صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
البوم صور
بيانات صحفية
اجتماعيات
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
مقال رائ
بقلم : حسن الطيب / بيرث
جنة الشوك بقلم : جمال علي حسن
بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
استفهامات بقلم: أحمد المصطفى إبراهيم
بقلم : آدم الهلباوى
بقلم : آدم خاطر
بقلم : أسامة مهدي عبد الله
بقلم : إبراهيم سليمان / لندن
بقلم : الطيب الزين/ السويد
بقلم : المتوكل محمد موسي
بقلم : ايليا أرومي كوكو
بقلم : د. أسامه عثمان، نيويورك
بقلم : بارود صندل رجب
بقلم : أسماء الحسينى
بقلم : تاج السر عثمان
بقلم : توفيق الحاج
بقلم : ثروت قاسم
بقلم : جبريل حسن احمد
بقلم : حسن البدرى حسن / المحامى
بقلم : خالد تارس
بقلم : د. ابومحمد ابوامنة
بقلم : د. حسن بشير محمد نور
بقلم : د. عبد الرحيم عمر محيي الدين
أمواج ناعمة بقلم : د. ياسر محجوب الحسين
بقلم : زاهر هلال زاهر
بقلم : سارة عيسي
بقلم : سالم أحمد سالم
بقلم : سعيد عبدالله سعيد شاهين
بقلم : عاطف عبد المجيد محمد
بقلم : عبد الجبار محمود دوسه
بقلم : عبد الماجد موسى
بقلم : عبدالغني بريش اللايمى
تراسيم بقلم : عبدالباقى الظافر
كلام عابر بقلم : عبدالله علقم
بقلم : علاء الدين محمود
بقلم : عمر قسم السيد
بقلم : كمال الدين بلال / لاهاي
بقلم : مجتبى عرمان
بقلم : محمد علي صالح
بقلم : محمد فضل علي
بقلم : مصعب المشرف
بقلم : هاشم بانقا الريح
بقلم : هلال زاهر الساداتي
بقلم :ب.محمد زين العابدين عثمان
بقلم :توفيق عبدا لرحيم منصور
بقلم :جبريل حسن احمد
بقلم :حاج علي
بقلم :خالد ابواحمد
بقلم :د.محمد الشريف سليمان/ برلين
بقلم :شريف آل ذهب
بقلم :شوقى بدرى
بقلم :صلاح شكوكو
بقلم :عبد العزيز حسين الصاوي
بقلم :عبد العزيز عثمان سام
بقلم :فتحي الضّـو
بقلم :الدكتور نائل اليعقوبابي
بقلم :ناصر البهدير
بقلم الدكتور عمر مصطفى شركيان
بقلم ضياء الدين بلال
بقلم منعم سليمان
من القلب بقلم: أسماء الحسينى
بقلم: أنور يوسف عربي
بقلم: إبراهيم علي إبراهيم المحامي
بقلم: إسحق احمد فضل الله
بقلم: ابوبكر القاضى
بقلم: الصادق حمدين
ضد الانكسار بقلم: امل احمد تبيدي
بقلم: بابكر عباس الأمين
بقلم: جمال عنقرة
بقلم: د. صبري محمد خليل
بقلم: د. طه بامكار
بقلم: شوقي إبراهيم عثمان
بقلم: علي يس الكنزي
بقلم: عوض مختار
بقلم: محمد عثمان ابراهيم
بقلم: نصر الدين غطاس
زفرات حرى بقلم : الطيب مصطفى
فيصل على سليمان الدابي/قطر
مناظير بقلم: د. زهير السراج
بقلم: عواطف عبد اللطيف
بقلم: أمين زكريا إسماعيل/ أمريكا
بقلم : عبد العزيز عثمان سام
بقلم : زين العابدين صالح عبدالرحمن
بقلم : سيف الدين عبد العزيز ابراهيم
بقلم : عرمان محمد احمد
بقلم :محمد الحسن محمد عثمان
بقلم :عبد الفتاح عرمان
بقلم :اسماعيل عبد الله
بقلم :خضرعطا المنان / الدوحة
بقلم :د/عبدالله علي ابراهيم
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : مقال رائ : بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل English Page Last Updated: Dec 25th, 2010 - 19:47:32


سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (3)/مصطفى عبد العزيز البطل
Oct 13, 2010, 07:23

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع
Share
Follow sudanesewebtalk on Twitter

غرباً باتجاه الشرق

 

سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (3)

 

مصطفى عبد العزيز البطل

 

 

(1)

ما نزال نقلب معاً صفحات كتاب "سنوات النميرى: توثيق وتحليل لأحداث ووقائع سنوات حكم 25 مايو فى السودان"، الذى قدمه للمكتبة السودانية، مأجوراً باذن الله، اللواء "م" محمود محمد قلندر. والقيمة الرئيسة لهذا الكتاب فى تقديرنا هى أنه يقدم عرضاً متكاملاً ومتناسقاً لتاريخ تلك الحقبة فى شكل خيط مركزى منتظم، يمتد متسلسلاً عبر السنوات الممهدة لحركة التغيير العسكرى، وصولاً الى الانقلاب نفسه، ثم يتابع بعد ذلك - متابعةً دقيقة - مسار الوقائع الكبرى التى بسطت نفسها عبر السنوات الست عشر من عمر الحقبة النميرية. وفى هذا الصدد يتناول المؤلف، متراوحاً بين الاجمال والتفصيل، مفترقات الطرق والمنعطفات الكبرى التى شهدت التطور الثورى ثم الدستورى لنظام مايو. كما يتناول بالعرض والتحليل الحادثات التى فرضت على مايو "الثورة"، ثم مايو الدولة، نقلاتها - حتى لا نقول قفزاتها الاكروباتية - من اليسار، حيث انطلاقتها الاولى، الى الوسط، ثم الى اليمين الذى شهدت فى كنفه انطفاء جذوتها وافول نجمها. ثم يعرض  اللواء قلندر عبر خيطه الناظم للاحداث والوقائع الى المواجهات السياسية والمعارك الدموية التى خاضتها مايو مع خصومها، وخرجت ظافرة منها جميعاً، باستثناء الملحمة الرجبية فى 1985 بطبيعة الحال.

ومع احترامنا الشديد للمؤلف واسهاماته المقدرة على صعيد الوعى العام، وتثميننا الأكيد لهذا السِفْر وقيمته المعرفية، الا اننا وقفنا على جوانب معينة فى متن الكتاب لم تقع من الذهن الموقع الحسن، فلم نرض عنها، ولم نرض للمؤلف - وهو من هو - ان يتورط فى عوارها. لا سيما وانه من زمرة العلماء والعارفين، القادرين على التمام. وكثير من هذه الجوانب يتصل بمنهج الكتابة واسلوبها. ومن عقابيل النقص فى هذا المقام ان بعض النصوص التى يوردها المؤلف تبدو مرتبكة، حتى لا نقول مضللة، أقرب الى التخليط، بحيث انها ربما قادت الى تشويش القارئ وتغبيش وعيه، بتزويده بمفهومات ومعتقدات لا تواف الحقيقة، بل وتزيغ عن سككها. ثم إن المؤلف يتقاصر فى أحيانٍ كثيرة عن تجويد صناعته البحثية، بحيث يورد حيثياتٍ ضعيفة مترددة غير مكتملة التوثيق. مع ان المعلومات حول الوقائع المتصلة بها متوافرة فى متناول اليد، ومتاحة لطالبيها بغير كبير عناء. وسنعرض من خلال هذه الحلقة، ثم الحلقة التى تليها، لشئ من هذا كله فنلقى ببعض الضوء على صورٍ ونماذج للعلل القادحة التى عنيناها.

(2)

لم أقبل من المؤلف قوله، فى الصفحة 41 من الكتاب، فى صدد التعريض بالتجربة الديمقراطية الثانية وقذفها والتشكيك فى شرفها: (أقر الحزبان الكبيران الحائزان على الاغلبية أن يبدءا الفعل السياسى بامتهان الدستور وتقليل شأنه، بتعديله ليصبح اسماعيل الازهرى رئيساً مستديماً لمجلس السيادة. وكان مثل هذا التعديل هو أسوأ البدايات لنظام ديمقراطى ...). وكمحاضر وطالب فى القانون الدستورى والانظمة السياسية - وقد سلخت سنوات عزيزة من عمرى فى تدريس هذه المادة - وكأحد المهتمين بتاريخ السودان المعاصر، فقد شعرت بانزعاجٍ شديد امام الفقرة المتقدمة كما وردت فى الكتاب. ومن يطالع هذا النص ويقبل به يشترى بضاعة مغشوشة بغير ريب، فالضلال فى متنه يكاد ينطق بلسان!

