صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
بقلم :د/عبدالله علي ابراهيم
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jan 25th, 2011 - 17:09:24


مدخل جديد على الأزمة السودانية:منح الحكم الذاتي لولاية النيل الأزرق ثم تعميمه على بقية الولايات الشمالية هو الطريق الأمثل لحفظ ما تبقى من السودان/بدر الدين يوسف دفع الله السيمت
Jan 25, 2011, 17:07

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع
Share
Follow sudanesewebtalk on Twitter

مدخل  جديد على الأزمة السودانية

منح الحكم الذاتي لولاية النيل الأزرق  ثم تعميمه على بقية

الولايات الشمالية هو الطريق الأمثل لحفظ  ما تبقى من السودان

 

بسم الله الرحمن الرحيم

" لئن بسطت إلي  يدك لتقتلني، ما  أنا بباسط يدي  إليك لأقتلك"

صدق الله العظيم  

إذا توحد شعب النيل  الأزرق، فإنه سيكون  مفتاح حل الأزمة السودانية

  وسيكون  نموذجا  طيبا، وقدوة حسنة  لبقية شعوب الولايات  الشمالية

لقد تابعت  باهتمام بالغ خبرا منشورا بصحيفة السودان  الإلكترونية " سودانايل" بتاريخ الأحد 23 يناير الجاري، مفاده أن آلاف السكان من ولاية النيل الأزرق المتاخمة للحدود مع أثيوبيا، وجنوب السودان، قد طالبوا بالحكم الذاتي خلال المشورة الشعبية التي انطلقت هذا الأسبوع، وأن والى الولاية ونائب رئيس الحركة الشعبية ، السيد مالك عقار ، دعا إلى منح ولايته الحكم الذاتي خلال تعبئة استمارته الخاصة بالمشورة الشعبية، وطالب بالمزيد من السلطة والثروة وترتيبات أمنية مطمئنة.

إن هذا  الحديث المنسوب للسيد الوالي ،  وللآلاف من شعب ولايته، هو حديث طيب، يبعث الأمل والرجاء في سودان جديد، يسوده الوئام والسلام ، ويحكمه القانون والنظام، وتنصب فيه موازين العدل والمساواة،  وهو حديث يدل على بعد نظر الوالي، وحنكته السياسية، وحسن تقديره، كما يدل أيضا على وعي شعب الولاية، وتمسكه بحقوقه، وحرصه على عدم إهدار هذه الفرصة النادرة.

بيد أنني لا أريد أن يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يحدوني أمل وطيد ، ان بقية سكان الولاية من المعارضين للوالي وللحركة الشعبية، سوف يؤيدون ويدعمون الوالي ، في توجهه الصائب الحكيم، نحو تحقيق الحكم الذاتي لولاية النيل الأزرق، بما يؤمن تقدم الإقليم وازدهاره واستقلاله واستغلاله لموارده الهائلة، الأمر الذي يعود بالنفع والخير على سكان الولاية وعلى غير سكانها... ولقد لمست هذا الشعور النبيل الطيب، المتسامي على جراح الماضي، عند كل الذين إلتقيت بهم ، من سكان مدينة الروصيرص الجميلة الحالمة الوادعة، والتي هي موطن زمان طفولتي ومحط عهد صباي.

إذا تم هذا  الإتجاه بما يشبه إجماع سكان الولاية، فإن الحكومة المركزية، سوف  لا تجد مندوحة ، عن الإستجابة لهذه الإرادة الشعبية، التي تستند على صحيح القانون، خصوصا إذا كانت إرادة جماعية شاملة لجميع فئات شعب النيل الأزرق على إختلاف مشاربه، وتنوع قبائله، وتباين سكانه.

كما هو معلوم  فإن إتفاقية السلام الشامل قد قررت مبدأ المشورة الشعبية،  الذي يتلخص في قيام لجنة برلمانية، يشكلها المجلس الولائي، من أجل إستطلاع رأي سكان الإقليم، في مدى تلبية اتفاقية السلام الشامل لطموحات سكان الولاية، فإذا كان الجواب بنعم إنتهى الأمر عند هذا الحد، وإن كانت الإجابة بلا، فما هي التوصيات التي تلبي تطلعات شعب الولاية؟

 فإذا  كان الشعب واعيا وعيا كاملا  ( كما هو الحال الآن ) طالب الشعب بالحكم الذاتي الإقليمي، ومن ثم  يتم الدخول في مفاوضات مع الحكومة المركزية، على النحو المفصل في موضعه.

ومن البداهة بمكان أن تكون الإجابة أن إتفاقية السلام الشامل لم تحقق طموحات أهل الإقليم، لأسباب عديدة، منها حالة وعي سكان الإقليم، ووعي واليه، المنوه عنهما أعلاه، ومنها إفتقار الإقليم للبنى التحتية، والمرافق الأساسية، ومنها حالة البؤس التي يعيشها الإقليم الغني بالموارد والزاخر بالثروات، رغم مرور ست سنوات على تطبيق إتفاقية السلام الشامل، ومنها إن الإتفاقية نفسها لم تعالج مشاكل الإقليم  وإنما تركت ذلك للمشورة الشعبية، ومنها أن الحكومة المركزية بإيدولوجيتها الضيقة، ونظرتها الآحادية، لا تأبه  للفوارق الثقافية ، والتعدد الإثني ، كما انها لاتحترم الحقوق والحريات الأساسية، إلا على سبيل المناورات السياسية.

إن شعب  النيل الأزرق ، بهذا الخيار الذكي  المسنود بقوة القانون، لا يحتاج أن يدخل في نزاع مع الحكومة المركزية، ولا يحتاج أن يخرج في مظاهرات ومواكب، إذ أنه يستطيع بكل هدوء ، وبأسلوب حضاري ، أن يخرج من قبضة المركز، عبر آلية قانونية وضعها المركز نفسه .

والأمل معقود  أن المركز، سوف لايشتط، وسيستجيب للإرادة الشعبية لأهل النيل الأزرق ، كما إستجاب للإرادة الشعبية  لشعب الجنوب... إذا تم هذا بسلاسة وهدوء، فإن هذا يمهد الطريق لبقية ولايات السودان الشمالية، للسير في طريق الحكم الذاتي الإقليمي، الذي إفترعه شعب النيل الأزرق، فكان قدوة حسنة، ومفتاحا لخير عميم، نتفرغ تحت ظلال امنه وإستقراره، كلنا جميعنا، لحل مشكلتنا المستعصية.

إن مشكلتنا المستعصية على الحل، ليست في الأزمة السياسية، و لا  الأزمة الإقتصادية، بل وليست في العنصر ولا في الدين، وإنما كل أولئك بعض مظاهرها.

إنها أزمة في عقلك ، وفي عقلي، وفي ضميرك ، وفي ضميري!! إنها أزمة وجود!! إنها نصيبنا من أزمة النوع البشري بأسره، وسوف نوضح تفصيل ذلك في موضعه من هذا المقال، والذي لا نريد له أن يكون وعظا تقليديا، وإنما نريد له أن يكون مدخلا في بحث أصل المشكلة السودانية، وردها إلى أصل الأصيل في مأساة الإنسان وبؤسه وضياعه.

العهد الحاضر لم يخلق مشكلة  الجنوب ولكنه أجج  نيرانها

وعمق  عداواتها، وحولها إلى حرب دينية  عقائدية جاهلية

 غني عن  البيان، أن العهد الحاضر، لم  يخلق مشكلة الجنوب، فهي مشكلة  قديمة، متعددة الجوانب، وقد  ساهم في تعقيد حبالها ،   وتطاول عهدها، جميع نظم الحكم  التي تعاقبت في البلاد، والتي  عجزت عجزا بائنا، عن فهم الخلافات الدينية والثقافية والاجتماعية والإقتصادية والعرقية، بين أقاليم السودان المختلفة، وبصفة خاصة الإقليم الجنوبي.

 ثم سارت  تلك النظم، في طريق خاطئ،   لم ينكر حق الجنوبيين، في  الحكم الذاتي الإقليمي الفدرالي  ، فحسب، وإنما  لجأ إلى  الإعتماد على السلاح، ومقابلة  العنف بعنف أشد، على أيام  العهد العسكري الأول (1958- 1964) .

