صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
بقلم :د/عبدالله علي ابراهيم
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : مقال رائ : بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل English Page Last Updated: Dec 29th, 2010 - 04:03:39


عن خيبة المحصول الاسلاموى وبواره...الشرائع والذرائع: سمسم القضارف وشريعتها/مصطفى عبد العزيز البطل
Dec 29, 2010, 04:00

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع
Share
Follow sudanesewebtalk on Twitter

غرباً باتجاه الشرق

 

عن خيبة المحصول الاسلاموى وبواره

الشرائع والذرائع: سمسم القضارف وشريعتها

مصطفى عبد العزيز البطل

----------------------------------------------

 

(1)

من مخزون ذكريات الطفولة ان واحداً من أقرب اقربائى كان يترنم دائماً بكلمات اغنية، ربما كانت الوحيدة التى يعرفها، اذ لم أسمعه قط يدندن بغيرها، يقول مطلعها: (ياسمسم القضارف / الزول صغير ما عارف). وقد وقر فى ذهنى أن الزمان قد طوى تلك الاغنية طيّاً، وغيّبها عن حناجر المغنين، وأخرجها من نطاق التداول الفنى، كما تخرج العملات التى انقضى عمرها الافتراضى من نطاق التداول النقدى. فلا أذكر اننى سمعت بها أو عنها غناءً او كتابةً ردحاً طويلاً من الزمان. ولأمرٍ ما، أظنه استكن فى عقلى الباطن وإن استغلق علىَّ ظاهره تماماً، كانت كلمات تلك الاغنية بعينها هى اول ما قفز الى ذهنى عندما تناهى الىّ أمر خطاب البشارات - أو النذارات حسبما يكون موقفك - الذى القاه مؤخراً الرئيس عمر البشير فى ذروة احتفالات مدينة القضارف بعيد الحصاد، وجاهر فيه أمام الدنيا والعالمين بأن من شأن انفصال الجنوب أن يفتح الباب على مصراعيه امام التطبيق الكامل لأحكام الشريعة الاسلامية فى شمالى السودان.

(2)

خطر لى ان اكتب الكلمات: "يا سمسم القضارف" فى محرك البحث العالمى غوغل، لأعرف ما عسى ان يحمله المحرك من خبر حول تلك الاغنية.  ولله دره غوغل، فقد أدهشنى ما رأيت من وفرة الغلة وروائها وخصوبتها. الاغنية لم تعد نسياً منسيا كما حسبت، فها هى ترد فى قوالب واطر وسياقات متعددة. وقفت عند كتابات ماتعة للاستاذ على المك عن حياة عالمنا الكبير الدكتور عبدالله الطيب، رحمهما الله. واستمتعت اكثر بقطعة بديعة كتبها المهندس بدر الدين العتاق، جاء فيها عن عبدالله الطيب: (أحياناً يدندن بأغاني الحقيبة، وتسمعه بصوت خفيف عندما يحرك قطعة من الشطرنج وبأداء جيد به تقليد المؤدي: "يا سمسم القضارف.. الزول سغير ما عارف" .. كش ملك! أو يرمي من ورق الكوتشينة الدو ويقول : "الحرفا مابدو"، أو ينزل مضطرًا خوفاً من الهزيمة مردداً: "الأصل في الكونكان ألا تنزلا /  وجوّزوا النزول إذ لا أملا"). لم يكن اذن من بأس على قريبى ان يدندن بكلمات الاغنية، فها أنا ذا أعرف ان عبد الله الطيب بجلال قدره كان يدندن بها. مع ان المشهور عن عالمنا الكبير الراحل انه لم يكن منشغلا بالغناء او عالما بدروبه، فقد قاطعه المذيع ذات يوم من ايام الثمانينات، وهو فى منتصف حلقة اذاعية وطلب منه ان يختار اغنية، فرد عبد الله الطيب معتذرا: ( يا بُنى، قد طال عهدى بسماع الغناء، فما ادرى ما حسن منه وما توسط وما كان دون ذلك، فأترك لك الخيار). وقد اختار المذيع، غفر الله له، اغنية "انتى كُلِّك زينة، وعايمة كالوزّينة" للفنان حمد الريح!