كل من القى السمع وهو شهيد، من معاصرى تلك الحقبة ودارسيها، يعلم تمام العلم ان السودان اعتمد بعد سقوط حكم الفريق ابراهيم عبود عقب انتفاضة اكتوبر، نظاماً دستورياً مرتجلاً لتنظيم مؤسسة رئاسة الدولة، ورد التعبير عنه فى دستور 1964 المؤقت. وقد جاء تشكيل مجلس السيادة فى المادة العاشرة من ذلك الدستور، مطابقاً تماماً وبحذافيره لما ورد فى نص المادة  العاشرة أيضاً من دستور السودان المؤقت لعام 1956. ووفقاً لتلك النصوص فقد جرت الممارسة على اختيار خمسة اعضاء يشكلون معاً مجلس السيادة، ثم يكون تقلد الرئاسة وفق نظام دورى يصبح فيه كل واحد من الاعضاء الخمس رئيسا لفترة عام واحد. وقد جرى التواضع على هذا النظام المؤقت فى اطار الترتيبات الدستورية المتعجلة التى كانت طابعاً لمرحلة استقلال السودان، ثم عادت لتطبع الفترة اللاحقة لانتفاضة اكتوبر 1964. والذى لا خلاف عليه هو ان نظام الرئاسة الدورية كان نظاما انتقالياً طارئاً أملته ظروفٌ وعوامل متضافرة. وبالتالى فان تطور هذا النظام الدستورى باتجاه نظام اكثر ثباتاً وفاعلية واتساقاً مع الانظمة الديمقراطية العالمية المتعارفة كان أمراً متوقعاً ومطلوباً. و ربما كان الدافع الاساسى الذى يكمن وراء تكريس نظام الرئاسة الدورية للمجلس، بعد انتفاضة اكتوبر، يتمثل فى ان الشخصيات الوطنية التى وقع عليها الاختيار لعضوية المجلس لم تكن منتخبة، بل مختارة ومعينة، اذ لم تكن الانتخابات النيابية قد اجريت بعد. وبالتالى فان المنطق يقبل بوجود نظام دورى يتداول من خلاله الاعضاء رئاسة المجلس. أما بعد قيام الانتخابات النيابية، وحصول حزب الرئيس اسماعيل الازهرى على اغلبية معينة، فقد كان من الطبيعى والمنطقى ان يخطو السودان بنظامه الدستورى خطوةً جديدةً واثقة الى الامام، بحيث تكون رئاسة مجلس السيادة رئاسة دائمة لا مؤقتة، وذلك من صلب مقتضيات النظام النيابى الديمقراطى كما اسلفنا. النقلة هنا اذن نقلة دستورية، من نظام طارئ مؤقت الى نظام سيادى قانونى اكثر ثباتاً، يمثل التطور الدستورى السليم المعبر عن الارادة الشعبية كما تحققها الممارسة الديمقراطية الرشيدة. والحال كذلك فكيف يجوز وصف مثل هذا التطور بأنه "امتهان للدستور" و "أسوأ استهلال للديمقراطية"؟! سبحان الله. ما هذه التخاليط والخرابيط؟!

(3)