بفضل قيام ثورة عاطفية شعبية، في أكتوبر 1964، بدأ  السودانيون ينظرون بشئ من العمق إلى  مسألة الجنوب، فتم عقد مؤتمر  المائدة المستديرة، إلا أن الأحزاب  التي تعاقبت على السلطة، سارت في طريق متخبط ، ظل يضرب ذات اليمين وذات الشمال، طيلة أيام  الديمقراطية الثانية في الفترة فيما بين (1964- 1969)

بدخول العهد  العسكري الثاني (1969- 1985) جرت محاولات للحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان في عام 1972،  بإبرام إتفاقية أديس أبابا، إلا أن تلك الإتفاقية قد إنتهت إلى الفشل، والذي تمادى إلى إعلان النظام العسكري لقوانين سبتمبر، والتي شوهت وجه الدين الإسلامي الحنيف، ولم يكن ذلك النظام يبتغي من تطبيقه المزيف لمصطلح الحدود الشرعية، سوى التنكيل   بالمعارضين السياسيين، وإذلال الشعب وإهانته بالجلد والقطع والبتر والقتل.

هذا الوضع  المزري ،  هدد الوحدة الوطنية، وأدى إلى الفشل النهائي لإتفاقية أديس أبابا، والتي تنكر لها ذلك النظام العسكري، ثم تمادى  في التطبيق المزري الخاطئ، لماسمي بالحدود الشرعية  هذا فضلا عن أن الإتفاقية نفسها، قد قصرت همها على الإقليم الجنوبي، ولم تمد بصرها إلى بقية الأقاليم (الشرقي والشمالي والغربي والأوسط)

ولم تكن الديمقراطية  الثالثة (1985– 1989) أسعد حظا، من الديمقراطية الثانية، فقد بدت أعراض البؤس الثقافي والإفلاس الفكري، واضحة وجلية في مجتمعاتنا، فتجمعت عواصف الهوس الديني، وخلا الجو لفرسانها، فطلبوا الطعان وحدهم والنزالا ...  حتى صاروا هم  الحكام والقضاة والشرطة، وهم الأدباء والمفكرون الذين ينتهي عندهم رأي كل ذي رأي، وهم التجار والرأسماليون الذين يكنزون الذهب والفضة، وهم المالكون والمساهمون والمودعون فيما يسمى بالبنوك الإسلامية التي تتعامل بالربا أضعافا مضاعفة، بل بالسحت أيضا، ولكن تحت أسماء مستعارة من الأرشيف القديم لفقهاء السلطان، وتفصيل ذلك حاضر عندنا وعتيد.. بإختصار صاروا هم كل شئ، وصار الشعب كما مهملا وأغلبية صامتة.

ولا بد أن الناس  في السودان، ما زالوا يذكرون كيف  أن العهد الراهن، قد عقد مشكلة  الجنوب ، وأجج نيرانها، وأخرجها من محتواها القديم، بإعلانه الجهاد الإسلامي، على المواطنين البؤساء  في جنوب السودان، وسوقه الأيفاع والمراهقين، لموارد الهلاك، فسفك الدماء في غير رحمة، في ميادين الوغى المسماة بساحات الفداء، في أكبر بدعة دينية، عرفها تاريخ الإسلام ، بدعة زواج الحور العين في عرس الشهيد... وإني لا أعلم أن إبتذال معاني الدين الرفيعة، قد تدنى إلى هذا الدرك، في إي وقت من الأوقات.

 إنه أمر  لا يخالف تعاليم الإسلام فحسب،  وإنما يخالف كل الأعراف المعروفة،  وكل مقتضيات الذوق السليم والحزن  النبيل،  في إحترام حرمة  الموتى، وتقدير مشاعر ذويهم  .

لقد تم كل هذا، في غفلة تامة، عن التطورات الهائلة، التي تجري في العالم حولنا، والتي تطلب فهما عميقا للإسلام ، يستوعب طاقاتها، ويلبي طموحات وأشواق الإنسانية المعاصرة، والتي هي أبدا في صيرورة وتسام.

  إنها قرية كوكبية ليس للبشرية بها سابق عهد

 لا بد  من التوكيد على،  أننا نعيش في مجتمع كوكبي، مترابط المصالح، تعمره بشرية واحدة، متحدة الأغراض، بدأت تثبت أقدامها في الطريق الصاعد نحو الوحدة، والعيش في سلام، وإن فرق بينها إختلاف الأديان والأعراق واللغات، والنعرات الوطنية، والحروب الإقليمية، والمستويات المتباينة في التعليم والتحضر، والصراعات بين "العندهم" و "الماعندهم" .

ومن المفارقات  الأليمة، شديدة الوقع على النفوس،  أن السودان قد كان يسير منذ وقت بعيد في الطريق المنحدر إلى مزالق الهمجية والحروب بدلا عن الطريق الصاعد نحو الوحدة والحرية والسلام .

وقد بلغت ذروة ذلك التردي في إعلان سلطة مايو لقوانين سبتمبر، وما صحبها من ظلام وهرج، وهوس ديني، هدد الوحدة الوطنية،وأهدر الحقوق الأساسية، ومهد  إلى وقوع الإنقلاب العسكري الثالث في يونيو 1989، عن طريق التمويه والبطش والفتك، وإستغلال للدين لأغراض السياسة، مما جعل الأقوياء يقاومون بالسلاح ، والضعفاء يتملقون بالنفاق، وليس في أيهما خير، وإنما كان فيهما وبهما، سود العواقب، على الأخلاق السودانية، المعروفة بأصالتها ومستواها الراقي الرفيع.

   وقد تم تتويج كل تخبط العهد الراهن بفصل الجنوب عن الشمال، والذي يجب أن تتحمل ما يسمى بالحركة الإسلامية، ومن ورائها مسئولو العهد الراهن وحدهم عواقبه الوخيمة... وهذا بالطبع لا يعفينا من المسئولية، إذ أننا  جميعنا  نتحمل مسئولية بقاء هذا العهد لأكثر من عشرين عاما...  فكما تكونوا يولى عليكم، فما العهد الحاضر، في حقيقة الأمر، إلا حصاد جهلنا، وإلا ثمرة غفلتنا: " وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"

 لقد أغفل الكثيرون منا ، الحاجة الماسة لتطوير شرائعنا، من أجل إستيعاب طاقات المجمتع الإنساني ... لقد أغفل الكثيرون منا اننا نعيش في قرية كوكبية!! وأيسر ما يطلب من سكان القرية، أن يتعايشوا في سلام وفي إتحاد ، إن لم نقل أن يعيشوا في سلام.. هذا الوضع الكوكبي جعل حاجة البشرية للسلام، حاجة حياة أو موت.

 لهذا السبب العتيد ، فإن أي حل لأية مشكلة إقليمية، يجب أن يكون على خط السلام!! ذلك الخط اللاحب، الذي بمواصلة السير فيه، نقف عل أعتاب مشارق النور، ومشارف الحرية، حيث يوجد  حل مشاكل البشر جميعا، في العيش في محبة ومودة تتم فيهما وبهما ، رعاية رحم الإنسانية الواحد.

هذه الكرة  الأرضية ، هي أرضنا جميعا، فمن  رحم أمنا الأرض خلقنا ، وفيه نعود ومنه نخرج تارة أخرى، كما هو مقرر دينا وعقلا وعلما، ولكن الأهواء والمصالح الإقليمية والعقائدية ، منعت البشر، من النظرة الرحيبة الصحيحة، والتي كانت وماتزال تحتم علينا العيش في سلام، كان حتما على ربك مقضيا.

والسلام لا يجئ  عن طريق الحرب، والمودة لا تجئ عن طريق العنف، لأن الغاية السامية السليمة، لا يتوسل إليها بالوسيلة الوضيعة الخاطئة، ففاقد الشئ لا يعطيه، وإنك لا تجني من الشوك العنب... وليس هناك وسيلة وضيعة وخاطئة ، أكثر من وسيلة الحرب، وسفك الإنسان لدم أخيه الإنسان.

نحن نعيش في قرية كوكبية ، ليس للبشرية بها  سابق عهد، ولذلك فإن الحلول القديمة  لا تجدي فتيلا، فلا بد من إنتهاج طريق جديد، طريق غير مطروق!! طريق المحبة،  ونبذ العنف وإلى الأبد... وهذا لايتسنى لنا إلا بنظرة جديدة، قمنا بتفصيلها، بفضل من الله ومنة،  خلال العشر سنوات الماضيات، في عديد الكتب والمقالات، التي صدرت عن جذوة تأويل القرآن الكريم فمن شاء الإطلاع عليها فليلتمسها في مظانها.