ثم تحلقت لبعض الوقت حول سلسلة مقالات عن "الجنيه السودانى" للكاتبة الصحفية حليمة محمد عبد الرحمن، أشارت فى احداها الى اغنية "سمسم القضارف"، ووقفَتْ عند أبيات فيها تقول صياغتها الأصلية: ( يا أُمّاتو ماتْدُقَنُو / العُقَر ما بـِلْدَنُو / ميتين جنيه من أُمّو ما بجيبنو). وقد لاحظت الكاتبة ان المغنى قد تكرم فى وقت لاحق فرفع المبلغ من مائتى جنيه الى "الفين جنيه"، فصار يغنيها:(ألفين جنيه من أُمّو ما بجيبنو). واعتقد انها ملاحظة ذكية تشير الى حيوية الغناء السودانى من حيث قدرته على التطور ومجاراة مؤشرات التضخم الاقتصادى!

(3)

حسناً. نعود لنقف امام الفيل، وجهاً لوجه. العين فى العين. فنعالج خطبة القضارف ذات السمسم، معالجةً سافرةً مباشرة. فما أحسب انه سيواتينا الفرج او يزايلنا الحرج، لو أننا لذنا بما يصفه الفرنجة Beating around the bush . ونحن على أية حال نتوسم الخير، كل الخير، فى "فيلنا"، حفظه الله. فهو فيلٌ طيب الأعراق كريم الأرومة، ينحدر من سلالة الشريف حمد أبو دنانة سليل الدوحة النبوية. أصلح  الله فيلنا وأصلح به، ونفعنا بعلمه، وأدام علينا بركته.

وقد قرأت بالأمس على صفحات "الصحافة" الغراء مقالاً للكاتب صلاح عووضة عنوانه "دولة الغربان العباسية"، يسخر فيه من الفيل ومن خطابه فى القضارف ذات السمسم مُرَّ السخرية، ويعيد صياغة كلمات الخطاب فى أشكال قلمية كاريكاتورية. فعجبت لهذا الصحافى المتغطرس عديم الحياء. يسخر من الفيل، سبط الشريف حمد أبو دنانة، سليل الدوحة النبوية؟! ولكننى ما برحت ان ذكرت رسوم الكاريكاتيرست كارورى، التى كانت تجعل من رئيس وزراء عهدنا الديمقراطى الزاهر، فى كنف الديمقراطية الثالثة، مادةً كوميدية مبذولة للضحك والتندر كل صباح، ورئيس وزرائنا صامدٌ كالطود، يُطالع كما يطالع غيره من عامة الناس، ويضحك كما يضحك غيره من عامة الناس. ألا ما أرق نسيم الديمقراطية. وما أعذب وجه الانقاذ، وما أحلى قوامها السمهرى، وما أبهى انفراجة صدرها وانشراحة قلبها، وما أروع اتساع افقها ورجحان عقلها، إذ تتقبل الرأى الآخر وتساكنه، فلا تضيق به ذرعاً، شأن من غرّه بالله الغرور. وتتحمل الفكر المغاير وتصاهره، فلا تضطره الى أضيق الطريق، حال الذمى فى فقه المهابيل المخابيل!

(4)

منذ المفاصلة الاولى التى قادها الدكتور حسن الترابى فى ستينات القرن المنصرم، وانشطرت معها الحركة الاسلاموية الى تيارين، تيار دعوى بقيادة الشيخ الصادق عبدالله عبد الماجد، وتيار سياسى حركى منظم تزعمه الترابى نفسه، اصبح الوصول الى الدستور الاسلامى وتطبيق الشريعة الاسلامية هى الغاية الاولى والأخيرة لتيار الاسلام السياسى. بل ان الدستور الاسلامى و الشريعة أصبحا هما جوهر مادة الحركة، وكيانها ومرجعيتها، ووسبب وجودها الاوحد. وقد كانت اكبر انتصارات الحركة الاسلاموية على الاطلاق خلال عمرها المديد الذى بلغ خمساً واربعين عاماً، رميةٌ من غير رامٍ، اذ القى الرئيس المخلوع جعفر نميرى على حين غرة - كما حواة الهند - بورقة القوانين السبتمبرية فوق طاولة السياسة السودانية فى العام 1983، فى إطار مناورات سياسية انتهازية خبيثة أبتغى من ورائها - عبثاً - توظيف الدين لتثيبت اركان حكمه، كما فصلنا فى مقالنا السابق. ولكن الخذلان كان حليفه، فمضى الى منفاه وأذيال الخيبة معلقة وراء ظهره. غير أنّ أهل الاسلام السياسى - ورثة القوانين وسدنة معبدها - مافتئوا يدقون طبل الشرائع السبتمبرية وينفخون مزمارها، منذ القى النميرى بورقته تلك وحتى زمان الناس هذا.