أزعجنى أيضا - من ذات زاوية التحقيق التاريخى - تحليل المؤلف لقضية دوائر الخريجين فى انتخابات الديمقراطية الثانية عام 1968، مقارنةً مع انتخابات الديمقراطية الثالثة التى جرت عقب انتفاضة ابريل 1985. استنكر اللواء قلندر مبادرة الفئة التى درج على نعتها بصفات مثل: "القوى اليمينية"، و "القوى الناهشة للديمقراطية"، على الغاء دوائر الخريجين فى دورة انتخابات 1968. واضاف فى صدد التفسير بأن غرض "القوى اليمينية" من وراء ذلك كان هو صد انطلاقة اليسار. ثم مضى صاحبنا خطوة واحدة الى الامام فكتب دون ان يطرف له جفن: (بيد ان دورة الزمان من بعد ذلك بعقدين جعلت نفس الذين رفضوا دوائر الخريجين، لعدم ديمقراطيتها، يسارعون باعادتها مرة اخرى عام 1985 لتكون النافذة التى دخلت قواهم من خلالها الى البرلمان). وهذا فى تقديرنا زعمٌ معتل، شديد الاختلال، ربما ألفنا صدوره عن المتعبّطين، الذين يتخطفون القول من هنا وهناك بغير علمٍ ولا هدى ولا كتابٍ منير، ولكنه لا يليق بالعلماء والمحققين وأهل التثبت المنهجى. وقد قيل فى التفرقة بين العلم والقول: (العلم هو الكلام يُرسل بدليله، والقول هو الكلام يُرسل بغير دليل).

القوى التى دخلت بأعداد مقدرة الى قبة البرلمان من خلال دوائر الخريجين، فى انتخابات ما بعد الانتفاضة الرجبية، هى القوى الاسلاموية المتمثلة فى حزب الجبهة الاسلامية القومية. وهم المتهمون بحسب دعوى قلندر بتصفية دوائر الخريجين فى العام 1968. ولكننا نعلم تماما  ان  الاسلاميين السودانيين لم يكن لهم وجود ذى بال فى الساحة العامة عند ستينات القرن العشرين، بحيث يكون لهم الضلع الأكبر فى تصفية دوائر الخريجين وحذفها، بل انهم كانوا - فى واقع الامر - جماعة هامشية هشة ومحدودة من حيث الفعل والأثر السياسى (لا عبرة بابتدار الاسلامويين للتظاهرات المنادية بحل الحزب الشيوعى عام 1965، فلولاً ان تلك كانت رغبة الزعيم الازهرى وآزرته فيها قيادة حزب الامة لما حل الحزب ولا طرد نوابه من البرلمان). ثم ان الحزب  الاسلاموى بمسمياته المتعددة تحت قيادته الترابية كان عبر تاريخه السياسى ينظر الى نفسه كقوة حديثة، لا قوة تقليدية، ومن هنا فقد كانت محاضنها الاساسية فى الجامعات والمعاهد والمدارس. والابقاء على دوائر الخريجين، من الوجهة الواقعية، ربما يخدم بغير شك اغراض ذلك التنظيم على المدى البعيد. وفى المرة الوحيدة التى دخل فيها قائد ذلك التنظيم الاسلاموى، الدكتور حسن الترابى ، البرلمان عبر انتخابات حقيقية حرة مباشرة، وذلك فى العام 1965 فانه لم ير مقعده من البرلمان الا عبر دوائر الخريجين، حيث جاء اسمه على رأس قائمة الفائزين فيها. ولكنه عندما خاض الانتخابات التالية، فى دائرة المسيد الجغرافية، مضطراً بعد الغاء دوائر الخريجين، فانه خسرها خسارة مزلزلة فادحة، امام القطب الاتحادى الراحل الحاج مضوى محمد احمد. واتهام الاسلامويين بأنهم وراء الالغاء لا يصف الحقيقة بطبيعة الحال، والثابت هو ان الالغاء تم على يد الحزبين التقليديين الكبيرين الامة والاتحادى، وليس الاخوان المسلمين.

ولكن من اين اتى صاحبنا بمقولته التى ذهب فيها الى ان الاسلامويين (الذين رفضوا دوائر الخريجين عام    1968 لعدم ديمقراطيتها يسارعون باعادتها مرة اخرى عام 1985)؟! والاجابة بكل بساطة انه لم يكلف نفسه فى هذا الامر رهقا، فهو يشترى هنا البضاعة المعروضة فى السوق. وهي بضاعة منتشرة جداً ومتوافرة بكثافة فى كل الدكاكين السياسية السودانية، سواء فى العالم الواقعى على الارض، او العالم الافتراضى على الانترنت. الاسطورة الرائجة تقول ان ادخال واعتماد دوائر الخريجين فى انتخابات  ما بعد ان انتفاضة 1985 هو فى الاساس من تخطيط وتصميم حزب الجبهة الاسلامية القومية بالتواطؤ مع المجلس العسكرى الانتقالى الذى كان على رأسه الفريق عبد الرحمن سوار الدهب، ورئيس الوزراء الدكتور الجزولى دفع الله، المعروف بارتباطات سابقة مع اهل المعسكر الاسلاموى. وفى تقديرى فان العامل الاساسى وراء وفرة هذه البضاعة فى السوق السياسى هو انها اتاحت للاحزاب اليسارية والقوى العلمانية اجمالاً مخرجاً معنوياً مجانياً من حالة الاحباط التى أصابتها فى مقتل عقب ظهور نتائج الانتخابات الديمقراطية، التى وضعت حزب الجبهة الاسلامية فى موازاة اعرق الاحزاب السودانية، الحزب الاتحادى الديمقراطى، من حيث عدد المقاعد البرلمانية تقريباً، بينما وجدت القوى اليسارية والعلمانية انها قبضت الهواء، وان حصيلتها من التفويض الشعبى اقتربت فعلياً من الصفر!