لماذا نقول إنها أزمة ليس للبشرية بها سابق عهد؟

أزمة جديدة ليس للبشرية بها سابق عهد

 

 إن  الأزمة  الراهنة، علي التحقيق، أزمة  جديدة، ليس للبشرية بها سابق  عهد!!  وسبب ذلك يرجع إلى اعتبارات عديدة، نجملها في ست  مسائل : 

  أولها:

أن  البشرية قد صارت قادرة على إفناء نفسها

        إن البشرية اليوم قد صارت  قادرة، علي إفناء نفسها، بل  قد أضحت  قادرة علي تدمير  كل صور الحياة، علي ظهر هذا  الكوكب الجميل، بما تمتلك من  أسلحة رهيبة... ذرية، وكيمائية  وبيولوجية... الخ

      هذه الأسلحة الرهيبة يملكها إنسان، لا يختلف في حالته النفسية من إنسان  الغابة البدائي، فهو ما زال قاسيا، شرسا، حقودا، منتقما!!   ثم هو خداع،  ختار ماكر!!

هذا الوضع، بهذه الصورة، هو أمر جديد تماما  لم يتفق للبشرية عبر تأريخها الطويل.

وثانيها

إن القتل قد صار مبررا تبريرا كاملا ، أيدولوجيا

وفكريا  ، ودينيا ، وعقائديا ، وقوميا ، ووطنيا،  وعرقيا

     إن  البشر عبر العصور،  كانوا يفتكون ببعضهم بعضا، وكانوا يسفكون دماءهم،  ويعللون ذلك بأسباب شتي، ولكن لم يتفق للبشر أن فلسفوا القتل، وبرروا سفك الدماء،  تبريرا إيديولوجيا وعقائديا، انتظم الملايين، مثل ما اتفق لهم، في القرن الماضي، القرن العشرين.

       كما هو معلوم فان العقيدة الشيوعية قد اجتاحت بحد السلاح، وبعنف لا يعرف الرحمة الصين وما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، ومنظومة دول  الكتلة الشرقية.  كل ذلك القتل  الذريع، كان مبررا  تبريرا فكريا!! وقل مثل هذا في  النازية، و الفاشية وما إليهما، من النظريات التي تبرر سفك الدماء، باسم العنصر، أو الحزب، أو الدولة.

     ولا يظنن ظان أن الدول الغربية، تختلف عن هذا، حيث أن الاختلاف في المقدار فقط!! فالدول الغربية أيضا تؤمن بالعنف، وتبرره، وتجيش الجيوش، وتنفق علي أدوات الحرب أضعاف ما تنفق علي وسائل التعمير، بل إن الشكل الراهن لكل دولة، من الدول القائمة الآن، قد تشكل بحد السلاح.

       واخيرا وجد العنف تبريرا دينيا   علي يد الحركات الدينية المتطرفة،  وخاصة الإسلامية منها حتى أننا  نجد الناس،  في مطلع القرن  الحادي والعشرين، يمجدون سفك  الدماء، ويحللون الانتحار، ويظنون  أن ذلك سيورثهم جنات الخلد  والنعيم!! وقد جاز هذا المنطق  السطحي، ليس علي المراهقين  والأيفاع، فحسب، وانما علي  أناس يحسبون علي العلم والثقافة،  من أساتذة جامعات، وأطباء وعلماء  ورجال قانون!! وما أظن أن البشرية،  قد تردت إلى هذا الدرك السحيق،  في يوم من الأيام.

     لعل أمثلنا طريقة يقول بالحرب الدفاعية، والحرب الوقائية، وإن محاربة الاحتلال، يبرر العنف، وهذا أيضا، ضلال بعيد!! لأن فكرة الحرب من حيث هي فكرة خاطئة، لاعتبارات  كثيرة، منها أن المنتصر، إنما انتصر بسفك دم شقيقه، ودم شقيقته، بل بسفك دم أبيه ودم أمه!! إن الذي يكسب الحرب هو الخاسر، لأنه إنما كسبها بسفك دم أخيه، والى هذا المعنى الرفيع وردت الإشارة اللطيفة في القول المبارك: " فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الخاسرين " سمي القاتل الذي كسب المعركة خاسرا!!

       إننا قد ذهلنا عن هذه الحقيقة  البسيطة ، لأن الأمد قد طال  علينا، فقست قلوبنا،  فنسينا  أننا أبناء أب واحد وأم واحدة... ولقد زين لنا قتل أولادنا  في ساحات الوغى، شركاؤنا من  فلاسفتنا ومفكرينا: " وكذلك زين  لكثير من المشركين قتل أولادهم  شركاؤهم"

     إن  ايسر حجة ضد الحرب الدفاعية، هي إن الدفاع يقود إلى الهجوم، لأن  الهجوم هو أحسن وسائل الدفاع، كما  هو معلوم. هذا هو السر في أن حروبنا الدفاعية،  عبر القرون، لم تؤد إلى وقف، الحرب وانما أدت إلى المزيد من الحروب، والمزيد من الإحن والضغائن!! وهذا هو السر في أن العارفين منا، لا يدافعون  عن أنفسهم، ولا يدعون غيرهم  يدافع عنهم!!

      ألم يزجر المسيح بطرس، عندما هم بالدفاع عنه!! ألم يقل له: " من أخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ " ألم يأمر النبي الكريم محمد أصحابه بعدم حراسته غداة نزل عليه القول المبارك: " والله يعصمك من الناس"

       ولا يطعن في هذا التقرير ما سفك من دماء، في الجهاد الإسلامي على أيام النبي الكريم، لأن محمدا الحكيم، جهز أصحابه بجهازهم، ورد إليهم شريعتهم جزاء وفاقا، ثم أعتصم هو بالحق المبين، جالسا علي عريشه، متوكلا علي ربه، مغمدا سيفه في جفيره، غير هياب ولا وجل، معلنا في خطبة الوداع، نهاية مرحلة الجهاد بالسيف بقوله عليه السلام: "فإن ترخص أحد بقتال رسول الله، فقولوا له إن الله قد أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم" وهذا الإذن واضح في قوله: " فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" والآن فإنه من حق الشعب السوداني أن يسأل حكامه: من أذن لهم بسفك دماء الأبرياء؟ وهل قتلهم مثل قتل الله؟ وهل رميهم مثل رمي رسول الله؟

      إن  تبرير القتل، تبريرا فكريا وعقائديا،  ينظر له الفلاسفة والمفكرون، وأساتذة  الجامعات ويساق فيه الناس، سوق  السوام  بالملايين، هو أمر ليس  للبشرية  به سابق عهد!!

وثالثها:

زيادة حجم الفجوة بين  تطور العلم المادي وتخلف

الفكرالديني ، زيادة إتسع فيها الخرق على الراتق

 إن العلم المادي  قد قفز قفزات هائلات، في  القرن العشرين، وبصورة خاصة  في العقدين، الأخيرين منه، وبالذات في مجال الكمبيوتر والتقنية الحديثة في المعلومات والاتصالات وعلوم الفضاء، وعلوم الأحياء، وما صحب ذلك من استكشاف أسرار الخلية الحية والجينات وفك رموزها، حتى أفضى ذلك إلى استنساخ الحيوانات العليا، وبات من الثابت نظريا، إمكانية استنساخ الإنسان نفسه، بل إن بعضهم زعم أن  ذلك قد تم بالفعل. إن هذه التطورات المذهلة لم تكن، في الحسبان، قبل ربع قرن من الزمان، دع عنك القرن السابع الميلادي!!  

إن هذه  القفزة العملاقة، قد زادت، في حجم  الفجوة الكبيرة، بين العلم المادي،  والفكر الديني، والتي بدأت منذ  يوم أثبت العلم كروية الأرض، ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وما تلا ذلك من كشوفات علمية، بلغت ذروتها في تفتيت النواة المادية ذاتها!!

لقد استطاع العلم المادي، إبان الثلاثة قرون الماضية، أن   يزلزل أركان العقائد  الدينية التقليدية، ولكن العقائد  استطاعت بصورة من الصور مجاراة التطور بالتنازل وتعديل  المعتقدات  تارة، وبالحيل الفقهية وتقليب الأمور تارة أخرى، فإذا أعيتها الحيلة لجأت أحيانا إلى الدبلوماسية وأنصاف الحلول، أو غفلت عما يجرى في أغلب الأحيان، وهذا هو عين ما حدث للفكر  الديني طيلة القرون الثلاثة الماضية، حيث كان الفكر الديني غافلا  يغط في ثبات عميق، معزولا عن تيار التطور، وحركة الحياة، في العلم  والثقافة، وفي السياسة والاقتصاد  والاجتماع...

