميته ومعرفته، وهي معرفة جديدة وغريبة. فالنظرية لم تقدم من قبل، كما كتب الدكتور مصطفى الجيلي في مقدمته، قائلاً: "فالنظرية لم تقدم، بصورتها العلمية المتناسقة، التي تتحدى الفلسفات والنظريات المعاصرة، وتقدم حلولاً لمشاكل الإنسانية الراهنة، قبل طرح مؤسسها الأستاذ محمود محمد طه... هذا الكتاب يطرحها بلغة أكاديمية، متسقة مع التراكم المعرفي في دراسات البيئة والتنمية".

    إن هذا السفر - بطرحه لهذه النظرية العلمية، بلغة أكاديمية، ومنهج علمي، ومن قِبَل أكاديمي متخصص نال درجاته العلمية من أرفع الجامعات العالمية، حيث Clark University تأتي في المقدمة في مجال الدراسات البيئية والتنموية حسب ترتيب الجامعات الأمريكية، ودرَّس بجامعة الخرطوم وجامعات أخرى داخل وخارج السودان- فإنه يُؤرخ لعهد جديد في التعاطي مع المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه، صاحب مشروع الفهم الجديد للإسلام[1][1]، باعتباره صاحب مشروع كوكبي للتغيير والتحرير، الأصل فيه العلمية والحيوية والتجديد والتطوير ، والغاية منه أنسنة الحياة وكرامة الإنسان.

    لقد طرح الأستاذ محمود محمد طه مشروعه عام 1951م، وأخذ يفصل فيه، ويدعو له، بأدوات المثقف الحداثي، فأصدر (34) كتاباً، ونشر مئات المقالات والبيانات، وبعث بالرسائل للقادة والمفكرين، ونظم مئات المحاضرات العامة، وآلاف الجلسات التربوية لتلاميذه، المعروفين بالإخوان الجمهوريين، والأخوات الجمهوريات، كما أشرف على اصدار نحو ثلاثمائة كتابٍ أعدها تلاميذه[2][2]. "كان فوق ذلك الانتاج الفكري، مهتماً بتربية تلاميذه، فأنشأ مجتمعاً فريداً طبق فيه كثيراً من أفكاره وتخرج علي يديه عديد الدعاة والداعيات. كان يرى رغم علمه الغزير وإنتاجه الفكري الوفير، أن مؤلفاته الحقيقية هي تلميذاته وتلاميذه"[3][3]، فقد كتب، قائلاً: "إن تربية واحد من الإخوان أعود بالخير والبركة وأدل علي صدق الدعوة من عشرات المؤلفات العرفانية فالحياة أصدق من العلم"[4][4]. واجه الأستاذ محمود، وهو يدعو لمشروعه، الحكم بالردة مرتين، الأولى[5][5] عام 1968م، والثانية عام 1985م، إذ تم استدعاء حكم المرة الأولى، فحكم عليه بالإعدام. وقبل ابتسامته المشهودة على منصة المشنقة، بأربعة عشر يوماً، كان قد تحدث إلى تلامذته في آخر مؤتمر عقده بمناسبة عيد الاستقلال، مساء الجمعة 4 يناير، مذكّراً بتجسيد المعارف، وهو أصعب ما يواجه المفكر والمثقف في حياته، قائلاً: "جاء الوقت لتجسيد معارفنا"[6][6]. وفي صبيحة الجمعة 18 يناير 1985، تم تنفيذ حكم الإعدام، بساحة سجن كوبر بالعاصمة السودانية، الخرطوم، فافتتح بذلك عهد الإنسانية.

    ثم ما لبثت أن أعلنت المحكمة العليا- الدائرة الدستورية في السودان، بعد (10) أشهر من تنفيذ حكم الإعدام، و(18) عاماً من حكم الردة الأول، في 18 نوفمبر 1986، القضية نمرة م ع/ق د/2/1406هـ، بطلان الحُكم الصادر في حقه، واعتبرته كيداً سياسياً. وفي خطوات متلاحقة تؤكد لنا عمق أزمة الفكر الإسلامي، حيث الكسل الذهني والمواقف الموروثة من التجديد والتطوير، وتبعث لنا بصور محاكم التفتيش في العصور الوسطى، وتذكرنا بأزمة الأخلاق في مجلد التاريخ البشري، بدأت في السودان حالات الندم والاعتذرات الخجولة. كما بدأ بعض القضاة والساسة والمفكرين الإسلاميين، ممن تحمسوا – بالأمس- لأحكام الردة والاعدام، يحدثوننا –اليوم- بحياء عن الخطأ الذي صاحب حكم الردة، بأنه لم يكن حكماً دينياً، كما أن تنفيذ حكم الاعدام على الأستاذ محمود، لم يعدُ كوْنه مؤامرة سياسية.

    لقد قفز بنا الدكتور مصطفى الجيلي، وهو أحد تلاميذ الأستاذ محمود، بهذا السفر، قفزةً علميةً وعمليةً وأخلاقيةً من إرث وأفق التعاطي مع الأستاذ محمود ومشروعه في القرن الماضي، حيث الجهل والكسل الذهني وغياب الورع العلمي والأخلاقي، وسيطرة الأوصياء على العقول، من الفقهاء والوعاظ والقضاة الشرعيين، وتحكمهم في تكييف الرأي العام، إلى أفق التعاطي العلمي، وهو يستنهض المروءة الأكاديمية لدراسة مشروع الأستاذ محمود محمد طه. يقول مصطفى الجيلي: "الجديد في هذا الكتاب، أنه يقدم النظرية من زاوية تخصص دراسات البيئة والتنمية، متقيداً بأسلوب، وضوابط، ومصطلحات المناهج الأكاديمية، ورابطاً مادتها بالمصادر التي تدرس، وتعتبر مرجعية، في المؤسسات العلمية".

    يذكرنا الدكتور مصطفى الجيلي وهو يقدم لنا هذا السفر الجديد في بابه وموضوعه، بحاجتنا وحاجة الأكاديميا السودانية والعربية إلى النشاط الذهني، وهو شرط التعاطي مع مشروع الأستاذ محمود، ذلك أنَّ الكسل الذهني أو العقلي، هو آفة التجديد والتطوير، وهما من أهم مرتكزات مشروع الأستاذ محمود. كتب الدكتور طه حسين (1889م- 1973م)، قائلاً: "الكسل العقلي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد..."[7][7].

    ظلت الأكاديميا السودانية والعربية مقاطعة للأستاذ محمود – ولاتزال - لا تدرسه، ولا تدرس مشروعه، ولا توجه الطلاب لدراسته، ولا تقيم حوله الندوات والملتقيات، كما عزلته عن ميدان البحث العلمي. لقد سكتت الأكاديميا وصام الأكاديميون عن الحديث عن الأستاذ محمود ومشروعه، بل أن جلهم - في واقع الأمر- تماهى مع مواقف الفقهاء والمؤسسة الدينية التقليدية ومع الدولة، فتراجعت قيم الأخلاق في سوح الأكاديميا، وغاب مبدأ إظهار الحقيقة ونشرها، أهم المبادىء الأخلاقية للأكاديمية، فأرخت الأكاديميا السودانية بنفسها لأفصح لحظات "هزيمة الوعي" وأبلغ دلالات "أزمة الأخلاق" وأنصع تجليات البتر للمعارف والتاريخ في عقول الطلاب وفي صحائف التاريخ، وفي مواعين الدراسات والبحوث.

    بهذا السفر يدعو مصطفى الجيلي اليوم، الأكاديميا السودانية والعربية والأكاديميين والدارسين، للقيام بواجبهم تجاه أنفسهم أولاً، ثم تجاه شعوبهم والثقافة لخدمة التنوير وتنمية الوعي عبر دراسة مشروع الأستاذ محمود الذي ينطوي على الكثير من المعارف الجديدة، لا سيما الفكرة الروحية. فقد كتب مصطفى الجيلي في مقدمة كتابه، قائلاً: "يقدم الكتاب نهجاً، قد يغري آخرين بتقديم النظرية الروحية بما ينطبق على تخصصات أخرى، حيث إن الفكرة الروحية شمولية بنيوية، تفسر كل مظاهر الوجود، وتعالج أصول المعرفة لمختلف التخصصات". ينطلق مصطفى الجيلي في دعوته هذه، من إيمان راسخ بمشروع الأستاذ محمود – ولا غرو فهو أحد تلامذته - ومن اطلاع واسع على التراكم المعرفي في مجال تخصصه سواء في الأكاديميا الغربية حيث نال درجتي الماجستير والدكتوراة فيها، أو الأكاديميا العربية التي درَس ودرَّس فيها. كما أن مصطفى الجيلي يلفت انتباهنا لظاهرة فريدة، في كتابات الأستاذ محمود، قائلاً: "هذه الظاهرة الفريدة، في كتابات الأستاذ محمود، التي لم يتعرف عليها الكثيرون، هي أن فكرته تطرق مختلف أبواب المعرفة، وتتوغل فيها بأسلوب المتخصص المدرك لبواطن التخصص، والخبير بجذوره ومتعلقاته".

    في تقديري إن هذا السِّفر، وهو عمل فكري وعلمي وروحاني جديد، يُعد إضافة نوعية للمكتبة السودانية والإسلامية والعربية، ويُعد كذلك مساهمة حقيقة في تحرير مشروع الأستاذ محمود محمد طه من السقف المعرفي السوداني والإسلامي والعربي. والحق أننا أمام باب جديد، فتحه لنا مصطفى الجيلي أمام قراء العربية، وهو يدعو إلى تحرير العقول، وإلى توطين التفكير ومناهجه، وكذلك إلى توطين التشخيص للقضايا ببعث النظريات الجديدة القادرة على خدمة الإنسانية ومستقبلها، والقادمة من مركزيات جديدة في العالم، وهي غير المركزية الأوروبية والمركزية الأمريكية التي يعرفها العلماء والناس. فالعالم اليوم، برغم نمو المعارف وتوسع دوائرها، وتطور الوعي بالحقوق، وإلغاء الحواجز بين الأمكنة والأزمنة وطوى المسافات، إلا أنه يعيش في حالة من العبث الأخلاقي والفوضى الفكرية التي لا ضريب لها في مجلد التاريخ البشري. ولا شك عندي من أن قادة العالم ومثقفيه في حاجة إلى إعادة تعليم على هدى جديد. يقول الأستاذ محمود: "إن التعليم الأساسي، لا في الشرق الأوسط وحده، ولكن في العالم أجمع، يجب أن يتجه إلى محو أمية المتعلمين، كما يتجه إلى محو أمية الأميين، وذلك بإعادة تعليم الرجال، والنساء على هدي جديد، يجعلهم مواطنين، عالميين، صالحين"[8][8]. بسفره هذا، فإن الدكتور مصطفى الجيلي يؤكد لنا أن مشروع الأستاذ محمود هو الثورة القادمة، وقد تبدت ملامحها ومقدماتها لمن يبصر، فـ "الثورات لا ترى بالعين".

    ختاماً لقد اتصلت أسباب هذا السفر، كما أشار المؤلف في مقدمته، بكتابي: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، الذي صدر في العام 2013م، والحق أنني بذلك الكتاب قد ولدني الأستاذ محمود محمد طه من جديد، فأصبحت كلما وجدت فرصة، مثلما أتاحها لي اليوم مشكوراً الدكتور مصطفى الجيلي عبر كتابه هذا، فإن محاولتي دوما هي العمل على– حتى في مثل كتابة هذا التقديم على محدوديته- تطهير نفسي وعقلي وجسدي، عبر السعي لتطبيق فكر الأستاذ محمود، والتأمل في سيرته.

    عبدالله الفكي البشير
    الدوحة، دولة قطر
    الأحد 11 ديسمبر 2014م
    _____________________

      وسم الأستاذ محمود محمد طه مشروعه بعدة أسماء، جاءت في كتاباته وأحاديثه، منها: الدعوة الإسلامية الجديدة، والمذهبية الإسلامية الجديدة، والبعث الإسلامي، والفكرة الجمهورية، والفهم الجديد للإسلام، والرسالة الثانية من الإسلام.
      يمكن الاطلاع على كتب الأستاذ محمود محمد طه، وبعض مقالاته وبياناته ومحاضراته، وبعض كتب الإخوان الجمهوريين والأخوات الجمهوريات، في موقع الفكرة الجمهورية على شبكة الإنترنت، تحت عنوان: http//http://http://www.alfikra.orgwww.alfikra.orghttp://http://www.alfikra.orgwww.alfikra.org
      عصام عبدالرحمن البوشي، "محمود محمد طه (1909-1985): لمحات من السيرة والانتاج الفكري"، أوراق فلسفية، (تحت النشر).
      محمود محمد طه، "رسالة إلى عصام عبدالرحمن البوشي"، بتاريخ 18 يناير 1970؛ عبدالله الفكي البشير، صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2013م، ص 519.
      كان الحكم غيابياً إذ رفض الأستاذ محمود المثول أمام المحكمة وهي المحكمة الشرعية العليا، باعتبار أنها محكمة غير مختصة، وهذا ما قال به كبار القانونيين السودانيين، إذ صرح أحدهم وقتئذ، وهو وزير عدل سابق، قائلاً: "إن المحكمة الشرعية العليا ليس من اختصاصها إصدار حكم بردة أي إنسان من الإسلام... إن المحاكم الشرعية تأسست تحت قانون محاكم السودان الشرعية لسنة 1902م وأن اختصاصات هذه المحاكم منصوص عنها في المادة السادسة من القانون المذكور وهي: مواضيع الزواج والطلاق والحضانة والوصاية والوقف والهبة وما إلى ذلك من هذه المسائل التي تتعلق بالأحوال الشخصية". المصدر: محمد إبراهيم خليل المحامي، "ليس هذا اختصاصها"، (تصريح)، صحيفة الأيام، العدد: 5499، 20 نوفمبر 1968، الخرطوم.
      عبدالله الفكي البشير، مرجع سابق، ص 675.
      طه حسين، في الشعر الجاهلي، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، ط2، 1998م، ص 155، 156.
      محمود محمد طه، "مشاكل التربية الأساسية في الشـرق الأوسـط- تعقيب على البروفسير جاك بيرل"، جريدة السودان الجديد، 12 سبتمبر 1957م


    (عدل بواسطة مصطفى الجيلي on 14-03-2015, 10:04 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-03-2015, 03:31 AM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطو� (Re: مصطفى الجيلي)

    المحتويات

    الإهداء.....................................................................................
    شكر وعرفان..............................................................................
    تقديم بروفسير سمير محمد علي .................. .......................................
    تقديم الأستاذ عبدالله الفكي البشير................ .......................................
    المحتويات ..................................................................................
    مدخل ...................................................................................
    تقديم المؤلف .............................................................................

    الفصل الأول
    نظريات البيئة والتنمية


    مقدمة ....................................................................................

    المبحث الأول: النظريات الأساسية لعلاقة الإنسان بالبيئة

    البيئة وتدفق المعلومات ...............................................................
    الدراسات البيئية: إلى أين؟ ...............................................................
    الحتمية البيئية .............................................................................
    الإمكانية والإحتمالية .....................................................................
    علم الاجتماع البيئي (الإيكولوجيا) .......................................................
    الماركسية البيئية ..........................................................................
    التلاقح بين النظريات ......................................................................
    النسوية والبيئة ..............................................................................
    البيئة التاريخية .........................................................................
    البيئة و"ما بعد الحداثة"...................................................................

    المبحث الثاني: من النظريات إلى خطط التنمية

    إنطباق النظريات على البيئات الجافة ...................................................
    المؤتمرات الدولية...........................................................................
    مؤتمرات إقليمية ومحلية...................................................................
    التنمية المستدامة..........................................................................
    التنمية الاقتصادية...........................................................................
    التنمية الديمقراطية الاشتراكية ............................................................
    النموذج الصيني للمساعدات الدولية .....................................................

    المبحث الثالث: دراسة حالة السودان

    نبذة ....................................................................................
    البيئة والتنمية في السودان...............................................................
    التدهور الكارثي ..........................................................................
    الموت والحروب .........................................................................

    الفصل الثاني
    النظرية الروحية للبيئة والتنمية


    مقدمة..........................................................................................

    المبحث الأول : معرفة البيئة الروحية

    المباني المعرفية ............................ ................................................
    الأديان كمناهج تأقلم بيئي .................................................................
    المشترك في الأديان ............................... .......................................
    الصراع بين العلم و الدين...................................................................

    المبحث الثاني: البيئات الجافة والتنمية الروحية

    البيئات الجافة في المنظور الروحي .........................................................
    نماذج تعامل الأديان مع ظاهرة الجفاف.....................................................
    الإنسان هو الغاية ...............................................................................
    القرآن هو قصة الإنسان والبيئة ................................................................
    مفهوم التنمية الروحية............................................................................

    المبحث الثالث "خطة تنمية وإصلاح بيئي": حالة السودان

    خطة تنمية للسودان الحالي.......................................................................
    الغايات والبنيات الهيكلية........................................................................
    التعليم والبرامج الاجتماعية ....................................................................
    الهيكل السياسي ......................................................,,.........................
    البرامج الاقتصادية ..............................................................................
    البترول والتعدين .................................................................................
    الزراعة ومكافحة التدهور البيئي ..............................................................
    إعادة تأهيل المؤسسات الحكومية ..............................................................
    خاتمة .................................................................................................

