صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
بقلم :د/عبدالله علي ابراهيم
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : قصة و شعر English Page Last Updated: Jan 12th, 2011 - 22:21:57


حوض الملوخية قصة قصيرة : محمد سليمان
Jan 3, 2011, 21:48

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع
Share
Follow sudanesewebtalk on Twitter

                                       حوض الملوخية

                                                            قصة قصيرة : محمد سليمان

 

    زمن الخريف في أمدرمان حي المهدية . منتصف يوليو وكان الوقت عصرا. الغيوم تتكاثف كأنها رؤوس جبال محطمة . الحر قائظ فهي لا تمطر هنا الا في الصيف. وتعالى صوت طرقات عالية مزعجة يعوذها الذوق على باب الزنك في المنزل رقم مئتين وتسعة وعشرين . أنزلت عائشة السقاطة الصدئة وفتحت الباب لترى سمكريا طول بعرض يرتدي أبرولا ظهري اللون ويعتمر  طاقية خضراء تشبه تلك التي  يضعها حيران الشيخ دفع الله صايم ديمة على رؤوسهم. عين السمكري اليمنى بدت أصغر بكثير من عينه اليسرى وإن كانت كاملة . كان بارز الأسنان جدا فاستغربت المرأه وطالعته بنظرة متسائلة .

وإذا به هو الذي يسأل:

-         بيت السر الشايقي الموظف بديوان الخدمة؟

وجاء السر على صوت الرجل متمهل المشية في عراقيه الساكوبيس الأبيض الفضفاض وسرواله الدبلان ذي التكة الحمراء، وعلى رأسه تحدّرت طاقية بيضاء مخرّمة . نظر إلى السمكري باستطلاع كما فعلت زوجته عائشة من قبله ثم سأله عمّا يريد .

فقال الرجل :

-         معليش للإزعاج . أنا مرسل من طرف الأسطى الكيك الأحمر صاحب الورشة بأمبدة شمال.

غمغم السر الشايقي:

-         أهلا وسهلا . تفضل.

فرد الغريب بتمتمة:

-         لا والله مستعجل بسْ هو بيقول ليك الحبوبة الروضة خالتكم  عيانة خالص ولا بد من شوفتها.

ارتبك السر وسأل باهتمام شديد:

-         إيه حصل ليها؟

ارتبك الغريب :

-         زي ما قلت ليك .

وصمت ثم أردف

-         أنا مرسال وما عارف الحصل بالضبط.

فهتف السر :

-         طيب  أدخل!

-         ألف شكر

-         والله تشرب ليك كباية موية ولا شاي، ما بيجوز!

-         لا والله عندي لديتر كومر منزّل ولا بد من سمكرته حالا.

استدار السمكري بأبروله الظهري اللون وأغلق السر الشايقي باب الزنك وهو يقول بفتور لزوجته عائشة:

-         خلي أم الخير تجهز حالها.

فسألته بلهفة:

-         خير إنشاء الله؟

-         لا والله.

-         في شنو؟

-         قولي ليها حبوبتك الروضة عيانة خالص.

وفي تلك اللحظة مرقت من الراكوبة القصية أم الخير إذ كانت تنصت لصوت أخيها الجهوري.

همس لها

-         جهزي حالك عشان نمشي لبيت خالتك الروضة في أمبدة شمال.

صمت ثم أردف بنبرة محايدة:

-         الظاهر إنها حا تودع.

والسر الشايقي الموظف بديوان الخدمة العامة اسكيل أتش يقيم بشارع البط بالحارة الثانية بالمهدية قريبا من محطة الكوبري وجامع الختمية  هو وعائشة وام الخير والذرية التي وصلت إلى سبعة. هو في حوالى الثالثة والخمسين وأخته أم الخير تصغره بعامين وهي عانس راضية بعذريتها الخالدة. وكان والد السر يقيم في الأصل في الحارة الرابعة أمبدة التي انتقل إليها من جزيرة أوسلي بالشمالية ولكنه انتقل إلى مدينة المهدية منذ أن كان السر صبيا في التاسعة من عمره. في البداية كانت الزيارات منتظمة بين أمبدة والمهدية ثم ما لبثت أن فترت شيئا فشيئا فيما عدا زيارات الحبوبة الروضه لهم من حين إلى حين محملة بقصب السكر والتمر للأولاد وحبات البصل لعائشة. ظلت لسنوات تدير تجارة صغيرة في التمر والبصل وفرت لها مع الحقب أرباحا لا بأس بها. كانت على أعتاب التسعين إلا أنها كانت تتمتع وتشتهر بنشاط وحيوية منقطعتي النظير، هذا إضافة إلى عزيمة قوية قلما وجدت في أعتى الرجال.