ثم  انتهي  الغرب، إلى تحجيم دور الكنيسة  وعزلها عن تيار الحياة، بعد أن ثبت  دجل القائمين علي أمرها، وتهاوت كواكب  ليلهم في محاكم التفتيش، وصكوك  الغفران.

أما العالم الإسلامي فقد كان يعيش تمزقا وتخلفا فكريا، تحت قيادة الخلافة التركية، والتي يكفي أنها عرفت باسم " رجل  أوربا المريض!! ".

 من ناحية  أخرى، فان الأديان الشرقية  في الهند والشرق الأقصى لم  تكن اسعد حالا حيث أنها ظلت  مقيمة علي القديم. بمعني آخر  فان جميع الأديان، كانت تنام  في سبات عميق!!

إن الفجوة بين العلم والدين، لم تبلغ هذا  المبلغ، في يوم من الأيام، وهذا أمر ليس للبشرية به سابق عهد.

ورابعها 

ظهور  الوجه السلبي للعلم، وتلويث البيئة، تلويثا ، لم يسبق له مثيل

لقد كان  العلم المادي، خيرا وبركة، زادت به الحياة جمالا وبهاء، إلا أن محاسنه،  قد عدتها العوادي.

لقد أفرزت  المخلفات الصناعية، والنفايات النووية، قوي سالبة، ألحقت تلوثا  للبيئة ليس للبشرية به سابق عهد.

شهد الناس  في أخريات القرن العشرين، تدميرا هائلا  لكثير من الغابات الجميلة، وإفسادا  للمياه العذبة، وزحفا صحراويا  ماحقا، وتهديدا لكثير من الأحياء  البرية والمائية بالانقراض، بل انقرض  بعضها.

لم يسلم من الأذى طبقات الجو العليا، مما  أدي إلى خلل في مناخ وجغرافية الأرض، تمثل في الفيضانات، والزلازل، وارتفاع  درجات حرارة الكوكب، فوق المعدلات المعهودة.

فوق هذا  وذاك، اكتظت مدننا الجميلة، بالملايين  من الفقراء، الذين يعيشون علي حواشيها، عيشة مذلة مهينة، في أكواخ  بئيسة!! وقد  تمخض كل أولئك عن  أزمات صحية وتنظيمية،  فضلا عما هو مشاهد من خلل اجتماعي  رهيب،  لا سيما في ما يعرف بدول العالم الثالث.

هذا التلوث البيئي، وما صحبه من كوارث، أمر جديد، كل الجدة،  ليس للبشرية به سابق عهد .

وخامسها:

الأزمة  المالية العالمية، كارثة لا أخت لها

لم يشهد العالم في تاريخه الطويل، أزمة مثل  تلك الأزمة المالية التي نعيشها الآن، والتي باغتت العالم بصورة عنيفة ومفاجئة، إنهارت تحت ضرباتها ، حصون أسواق المال، مما كشف وهن النظام المالي العالمي، مؤرخا بذلك بداية الإنهيار الشامل للنظام الرأسمالي، بصورة غير مسبوقة، ومازال الناس والإقتصاديون يبحثون عن جبل يعصمهم من الماء.

وسادسها

إن ما سمي بالصحوة الإسلامية، هو مجرد كابوس مزعج

لم  تحلم  البشرية  بمثله في تاريخ  نومها الطويل

ببزوغ شمس  الحياة الحديثة في القرن العشرين، بات من المستحيل، استمرار نوم النائمين، فان إنفلاق الذرة قد أيقظ الحجر والمدر، دع عنك أهل الأديان!! فهب أهل الأديان، من جميع الملل والنحل، هبوا مذعورين، فظنها الكثيرون صحوة!!  ولكنها لم تكن صحوة، وانما هو كابوس أحلام النائمين!! تمثل هذا الكابوس في عودة الغرب المسيحي، إلى مؤسساته التقليدية، مع تطلعات لتلقيحها بالديانات الشرقية، فازدهر مرة أخرى، الكثير مما سمي بالحركات الروحية، والتي زحمت آفاق الناس في القرن العشرين، ولكن سرعان ما تحول جلها إلى كهانة ودجل، و جمعيات وطوائف سرية، أودت بحياة بعض أعضائها، وأهدرت  وقت الإنسانية الثمين دون طائل.

في غمار هذه الحيرة والقلق والاضطراب، برز  ما سمي  بالحركة الإسلامية، وقد  ظن روادها الأولون، انهم قادرون علي  رأب الصدع.

لم يكن  الأمر بتلك البساطة، فقد استجدت مستجدات، ليس في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والعلم المادي فحسب، وانما في عقل  الإنسان، وفي ضميره وفي وجدانه!! بل في كيانه الروحي، المتطلع إلى  العالم الأسني، حيث الحرية!! وحيث الحق!! وحيث الكمال!! وقد كانت الحركة التقليدية الإسلامية، عاطلة من كل أولئك!! وهي باعترافها ليس لها  تجربة في مجال الروح، والمشاعر الدقيقة  المستكنة في الأعماق... فهي كانت ولا  تزال تنكر إمكانية لقاء الله للإنسان  في الحياة الدنيا، وامكانية عروج الكائن البشرى في المراقي، واستمتاعه بحريته وفرديته المستقلة، وتنعمه في ملكوته،  في مجد وبهاء، وفي استقلال مبرأ من التقليد!! بل إنها، علي طول المدى، ومنذ أيام المسيح، وأيام الحلاج،  بل منذ أيام آزر والد إبراهيم الخليل،  كانت تعتبر الإشراق الروحي ضربا من ضروب الإلحاد ، لا يعاقب عليه إلا بالقتل الذريع، صلبا ورجما، أو الإهمال إعراضا وهجرا!! لقد تدهور الفكر الإسلامي، حتى غدا علي أيدي الكثيرين وريثا شرعيا لآزر، ناحت أصنام العقائد والتصورات: " لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا " أليس هذا هو الأسلوب المفضل للكثيرين منا؟!

لا نريد هنا أن نشق علي الحركة الإسلامية، فنكلفها بما لا تستطيع، حيث أنها قد قصرت تقصيرا بائنا فيما تستطيع!! فهي لم تقم بدراسة التراث البشرى والتاريخ الإسلامي، بل لم تدرس أحكام الشريعة ذاتها،  دراسة واعية، تفضي بها إلى إدراك، حاجات المجتمع الإنساني المعاصر في  السياسة والاقتصاد والاجتماع.  

إذن نحن  أمام، حركة تجهل جوهر الدين، كما  تجهل حاجة العصر، ومع هذا فإنها  تستطيع تحريك الملايين، من المتعلمين، ومن غير المتعلمين، وهي تستعين في ذلك،  بوسائل الإعلام والدعاية الحديثة، وبجيش من خريجي الجامعات،  بل من أساتيذها أيضا!! نحن هنا لا نتحدث  عن حركة بعينها، وإنما نتحدث، عن جميع الفرق الدينية التقليدية الإسلامية القائمة على القديم، دون إعادة نظر، ومن غير هدي، ولا كتاب منير، أعني من غير إشراق، ينير دروب الكتاب القديم.

لم يحدث في تاريخ البشرية الطويل أن واجه  الناس، دعاة من غير تفويض من الله!! لقد كان كل الرسل السابقين،  يقولون انهم مفوضون من عند الله،  صدق الناس ذلك أم لم يصدقوه!! أما  أن تمتلئ الدنيا، بآلاف وملايين  الدعاة، بتفويض من عند أنفسهم،  فهو أمر جديد كل الجدة.

ليس للبشرية، علي التحقيق، سابق عهد بمثل هذا  الجهل المنظم النشيط،!! وليت الأمر  قد وقف عند هذا الحد، فقد  غمرت موجة الهوس الديني العالم الإسلامي،  وسود ظلامها وجه البسيطة، ثم  أخيرا  لجأ الهوس الديني  إلى سلاحه  القديم...سلاح العنف والإرهاب، وأعلن  الجهاد، فالجم كل لسان، وأسكت  كل صوت، حتى غدا كثير من المفكرين اليساريين السابقين، أدواتا تسبح بحمد القوى الرجعية.