    ملحق "أ" : نبذة عن الأستاذ محمود محمد طه .................................................
    المصادر ..............................................................................................
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

15-03-2015, 04:57 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطو� (Re: مصطفى الجيلي)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    مدخل


    "من أنا؟؟ ما مهمتي في هذه الحياة؟؟ وفيما بعد هذه الحياة؟؟ لماذا ولدت بشرا؟؟ وذكرا؟؟ ولماذا في هذا الوقت من الزمان؟؟ ولماذا في السودان؟؟ ثم لماذا بلدي جاف؟؟ وفقير؟؟ وغير متطور؟؟ ولماذا يعاني قومي من الاستغلال بواسطة الآخرين؟؟ يواجهون ويلات الحروب؟؟ وضنك المجاعات؟؟ وأزمات الجفاف؟؟

    أسئلة لا حصر لها تملأ عقلي وقلبي.. في اليقظة وفي المنام.. في الأفكار كما في المشاعر.. في الوعي وفي اللاوعي.. الصراع مع هذه الأفكار ازداد ضراوة بعد تعرفي على الأستاذ محمود محمد طه والاطلاع على بعض كتبه.. كطلاب في داخليات جامعة الخرطوم، ومع صديقي القريب إلى نفسي محمد مجذوب فضيل وأصدقاء آخرين، كنا نقضي الساعات الطوال بالليل ونحن نناقش أفكارا في الأصول الجوهرية عن الوجود حولنا وفينا..

    وعلى الرغم من أنني التزمت أفكار الأستاذ محمود فقط في 1983، إلا أن تأثري بأفكاره قد بدأ قبل 1978 .. ولربما، كان هذا الصراع الفكري في لا شعوري وفي وعيي، قد وجد مكانه في دواخلي، في وقت أسبق من ذلك بكثير..

    في مسيرتهم العسكرية الطويلة في 1896، كانت جيوش المهدية المتجهة من أمدرمان إلى مصر تتوقف عند القرى والمدن، على طول مجرى نهر النيل، لتتمون بالأكل والشرب والراحة.. في تلك الرحلة، "مصطفى" القادم من منطقة الخوجلاب، أعجب بالفتاة التي رأى في المحمية، إلى الشمال قليلا من مدينة شندي، فتزوجها، وأنجب منها خمسة أبناء، أصغرهم هو "عمر" والدي..

    تعلم والدي القراءة والكتابة وبعض القرآن في الخلوة، ودرس سنتين في المدرسة الأولية، ثم تركها ليعمل في الزراعة بالمحمية.. قلة الدخل والموارد التي كانت تدفع بالكثير من سكان قرى شمال السودان ليهاجروا إلى بلاد أخرى، دفعت والدي ليسافر إلى مدينة كسلا في شرق السودان، لاحقا بأخيه الأكبر.. وفي واحدة من زياراته لأهله بالمحمية، تزوج بـ"عائشة"، التي هي أم أبنائه، أربع بنات، وأربعة أولاد، بينهم شخصي.. عمل والدي في صناعة العناقريب، والتي أصبح له فيها ما يشبه الورشة الصغيرة، وفي أخريات الأيام، صار العمل فيها أقرب للتجارة منه إلى صناعتها.. كذلك كان في بعض المواسم، حسب توقعات الأمطار، يشارك في أعمال زراعية مع آخرين، كما كان، في بعض الأحيان أيضا يشارك في تجارة الذرة..

    كل حياتنا تقريبا كانت خليطا بين التقليدي والحديث: معتقداتنا وعاداتنا، الإنتاج والإستهلاك، الطموحات والاحتياجات.. وبرغم مواقف والدي التقليدية في كثير من ملامحها، فقد كان يريدنا بشدة أن نحصل على تعليم عالٍ لنكون في صفوة المجتمع.. وهو يفخر بأن في أولاده المهندس المعماري والطبيب والأستاذ الجامعي.. وعلى الرغم من أن أختي الصغرى الآن تدرس في الجامعة فإن والدي يعتقد أن التعليم للبنت أفضل ما فيه أن يعدها لحياة الزوجية وتربية الأطفال.. كذلك بالرغم من سيطرة الروح المرحة والطبيعة الودودة على شخصيته، فهو جاد في أن ننتظم في أداء الصلوات ايضا.. رغم أننا نسكن في بيت أنيق قريب من مركز المدينة، فإن أمي تصر على رعاية أغنامها التي تحبها كثيرا، والتي تتسكع في الحي طوال اليوم..

    ما وجدناه هو أن كل واحد فينا تتقمصه هذه الشخصية الازدواجية بين التقليدي والحديث.. الازدواجية تأخذ مكانا بارزا في المناهج والمقررات المدرسية والدراسة بالجامعات.. المدرسة والجامعة تجر إلى اتجاه، والدين والثقافة تنازع لاتجاه آخر.. في الجغرافيا، مثلا، ندرس آصل النماذج الغربية في تخطيط الموارد وفي تركيب المدن ويعرف الجميع أنها، على التحقيق، يصعب انطباقها على واقعنا السوداني.. المسكن لأسرة مزارع في الغرب مثلا يتوسط المزرعة للحصول على أكبر كفاءة عملية، وأفضل خدمة، في حين أنه في الثقافة السودانية ليس مقبولا أن يعيش المزارع وسط الخلاء بين الشجر، وإنما الأنسب والأصلح له ولغيره أن يعيش وسط أهله وذويه .. في الجامعة، ندرس باللغة الإنجليزية، بينما نتكلم ونحيا باللغة العربية.. وعلى اي حال، حينما تخرجت كان ذلك، بكل تناقضاته، يؤهلني للعديد من وظائف التخطيط، ومن وظائف الإدارة..

    حينما تعينت مساعد تدريس بقسم الجغرافيا كلية التربية، كان د. عبدالحميد بخيت هو رئيسي المباشر، والذي أعتقد أنه أكاديمي قدير ويكتب كما يفكر، وليس للمكسب السريع، كما يفعل الكثير من المستشارين والخبراء في هذا المجال.. احترمت آراءه، ولكن لم أنفذ مقترحه لأن أدرس في ألمانيا حيث درس هو.. الذهاب خارج السودان كان هو تخطيطي، في ذلك الوقت، ولكن الذهاب تحديدا للولايات المتحدة كان حلمي.. لقد كان العيش في ثقافة مختلفة أكثر أهمية عندي من عمل البحث أو الدراسة العليا، ولذلك تقدمت لعدد من الجامعات الأمريكية، والتي كانت جامعة كلارك إحداها..

    كان هناك عدد من المنظمات والأفراد الغربيين يعملون في السودان في موضوع الجفاف والتصحر، وكمواطن يعرف البلد واللغة، فقد رافقت عدداً من الغربيين كمساعد بحث .. لقد طفت مع مجموعة باحثين ألمان، مع مستشار لمنظمة التنمية التابعة للأمم المتحدة، وعملت مع مشروع لليونسكو، كما تجولت في رحلات قسم الجغرافيا مع طلاب كمساعد تدريس.. "على الرغم من صغر سنه"، يحدثني د. ابراهيم "هذا "الخواجة " قد كتب مقالات جيدة عن الجفاف"؛ فيما بعد ذلك" الخواجة " أصبح "دوقلاس جونسون" المشرف على بحثي للدكتوراة.. والمشرف أيضا على دراستي طيلة خمس السنوات التي قضيتها بجامعة كلارك، وقد كنت ألجأ إليه كلما واجهتني مشكلة..

    ظاهريا وفوق السطح، استطعت التأقلم على الحياة الأمريكية خلال أسابيع قليلة، ولكن في حقيقة الأمر، أصبحت أكثر التصاقا بواقعي التقليدي، وقيمي التي تركتها خلفي.. وفي الحقيقة، كانت أول أيامي في أمريكا هي تلك التي جعلتني ألتزم الفكرة الجمهورية "فكرة الأستاذ محمود محمد طه".. رسائلي الأولي لأهلي كانت تحوي تعابير مثل : "عالم الخواجات متطور: المباني، الشوارع، المؤسسات، وكل شيء.. ولديهم حل لكل معضلة".. ثم تدريجيا فيما بعد، خطاباتي بدأت تتضمن ملاحظات مثل" :الحياة عندهم قاسية، والناس ليسوا مسرتخين كما في السودان... الحياة يبدو كأنما تدور حول المال والجنس ويبدو كأنما الأغنياء، الشباب والبيض هم الأكثر حظا"..

    فيما يخص دراستي، وجهت بحثي لدراسة وإيجاد الحلول لظاهرة الصراع بين القديم والجديد، التقليدي والحديث، أو الديني والعلماني والتي تبرز في أي قضية أو مسألة في الحياة السودانية.. وإذا أخذنا في الاعتبار المستويات المتعددة، والتعقيد، والأبعاد الكثيرة لهذا الموضوع وباعتبار الإثباتات المطلوب توفرها حسب النهج التجريبي في البحث، فقد كنت متشككا فيما أذا كنت سأحصل على نتائج ذات فائدة.. ولكن، وطالما أنني ابتعثت لانجاز هذا العمل، فقد حاولت المنهج الإنساني في البحث مع الاستعانة بوسائل التحليل الكمي للخلوص بنتائج أفضل عن استخدامات الموارد ذات الصبغة المزدوجة.. ولأن قضية الجفاف ومكافحته أصلا قضية وطنية في أطروحات السياسة، وفي الإعلام وفي مهام التخطيط، وكافة مؤسسات العمل، فقد أصبحت هي موضوع بحثي..

    لم أجد في النظريات المتنوعة الكثيرة عن اتخاذ القرار الاقتصادي ولا فيما كتب عن الجفاف والتصحر، التي درستها، أي مادة يسهل انطباقها ويتواءم ما تقدمه مع الوضع السوداني الذي أعرفه.. ولما كان تصوري أن الأفكار الدينية يصعب التعبير عنها بأسلوب العلوم المادية الغربية، فقد قصرت اعتمادي في الدراسة على الدراسات والبحوث الأكاديمية كمرجعية رئيسية، إن لم تكن حصرية، وخلاصتي كانت أقرب إلى أن المخططين عليهم أن يجدوا حلولا عملية تناسب الأوضاع المحلية، ولا يربطوا عملهم بمعطيات النظريات، ونماذج التنمية الغربية.. ثم كان أن وصلت لنهاية رسالتي، وأصبحت في طور المراجعات النهائية قبل المناقشة، حينما بدأت تتملكني حالة متزايدة من التقويم السلبي لما قمت به، انطلاقا من تجربتي كسوداني عايش التجربة السودانية، وما أؤمن به في دخيلة نفسي..

    "شهادة الدكتوراة عبارة عن رخصة تمارس بها عملك كأكاديمي"، هكذا نصحني بعض ذوي الخبرة " كتابة الرسالة ليست أكثر من تدريب؛ أخلص منها وابدأ حياتك".. لكن باضطراد أصبح عندي شعور متزايد بصعوبة قبول ذلك، وبدأ شعوري بالاغتراب تجاه عملي يتضخم.. لقد كنت اناقش هذا مع أحد افراد اللجنة المشرفة على عملي وهو الأكاديمي المعروف في مجال الفكر الماركسي في الجغرافيا "ريتشارد بيت" حينما اقترح علي: "لماذا لا تعبر بصدق ووضوح عما في دخيلة نفسك في فصل منفصل تسميه: "طرح بديل، مثلا".. وقال "رغم أنني لا أتفق مع معتقدك هذا، ولكن هذا لن يمنعني من أن أساعدك في هذا إن احتجت".. وفعلا شجعني وساعدني على ذلك.. فيما بعد، هذا الفصل أصبح هو المركز لعملي، وشكل المنظور الأساسي للرسالة، وتم تغيير بقية الفصول لتتواءم مع طرحه وجعله خلاصة ونتاجاً للبحث..

    وأخيرا أصبح عملي يعبر عن أفكاري الحقيقية التي لم أكن أظن أنني يمكن أن أعبر عنها بلغة أكاديمية، وسوف يكون هدفي في المستقبل هو أن أقدم مزيدا من الشرح، والمزيد من التوسيع بالأمثلة وبالتطبيق العملي، للنظرية الروحية تجاه البيئة والتنمية.. سأعمل أيضا على نشر هذه النظرة بتدريسها وبالكتابة عنها، وذلك طبعا بالإضافة، لممارستها.. دور أساسي في هذا العمل لعبته زوجتي "نجاة" وهي أيضا أخت جمهورية تشاركني الوعي الروحي - المادي للوجود.

    أنا مدين بالشكر والعرفان لكل من ذكرتهم بالإسم في هذه المقدمة.. الشكر ايضا للأستاذتين "جودي ايميل" و"باربرا توماس" لارشاداتهما الأكاديمية.. والشكر لجامعة الخرطوم التي دفعت تكاليف دراستي لخمس السنوات، كما أشكر جامعة كلارك التي قدمت لي أعاشة للسنة الأخيرة كي أكمل عملي.. شكري يمتد لكل المزارعين والمخططين الذين ساعدوني ببذل المعلومات.. وأخيرا أشكر أصدقائي المهتمين ممن قرأوا الفصل الأخير وعلقوا تعليقات معينة عليه.. مصطفى عمر مصطفى الجيلي..".. انتهى..

    القصة أعلاه عبارة عن ترجمة لاقتباس منقول من مقدمة لرسالة دكتوراة، تحت عنوان "تمهيد".. الرسالة قدمت في جامعة كلارك بولاية ماساجوستس الأمريكية عام (1988) تحت عنوان: "إدارة البيئة: التقليدي مقابل الحديث" وكان محورها عرض النظرية الروحية أخذا عن فهم مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه في البيئة والتنمية.. وكما أن لكل عمل قصة دفعت بإخراجه، فإن دافع وقصة هذا الكتاب مرتبطة، ارتباطا مباشرا ووثيقا، بقصة ودافع رسالة الدكتوراة للكاتب، المترجمة أعلاه، والمقدمة قبل ستة وعشرين عاما، في جامعة كلارك الأمريكية..

    منذ إكمالي لعمل الدكتوراة عام 1988، وحتى هذه اللحظة، في 2014، فإنني، وكما رجوت في مقدمة رسالتي المنقولة أعلاه، حاولت وسعي أن أدرِّس، وأن أمارس، وأعيش، هذا النهج ما أمكنني ذلك، وأعتقد أنني قد نجحت، في تحقيق بعض الأشياء قريباً مما أردت، كما أخفقت في أن أنجز كثيرا مما كنت قد خططت له.. بداية، لم تكن السنوات التي تلت تنفيذ حكم الإعدام على الأستاذ محمود محمد طه، فترة نشاط، ودعوة خارجية، عند تلاميذ الأستاذ محمود.. على العكس، فقد اقتصر النشاط فيها على فهم وتصرف كل فرد، كل في محيطه الخاص.. غير أنها قد كانت فرصة طيبة لي، للتعرف على، والتمازج مع، تلاميذ الأستاذ محمود كأفراد وكأسر، وعلى الجوانب الروحية والعاطفية والوجدانية في مجتمع الفكرة، وتشربت الكثير من الأدبيات غير المنشورة في الكتب، مثل كلمات وألحان الإنشاد العرفاني، وزيارات الأولياء وما تعنيه، والاطلاع على الكثير من الرؤى النبوية، ثم تذوق العمق التمازجي، ووشائج الألفة والمحبة، التي تربط بين الجمهوريين كأفراد وكأسر..

    ثانيا، لعشر السنوات الأولى، بعد ان رجعت إلى السودان، من 1988 وحتى 1998، كنت أدرس في كلية التربية جامعة الخرطوم.. وكانت أي مادة أدرسها، سواء أردت أو لم أرد، تأتي، إلى حد ما، مشحونة، وموجهة، في اتجاه الفهم الروحي للبيئة.. وكان التدريس عندي دائما ينحو بالطلاب للحوار في ذلك الإتجاه، وحوله، وانصبغ جل ما أدرسه، بتلك الصبغة.. أما ما صعب علي العمل به، فقد كان الارتباط بالمناهج المقررة، والمفصلة، على المفاهيم التقليدية في المقررات، ثم الاضطرار لاستخدام المصادر والكتب، التي لا تجعل الخلفية التدريسية مساعدة لحرية فكرية، والتي كانت ستدعم تقديم الفهم الروحي للبيئة..

    محاولاتي في الكتابة والنشر، في هذا الإتجاه، أيضا لم يحالفها كبير نجاح.. حيث إن الجوانب الدينية لا تجد الترحيب والقبول لدى الأكاديميين ولدى الناشرين، وأصلا المعضلة قائمة، تلك التي تجعل أي كتابة ذات صبعة دينية، صعبه التقديم في الدوائر الأكاديمية.. وكسر حاجز هذه الصعوبة نفسها، بين الفهم الروحي للوجود والفهم المادي له، وابتداع نهج علمي وتطبيقي واضح المعالم، هي إحدى الدوافع الأساسية لإخراج هذا الكتاب..

