صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
بقلم :د/عبدالله علي ابراهيم
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : مقال رائ : بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل English Page Last Updated: Apr 3rd, 2011 - 00:38:07


مدارج السالكين إلى مذكرات الرائد زين العابدين (1)/مصطفى عبد العزيز البطل
Mar 22, 2011, 21:49

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع
Share
Follow sudanesewebtalk on Twitter

غربا باتجاه الشرق

مدارج السالكين إلى مذكرات الرائد زين العابدين (1)

مصطفى عبد العزيز البطل

---------------------------------------------

 

(1)

الفضل من بعد الله لشيخنا العلامة الدكتور عبد الله حمدنا الله في كوني قضيت ساعاتٍ ماتعاتٍ طيبات مطالعاً ومراجعاً ومتأملاً فقرات وسطور مذكرات المغفور له بإذن الله الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر، أحد مفجري انقلاب مايو 1969م، وعضو مجلسها الثوري القيادي. تحمل المذكرات الصادرة عن مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية عنوان (مايو: سنوات الخصب والجفاف). وشيخنا يعلم عني أنني شديد الاهتمام بأدب المذكرات، لا سيما تلك التي تعالج تاريخ السودان الحديث والمعاصر. وكان الدكتور حمدنا الله قد عاجلني قبل أسابيع قلائل بمقال هجومي مباغت سفّه فيه بعض ما ورد في مقالٍ سابق لي، وسفّل  بعض مواقفي ورؤاي حول الشأن العام تسفيلاً ما بعده تسفيل. ويبدو أنه فكَّر بعد ذلك في النتائج الكارثية المحتملة لعدوانه الغادر. لا سيما وأنه سمع بأنني شرعت في إعداد مقال الرد تحت عنوان كنت قد ادَّخرته، بعد أن حظر أهل الرقابة القبلية نشره في زمن سابق، وهو (عبد الله حمدنا الله كوز فالصو)، فسارع الشيخ يتدارك العواقب، مؤتزراً أُزار الحكمة الشعبية السودانية الخالدة (الإضينة دقو واعتذرلو، بأن ترسل له الكتب الجديدة)، وبعث إليّ على جناح الطائر الميمون بكتاب مذكرات الرائد زين العابدين، مع إهداءٍ لطيف. أطال الله عمر شيخنا، وأدام فضله، ونفعنا بعلمه.

(2)

مما عظّم السياسي الوطني والقانوني الضليع الدكتور أمين مكي مدني في عين رأسي، عندما عرفته للمرة الأولى، وعاصرته وزيراً في حكومة انتفاضة 1985م، أنه كان الوحيد من أعضاء مجلس الوزراء الذي اعترض رسمياً على تشكيل المحكمة التي عرفت باسم "محكمة مدبري انقلاب مايو 1969م"، وذلك عندما تقدم بمقترح تشكيلها النائب العام آنذاك الأستاذ عمر عبد العاطي. كان الدكتور أمين واضحاً ومباشراً وهو يعبر عن اعتقاده بأن المساحة التي طرقها النائب العام تنبسط فوق منطقة رمال متحركة يجمُل بالحكومة تفاديها خاصة في  ظرف ما بعد الانتفاضة الأبريلية الحساس، الذي غطّت سماءه سحب الأزمات المتكاثفة. كما أن شعب السودان - شئنا أم أبينا - منح مايو شرعية كاملة عندما أيّدها، في مبتدأ أمرها ومقتبل عمرها، تأييداً كاسحاً لا يغيب عن بصر أي معاصرٍ منصف. تجلَّى ذلك في موكب الثاني من يونيو 1969م، الذي لم تعرف الخرطوم نظيراً له قبلاً ولا بعدا، وانخرط غالب المثقفين في صفوف "الثورة" وساندوها بغير تحفظ. وكان من رأيه أن تصوَّب حكومة الانتفاضة بصرها باتجاه صور الفساد والتخريب وممارساته، فتأخذ بناصية المسؤولين عنه مسؤولية مباشرة، دون التورط في محاكمات سياسية خلافية مفتوحة يصعب التكهن بمآلاتها، فتضر ولا تنفع. وقد صدقت الأيام رؤى الرجل الثواقب ومواقفه البصيرة، إذ جاءت المحاكمة التي أجازت أمرها بعد ذلك حكومة الانتفاضة وبالاً على الكثيرين، ولم يجنِ السودان من ورائها خيراً. فقد نكأت جروحاً غائرة، ورفعت غلالاتٍ ساترة، وفضحت رجالاً كنا نظنهم من الأخيار.

