صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


لكِ يا ديمقراطية في القلوب (منازل)!/فتحي الضّـو
Nov 25, 2008, 03:55

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

لكِ يا ديمقراطية في القلوب (منازل)!

 

فتحي الضّـو

 

(1)

كان الرابع من نوفمبر الماضي يوماً متميزاً وحافلاً، سجله التاريخ ليس على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها وإنما على مستوى العالم كله، وذلك وفق ما صدر من ردود أفعال مكثفة تداعت بجميع لغات العالم احتفاءً بالحدث الفريد. جاء ذلك في ختام متابعات حثيثة امتد (ماراثونها) لقرابة العامين دون كلل أو ملل، سباق تداخلت فيه كل عناصر التشويق والاثارة والمتعة السياسية التي جعلت من الكون كله كأنما اصبح دائرة انتخابية واحدة، ولهذا حق لنا أن نُسميه في يوم فوزه بـ (الرئيس الكوني) أو العالمي، وهي تسمية اتسقت كذلك - بطبيعة الحال - مع الشعار الجذَّاب (الأمل والتغيير) Hope & Change  والذي أطلقه وخاض به (المعركة) الانتخابية نظرياً، ويُرجَى بعد تنصيبه رسمياً في منتصف يناير القادم تطبيقه عملياً على أرض الواقع، سواء على مستوى بلاده أو على مستوى البلدان التي ترتبط مصالحها بمصالح بلاده، وكنت قد كتبت له رسالة قبل نحو شهر من اليوم الموعود، وتحديداً في اوائل اكتوبر الماضي، قلت له فيها (أنه لا يخالجني أدني شك في أن ثمة رد ما سيصلني على هذه الرسالة، وغالب الظن سيكون من احد مساعديك العاملين معك في الحملة الانتخابية، واتفهم ذلك جيداً بالنظر لمشاغلك الكثيرة والمتعددة، ولكنني أتمني أن تطلع و ترد عليها بنفسك إن رأيت فيها ما يستحق ذلك العناء، وسمح وقتك بالطبع) وبالفعل وصلني الرد الذي تأملته أو توقعته – سيان - والذي استهله بشكري والتأكيد على أنه اطلع على الرسالة بنفسه وقال إنه تمعَّن محتواها (بخاصة المفارقة التي تؤكد بالفعل أن الشعار المطروح توءام مع تاريخك الشخصي) واقع الأمر إن تاريخي الشخصي المذكور لا مجال فيه لادعاء بطولة، بقدر ما أرى إنها خطىً كتبت علىّ ومشيتها كما مشى هو مثيلتها برضى وقناعة كاملة، بيد أن المفارقة المشار إليها في ذلك التاريخ الشخصي تمثلت في أنني أبلغ من العمر الآن ثلاثة وخمسون عاماً، قضيت اكثر من نصفها هائماً (من منفي لمنفي) بحثاً عن وطن ضائع بين العواصم، وأحمد الله كثيراً طيلة هذه الفترة على أنه ثبَّت قلبي وعقلي على الفريضة الغائبة في اجندة هذا الوطن، فلم أَمِلُّ الكتابة عن الديمقراطية والحريات الأساسية وكل حقوق الانسان المعروفة، دونما اكتراث بالعنت الكبير و الشر المستطير الذي أصابني جراء ما اعتبرته دين مستحق، وهو الدين الذي لا ازايد به على أحد ولا أمِنُّ به على وطن، وعلى الرغم من كل ذلك لم يقيض الله لي أن اطبق عملياً ما ظللت أنادي به نظرياً طوال عمري، وخشيت أن يختارني الله إلى جواره من قبل أن أمارس هذا الحق الانساني الأصيل، وقلت له في الرسالة شاء قدري أن يتحقق (الأمل) الآن واصنع (التغيير) المنشود لنفسي كأنني كوفئت على صبري، وعبرت له عن سعادتي في خاتمة الرسالة وقلت بوسعي الآن أن أساهم في صناعة تاريخ أراه يتشكل أمام عيني، ولهذا استأذنته في أن اخاطبه مبكراً بـ (السيد الرئيس باراك حسين اوباما) وقلت له اتحرق شوقاً في أن أزورك في البيت الأبيض لأقدم لك التهنئة الخالصة، ولأهنىء نفسي بالذي تاقت له طويلاً، وأهنىء البشرية بأكبر أحداث الألفية الثالثة على الأطلاق!