(4)

ماهى قصة دوائر الخريجين فى انتخابات 1986؟! التاريخ المرصود والمدون يقول ان حكومة الانتفاضة، فى اطار دورها المرسوم بواسطة التجمع النقابى والتجمع الوطنى لانقاذ الوطن، قامت بتشكيل لجنة عليا لمراجعة قانون للانتخابات، اختارت لقيادتها السياسى الجنوبى المحنك الراحل صمويل أرو، نائب رئيس الوزراء ووزير الرى آنذاك. وقد ضمت تلك اللجنة فى عضويتها وزير الاشغال العامة الدكتور امين مكى مدنى، وزير الدفاع العميد عثمان عبد الله، والنائب العام الاستاذ عمر عبد العاطى وآخرين. وقد كان الدينامو المحرك لهذه اللجنة هو الدكتور امين مكى مدنى. وعندما فرغت تلك اللجنة من عملها انبثقت منها لجنة اخرى ترأسها الدكتور امين مكى مدنى نفسه كانت تحمل مسمى (لجنة تقصى وجهات نظر القوى السياسية حول مشروع قانون الانتخابات). وقد قامت تلك اللجنة بتوزيع مشروع قانون الانتخابات على جميع الاحزاب والتنظيمات النقابية المكونة للتجمع الوطنى لانقاذ الوطن، بالاضافة للقوى السياسية الاخرى، خارج مظلة التجمع، مثل حزب الجبهة الاسلامية القومية. ثم شرعت اللجنة فى عقد سلسلة لقاءات مطولة مع ممثلى جميع الاحزاب والنقابات، فاستمعت الى وجهات نظر كل حزب وتنظيم حول مشروع القانون. ومن المهم ان نسجل هنا ان كل هذه الاحزاب والتنظيمات، بما فيها الحزب الشيوعى السودانى والجبهة الاسلامية القومية، قدمت نسخاً مدونة فصلت فيه وجهات نظرها تلك حول القانون. وجميع هذه الوثائق والمدونات مؤرشفة وموجودة فى الحفظ والصون. هل تصدقنى، أعزك الله، لو قلت لك انه باستثناء الحزب الاتحادى الديمقراطى الذى تقدم ممثلوه، بقيادة الراحل ابراهيم حمد، للجنة بمذكرة مكتوبة ينقل فيها عدم موافقته على فكرة تخصيص دوائر للخريجين، فان حزباً واحداً، او تنظيماً واحداً آخر، لم يعترض على تخصيص تلك الدوائر فى قانون الانتخابات، باستثناء حزب الجبهة القومية الاسلامية؟!