ثم تطور الأمر  فتمكن الإسلاميون من الاستيلاء  على السلطة الزمنية في بعض البلدان، و التأثير على الشارع الإسلامي في كل أرجاء المعمورة، فباغتوا شعوبهم بعنف غير معهود، بدأ بالأيدي، والأسلحة البيضاء، والكراسي والسيخ ثم تطور  إلى القنابل، والدبابات، والطائرات، فداسوا، بالحمية حمية الجاهلية، علي حقوق الإنسان، وسفكوا دماء الأبرياء، وأفسدوا في الأرض، ولكنهم ما شعروا بذلك: "  ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون"

أقول قولي هذا، وليس غائبا عني، أن كل ما أصابنا،  إنما هو عقوبة حكيمة، أرسلها الله علينا  جزاء وفاقا، فما هي إلا بضاعتنا  ردت إلينا!! إلا ترى أن عقلنا  قد دهاه المحاق، ألا تري فهومنا،  قد غدت سطحية !! ألا تري المعارضة تحمل السلاح؟  السنا عنصريين وسلفيين؟ السنا ظالمين؟ ألم يقل النبي  الأمين: " كما تكونوا يولي عليكم" أليس هذا هو القانون الطبيعي؟ بلي  هو.

باستفحال  موجة الهوس الديني في 11سبتمبر، وما  سبقه من مآسي قررت أمم المدنية الغربية، مواجهة العنف بالعنف، والإرهاب،  بالإرهاب، فدخلت البشرية في نفق  مظلم.

إن هذا  الوضع، لو كتب له الاستمرار- لا قضي  الله ولا قدر-  فانه علي التحقيق،  سوف يفضي،  إلى تدمير العالم، فان الحرب الذرية إذا نشبت، فإنها لاتبقي ولا تذر!!

إن اللجوء إلى العنف، ليس خطأ، الدعوة الإسلامية السلفية وحدها، وانما هو أيضا  خطأ  الواعين من البشر، الذين يقاومون العنف بالعنف، والظلام بالظلام. إن هذا يعني  أن البشرية قد اختارت المضي قدما، وبخطوات حثيثة  في الطريق الخاطئ!! طريق الظلام، طريق الدمار والحرب.

إن العالم اليوم، يقف علي حافة الهاوية، وعلي شفا حفرة من النار، وهو أمر ليس للبشرية به سابق عهد
 
 
 
 

حل الأزمة الراهنة يجب أن يكون حلا جذريا

ليس للبشرية به سابق عهد 

إذا كان ما قررناه  صحيحا،  وهو لابد أن يكون صحيحا - لأننا لم نقرر رأينا وإنما وصفنا الأمر الواقع- فان ذلك سيكون له أبعد المدى، في تغيير مسار حركة البشر، تغييرا جذريا وشاملا

إن هذا يعني أن نضع  الحلول القديمة جانبا، لأنها وضعت لزمان، غير زماننا، ولمشكلة غير مشكلتنا. يجب أن نقبل علي مواجهة التحدي، بأذهان مفتوحة، ومبرأة من غبار التاريخ، ثم نطرق طريقا، ما طرقه أحد قبلنا. إن مواجهة التحدي الجديد بالعقلية القديمة، لا يؤدي إلا إلى المزيد، من التعقيد والارتباك، والذي يتجسد عنفا وحربا

هذ  الذي يجري في السودان، هو عين ما يجري في بقية بلدان العالم، علي تفاوت في الحدة، وفقا لظروف كل بلد، وتبعا لطريقة معالجة سكانه للتحدي المطروح، علي مقدار ما اكتسبوه من حضارة وتمدين. إن أزمة السودان، لم يصنعها الساسة ولا قواد الجيوش، بل لم تصنعها الحركة الإسلامية، وان كانت الأخيرة  قد أججت نيرانها، وزادت من تعقيدها، علي مر الأيام

إن مشكلة السودان، هي مشكلة الكائن البشري، الذي هب من نومه مذعورا، يبحث عن نفسه، وعن حريته، وعن كماله، و يتطلع لانعتاقه من كل القيود.  إن مشكلة السودان، هي مشكلة بؤس الإنسان المادي، وضياعه الروحي، وهو يتساءل في رغبة وفي رهبة: من أين جئنا؟ والي أين نحن مسوقون؟ وهل إلى خروج من سبيل؟ 

بل إن حديث السودانيين الطويل عن هويتهم، إنما هو بحث عن الحقيقة، بحث عن الله، ولكنهم لا يعلمون: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" سنستدرجهم، يعني نجعلهم يتصورون انهم يرتفعون في درجاتهم، مع أنهم يرتفعون في درجاتنا، وينفذون مشيئتنا!! 

إن السلام هو الحل، وان مشكلة العالم لن تحل إلا إذا حل السلامة في كل نفس بشرية، إن حل مشكلة السودان، في حل  مشكلة البشرية، لأن مشكلة السودان هي  مشكلة العالم

 

وبالطبع فإنني لا قصد أن ينتظر أهل السودان بأزمتهم، حتى تحل جميع  أزمات العالم، ولكنني أعني، أن ينتجع أهل السودان، من الحلول، ما يسير منسجما ومصاقبا للطريق، الذي بمواصلة السير فيه، تتضح الرؤية، وينداح الطريق، المؤدي  لحل مشكلة العالم

وإنني أرى أن المشورة الشعبية، لو تم ترشيدها وتطويرها، وأحسن إستغلالها والي النيل الأزرق ، بمساندة شعب النيل الأزرق، فإن ذلك يفتح الطريق للحكم الذاتي الإقليمي، ليس لإقليم النيل الأزرق وحده، وإنما لجميع ولايات السودان، حيث تختار كل ولاية النظام الذي يناسب ظروفها، وينمي ثرواتها في إطار شمال السودان الموحد

الحكم الذاتي الإقليمي لولاية النيل الأزرق يجعل منها واحة في صحراء سوداننا الحبيب، وإني أدعو أهل الرأي  لمساندة  هذا الإقليم، حتى يغدو مركز إشعاع، ونموذجا لبقية الولايات الشمالية، يوضع فيه أساس الحكم المحلي الإقليمي الصحيح، والذي يخلف الدولة المهيمنة القابضة

وغني عن البيان أن الفرصة مواتية الآن في النيل الأزرق لاختلافه عن ولاية جنوب كردفان، التي لم تجر فيها إنتخابات بعد،  وعن إقليم أبيي المتنازع عليه، كما أنه  يختلف عن دارفور التي أجج نيرانها النظام الراهن،  ولا اقول الجنوب، الذي فقد السودان بإنفصاله  ، الملايين من بنيه،  وتراثه، وأراضيه

فهل يمكن أن ننتهز هذه الفرصة الأخيرة، التي مهد لها شعب صغير مغمور، ولكنه غني وعظيم، بتراثه، وبسماحة أهله، وبعد نظرهم

هذا التغيير الجذري، لا يتسنى لنا، إلا إذا طرحنا الماضي جانبا، ونظرنا إلى يومنا وغدنا ، بموضوعية ، وعيون مفتوحة، وعقول متقدة.

القرن العشرين شهد  نهاية  الدولة العنصرية المتعالية  المستبدة، وشهد نهاية  الدولة الأيدلوجية

  المتعالية المستبدة،  فهل يشهد القرن الحادي والعشرين نهاية الدولة بشكلها الراهن؟

 تمكنت  الفرق الأصولية، بإختلاف مدارسها، المتدثر بلباس الوسطية منها، والذي ما زال قابعا في طالبانيته، من التأثير على الرأي العام في العالمين الإسلامي والعربي، حتى غدا مفكرونا سطحيين، يتحدثون عن كيفيات الحجاب، وشروط تطبيق الحدود، وكيفية معاملات الرجل لزوجاته الأربع، وأحكام اللحم الحلال، وجواز تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد، وتحليل الإنتحار بتفجير النفوس البريئة التي حرم الله قتلها ، إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الجهالات، مما شوه صورة الإسلام في الغرب، تشويها عظيما ، يصعب جبر كسره.

ولا غرو في ذلك، فإن هذه الجماعات الأصولية ،  ذات نسب عريق في الكبت والإرهاب،  فهي  سليلة فرق إسلامية  قديمة  عاثت في الأرض جهلا  وفسادا، منذ  فجر الإسلام ، ولا يحتاج  العارف أن يفصل ذلك تفصيلا، فهو  مبذول في مظانه ... وكان كل ذلك عملا بالرأي، بعيدا عن مناهل الروح العذبة، ومنابع الخيرالثرة، المكنونة في بطون آيات القرآن الكريم، ولكن بكل أسف ، فقد ذاع كل ذلك الجهل باسم الشرع ،وتحت مظلة حاكمية الله، وسارت به الركبان.

ومن الجانب الآخر  فقد إعتمد الملحدون، في تقرير كبريات حقائق الوجود،على نفس طريقة فقهاء الأديان، في الاعتماد على الرأي  في فلسفاتهم ، فأوردوا البشرية موارد الذل والهوان خلف الأستار الحديدية، ومعسكرات الموت في الصقيع والجليد...  وقد تم كل ذلك باسم الاشتراكية والسلام.