(2)

في البداية حرى بي القول إن محنتي تمثل محنة جيل كامل في السودان، تقاذفته الديكتاتوريات يميناً ويساراً وحرمته من ابسط حقوقه الانسانية، فالذين هم في مثل عمري هذا لم يتح لهم بحكم السن أن يدلو بأصواتهم في الانتخابات الديمقراطية الثانية في العام 1965 وعلى مدى عمرهم الذي تجاوز النصف قرن لم يشهدوا سوى انتخابات ديمقراطية يتيمة، وهي التي جرت في العام 1986 والتي كان بامكاني أن ادلو فيها بصوتي، ولكن للأسف الشديد فلقد فاتني ذلك الشرف العظيم لأنني غادرت الكويت يومذاك - حيث كنت أقيم - موفداً في مهمة صحفية في العراق، وهناك تعذَّر علىّ معانقة صندوق الانتخابات أو عشقي السرمدي كما اسميه، ولم يكن ثمة بدٌ من الاستمرار في صيامي القسري ممنياً النفس بانتفاضة تمناه السودانيون الشرفاء طيلة العقدين الماضيين! لكن هانت علىّ مصيبتي بعد أن علمت بمصيبة غيري، ففي سياق اخبار مفارقات أهل السودان حدثني صديقنا أمين بشير فلين المقيم جوارنا في (بافلو) والقيادي في الحزب القومي السوداني، والذي تبوأ منصباً وزارياً في الديمقراطية الثالثة المؤودة، قال لي إنه رغم صيت الوزارة وهيلامانها إلا أنه لم ينل شرف التصويت في انتخاباتها الديمقراطية لاسباب تختلف جملة وتفصيلاً عن اسبابي المذكورة، ذلك ببساطة لأنه لم يسجل اسمه في القوائم التي تحصر المقترعين كما أكد لي، وقلت له ولماذا لم تسجل اسمك؟ قال لأنه لم يكن يعتقد أنه سيدلي بصوته لاعتبارات سياسية، ثم زاد دهشتي باعاً آخراً بقوله: بل لم أكن أظن انني ساصبح وزيراً في الأصل!

(3)

في يوم الرابع من نوفمبر التاريخي تنازعتني مشاعر شتى، فقد تهيأت أولاً كما يتهيأ أي محب ذاب عشقاً ووجداً وهياماً ويزمع مقابلة محبوبته للمرة الأولي، ثم بعد حين أحسست كأنني طفل صغير وعده ابويه بمكافأة كبيرة إن انجز شيئاً مطلوباً على وجه الدقة، ولكن عندما خطوت بضع خطوات في المبني المخصص للعملية الانتخابية تقمَّصني احساس الفارس المنتصر الذي دخل مدينة حاصرها طويلاً، وكدت أن اتبختر وارقص طرباً في بهو الصالة الواسعه على أنغام موسيقي أخالها تطرق أذني بعنف، ولكن بغتةً داهمتني النفس اللوامة وكادت أن تفسد علىّ بهجة يومي ذاك، عاتبتني على فرحي في انجاز لم اقدم فيه تضحية توازي سعادتي كما ذكرت، وقالت لي إنك لم تخرج في مظاهرة تلو المظاهرة للمطالبة بهذه الحقوق الديمقراطية، واضافت أنني لم اقم بعصيان مدني ولم ألب نداء النضال المسلح حينما دعا الداعي، ثم زادت بالوجه الآخر وقالت لي أنني لم اتضرر حتى أشعر بقيمة ما أحاول أن استظل بظله، أي أنني لم أزر (بيوت الأشباح) ولم أُعتقل أو أُسجن أو أُفصل تعسفياً، بل لم أُقاد قسراً لساحات الفداء بدعوي الجهاد، بدليل انني ما زلت حياً يرزق! فلماذا كل هذا الفرح، أليس الأجدر أن تتوارى خجلاً؟ تمنيت لو أنني لم أصغ السمع لذلك الصوت التشاؤمي الذي ذكرني بناعق العصبة أولي البأس في جاهليتها الأولي، فزجرته وقلت له رحم الله الآباء المؤسسون Founding Fathers فلمثل هذا اليوم كانوا يعملون!

(4)

ايقظني من هواجسي تلك صوت زوجتي (وداد) وبنتيَّ الكبيرتين (رنا ورؤي) الذين عاتبوني على اسراعي الخطي ولاموني على الخطوات (العسكرية) التي قالوا أنني كنت أسير بها جزلاً. فإعتذرت لهم وذهب اربعتنا في خطى وئيدة نحو المكان المخصص لفرز الأسماء التي يحق لها التصويت، فنهضت من خلف الطاولة احدى الحسان التي يتلاءم وجهها وجلال المناسبة، راجعت معنا البيانات الأولية المطلوبة في ثوانٍ ثم تأكدت من هوياتنا وقبل أن تشير بالذي ينبغي علينا فعله، قلت لها وأنا احاول أن أداري ارتباك اجتاح كياني، مثلما حاولت في الوقت نفسه أن اخفي خجلاً من عار لم أصنعه بيدي... لدي سؤال يا سيدتي:  