كان الرائد زين العابدين قد بدا، وهو أسير القفص في تلك المحاكمة، أسداً هصوراً تصدَّى بكلماتٍ قوية، ما زال صداها يرن في الأفق ويخترق الآذان، لنفاق المنافقين وتدليس المدلسين. كيف لا وهو العارف الخبير الذي عرك سنوات الخصب والجفاف في مايو، وخبِر نصف مثقفي السودان ومتعلميه، وأعيانه ورموزه، وتأملهم بعينه الفاحصة وهم يردون مُشرع مايو، ويعبّون من نهرها الرقراق في هناءٍ وحبور، ويلهطون على موائدها الفالوذج بالفستق المقشور، قبل أن يقفزوا من سفينتها الغارقة، ويلتحقوا بالجديد المدخور.

وفي كتاب مذكراته يسير الراحل ذات سيرته أوان المحاكمة الشهيرة إلى حدٍ كبير، وهو يعرض الوقائع من وجهة نظره، ويعالج الفصول والمواسم التي عاظل فيها برد مايو وحرّها، وعاصر دنياواتها مقبلةً ومدبرة. غير أن لنا في مواجهة بعض ما جاء في سيرة الرجل المدونة والمبذولة على قارعة التاريخ  ملاحظات وتحفظات ومآخذ بالغة الجدية، ووقفات كبار، سنعرض لها تباعاً ضمن هذه السلسلة. لا تقدح ملاحظاتنا ووقفاتنا في شيء من عظيم تقديرنا للراحل الكريم، وتوقيرنا لسيرته الوطنية، ولا ينبغي لها. وهو الرجل الذي نعلم يقيناً أنه أحب السودان، وحمله في سويداء الفؤاد، فنهض في حيز تاريخي معين، بدورٍ يستوعبه تماماً - برغم كل ما قيل وما يمكن أن يقال -  فضاء الزمان الثوري في ستينات القرن العشرين، عهد ارتفاع الرايات الاشتراكية والقومية، وتنامي دور الجيوش الوطنية المتصدية لقيادة الأمم في دورب الثورات الكبرى.ٍ آمن الراحل أن من شأن وفائه بذلك الدور أن يحمي ذمار الوطن، ويرتقي به مدارج الجوزاء، ويرفع ذكره بين الورى. وقد صدقته الأيام تصديقاً، ثم كذبته تكذيباً. بذلت له من مجدها وعنفوانها، ثم استدارت فقلبت له ولأحلامه وتصوراته ظهر المجن. فإذا الظنُّ غير الحق، والظن لا يغني عن الحق شيئا، واإذا النظارات غير الدبارات، وإذا الفكرُ غير العمل، وإذا الخيبة وسوء المنقلب هما دقيق الأيام وزيتها وخبزها المحروق. لم يستنكف الرجل أن يقر بذلك كله في صفحات مذكراته وسطورها، بل انه لم يخرج أصلاً في طلب الريشة والمحبرة إلا لكي يقر بذلك كله ويثبته في لوح التاريخ!