كانت تردد دوما:

-         ما كلفت زول جنس مليم ولمن أموت أموت واقفة.

كانت نحيلة دقيقة العظم عيناها صغيرتان تشعان بإرادة غاضبة. وشلوخ قبيلتها الشايقية ترصع خدها الأيمن وخدها الأيسر: ثلاثة على الخد الأيمن، ثلاثة على الخد الأيسر، كما كانت شفتها السفلى مدقوقة بالإبرة والكحل الأخضر ما جعلها تلمع بدكنة ما بين الخضرة والسواد. كانت تسف التمباك وكان لها ولد واحد اسمه محمد الشايقي قضى ليس بتأثر كبده من الإفراط في شرب عرقي التمر ولكن بضربة سددها له نديمه ود السكات ذات عشية صيف بعيد. ومنذ موته وهي تعيش وحيدة في بيتها الذي يحتل ألفي متر مربع بالتمام والكمال من ارض أمبدة ويقع على ناصيتين.

بحنكتها قسمت الحبوبة الروضة الألفي متر إلى ثمانية مساكن كل منها يتكون من حجرة وبرندة وراكوبة وأدبخانة بلدية وحمام وحوش . البناء كله من الجالوص والباب الرئيسي واحد من خشب السنط الأغبر الغليظ. كانت كل ما توفر لها شيئ من تجارة البصل والتمر تطلب من عبد الوهاب أبو دقن صاحب اللوري القلاب ان يأتي بالتراب ومن الحدوري البناء أن يشرع في حفر الأساسات ووضع البناء طوفا بعد طوف. حسابها على البناء بالذراع ولا تقبل إلا أن تقوم بعملية قياس الجدران بنفسها ذراعا بعد ذراع. أما ترميل الجدران وتجييرها فكانت من الأعمال التي تعهد بها إلى عبد المنعم البربراوي والذي دوما ما كانت تقول له:

-         انت سعرك غالي. أنا عايزة جير مش عايزة بوهية دوكو!

فيسالها :

-         طيب والأبواب وشابيك الخشب العملها خلف الله النجار؟

فتنفجر فيه غاضبة:

-         قطيعة فيك وفي خلف الله النجار وفي شغلكم.

وتبصق ثم تستأنف:

-         أديهم برضو جير.

فيعيد لها كدأبه كل مرة:

-         لكن ما بينفع!

تكور شفيها المخددتين وتزوم:

-         ما يخصك. انت قايل عندي الآلاف ولا شنو؟ جير ولازم يكون أخضر.

هي تحب اللون الأخضر وكل شيء عندها اما أخضر أو يميل إلى الأخضر. وفي المئتي متر التي خصصتها لنفسها كانت تزرع الملوخية والسبروق والبامية والطماطم والعجور والرجلة والفول النابت وغير ذلك، كما كانت تنصب قفصا كبيرا للدجاج البلدي. وفي رأس حجرتها كانت تربي أجوازا وأجوازا من الحمام داخل صناديق من الصفيح. تطلع بسلم خشبي يشبه السلم الذي يرتقيه الجعلي مؤذن جامع البرابرة غير البعيد. جملة ايجارتها الشهرية في حدود السبعمائة جنيها تأخذها مقدما أول كل شهر وتحفر لها في حوض الملوخية ثم تدفنها بعد أن تلفها بأكياس النايلون. لم تكن بالبيت كهرباء وفواتير الماء التي تنتظم في دفعها في اليوم والتاريخ تحتفظ بها شهرا بعد شهر وعاما بعد عام حتى ملأ سحارة بكاملها. وذات فبراير وصلتها فاتورة مزدوجة تفيد بأنها لم تسدد دفعية يناير مع فاتورة أخرى سميت فروق ومتأخرات ترجع لأشهر وأشهر مما يجعل المبلغ الكلي المستحق الدفع مشتملا على بند سمى ببند المتأخرات. في ذلك الصباح الشتوي انفعلت في عامل شركة المياه الذي سلمها الفاتورة.