     - هل لك أن تدلينا علي كيفية ممارسة التصويت، فهذه هي المرة الأولي بالنسبة لنا؟

تورد خداها وبرقت عيناها واتسعت ابتسامتها، فافترت عن بردٍ يكاد بياضه يجهر الأبصار، وتدفق الحديث منثالاً عبر عُناب كأنه يستجدي قطافه من ناظره، وقالت بسعادة دون تكلف بالتأكيد، ولكن قل لي هل تريدون التصويت الالكتروني أم اليدوي أي بواسطة الورقة والقلم... ذلك سؤال رغم بساطته كان كحجارة سجيل أُلقيت على رأسي بلا رحمة... فحاورت نفسي نفسي:

-         دع التكنلوجيا الآن وادخرها لشىء آخر، فهذه اللحظة لا تحتمل المخاطرة، هب يا رجل أن النور قطع (فجأة) وضاع صوتك في اكباد الجهاز العجيب...

-         هل هذا جهل أم سذاجة هل جننت اتراهم لم يتحسبوا لشىء مثل هذا، يبدو انك لم تتخلص بعد من امراض العصبة أولي البأس، حدثني عن كهرباء قطعت (فجأة) وعادت (فجأة) منذ أن وطأت قدماك هذه الأرض، عندما حدث ذلك في مرات نادرة ألم تر رسالة بريدية وصلتك قبل فترة طويلة تقول لك أنه في يوم كذا الساعة كذا سوف نقلق راحتك لمدة كذا دقيقة لاجراء صيانة ويرجونك أن تحتاط لذلك، ثم يكررون لك التنبيه والاعتذارات بطرق شتى لأنهم يعلمون أنك صاحب حق تدفع ضريبتك وتنتظرها خدمات.

-         هب أنك استخدمت الورقة والقلم وجاء احد أصحاب الولاء ممن يرسلون أذقانهم إلى صدورهم وهم مقمحون، وخطف ذلك الصندوق أو قل اعمل فيه يده المتوضئه تقطيعاً وتلصيقاً وتزويراً فما الذي ستفعله؟

لم تجبنِ يا سيد...أي الوسيلتين تريد، جاءني صوت الفتاة الحسناء التي كانت تنتظر اجابتي قبل أن يتشابه علىّ البقر وتأخذني تلك الهواجس بعيداً عنها، فقلت لها قطعاً لدابر تلك الدوامة أريد التصويت اليدوى، وتمتمت بشىء لم تسمعه وقلت محدثاً نفسي... نعم أريد أن أشتم رائحة الحبر والورق، بل أريد أن اسمع خشخشة القلم على الورق لأشنف بها اذني!

(5)

زودتني بالقائمة وإنزوي كل منَّا في الجزء المخصص للتصويت، وايضاً لا مجال للخطأ فثمة ملصقات تقبع امامك في لوح محفوظ تشرح كل صغيرة وكبيرة، فبدأت أقرأ – بلا ريث ولا عجل - في الاسماء والمعلومات الملحقة بالقائمة عن كل مرشح من ناحية هويته السياسية، واكتشفت أن عملية التصويت ليس لمرشحي الرئاسة وحدهما، إذ أن هناك مرشحون آخرون لربما لاسباب وزنهم أو الامكانات المادية لا تذكرهم اجهزة الاعلام إلا لماماً ومنهم جماعة (حزب الخُضُر) واكتشفت ايضاً أن التصويت يشمل اكثر من عشر انتخابات أخري وكلها جمعت في وعاء واحد، فأنت أيضاً يمكنك أن تدلي بصوتك لمرشحي مجلس النواب (الكونجرس) وهي تتم كل عامين، وكذلك هناك منافسات في مجالس المدينة والمحاكم والمقاطعات وهلمجرا، قلت لنفسي يا للهنا كأن الظروف ارادت أن تعوضني حرمان السنين الماضية، وبعد أن مارست كل متعة وحميمية ممكنة مع الورق والقلم والديمقراطية غادرت المقسم الصغير واتجهت حيث يجلس هادئاً رجل تجاوز عمره العقد السابع وتبدو البهجة على سيمائه من أثر ادمانه الممارسة الديمقراطية، يشير عليك بيده نحو الماكينة التي صممت خصيصاً لادخال بطاقتك الانتخابية فيها، وامعاناً في الدقة يقول لك أن الماكينة ستردها لك إن اشتمت فيها رائحة خطأ، وفي نفس الوقت لن تراها عيناك مرة ثانية إن كانت صحيحة، وهو اجراء يبعد شبح أي تزوير إن كنت من المرتابين أوالمتوجسين، وبعد ذلك أعطاني الرجل ملصق صغير Sticker وقال لي ضعه على صدرك زينة للناظرين، أو في أي مكان آخر إن شئت، ويقول الملصق (أنا صوَّت اليوم)I voted today  فأنظر يا صاحبي كيف يحق للناس أن يتبختروا كما تبختر (أبو دجانة) ذات يوم، وعلاوة على الفخر والمباهاة بذاك الملصق، فالمعلوم ايضاً أن ثمة أماكن مخصصة للأكل والشرب تمنحك خصماً خاصاً أو مشروباً مجانياً بمجرد رؤيتهم ذلك الملصق السحري، فتأمل يا صاحبي من ثقافة لا تكتفي بالتشجيع على الفعل، انما تبذل كل ما في وسعها لتجعله في ضرورة الماء والهواء!