لا مندوحة إذن من أن نسجل يقيننا بأن مذكرات الرجل التمست الصدق في روحها، وتوخته في خويصة قلبها. لا نرتاب قط في أن صاحبها كتبها وفي روعه قول ناصح العربان: (وما من كاتبٍ إلا سيفنى/ ويبقى الدهرُ ما كتبت يداه / ولا تكتب بكفّك غير شيء / يسرُّك في القيامةِ أن تراه). ولكن أهواء النفوس غلابة، ورغائبها خلاّبة، ترزؤنا نحن ولد آدم وإن التمسنا التجرد، ونشدنا الصدق وخرجنا في طلبه، فتنال من عضد حبنا للحقيقة وولائنا لها وبيعتنا لسلطانها، وتلقي بظلالها على أمانة الشهادة للناس وعلى الناس. ولا عجب. صاحبنا - رحمه الله - بشرٌ من البشر، خلقه الله من طينٍ ومشاعر. والإنسان هو الإنسان. كان منذ رسم خطاه على درب الزمان، وسيظل حتى يشخص أمام خالقه يوم الميزان. ولهذا قال ربك في التنزيل المجيد: (‏‏وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)‏‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 54‏]‏‏.

(3)

الخلاف التاريخي والانقسام الذي شهده العام الأول لانقلاب مايو، وانتهى بطرد وتجريد ثلاثة من عناصر مجلس قيادة الثورة، المحسوبين على الحزب الشيوعي السوداني، من عضوية المجلس يأخذ مكاناً علياً في المذكرات. وهو أمر مفهوم تماماً، إذ إن ذلك الخلاف يشكل الأساس لأحداث كبرى غيرت مسار مايو وأسلكتها دروباً غير التي أرادها الثوار في بداية أمرهم. أدهشني في إشارات المؤلف لبعض الجوانب الشخصية لرصفائه من أبطال تلك الأحداث أن مرارات الماضي بقيت حاضرة، تظلل بعض رواياته للأحداث، رغم أنه شرع في كتابة المذكرات بعد أكثر من ثلاثة عقود على تلك الصراعات المؤسفة التي انتهت بإعدام بعض زملائه الأقربين، وكان الظن أن تخفف تلك العقود الثلاثة من عكار النفوس وتردها الى صفاء التجرد والعدل. جاء في المذكرات عن المقدم بابكر النور عثمان عضو مجلس قيادة ثورة مايو، ثم رئيس مجلس  قيادة ثورة انقلاب يوليو المندحر، رواية يبدو أن المراد منها أن يستدل القارئ إلى أن الأخير كان يفتقر إلى الشجاعة الكاملة وروح الإقدام ويرتقي بمعيار سلامته الشخصية فوق كل معيار. وفقاً للعرض الذي تقدمه المذكرات فإن المقدم بابكر النور لم يكن مشاركاً في الانقلاب، وقد سمع اسمه في عضوية مجلس قيادة الثورة من الإذاعة صباح الخامس والعشرين من مايو 1969م. جميل. ماذا فعل المقدم بابكر النور عندما استمع الى البيانات الأولى من المذياع وعلم بأنه أصبح عضواً في مجلس قيادة الانقلاب؟ وفقاً لرواية زين العابدين فإنه: (لبس بذلته العسكرية، وذهب الى منزل جاره العقيد مهندس صلاح الدين إبراهيم أحمد). لماذا يذهب المقدم بابكر النور الى منزل جاره ذلك الصباح بدلاً من أن يهرع الى القيادة العامة؟ التفسير عند زين العابدين هو: (لعل بابكر قد تحوط للأمر بإيجاد شاهد على عدم اشتراكه في الانقلاب، فيما لو فشلت الحركة). إذن الهم الأساسي للمقدم بابكر النور لم يكن هو الثورة ونجاحها، وإلا لاندفع الى مواقع القيادة والخطر ليذود عن الثورة ويثبت أقدامها، بل كان همه هو حياته الشخصية وحمايتها، ولهذا كان أول ما فكر فيه هو البحث عن شهود يشهدون بأنه لم يكن مشاركاً في تنفيذ الانقلاب!