أى والله! أعلن ممثلو الجبهة الاسلامية القومية، أمام لجنة تقصى وجهات نظر القوى السياسية حول مشروع قانون الانتخابات، ان خيار حزبهم الاساسى هو الانتخابات على نظام الدوائر الجغرافية، وهم يطالبون بأن تقوم الانتخابات على هذا الاساس فقط. وعند فتح المناقشات اوضح بعض اعضاء اللجنة لممثلى الحزب الاسلاموى ان هناك اتجاهاً قوياً وسط قوى الانتفاضة لتمثيل القوى الحديثة وان بعض الاحزاب التقليدية، مثل حزب الامة، لا يرفض تمثيل القوى الحديثة من حيث المبدأ، ثم توجهوا اليهم بالسؤال: ماذا لو انعقد ما يشبه الاجماع على تمثيل القوى الحديثة؟ اى صيغة تفضلون؟ وكانت هناك صيغ ونسب متعددة، شديدة التعقيد، مطروحة على طاولة البحث تتراوح بين نسبة تمثيل تصل الى خمس واربعين فى المائة (مقترح التجمع النقابى) وعشرة فى المائة، اقترحتها احزاب اخرى. وذلك بالاضافة الى صيغة ثالثة، كان قد تقدم بها الحزب الذى كان قد انشأه الاستاذ على محمود حسنين باسم الحزب الوطنى الاتحادى، تمنح القوى الحديثة خمسين فى المائة من المقاعد. وهنا كان قرار ممثلو الجبهة الاسلامية، هى انهم يختارون الصيغة التى تحجّم اى تمثيل غير جغرافى الى ادنى حدوده، ومن هنا كان اختيارهم لصيغة دوائر الخريجين التى تقتصر على 10% فقط من المقاعد. وفى تقديرى الخاص، ثم من قراءاتى للأدبيات التى أتاحها، خلال العقد المنصرم، عدد من الذين عنوا بالكتابة عن سياسات وبرامج وممارسات الجبهة الاسلامية القومية من بين أعضاء ذلك التنظيم، فأن المخططين الاستراتيجيين للحملة الانتخابية للحركة الاسلامية فى انتخابات 1986 كانوا يخشون فى الاساس من تضاؤل كسبهم فى القطاع الحديث اجمالاً بسبب اتساع نطاق النظرة السلبية بين صفوف المتعلمين وغضبتهم والميل الواسع بين هؤلاء الى تحميل الحركة الاسلاموية مسئولية إطالة عمر نظام النميرى والوقوف ضد ارادة التغيير الديمقراطى. ومن هنا فقد كان التعويل الاكبر على الدوائر الجغرافية حيث يمكن توظيف الموارد المادية والبشرية فى التأثير على عامة الناخبين بصورة اكثر فاعلية.

(5)

كيف تم اتخاذ القرار بتخصيص واعتماد دوائر الخريجين فى انتخابات 1986؟ أناط دستور 1985 الانتقالى السلطة التشريعية بكيان مشترك يجمع بين المجلس العسكرى الانتقالى ومجلس الوزراء. وعند عرض مشروع قانون الانتخابات لمناقشته واجازته فى صورته النهائية عقد المجلسان اجتماعاً مشتركاً بالقصر الجمهورى. وقد وقف حمار المجلسين يومها عند عقبة تمثيل القوى الحديثة والخريجين والصيغ والنسب المتعددة المطروحة. لم يستطع اى شخص فى ذلك الاجتماع ان يقدم دفاعاً منطقياً عن الصيغ غير الواقعية، الأقرب الى الخيال، التى اقترحها التجمع النقابى، مثل تخصيص 45% فى المائة من مقاعد البرلمان للنقابات. وكحل وسط، وفى غياب بدائل معقولة، انتهى الاجتماع الى تغليب خيار دوائر الخريجين، بالنظر الى وجود سابقة تاريخية لمثل هذا النوع من الممارسة الانتخابية فى السودان. وتهمنا هنا الاشارة الى ان عدداً من اعضاء مجلس الوزراء، الذين اختارهم لمناصبهم التجمع النقابى قاموا هم ايضاً بالتصويت الى جانب مقترح دوائر الخريجين.  أما رئيس وزراء الانتفاضة، الدكتور الجزولى دفع الله، الذى ما تزال الاقاويل المجانية تحدق به وبموقفه من قانون الانتخابات، وتتهمه بالتواطؤ مع حزب الجبهة الاسلامية لتمرير مخططاتها المزعومة، فقد كان امره عجبا. كان للدكتور الجزولى دفع الله بازاء الأمر موقف مبدئى وهو ان الديمقراطية عند الممارسة الانتخابية معناها صوت واحد لكل مواطن، وان اى تحوير لهذا المبدأ يثير الشكوك فى حقيقة الديمقراطية وتمامها. ومن هذا المنطلق لم يوافق الرجل على فكرة دوائر الخريجين التى تميز بعض المواطنين، تأسيساً على مستوى التعليم الاكاديمى، فتمنحهم صوتين، بينما ينال عامة الناس صوتاً واحداً لكل فرد.