صرخت في وجهه:

-         سجم خشمك وسجم خشم الحكومة الماعارفة حساباتها.

بصقت ثم أردفت:

-         يخصي عليلكم.

لملمت طشاتة البصل والتمر وأغلقت دكانتها الصغيرة واستأجرت تاكسي هلمان في واحدة من مراتها المعدودات لتأخذها هي وسحارة الفواتير إلى إدارة شركة المياه في بداية شارع الأربعين قريبا من صينية المجلس البلدي لأمدرمان. هي والسائق حملا السحارة بفواتيرها المدفوعة والمختومة ووضعاها أمام ترابيزة المحاسب.

وقف المحاسب مفزوعا:

-         أيه ده يا حاجة؟

كورت شفتيها المخددتين وزامت:

-         ده سجم خشمك.

وسألت في لهجة مستنكرة:

-         عشان شنو جايبين لي فاتورة فيها متأخرات؟

-         خليني أشوف.

-         انت كان عندك  نظر كنت رسلت لي فاتورتين؟ واحدة قال أيه قال متأخرات!  متين أنا فطيت شهر من يوم الموية دخلت بطن بيتي؟

فتحت السحارة وفردت الفواتير بكعوبها المختومة .

صاح المحاسب:

-         يا حاجة دي عايزة ليها فريق مراجعة مش موظف واحد!

وعلا الضجيج فخرج المدير من حجرته ذات الباب الخشبي المتهالك.

أزاح نظارة القراءة عن عينيه ووضع نظارة قصر النظر وسأل في استياء:

-         أيه الجوطة؟ في أيه يا أستاذ محجوب؟

وأطلعه محجوب المحاسب على الأمر فنظر إلى الحبوبة الروضة وقال لها:

-         خلاص ... خلاص ياحاجة لمي ورقك وأدفعي حق الشهر بتاع فبراير بسْ.

وسكت ثم أردف :

-         والله نحن ما عندنا في سجلاتنا قدر فواتيرك دي!

وحدج شلوخها الست ثلاثة على كل خد ثم سأل:

-         دي من سنة كم؟

بصقت بقرف وزامت:

-         من سنة حفروا البحر.

وللحبوبة الروضة دكانة صغيرة في سوق أمدرمان استأجرها منها تاجر تشاشة. وذات عام طلبت منه زيادة الايجار الشهري فرفض وعند ترددها الملح عليه حلف بالطلاق وكان مسطولا أن لا يدفع لها ولا قرش حتى من الإيجار القديم فما كان منها إلا أن ذهبت إلى محكمة أمدرمان الجزئية وكتبت ارضحالا من ود عووضة تطالب فيه بالإخلاء لعدم السداد. في صبيحة الجلسة دخلت هي ومستأجرها التشاش قاعة المحكمة فتصادف أن كان القاضي سيدة. لم يكن هناك محامون ولم يكن هناك كلام كثير. القاضية حكمت بالإخلاء الفوري وتسليم الدكانة للحبوبة. لشدة سرورها ما ملكت الحبوبة إلا أن انحنت ورفعت محفظتها الجلدية الحمراء المتدلية من رقبتها واستلت منها ورقة بنفسجية من ذات العشرة جنيهات ثم صعدت المنصة وهي تخاطب القاضية:

-         الله ينصر دينك يا بنيتي.

وابتسمت ثم أردفت

-         خذي الملاليم ديل ساعدي بيهم حالك.

انزعجت القاضية وردت بحزم:

-         والله لو ما كنت مرأة كبيرة كنت أمرت بحبسك!

فصاحت فيها :

-         تحبيسيني في شنو؟ عشان أديتك هدية؟

تأملتها القاضية ولزمت الصمت لكن الحبوبة الروضة لم تصمت:

-         والله غلطانة الحكومة السوت النسوان قضوة في المحاكم!

ثم ما لبثت أن خرجت غاضبة ناسية أن الحكم كان في صالحها.

