صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
بقلم :د/عبدالله علي ابراهيم
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : مقال رائ : بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل English Page Last Updated: Dec 25th, 2010 - 19:47:32


حسنين والميرغنى والجبهة العريضة لاسقاط النظام/مصطفى عبد العزيز البطل
Nov 3, 2010, 02:17

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع
Share
Follow sudanesewebtalk on Twitter

غرباً باتجاه الشرق

هل غادر حسنين من متردم وعرف الميرغنى الدار بعد توهم؟

حسنين والميرغنى والجبهة العريضة لاسقاط النظام

مصطفى عبد العزيز البطل

----------------------

(1)

لا يكف نفرٌ من خاصة أصدقائي عن ملاحقتي بالسؤال العنيد عن الدافع وراء كوني أميل إلى التنائي بقلمي عن الواقع السياسي الماثل وأتجه الى تخصيص مساحاتٍ واسعة ومتلاحقة من زاويتي الأسبوعية لمعالجة كتب المذكرات وموضوعات التاريخ السياسي. الإجابة حاضرة عندي دوماً وتتألف من عدة أقسام: الأول هو أن كثيراً من الأحداث والتطورات السياسية السودانية تبدو لي في قلب سياقاتها وقسَماتها، وكأنها مكرورة ومستعادة، فينتابني في بعض الأحيان - وأنا أتابع الوقائع - إحساس من يشاهد شريطاً سينمائياً سبق له مشاهدته من قبل. والثاني، هو كللي ومللي من تفاحش داء المواقف الجزافية، وهيستيريا العنتريات الطفولية، وغيرها من مظاهر ضعف النضج السياسي في المشهد العام الذي يحتشد فوق منصّته المهتمون والمشتغلون بالحياة السياسية، بحيث بلغت حالة الاستقطاب والعصبية والتطرف والهوس مبلغاً تستعصي معه إدارة حوارات راشدة دون مخاطرة أن ينحدر الخطاب، وفي لمح البصر، الى وهاد التأطير القسري، واستشفاف الدواخل، ومحاكمة الدوافع، وتوزيع الأحكام "الميدانية" التعسفية.

غير أن من أقوى أسبابي على الإطلاق في العزوف عن معاظلة الشأن الراهن هو أن مسيرات ومسارات الحياة السياسية السودانية تكاد بعض فصولها تستغلق علىّ استغلاقاً كاملاً، وتستعصي على قدراتي في الاستنطاق والتأويل والتحليل، فما أجد الى استبار أغوارها وفهم خباياها وفك ألغازها من سبيل. وأنا أكره أن أكون من بين من لا يفهمون ويدعون الفهم، فيدلون بالدلاء من غير يقين، ويملأون الدنيا سؤالاً وجواباً، بغير علمٍ ولا هدى ولا كتابٍ منير.

(2)

من أبرز التطورات التي شغلت الساحة السياسية خلال الأسابيع الماضية، ولكنها استعصمت بغلالاتٍ من ضباب كثيف، وتمنّعت حيناً من الدهر على ما قسمه الله لي من نصيب في الفهم والاستيعاب والتقويم، إعلان الأستاذ علي محمود حسنين نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي مؤخراً، من العاصمة البريطانية لندن، عن تشكيل كيان جديد أطلق عليه "الجبهة العريضة لإسقاط النظام". ثم ما لحق ذلك من حملات دعائية مكثفة، وفرقعات إعلامية مدوية، ملأت دنياوات المهاجر الأوربية والأمريكية، وشغلت كثيراً من خلقها، دون أن تملأ مكاناً في دنيا السودان نفسه أو تشغل أحداً هناك، كما بدا لي من متابعة الصحافة الداخلية واستقصاء تداعيات الإعلان هناك من شهادات العائدين. الضجيج والعجيج في أوربا وأمريكا والهند والسند وبلادٌ تركب الأفيال. أما داخل السودان - حيث يفترض أن يتم إسقاط النظام - فلا حس ولا خبر، إذ الناس هناك في شغلٍ فاكهون!