كانت المفاجأة ان الدكتور الجزولى ذكر امام ذلك الاجتماع التاريخى ان افضل مقترح اطلع عليه ضمن مقترحات كل الاحزاب والتنظيمات والقوى السياسية هو المقترح المقدم من الاستاذ على محمود حسنين رئيس الحزب الوطنى الاتحادى، من حيث انه يحقق تمثيل القوى الحديثة فعلياً، كما انه فى ذات الوقت يحل المعضلة الحقوقية الدستورية المبدئية، المتمثلة فى التمييز بين المواطنين، على اساس مستوى التعليم، حلاً ناجعاً حاسماً. أما مقترح الاستاذ على محمود حسنين فقد تمثل فى ان يكون لكل مواطن سودانى صوتان بدلاً عن صوت واحد، وان يدلى كل مواطن بصوته الاول فى دائرة جغرافية، بينما يدلى بالصوت الآخر فى دائرة للقوى الحديثة او الخريجين. وكان التعب العقلى والارهاق الجسمانى قد بلغ بالضباط والوزراء مبلغاً لم يكونوا معه فى حالة تسمح بالنظر فى مثل هذه المقترحات الكبرى فلم يحرك احد ساكنه. وما هى الا هنيهة بعد ذلك الا وقد نودى على الحاضرين للتصويت على المقترح الوحيد الذى يقف على ساقيه، وهو تخصيص دوائر للخريجين بنسبة لا تتجاوز 10% من مقاعد البرلمان. وقد تمت عملية التصويت برفع الايدى، والموافقة بالاغلبية البسيطة على تثبيت دوائر الخريجين. ولا تراود كاتب هذه الكلمات ذرة شك فى ان صدور قرار اعتماد نظام دوائر الخريجين كان نتيجة منطقية وحتمية لاصرار فريق واسع من القوى الممثلة فى التجمع الوطنى لانقاذ الوطن، وبصفة خاصة قوى التجمع النقابى آنذاك على تمثيل النقابات والقطاعات الحديثة والمتعلمين، وفشلها فى ذات الوقت فى طرح وتسويق بدائل عملية لانفاذ ذلك المطلب.

 وربما كان من المهم ان نسجل هنا ان الدكتور الجزولى دفع الله، لم يشارك فى ذلك التصويت، بل انه امتنع عن التصويت فعلياً، اذ غادر القاعة وانتظر خارجها حتى اكتملت عملية التصويت، ثم عاد ليواصل الاجتماع. ولعل ذلك الموقف يعبر عن عدم رضا الرجل عن المسار الذى اتخذه وانتهى اليه قانون الانتخابات، او الارتباك العقلى الذى ربما كان قد اصابه فاستعصى عليه التوفيق فى التوصل الى رأى نهائى يستقر عليه ضميره ويطمئن وجدانه. ولكن التفسير القويم والقاطع لذلك الموقف المدهش ليس عندنا، بل عند الدكتور الجزولى وحده، فهو موقفه، وهو الوحيد القادر على تفسيره!

(6)

هذا هو ما كان من امر اسطورة دوائر الخريجين فى انتخابات 1986، ونظريات المؤامرة المنسوجة حولها نسجاً متيناً احكمت فتلاته من كل انواع القطن السودانى طويل التيلة. وذلك ما كان من شأن التخاليط والبدع التى ظلت تحيط بها، على مدى ربع القرن المنصرم، خدمةً لأجندةٍ خائبة. وما أخيب الاجندة التى تضلل الناس، وتغبش الوعى بحقائق التاريخ، ستراً للسوءات ولواذاً من مواجهة الذات. وقد غمس اللواء قلندر قلمه فى محابر تلك النظريات التآمرية المتنطعة، واغترف من مدادها بغير حساب، ثم خاض مع الخائضين. غفر الله له، ولنا جميعاً، وجعلنا من عباده المتقين، الصديقين، المتواصين بالحق، والهمنا رشدنا، ووقانا شرور انفسنا، وتقبل عنا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا، انه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء.

[ نواصل ].