    مما استطعت نشره، وهو على صلة بالاتجاه الروحي، ورقتين.. أحداهما ورقة مطولة بعنوان "إسلامية المعرفة: فكر أم عاطفة؟؟"، نشرت في مجلة القاهرة للفكر والفن المعاصر، في يوليو 1996، تشرح الأسس البنيوية لنظرية المعرفة الروحية، كما هي مأخوذة عن مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه وتربطها بنظريات المعرفة في الفلسفة والفيزياء وعلم الأديان.. وتشرح الورقة احتياج البشرية لنهج جديد يجمع بين التقدم التكنولوجي المادي والقيم الأخلاقية والروحية التي يفتقدها.. وثانيتهما ورقة بعنوان "الدراسات البيئية: إلى أين؟" نشرت في 1989 في مجلة النيل الجغرافية، تستعرض، باقتضاب، المدارس الفكرية والنظريات عن الإنسان والبيئة، وتبين الحيرة والتناقض في تلك النظريات، مما يجعلها غير داعمة لاتجاهات التخطيط والتنمية، المنبثقة عن الظروف المحلية.. الورقتان يمكن اعتبارهما مثل النواتين لما يطرحه هذا الكتاب.. فعلى حين شكل مقال "الدراسات البيئية: إلى أين؟" نواة الفصل الأول، وضع مقال "إسلامية المعرفة: فكر أم عاطفة؟" نواة الفصل الثاني.. ويمكن القول أن الكتاب هو تمديد وتوسيع لما جاء مركزا ومجملا فيهما..

    من المواد الدراسية التي كنت أدرسها سنويا، وبانتظام، لعشر السنوات (1988- 1998) بدون انقطاع، في قسم الجغرافيا، بكلية التربية، جامعة الخرطوم، قد كانت مادة باسم "ملامح التنمية الإقتصادية في السودان".. تلك المادة، كان الطلاب هم من يقومون بتجميع بياناتها الخام ميدانيا، من الوزارات والمصالح الحكومية كل سنة، ويقومون برصدها وتحليلها، لتقديمها للطلاب في شكل سمنارات، فتكون مجالا للنقاش والمراجعة المستمرة.. وكان من ثمار تدريس تلك المادة، وتراكم معلوماتها لعشر السنوات، أن تمت صياغة نتائجها في كتاب بنفس العنوان .. وقد تمت إجازته من قبل محكمين، وأعطي رقماً للنشر من قسم الكتب والمنشورات، ولكن، حتى هذه اللحظة، لم يتم طبعه بسبب أن أولويات السياسة تقدم طباعة كتب تتعلق بآيدولوجية الدولة، مثل حرب الجهاد في الجنوب أو كتب تروج لعناصر الدولة الإسلامية.. فظل الكتاب ينتظر دوره بمطبعة جامعة الخرطوم حتى كتابة هذه السطور، وفي كل مرة يؤخر موقعه على قائمة الانتظار بمطبعة جامعة الخرطوم منذ 1995، لقرابة العشرين عاما.. ولكنه، ومنذ التسعينيات، سرعان ما فقدت مادته دقتها الإحصائية والتوثيقية، ونفدت حرارته، وانتهى المطاف بذاك الجهد الجماعي المتحمس ليكون بلا فائدة.. إلا أن بعض العزاء جاء من حقيقة أنه ظل، كمسودة، يستخدم في التدريس بواسطة بعض الأساتذة، وبعض الطلاب..

    أما العزاء الأكبر فهو أن تلك التجربة، على مرارتها وتعويقها لحماس العطاء، قد كان لها أيضا أثرٌ كبيرٌ في إخراج وتحليل مادة هذا الكتاب، إذ شكل ذلك الكتاب الموئود حافزا، وخبرة، لعمل وثيق الصلة به، حيث يقدم هذا الكتاب في نهايته تصورا لخطة تنمية متكاملة للسودان..

    بعدها، مررت بفترة فقدت فيها الرغبة في الكتابة الأكاديمية، وخرجت من السودان لأعمل في التدريس بجامعة تعز اليمنية في 1998.. ثم هاجرت للولايات المتحدة، وعملت في الإشراف على الطلاب بالسفارة القطرية في واشنطن دي سي لفترة خمس سنوات.. ثم عملت بالتدريس بمعهد الدفاع للغات التابع لوزارة الدفاع الأمريكية بمدينة مونتري بكاليفورنيا.. ومجيء فكرة أن يخرج هذا العمل الآن، بعد ستة وعشرين عاما من إجازته الأولي في رسالة الدكتوراة عام 1988، يرجع لدافعين أساسيين.. وهذان الدافعان، طبعا بعد حافز التعرض للفضل الإلهي بالمساهمة في المشروع الكوكبي لبعث النظرية الروحية للبيئة والتنمية..

    الدافع الأول هو ما قامت به الأستاذة جميلة الحاج التي كانت تعمل بجامعة هولندية، حيث كانت مهتمة بأن تخرج مادة رسالتي للدكتوراة في كتاب باللغة الإنجليزية.. ولكن حال دون تحقيق ذلك عاملان.. الأول أن مادة الرسالة تحتاج لتجديد وإعادة ترتيب بما استجد من مادة البحث، ولم يكن ذلك ميسورا.. والثاني أن الرسالة لم تكن محفوظة إلكترونيا، ويتوجب أعادة طباعتها.. ورغم أنه مرت سنوات طويلة قبل أن تختمر وتتجسد فكرة نشره مرة أخرى، ورغم أن النشر سيكون باللغة العربية هذه المرة، ولكن كان لجهود الأستاذة جميلة وطباعتها فصولاً من الرسالة أثرا مقدرا في خروج هذا العمل الآن..

    أما الدافع الثاني، فهو ما ورد في كتاب الأستاذ عبدالله الفكي البشير "صاحب الفهم الجديد للإسلام.. محمود محمد طه والمثقفون.. قراءة في المواقف، وتزوير التاريخ"، حيث أشعرني بمسئولية مباشرة تجاه الآخرين، وهو أن أخرج هذا العمل، الذي يرتبط إخراجه، بنشر تطبيق فكرة الأستاذ محمود الروحية على البيئة والتنمية.. فالكتاب يجيء كتلبية للجزء الذي يصف فيه مواقف المثقفين بأنها دون المستوى المطلوب من المسئولية، ومن الحياد العلمي، في الرجوع لمؤلفات الأستاذ محمود..

    وقد طالعني، أن ذلك التقصير، يطال كل القريبين من أفكار الأستاذ محمود، حيث لم تبرز أعمال كثيرة تشير للإمكانيات العلمية والعملية، في قدرة فهم مؤلفات الأستاذ محمود على أعادة صياغة المعارف والعلوم.. وهذه القاعدة تشمل تخصصات العلوم الإنسانية والتطبيقية على السواء، حيث أن فهم وتطبيق فكرة أن البيئة التي نعيش فيها روحية في حقيقتها ومادية فقط في ظاهرها، يمكن أن تنبني عليها ثورة في كل فروع المعرفة..

    وقبل ختم هذا التقديم، تجدر الإشارة إلى أن النظرة الروحية لشمولها يمكن أن تعتبر معرفة بالحياة، وتنعكس على أي نشاط، فتفتح آفاقا جديدة، وترشح امكانيات مغايرة، لفهم، وإعادة فهم، وإعادة ترتيب للمدارس الفكرية في أي مجال.. كنت قد تابعت في 1986، مؤتمرا موسعا عن قضايا البيئة والتنمية، دُعي إليه مشاهير الأكاديميين في التخصصات الإنسانية، استضافه قسم الجغرافيا بجامعة كلارك الأمريكية، والتي تعتبر الجامعة الأولى في ترتيب الجامعات الأمريكية في تخصص الجغرافيا وبالتحديد في دراسات البيئة والتنمية والخرائط.. كنت حينما أحضر جلسات المؤتمر، يشدني أن النظر للمدارس الفكرية من منطلق الفكرة الروحية، يمكِّن من إعادة ترتيبها، ووضع كل نظرية في موضعها، من الجسم المعرفي.. وبالتالي ينتفي التناقض، وتصبح النظريات كلا موحدا، على اختلاف الطرح.. لقد كانت تلك التجربة، من عوامل توجيه دراستي، تلك الوجهة الروحية، وبالتالي من دوافع خروج هذا الكتاب..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 03:05 AM

صلاح أبو زيد

تاريخ التسجيل: 29-01-2011
مجموع المشاركات: 833

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطو� (Re: مصطفى الجيلي)

    لأخ العزيز مصطفى الجيلي

    تقديري لهذا العمل الجرئ في موضوعه ، و لتعريفك بالكتاب و محتوياته،
    استمتعت بتقديم بروفسير د. سمير محمد على حسن الرديسي، وتقديم الدكتور عبد الله الفكي البشير. المدخل رشيق و خفيف، وحقيقة المكتبة موعودة بإضافة نوعية ثرة.
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 02:46 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: مهرجان تكريم الفنان يوسف الموصلي - واشنطو� (Re: صلاح أبو زيد)

    Quote: لأخ العزيز مصطفى الجيلي

    تقديري لهذا العمل الجرئ في موضوعه ، و لتعريفك بالكتاب و محتوياته،
    استمتعت بتقديم بروفسير د. سمير محمد على حسن الرديسي، وتقديم الدكتور عبد الله الفكي البشير. المدخل رشيق و خفيف، وحقيقة المكتبة موعودة بإضافة نوعية ثرة.

    العزيز الأخ صلاح أبوزيد..
    تشكر على هذه الكلمات التقديرية الطيبة...
    وأكرمك الله كرما وافيا..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 08:57 AM

محمد الأمين موسى
<aمحمد الأمين موسى
تاريخ التسجيل: 30-10-2005
مجموع المشاركات: 3711

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    اسمح لي أخي مصطفى بالتساؤل عما إذا كان صدر هذا البوست يتسع لبعض الملاحظات الناقدة لمحتوى الكتاب وشكله.
    ولدي سؤال: هل تصنفون ضمن تخصص الجغرافيا السودان (بحنوبه وغربه ووسطه) ضمن البيئات الجافة، أم أن هناك اختزالا للسودان في شماله؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 02:54 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: محمد الأمين موسى)

    Quote: اسمح لي أخي مصطفى بالتساؤل عما إذا كان صدر هذا البوست يتسع لبعض الملاحظات الناقدة لمحتوى الكتاب وشكله.
    ولدي سؤال: هل تصنفون ضمن تخصص الجغرافيا السودان (بحنوبه وغربه ووسطه) ضمن البيئات الجافة، أم أن هناك اختزالا للسودان في شماله؟

    الأخ العزيز محمد الأمين..
    أشكر لك اهتمامك... وصدر هذا البوست يتسع تماما للملاحظات الناقدة لمحتوى الكتاب وشكله.. وأصلا هو لم ينشر إلا ليقرأه الناس وعلى أوسع نطاق ممكن وليتأمله والناس ولينتقدوه-- كل الناس بكل اطيافهم وكل أنماط تفكيرهم.. فهو قد نشر للجميع..
    والإجابة على سؤالك الثاني "نعم" لكل السودان بجنوبه وشماله وغربه وشرقه.. والسودان عامة يعتبر من المناطق الجافة ويصنف كذلك..
    وتجدني دائما مقدر لملاحظاتك بإذن الله..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 03:11 PM

Abureesh

تاريخ التسجيل: 22-09-2003
مجموع المشاركات: 19467

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    شكرا يا مصطفى على التقديم..
    وكيف احصل على نسخـة من الكتاب.. دا المهم. والنظرية الروحية للبيئة هي أساس الفكرة الجمهورية، وكل الفكرة الجمهورية تدور حول هذا المفهوم، لأن البيئة التي نعيش فيها في جوهرها روحية.
    كتاب في غاية الأهمية ومكانه في المكتبة ظل شاغرا لعقود طويلة..

    كيف اطلب نسخة ومن أين؟
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 03:50 PM

درديري كباشي

تاريخ التسجيل: 08-01-2013
مجموع المشاركات: 3184

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: Abureesh)

    يا سلام عليك يا دكتور يعلم الله أنك كنز

    تعرف من غرائب الصدف اشتغلت في بحث يتعلق بالتنمية المستدامة وإصحاح البيئة . لكن من منظور إقتصادي بحت .أبدا لم بخطر في بالي أن أقيس الأمر بمقاييس روحية . أو بمعايير أيدلوجية . كل ما في الأمر وكل المراجع التي قابلتها تتحدث عن أن كوكب الأرض لم يعد كما كان . البيئة لم تعد قادرة على أصحاح نفسها بنفسها كما كانت تفعل ..الكائنات البحرية والبرية بدأت تنقرض ..أستهلاك البشر زائد وطرحهم للنفايات الصناعية والمنزلية أهلك التربة وأفقدها خصوبتها . الجو ملوث وكذلك المياه الجوفية البئات السكنية غير صالحة الحرارة مرتفعه وتزداد ارتفاعا . ازدياد عدد السكان والكثافة السكانية خلق بيئات غير صحية للبشر ادت لانتشار الأمراض وتفشي الأوبئة .
    حاليا أنا مندهش من هذا الفصل أنظر للعناوين الجانبية متشوقا للمتن فيها :
    الفصل الثاني
    النظرية الروحية للبيئة والتنمية

    مقدمة
    المبحث الأول : معرفة البيئة الروحية

    المباني المعرفية الأديان كمناهج تأقلم بيئي
    المشترك في الأديان
    الصراع بين العلم و الدين
    المبحث الثاني: البيئات الجافة والتنمية الروحية

    البيئات الجافة في المنظور الروحي نماذج تعامل الأديان مع ظاهرة الجفاف الإنسان هو الغاية القرآن هو قصة الإنسان والبيئة مفهوم التنمية الروحية


    بالتالي أتمنى لو أحصل على نسخة في نعرض الرياض الدولي للكتاب

    لو كانت دار النشر مشتركة في المعرض
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-03-2015, 05:44 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: درديري كباشي)

    Quote: يا سلام عليك يا دكتور يعلم الله أنك كنز

    تعرف من غرائب الصدف اشتغلت في بحث يتعلق بالتنمية المستدامة وإصحاح البيئة . لكن من منظور إقتصادي بحت .أبدا لم بخطر في بالي أن أقيس الأمر بمقاييس روحية . أو بمعايير أيدلوجية . كل ما في الأمر وكل المراجع التي قابلتها تتحدث عن أن كوكب الأرض لم يعد كما كان . البيئة لم تعد قادرة على أصحاح نفسها بنفسها كما كانت تفعل ..الكائنات البحرية والبرية بدأت تنقرض ..أستهلاك البشر زائد وطرحهم للنفايات الصناعية والمنزلية أهلك التربة وأفقدها خصوبتها . الجو ملوث وكذلك المياه الجوفية البئات السكنية غير صالحة الحرارة مرتفعه وتزداد ارتفاعا . ازدياد عدد السكان والكثافة السكانية خلق بيئات غير صحية للبشر ادت لانتشار الأمراض وتفشي الأوبئة .
    حاليا أنا مندهش من هذا الفصل أنظر للعناوين الجانبية متشوقا للمتن فيها :
    ............................

    غريبة اني ما لاحظت إلا متأخرا تعليقك دا...
    يبدو أنه في حاجات كتيييييييرة مشتركة بيناتنا...
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

16-03-2015, 03:53 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: Abureesh)

    Quote: شكرا يا مصطفى على التقديم..
    وكيف احصل على نسخـة من الكتاب.. دا المهم. والنظرية الروحية للبيئة هي أساس الفكرة الجمهورية، وكل الفكرة الجمهورية تدور حول هذا المفهوم، لأن البيئة التي نعيش فيها في جوهرها روحية.
    كتاب في غاية الأهمية ومكانه في المكتبة ظل شاغرا لعقود طويلة..

    كيف اطلب نسخة ومن أين؟

    أخي العزيز محمد عثمان...
    بالضبط هو ما قلت.. فهو لكثرة ما ينقل عن الأستاذ محمود فهو كتاب للأستاذ محمود وأرجو أن أقبل في دور الناقل..
    أما الكتاب فحتى هذه اللحظة لم أستلم نسخة منه، وبمجرد وصول أول نسخ سأرسل لك نسختك على بريدك..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

17-03-2015, 02:58 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    تقديم المؤلف

    هذا الكتاب يقدم نظرية البيئة الروحية، أو فهم البيئة كحقيقة روحية، إن صحت تسميتها بالنظرية، كلفظ متعارف عليه في لغة الأكاديميات.. وهي نظرية قديمة وجديدة، في آن معا.. هي قديمة لأنها بدأت مع نشأة الإنسان، بداية ساذجة وغريزية بعبادة مظاهر الطبيعة، ثم تطورت لتبلغ مستويات رفيعة، تعبر عنها وسائل وغايات ديانات التوحيد.. ولكن لطبيعة الخطاب العقائدي، تجيء تفسيرات الأديان للمظاهر والأحداث تقريرية، وجامدة، لا تجيب بشكل متسق مع منطق العلوم، ومناهج البحث، فظلت تؤخذ منفصلة عن العلوم، وتفهم عبر سلطة فوقية، ومن ثم بقيت حبيسة دور العبادة، والمؤسسات الدينية..