في إعلانه الذي تم بلندن في الحادي والعشرين من أكتوبر الماضي دعا حسنين، بحسب ما نقلت المصادر الإعلامية المترادفة (المهمشين والمسحوقين والمظلومين، الذين ينشدون العزة والكرامة لسوداننا.. الذين يحتضنون منقو وتيةً وأوهاج وأبكر وإساغة وهمت في وطن الحب والتسامح والمساواة) إلى الالتحاق بجبهته العريضة، لأنها تشكلت من أجلهم. ولست على يقينٍ كافٍ من أنّ المذكورين أعلاه قد وصلتهم الدعوة. أغلب الظن أن منقو وتية واساغة واوهاج وهمت وغيرهم من "المهمشين والمسحوقين" لا يملكون حسابات في الإنترنت حيث ذاع نبأ المؤتمر، ولا يقرأون الصحف، ولا يشاهدون قنوات الجزيرة والبي بي سي العربية، فكيف تبلغهم الدعوة، ناهيك عن أن يستجيبوا لها ويتفاعلوا معها كما هو المراد؟!

غير أن الذي لا خلاف عليه هو أن الترحيب والاستبشار، بجبهة حسنين العريضة لإسقاط النظام، بين أهل المهاجر جاوز عنان السماء. وبلغ حداً سطَّر معه الإعلامي الدكتور أحمد خير - من أعيان المجتمع السوداني الأمريكي بواشنطن - مقالاً مطولاً طالعته في الموقع الإلكتروني للجالية السودانية الأمريكية، جاء في إحدى فقراته: (لك الله يا وطني، وحتماً سيأتيك الفرج عما قريب على أيدي فتية آمنوا بأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وبانت نفحات التغيير مع نغمات النداء بجبهة عريضة تتسع لكل من يؤمن بالحياة الكريمة، بات يُسمع هتافها في كل أرجاء المعمورة، من لندن إلى واشنطن، ومن واشنطن إلى طوكيو، وإلى سدني وإلى سنغافورة، وإلى ريودي جانيرو، وكراكاس، وساوباولو، والبرازيل، ومنها إلى مدريد، وبرشلونة، ومرسيليا واستوكهولم، وإلى لاهاي، ومنها إلى هاواي، وجزر الكاريبي، التي باتت تغني المامبو سوداني)! وقد لاحظت أنه لسبب ما، خفيَ علىّ تماماً، فقد أعفى الدكتور مهاجري السعودية والخليج وإفريقيا من مهمة إسقاط النظام، وقصرها علينا نحن في المهاجر الغربية. لا بأس. ربما كانت لهؤلاء الخوالف أعذار ارتآها الرجل وقدّرها. والغائب عن مهمة إسقاط النظام من خلال الجبهة العريضة "عذره معاه"!

(3)

غير أنني - والحق يُقال - توجست خيفةً من فيضان التفاؤل الكاسر هذا بين إخوتي في مهاجر الغرب، كوني أعلم يقيناً أن معارضي الشتات في أركان الدنيا، التي عدّدها الدكتور بصبرٍ جميل، وأفادنا بأنها ستردد "الهتاف"، وتغني "المامبو السوداني"، لا يملكون في واقع الأمر من أداة حقيقية للنضال وإسقاط الأنظمة غير مفاتيح الكيبورد، فمنذ ما يربو على العشرين عاماً ونحن - أهل المهاجر - نقتني لوحات المفاتيح، ونربطها بالحبال الى خطوط الكهرباء في حوائط منازلنا، ونخبط علي حروفها وأرقامها خبط غرائب الإبل! وقد خشيت من مآلات هذا الصنف من الحماسة المفرطة والانفعالات المجانية، التي دلت التجارب المتعاقبة على انها سرعان ما تنقلب بمرور الزمان وقلة المردود إلى مرارات يأسٍ مُمض تغص به كل الحلوق!