يذكرني ذلك بالكتابات المتعددة التي جاءت في مذكرات بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية والضباط الأحرار من كارهي أحشاء الرئيس الراحل أنور السادات عن دوره الحقيقي في تنفيذ انقلاب 23 يوليو. إذ توافق العديد من هؤلاء على أن  الصاغ (أو الرائد) أنور السادات آنذاك، قام ليلة التحرك وتفجير الثورة في الثالث والعشرين من يوليو 1952م بالذهاب الى إحدى دور السينما مصطحباً زوجته، وحضر إحدى عروض منتصف الليل، وحرص على أن يدخل في مواجهات مع بعض موظفي السينما، ثم احتفظ بالنصف الثاني من تذاكر الدخول. وكل ذلك بغرض إيجاد شهود وأدلة كافية تثبت أنه لم يكن داخل معسكرات الجيش ولم يكن مشاركاً في الانقلاب، في حال فشل الحركة ورود اسمه وتعرضه للمساءلة!

خطر لي بعد قراءة ذلك الجزء الذي وقفت عنده متأملاً لبعض الوقت أن أمارس شيئاً من نشاط الصحافة الاستقصائية. ولم لا؟ هناك عقيد مهندس واحد فقط لا غير يحمل اسم صلاح الدين إبراهيم أحمد كان يسكن بمقربة من منزل المقدم بابكر النور في العام 1969م، وهو الذي ورد اسمه في رواية الرائد زين العابدين. هو نفسه المهندس صلاح الدين إبراهيم أحمد قطب حزب الأمة، ورجل الأعمال المعروف في الخرطوم حاليا. وأنا أعرف هذا العقيد المتقاعد/ المهندس/ رجل الأعمال معرفة لصيقة، لسبب بسيط جداً، وهو أنه يمت إليّ بصلة دم وقربى. عندما بادرت بالاتصال به كان هدفي أن أعرف ما عساه أن يكون السبب الحقيقي الذي حدا بالمقدم بابكر النور لزيارته ذلك الصباح، وطبيعة الحديث الذي دار بينهما. ولكنني لم أحصل على الإجابة التي كنت أتحراها، إذ كانت تنتظرني عند قريبي بدلاً من ذلك مفاجأة كبرى لم تكن قد خطرت لي على بال. هاك يا رعاك الله. خذ عندك إجابة العقيد مهندس صلاح الدين إبراهيم أحمد، على سؤالي بشأن زيارة المقدم بابكر النور له في منزله صبيحة الخامس والعشرين من مايو 1969م، والإجابة كالآتي: (هذه الرواية التي وردت في كتاب المرحوم الرائد زين العابدين لا نصيب لها من الصحة. لم يحدث أن زارني بابكر النور صباح 25 مايو 1969م. لم يحضر الى منزلي لا في الصباح، ولا في الظهر، ولا في المساء. لا في حضوري ولا في غيابي).

يا لظلم الإنسان الحي لأخيه الإنسان الراحل. ليت المغفور له الرائد زين العابدين كان أكثر جلداً، فلم يضعف أمام إغراء الاحتفاء بتلك الرواية المردودة ويثبتها في لوحه على علاتها. ليته توقف فاستبصر، ثم تثبّت وتبيّن، قبل أن يكتبها في حق رجل مات خصيماً له، وأصبح - عند تسطير المذكرات - في ذمة ربه، لا يملك أن يرد عن نفسه غلواء البشر وتزيّداتهم.

(4)

ونلمح جوانب أخرى متشابكة عن طبيعة العلاقة بين الجناح الذي انتمى اليه الرائد زين العابدين داخل المجموعة القيادية من ناحية، والجناح الشيوعي من ناحية أخرى، ونتوقف أمامها تشدنا الحيرة. حيرتنا مصدرها أن صاحب المذكرات يعرض لنا بعض الوقائع التاريخية عرضاً يخالف ما عليه وعينا، وما رسخ في الشعور العام على وجه الإجمال. نقصد بذلك أن ذات الوقائع جرى فحصها وتوثيقها والتداول حولها لسنوات متلاحقة، ثم استقرت على نحو ما استقرت عليه في وجدان وعقول المؤرخين والمتلقين. غير أنه لا عبرة عندنا بكل ذلك، إذ إن زين العابدين من صناع الأحداث. وسلطة صانع الحدث تعلو على سلطة المراقب والمؤرخ. وفي وسع صاحب المذكرات بغير شك - وهو من هو - أن يمحق ما كتب الآخرون وثبتوه في العقول، وأن يبدلنا ما هو خير منه. نحن هنا فقط نستعلم، ونلتمس إن اقتضى الحال من أهل الذكر أن يلقوا إلينا بأضواء كاشفة تعيد تقويم ما هو مدون، فتصوبه تصويباً يعزز الحق ويوقره ويعلي من مقامه.