    أما أنها جديدة، فالنظرية لم تقدم، بصورتها العلمية المتناسقة، التي تتحدى الفلسفات والنظريات المعاصرة، وتقدم حلولا لمشاكل الإنسانية الراهنة، قبل طرح مؤسسها الأستاذ محمود محمد طه.. هذا الكتاب يعرضها بلغة أكاديمية، متسقة مع التراكم المعرفي، في دراسات البيئة والتنمية.. بعض تلاميذه تناول شرح وتفصيل هذه النظرة؛ الأستاذ خالد الحاج عبدالمحمود في كتابه "المعرفة وطبيعة الوجود" تناولها بالشرح والتفصيل، وناقش الروح، والمادة، وطبيعة الإنسان، مع شرح للماهية، والكيفية، في تفاعل المعرفة الروحية..

    الجديد في هذا الكتاب، أنه يقدم النظرية من زاوية تخصص دراسات البيئة والتنمية، متقيدا باسلوب، وضوابط، ومصطلحات، المناهج الأكاديمية، ورابطا مادتها بالمصادر التي تدرس، وتعتبر مرجعية، في المؤسسات العلمية.. أيضا يقدم الكتاب نهجا، قد يغري آخرين بتقديم النظرية الروحية بما ينطبق على تخصصات أخرى، حيث إن الفكرة الروحية شمولية بنيوية، تفسر كل مظاهر الوجود، وتعالج أصول المعرفة في مختلف التخصصات..

    هذه الظاهرة الفريدة، في كتابات الأستاذ محمود، التي لم يتعرف عليها الكثيرون، هي أن فكرته تطرق مختلف أبواب المعرفة، وتتوغل فيها بأسلوب المتخصص المدرك لبواطن التخصص، والخبير بجذوره ومتعلقاته، كما سيبين الكتاب.. ولقد تأخر الكثيرون، حتى القريبين من فكره، عن التعرف على أن مؤلفاته ليست فقط طرحا في مسائل الدين، كما هو الفهم العام وتصور غالبية قرائه، ولكن محتويات كتبه، بسبب أنها قائمة على التوحيد، تتقاطع مع مرتكزات أصول المعارف، خاصة الأنسانية منها.. ذلك أنها تلتقي معها في مقام الجمع، فتضعها موضعها من جسم المعرفة، دون اضطراب أو تعارض.. ولعل أفضل تعبير عن هذا الوضع، الملفت للانتباه، هو ما ورد في مقدمة أحد كتب الأستاذ محمود: "هذه ظاهرة ملازمة للدعوة الإسلامية الجديدة.. فإنها، لما كانت تستمد من نور التوحيد، لم يحدث فيها تعارض، ولا تناقض، وإنما هو الإتساق، والإنسجام، في ظل التوحيد الضابط، وتحت راية الوحدة المهيمنة.. وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس..".. وسيرد على متن الكتاب شرح مفصل لهذه الظاهرة المدهشة..

    ورد في كتاب الأستاذ عبدالله الفكي البشير: "فقد برز الأستاذ محمود في كل مواقفه وفي كتاباته رجل قانون برغم دراسته الهندسة. بل إن جل الكتب التي كتبها الأستاذ محمود لا تخلو من حديث عن القانون، ليس حديث العارف المتخصص في القانون فحسب، وإنما حديث المنظر وفيلسوف القانون والدارس للقانون بمداخل تاريخية وثقافية واجتماعية وفكرية ودينية منذ نشأة المجتمع والعرف وقانون الغابة وقانون الإنسان، والعلاقة بين الفرد والمجتمع والكون، وقد ورد ذلك بتوسع في جل كتبه.".. ذلك ينطبق أيضا، على كتاباته عن البيئة والتنمية، فإن كتبه تقدم تعريفات للبيئة والتنمية، وتطرح تطور المجتمع البشري، طرحا غير مسبوق في المصادر الأكاديمية.. وتماما، كما في حالة القانون، فحديثه عن البيئة والتنمية، كما سيبين الكتاب، ليس حديث العارف الخبير المتخصص فيها فحسب، وإنما حديث المنظر وصاحب كرسي الأستاذية، المتمكن بمداخل تاريخية، وثقافية، واجتماعية، وفكرية، عن طبيعة البيئة وعلاقات التنمية، ونشأة المجتمع، والعلاقة بين الفرد والمجتمع والبيئة..

    ما يحاول أن يبسطه هذا الكتاب، هو أن يربط بين التراكم المعرفي في الأدبيات، بالفكرة الروحية.. يقدم الكتاب المادة في فصلين، الأول يستعرض التراكم المعرفي لفهم علاقة الإنسان بالبيئة، كما وردت في دراسات البيئة والتنمية، موجزا أشد الإيجاز، بينما يشرح الفصل الثاني، وهو الأكبر والمقصود بالأصالة، النظرية الروحية على الأسس التي طرحها الأستاذ محمود محمد طه في مؤلفاته.. ومع اتباع الكتاب هذا الترتيب للفصلين، فيمكن أن يبدأ القارئ بالفصل الثاني ثم يرجع للأول دون أن يزعج ذلك المعني أو يعكره.. أي من الفصلين مقسم لثلاثة مباحث، الأول عن البيئة، والثاني عن التنمية، والثالث عن تطبيق الحالة على السودان..

    الكتاب يقدم للدارسين والطلاب في مجالات العلوم الإنسانية، نظرية شمولية، غير مسبوقة، عن البيئة والتنمية، مبنية على التراكم المعرفي، ومتممة له.. وفي نفس الوقت، الكتاب مصاغ ليخاطب المثقف غير المتخصص، مراعيا في ذلك حدود حاجته، ومبلغ فائدتها له، ليكون مواطنا إيجابيا في تعامله مع بيئته.. الحاجة لمخاطبة المتخصص وغير المتخصص، أوجبتها عدة عوامل..

    أولا، صحيح أن الفصل الأول يرصد نظريات الإنسان والبيئة، ويوثق لأهم الكتّاب في كل مدرسة، ولكنه يقتصر على المدارس الرئيسة، التي تشترك فيها كل العلوم الإنسانية.. مدرسة الحتمية البيئية، ومدرسة الاجتماع، والإيكولوجيا، والماركسية، ثم أفكار ما بعد الحداثة تعتبر المرتكزات الأساسية لمفاهيم علاقة الإنسان بالبيئة، في علم الإجتماع، والاقتصاد، والجغرافيا، والتاريخ، وعلم النفس والتربية، ومعظم العلوم الإنسانية.. بتعبير آخر، المادة تصلح لدارسي وطلاب كل تلك التخصصات..

    ثانيا، مناهج البيئة والتنمية والتخطيط، أصلا تطبيقية متعددة التخصصات، فمثلا لدى تخطيط أي مشروع، يكون هنالك السياسي، والمهندس، والزراعي، وخبير الصحة، والجغرافي، وكافة التخصصات، التي هي في الواقع أجزاء من منظومة التخطيط، تعمل مجتمعة.. كل هذه التخصصات نشأت متفرقة، كجزر مفصولة في أذهاننا، في حين أنها جميعا احتياجات الإنسان ووسائل تأقلمه مع بيئته الواحدة، ولن يستقيم لنا امر فهم البيئة والتنمية، والتعامل معهما بصورة متوازنة، إلا بإعادة جمع تلك المتفرقات والنظر للصورة الكلية..

    ثالثا، نحن نعيش منقسمين بين التقليدي والحديث، بين الموروث والمكتسب، وبين العقدي والعلماني.. وبسبب من ذلك، قد تأخذ البيئة صورا وتعريفات غير مترابطة، فمثلا البيئة في العلوم الانسانية، قد تتبع فلسفات معرفة ليست هي المتعارف عليها في العلوم المعملية، كالفيزياء والكيمياء والأحياء، ثم تأخذ أنماطا مغايرة في الدراسات التطبيقية، كالهندسة والتخطيط.. وهكذا، لضرورة خلق جسر تواصل وتقريب أساليب التعبير، فالكتاب يقدم محاولة لتجميع متفرقات متنافرة في المفاهيم، تخاطب كل أطياف المثقفين والمتخصصين..

    رابعا، أن التخطيط الحديث بقوالبه الأكثر معاصرة، مبني على إشراك السكان المستهدفين بالمشروع، وبالتالي يتوجب تعريف عامة الناس، والمثقفين منهم خاصة، بقدر من المعلومات يدركون معه علاقة الإنسان بالبيئة، وأغراض التنمية بصورة تمكنهم، على الأقل، من اتخاذ قرارات مسئولة..

    خامسا، أن تداخل المعارف، وتلاشي الحواجز بينها، أصبح سمة عصر المعلومات.. أصبح بمقدور أي شخص، في أي مكان، من أي تخصص، الإطلاع على الجديد في أي جزئية من شعاب المعرفة، اطلاعا دقيقا، ومفصلا، وحيا، ومن مصادره الأساسية، بنقرة أصابع على الإنترنت.. وقد رافقت هذه السيولة في المعلومات، مناهج ما بعد الحداثة، والتي يمكن أن نسميها "سيولة الآيدولوجيات"، إذ خضعت كل ثوابت الأفكار والنظريات، للمساءلة، ولتمحيص جدواها، ومدى فاعليتها، كما سيبين الكتاب..

    سادسا، أن الهدف الأساسي من الكتاب هو تقديم نظرية جديدة في التعامل مع البيئة، بصفة غير مسبوقة، ولوضع نهج ومعايير جديدة لبرامج ومشاريع التخطيط.. وهو كشف يتوجب أن يعرفه الناس، جميع الناس، لمصلحتهم الشخصية، كحاجة مواءمة مع البيئة، ثم كحاجة تخطيط وتنمية..

    وأخيرا، ليكتمل عرض النظرية الروحية، وتفهم أبعادها النظرية والعملية، فقد أرفق ملحق يعطي تعريفا بالأستاذ محمود محمد طه وحركته، أخذا عن عدد من المصادر، على رأسها التجميع المنشور في موقع الفكرة الجمهورية (http://http://www.alfikra.org)،www.alfikra.org)، ثم كتيب "لمحات من حياة الأستاذ محمود محمد طه" الصادر عن مركز الأستاذ محمود محمد طه الثقافي (بامدرمان-السودان)، بالإضافة إلى ما ورد في "كلمة المترجم" د. عبدالله النعيم، في مقدمة كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، المترجم للغة الإنجليزية(Taha, 1987) ..

    سيجد القارئ أن قائمة المصادر تضم ثلاث فئات من المصادر: مصادر باللغة العربية، ومصادر باللغة الإنجليزية، ومصادر ألكترونية متنوعة.. وتجدر الإشارة، أنه، وكما هو متبع في طرق التوثيق، فإن بعض المصادر قد تم توثيقها كما وردت، ضمن مصادر أخرى..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

19-03-2015, 02:56 AM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    ملامح من الكتاب:

    Iوالفهم الدقيق للعلاقة بين الإنسان والكون ليس أمر فلسفة نظرية يمكن أن تلحق بالترف الذهني، وإنما هو أمر عملي، عليه يتوقف تحقيق الفردية، في مضمار المجهود الفردي، وفي مضمار تنظيم الجماعة لتكون والدا شرعيا للأفراد الذين يُرجى لهم أن يحققوا فردياتهم . (طه، "الرسالة الثانية"، 33:1969)

    مقدمة:

    لأن الكتاب يقدم النظرية الروحية للبيئة والتنمية مفصلة وبتطبيقاتها في الفصل الثاني، فالفصل الأول عبارة عن توطئة لا غنى عنها، لمعرفة أين يقف التراكم المعرفي للعلوم، فيرصد خلاصات الدراسات النظرية والتطبيقية المعمول بها الآن، والتي تدرس في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والمبذولة في الكتب والدراسات المنشورة.. ولتسهيل المتابعة، الفصل مقسم لثلاثة مباحث..

    المبحث الأول يستعرض النظريات الأساسية عن علاقة الإنسان بالبيئة.. ويمهد لذلك، بتوضيح أن تدفق المعلومات والأفكار قد جعلت البيئة التي نعيش فيها اليوم جديدة، ولنتواءم، ونقوم بواجبنا كما ينبغي، معها، لا بد أن يكون لدينا التقدير المناسب لهذا التحول.. بعدها يناقش المبحث، باقتضاب لا يخل بالمعنى، المدارس الفكرية الأساسية عن علاقة الإنسان بالبيئة، من دون التعرض لتفاصيل الاختلافات الفكرية، في إطار المدرسة الواحدة.. هذه المدارس هي: (1) الحتمية البيئية؛ (2) الإمكانية أو الإحتمالية؛ (3) الإيكولوجيا؛ و(4) الماركسية.. بعدها يتعرض المبحث للتلاقح بين أكثر من نظرية لاخراج وجهات نظر مغايرة.. ثم يتعرض لاتجاهات في الدراسات البيئية، مثل "البيئة النسوية" و"الدراسات التاريخية للبيئة".. ويختتم بشرح مفاهيم البيئة في فترة ما بعد الحداثة.. معرفة هذه المدارس مهمة كقاعدة تمهيدية لمادة الكتاب حيث إنها تبين أين تقف الدراسات في فهم علاقة الإنسان بالبيئة..

    المبحث الثاني يقدم تحليلا ومتابعة عن كيف تتحول الأفكار من نظريات إلى تطبيق وخطط تنمية، ويتناول تحديدا حالة البيئات الجافة، مركزا على معالجة الجفاف والتصحر.. ثم يستعرض أهم المؤتمرات الدولية، والإقليمية، والمحليه، التي يتبلور فيها تحويل النظريات والأفكار إلى سياسات ومشاريع تطبق على أرض الواقع.. ثم يناقش المبحث التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية المستدامة، ويختتم بشرح نموذج الاستثمارات الصينية.

    المبحث الأخير في الفصل الأول يقدم نبذة مختصرة عن جغرافية وثقافات السودان ثم يستعرض سياسات البيئة والتنمية منذ الاستعمار البريطاني مرورا بالسياسات الوطنية، ويشرح أساليب مكافحة التدهور البيئي وما انبنى عليها من وضع السودان الحالي "الكارثي"، ثم يختتم بتقرير عن الموت والدمار الذي يحدث الآن في السودان..

    (عدل بواسطة مصطفى الجيلي on 19-03-2015, 02:57 AM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

21-03-2015, 08:05 AM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    ملامح من الكتاب (من الفصل الأول)

    البيئة وتدفق المعلومات:

    في منتصف القرن العشرين شاهدنا كوكبنا كاملا من الفضاء لأول مرة في التاريخ.. ومن الفضاء، يبدو صغيرا، هشا، مهدد البقاء، ليس بالأحياء داخله فحسب، بل بشبكة عملاقة من السحب والمحيطات والبقع السوداء والخضراء والصفراء.. ويبدو أنه من البديهي أن فشل البشرية في مواءمة أفعالها مع مثل ذلك النظام يهدد بانقراضه.. إن إرهاصات عدم المواءمة قد ظهرت في المجاعات والزلازل والفيضانات.. إن هذا الواقع الجديد، الذي لا مفر منه، يجب مواجهته.. من الفضاء يبدو واضحا أن صحة الكوكب لا تكون إلا بصحة أجزائه كلها، ويبدو أن علينا أن نغير كثيرا من سلوكنا البشري لينسجم مع قوانين الطبيعة.. وفي هذا قد يسعفنا ميراثنا الحضاري والروحي فيقارب بين احتياجاتنا، ويوجه أنماط معيشتنا (World Commission on Environment and Development, 1987: 10)..

    هذا ما ورد في تقرير المؤتمر العالمي للتنمية والبيئة، المقام باستكهولم عام 1987، ورغم أن هذا التقرير قد نشر منذ أكثر من ربع قرن، إلا أنه تعبير دقيق عن الواقع الجديد للبيئة حولنا.. تطور تكنولوجيا وسائل الاتصال، من انترنت، وفضائيات، ووسائل تواصل لحظي، قفزت بالعالم لطور جديد في التسعينيات، مكملة لدور وسائل النقل، التي تغدو كل يوم، أكبر حجما، وأسرع حركة، وأرخص سعرا.. والحقيقة أن فاعلية وسائل النقل والاتصال، قد جعلت عالم اليوم، ليس هو ذلك العالم القديم..

    مصطلح "المرتبطية" أو "القرية الصغيرة" يعبر عن تزايد التقارب المكاني - الزماني، والذي أشار إليه ديفيد هارفي (Harvey 1989) على أنه" انضغاط الزمان- المكان".. المرتبطية تعني إحساساً بانكماش المسافات من خلال الانخفاض الدرامي للوقت المستغرق، إمّا بصورة فينومينولوجية (مثلا، حالة ركاب الطائرة، وهم يقطعون آلاف الأميال عبر المحيطات المهيبة، والفيافي والجبال الجبارة، والقارات، في سويعات مع الوجبات الشهية، والنوم الهادئ، ومشاهدة الأفلام)، أو مجازية (مثل إقامة جلسة أنس حية، لحظية، متبادلة بالصوت والصورة، بين أفراد من داخل غرفهم، في ثلاث أو أربع قارات مختلفة).. ثم تمديد العلاقات الاجتماعية عبر المسافة فيما نسميه "بالعالم المنكمش" و"القرية العالمية"، أو بعبارة الأمم المتّحدة مؤخرا "جوارنا العالمي"..

