From sudaneseonline.com

بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
المواطنة: مفاهيم وأسس وأبعاد/ بقلم الدكتور نائل اليعقوبابي
By
Dec 25, 2010, 08:34

                المواطنة: مفاهيم وأسس وأبعاد

      بقلم: الدكتور نائل اليعقوبابي

        .. يشكل مبدأ المواطنة حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة، ويعد تطبيق هذا المبدأ أساس عملية الاندماج الوطني، لما له من تأثيرات عميقة في الوحدة الوطنية، وفي عملية التنمية والتطوير من جهة، وانعكاسات إيجابية على أساليب المواجهة للتحديات الخارجية من جهة أخرى.

       وتحتل قضية حقوق المواطنة محوراً رئيساً في النظرية والممارسة الديمقراطية الحديثة، وينبع تعريف المواطنة من الطريقة التي يمنح بها النظام حقوق المواطنة للجميع، إذ تسعي الديمقراطية إلى توسيع حقوق المواطنة، وإلى نظام يكون فيه الفرد. نظرياً. عضواً في المجموعة الحاكمة. وما لم يؤسس النظام الديمقراطية  على قيم يجلها المجتمع، ويؤدي إلى نتائج ملموسة، تبقى الديمقراطية فيه شكلاً أجوف ولعبة في يد القوي ضد الضعيف ينخر فيها الفساد، مما يجعل الارتداد عنها إلى نظام شمولي وارداً.

         مفاهيم المواطنة:-

         الأصل اللغوي لكلمة (مواطنة) مشتقة من الوطن، وهي صفة يكتسبها شخص ينتمي إلى وطن معين، يحمل جنسيته ويتخذه موطناً يقيم فيه، والمواطنة مصدر قياسي(مفاعلة) معناه المشاركة، ومنه المواطن الذي يشير إلى الانتماء إلى الوطن والولاء للدولة، وهذا يعني أن بين الوطن والمواطنة، في اللغة، تقارباً شديداً وارتباطاً وثيقاً.ويستند مفهوم المواطنة إلى مبادىء عند الممارسة، أهمها مبدأ المشاركة في السياسة والاقتصاد والتشريع والانتخاب والترشيح، ومبدأ سيادة الشعب وليس القلة، ومبدأ سيطرة أحكام القانون والمساواة أمامه، ومبدأ تكافؤ الفرص. ولذلك تعددت الرؤى حول مفهوم المواطنة ومضامينها، فثمة من رأى أنها المساواة في الحقوق والواجبات بين أبناء الوطن الواحد. وثمة من قال إن المواطنة رديف للديمقراطية في بناء المجتمع السليم، بينما هناك من يرى أن ممارسة مبدأ الديمقراطية على أرض الواقع يتطلب حداً أدنى من هذه الحقوق للمواطن حتى يكون للمواطنة معنى ويتحقق بموجبها انتماء المواطن وولاؤه لوطنه وتفاعله الإيجابي مع مواطنيه نتيجة القدرة على المشاركة الفعلية والشعور بالإنصاف وارتفاع الروح الوطنية عند أداء واجباته في الدفاع عن الوطن، ودفع الضرائب، والمساهمة في عملية التطوير والتحديث، من أجل تحقيق التقدم الاجتماعي والحضاري. وانطلاقاً من هذه الرؤى، فإن ثمة تعريفات للمواطنة اصطلاحية تحاول أن تضعها في الإطار الصحيح على الصعيد القانوني والدستوري والاجتماعي، على الرغم من صعوبة تعريف مبدأ المواطنة. تشير دائرة المعارف البريطانية إلى أن المواطنة ( هي علاقة فرد بدولة كما كما يحددها قانون تلك الدولة، وما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة). وتذكر موسوعة الكتاب الدولي أن المواطنة، هي عضوية كاملة في دولة ما، وهذه الموسوعة لا تميز بين المواطنة الأصلية، والجنسية، ومثلها موسوعة كولير الأمريكية.

        ويبدو من هذه الموسوعات الثلاث أنه في الدولة الديمقراطية يتمتع كل من يحمل جنسية الدولة من البالغين الراشدين بحقوق المواطنة فيها. وهذا الوضع ليس نفسه في الدول النامية، إذ تكون الجنسية مجرد تابعية، لا تتضمن بالضرورة حقوق المواطنة السياسية، هذا إذا توافرت هذه الحقوق أصلاً لأحد غير الحكام، وربما للحاكم المطلق وحده. ومما يلاحظ أن المعاجم العربية تركز على الوطن، وليس للمواطنة فيها أي ذكر، إلا إذا أخذنا مصطلح المواطنة بالقياس اللغوي على وزن مفاعلة، أي مشاركة كما ذكرنا. وبناء على ما سبق من المفاهيم العربية والأجنبية عن الوطن والمواطنة، نجد أن المفهوم الأسمى للمواطن يرتبط بالمفهوم الأسمى للإنسان، وبذلك يصبح مفهوم المواطنة أكثر شمولية لأنه يعبر عن إنسانية الإنسان. ولذلك فإن نوع المواطنة في دولة ما، يتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري، كما يتأثر بالتطور الاجتماعي والسياسي عبر العصور، وبعقائد المجتمعات وقيم الحضارات، فضلاً عن التغيرات الكبرى كالعولمة.

          وبذلك يكون مفهوم المواطنة. كما استقر في الفكر السياسي المعاصر، هو مفهوم تاريخي شامل ومعقد، له أسس وأبعاد.