بفضل من الله ومنة، شهد القرن العشرين نهاية  الدولة العنصرية  المتعالية المستبدة ، بهزيمة النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية... ولقد كان ثمن  تلك  الهزيمة  باهظا، جلب على البشرية  أحزانا يعجز عنها الوصف، في الخوف والجوع،  وفي نقص  الأنفس والثمرات.

وبفضل من الله ومنة ، شهد القرن العشرين نهاية  الدولة الأيدولوجية المتعالية المستبدة، بهزيمة النظرية الماركسية ، هزيمة ساحقة  في روسيا ومن لف لفها من منظومة دول الكتلة الشرقية، ومن حسن الفأل أنها قد كانت هزيمة من غير ثمن يذكر في الأنفس والثمرات، مقارنة إلى  الأهوال الفظيعة، والخسائر الجسيمة ، التي تكبدتها البشرية، عند قيام الدول الشيوعية، والتي قامت على جثث الموتى، وعلى عويل الثكالى، ودموع اليتامى.

و لا يظنن أحد  ، أن النظرية الماركسية، ما زالت باقية في الصين... الصين اليوم دولة رأسمالية غارقة في المضاربات، حتى  أذنيها، ولن يمر وقت طويل،  على بقاء هياكلها القديمة.

بهزيمة الدولة العنصرية المستبدة، وبهزيمة الدولة الأيدولوجية المتسلطة، فقد غابت شمس الأمم الجماعية، التي تمثل مرحلة حيوانية الإنسان، كما هو واضح من قوله: " وما من دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه، إلا أمم أمثالكم"

وإني كثير الرجاء، في أن تشهد بواكير القرن الحادي والعشرين، نهاية الدولة بمفهومها الراهن، والتي أظن اننا نعيش في أخريات أيامها، وقد دلنا على ذلك أزماتها المتلاحقة، ودبيب وهن الشيخوخة، في كثير من مفاصل عظامها.  

لماذا لا تكون ولاية النيل  الأزرق بذرة شجرة الحرية والسلام والإستقلال

وبداية  جمهوريات المدن الحرة  المتحدة مع المركز في شكل إدارات محلية؟

صاحب هذا  القلم، كثير الرجاء في ان يتم الله نعمته، حتى  يشهد الناس في بواكير القرن  الحادي والعشرين، نهاية الدولة القومية  الحديثة بشكلها الراهن... أعني الدولة القابضة المهيمنة، التي  تنفق على أسلحة الدمار، اضعاف ما تنفق على مرافق التعمير، والتي تعاني من الخلل الاجتماعي والاقتصادي والفكري، والتي تساوم في الحرية وفي حقوق الإنسان من أجل مصالحها الخاصة،حتى  إستطاع التقدميون والسلفيون، والمحافظون واللبراليون، ان يجروها إلى فظائع يندى لها الجبين، في  الحروب المدمرة، في العراق، وفي لبنان ، وفي الصومال وفي أفغانستان، وما زالت بعض الدول تنتظر مصيرا قاتما جزئيا أو كليا، مباشرا، او غير مباشر، لولا أن يتدارك الله الناس بلطفه .

 إن الإنسان  الجديد، أعني الإنسان صاحب العقل الصافي والقلب   السليم، لن يقبل العيش ، إلا في مدن حرة ذات إدارات محلية فعالة ، لا يعدو فيها دور الحكومة المركزية، دور المنسق والمنظم لشئون  تلك إلإدارات.

جمهوريات  المدن الحرة ، ذات الإدارات المحلية المستقلة، هو الوضع الأمثل الذي يخلف الأوضاع الحالية في الدول القومية، التي تضرب ذات اليمين ، وذات الشمال، وإني لأرجو أن يكون شمال السودان طليعة الدول التي تسير في هذا الإتجاه المستنير، وإني لأرجو أن تكون ولاية النيل الأزرق، هي الولاية التي يشرفها الله بوضع بذرة شجرة الحرية والسلام والإستقلال، ووضع أساس جمهوريات المدن الحرة، المتحدة مع المركز، في شكل إدارت محلية.

إن  بعض مظاهر مثل هذه الجمهوريات، موجود في العالم الآن، وبالذات في العالم الغربي، ولكنه  يحتاج إلى الكثير من الترشيد والتطوير... بالطبع فإن هذا لا يتم عفوا بمجرد الأماني، فلا بد من الفكرالخلاق المستقيم، والعمل الدؤوب المثابر، وهذا أمر لاينهض به إلا الإنسان الجديد.

 حكم الوقت الحاضر يقتضي بروز السودان جديد،

إن فصل الجنوب عن الشمال، يقتضي إعادة ترتيب البيت السوداني، وعلى أهل الشمال والوسط والغرب والشرق، أن يهبوا لإنقاذ  ما تبقى من السودان... ومن خطل الرأي ، وقصور النظر، أن يظن ظان، أن الأمور ستسير كما كانت ، بعد فصل الجنوب، و كأن شيئا لم يحدث.

إن هناك الكثير من الأمور القانونية والاقتصادية  والاجتماعية، تنتظر الدراسة والرأي،  خصوصا أن العهد الحاضر، لم يضع  أدنى اعتبار لترتيبات ما بعد انفصال الجنوب.

إن  الدعوة للسودان الجديد، هي دعوة مقبولة عندي، إذا كانت هي دعوة لدولة  مدنية، تقوم على الحقوق الأساسية وعلى المساواة بين مواطنيها... دولة تعترف حكومتها بالتعدد الإثني، والتنوع الفكري.. حكومة  تعترف بالآخر، ولا تضيق بالأنماط المختلفة من البشر... حكومة رشيدة،  لا تفرق بين المواطنين بسبب عقيدتهم.

السودان الجديد بهذا المعنى، هو  دعوة يتطلبها حكم الوقت الحاضر، وهي دعوة تجد منا كل ترحيب وتأييد وتقدير، وأعتقد أنها تجد كل ترحيب وتقدير من كل عقلاء أهل السودان، نساء ورجالا، شيبا وشبابا، على اختلاف نحلهم ومللهم وأجناسهم... ولكننا نشدد على أن يكون أساس الدعوة السلام والمحبة، لا الحرب والبغضاء، لأن فاقد الشئ لا يعطيه.

وهذا بالطبع يستلزم ، أن يتحلى أهل السودان بالعفو والتسامح، والتسامي على جراح الماضي، ونبذ  العنف، وإلى الأبد.

لا بد من ظهور ثقافة جديدة، ترتفع بها القيمة البشرية،  مما سيتوجب  إلغاء قوانين سبتمبر، وما فيها من تشريعات جائرة، مثل حد الردة الذي لا يعترف بحرية العقيدة، وكذلك حد السرقة وأخواته، وتفريعاته الواردة في قانون عقوبات السودان، والتشريعات الأخرى.

ولا بد في هذا  المقام من الإشادة بالجزء الجنوبي  من ولاية النيل الأزرق، والذي  خرج عن طوق قوانين سبتمبر، وطبق أعرافه المحلية، مسجلا السبق على جميع الولايات الشمالية ، في الخروج عن بيت الطاعة ، لقوانين سبتمبر والتي هي أبعد شئ عن الإسلام. 

قوانين  سبتمبر تزييف للإسلام

قوانين سبتمبر التي وضعها نفر قليل ، غير مؤهل لا في التشريع المدني، ولا في الثقافة الإسلامية، هي أكبر وثيقة تضليل رسمية، تحمل الشعب السوداني أعباءها،ردحا من الزمان.

  جميع هذه التشريعات ، في حقيقتها تشريعات مرحلية، لاتقوم على اصول الإسلام الثوابت في تكريم الإنسان وإعزازه بالقيم الرفيعة...  هي قطعا ليست تشريعات إسلامية، كما يروج البعض، وكما يتوهم البعض الآخر.

 تسمية  تشريعات القتل والصلب والرجم وقطع اليد والجلد  بحدود الله، هو خطأ فادح نشأ من فهم خاطئ للإصطلاح المرحلي، الذي جاءت به السنة النبوية المطهرة ، في تسمية العقوبات البدنية الواردة في بعض آيات القرآن الكريم بالحدود.

  لقد كانت تلك التسمية، ضربا من ضروب التنزل الشديد، المطوي في قوله عليه السلام: " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم" وقد أراد الشارع الحكيم، بذلك التنزل معالجة بعض حالات الغلظة والتخلف في المجتمع القديم البدائي.