الذي يخشاه حقاً أمثالي ممن يجهدون لتثبيت جوائز الحقوق والحريات والمكتسبات الديمقراطية النسبية في سودان اليوم، ويدعون الى المثابرة على توسيع نطاقها وتأمين اضطرادها، هو أن يؤدي إنشاء مثل هذه الكيانات البالونية، التي تنطلق من منصات العواصم الخلابة، وتزعم لنفسها القدرة على تحرير السودان من قبضة العصبة المنقذة، وتجاهر على الملأ بأن كل الوسائل مفتوحة أمامها في حربها على النظام، بما فيها القوة المسلحة، الى نتيجة وحيدة، هي طي وتقليص هوامش الحريات داخل السودان بعد انبساطها الى حدود مقدرة، واضعاف معسكر العقل والاعتدال، داخل الكيان الإنقاذوي، لصالح أولئك المهاويس المطاميس الذين يعتلون صهوة حصان التشدد، فتعود العصبة المنقذة - تحت تأثير مخاوف الانفلات الأمني المصطنعة، وهواجس العمل المعادي المتوهمة، ودعاوى تأمين الجبهة الداخلية - إلى إعادة توظيف ونشر الأدوات القمعية، ومصادرة الحقوق، وخنق الأنفاس. وذلك أمر دلت التجربة على أن أول ضحاياه هم المرابطون في ثغور الداخل، ممن لا يملكون ترف الأسفار وميزات الإقامات المفتوحة في العواصم الأوربية والمدن الأمريكية. وذلك كله في مقابل ماذا؟ لا شئ، اللهم إلا الفرقعات الإعلامية، والبيانات الدعائية، والتصريحات الصحافية، والطلعات التلفزيونية، وندوات القاعات، وحفلات الفنادق!

تخيلت التاريخ الردئ يعيد نفسه بعد سنوات - وربما أشهر - من يومنا هذا، والأقلام الوطنية تحتشد وتكتب، تنادي حسنين وصحبه وتحثهم على العودة الى الوطن، وممارسة النضال من داخله، وبين صفوف جماهيره، عوضاً عن سياحة الدوائر المفرغة بين عواصم العالم التى اصطلينا نارها وخبرنا عارها. وهكذا تعيد تجربة التجمع الوطني الديمقراطي نفسها، بذات ملامحها ومعالمها، وذات شخوصها ورموزها.

(4)

كان حسنين في مؤتمره اللندني واضحاً، شديد الوضوح، في أن جبهته العريضة لا تؤمن بالحوار مع العصبة المنقذة، وأنها نبذت تجربة المشاركة في عملية التحول الديمقراطي قولاً واحداً. ثم وبما أنها - وهذا هو الأهم - لم تعد تؤمن بالحلول السلمية التفاوضية، فإن كل البدائل مفتوحة أمامها. ومن بين هذه البدائل، بطبيعة الحال، العمل العسكري الذي يهدف الى "اجتثات النظام من الجذور". ولما لم تكن لحسنين القدرة على اتّباع القول بالعمل في شأن البديل العسكري، الذي يعني امتلاك وتوظيف الجيوش والمليشيات، فإنه لجأ الى الاستئجار من الباطن، فتعاقد مع مليشيات حركة العدل والمساواة الدارفورية. وقد كان واضحاً لكل المراقبين أن أقوى التنظيمات التي قام حسنين بالتنسيق معها، وأصبحت بالتالي جزءاً أصيلاً من الكيان الجديد هي جبهة العدل والمساواة، التي نهض رئيس مؤتمرها العام الأستاذ أبوبكر القاضي بمهمة التنظير للجبهة العريضة لإسقاط النظام من خلال سلسلة مقالات أبرزها موقع الحركة الدارفورية المتمردة على الشبكة الدولية.