نحن نعلم أن الحزب الشيوعي السوداني عارض قرارات التأميم والمصادرة التي حدثت في العام 1970م معارضةً سافرة. وفي زعمنا أن ذلك الموقف ممهور ومشهور ومسجل. ونعلم أيضاً أن الحزب الشيوعي عارض قرار ضرب الجزيرة أبا بالطائرات وفتحها بالقوة الغاشمة في ذات العام. وذلك أيضاً ممهور ومشهور ومسجل. بل انه وفقاً للتاريخ المسطور فإن حكومة مايو عمدت الى اعتقال الزعيم الشيوعي عبد الخالق محجوب ونفته الى القاهرة في الأول من أبريل 1970م، بعد أيام قليلة من قرار ضرب الجزيرة أبا تحييداً لنفوذه وتقييداً لآثار معارضته القاطعة لمخطط الاعتداء المسلح على الأنصار. الوثائق المتوفرة بشأن هاتين النقطتين تسد عين الشمس. ولذلك فإنه عندما يكتب الرائد زين العابدين في مذكراته أن قرارات التأميم والمصادرة، بحسب نص كلماته: (جاءت تنفيذاً للبرنامج الذي وضعته الكميونة الشيوعية). وأن الشيوعيين كانوا (أكثر الناس حماسة) لضرب الجزيرة أبا، فإننا نشعر بكثير من القلق، وتضطرب أمام نواظرنا الأشياء، ويفقد التاريخ عندنا بوصلته!

ظننت في مقتبل الأمر أن الخلط ربما تعلق بالضبط المنهجي للفظة "شيوعيين". وأن اللفظة ربما أخذت معاني وتفسيرات متضاربة عند الرائد صاحب المذكرات. ولكن القراءة المتأنية تدل على أن الرجل يعرف تماماً الفارق بين الشيوعيين الحقيقيين الذين تمترسوا عقب انقلاب مايو خلف قائدهم عبد الخالق محجوب، والمنشقين الآخرين الذين هجروا الحزب وانخرطوا في مؤسسة مايو، فلم تعد لفظة "شيوعي" تصف أيّا منهم. كما إن الكتاب يقدم وصفاً دقيقاً لممارسات المقدم بابكر النور والرائد هاشم العطا، عضوي الجناح العسكري للحزب الشيوعي، الذين اتهمهما بأنهما كانا يواليان الحزب الشيوعي في كل صغيرة وكبيرة، وأن كل منهما كانت تقف وراءه - بحسب وصفه - كتيبة من الخبراء عينها الحزب الشيوعي، كانت ترفدهما بالأفكار والآراء والمواقف التي تعبر عن سياسات الحزب. وأن هذا الوجود والتأثير الحزبي الشيوعي الكثيف على هذين العضوين شكل أول مسمار في نعش وحدة مجلس قيادة الثورة (يضيف الكتاب اسم الرائد فاروق عثمان حمد الله باعتباره واقعاً بدوره تحت التأثير الشيوعي، بالرغم من أن الأخير لم يكن عضواً بالحزب). هذا كله مفهوم. مشكلتنا تتجلى فقط في التوفيق بين ما هو متاح من معلومات ومصادر ترتقي عند الكثيرين مرتقى التاريخ المعتمد عن معارضة الشيوعيين لذينك الحدثين الكبيرين من جانب، وحيثيات الرائد زين العابدين التي تذهب الى أن: (قرار فتح الجزيرة أبا اتخذ بالإجماع ولم يعارضه أحد وكانت العناصر الشيوعية داخل المجلسين أكثر حماساً له) [ص، 31]. وان قرارات التأميم والمصادرة كان وراءها الحزب الشيوعي وأنها جاءت تنفيذاً لبرامجه!