واضطربت في ذهن السر  الشايقي وفي صدره أشجان وذكريات عمقها حنين طفولة ساحقة، لكن ما ستخلفه الحبوبة الروضة بدا للحظة أهم من كل شيء. الجميع يعرف بيتها ذا الألفي متر، يعرف نخلاتها في البلد، يعرف تجارتها الصغيرة في البصل والتمر. وقال في نفسه: " والإيجارات ..! الإيجارات الشهرية التي ستكون صمام أمان محترم .." وفكر في إيجار المئتين وخمسن مترا التي تشغلها الآن فهو لن يترك بيت أبيه في المهدية ليرحل إلى أمبدة، وأم الخير أخته كذلك لن تفعل. وابتسم في غموض قائلا لنفسه إنه سيكون من أصحاب الأملاك أخيرا وهو الذي لم يمتلك في حياته إلا مرتبه الشهري. ولوهلة أنب نفسه يخاطبها :"أتسمى ذلك امتلاك؟ إنه أكثر تفلتا وتسربا من الماء نفسه!" وأراح نفسه بهمسه لها أنه سيكون من أخيرا من ذوي الدخل المضمون. تجارة التمر والبصل فلتذهب إلى الشيطان، وعبس إذ بدا له أن عزرائيل نفسه قد يموت والحبوبة الروضة ربما لا  تموت. الكل يؤكد أنه تخطت التسعين بعام أو عامين لكنه وفي قرارة نفسه كان  موقنا بأنها قد تخطت المائة منذ زمان. بدت خالدة فلم تخرّف ولم تكف عن الحركة والنشاط المثابر.

وأيقظه صوت أخته أم الخير:

-         أنا جاهزة.

وأطلقت  تنهيدة طويلة:

-         والله مشوار يقطع النفس.

وبدا الامتعاض على وجهها الشاحب المفتقر أبدا إلى السوائل المرطبة.

همست في غموض:

-         الله يستر.

وقال السر:

-         الله يستر علينا ويرحمنا من رحمته الواسعة.

وصمت ثم أردف:

-         يا رب.

واستقلا البص الفيات إلى سوق أمدرمان ومن هناك أخذا أوستن أبيض ضميرك إلى شارع الجميعاب في أمبدة شمال. نزلا عند محطة الفرن الذهبي للخبز البلدي. ولما مضيا يشقان سبيلهما في شارع الجميعاب طالعتهما بيوت الجالوص بجدران تساقط عنها روث البهائم المخلوط بتراب الرقيطة . كانت ثمة جماعات من المارة وكاروهات صغيرة تجرها الحمير وأخرى كبيرة تجرها خيول عليلة . في صمت ذكرا معا سنوات طفولتهما وأيام الصبا الباكر. وتذكر السر المرة الأولى التي لعب فيها البلي في الزقاق الشمالي والكرة الشراب في ميدان النسر الذي تحول الآن إلى مدرسة متوسطة . وتذكرت أم الخير لعبة عريس وعروس على نحو غامض . كل الموجودات بدت حية وقريبة من القلب.

ووصلا البيت فوجدا باب السنط الهائل مشرعا كدأبه لأن سكان الوحدات الثمان لا ينقطعون في أي لحظة عن ممارسة الدخول والخروج . عشرات الأطفال والقطط والكلاب قامت أو  رقدت في هذا الركن أو ذاك. وتناثرت في الحوش الداخلي طشاتة وجرادل وبنابر  منسوجة بالحبل وأخرى منسوجة بالبلاستيك ، وتناثرت مناضط وطبليات خشبية مكسرة. وضربا غربا في الزقاق الداخلي للبيت حتى بلغا نهايته فانحرفا يمينا حيث بدت أحواض الملوخية والبامية والطماطم والرجلة والعجور والفجل  والبصل الأخضر فالحبوبة الروضة كانت تحقق اكتفاءا خضريا بنسبة مائة في المائة . كانت تبتاع فقط كيلو لحم واحد في الأسبوع مع القليل جدا من الملح والسكر والشاي وزيت السمسم وزيت الفهد . المستأجرون منها كانوا يصفونها بالبخل والتقتير والغلظة وهي كانت تؤمن يقينا بأنها إنما هي إمرأة مدبرة وحازمة.