لقد وردت عبارة  حدود الله،  في القرآن الكريم أربع عشرة مرة في سور ( البقرة والنساء، والتوبة، والمجادلة والطلاق) دون ادنى إشارة إلى العقوبات المعروفة في مصطلح الحدود، والتي لم ترد إلا في بضع آيات في  سورتي النور والمائدة، ولكل كلمة في ذلك المصطلح تأويلها، الذي يخرجها من معناها السطحي السائد فيما يسمى بالعالم الإسلامي، وقد فصلنا ذلك في تفصيلا، في ندواتنا العرفانية، ومقالاتنا العديدة.

مصطلح الحدود هو عبارة عن  تشريعات مرحلية ،  تميز بين العبيد والأحرار في بعض  صورها مثل التمييز بين الحرة وغير الحرة في مقدار الجلد، بل إن القصاص في القتلى يقوم على التمييز بين قيمة الحر ، وقيمة العبد، كما هو واضح في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد"

 فإذا كانت  قوانين سبتمبر وأهل النظام الراهن يشرعون لقطع يد السارق بحجة ان ذلك مذكور في القرآن، فلماذا لم يشرعوا للرق المذكور في القرآن أيضا، وفي كتب المذاهب الأربعة ، وجميع كتب السلف؟ أم انه المكر والسياسة؟ بل لماذا لم يشرعوا للجزية المذكورة في القرآن ايضا، بنص لا مرية فيه: " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"  بل على أي أساس من الشرع منح دستورهم غير المسلم الحق في أن يكون رئيسا لجمهوريتهم، يطبق بالنيابة عن المسلمين الشريعة الإسلامية، في دولتهم المزعومة؟

ولكن هذه  الخدع لم تجز على سكان الإقليم الجنوبي ، الذين يقرأون ويفهمون اللغة العربية، ويعلمون وضع غير المسلمين في الدولة الإسلامية، كما أنهم يعلمون تفاصيل أحكام الجزية، بل إن بعضهم ، يعلم أن وثيقة المدينة، التي جعلها حكام العهد الراهن أساسا للعهد مع غير المسلمين، هي وثيقة منسوخة، بنسخ جميع عهود المشركين، بنزول سورة التوبة، سورة البراءة من جميع عهود المشركين!! وبالطبع فإن وثيقة المدينة، لم تفرض الجزية على اليهود، لأن حكم الجزية نزل  بعد ذلك بسنوات عديدة.

 مثل هذا المكر والخداع، هو الذي أدى إلى عدم ثقة الجنوبيين في عهود الشماليين...و لهذا السبب، ولغيره، سوف تظل  الحركة الإسلامية هي المسئول الأول عن فصل الجنوب من الشمال، وقد قال الرئيس سلفا كير صراحة، إنه لا يقبل أن يعيش في دولة تجعله مواطنا من الدرجة الثانية... إن الدولة الراهنة، لا توفر الحرية للمفكرين الإسلاميين، فكيف حال أهل الأديان الأخرى؟

فيصل القول، إن العقوبات الحدية، والرق والجزية، وما إلى ذلك من تشريعات مقيدة للحريات الأساسية وللمساواة بين المواطنين،  جميعها أحكام مرحلية، لأنها طرف من الشريعة المرحلية في الإسلام... شريعة الجهاد بالسيف، التي تبيح قتل المشركين،  وتعذيبهم بأيدي المؤمنين... لذلك  فإن مصطلح  الحدود مقصود منه التعذيب: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" ولهذا السبب، فإن الجلد يتم من غير رأفة: " ولاتأخذكم بهما رأفة

مصطلح الحدود مقصود منه التنكيل: " نكالا من الله" ومقصود منه الخزي: " ذلك  لهم خزي في الدنيا" والمعنى  اللغوي للخزي هو الذل والهوان.

يتضح من هذا  أن التشريعات الحدودية ، بمعناها  الإصطلاحي، والتي بنيت عليها قوانين سبتمبر، وعمق تطبيقها النظام الراهن،   تقوم على إذلال الإنسان، وإهانته بالقطع والبتر والصلب والرجم والجلد، والتي ما هي إلا صور من صور العقوبات القديمة، والتي كان من ضمنها قطع الآذان ، وجدع الأنوف، وتوسيم من يقع في قبضتها  بعلامات تبقى معه حتى مماته، وهذا أمر معروف عند  كل من له أدنى  إلمام بتاريخ القانون وفلسفة عقوباته.

 كل هذه  الممارسات البدائية  تتناقض مع  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،  ومع كل المبادئ الدستورية،  فضلا عن أنها تتناقض مع أصل  الإسلام الذي يقوم على تكريم  الإنسان: " ولقد كرمنا بني آدم".  

الإنسان الجديد أولا، والسودان الجديد ثانيا، والعالم  الجديد ثالثا، والدنيا الجديدة رابعا

مع إيماننا  بصحة الدعوة إلى سودان جديد، إلا  أننا نرى أن البداية التي سار فيها الناس بمحاولة خلق سودان جديد،  دون خلق إنسان جديد، هو وضع  للعربة أمام الحصان، وهو وضع خطير،  لاتحمد عواقبه، إذا انفلت الزمام،  لا قضى الله ولا قدر.

الفرد هو البداية، وهو حجر الزاوية لكل تقدم وتطور... الفرد هو أعظم رأسمال وأعظم استثمار.. أنظر في جميع حقب التاريخ، تجد أن المجتمع لم يغيره ، إلا الأفراد.

 بخلق الفرد  صاحب العقل الصافي والقلب السليم، وبإشاعة هذا النموذج في الناس، يخلق السودان الجديد، على هدي قيم جديدة، يكون الفرد فيها الغاية وكل ما عداه وسيلة، بما في ذلك الدولة والمجتمع والقرآن والإسلام .

هذا الفرد  هو كون قائم بذاته : " وكل شيء  أحصيناه  في إمام مبين" ...  هذا الفرد الواحد هو أنت ، وهو أنا، وهو كل شخص  في هذا العالم، ولا تأتي الغيرية، إلا من عجزي ، ومن عجزك، ولم أر في عيوب الناس عيبا، كعجز القادرين على التمام.

إذن إستعيدوا الثقة بأنفسكم، يابني السودان، وجددوا الثقة في ربكم، يسمو السودان بكم ، ويرفع الله درجاته في مدارج الحق والحرية والكمال... فإن فعلتم يعلو ذكركم في العالمين، اليوم وليس غدا، وما ذلك على الله بعزيز،فإن الله لا يتعاظمه شئ.

أقولي قولي هذا، وليس غائبا عني، أن السودان ، في هذه الأيام يواجه، واقعا أليما،  وتمزقا حادا، وإنشطارا قاسيا ، وهو يسير على حداء قادة ضلوا وأضلوا!! 

  فإذا  إستطاع نفر قليل من  السودانين  بناء أنفسهم على لبنات الأفراد الأحرار، فقد ظهر السودان الجديد، مثل فلق الصباح، من وراء ظلام، أحشاء التمزق : " إذا مزقتم كل ممزق، إنكم لفي خلق جديد" . 

إذا وضع السودانيون نصب أعينهم ، الآية الكريمة  التي صدرنا بها هذا المقال: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا  بباسط يدي إليك لأقتلك" وطبقوها تطبيقا عمليا، آناء الليل وأطراف النهار، إرتفع كل من طبقها فجأة ، إلى قمة لم يسبق لها ضريب في تاريخ البشرية، وتحرر بذلك من إرث سفك الدماء، والذي هو سبب خروجنا من جنة السناء: " أتجعل فيها من يفسد فيها ، ويسفك الدماء"... بظهور مثل هؤلاء الأناسي الطيبين المتسامحين، يولد السودان الجديد.  
 