تجلى ذلك عقب انتفاضة ابريل 1985، ثم فى سنى الديمقراطية الثالثة، من خلال الخطط والتحالفات السياسية المستثمرة لتناقضات الاحزاب التقليدية. وقد نجحت هذه الاستراتيجيات فى احباط كل مسعىً باتجاه الغاء القوانين السبتمبرية او استبدالها بقوانين جديدة. وقد أظهرت الحركة الاسلاموية الحمية للشريعة والاستعداد لبذل المهج فى سبيل الدفاع عن قوانين سبتمبر فى مواجهة القوى التى سعت حثيثاً الى التنصل من عارها وتخليص البلاد من أوزارها. بلغت حماسة الجبهة الاسلامية القومية حد انها وجهت فى العام 1988 أنذاراً شهيراً الى رئيس الوزراء منحته فيه مهلة ستين يوماً لتطبيق القوانين وانفاذ الحدود الشرعية فى كافة انحاء البلاد، ثم سيرت التظاهرات الجماهيرية - بغرض بناء حركة ضغط شعبى - تجوب انحاء العاصمة وتهتف: (شريعة شريعة ولاّ نموت / الاسلام قبل القوت).

وقد كان مما جاهر به قادة الحركة الاسلاموية فى صدد تفسير انقلاب 1989  - بعد سقوط القناع القومى عنه - هو: وقاية الوطن وانقاذه، وحماية شرع الله وانفاذه. وقد أوجز اولئك القادة مبررات الانقضاض على السلطة فى المهددات التى واجهت الشريعة الاسلامية نتيجةً لتنامى انتصارات الحركة الشعبية لتحرير السودان فى النصف الثانى من الثمانينات، واتجاه القوى السياسية الى تقديم تنازلات على صعيد الشريعة مقابل تحقيق السلام. والشريعة عند الاسلامويين خط أحمر لايجوز تخطيه. وقد كان التعبير الدرامى الاكثر رواجاً فى ادبياتهم عهدذاك فى شأن وصف تقدم الحركة الشعبية هو ( البلاد تُنتقص من أطرافها)، إشارة الى احتلال الحركة الشعبية لعدد من المدن!

عظيم. هذه هى خلفية الانقلاب، وتلك هى دواعيه. وقد يكون اول ما يخطر على البال هنا هو ان رأس اجندة الانقلابيين بعد وصولهم الى الحكم سيكون هو تطبيق الشريعة وانفاذ الحدود. فهل طبق الاسلامويون شرع الله وانفذوا حدوده بعد أن دانت لهم السلطة وأذعنت اليهم خالصةً مصفّاه؟ أبداً. وبطبيعة الحال فان السؤال الاكبر الذى يفرض نفسه هنا هو: ما الذى حال - فى المبتدأ - بين الانقاذ وبين تطبيق شرع الله وحدوده، وهى التى نظمت التظاهرات ووجهت الانذارات الى الحكومات السابقة من اجل انفاذها، وأقامت الدنيا ولم تقعدها، ثم قلبت نظام الحكم نفسه بدعوى المحافظة عليها وتطبيقها؟! حكمت الانقاذ ستة عشر عاما حسوماً حتى أسفر صبح ذلك اليوم من العام 2005 الذى فيه نكست أعلام الجهاد، ورفعت الراية البيضاء، ووقعت اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان فى 2005م؟! فأين تطبيق الشريعة واين إنفاذ الحدود؟! عرفنا ان الحكومات الديمقراطية الحزبية سوّفت فى تطبيق الشريعة وماطلت فى انفاذ الحدود. قاتلها الله. فما بال هؤلاء الثوريون الفوريون يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى، حتى بلغت جملة الاعوام ستة عشر. عاماً ينطح عاما، ولا تطبيق ولا انفاذ لشرع الله الذي صدّعونا به تصديعاً؟!