لفتت نظري في الصفحة (102) إشارة الى أول قرار أعلنه مجلس قيادة الثورة بمصادرة ممتلكات وأعمال إحدى الأسر السودانية الكبيرة وتحويلها لمصلحة الدولة، ثم ما تبع ذلك لاحقاً من قرارات أوسع بمصادرة أملاك وثروات الآخرين. والإشارة هنا الى قرار مصادرة ممتكات أسرة عثمان صالح. يلي ذلك بحسب المذكرات التفكير في مصادرة ممتلكات الشركات المملوكة للأجانب، أو السودانيين من ذوي الأصول الأجنبية، مثل شركة سودان مركانتايل وازمرليان وبيطار وميتشل كوتس وغيرها. في هذا الموقع كتب الرائد زين العابدين العبارة الموحية التالية، والتي تلقي في نظري كثيراً من الضوء على الدوافع الحقيقية لإقدام قادة الانقلاب على خطوات التأميم والمصادرة: (كان الجو ضاغطاً، وأعياد الثورة على الأبواب، ولا بد من اتخاذ قرارات تعلن خلال الاحتفالات. وتم على عجل إعداد قائمة بالمؤسسات التي سيتم مصادرتها وتأميمها. بعضها لأسباب مبررة وبعضها بغير تبرير). هل عرفت أعزك الله لماذا قلت لك في مقتبل هذا المقال إن كاتب المذكرات قد جهد ما وسعته الطاقة الإنسانية كي يراعي وجه الله فيما كتب؟ هل رأيت صراحة ووضوحاً وتجرداً في الصدع بالحقيقة أكثر من هذا؟ الحاجة الى قرارات ثورية يتم إعلانها على الشعب في أعياد الثورة كانت في مقدمة الدوافع للإسراع في إنجاز قرارات التأميم والمصادرة. هكذا كان مستوى تفكير الجماعة التي استولت على الحكم بليل فحكمت السودان وسيطرت على مقدراته! هل تصدق.. أم انك مثلي مذهول؟!

(5)

ولكن ذلك كله لا يجيب على السؤال المحوري عن أصل وفصل ومصدر قرارات المصادرة والتأميم ودور الحزب الشيوعي ومسؤوليته المفترضة عنها. ولذلك كان لا بد أن أنقل إليك جملة أخرى أثارت انتباهي وردت عند الجزء الذي تطرق فيه الرائد زين العابدين الى بدايات نشوء فكرة المصادرة والتأميم، حيث كتب: (تجمعت لدينا معلومات مكثفة [عن الشركات المشار اليها أعلاه] فعرضناها على مجلس قيادة الثورة، فوردت فكرة المصادرة من مستشار المجلس الاقتصادي الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد). الحمد والشكر لك يا رب. أخيراً وجدنا رأس خيط يمكن أن يدلنا على الحقيقة، فنحن على الأقل نعلم الآن أن  إسم العبقرى، صاحب فكرة الاستيلاء على شركات القطاع الخاص وتحويلها لملكية الدولة، لم يكن عبد الخالق محجوب. اسم العبقري هو: الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد. السؤال الذي يطرح نفسه على عجل: من هو هذا الأسد؟ هل كان عضواً في الحزب الشيوعي السوداني، وكانت أفكاره بالتالي تعبر عن سياسات ومناهج وخطط الحزب الشيوعي؟! فإذا لم يكن هذا الأسد الهصور شيوعياً، ونحن نعلم الآن أن الفكرة في الأساس فكرته، ثم تبناها مجلس قيادة الثورة، فكيف يكون بوسع أي شخص أن يزعم أن "كميونة الشيوعيين" كانت وراء قرارات المصادرة والتأميم؟!