مشكلة استئجار الجيوش والمليشيات "المفروشة"، وهي ممارسة دأبت عليها القوى السياسية الشمالية، انها تنطوي على مخاطر ظاهرة للعيان. وفي تجربة أحزاب التجمع الوطني خلال حقبة التسعينيات فإن الجيش المستأجر - وهو الجيش الشعبي لتحرير السودان - لم يتردد في "بيع" الأحزاب الشمالية في سوق نيفاشا، عند أول منعطف، حينما  بدت له المراعي أكثر خضرة في الجانب الآخر من الوادى. ولم يكن أمام الأحزاب الشمالية يومها سوى أن استغشت ثيابها، وحملت متاعها، وامتطت ظهور الطائرات، وعادت الى مراح الخرطوم تشكو لله ظلم الأجير لأخيه المستأجر!

الغريب في أمر تعاقد حسنين مع الحركة العدلية الدارفورية المسلحة، هو أن الحركة نفسها ليس لها موقف إستراتيجي مبدئي رافض للتفاوض والحوار مع الإنقاذ تساير به موقف حليفها حسنين. فهي تحاور النظام بكرةً وأصيلا، وتفاوضه في السر والعلن، إما مباشرةً أو من خلال وسطاء إقليميين. وإن كانت وتائر الحوار قد تراخت في يومنا هذا، فإنه تراخٍ لا علاقة له بالمبدأ. وإنما دافعه ومنطلقه وأساسه هو أن الحركة تمر بمرحلة حصار وضيق شديدين أضعفا موضوعياً من قوة موقفها التفاوضي، فآثرت الانسحاب تكتيكياً ومرحلياً من موائد المفاوضات، وتلك حكمة ذهبية تقليدية لا تلام عليها.

ولأن حركة العدل والمساواة، كما هو في علم الكافة، هي صنيعة حزب المؤتمر الشعبي الإسلاموي، وذراعه العسكري، وإحدى أدواته الرئيسية في إدارة الصراع مع حكومة البشير، فقد وجدت لافتاً للنظر ومدعاةً للتأمل في تراجيكوميديا السياسة السودانية أن حسنين، الذي بدأ حياته السياسية قبل نصف قرنٍ من الزمان عضواً في جماعة الاخوان المسلمين، عاد بعد أن دار الزمان دورته ليضع يده من جديد في يد الشيخ حسن الترابي، ليأتمرا على إسقاط نظام الإنقاذ من خلال الجبهة العريضة. والشيخ الترابي هو من أتى بالإنقاذ، وأقام أعمدتها، وشيّد بنيانها، ومكّن لها في الأرض، وحملها على رقاب الناس. لكأن حسنين، وقد حار به الدليل، عاد في آخر زمانه السياسي ليغني مع أبي نواس: "وداوني بالتي كانت هي الداء"!

ومما أدهشني في بيان الأستاذ علي محمود حسنين الذي تلاه في مؤتمره الجامع بلندن، أنه بعد أن أكمل قراءة الجانب الذي حكم فيه بالاعدام على نظام الانقاذ، وأعلن فيه أن الشر معقود على نواصى ذلك النظام وان رأسه قد اينع وحان قطافه، فانه اتجه على الفور الى تلاوة سلسلة من المطالب، بلغت العشرين مطلباً. وقد توجه بقسم مقدّر من هذه المطالب الى نظام الإنقاذ نفسه المحكوم عليه بقطاف الرأس. وأهم المطالب كما وردت لا يمكن تنفيذها إلا بواسطة حكومة العصبة المنقذة. ومن ذلك مثالاً (تنفيذ ما تبقى من اتفاقية السلام الشامل)، و(إجراء الاستفتاء على تقرير المصير بصدق وشفافية). ومن المألوف أن المحكوم عليه بالإعدام هو الذي يتاح له أن يتقدم بمطالبه الأخيرة للجلاد قبل تنفيذ الحكم عليه. ولكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الجلاد يتقدم بطلبات الى المحكوم عليه بالإعدام - أو بالأحرى الإسقاط - لينفذها قبل سقوطه فى البئر.