 

نقلاً عن صحيفة " الاحداث" - 13/10/2010


مقالات سابقة بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 مايو 2010 الى 05 سبتمبر 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 14 سبتمبر 2009 الى 14 مايو 2010
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 16 ابريل 2009 الى 14 سبتمبر 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات من 24 نوفمبر 2008 الى 16 ابريل 2009
ارشيف الاخبار ,البيانات , مقالات و تحليلات 2007

© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

Latest News
  • Sudan's Abyei region awash with arms and anger
  • Military Helicopter Crash Kills Five in Darfur, Sudan Army Says
  • SUDAN: Lack of justice "entrenching impunity" in Darfur
  • The National Agency for Securing and Financing national Exports pays due attention to Nonpetroleum Exports
  • Vice President of the Republic to witness the launching of the cultural season in Khartoum state
  • Youth creative activities to be launched under the blessing of the president, Tuesday
  • Sudan's gold rush lures thousands to remote areas
  • South Sudan faces precarious start
  • Aid workers taken hostage in Darfur freed: U.N.
  • 19 People Killed In Clashes In Sudan's South Kordofan State
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Thursday the 14th of April 2011
  • Minister review with Indonesian delegation Sudanese Indonesian petroleum cooperation
  • Bio-fuel experimental production launched in Sudan
  • Center for Middle East and Africa's Studies organizes a symposium on intelligence activities in Sudan
  • South Sudan Activists Say : Women Need Bigger Role
  • 'One dead' as army helicopter crashes in Khartoum
  • Vice President receives new Algerian ambassador the Sudan
  • A training military plane crashes killing one of the three crew on board
  • Headlines of major daily papers issued in Khartoum today Wednesday the 13th of April 2011
  • Minister of Defense announces some precautious measures to secure Port Sudan
  • Industry Minister Meets Ambassadors of Central Africa, South African Republic
  • Sudan has 'irrefutable proof' Israel behind air strike
  • Taha Affirms Government Concern over Youth Issues
  • Headlines of major news papers issued in Khartoum today Monday the 11th of April 2011
  • NCP: statements by the US Secretary of State and the new envoy an attempt to justify the American hostility
  • Two Sudan papers stop publishing, protest censorship
  • Helicopters, tanks deployed in volatile Sudan area
  • State minister at the ministry of oil meets the delegation of the Gulf company for metal industries
  • Headlines of major daily news papers issued in Khartoum today Sunday the 10th of April 2011
  • Ministry of Foreign Affairs: Sudan possess solid proof of Israeli involvement in the aggression on the country
  • Defense Minister visits Port-Sudan
  • Somali pirates hijack German vessel
  • Family denies assassination of key Hamas figure in Sudan
  • President Al-Bashirr, First VP Kiir Agree to Implement Agreement on Security Situation in Abyei as of Friday
  • DUP Denounces Israeli air strike on Port Sudan Vehicle
  • SBA Calls for especial Economic Relations with South Sudan State
  • Sudan-Brazil Sign Animal Wealth Protocol
  • Netanyahu vague on Sudan strike
  • seven Killed In New Clashes In South Sudan
  • Sudan's government crushed protests by embracing Internet
  • Hamas official targeted in Sudan attack, Palestinians say
  • بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل
  • عن خيبة المحصول الاسلاموى وبواره...الشرائع والذرائع: سمسم القضارف وشريعتها/مصطفى عبد العزيز البطل
  • بيني وبين جهاز الأمن والمخابرات/مصطفى عبد العزيز البطل
  • مرحباً برئيسنا الجديد جمال مبارك/مصطفى عبد العزيز البطل
  • حديث الزوجات الخطرات: زوجة سلفا كير/مصطفى عبد العزيز البطل
  • الشوش- منصور خالد وبالعكس/مصطفى عبد العزيز البطل
  • حسنين والميرغنى والجبهة العريضة لاسقاط النظام/مصطفى عبد العزيز البطل
  • أمريكا شيكا بيكا: الانفصال والهاجس الامريكى!/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (4-4)./مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (3)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (2)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • سنوات النميري: الصياغة القلندرية للتاريخ (1)/مصطفى عبد العزيز البطل
  • السقوط من النظر: محاولة للتنظير! مصطفى عبد العزيز البطل
  • عادل حمودة والسودان.. والمهلّبية!/مصطفى عبد العزيز البطل