    في الوقت الحاضر، نجد أن السلع، ورأس المال، والبشر، والمعرفة، والصور، والجريمة، والملوثات، والمخدّرات، والأزياء، والمعتقدات تتدفق جميعها بسهولة عبر الحدود الإقليمية. إن الشبكات، والحركات، والعلاقات الاجتماعية العالمية واسعة الانتشار في جميع المجالات تقريبا، من الأكاديمية إلى تلك الجنسية (تومسون 2008: 2) .

    الحادث يحدث في بقعة ما من الكرة الأرضية، وخلال دقائق، يبث خبره عبر فضائيات شعوب الكرة الأرضية، وبكل اللغات.. تغيرت بالتالي أبعاد المعلومة نفسها، وأعيدت صياغة بنائها، لتلائم شكل وحجم تأثيراتها الجديدة، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.. وبذلك لم تعد المعارف القديمة هي المعارف، ولم تعد النظريات هي النظريات، ولا الأكاديميات هي الأكاديميات.. كل شيء في المعارف والعلوم الإنسانية أصبح في حاجة لإعادة تعريف، وإعادة تصنيف، ليستقيم المعنى، مع واقع هذه البيئة الجديدة القديمة..

    أصبحت المجتمعات المعاصرة ومؤسساتها العلمية والثقافية والإنتاجية تواجه تدفقاً هائلاً في المعلومات التي أخذت تنمو بمعدلات كبيرة نتيجة للتطورات العلمية والتقنية الحديثة وظهور التخصصات الجديدة، وتحول إنتاج المعلومات إلى صناعة...

    وتشير الإحصائيات أيضاً إلى أن النتاج الفكري السنوي مقدراً بعدد الوثائق المنشورة يصل مابين12 -14 مليون وثيقة، ويبلغ رصيد الدوريات على المستوى الدولي مايقرب من مليون دورية، يضاف لها ما يقارب 15 ألف دورية جديدة في كل عام..

    وكلما زاد الباحثون تخصصاً وتضخم حجم النتاج الفكري قلت فعالية الدوريات التي تغطي قطاعات عريضة، ومن ثم يكون من الصعب متابعة كل النتاج الفكري والإحاطة به من قبل الباحثين والدارسين (منصور، 2009 :1)..

    ولنضرب مثلا لما نحن بصدده من مادة هذا الكتاب فنستخدم وسيلة البحث "قوقل" للتعرف على" كتب عن النظريات بشأن مكافحة الجفاف في جنوب الصحراء الكبرى"Books on theories on combating drought in sub Saharan .. حينها تمتلئ شاشة الحاسوب بإثنين وثلاثين صفحة، في كل واحدة منها عشرة مواقع إلكترونية، كل موقع منها عبارة عن اسم كتاب عن نظريات مكافحة الجفاف في حزام الساحل جنوب الصحراء.. أي أن ما يظهر في الشاشة هو حوالي 320 موقعا عن هذا الموضوع المحدد جدا.. وهذا الكم الهائل من المصادر، لا يشمل كل أشكال الإنتاج المعرفي، وإنما البحث محدد فقط بشكل إنتاجه في كتب، "كتب" فقط، وليس مقالات أو دوريات أو جمعيات..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

22-03-2015, 05:05 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    Underlined ملامح من الكتاب (الفصل الأول):

    هذا الانفجار المهول في المعلومات، والذي يفوق الخيال الجموح، أصبح متوفرا عن أي موضوع، صغر أم كبر، وفي اي وقت، في التاريخ القديم أو الحديث، وفي أي تخصص، أكاديمياً كان أو مهنياً؛ تجارياً كان أو ترفيهياً، وفي العملي أو النظري.. والمعلومات دائما حية، وجديدة، وبأدق التفاصيل، وآخرها صدورا، ومن مصدرها الأصلي.. والمعلومة تقدم محشودة ومختصرة ومركزة ومعبأة على مختلف الهيئات، مقروءة أو مسموعة أو مصورة.. وهذه المعلومات -- عن اي موضوع، كما قلنا-- في متناول يد الطفل، والتلميذ، والبروفسير، والرجل، وربة البيت، بنفس الحرارة، وفي نفس الوقت.. هذه الوفرة في المعلومات، أيضا ليست فقط لسكان الدول المتطورة، وإنما هي متوفرة لقاطني المناطق النائية في أفقر مناطق العالم الثالث، فخدمات الإنترنت الآن أصبحت أماكنها متوفرة في المدن وفي القرى، متى ما توفرت الشبكة، وهي قد صارت سهلة ومتوفرة، حتى لأماكن لم تصلها خدمات الكهرباء بعد..

    ... التقدم التكنولوجى في وسايل نقل الناس، والأشياء، والأخبار، قد ألغى الزمان والمكان، أو كاد، وقد توحد هذا الكوكب، وأصبح أى جزء من أجزائه على مدى ساعات، وتقل هذه الساعات كل يوم جديد. ووحدة هذا الكوكب المكانية تواجه البشرية اليوم ببيئة مكانية جديدة، وهذه المواجهة تشكل تحدّيا على مدى لم يسبق للبشرية أن عرفته في تاريخها الماضى، ذلك أنه مطلوب اليها ان توائم، مواءمة تامّة، بين حياتها وبين بيئتها هذه الجديدة، بأن تحدث وحدة تامّة، تنصهر فيها عناصرها المختلفة، وألوانها المختلفة، وعقائدها المختلفة، ولغاتها المختلفة أيضا، أو، إن عجزت عن ذلك، فقد مضت سنة الأوّلين بالأحياء الذين عجزوا عن أن يوائموا بين حياتهم وبين بيئتهم (طه، "مشكلة الشرق الأوسط" 1967: 9)..

    هذا الواقع الجديد أنتج نوعا غير معهود من المثقفين غير المتخصصين، الذين يعرفون الكثير مما يعرفه المتخصصون، بعد أن لم تعد المعرفة حكرا على الاختصاصيين.. لقد أصبح الجميع كتابا ونقادا وصحفيين، ذوي معلومات وافرة عن كل مجال، ينشرون آراءهم لقرائهم عبر العالم، من مواقعهم على الإنترنت.. كما أصبح في مقدور اي شخص ان يتسوق بكفاءة عالية، فقط بتحريك سبابته، فيدرس أنواع السلع وجودتها، ويقارن بين أسعارها، ويشتري ويدفع الثمن، وهو جالس على مقعده.. وهذا ينطبق على كافة أوجه الحياة من تعليم، وخدمات، وترفيه، وسياسة، وثقافة، وتخطيط..

    وهكذا أصبح في مقدور المخططين لأي مشروع، ان يشركوا سكان منطقة المشروع في التخطيط المطلوب، وتعريفهم بإمكاناته وسلبياته، طالما أن السكان هم المقصودون بالمشروع، كل منهم أصبح قادرا على أن يقرر فيما هو افضل له، ولمجتمعه.. لم يعد للأكاديمي والمتخصص في البيئة والتنمية تلك السلطة القديمة في تقرير ما يصلح او يضر، كما كان في السابق..

    وعليه، ليكون السكان في مستوى المواءمة المطلوب، فرضت البيئة الجديدة واجبات جديدة.. ومن أجل ذلك أيضا، توافقت الدول في هيئة الأمم المتحدة على اعتبار يوم 28 سبتمبر "اليوم العالمي للحق في المعرفة"، حيث إن المادة 19 تولت قيادة التحرك لربط تحقيق أهداف التنمية الشاملة مع الحق في الوصول إلى المعلومات.. لقد أثبتت الدراسات عمق هذا التأثير، فأوضحت، مثلا، أن حرية التعبير والوصول إلى المعلومات هي العامل الرئيسي في معركة محاربة الفقر..

    إننا نعتقد أن توافر وسهولة الحصول على المعلومات يعزز الشفافية ويضمن طرقاً أفضل للحكم، ويقلل من انعدام الكفاءة والفساد. توفر المعلومات للناس الفرصة في اتخاذ قرارات مدروسة، والمشاركة في عملية صنع القرارات التي يكون لها تأثير فعلى على حياتهم، وتضع قادتهم أمام المساءلة (Article 19, 2014: 1).

    كذلك، فرض هذا الواقع الجديد وسائل وطرقا جديدة، على مجال الأكاديميات.. الأكاديمي الآن يصعب عليه متابعة أكثر من مجال واحد، داخل تخصص دقيق واحد، وربما وفق فلسفة معرفية محددة.. ورغم أن هذا التوغل في التخصصات بالتأكيد يساعد على تعميق المعارف، وتعزيز الطاقات العلمية، ولكنه في نفس الوقت يزيد من هوة التباعد في الفهم، حتى لقد أصبح من الصعب اقامة حوار بين متخصصين في مجالين مختلفين عن نفس الموضوع مثل الجفاف والتصحر، كأن يكون احدهما اختصاصي في هندسة الوراثة الزراعية لمحاصيل البيئات الجافة، بينما الآخر يدرس معدلات المواليد لسكان نفس المناطق الجافة.. هذا التحدي المعرفي جعل معرفتنا بالنظريات البيئية، أكبر أهمية، وأكثر ضرورة، لنفهم بيئتنا هذه الجديدة القديمة..

    هذا التحدي يعرض علينا إحدى خصلتين: إما أن نرتفع إلى مستوى المواءمة بين حياتنا، وبين بيئتنا، وإما أن ننحدر إلى الهاوية، فيكون مصيرنا مصير الأحياء التي عجزت عن المقدرة على المواءمة بين حياتها وبين البيئة.. إننا، بفضل الله، ثم بفضل هذا التقدم "التكنولوجي"، قد أصبحنا نعيش في كوكب موحد جغرافياً، وأصبحنا، بفضل هذا التقدم "التكنولوجي"، جيراناً متقاربين، مهما بعدت أقطارنا، في أطراف هذا الكوكب الصغير.. وأصبح علينا أن نتحلى بالأخلاق التي تليق بحسن الجوار (طه، "تعلموا كيف تصلون" 1973 :42)..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

26-03-2015, 06:46 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    ملامح من الكتاب (الفصل الأول)...

    دعنا نختبر الآن: هل النقاش عن موضوع واحد، وتحت تخصص بعينه، يمكن أن يقودنا لنوع من التفاهم أو التقارب في الآراء؟؟ أم أن الأكاديميات، في ظل التفرع والتوسع، أضحت سوقاً كبيراً تعرض فيه الأفكار والنظريات التي تنحو كل منحى، وكل كاتب يروج لبضاعته؟؟ لعل خير مثال لتوضيح مبلغ الاختلاف في أتجاهات البحوث ونتائجها، هو هذه القائمة لعناوين بعض كتب الدراسات البيئية، عن الجفاف والتصحر، مأخوذة بنفس ترتيبها من نفس الصفحة من كتاب "مصادر الجغرافيا في المكتبات الآمريكية" (Harris et al 1985:11)

    • المارشالات الصحراوية (Sears, 1980)
    • الأرض الغنية: الرد على مؤتمر عام 2000 العالمي (Simon, 1974)
    • هل من حق الأشجار أن تقف؟ في إتجاه قانون يحمي ممتلكات الطبيعة (Stone, 1974)
    • حينما تختلط القيم: مقالات في التحليل واتخاذ القرار البيئي (Tribe, 1976)
    • عقد من الزمان البيئي في المحاكمة (Wenner, 1982)

    مجرد عناوين المصادر أعلاه -- بصرف النظر عن محتوياتها -- تعكس التنافر والتناقض في المفاهيم، كما تثير الريبة حول جدوى الاعتماد على هذه الدراسات كركائز عملية للتطبيق.. فمثلا، العنوان :"المارشالات الصحراوية"، يعبر عن نظرة متشائمة وسلبية تجاه البيئة، في حين أن عنوان: "الأرض الغنية" يقع على النقيض، ويبشر بأن الحلول ممكنة وقريبة.. في نفس الوقت، العناوين: "هل من حق الأشجار أن تقف"، و"حينما تختلط القيم"، و "عقد من الزمان البيئي في المحاكمة" تعكس الحيرة، والتشتت في فهمنا لما يمكن أن تقدمه لنا البيئة.. كما أن العناوين المذكورة أعلاه مجتمعة تشير إلى أن نظريات دراسات البيئة هي أقرب للآراء الشخصية، والفهم الذوقي، منها إلى العلم الموضوعي ذي النتائج التي يفترض أن تبنى عليها مشاريع وسياسات في الواقع المعاش..

    التباين في المفاهيم هو انعكاس تجاربنا الذاتية، وحصيلة تصوراتنا، ويدلل على محدودية إدراكاتنا.. فعلى حين أن قرابر، مثلا، يعتبر البيئة "كياناً مقدساً" (Graber, 1976)، ويدعو إلى أصدار قوانين ترعي المظاهر الجمالية والأثرية والقيم، فإن آخرين، بيج مثلا، يبحثون عن أكفأ الطرق التي تمكن الإنسان من الإستفادة القصوى من الموارد البيئية (Page, 1977).. النظرة المبدئية للبيئة تختلف من فهم شوماخر، صاحب كتاب "البسيط هو الأجمل" (Schmacher,1973) الذي يدعو لاستخدام تقنيات مبسطة ومتوائمة مع البيئة المحلية، إلى من ينادي بنقل تكنولوجيا الغرب لاستغلال موارد العالم الفقير..

    ليس هناك نظرية توافقية لتفسير كثير من المواضيع، المحددة جدا، وحتى التطبيقية منها، كأسباب مرض السرطان مثلا، وبالتأكيد أصعب منها، وجود نظرية توافقية لقضايا أوسع نطاقا، مثل محددات النمو السكاني، أو العلاقة بين البيئة و التنمية.. دراسات الجفاف، يوضح هيثكوت (Heathcote 1983: 282)، قد خلقت وضعا مماثلا للأربعة آلهة الكاذبة، التي قادت الرجال بعيدا عن طريق الحق؛ "كل من الأربعة يبرز أثرا مختلفا من الإدراك على المعرفة".. أيضا، واتس (Watts (1983:240) يقول إن "الفقر النظري والمفاهيمي خلال العقد الماضي يظهر من اتجاهين في البحوث": الأول التعامل مع البيئة وتحولاتها، والثاني ابتكار القياسات العقلانية، التي تصنف السلوكيات إلى فردية واجتماعية.. ولسوف يتضح هذا التناقض أكثر بمقارنة تطبيق المدارس الفكرية في مشاريع مكافحة التصحر، ذلك أن التطبيق العملي يجسد الخلل، أكثر مما تبديه الفكرة النظرية..

    يعزو جونستن الاختلافات الفكرية في مجال البحث عامة، لطبيعة المجتمعات الأكاديمية، ثم لاختلاف الرغبات والأمزجة، وتباين نكهات تفكير الأفراد، فيقول:

    لتحليل طبيعة مادة أكاديمية معينة لا بد من دراسة المجتمع الأكاديمي نفسه، فهو مجتمع له أغراضه الخاصة بالأفراد، وله قوانينه، ويتحكم به جهاز بيروقراطي معقد، هذا بالإضافة إلى الصراعات الشخصية الداخلية.. وعلى حين يبدو العمل الأكاديمي موضوعيا للمتفرج الخارجي، فالدور الأساسي في تحديد نوعية وكمية البحوث يرجع لتجارب الأشخاص وتوجهاتهم (Johnston, 1981:50)..

    أيضا، متطلبات الترقيات في الوظائف الأكاديمية، تدفع نشاط الكتابة والنشر، باستخدام كافة السبل، فنجد أن المسألة الواحدة تناقش من كل زواياها، وتطرح كل احتمالات تفسيرها، حتى وإن كانت غير واقعية بالقدر الكافي (كارول، 2007)..

    دراسة علاقة الإنسان بالإنسان تعبر عنها معاملات الإقتصاد والإجتماع، ويغلب عليها الجانب التطبيقي، بينما فهم علاقة الإنسان بالبيئة ظلت في الإطار النظري.. واستعراضنا لنظريات تفسير علاقة الإنسان بالبيئة يبرز الحيرة، والربكة، ويبين أن هناك عجزا حقيقيا في معرفة علاقة الإنسان بالبيئة حوله..

    وعجز الفلسفة الاجتماعية المعاصرة في إدراك العلاقة بين الإنسان والكون، أكبر من عجزها عن أدراك العلاقة بين الفرد والجماعة، ولكن أثره أقل ظهورا، ذلك بأن علاقة الفرد بالجماعة واجهت التطبيق العملي، في السياسة والتشريع والتنفيذ، بينما لا تزال العلاقة بين الفرد والكون في الحيز النظري (طه، "الرسالة الثانية"، 33:1969).

    نستعرض هنا، باختصار، أهم نظريات علاقة الإنسان بالبيئة، قبل أن نبين كيف جاءت منها تفسيرات الجفاف والتصحر، وسائر معالجات التنمية البشرية..