(5)

الأكثر مجلبة للحيرة في الأمر كله هو الصفة التي يتخذها الأستاذ علي محمود حسنين وهو يبادر بإعلان تنظيم الجبهة العريضة لإسقاط النظام، وعلاقة السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي بالحدث وتداعياته، وردود فعله تجاه هذا التطور السياسي اللافت للنظر. حسنين يقول بغير مواربة إنه لا يؤمن بالحوار، ولا يريد التعامل مع الإنقاذ، ويسعى جهاراً نهاراً لإنشاء جبهة عريضة مفتوحة الخيارات لإسقاطها. ومع ذلك فإن الرجل يصر على الاحتفاظ بمنصب نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي. وعند حضوره الى الولايات المتحدة تحدث حسنين، بصفته نائباً لرئيس الحزب من خلال ندوات مفتوحة دعت لها فروع الحزب في مدن أمريكية. وقد ظهر في شبكات الإنترنت وهو يتحدث في تلك الندوات وخلف ظهره لافتات ضخمة تحمل اسم الحزب العريق وشعاره!

كان الأمر سيكون أكثر منطقية لو انه بادر بإعلان استقالته وتخليه عن ذلك المنصب، إذ كيف يجوز لشخص أن يحمل صفة نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي يشارك في العملية السياسية داخل السودان في إطار التشريعات الدستورية والسياسية القائمة، ثم يقوم في ذات الوقت بتشكيل وقيادة كيان يعلن سحب الاعتراف بالنظام وإعلان الحرب عليه؟! التناقض في موقف حسنين هنا ظاهر كالشمس، وهو في جوهره يشبه موقف كادر شيوعي يعلن تخليه عن الماركسية وجحوده للاشتراكية، ولكنه يصر على الاحتفاظ بموقع تنظيمي قيادي داخل الحزب الشيوعي. أخطر تجليات هذا الموقف على أرض الواقع هو انه يبتذل صورة حزب الحركة الوطنية العريق من حيث أنه يحيله الى سيرك هزلى ويجعل منه كياناً كوميدياً، تضاف فعالياته الى تراث مسرح اللامعقول على خشبة المسرح السياسى السودانى.

 (6)

ولكن الأكثر عجباً هو موقف السيد محمد عثمان الميرغني، رئيس الحزب، الذي حملت الصحف مؤخراً نبأ اعتراضه، بل ورفضه كلياً، لمقترحات تقدم بها بعض قادة الحزب يطالبون فيها بمحاسبة حسنين على الخطوات الانفرادية التي قام باتخاذها. وليس هناك من تفسير لهذا الموقف سوى افتراض أن الميرغني يريد أن يلعب على الحبلين. التعاون مع الإنقاذ والتعامل معها طلباً للسلامة السياسية والأمان الشخصي من ناحية. والتريث ومحاولة مد الحبال وكسب الوقت لرصد ردود الأفعال على مبادرة حسنين وتحركاته من ناحية أخرى. ومعروف عن السيد الميرغني أن له تاريخ حافل في اعتماد مثل هذه الإستراتيجيات المزدوجة الغريبة الأطوار، في إدارته للمواقف السياسية عموماً. وبعض هذه الممارسات يبدو أحياناً غاية في الطرافة، بل إنها تقترب هى نفسها في أحيان أخرى من أسوار اللامعقول. وفي الأذهان قيام الميرغني بتسمية الأستاذ حاتم السر مرشحاً عن حزبه لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الأبريلية الماضية، ثم مبادرته في ذات الوقت بإرسال ابنه السيد أحمد محمد عثمان الميرغني لمصاحبة الرئيس عمر البشير ومؤازرته أثناء حملاته الانتخابية الرئاسية في معاقل الختمية بشرق السودان!