           أسس المواطنة:-

           يعود ظهور مبدأ المواطنة في أوربا إلى بداية ظهور الفكر السياسي العقلاني التجريبي، وحركات الإصلاح الديني وما تلاها من حركات النهضة والتنوير، وقد أفاد هذا الفكر من الفكر السياسي الإغريقي، والقانون الروماني، ومن مبادىء الإسلام.

          وقد ساعد على إرساء هذا المبدأ بأروبا ثلاثة عوامل هي: بروز الدولة القومية، والمشاركة السياسية والتداول السلمي على السلطة، وترسيخ حكم القانون، ثم إقامة دولة المؤسسات.

         وشهد مبدأ المواطنة منذ قيام الثورة الفرنسية والأمريكية حتى الآن تطوراً نوعياً وكمياً، إذا شمل فئات المواطنين البالغين من الجنسين، وأصبح جميع المواطنين يتمتعون بحق المشاركة من دون تمييز، وانتقلت السلطة إلى الشعب بصفته مصدر السلطات وفق دستور علني ومقترع عليه. وفي هذا الصدد أقرت فرنسا حق المواطنة في أول دستور لها عام 1779، ولم يجر تداوله إلا بعد الثورة 1791، وكانت كليات الحقوق في الجامعات الفرنسية تدرّس هذه المبادىء لطلابها.

        استناداً إلى ما تقدم، يمكن أن نستخلص شرطين جوهريين من شروط تحقيق المواطنة: أولهما زوال مظاهر حكم الفرد أو القلّة من الناس، وتحرير الدولة من التبعية للحكام، وذلك باعتبار الشعب مصدر السلطات وفق دستور ديمقراطي، ومن خلال ضمانات مبادئه ومؤسساته وآلياته الديمقراطية على أرض الواقع. وثانيهما عدم الجمع بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد شخص أو مؤسسة واحدة، وتداول السلطة سلمياً بشكل دوري وفق انتخابات دورية عامة حرة ونزيهة تحت إشراف قضائي مستقل، وشفافية عالية تحدّ من الفساد والتضليل في العملية الانتخابية.

         كما يمكن أن نضيف أسساً أخرى كي تتكامل شروط المواطنة، وتتحقق بأبهى تجلياتها. ومن أبرزها: الانتماء الذي يجعل المواطن يعمل بإخلاص وجدية من أجل الوطن، من خلال التفاعل الحقيقي مع أفراد المجتمع لما فيه المصلحة العامة.

         ومن وسائل التعبير عن الانتماء الفعلي: الدفاع من أجل الوطن، والقيام بالواجب المطلوب، والمحافظة على القيم والعادات التي يحترمها المجتمع. أما الأساس الثالث فيتمثل بالمساواة بين السكان الذين يتمتعون بجنسية الدولة أو الذين لايحوزن على جنسية دولة أخرى (البدون) المقيمين على أرض الدولة وليس لهم وطن غيرها، مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. التي تعد من المكونات الأساسية لتعزيز المواطنة لدى جميع المواطنين. زد على ذلك احترام القيم العامة، أي أن يراعي المواطن القيم السائدة في المجتمع، ويتمثلها في سلوكه الخاص والعام، ومنها : الصدق في التعامل وعدم الغش والتزوير، والأمانة وعدم استغلال المنصب أو الوظيفة لأغراض شخصية، فضلاً عن التعاضد والتضامن بدلاً من التنافس السلبي والأنانية. وبهذا السلوك يكون المجتمع مترابطاً قوياً. وعندما تتحقق تلك الشروط، تصبح أساساً متيناً وقاعدة صلبة، وحينئذ تنتقل المواطنة من كونها مجرد توافق اجتماعي وقانوني إلى قيمة اجتماعية وأخلاقية وممارسة سلوكية يعبر أداؤها من قبل المواطنين عن وعي ثقافي ورُقيٍّ حضاري، وتتحول معاملة المواطنين على قدم المساواة دون تمييز بينهم بسبب الدين والمذهب والعرق والجنس إلى فضيلة وتقاليد راسخة ونابعة من النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي والحضاري للمجتمع والدولة.

       أبعاد المواطنة:-

        ما دامت المواطنة سلوكاً حضارياً يحدد علاقة المواطن بالدولة على أساس علماني، ويقيم توازناً بين المصلحة الخاصة والعامة، فهي ذات أبعاد ومستويات ترتبط ارتباطاً قوياً بمفاهيم الحرية والحق والعدل والخير والهوية والمصير المشترك. وهي بالتالي تستمد دلالاتها من مكوناتها وشروطها. ومن أبرز هذه الأبعاد، انطلاقاً من خصوصية مجتمعنا السوداني، والبلاد مقبلة على استفتاء مصيري.:

1-  البعد السياسي والقانوني الذي يؤمن حقوق المواطنة الكاملة.

2-   البعد الاجتماعي والثقافي، ويكمن في كون المواطنة مرجعاً معيارياً واجتماعياً يضبط العلاقات والقيم الاجتماعية.

3-   البعد الاقتصادي، ويتعزز بإقامة التوازن بين الاستهلاك والإنتاج على أساس علمي ومنهجي مدروس، إضافة إلى توزيع الثروة العامة توزيعاً عادلاً ومتقارباً.

[email protected]

© Copyright by sudaneseonline.com