(5)

يتكئ وعد الرئيس - أو وعيده - فى احتفالات أعياد الحصاد بولاية القضارف، بتطبيق احكام الشريعة الاسلامية، حال انفصال الجنوب، على فرضية نظرية مؤداها أن وحدة الشمال والجنوب واتفاقية السلام الشامل تنطوى على موانع ومقتضيات وأحكام تحول دون تطبيق القوانين الاسلامية فى الشمال، ووفقاً لهذه الفرضية فإنّ النظام القائم امتنع مكرهاً عن تطبيق القوانين الشرعية فى شمالى السودان انصياعاً لتلك المقتضيات والاحكام. فهل يجوز اذن ان يكون هذا هو السبب الرئيس الذى يكمن وراء استخذاء الجماعة الاسلاموية وتخاذلها عن تطبيق شرع الله وحدوده خلال السنوات الخمس الماضيات؟  لا أعتقد. لأن الحقيقة التى تقف عارية أمام نواظرنا تقول غير ذلك. بل انها تنفى تلك الفرضية تماماً. الثابت ان اتفاق السلام الشامل، وهو الاطار الدستورى الذى ظل يحكم السودان منذ نيفاشا 2005  لم يضع سوى قيد واحد على العاصمة القومية. فقط العاصمة القومية. ولكن تطبيق الشريعة الاسلامية على سائر السودان الشمالى لم يقع عليه قيد من أى نوع - ونصوص نيفاشا كتاب مفتوح ومبذول للغاشين والماشين إن كان هناك من يراوده الشك حول ما نزعم - فلماذا لم تطبق حكومة الانقاذ  الشريعة على سائر أنحاء السودان، بما فيه ولاية القضارف نفسها التى صدر منها وعد الرئيس، او وعيده؟! ما الذى حال دون إنفاذ القوانين السبتمبرية طالما ان تلك هى رغبة العصبة المنقذة وهواها؟!

لنترك الشريعة جانبا، فهل نذكر التاريخ القريب - على عهد الديمقراطية الثالثة - والحركة الاسلاموية تملأ الدنيا ضجيجاً عن الخطر الذى يتهددنا من تلقاء زحف التمرد وانتصاراته، ونقصان البلاد من اطرافها. وتحشو رؤوس الناس حشواً بالمخاوف ان الاحزاب السياسية ليست مؤتمنة على وحدة السودان؟ ثم افتعلت الجبهة الاسلامية العلائق واصطنعت الصلات مع القوات المسلحة، وفرضت نفسها وصياً أوحد على ضباط الجيش وجنوده، فهى التى تفهم قضيتهم، وهى التى تدرك معاناتهم، وهى التى ترعى حقوقهم، وهى التى تساندهم بمواكب "أمان السودان" وتبرعات الذهب والفضة. لها وحدها الحمية والغيرة على شرف السودان ووحدته، ولسائر الناس قلائد الخيانة وايقونات التفريط فى الأمانة. ثم هى لا تنى تسرّب الاخبار وتعلّب الروايات، تزعم ان الاستاذ على عثمان محمد طه التقى الدكتور عمر نورالدائم وعرض عليه تأسيس مليشيات شعبية مقاتلة مشتركة من خمسين الف رجل من كوادر الجبهة الاسلامية والانصار لتدافع عن العروبة والاسلام، وتحمى ذمار شمال السودان، ثم تزحف على مواقع الحركة الشعبية فى الجنوب فتسحقها سحقاً، ولكن الآخرين جبنوا وتخاذلوا!