لا يحتاج الأمر الى ذكاء شديد. الميرغني في أغلب الأمر يتأنى ويتريث، ويرفض المطالبات داخل حزبه بمحاسبة نائبه وعزله، لا لسبب إلا لأنه يخشى من احتمال إحراز حسنين بعض النجاح في مبادرته - أو مغامرته - الجريئة، وإمكانية انفراده تلقائياً بنفوذ جديد يتأتى له عن طريق تنامي درجةٍ ما من التأييد والإعجاب بخطواته ومواقفه المصادمة. وهي خطوات ومواقف تنم - برغم كل شيء - عن شجاعة سياسية يقدرها حق قدرها نفرٌ ممن ضاق صدرهم بألاعيب العصبة المنقذة، وممارساتها السلطوية، وتضييقها على الآخرين. وهم الطائفة التي تقف وراء حسنين، بعد أن زينت لها أخيلتها ذات الخصوبة الثورية القدرة على مداهمة الإنقاذ، وإنفاذ سيناريوهات جديدة وفريدة على الساحة تقوم على فرض شروط سياسية مباغتة، عن طريق تفجير الأوضاع وإحداث كدمات وجروح في جسم النظام. الميرغني - باختصار شديد - لا يريد أن يفوته قطار الثورة، في حال وصول القطار الى المحطة على حين غرة، فيغيب هو ويركب الآخرون. هو يعلم أن فرص مثل هكذا سيناريو ضئيلة، ولكن الحرص واجب!

(7)

موقف الميرغني هذا يستعيد من أضابير التاريخ موقف الشيخ الإمام حسن البنا المؤسس والمرشد الأول لحركة الإخوان المسلمين في مصر، الذي ظل يتجاوز عن ممارسات "النظام الخاص" داخل جماعته، ويغض البصر عن سلسلة الاغتيالات والأعمال الإرهابية التي دبرها ورعاها تلميذه، رئيس شعبة النظام الخاص، عبد الرحمن السندي. ومن ذلك عمليات اغتيال القاضي الخازندار، ورئيس الوزراء النقراشي باشا وغيرها، وذلك على أمل أن يفيئ من ورائها خيراً يعزز مركزه ويقوي شوكته. فلما انقلب السحر على الساحر، وثارت مصر كلها على الممارسات الإجرامية، ووقفت ترمي عن قوسٍ واحدة ضد الإرهاب وترويع الأبرياء والآمنين، وكشر الملك فاروق وحكومته عن أنيابهم، بادر البنا بإصدار بيانه الشهير، يدين رؤوس الإرهاب ويشهر بهم ويتبرأ منهم، على الرغم من أنهم كانوا جميعاً من أخلص تلاميذه، وقد جاء البيان تحت العنوان الأكثر شهرة، والذي دخل تاريخ الميكافيللية السياسية من أوسع أبوابه: (ليسوا إخواناً، وليسوا مسلمين)!

وربما وجد الميرغني نفسه في وقتٍ قريب، في ضوء تداعيات الأحداث ومآلاتها، والمخاطر المترتبة عليها مضطراً - هو أيضاً - الى إصدار بيان آخر، تفرضه مقتضيات السلامة السياسية، على غرار بيان الشيخ حسن البنا، يتنصل فيه من سلوك نائبه المتمرد ويتبرأ منه. وربما رأى مولانا الميرغني أن يترسم خطى الشيخ الإمام، طالما أن كلاهما اعتنق دين الميكافيلية، فيجعل عنواناً لبيانه المرتقب: (ليسوا اتحاديين، وليسوا ديمقراطيين)!

(8)

وإن كانت لنا من كلمة نقولها عند خاتمة هذا الكتاب، ونحن وقوفٌ  في رحاب الأستاذ علي محمود حسنين، فإننا نقول له: يا شيخنا وحبيبنا، لا يهولنك ما تسمع منا، وقد محضناك ومحضنا شعبنا النصح. لست عندنا والله، ولا عند أحد غيرنا، بمتهمٍ ولا ظنين. لا نغمط تاريخك الوطني الوضئ، ولا ننكر وقوفك - بعباءة التقوى - تنافح عن الشعب وحقوقه على مدار السنوات والحقب. نحن - علم الله - نحبك ونُجلك ونحفظ لك قدرك، ولكننا نحب السودان أكثر.