    (عدل بواسطة مصطفى الجيلي on 26-03-2015, 06:48 PM)

                   |Articles |News |مقالات |بيانات

29-03-2015, 01:47 AM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    أعتقد سأكتفي بهذه الملامح من الفصل الأول، ومؤكد أصبح هنالك تصور جيد عن مادته...
    والآن سأورد ملامح سريعة من الفصل الثاني، ولقد قلنا أن الكتاب أصلا يقع في فصلين..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

30-03-2015, 03:19 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    الفصل الثاني

    النظرية الروحية للبيئة والتنمية



    التطور هو الانسجام مع جزيئات البيئة - جزيئاتها الزمانية والمكانية.. (طه، "طريق محمد"، 1974: ).
    ان فائدة التعليم لهى فى مقدرة المتعلم أن يوائم بين نفسه وبين بيئته... ووظيفة التعليم انما هى أن يأخذ المتعلم صورة كاملة وصحيحة عن البيئة التى يعيش فيها.. (طه، "رسائل ومقالات، الثاني"، 1974: ).


    مقدمة

    يقدم هذا الفصل نظرية جديدة قوامها الفهم الروحي العلمي للبيئة، فتفتح بذلك مسارا جديدا، ونهجا تطبيقيا غير مسبوق، لفهم البيئة والتنمية.. هذه النظرية تعتبر جديده فقط في نظر المخططين والأكاديميين، قياسا بوجهات نظرهم المنشورة في أدبيات البيئة والتنمية.. أما لعامة الناس، فالنظرة وتطبيقاتها إنما هي الصورة الكاملة لفكرة الأديان، التي يتبناها البلايين من الأفراد، عبر الكوكب، وعلى امتداد الأجيال..

    الجديد في هذا الطرح للفكرة الروحية، ثلاثة عناصر.. الأول هو أن الطرح المقدم في هذا الكتاب يتبنى المستوى الأكثر تقدما واكتمالا – أو المستوى العلمي-- المنقول عن فهم مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه، مؤسس الفكرة وزعيم حركة الأخوان الجمهوريين في السودان (الملحق أ).. والعنصر الثاني هو أن شرح أسس ومكونات النظرية الروحية، والتي توجد أطوار وأقساط منها في أنواع الديانات، سيكون بلغة أكاديمية وفق متطلبات وقواعد النهج العلمي، مترافقا باقتباسات من تلك الديانات.. والعنصر الثالث، هو أن الطرح سيقدم محاولة تطبيق للنظرية، وترسيم وسائل تنفيذها على إدارة البيئة والتنمية، وحالة الدراسة ستكون، تنمية البيئات الجافة في السودان.
    .
    ولقد قصد ربط الفكرة الروحية، المعبرة عن فهم فكر الأستاذ محمود محمد طه، بنماذج ونصوص دينية من أصول متنوعة، بغرض شرح صلتها بجذور العقائد المختلفة، كما لتأكيد مخاطبتها لكل الثقافات، ولتقرير أن فكرة الأستاذ محمود هي تكملة وتتويج لفكرة الأديان، ثم للفت النظر للمفاهيم الإيجابية المشتركة بين أنواع الأديان، وأيضا لمتابعة لمحات من سير التراكم المعرفي..

    من جهة أخرى، فالدراسة، هي ايضا محاولة، لسد الفجوة بين نسخة الفهم التقليدي الذي يمارسه عامة الناس وبين معطيات الدراسات، التي يتدرب عليها المخططون، وعلى أساسها تُبنى المشاريع وتُؤسس قواعد الإدارة والتخطيط.. الطرح يعبر عن معاني وقيم روحية قد يمارسها كثير من الناس، لكنها، لا تجد طريقها للتعبير في الدراسات الأكاديمية والمهنية.. وبالتالي، فالطرح يجمع بين معرفة تجريبية ومعرفة عقائدية، في إعادة ترتيب للمفاهيم لرسم الخطوط العريضة لنظرية روحية علمية، يمكن أن يُبني على أسسها سياسات التنمية وتخطيط المشاريع.. يطرح الفصل النظرية في ثلاثة مباحث..

    المبحث الأول، يتناول فلسفة المعرفة، فيعرف القارئ على جذور ومنطق وطرق بحث الفكر الروحي.. ثم يبرز الأديان كمناهج للتأقلم مع معطيات وأحداث البيئة.. بعدها، يناقش أوجه الشبه والخلاف بين العلم والدين ويتابع نشأتهما وتطورهما وعناصر التحدي، التي تواجه أياً منهما..

    المبحث الثاني يقدم مفهوم التنمية الروحية، فيشرح أن الإنسان هو غاية الأحداث والعمليات البيئية على خلفية فهم البيئة الروحيه ثم يقدم القرآن ككتاب لفهم قصة الإنسان وتطوره وعلاقته بالبيئة.. كما يشرح مفهوم التنمية، وأهدافها، ووسائل معالجتها، في المنظور الروحي..

    ثم بناءً على ما تقدم، يقدم المبحث الثالث مقترحا مفصلا لخطة أعادة بناء الحال المتدهور، الذي عليه وضع السودان اليوم، متابعا في ذلك الغايات والأهداف، الهيكل السياسي، فالبرامج التعليمية، ثم الهيكل الإقتصادي، ويختتم برسم ملامح دولة المستقبل..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

31-03-2015, 10:02 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    ملامح من الفصل الثاني...

    المباني المعرفية

    في الفيزياء الكلاسيكية، وانطلاقا من معطيات نظرية المعرفة النيوتونية (نسبة لعالم الفيزياء اسحق نيوتن)، فإن الفضاء يعرّف على أنه متجانس، ثلاثي الأبعاد، ومنطقيا متسلسل، وسابق في وجوده الكائنات الموجودة فيه.. وهو خامل جسديا، لانهائي المدى، ومستمر.. ونقلا عن نيوتن : "الفضاء المطلق، في طبيعته الخاصة، ودون النظر إلى شيء خارج عنه، يبقى دائما متشابها، وثابتا".. أما الزمان، فهو:

    ... صحيح، ومنسجم، ومنطقي، قابل لقوانين الحساب؛ والزمان، وهو في حد ذاته، ومن طبيعته الخاصة يتدفق بانتظام دون اعتبار أي شيء خارجي يتعلق به، و ذلك التدفق، تحت اسم آخر، يسمى المدى الزماني --أو المدة.. إن تتابع الأحداث وتسلسلها في مواقع-- قائمة أصلا وموجودة فعلا -- يشكل سلاسل سببية ومستقلة عن اختيار الإطار المرجعي (نقلا من Peacocke, 1980:77)..


    مفاهيم نيوتن شكلت نظرية المعرفة الأساسية، والتي قامت على أسسها، ولا تزال، معظم العلوم التجريبية.. لم تحدث تغييرات جذرية في نظرية المعرفة، في الفيزياء، إلا بعد طرح نظرية النسبية (والتي نشرت لأول مرة، عام 1905)، فضلا عن مساهمات أخرى لألبرت أينشتاين، مرتبطة بهذا التغيير المعرفي.. هذه التغيرات في المباني المعرفية للفيزياء، سرعان ما امتد أثرها لعلوم أخرى.. في العام 1977، لوحده، نشر "ما لا يقل عن 105 مقالات علمية، حوت كلمة أينشتين في عناوينها، حسب أحصاء مؤشر الاقتباس في نشر العلوم".. في تلك السنة، في مجال الفيزياء، والمجالات التطبيقية المرتبطة بها، استشهد بكتابات وأعمال أينشتاين مجموع 452 من الأعمال المنشورة.. ذلك الرقم، في ذلك الوقت، يعكس التأثير الواسع لنظرية النسبية، على مفاهيم العلوم والتكنولوجيا (Cawkell and Garfield, 1980:38).. يقول راسل نزل:

    إن نظرية النسبية ، جعلتنا أكثر حرية، وأمضى انطلاقا، وأكبر ثراء، في المعرفة ، حيث انعكست في انجاز متنامي، وملموس، برز في وصول قدراتنا الفكرية إلى مجالات وتطبيقات أكبر وأبعد من قدرتنا الحسية التجريبية للإدراك (انظرPeacocke,1980:80 )..


    وعلى النقيض من الفيزياء الكلاسيكية، فإن الفيزياء الكمية، والتي تتعامل مع العديد من العمليات، مثل تحولات أشكال الطاقة في المستوى الذري أو الجزيئي، والتي تستمد براهينها، وتجد مقوماتها في مفاهيم ليست معملية، تتعلق بانقسام وحدات من الطاقة المشعة، متناهية الصغر، إلى وحدات أدق، موغلة في التناهي، ومتحركة بسرعات فائقة، تقارب سرعة الضوء.. كل هذا وجد مكانه أخيرا في العلوم التطبيقية والعملية، في حين أن النظرة الفلسفية المعاصرة في العلوم الاجتماعية ظلت متأخرة عن رصيفاتها التطبيقية، إذ لا تزال تاخذ منطقها عن فلسفة معرفة قائمة على معطيات نيوتن (Smith, and O’Keefe, 1980)..

    وجد آينشتين أن المادة والطاقة، شيء واحد، في أس تكوينها، وإن اختلف ظاهرها، حيث أن الأشياء تتكون من جزيئات، والتي هي كتل من الذرات متراكمة فوق بعضها، وتجارب انشطار الذرة أكدت حقيقة هذه المعلومة.. في نظرية النسبية العامة، وضع آينشتين معادلات رياضية، ربط فيها بين المادة، والفضاء، والزمان، و الجاذبية.. وأخيرا، في عمله "نظرية الحقل الموحد"، اختبر آينشتين وضع الأجسام، والمسار، وسرعة حركة موجات الطاقة، لإثبات أن الحقول الكهرومغناطيسية (أي مجالات الطاقة الإشعاعية)، وحقول الجاذبية، تتألف من نفس التكوين، ولا تختلف في النوع، وإنما الاختلاف فقط في طول الموجة (انظر Goldsmith, 1980).. ومع ذلك، فإن جوهر هذه الوحدة وكينونتها لا تزال تنتظر الاستكشاف؛ كتب أينشتاين:

    أن قوانين الطبيعة تعمل بصورة من التناسق والإتساق والإنسجام بحيث يمكن للمرء أن يقول أن ذكاءً إلهيا هو الذي صاغها، ونحن يمكننا أن نصف هذا المظهر بالقدسية؛ حيث ليست فقط هذه القوانين موحدة الطابع في جميع أنحاء الزمكان، ولكن شكل ونمط هذه القوانين يتميز بالبساطة والجمال التي تنم عن فكر الله. (نقلت في Feuer, 1982: XIX).

    "في الواقع، من الصعب أن نتصور كيف يمكن للعقل البشري أن يعمل، دون الاقتناع بأن هناك شيئاً حقيقياً ومسلماً به، لا يمكن تجاهله في العالم " (Eliade, 1984:1).. بتأملاته على الطبيعة، واستكشافاته وأبحاثه في طرق وقوانين عملها، واستخدامه لأساليب أعمق من الملاحظة والتسجيل، خلص آينشتاين إلى:

    أن قوانين الطبيعة تعمل بصورة من التناسق والإتساق والإنسجام بحيث يمكن للمرء أن يقول أن ذكاءً إلهيا هو الذي صاغها، ونحن يمكننا أن نصف هذا المظهر بالقدسية؛ حيث ليست فقط هذه القوانين موحدة الطابع في جميع أنحاء الزمكان، ولكن شكل ونمط هذه القوانين يتميز بالبساطة والجمال التي تنم عن فكر الله. (نقلت في Feuer, 1982: XIX).

    ورغم أن أبحاث آينشتاين قادته إلى مشارف عالم أوسع وأشمل من العالم المادي، لكن لم تتعد تلك الأفكار حيز التأمل، حيث ظل التطبيق، في معظم المجالات، منحصرا على مفاهيم العلوم وفق معطيات نيوتن.. مثلا معروف أن الفيزياء توصلت لمعرفة الكثير عن هيئة ومواصفات وتصرف الجسيمات التي تنتج عن حركتها الكهرباء، واستخلصت واستخدمت القوانين التي تنظم سلوكها، ولكنها لم تتعرف على جوهر تلك الجسيمات، ولا على حقيقة كيف تنتج الكهرباء عن حركتها..

    ولأن العلوم التجريبية لا تعترف، ولا تباشر، إلا ما يمكن إثباته للآخرين، فإنها تسعى على الدوام لتوفير ودعم قاعدة بيانات يمكن التحقق منها بالبراهين.. وبديهي أن ما ينطبق على العلوم التجريبية، ينطبق بصورة أوكد على دراسات البيئة والتنمية، والتي ينبني عليها تدريب المخططين والإداريين، فهي دراسة مظاهر البيئة وقوانين حركتها، دون محاولة الولوج إلى حقيقتها وخفاياها..

    الطور الجديد الذي ينقلنا إليه فكر الأستاذ محمود، هو الوعي، والوضوح الفكري، الذي يثبت، ويدلل، على وجود القوى الروحية، في ترافق مع الوجود الحسي.. كتب طه، نقلا عن الكاتب أحمد زكي:

    "ثم نعود إلى الكون، إن هذه عناصر الأرض، وهذه مركباتها، وهى كل شئ فيها، وقد بناها بانيها من لبنات ثلاث: إلكترونات فبروتونات فنيترونات .
    وتحدثنا عن الكواكب السيارة، فقلنا أن عناصرها من عناصر الأرض ..
    وتحدثنا عن النجوم، فقلنا أن عناصرها من عناصر الأرض، تستوي في ذلك نجوم في مجرتنا هذه، دنيانا، سكة التبانة، ونجوم في مجرات نركب إليها الضوء فلا نبلغها إلا بعد مئات الملايين من السنين ..
    الكون أجمع إذن يتألف من عناصر هي بعض هذه التسعين .
    الكون أجمع إذن يتألف من تلك اللبنات الثلاث..
    فلو أننا أمرنا الأرض أن ينفرط عقدها: أمـرنا أجسـام الإنسان أن تنـفرط، وأجسام الحيوان، وأجسام النبات، وأجسام الصخر بهذه الأرض، والصخور بهذه الكواكب، وأمرنا كل غاز الشمس أن ينفرط، وأن تنفرط غازات النجوم جميعها، ما قرب منها وما بعد، واختصاراً أن ينفرط كل شئ في الوجود، لنتج عن انفراطه كومات هائلة ثلاث من: إلكترونات- وبروتونات- ونيوترونات، فهل في معاني الوحدة أبلغ من هذا المعنى؟ ونقول ثلاث لبنات، وهل هي حقا ثلاث؟ وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات، يـرد العلماء "القوى" إلى أصـل واحد: الضـوء، الحـرارة، الأشعـة السينيـة، الأشعـة اللاسلكية، الأشعة الجيمية، وكـل إشعـاع في الدنيا، كلها صور متعددة لقوة واحدة ، تلك القوة المغناطيسية الكهربائية، إنها جميعا تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة .
    المادة ثلاث لبنات، والقوى موجات متآصلات ..
    ويأتي أينشتين، وفي نظريته النسبية الخاصة، يكافئ بين المادة والقوى ..
    ويقول: إن المادة، والقوى، شئ سواء، وتخرج التجارب تصدق دعواه، وخرجت تجربة أخيرة صدقت دعواه بأعلى صوت سمعته الدنيا: ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليورنيومية ..
    المادة والقوى، إذن، شئ سواء .
    فماذا بقي من أشياء هذا الكون؟" (طه، "الإسلام"، 1968: 6-7).

    الجديد الذي أتي به الأستاذ محمود، هو تقريره أن تلك الطاقة، التي هي صورة مفككة للمادة، ما هي في حقيقة تكوينها إلا وجود ذكائي.. فكل الأحياء والأشياء من شجر وحجر، وماء وسماء، وأحداث ومشاهد، ليست غير وجود فكري.. وهذا الوجود الفكري حي، وعالم، وعارف، بكل حيثياته وحركته، وهو ما نسميه "روح"..

    البيئة التي نعيش فيها الآن، اذن، قد برهن العلم المادى التجريبى الحديث نفسه على أنها ليست مادية وانما المادة مظهر لشئ وراء المادة وهذا الشئ الذي وراء المادة يعبّر الاسلام، عن أدنى منازله من المادة، بالروح، أو إن شئت التعبير الحديث، قل بالفكر.. فالبيئة التي نعيش فيها فكرية، تجسدت فيها الأفكار، فاتخذت مظهرا نسميه نحن المادة. ومن ثمّ فالوحدة البشرية التي تطلب البيئة الجديدة الى الانسانية تحقيقها انما سبيلها الفكر (طه، "مشكلة الشرق الأوسط" 1967: 10)..

    ويقرر الأستاذ محمود، أن هذه النظرة للوجود الروحي، يرشحها البحث العلمي، قبل سواه..
    في الحق ان العلم الحديث داع إلى الله بلسان بليغ، فهو يرينا كل يوم، كيف أن العالم المحسوس، إذا أحسن استقصاؤه، يسوقنا إلى عتبة عالم وراءه، غير محسوس، أو قل لا تدركه الحواس على النحو المألوف، ثم يتركنا هناك وقوفا، في خشوع وإجلال، نلتمس وسائل غير وسائل العلم التجريبي المادي، بها نهتدي في مجاهيل الوادي المقدس، الذي يقع وراء عالم المادة التي نعرفها .إن أرباب القلوب قد سمعوا أن الظواهر المادية تنادي إلى الله بصوت عال يقول: إنما نحن فتنة فلا تكفروا! وإن مطلوبكم أمامكم فلا تقفوا معنا! (طه، "الرسالة الثانية" ، 1969: 61)..