 بظهور  السودان الجديد، يظهر العالم  الجديد، الذي داعب خياله كل  نبي، وكل ولي ، وكل مفكر،  عبر العصور، لأن العالم الجديد  هو الدنيا الجديدة، أو قل  هو جنة الأرض: " الحمد لله  الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض،  نتبوأ من الجنة حيث نشاء"

 

بدر الدين يوسف دفع الله السيمت

كتبه في البحرين في  يوم الثلاثاء  الخامس والعشرين يناير من عام 2011

 يوافق الحادي العشرين من صفر الخير 1432 من الهجرة النبوية المباركة

ويمكن الوصول إليه في جميع الأوقات على العنوان التالي :

 

                                                     

 


مقالات سابقة مقالات و تحليلات
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 05 سبتمبر 2010 الى 25 ديسمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 مايو 2010 الى 05 سبتمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 سبتمبر 2009 الى 14 مايو 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 16 ابريل 2009 الى 14 سبتمبر 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 24 نوفمبر 2008 الى 16 ابريل 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات 2007

© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Sudan's Abyei region awash with arms and anger
  • Military Helicopter Crash Kills Five in Darfur, Sudan Army Says
  • SUDAN: Lack of justice "entrenching impunity" in Darfur
  • The National Agency for Securing and Financing national Exports pays due attention to Nonpetroleum Exports
  • Vice President of the Republic to witness the launching of the cultural season in Khartoum state
  • Youth creative activities to be launched under the blessing of the president, Tuesday
  • Sudan's gold rush lures thousands to remote areas
  • South Sudan faces precarious start
  • Aid workers taken hostage in Darfur freed: U.N.
  • 19 People Killed In Clashes In Sudan's South Kordofan State
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Thursday the 14th of April 2011
  • Minister review with Indonesian delegation Sudanese Indonesian petroleum cooperation
  • Bio-fuel experimental production launched in Sudan
  • Center for Middle East and Africa's Studies organizes a symposium on intelligence activities in Sudan
  • South Sudan Activists Say : Women Need Bigger Role
  • 'One dead' as army helicopter crashes in Khartoum
  • Vice President receives new Algerian ambassador the Sudan
  • A training military plane crashes killing one of the three crew on board
  • Headlines of major daily papers issued in Khartoum today Wednesday the 13th of April 2011
  • Minister of Defense announces some precautious measures to secure Port Sudan
  • Industry Minister Meets Ambassadors of Central Africa, South African Republic
  • Sudan has 'irrefutable proof' Israel behind air strike
  • Taha Affirms Government Concern over Youth Issues
  • Headlines of major news papers issued in Khartoum today Monday the 11th of April 2011
  • NCP: statements by the US Secretary of State and the new envoy an attempt to justify the American hostility
  • Two Sudan papers stop publishing, protest censorship
  • Helicopters, tanks deployed in volatile Sudan area
  • State minister at the ministry of oil meets the delegation of the Gulf company for metal industries
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Sunday the 10th of April 2011
  • Ministry of Foreign Affairs: Sudan possess solid proof of Israeli involvement in the aggression on the country
  • Defense Minister visits Port-Sudan
  • Somali pirates hijack German vessel
  • Family denies assassination of key Hamas figure in Sudan
  • President Al-Bashirr, First VP Kiir Agree to Implement Agreement on Security Situation in Abyei as of Friday
  • DUP Denounces Israeli air strike on Port Sudan Vehicle
  • SBA Calls for especial Economic Relations with South Sudan State
  • Sudan-Brazil Sign Animal Wealth Protocol
  • Netanyahu vague on Sudan strike
  • seven Killed In New Clashes In South Sudan
  • Sudan's government crushed protests by embracing Internet
  • Hamas official targeted in Sudan attack, Palestinians say
  • مقالات و تحليلات
  • خواطـــر شاردات/كمال طيب الأسماء
  • قِفاز التحدي ما زال في أفريقياً من تونس إلى مصر... جاء دور.../عبد الجبار محمود دوسه
  • المُرتزقة الحقيقيون هُم النوبة أعضاء حزب المؤتمر الوطني !!/عبدالغني بريش فيوف/الولايات المتحدة الأمريكية
  • ثم ماذا بعد هذا ؟ التغيير ام عود على بدء!/عبدالكريم ارباب محمد
  • ثوره الشباب العربى وابعادها الفكريه/د.صبرى محمد خليل استاذ الفلسفه بجامعه الخرطوم
  • يوم ذبح الثور الأسود!!/عدنان زاهر
  • التاريخ يعيد نفسه/جعفر حسن حمودة – صحفي - الرياض
  • العالم باتجاه الحكومة العالمية.. إسألوا "غوغل" أو وائل غنيم! /هاشم كرار
  • بِل راسك يا مشير/إبراهيم الخور
  • ما توقعناها منكم/ كمال الهِدي
  • والساقية لسة مدورة ..!!/زهير السراج
  • الانقاذ والصفرة بيضة /جبريل حسن احمد
  • جنة الشوك / ما بين (إرحل يا مبارك) و(رأس نميري مطلب شعبي)!! بقلم جمال علي حسن
  • انتصرت الثورة الشعبية بمصر فهل وعت الانظمة الاستبدادية بالمنطقة الدرس أم لازالت تتشبس بالشرعية الدستورية الزائفة ؟/عاطف عبد المجيد محمد
  • المجد لثوار انتفاضة مصر-فهل يتواصل المد الثوري علي امتداد النيل العريق ان كنا جديرون بالاحترام؟/م/ نزار حمدان المهدي
  • الدروس المصرية: الفاضل عباس محمد علي - أبو ظبي
  • السودان ...وطني الذي تمزق أشلاء/د.محمد الحافظ عود القنا
  • فقط لو يعلم شباب التغيير والجمهور السوداني هشاشة نظام المؤتمر الوطني وجبنهم ورعبهم . لانتفضوا اليوم قبل الغد./محمد علي طه الشايقي(ود الشايقي).
  • الفريق عصمت ...(اغرب الغرائب)/جمال السراج
  • الرسالة الثانية إلى كافة الحركات المسلحة بدارفور (التفاوض والاتفاق مع النظام السودانى باطل ) إسماعيل أحمد رحمة المحامى0097477842186
  • التحية خاصة لشعب تونسى ومصري الأشاوش/عبدالكريم موسى أبكر
  • في ذكري الاب فيليب عباس غبوش : زعيم ثورة المهمشين في السودان بقلم / ايليا أرومي كوكو
  • دور السي اي ايه في بقاء الانقاذ عشرون عاما (1__3) / بقلم نجم الدين جميل الله
  • اسكندرية بين عهدين كنت قد بدأتها منذ أعوام خلت واليوم أختمها للشاعر السوداني / حسن إبراهيم حسن الأفندي
  • عيــد الحـب Valentine Day / السيدة إبراهيم عبد العزيز عبد الحميد
  • اعادة النظر في ( حلايب ) نقطة الضعف في العلاقات السودانية المصرية ../ايليا أرومي كوكو
  • جاء دور الشعب السودانى لينزع حقوقه نزعا/حسن البدرى حسن/المحامى
  • سيد احمد الحسين وشريعة جد الحسين/بهاء جميل
  • يا أسفا...هل أسعد بانفصال الجنوب؟ كلا والله، بل أقول: يا أسفا./محمد أبوبكر الرحمنو
  • رسالة لسلفاكير.. أنقذنا من حرامية وبلطيجية لندن فى القاهرة ..هؤلاء خطر على الجنوب و(معاً لمحاربة الفساد ) .. بقلم روبرت دوكو
  • محمد المكي إبراهيم شخصياً/استفهامات: احمد المصطفى إبراهيم
  • اتّـــقِ الله يـــا عبد الله دينــق نـيـــال !!/الطيب مصطفى
  • شكرا شعب مصر.... فقد فهمنا الدرس/محمد عبد المجيد أمين(عمر براق)
  • مبروك سقوط مبارك!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي
  • عام الزحف...لكن إلي أين المنتهي/تيراب احمد تيراب
  • غريزة الدكتاتور /محمد جميل أحمد
  • يسـتاهـل/عبدالله علقم
  • المعلقة السودانية موديل الانفصال/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية/سيف الاقرع – لندن
  • الماسونية الجديده للطيب مصطفي / محمد مصطفي محمد
  • دكتاتور وسفط اخر والايام دول؟؟؟ بفلم :ابوالقاسم عباس ابراهيم
  • الشعب السوداني والمصالحة الوطنية/جعفر حمودة
  • المنتفعون من حرب دارفور إبراهيم الخور
  • 25 يناير، سقوط الجدار الثاني /د. حسن بشير محمد نور- الخرطوم
  • سياحة في عقل حسني مبارك بقلم/ بدور عبدالمنعم عبداللطيف
  • ... هـذا مـا قاله قـادة البـجا لقرايشـون :/د. ابومحــمد ابوامــنة
  • خاف الله ياعمرالبشير/ابراهيم محمد
  • هل يجوز الحديث عن "يهودية "دولة الشمال السوداني المفترضة بعد الإنفصال ؟/محجوب حسين: رئيس حركة التحرير و العدالة السودانية
  • الجيش المصري أي كلام/كمال الهِدي
  • لن تجد حكومة الإنقاذ فرصة أثمن من منبر الدوحة لإنهاء قضية دارفور . بقلم : يعقوب آدم سعدالنور