 

نقلاً عن صحيفة "الاحداث"

 


مقالات سابقة بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 مايو 2010 الى 05 سبتمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 سبتمبر 2009 الى 14 مايو 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 16 ابريل 2009 الى 14 سبتمبر 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 24 نوفمبر 2008 الى 16 ابريل 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات 2007

© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Sudan's Abyei region awash with arms and anger
  • Military Helicopter Crash Kills Five in Darfur, Sudan Army Says
  • SUDAN: Lack of justice "entrenching impunity" in Darfur
  • The National Agency for Securing and Financing national Exports pays due attention to Nonpetroleum Exports
  • Vice President of the Republic to witness the launching of the cultural season in Khartoum state
  • Youth creative activities to be launched under the blessing of the president, Tuesday
  • Sudan's gold rush lures thousands to remote areas
  • South Sudan faces precarious start
  • Aid workers taken hostage in Darfur freed: U.N.
  • 19 People Killed In Clashes In Sudan's South Kordofan State
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Thursday the 14th of April 2011
  • Minister review with Indonesian delegation Sudanese Indonesian petroleum cooperation
  • Bio-fuel experimental production launched in Sudan
  • Center for Middle East and Africa's Studies organizes a symposium on intelligence activities in Sudan
  • South Sudan Activists Say : Women Need Bigger Role
  • 'One dead' as army helicopter crashes in Khartoum
  • Vice President receives new Algerian ambassador the Sudan
  • A training military plane crashes killing one of the three crew on board
  • Headlines of major daily papers issued in Khartoum today Wednesday the 13th of April 2011
  • Minister of Defense announces some precautious measures to secure Port Sudan
  • Industry Minister Meets Ambassadors of Central Africa, South African Republic
  • Sudan has 'irrefutable proof' Israel behind air strike
  • Taha Affirms Government Concern over Youth Issues
  • Headlines of major news papers issued in Khartoum today Monday the 11th of April 2011
  • NCP: statements by the US Secretary of State and the new envoy an attempt to justify the American hostility
  • Two Sudan papers stop publishing, protest censorship
  • Helicopters, tanks deployed in volatile Sudan area
  • State minister at the ministry of oil meets the delegation of the Gulf company for metal industries
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Sunday the 10th of April 2011
  • Ministry of Foreign Affairs: Sudan possess solid proof of Israeli involvement in the aggression on the country
  • Defense Minister visits Port-Sudan
  • Somali pirates hijack German vessel
  • Family denies assassination of key Hamas figure in Sudan
  • President Al-Bashirr, First VP Kiir Agree to Implement Agreement on Security Situation in Abyei as of Friday
  • DUP Denounces Israeli air strike on Port Sudan Vehicle
  • SBA Calls for especial Economic Relations with South Sudan State
  • Sudan-Brazil Sign Animal Wealth Protocol
  • Netanyahu vague on Sudan strike
  • seven Killed In New Clashes In South Sudan
  • Sudan's government crushed protests by embracing Internet
  • Hamas official targeted in Sudan attack, Palestinians say
  • بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
  • عن خيبة المحصول الاسلاموى وبواره...الشرائع والذرائع: سمسم القضارف وشريعتها/مصطفى عبد العزيز البطل
  • بيني وبين جهاز الأمن والمخابرات/مصطفى عبد العزيز البطل
  • مرحباً برئيسنا الجديد جمال مبارك/مصطفى عبد العزيز البطل
  • حديث الزوجات الخطرات: زوجة سلفا كير/مصطفى عبد العزيز البطل
  • الشوش- منصور خالد وبالعكس/مصطفى عبد العزيز البطل
  • حسنين والميرغنى والجبهة العريضة لاسقاط النظام/مصطفى عبد العزيز البطل
  • أمريكا شيكا بيكا: الانفصال والهاجس الامريكى!/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (4-4)./مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (3)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (2)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (1)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • السقوط من النظر: محاولة للتنظير! مصطفى عبد العزيز البطل
  • عادل حمودة والسودان.. والمهلّبية!/مصطفى عبد العزيز البطل