ورأى السر كوما من الزجات الفارغة الشفافة البيضاء والملونة مكومة في أحد الأركان قريبا من الحنفية  واحد بوصة فعرف أنها تخص المرحوم محمد الشايقي ولدها الوحيد الذي قضى منذ حقب وحقب . إنها لا ترمي شيئا أبدا ولا تستغني عن شيء! حتى زجاجات العرقي العتيدة بقيت تحت وهج الشمس وبرودة الظل وعمي الظلام . بقيت طيلة الفصول وطيلة الحقب حتى بدا وكأنها ستبقى للأبد. وكان حبل الغسيل المضفور من الزعف البني الغامق مرخيا وعليه فردة قديمة وملابس داخلية باهتة. سارا تسع خطوات ثم دلفا إلى البرندة المرملة دونما جير فرأيا الزير الفخاري يتكئ على حمالته الحديد وينقط برتابة وانتظام على طاسة صدئة ، كانت رقبته مغطاة بشاش أبيض رهيف التم فرفع حتى غطى فتحته التي وضعت فوقها صينية ألمنيوم من فوقها كوز من الألمنيوم أيضا .

من البرندا دلفا إلى داخل الحجرة الوحيدة التي بنى العنكبوت على أركانها وفي سقفها المنسوج من القنا والتمام وجذوع النخل . لون الحجرة الأخضر كان باهتا جدا لكن أرضيتها الرملية بدت نظيفة.

وهتفت أم الخير بحنق:

-         ولا واحدة من المستأجرات ولا الجارات تجئ وتقعد مع خالتي!

فهمس السر مغمغما:

-         انت عارفة حبوبة الروضة وطبعها.

ووقفا قريبا من العنقريب العالي والضخم جدا والذي ضم جسدها الدقيق . كان شعرها الأشيب مكشوفا ، وجبينها المخدد بعشرات التجاعيد والخطوط ينضح بالعرق. عيناها كانتا مطفأتين فأجفانها مسدلة . أنفها الدقيق المستقيم بدا وكأنه يصدر صريرا رقيقا وخافتا. وفي تلك اللحظة تكاثفت ظلمة الغيوم وانفلق دوي رعد شديد يهز بقية العصر الذي تقدم . شعر السر بقشعريرة تتسرب إلى قلبه . تحركت الحبوبة الروضة قليلا في رقدتها ثم فتحت عينيها وبدا كأنها تحاول أن تقول شيئا فانحنت أم الخير عليها واضعة أذنها اليسرى قريبا من الشفتين المدقوقتين بالكحل ، وسمعتها تقول بنبرة خافتة لكن حازمة:

-         الكفن في السحارة الكبيرة ..

وصمتت ثم أردفت بنبرة مرهقة للغاية :

-         موية البرود مخلوطة بموية زمزم الجبتها من الحجاز برضها جوة السحارة والدفن في البلد مو هنا .

وهمست بتضرع:

أدفنوني تحت النخلات.

وصمتت.

أمعن العصر في التقدم  وانهمر المطر مشوشا كالأفكار. اضطربت السماء ثم اصطخبت بدوي الرعود كرة أخرى. واشتد الإحساس بالقلق فجلسا على العنقريب عند قدميها المختبئتين تحت توب البنغالي الخفيف. وانتبها لقط يجوس في النملية بين صحون الطلس والباشري والكزرونات القديمة . كانت هناك زجاجة سمن لا بد أنها جلبت من البلد ، وكيس مفتوح تدفق منه الجُرُمْ. وكان هناك الزيت وكيس الملح وكيس السكر وعلبة الشاي. وتحت النملية كانت هناك طبلية خضراء عليها بابور جاز أبو إبرة ، وقرب الطبلية جثم بنبر كبير منسوج بحبل مهترئ.

ارتعشت شفتا الحبوبة المدقوقتان بالكحل الأخضر رعشات خفيفة ثم نبض ذقنها على نحو غير إرادي وتلاحقت أنفاسها ثم ما لبثت أن تباطأت . انتفخ وريد رقبتها ثم انحرف على نحو يثير الجزع . وامتلأ قلباهما باضطراب مفعم بالخيالات . ساد الصمت وبدت الحجرة أضيق مما هي عليه . وحركت ريح المطر حبل الفانوس غير الموقد والمعلق على حلق الباب . وتطلعا معا إلى حجر البركة المجلوب من ضريح سيدي الحسن في كسلا . وارتفعت في الجو رائحة الأرض المشققة الظمأى وهي تستقبل أولى زخات المطر الذي أخذ ينهمر بغلظة. ومن حجرات المسـتاجرين فاحت روائح المطبوخ والمفروك ممتزجة مع رائحة العرق والبول وصنان الأطفال.