    العلم لم يدع أنه يبحث عن جوهر الأشياء وحقائقها، وإنما هو يبحث عن ظواهرها وقوانين سلوكها، فهو يعرف خصائص الكهرباء ولا يعرف كنه الكهرباء. بل إن العلم نفسه قد قـرر أن المادة ، كما نعرفها، إنما هي مظهر لأمر وراءها لا نعرف حقيقته. (طه، "الرسالة الثانية" ، 1969: 61).
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

02-04-2015, 04:20 PM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    ملامح من الفصل الثاني...

    الأديان كمناهج تأقلم مع البيئة

    يمكن أن نقول إن العلاقة بين الإنسان والبيئة، يجسدها سعي الإنسان ليبقى متوائما مع ما حوله.. وقد ظلت محاولة فهم هذه العلاقة، هي شغل الإنسان، ليستطيع أن يحسن، ويجوّد، مقدرات تواؤمه مع نظم عملها..

    العلاقة بين الإنسان والكون ظلت مادة التعليم والتعلم، من لدن فجر الحياة البشرية وإلى يوم الناس هذا، ولقد استعان الإنسان على استجلاء حقيقة هذه العلاقة بالدين، وبالعلم المادي، منذ النشأة، فالدين والعلم المادي توأمان، ولدا في وقت واحد، ودرجا معا، وظلا يتعاونان في مدارج النمو . ولقد كان ميدان العلم المادي لدى الإنسان الأول ضيقاً جدا، وميدان الدين واسعا، فهو قد اعتنق جميع مظاهر الحياة المادية في البيئة الطبيعية، وفيما وراء المادة بالقدر الذي تعطيه الأحلام في النوم، وتوحيه الأوهام في اليقظة، وهو لم يترك في حيز العلم المادي إلا أشياء قليلة أوحى طول الألفة بأنها لا تحتاج إلى كثير احتفاء. كان الإنسان يشعر أن لكل شئ في الوجود روحا، ورسخت الأحلام فيه هذا الشعور، حتى لقد أصبح يصلي لكل شئ.. يصلي للصيد، ويصلي للزراعة، ويصلي للحصاد، ويصلي لتناول الطعام ، ويصلي للسلاح. ثم أخذت الالفة والعادة تعمل عملها، في رفع الرهبة والقداسة عن الأشياء التي اعتادها وقدر عليها، فدخلت في منطقة علمه التجريبي، وأخذت بذلك دائرة العلم تزيد ودائرة الدين تضيق، حتى جاء الوقت الحاضر، حيث يزعم بعض المغرورين بالعلم الحديث أن الدين لم تعد له مكانة في حياة الإنسان المتحضر، وما كفر العلم، ولكن بعض العلماء كفروا، برسالة العلم، وبرسالة الدين معا. (طه، الرسالة الثانية ، 1969: 60).

    الجديد في هذا القول، علي أدبيات البيئة والتنمية، هو أن التكيف البيئي يمكن أن يعاد تعريفه، إذ أنه بهذا الفهم ينظر للبيئة بعينين، بدلا من النظر بعين واحدة، كما تراها وتعبر عنها الدراسات والخطط.. العين الأولى تبصر التكيف مع معطيات وقوانين العالم المادي، وهو التأقلم البيئي المعروف، الذي ندرسه، ونخطط بناءً عليه.. أما العين الثانية، والتي لا يوجد اعتبار لمدلولاتها في الدراسات الأكاديمية، فهي التكيف مع الوجود غير المرئي –غير المادي-- الذي نحسه بذوقنا، ونستشعره بسعة إدراكنا، ويؤثر على حياتنا ويشكل تصرفاتنا ومعرفتنا بالكون، ولكنا مع ذلك، لا نستطيع إخضاعة لمتناول حواسنا الخمسة، وبالتالي لا نعتمده حينما نقوم بدراساتنا، ولا ننفذ بناءً عليه تخطيطنا.. ومشكلتنا في ذلك، أننا نعجز عن أن نثبت ذلك العالم الغير مرئي للآخرين، ولذلك نقف مواقف مختلفة منه، من حيث اليقين به، والعمل وفقه.. وسيلة التأقلم على العوالم غير المادية تعبر عن نفسها، في أنواع العقائد والأديان.. و يتطور المنهجان –العلم والدين-- بمعدلات متفاوتة، من القوة، والنجاح، ومن ثقل وتركيز تبني الأفراد والمجتمعات لأي منهما..

    ولقد وجدت صوراً ورسومات لحيوانات الصيد على الصخور، وبداخل الكهوف، في مواقع أثرية مختلفة من الصحراء الكبرى، موطن الحياة في العصور الحجرية الأولى، يطلق عليها "الرسوم الصخرية"(Zboray, 2005).. وقد ثبت منها، ومن بقايا أثرية أخرى في كثير من الحفريات، أنه كان يسود الاعتقاد أنه برسم صورة الحيوان أو الفريسة، كأنما تتم السيطرة عليها في عالم الروح، فيكون صيدها تنفيذا لخطة تم التصديق عليها سلفا.. قدسية الأشياء، والاجسام، وعمليات الحياة، قد كانت أفضل وسيلة للمواءمة مع المظاهر المخيفة القاسية، أما القدر من عناصر البيئة، الذي استطاع التحكم فيه، فقد قاده تدريجيا، ليصبح شعوره أكثر ألفة، وحميمية، مع عناصر البيئة لتخدم أغراضه، وتوصله لغاياته..

    ولما كان الانسان الأول قد وجد نفسه، في البيئة الطبيعية التي خلقه الله فيها، محاطا بالعداوات من جميع أقطاره، ولما كان الله قد سواه وسطا، فلا هو بالقوي، الذي يستغني بقوة عضلاته عن استعمال حيلته، في حل مشاكله، ولا هو بالضعيف، الرخو، الخائر، الذي لا ينهض لأي مستوى، من مستويات تحدي الأعداء فإنه قد سار في طريق "الفكر"، من أجل الاحتفاظ بحياته وقد هداه الله بعقله، وقلبه، إلى تقسيم القوى التي تحيط به، إلى: أصدقاء، وإلى أعداء.. ثم قسم الأعداء إلى أعداء يطيقهم، وتنالهم قدرته.. وإلى أعداء يفوقون طوقه، ويعجزون قدرته.. وكذلك قسم الأصدقاء إلى: أصدقاء يبادلهم وداً، بود، وخدمة، بخدمة، وإلى أصدقاء يغمرونه بألطاف النعم، ويغدقون عليه أصناف البر، وهو عاجز عن مكافأتهم على صنيعهم هذا به، لأنهم أقوياء، وهو ضعيف، ولأنهم أغنياء، وهو فقير، وقد زادت قوتهم، واستغناؤهم، عن حدود تصوره، فلزم العجز، واستشعر الشكر.. ولقد هدته هذه النظرة طريقه في الحياة: فأما الأعداء الذين يطيقهم، وتنالهم قدرته، مثل الحيوان المفترس، والإنسان العدو، فقد عمد في أمرهم، إلى المنازلة، والمصاولة، والمراوغة، فاتخذ، من أجل ذلك، الآلة، يمد بها قوته، ويعوض بها عن الأنياب، والمخالب، التي لم تعد من طبيعة تكوينه، كما لجأ إلى الحيلة، فاتخذ المساكن فوق الأشجار، وفي الكهوف، وعلى قنن الجبال.. ومن محاولاته في هذا الاتجاه نشأ العلم التجريبي الذي وصل، في القرن العشرين، إلى فلق الذرة..
    وأما الأصدقاء الذين استطاع أن يبادلهم نفعاً، بنفع، ومعاملة، بمعاملة، فقد هدته صداقتهم إلى العيش معهم في جماعات أكبر من تلك التي يعيش فيها الحيوان، مما ساق إلى التفكير في رعاية مصالح الآخرين.. وبدأ، بهذا الاتجاه، نظام المجتمع، وتأدى ذلك إلى نشأة العرف، والعادة، والتقليد، التي هي مقدمات القوانين والتشاريع..
    وأما الأصدقاء الكبار، والأعداء الكبار، فقد هدته حيلته إلى التزلف إليهم، بتقريب القرابين، وبإظهار الخضوع، وبالتمليق.. فأما الأصدقاء فبدافع من الرجاء، وأما الأعداء فبدافع من الخوف.. وبدأت، من يومئذ، مراسيم العبادة.. ونشأ، من يومئذ، الدين.. لعمري!! ليس الأمر بهذا اليسر.. ولكن هذه مجرد العبارة، وهي عبارة قد اضطررنا إلى الإيجاز فيها، أشد الإيجاز.. وهي، من أجل ذلك، ولغير ذلك أيضا، عبارة جانبية، ومعممة، ومخلة بالصورة.. وعذرنا أنا لا نملك في المقام الحاضر خيراً منها.. (طه، "رسالة الصلاة"، 1972: 30-32)


    ويجب ألا يفهم من هذا، أن الأديان، وبسبب عرضها بهذا المنطق، مادية، مقطوعة عن عوامل السماء، فإنما هي منذ نشأت في الصور البدائية، التعددية، قد كانت، في ذاتها وبصورتها، مقصودة ومرعية من السماء، توائم بين الناس وبين حاجاتهم، وكانت بذلك تمهيداً ضرورياً، وتوطئه، لمقدم الأديان السماوية..

    فالإسلام هو الدين، منذ بدء الدين، و لكنه اتخذ صوراً مختلفة، في الأزمنة المختلفة، حسب حكم الوقت.. ذلك بأن الله يبدي ذاته لخلقه على قدر طاقتهم.. وإنما كان العرف الأول إسلامياً لأنه حقق غرض الإسلام بتحقيق حرية الإنسان وكرامته.. ولقد ورد الحديث في متن المحاضرة عن دين الإسلام العام، و دين الإسلام الخاص، وجاء تعريف الدين بأنه الجزاء، كما ورد الحديث عن مستوى الجزاء في الإسلام العام، ومستوى الجزاء في الإسلام الخاص، وعن العرف الأول الذي قام عليه المجتمع، أول ما قام، وهو تقييد غريزة الجنس، وتنظيمها، وتقييد حب الملكية، وتنظيمها.. وجاءت الإشارة، في متن المحاضرة، إلى علاقة هذا العرف بشريعة الحدود الراهنة في الإسلام، وهي: الزنا، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، مما يغني عن الإعادة ها هنا..
    و خلاصة الأمر، في هذا الباب، إن نشأة الدين، ونشأة العلم، ونشأة المجتمع، إنما كانت بدافع من حاجة الإنسان إلى تأمين حياته، وتيسيرها، مما يضع الإنسان ـ من حيث هو إنسان ـ موضع الغاية من كل سعي.. فكل شئ في الوجود إنما هو وسيلة الإنسان، كما قال تعالى، في سورة لقمان: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات، و ما في الأرض، وأسبغ عليكم نعمه، ظاهرة وباطنة.. ومن الناس من يجادل في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير" هكذا!! كل ما في الوجود إنما هو وسيلة الإنسان (طه، "الدين والتنمية الاجتماعية" 1974 : 4-5)..


    وما هو جديد أيضا في طرح النظرية الروحية هو أن الدين يعتبر العامل الأساسي والأهم في نشأة وتطور المجتمع.. لم يكن من الممكن العيش في جماعة بدون تقييد نزوات، ورغبات الأفراد، ولن يتأتى ذلك بغير مفهوم الصواب والخطأ، وبالتالي مبدأ الثواب والعقاب، والتي في مجملها هي مادة الأديان..

    ... وأما المجتمع فإنه قد نشأ بعيد ذلك ـ نشأ مع نشأة شريعة الدين ـ وتلك نشأة قد كانت مبكرة، ذلك بأن الإنسان الأول، بحكم ما ورثه من طور حيوانيته، قد كان نزاعا للعيش في القطيع .. وهو، الى ذلك، قد كان يحتاج هذا العيش في الجماعة لما توفره له الجماعة من أسباب الأمن في وجه جوائح البيئة، ومن أسباب التعاون على منادح كسب الرزق، ومضانكه.. فحاجته إلى العيش في المجتمع قد كانت من قبيل حاجته إلى حياته، وتأمينها.. وتلك هي الحاجة التي كانت، كما سبق أن قررنا، وراء نشأة الدين، ونشأة العلم .. ولقد إضطر الإنسان، من أجل العيش في المجتمع، إلى التنازل عن قدر كبير من حريته.. وهو، بالطبع الذي ورثه من طور حيوانيته، قد كان شديد الشغف بتحصيل شهوتي البطن والفرج، ولذلك فما كان للمجتمع أن ينشأ إلا على تقييد هاتين الشهوتين .. وكذلك قام العرف الأول على تنظيم الغريزة الجنسية، وعلى تنظيم حب التملك.. ولقد كان هذا العرف هو جرثومة القوانين، وبداية شريعة الحرام، والحلال.. ولقد كان هذا العرف الأول عنيفاً بالفرد، أشد العنف، وذلك لمكان حاجة الفرد، في ذلك الطور من أطوار النشأة، إلى الترويض، والتهذيب .. ولقد أعان ذلك العرف البدائي الإنسان الأول كل العون، على تقوية إرادته، وسيطرته على نفسه، كما خدم المجتمع، في ذات الوقت، أجل خدمة، بحفظ كيانه، وبصيانة حقوقه، مما جعل استمراره، لمصلحة الفرد، و لمصلحة الجماعة، ممكناً ..
    فالعلاقة بين الفرد والمجتمع قد قامت، من الوهلة الأولى، على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية، وحاجة المجتمع إلى العدالة.. وهو توفيق موزون، ومتمشٍ مع ما يطيق الفرد، وما يطيق المجتمع، ومع ما يحتاجانه في ذلك الطور البدائي من أطوار نشأة الفرد، ونشأة الجماعة.. ولقد كان للدين، ثم للمجتمع، كل الفضل في نشوء الوازع الداخلي (الضمير) في الإنسان، إذ صار له اعتبار لغضب المجتمع، و رضائه، ولغضب الآلهة، ورضائها.. ودخلت، من ثم، القيمة المعنوية في اعتباره .. فهو قد يؤجل اللذه العاجلة طمعاً في اللذة الآجلة، وهو قد يستعصم عن اللذه الحسية طمعاً في اللذة المعنوية .. فمد كل أولئك في سعة تخيله، وأعانه على تنمية عقله بزيادة سيطرته على نوازعه الشهوانية .. (طه، "الدين والتنمية الاجتماعية" 1974 : 3)..


    ولا يغرن أحدا، كون أن الديانات مختلفة في التفاصيل، لدرجة أنها قد تعادي، وتحارب، بعضها بعضا، فالأديان هي من التشابه في الجوهر، للدرجة التي يمكن معها القول بأن غاياتها واحدة، ومصدرها واحد.. الأديان يمكن تعريفها بأنها منظومات من الأفكار والقيم والطقوس والمؤسسات، لتعبر عن معاني وغايات الحياة، واختلافها هو اختلاف مظهر فقط، اختلاف ثقافات، وانعكاس بيئات.. وعن هذا عبر أحد الثيولوجيين:

    الديانات المختلفة ما هي إلا لهجات للغة واحدة توظف كلمات مختلفة لتعبر عن نفس الفكرة (Smith, 1958: 352)..

    أيضا، مؤرخ الديانات، ميرسيا إليادي خلص للقول:

    يكفي أن نقول إن مفهوم "قدسي أو مقدس" هو عنصر في بنية الوعي، وليس مرحلة في تاريخ الوعي. لكي يعيش الشخص متوائما وآمنا ومنتجا راغبا في الحياة لا بد أن يجد حوله عالما من التناسق والتوافق ومعاني ذات مغزى.. الإنسان لا يستطيع أن يعيش في دوامة من "الفوضى" .. عالم المعاني الناتج من عملية جدلية هو الذي نطلق عليه "قدسي او مقدس".. حياة الإنسان تصبح ذات مغزى من خلال تركيب بنيات نموذجية كشفتها وشرحتها وتشرف عليها كائنات خارقة (Eliade, 1984:II).
                   |Articles |News |مقالات |بيانات

04-04-2015, 03:22 AM

مصطفى الجيلي
<aمصطفى الجيلي
تاريخ التسجيل: 09-12-2013
مجموع المشاركات: 256

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


Re: تقديمات وملامح من كتابي: النظرية الروحية � (Re: مصطفى الجيلي)

    ملامح من الفصل الثاني...