عظيم: أين الحركة الاسلاموية اليوم من مبادئها وغاياتها التى تمثل جذع شجرتها ولب كيانها وأصل وجودها، الا وهى: الشريعة الاسلامية والحدود وتطبيقاتها؟ ثم أين هى من قضية وحدة السودان، طوعاً او قسراً، التى فرضت عليها وصايتها، فخوّنت الاخرين ورمتهم بكل رزية، وأخذت عليهم ضعف بصيرتهم وقلة حيلتهم وهوان أمرهم على الناس، ثم سطت على الحكم بليل بدعوى انفاذ الشريعة وحماية وحدة البلاد؟! هذه المبادئ والغايات التى تمثل كيان الحركة الاسلاموية وأصل وجودها هى اليوم - يا ولداه - فى خبر كان. لا هنا ولا هناك. لا فى العير ولا فى النفير. لا بعير ولا شعير. لا شريعة ولا وحدة. صفرٌ فى الشريعة، وصفرٌ فى الوحدة. يا مولاى كما خلقتنى!

(6)

العصبة المنقذة  تعرف تماماً العامل المركزى والعناصر الاخرى المتضافرة التى ظلت تمحق ارادتها وتكف يدها وتشل خطاها عن المضى قدماً فى تطبيق القوانين السبتمبرية وانفاذ الحدود الشرعية خلال العقدين المنصرمين من عمرها. الولوج الى حلبة هذه العوامل يجلب الحرج، ودهاقنة الحركة الاسلاموية يكرهون أن يلج احد الى هذه الحلبة او يحوم حولها، والله حليمٌ ستار! العامل المركزى هو ان جماعة الاسلام السياسى فى السودان تدرك تماماً ان قوانين سبتمبر، التى ظلت تطلق عليها صفه "شرع الله"، غير قابلة للتطبيق إبتداءً. وهى تدرك أيضاً ان الطروحات العتيدة التى بسطها فى شأن هذه القوانين الراسخون فى العلم وأهل الحل والعقد من لدن القائد السياسى وداعية الصحوة الاسلامية الإمام الصادق المهدى، مروراً بالمفكر العملاق، شهيد الفكر، الاستاذ محمود محمد طه، وصولاً الى الآلاف من دعاة الدولة المدنية على مسارح السياسة والثقافة والمجتمع السودانى، طروحاتٌ عتيدةٌ صلدة يصدقها الواقع ويمنحها ثقته فلا سبيل لجحودها، ولا مجال الى القفز من فوقها. قوانين الشريعة الاسلامية السبتمبرية لا تصلح للتطبيق، ولو صلحت لما كان الحال هو الحال. الجميع يعلم ذلك. ولا نزيد!

لماذا اللجاج اذن؟ الاجابة تكمن فى سربال حقيقة هينة للغاية، سبق ان تطرقنا لها فى متن هذا التحليل، وهى أن جوهر مادة الحركة الاسلاموية، واكسير حياتها، وأصل وجودها، والسبب الأوحد لبقائها، مما يعبر عنه الفرنجة بمصطلح ((Raison d'être يتمثل فى تطبيق الشريعة الاسلامية. ولو سلّمت الحركة الاسلاموية بأن القوانين لا تصلح للتطبيق فإن ثمرة جهادها وحصيلة كدها، عبر نصف قرن من الزمان تصبح هباءً منثورا، وهنا مربط فرس الأزمة. وذلك عمر طويل صالت فيه الحركة وجالت فى ميادين السياسة، وسعت الى فرض ارادتها على الامة بمنطق الوصاية على المجتمع، واقحمت عليه الدساتير والقوانين الاسلامية بغير إحسان. ثم اذا بهذه التشريعات تنقلب امام أعينها الى فرانكشتاين جديد فما تدرى ما تصنع بها بعد ان جاءت الى سدة الحكم وانسدل الستار على زمان المعارضة المجانية حيث أسواق المزايدات السياسية!