وتخللت المطرة عاصفة مباغتة صفعت الحجرة الخائفة من كل جانب . واشتد ظلام الغيم متداخلا مع ظلام أول العشي . برقت عشرات البروق ، وبدأ أن صاعقة قد وقعت في القريب ، ودبت الرطوبة في الأطراف . تحركت شفتا الحبوبة المدقوقتان كرة أخرى فدنت منها أم الخير ووضعت عليهما أذنها اليسرى . حاولت أن تتكلم لكن الإعياء أخذ منها جدا . الحروف خرجت متقطعة غير واضحة تصحبها حشرجة مزعجة، لم تفهم منها سوسى كلمتي :"حوض الملوخية .. حوض الملوخية .." وفي سرعة وجلبة دخل إلى البرندة ومنها إلى الحجرة الأسطى الكيك الأحمر ومعه محمود المساعد الطبي في الشفخانة  القريبة.

قال الأسطى بصوت بدا غاضبا:

-         مطر غير مسبوق ! السيول في لحظات أخذت في جرف الشوارع ! 

واتجه محمود إلى العنقريب فوضع عليه صندوقه المعدني اللامع وأخذ رسغ الحبوبة . صرّ وجهه بعد برهة ثم مد يده اليمنى ففتح جفنيها وأغلقهما .أخرج سماعته الطبية العتيقة ، علقها على أذنيه ثم وضع ميكرفونها على صدر الحبوبة . اصغى  باهتمام وهو يحرك السماعة كأنه يبحث عن القلب العجوز. والتفت على نحو درامي وهو يقول بحياد:

-         البركة فيكم. ماتت للتو الله يرحمها كانت إمرأة مكافحة.

دوّت رعدة جفل منها الجميع ، وبدا أن جدران الحجرة قد أخذت في الإهتزاز. ثم سمعوا جدران بيوت المستأجرين تتقوض وتتهاوى والمطر يشتد ويشتد. ودون أن يشعر السر الشايقي زفر:

-         يعني ما حا يكون في ايجارات؟ نسأل الله ألا تقع كل بيوت الايجار.

التفت إليه الأسطى الكيك قائلا :

-         البيوت أصلها جالوص يا حاج السر فلاتنسى ذلك.

قطب السر وهمس لنفسه:

-         لا دخل ثابت مع هذا المطر.

وسأل الأسطى الكيك الأحمر:

-         والقروش النقد عندك فكرة عن محلها؟

تمتم السر الشايقي:

-         لا والله.

وقالت أم الخير:

-         ما في جنس مخلوق يعرف عنها حاجة.

تأوه السر ثم تنهد:

-         اللهم لا اعتراض على حكمك.

وهنا قال المساعد الطبي محمود:

-         مش الأولى تستروا الجنازة وبعدين...

فقاطعه السر :

-         بعدين ممكن نبيع البيت على الأقل.

وصمت وأردف:

-         أصلهم ألفين متر مهما كان.

وهمست أم الخير:

-         الحبوبة قالت يدفنوها في البلد تحت النخل.. والله مشوار ومحتاجين لوري..

وصاح السر بغتة:

-         وما ننسى تمر البلد ونخله.

وصمت ثم زام بصوت خافت:

-         لكن لو يقف المطر.