    الصراع بين العلم و الدين

    قلنا إن فرعي المعرفة، المادي والروحي، ظلا يتطوران ويتعمقان معا، على اختلاف في الدرجة.. وقد مرت على التاريخ فترات تزدهر فيها الاكتشافات وضروب الاختراعات المادية، وتتخلف الأخلاق والقيم.. ثم تنبعث ثورة في المعتقدات، أو رسالة سماوية، فيسمو ميزان القيم، ويظل تقدم العلوم المادية بطيئا.. يمكننا القول إننا الآن نعيش قمة مادية، هي التكنولوجيا المعاصرة، التي ما سبق العالم بمثلها.. يقول الأستاذ محمود:

    كما أن الزمان، على كوكبنا هذا، يسير على رجلين، من ليل ونهار - ظلام ونور- وكما أن الإنسان يمشي على رجلين من شمال ويمين، فكذلك الحياة تتطور على رجلين من مادة وروح.. وعندما يقدم المجتمع البشري، في ترقيه، رجل المادة، ويثبتها، ويعتمد عليها، يكون في حالة تهيؤ ليقدم رجل الروح، وهو لا بد مقدمها،" كان على ربك حتما مقضيا". ذلك بأن تقدم الحياة لا يقف إطلاقا، ولا يتأخر، ولا يكرر نفسه، وإنما يسير قدما في مدارج مراقيه، حيث تطلب الحياة أن تكون كاملة في الصور، كما هي كاملة في الجوهر. وهيهات !!
    أو قل ان سير الحياة، في مراقيها، كسير الموجة، فهي لا تنفك بين سفح وقمة، وهي عندما تكون في السفح إنما تحتشد لتقفز إلى القمة، وإنما يمثل السفح التقدم المادي للمجتمع البشري، وتمثل القمة تقدمه الروحي، والذين لا يرون صورة سير المجتمع مكتملة، وإنما يرونها بالتفاريق، ينعون عليه تقدمه المادي، ولا يعتبرونه إلا انحطاطا، ويحسبونه رجسا من عمل الشيطان، والله هو المسير الحياة إليه، على هذين الرجلين، من المادة والروح. وفي الحق، انه لدى التوحيد، إنما المادة والروح شيئ واحد، ولا يقع بينهما اختلاف نوع، وان وقع بينهما اختلاف المقدار (طه، "الرسالة الثانية" 19:1969). .


    لقد سيطرت النهضة التكنولوجية الحاضرة، على حياة الأفراد، سيطرة تامة، ووحدت بينهم، بصورة يكاد يستحيل على إنسان اليوم أن يعيش بمعزل عنها، فهي في الغذاء وفي الكساء وفي السكن.. مظهر كل فرد يحكي هذا التوحد، فالفرد قد يرتدي قميصا صنع في الصين، وبنطالا أمريكيا، وحذاءً من إيطاليا، وجوربا برازيليا، وساعة يابانية؛ هذا إذا لم نتابع حقيبته ومحتوياتها ثم مقتنيات بيته ووسائل انتقاله وطبيعة عمله.. ثم هو قد يأكل وجبة، مكوناتها زرعت في كل القارات.. مناهج التعليم، والشهادات، وقوانين المال، وأساليب الصناعة، والخدمات، وبرامج الثقافة، كلها توحدت، أو كادت أن تتوحد..
    هذه النهضة المادية، الموحدة للكوكب، تسلمت القيادة من الكنيسة في أوربا المظلمة، في القرن السادس عشر، حيث في أوروبا أخذ الصراع بين الكنيسة والاكتشافات العلمية، وضعا عدوانيا.. لقد تم قتل وصلب العلماء والمكتشفين بتدبير من الكنيسة ورجال الدين، فلم يبق أمام العلماء سوى ان يفصلوا، فصلا حاسما، بين المعرفة العلمية والكنيسة، وهي لازمة فرضها الحذر من عدو شرس ولئيم.. ثم ترسخ هذا الحاجز، وتجذر في الكتب، والدراسات العلمية، واصبح من غير المقبول استخدام منطق الدين، وأساليب الوعظ، في طرح المعارف العلمية.. وفي المقابل، اقتصر الكلام عن الغيبيات على دور العبادة..

    لاحقا، مع تصاعد الاختراعات، وتوسع الكشف الجغرافي الأوروبي، ثم ببسط نفوذ الاستعمار في أصقاع الكرة الأرضية، توسعت الهوة بين العلم والدين أكثر، وأكثر.. وكلما كبرت دائرة العلوم والتكنولوجيا، ضاقت رقعة الغيبيات، حتى بلغ التحدي للأديان حدا، جعلها إما أن تغير محتواها ومنطقها، وإما أن تخرج من حياة الناس.. وقد كتب البعض عن قصور الأديان عن أن تفي بتوفير أجابات مقنعة، ومتوائمة مع احتياجات الحياة المعاصرة.. البولاني )1961)، كتب أن الشعوب المتدينة تسكن المناطق الأقل نموا، وأن الدين يشكل حياة القبائل البدائية.. مظاهر الجهل، والفقر، والصراعات وغيرها من أعراض التخلف المزمن في معظم بلدان العالم الثالث، عند بعض الكتاب، ترجع إلى الركون للمعتقدات في القدر وفي الغيب..

    ولقد انتهت الفلسفة ببعض أبنائها الآن إلى أن يقرروا أن التدين، الذي دفع إليه الإنسان الأول، بالعوامل الطبيعية التي جرى ذكرها آنفا، إنما هو لازمة من لوازم الطفولة، وأن الدين، حيث وجد والى اليوم، إنما هو ظاهرة طفولة، إذ لجأ الإنسان الأول إلى إله تخيله ليسد به حاجة الطفـل فيه إلى أب يحميه. وأن الأصل في مواجهة البيئة هو المناجزة، لا التمليق، وما دفع الإنسان إلى التمليق إلا العجز عن المناجزة، والآن، وبتطويره لسلاحه الأول، من فروع الأشجار وقطع الأحجار، إلى أن بلغ به القنبلة الهيدروجينية، فإن مقدرته على المناجزة اكتملت، أو كادت، ويجب إذن أن يقلع عن التمليق، أو قل عن التدين، وعن الأديان، وعـن الله.. (طه، "الرسالة الثانية" 35:1969)..

    ومن الجهة الثانية، ففي حين أن الأديان ومعتنقيها تواجههم مشاكل جادة ومصيرية، فكذلك فشلت وسائل العلم الحديث، ومخترعاته في تلبية حاجة الإنسان للسعادة والأمن والسلام.. "إن البشرية لم تكن، يوما، في التيه، كما هي اليوم.. وسمة هذا العصر هي القلق، والحيرة، والإضطراب.. هذا عصر الثورات: الثورة الثقافية، والثورة الجنسية، وثورة الشباب، وكلها دليل على القلق، والحيرة، والإضطراب".. وسكان الدول المتقدمة حاليا، ليسوا أقل حاجة لإعادة النظر في مسار التنمية، من رصفائهم، في العالم الفقير..

    الإنسان اليوم مغترب عن النظم السياسية، والاجتماعية، مغترب عن التقاليد، والأعراف والموروثات، والمسلمات، والقيم التقليدية، واغترابه إنما هو شعوره بالحيرة المطبقة، وبالقلق، والاضطراب، ثم هو في القمة شعوره بفرديته المتميزة التي يرفض أن يذيبها عفويا في تيار التطور المادي. والسبب الأساسي في اغتراب الإنسان هو انه ذو طبيعتين، طبيعة مادية، وطبيعة روحية، فهو مكون من جسد ومن روح. فإذا أشبعت حاجة المعدة والجسد - الحاجة المادية، برز جوع الروح، وجوعها إنما هو حنينها إلى وطنها، الذي صدرت منه، حنينها إلى الله. فالاغتراب في الأصل، هو اغتراب الإنسان عن الله، وهو في المستوى المشعور به، يكون واضحا، ولكن هناك مستوى غير مشعور به وهو ما برز للإنسان المعاصر في رفضه للمادة، وفى بحثه عن القيمة الإنسانية، وعن الحرية.. في بحثه عن نفسه. وهو بحث في الحقيقة عن الله ولعل ذلك يفسر لنا اتجاه الشباب الرافض في أوروبا وغيرها في الآونة الأخيرة إلى مظاهر من التدين غريبة منها اللجوء إلى العقائد الهندوسية، أو تبنى نوع من المسيحية ليس لها علاقة بالقديم، وإنما تتصور المسيح تصورا جديدا (طه، 1976 "قل هذه سبيلي" : 2)..

    ومن دراساته، خلص مايكل سكوت إلى خلاصة شبيهة:

    لم يسبق للإنسانية أن وقفت حائرة يائسة وفي حاجة ملحة لنظام اعتقاد أو دين عالمي يكون حيا متماسكا يقود البشرية ويعمل على تحريرها لتتغلب على نعرات القومية المتغطرسة و آيدولوجيات المصالح الذاتية والخاصة ومشاعر الكراهية وممارسات العنف. (نقلت في Smith, 1958:352)..

    لعل أكبر مظهر لفشل مشروع الحداثة عامة، هو الصراعات المحلية والإقليمية والدولية المنتشرة عبر الكوكب، والتي هي انعكاس لحالة النزاع داخل الفرد الواحد ما بين تلبية الاحتياجات المادية وتلبية القيم المعنوية.. والمحصلة هي هذا الفشل في تحقيق السلام، حيث إن السلام هو حالة الاكتفاء واكتمال الحال، الذى تسعى الأشياء والأحياء لتحقيقه.. السطور أدناه، تحكي مظاهر إضطراب العالم اليوم، في العقد الثاني من القرن الواحد وعشرين:

    والحضارة الحالية وبفلسفتها الاجتماعية مع فشلها في تحقيق السلام، فإنها أيضا تقف عاجزة أمام الأزمات المتلاحقة في العالم، وعلى قمتها أزمة الاقتصاد العالمي، التي أبرزت تناقضات النظام الرأسمالي والشيوعي .. وظهرت في الموجة الحادة من التضخم والغلاء، التي تجتاح العالم، والتي يعاني منها الناس جميعا ، اشد المعاناة، وفي أزمة النظام النقدي العالمي، الذي يعاني من عدم الاستقرار .. وفي أزمة الغذاء العالمي التي تهدد البشرية بالمجاعات والأمراض ونقصان الغذاء، ثم في أزمة الانفجار السكاني وأزمة الطاقة زيادة علي مشاكل الحروب، المتواصلة والنزاعات العنصرية، والإقليمية.. إن هذه الأزمات علمت الإنسان ضرورة التعاون الدولي، وأكدت له وحدة مصيره، وضرورة تكاتفه لمجابهة الأخطار التي تهدد وجوده (طه، 1976 "قل هذه سبيلي" : 3)..

    والأسباب الرئيسة وراء هذا الفشل، تتلخص في الآتي:

    لقد عجز هذا التفكير المادي بشقيه عن استيعاب طاقة إنسان اليوم، الذي يبحث عن القيمة وراء المادة، يبحث عن الحرية، والذي أعلن تمرده في الشرق والغرب في ثورات الطلاب والشباب، ورفضه للمجتمع المادي، الذي يمارس صناعة القيم، وتحطم فيه مواهب الإنسان وطاقاته. ويفرض عليه المجتمع نمطاً معيناً من السلوك الاستهلاكي، وأخلاقاً معينة، من التعامل الآلي الجاف.
    وأيضا فشلت هذه الفلسفات الاجتماعية، لأنها لم تستطع أن توفق بين حاجة الفرد للحرية، وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة، فالشيوعية قد جعلت الفرد وسيلة المجتمع فأهدرت قيمته، وحريته، وحقه، وأقامت نظامها علي القهر والعنف، وعلي ديكتاتورية الدولة. أما الرأسمالية في الطرف الآخر، فإنها قامت علي إهدار حقوق الأفراد، فهي نظام للتسلط الاقتصادي، واستغلال العمال، ثم هي تمارس ديمقراطية زائفة، تعطي الفرد حرية الانتخاب والترشيح، ولكنها لا تحرره من استعباد الرأسمالي له، الذي يمكنه أن يوجهه لأن يصوت لجهة ما بالتصريح أو بالتلميح، فيفعل ذلك، لأن الرأسمالي يملك قوته، وفي أحسن الأحوال يمكن للرأسمالي شراء صوته بوسائل عديدة، بل يمكنه أن يصنع ويزيف الرأي العام بامتلاكه للصحف، أو بمقدرته علي شراء حديثها أو صمتها. فلا حرية مع النظام الرأسمالي ولا حرية مع النظام الشيوعي، الحرية موؤودة في كلا النظامين، والحرية هي طِلْبَة واحتياج إنسان اليوم، ولذلك لا مستقبل لهذين النظامين، لأنهما لا يوافيان احتياج الإنسان (طه، 1976 "قل هذه سبيلي" : 4)..


    في ذلك، يطرح سميث تساؤلا: "ما الذي ينبغي أن يكون عليه منهجنا في التعامل مع الديانات انطلاقا من هذه الحيرة ؟؟ "

    الرد المنطقي الوحيد على هذا السؤال هو أننا يجب أن نواصل الاستماع، حيث أنه ليس لدينا أكثر من لمحة موجزة عن هذه العقائد نمر عليها دوما على عجل. المجتمع اليوم لا يمكن أن يتبع تقليدا واحدا بل هو على التحقيق الكوكب مجتمعا. يوميا العالم يصبح منجمعا وأصغر، وبناءً عليه يصبح التفاهم وسعة المعرفة هي الجسر الوحيد الذي يمكن أن يكون المصدر والموطن للسلام. نحن نعيش في قرن عظيم، ولكن ليرتفع في أسلوب معيشته لما حققه في النصف الأول من القرن يجب عليه أن يقدم إنجازات مكافئة في العلاقات الإنسانية في نصفه الثاني. (Smith, 1958:354)

    السرعة والتسابق الذي يتم به التعاون الدولي، في تقديم مواد الإغاثة، عند حلول أي كارثة عبر هذا الكوكب، من غذاء ومسكن ودواء، تبشر بصدق التفاؤل أعلاه.. صحيح أن جانبا من الجهود الدولية يتم لمصالح استراتيجية، ولكن الحافز الإنساني دائما موجود، ومتزايد، وهو الأكبر.. الكثير من الناس يتطلعون نحو عالم أكثر عدلا وأمنا وسلاما، وتكرس كثير من المنظمات الإنسانية والدينية جهودها لمساعدة المحتاجين وتخفيف آلامهم.. بسبب من توحد عالمنا، ولخوفنا من الدمار المهدِّد الحاضر، فالأسرة البشرية، كما هو تعبير كثير من الدوائر الإعلامية مؤخرا، قد ولدت هذا التعاون الإنساني والذي هو نواة السلام والنظام العالمي المرتقب، وذلك لحاجته العملية له..

    والسلام هو حاجة البشرية اليوم وهو في ذلك حاجة حياة أو موت ذلك بان تقدم المواصلات الحديثة، قد جعل هذا الكوكب أضيق من أن تعيش فيه بشرية، متنافرة، متحاربة فيما بينها. بل إن اختراع وسائل الحرب والدمار الرهيبة، قد وضع الإنسانية أمام احد طريقين، إما السلام وإما الدمار والفناء (طه، 1976 "قل هذه سبيلي" : 2)..

    الإنسانية اليوم، تصرخ بكل الألسن، تستنجد بالوجود الروحي، ليكسب الحياة المادية، المعنى والمذاق المفتقدين.. العالم الاسلامي اليوم يغلي بالقتل، والدمار، والتطرف الفكري، والضياع، ويحلم بـ"المنتظر" و"الغائب" الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا.. وأما المسيحيون، فتطالعنا الأخبار كثيرا هذه الأيام بطوائف منهم قد تبيع ممتلكاتها وتجهز حالها لمجيء "المسيح".. اليهود، أيضا ينتظرون "المسيح".. إن فكرة "المخلص" الذي يفك أسر المعاناة عن الشعوب، وينشر المحبة والسلام، مبشر بها في الهندوسية، وفي البوذية، والكنفوشية، وغيرها.. وفي حقيقة الأمر، الحاجة للسلام، وللحرية، وللمجتمع الفاضل يكاد لا يخلو منها دين من الأديان، وتكاد لا تخلو منها صرخة من صرخات معاناة البشرية عبر الكوكب..

    ذلك بأننا نقف اليوم في مفترق الطرق: فإما أن نرتفع في الطريق المؤدي إلى الوحدة العالمية، والحكومة العالمية، وإما أن يحل بنا ما يحل بكل مخلوق حي فشل في المواءمة بين حياته وبين بيئته..
    وهذه الوحدة المطلوبة لحل مشاكل الجنس البشري على هذا الكوكب تحل، في نفس الوقت، مشكلة الفرد البشري، التي وردت الإشارة إليها في حديثك، لأنها توحد بين ذاته الروحية، وذاته المادية، وتخلق منه كلا، متسقا، قادرا على التوفيق بين المظاهر المختلفة، في البيئة الطبيعية التي يعيش فيها، وبذلك تزول الحيرة، والقلق، الذي يلف حياة المجتمع البشري، والفرد البشري، في وقتنا الحاضر.. (طه، "رسائل ومقالات الأول" 1953 : 57-58)..
                   |Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات
فيديوهات سودانيزاونلاين Sudanese Online Videos
صور سودانيزاونلاين SudaneseOnline Images
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
Sudanese Online Wikipedia



فيس بوك جوجل بلس تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست Google News
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de