الحركة الاسلاموية اليوم مثل المقوقس، الذى مُلّك ملكاً عظيما، فلم يهن عليه ملكه وصولجانه حتى بعد ان تبين له الرشد وعرف الحق، فكتب:(ولولا أنى مُلّكت ملكاً عظيماً لكنت اول من سار اليك لعلمى أنك خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وإمام المتقين). يستنكف الاسلامويون أن يقروا بأن قوانين القطع والبتر والجلد والتنكيل لا تصلح لنا، وأن لا مقام لها بين ظهرانينا، وان ما أفتى به الثقات من المفكرين وأهل الذكر وقادة الرأى هو الأولى بالاتباع. اذ هم يخافون على الملك والصولجان وميراث الخيبة، ولولاها لساروا - أحراراً من رق السلطان - فتلاقوا مع أهل السودان على كلمةٍ سواء.

(7)

ولا نبرح مقامنا هذا حتى نتوجه بنداءٍ صادق، لا الى قيادات الانقاذ ورموزها،  بل الى قواعد الحركة الاسلاموية من بنى وطننا الغالى، التى آمنت بالدعوة الى تحكيم الشريعة الاسلامية وجعلت منها قضيتها الاولى. تلك القواعد التى تراصت صفوفها عبر السنوات وراء هتاف ( شريعة شريعة ولاّ نموت / الاسلام قبل القوت). نقول لهؤلاء بقلبٍ مفتوح، وبكل الحب فى فؤادنا: بأن لا إسلام قبل القوت. بل القوت قبل الاسلام. لم يخلق الله سبحانه وتعالى الانس والجن الا ليعبدون. العبادة موئلها صفاء العقل ونقاء النفس. وليس هناك عقلٌ صافٍ ينتصب فوق بطن جائعة. ونقاء النفس مرادفٌ للكرامة. ولا كرامة لمعوز يعيش حياة الهوان والمسغبة، التى يرزح تحت ويلاتها السواد الاعظم من أبناء السودان وبناته.

انتم الأولى والأجدر. بل انتم الأحق - قبل غيركم- وقد انفرجت امامكم تجربة سبعة وعشرون عاماً من المداورة والمناورة والمماراة واللجاج (1983-2010)، تجلت فى نماذج انتقائية للتطبيق، شوهاء مرذولة تنضح بؤساً، زعم المفترون بهتاناً انها شريعة الاسلام الغراء. واستبان امام نواظركم الخيط الابيض من الخيط الاسود، فرأيتم رأى العين كيف تعثرت وتخثرت محاولات تطبيق الشريعة وانفاذ الحدود، وتكسرت موجاتها فوق صخور الواقع، الموجة بعد الموجة. ولم يجن أربابها ونصراؤها من ورائها غير سرابيل الخزي. أنتم الأولى والأجدر أن تصدعوا بالحق وتنطقوا بالصدق، فالدين لا قوام له بلا عمل.

انتم الأحق بأن تقولوا باسمنا جميعا الى رئيس الدولة الذى اعلن فى عيد الحصاد على رؤوس الاشهاد أن:(لا مجاملة ولا مداهنة فى تطبيق الحدود الشرعية)، ان تقولوا له: نعم يا سيادة الرئيس، نحن معك، الكتف بالكتف، والحذاء بالحذاء. والسودان كله معك: لا مجاملة ولا مداهنة فى تطبيق حدود الله. المجاملة والمداهنة فى حدود الله انما تتجلى، كأظهر ما تتجلى، فى جلد المستضفين بالسياط، وبتر أياديهم وارجلهم باسم الاسلام، فى مجتمعٍ غابت عنه قيم الدين ومضموناته، وسادته الفرقة والميز العرقى فلم يعرف المساواة بين الناس، واضطربت فيه مفاهيم سيادة القانون فلا تقع الاحكام الا على العاجزين قليلى الحيلة، وبلغ فيه التفاوت الطبقى كل مبلغ، يموت الرجل من الجوع، بينما يموت جاره من التخمة!

كلا وحاشا. لا نريد لبلادنا المكلومة الممحونة ان تعود القهقرى الى كنف عهودٍ مظلمةٍ سوداء، بلونا عارها واصطلينا نارها. وشهدنا فى سوحها - باسم تطبيق الشريعة - الفعائل الدميمة الذميمة، التى قبّحت الاسلام وصغّرته ونفرّت عنه، وأساءت الى شعبنا أبلغ إساءة،، وأحطت من قدره بين الورى.