مقالات سابقة قصة و شعر
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 05 سبتمبر 2010 الى 25 ديسمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 مايو 2010 الى 05 سبتمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 سبتمبر 2009 الى 14 مايو 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 16 ابريل 2009 الى 14 سبتمبر 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 24 نوفمبر 2008 الى 16 ابريل 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات 2007

© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Sudan's Abyei region awash with arms and anger
  • Military Helicopter Crash Kills Five in Darfur, Sudan Army Says
  • SUDAN: Lack of justice "entrenching impunity" in Darfur
  • The National Agency for Securing and Financing national Exports pays due attention to Nonpetroleum Exports
  • Vice President of the Republic to witness the launching of the cultural season in Khartoum state
  • Youth creative activities to be launched under the blessing of the president, Tuesday
  • Sudan's gold rush lures thousands to remote areas
  • South Sudan faces precarious start
  • Aid workers taken hostage in Darfur freed: U.N.
  • 19 People Killed In Clashes In Sudan's South Kordofan State
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Thursday the 14th of April 2011
  • Minister review with Indonesian delegation Sudanese Indonesian petroleum cooperation
  • Bio-fuel experimental production launched in Sudan
  • Center for Middle East and Africa's Studies organizes a symposium on intelligence activities in Sudan
  • South Sudan Activists Say : Women Need Bigger Role
  • 'One dead' as army helicopter crashes in Khartoum
  • Vice President receives new Algerian ambassador the Sudan
  • A training military plane crashes killing one of the three crew on board
  • Headlines of major daily papers issued in Khartoum today Wednesday the 13th of April 2011
  • Minister of Defense announces some precautious measures to secure Port Sudan
  • Industry Minister Meets Ambassadors of Central Africa, South African Republic
  • Sudan has 'irrefutable proof' Israel behind air strike
  • Taha Affirms Government Concern over Youth Issues
  • Headlines of major news papers issued in Khartoum today Monday the 11th of April 2011
  • NCP: statements by the US Secretary of State and the new envoy an attempt to justify the American hostility
  • Two Sudan papers stop publishing, protest censorship
  • Helicopters, tanks deployed in volatile Sudan area
  • State minister at the ministry of oil meets the delegation of the Gulf company for metal industries
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Sunday the 10th of April 2011
  • Ministry of Foreign Affairs: Sudan possess solid proof of Israeli involvement in the aggression on the country
  • Defense Minister visits Port-Sudan
  • Somali pirates hijack German vessel
  • Family denies assassination of key Hamas figure in Sudan
  • President Al-Bashirr, First VP Kiir Agree to Implement Agreement on Security Situation in Abyei as of Friday
  • DUP Denounces Israeli air strike on Port Sudan Vehicle
  • SBA Calls for especial Economic Relations with South Sudan State
  • Sudan-Brazil Sign Animal Wealth Protocol
  • Netanyahu vague on Sudan strike
  • seven Killed In New Clashes In South Sudan
  • Sudan's government crushed protests by embracing Internet
  • Hamas official targeted in Sudan attack, Palestinians say
  • قصة و شعر
  • خواطـــر شاردات/كمال طيب الأسماء
  • اسكندرية بين عهدين كنت قد بدأتها منذ أعوام خلت واليوم أختمها للشاعر السوداني / حسن إبراهيم حسن الأفندي
  • وغداً تدورُ الدائرة/د. عزًّ الدين هلالي
  • أمـل الـبلاد للـقائد /غاده مـحمد الـسـيد الـخندقـاوى
  • رقصة أشول و ناكيدن/انقوك دانيال شول رياك
  • إرحل .. قصيدة رائعة للشاعر الرائع فاروق جويدة
  • نص قصص " ثورة محمد البوعزيزي" بقلم: بقادي الحاج أحمد
  • قصيدة جديد لياسر عرمان ...بائع الخضار ياسر عرمان - جوبا
  • قـــائـدى / غـادة مـحمد السـيد الخـندقاوى
  • دعوهم يلعبون/شهاب الحق ناصر
  • شتان بين وحدة وانفصـال/شعر . د. زكي مكي إسماعيل
  • القائد/ غاده محمد السيد الخندقاوي
  • الحريــق /السيدة ابراهيم عبد العزيز عبد الحميد
  • وطنـــي للشاعر /حسن إبراهيم حسن الأفندي
  • آ خر أمل/ياسر ادم عبدالرحيم (ابو عمار)
  • قصة قصيرة " سفر في الغربة " بقلم: بقادي الحاج أحمد
  • اليوم هو يوم الاحد الموافق التاسع من يناير 2011 م/ايليا أرومي كوكو
  • في رثاء محمد سيد حاج/عبدالمنعم ادم الزين
  • قصيدة شوق وحنين الى الحج/عبدالمنعم ادم عبدالصمد الزين
  • جهالاتو عواراتو/كمال الدين مصطفي