فلنتفرق أنا وأنتم - أعزكم الله جميعاً - إلى مجموعات صغيرة. ولنبدأ نفير البحث عن الدكتور أحمد محمد سعيد الأسد، فعنده الخبر اليقين.

 

يا أهل المروءة هل منكم من يدلنا على عنوان الأسد؟!

 [ نواصل ].

 

عن صحيفة "الاحداث"


مقالات سابقة بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 25 ديسمبر 2010 الى 13 فبرائر 2011
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 05 سبتمبر 2010 الى 25 ديسمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 مايو 2010 الى 05 سبتمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 سبتمبر 2009 الى 14 مايو 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 16 ابريل 2009 الى 14 سبتمبر 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 24 نوفمبر 2008 الى 16 ابريل 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات 2007

© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Sudan's Abyei region awash with arms and anger
  • Military Helicopter Crash Kills Five in Darfur, Sudan Army Says
  • SUDAN: Lack of justice "entrenching impunity" in Darfur
  • The National Agency for Securing and Financing national Exports pays due attention to Nonpetroleum Exports
  • Vice President of the Republic to witness the launching of the cultural season in Khartoum state
  • Youth creative activities to be launched under the blessing of the president, Tuesday
  • Sudan's gold rush lures thousands to remote areas
  • South Sudan faces precarious start
  • Aid workers taken hostage in Darfur freed: U.N.
  • 19 People Killed In Clashes In Sudan's South Kordofan State
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Thursday the 14th of April 2011
  • Minister review with Indonesian delegation Sudanese Indonesian petroleum cooperation
  • Bio-fuel experimental production launched in Sudan
  • Center for Middle East and Africa's Studies organizes a symposium on intelligence activities in Sudan
  • South Sudan Activists Say : Women Need Bigger Role
  • 'One dead' as army helicopter crashes in Khartoum
  • Vice President receives new Algerian ambassador the Sudan
  • A training military plane crashes killing one of the three crew on board
  • Headlines of major daily papers issued in Khartoum today Wednesday the 13th of April 2011
  • Minister of Defense announces some precautious measures to secure Port Sudan
  • Industry Minister Meets Ambassadors of Central Africa, South African Republic
  • Sudan has 'irrefutable proof' Israel behind air strike
  • Taha Affirms Government Concern over Youth Issues
  • Headlines of major news papers issued in Khartoum today Monday the 11th of April 2011
  • NCP: statements by the US Secretary of State and the new envoy an attempt to justify the American hostility
  • Two Sudan papers stop publishing, protest censorship
  • Helicopters, tanks deployed in volatile Sudan area
  • State minister at the ministry of oil meets the delegation of the Gulf company for metal industries
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Sunday the 10th of April 2011
  • Ministry of Foreign Affairs: Sudan possess solid proof of Israeli involvement in the aggression on the country
  • Defense Minister visits Port-Sudan
  • Somali pirates hijack German vessel
  • Family denies assassination of key Hamas figure in Sudan
  • President Al-Bashirr, First VP Kiir Agree to Implement Agreement on Security Situation in Abyei as of Friday
  • DUP Denounces Israeli air strike on Port Sudan Vehicle
  • SBA Calls for especial Economic Relations with South Sudan State
  • Sudan-Brazil Sign Animal Wealth Protocol
  • Netanyahu vague on Sudan strike
  • seven Killed In New Clashes In South Sudan
  • Sudan's government crushed protests by embracing Internet
  • Hamas official targeted in Sudan attack, Palestinians say
  • بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
  • مصر: ثوار ما بعد الثورة!/مصطفى عبد العزيز البطل
  • مدارج السالكين إلى مذكرات الرائد زين العابدين (2)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • مدارج السالكين إلى مذكرات الرائد زين العابدين (1)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • المرشد في موالاة الأنظمة ومناهضتها/مصطفى عبد العزيز البطل
  • مصر و"الاخوان" ودفاتر محمد وقيع الله /مصطفى عبد العزيز البطل
  • سيد الخطيب: اكتشاف النار وتقسيم العمل/مصطفى عبد العزيز البطل