 

سمسم القضارف؟ نعم. شريعة القضارف؟ يفتح الله!

 

عن صحيفة "الاحداث" - 29 ديسمبر 2010

 


مقالات سابقة بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 مايو 2010 الى 05 سبتمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 سبتمبر 2009 الى 14 مايو 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 16 ابريل 2009 الى 14 سبتمبر 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 24 نوفمبر 2008 الى 16 ابريل 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات 2007

© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Sudan's Abyei region awash with arms and anger
  • Military Helicopter Crash Kills Five in Darfur, Sudan Army Says
  • SUDAN: Lack of justice "entrenching impunity" in Darfur
  • The National Agency for Securing and Financing national Exports pays due attention to Nonpetroleum Exports
  • Vice President of the Republic to witness the launching of the cultural season in Khartoum state
  • Youth creative activities to be launched under the blessing of the president, Tuesday
  • Sudan's gold rush lures thousands to remote areas
  • South Sudan faces precarious start
  • Aid workers taken hostage in Darfur freed: U.N.
  • 19 People Killed In Clashes In Sudan's South Kordofan State
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Thursday the 14th of April 2011
  • Minister review with Indonesian delegation Sudanese Indonesian petroleum cooperation
  • Bio-fuel experimental production launched in Sudan
  • Center for Middle East and Africa's Studies organizes a symposium on intelligence activities in Sudan
  • South Sudan Activists Say : Women Need Bigger Role
  • 'One dead' as army helicopter crashes in Khartoum
  • Vice President receives new Algerian ambassador the Sudan
  • A training military plane crashes killing one of the three crew on board
  • Headlines of major daily papers issued in Khartoum today Wednesday the 13th of April 2011
  • Minister of Defense announces some precautious measures to secure Port Sudan
  • Industry Minister Meets Ambassadors of Central Africa, South African Republic
  • Sudan has 'irrefutable proof' Israel behind air strike
  • Taha Affirms Government Concern over Youth Issues
  • Headlines of major news papers issued in Khartoum today Monday the 11th of April 2011
  • NCP: statements by the US Secretary of State and the new envoy an attempt to justify the American hostility
  • Two Sudan papers stop publishing, protest censorship
  • Helicopters, tanks deployed in volatile Sudan area
  • State minister at the ministry of oil meets the delegation of the Gulf company for metal industries
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Sunday the 10th of April 2011
  • Ministry of Foreign Affairs: Sudan possess solid proof of Israeli involvement in the aggression on the country
  • Defense Minister visits Port-Sudan
  • Somali pirates hijack German vessel
  • Family denies assassination of key Hamas figure in Sudan
  • President Al-Bashirr, First VP Kiir Agree to Implement Agreement on Security Situation in Abyei as of Friday
  • DUP Denounces Israeli air strike on Port Sudan Vehicle
  • SBA Calls for especial Economic Relations with South Sudan State
  • Sudan-Brazil Sign Animal Wealth Protocol
  • Netanyahu vague on Sudan strike
  • seven Killed In New Clashes In South Sudan
  • Sudan's government crushed protests by embracing Internet
  • Hamas official targeted in Sudan attack, Palestinians say
  • بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
  • عن خيبة المحصول الاسلاموى وبواره...الشرائع والذرائع: سمسم القضارف وشريعتها/مصطفى عبد العزيز البطل
  • بيني وبين جهاز الأمن والمخابرات/مصطفى عبد العزيز البطل
  • مرحباً برئيسنا الجديد جمال مبارك/مصطفى عبد العزيز البطل
  • حديث الزوجات الخطرات: زوجة سلفا كير/مصطفى عبد العزيز البطل
  • الشوش- منصور خالد وبالعكس/مصطفى عبد العزيز البطل
  • حسنين والميرغنى والجبهة العريضة لاسقاط النظام/مصطفى عبد العزيز البطل
  • أمريكا شيكا بيكا: الانفصال والهاجس الامريكى!/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (4-4)./مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (3)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (2)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (1)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • السقوط من النظر: محاولة للتنظير! مصطفى عبد العزيز البطل
  • عادل حمودة والسودان.. والمهلّبية!/مصطفى عبد العزيز البطل