(6)

في المساء المفعم بكل مشاعر الود والزهو والاعتزاز، وأنا ما زلت مشحوناً بايقاعات عيدي الخاص، ارتديت كامل حُلتي وتيممت قلب المدينة (شيكاغو) فقد كنا على موعد مع سناتور الولاية مرشح الرئاسة باراك اوباما في الميدان الكبير Grand Park حيث توافد الخلق من كل فج عميق، فقصدت أولاً مكاناً خصص للوسائل الاعلامية المتعددة، إذ أن صديقي الاريتري سناي أبراها أو فتحي أبراها في نسخته الأصلية المسودنة (فهو ولد وترعرع في السودان ويعمل الآن في قناة الجزيرة الانجليزية) كان قد ضرب لي عدة مواعيد مع وسائل اعلامية مختلفة، منها قناة الجزيرة وقناة الحرة وهيئة الاذاعة البريطانية (البي بي سي) وراديو مونتي كارلو، وقد تحدثت لهم جميعاً وفيهم من استهوته حداثة عهدي بالانتخابات فرأي فيها مادة جديرة بالاثارة، أو الخبر الذي عضّ فيه مواطن كلباً كما نقول في لغة الاعلام، ومن جانبي كنت سعيداً في التركيز على أنني ساهمت في صناعة تاريخ جديد، وبين الفينة والأخري كنت أمتع ناظري بالحشود التي بدأت تتوافد كيوم الحشر إلى الميدان الفسيح المطل على بحيرة متشيجان اكبر البحيرات الخمس، وقُدر الحضور بنحو مليوني شخص، ويا للمفارقة لم أسمع أو أقرأ قبلها وسيلة اعلامية تقول (غداً ستخرج مظاهرة مليونية حاشدة) في ذاك اليوم احاط بالميدان اكثر من خمسة آلاف شرطي، كانت مهمتهم بذل أقصى جهد لاخراج الحدث في ثوب بهيج يليق بعظمة المناسبة، أما المواطنون أنفسهم الذين جاءوا من كل ارجاء المدينة وخارجها فقد اجتهد الكثيرون منهم في لفت الانظار بشتي الوسائل العجيبة والغريبة، وبالطبع لن أعيد وقائع الهستيريا التي انتابت غالبيتهم لحظة أطل الرئيس أوباما ليخاطبهم، كان الحدث مؤثراً فقد اختلطت فيه الدموع بالآهات المكبوته بالفرح الجامح بالفخر المتوثب، يشعر المرء أن الزمن توقف برهةً لتسجيل وقائع تاريخية سيشع نورها حتماً على البشرية كلها بملياراتها الستة، وبالفعل كان الخطاب الذي ألقاه أوباما خطاباً تاريخياً ضافياً، وكنت قد تمنيت في قرارة نفسي أن تقذف بي تلك الجموع الحاشدة وترمى بي بالقرب من المنصة التي يتحدث منها حتى أقول له أنظر يا سيدي أنا من تنبأ بهذه اللحظة الحاسمة في تاريخ البشرية، ثم غادرت الميدان وتركت خلفي أمواج من البشر تواصل سهرها حتى مطلع الفجر!

(7)

استقليت (المترو) في رحلة العودة ليلاً إلى منزلي غرب المدينة الصاخبة، ثم اطلقت العنان لخيالي الذي تداعت عليه صور ورؤى مكثفة طيلة الزمن المخصص للوصول، ثم وجدت نفسي أيضاً أدور في دوامة اسئلة لولبية بتركيز حول محور يقول لي أن (التغيير) الذي حدث ما كان له أن يحدث لولا المزاوجة التي تمت بين التاريخ والجغرافيا؟ ثم تأملت سيرتي التي أطل منها ظاهرها وما زال باطنها يرنو إلىّ منتظراً الافراج عنه، قلت لنفسي صحيح أنها رحلة طويلة وشاقة زادها المعاناة بشتى صنوفها، ولكن ما أعجبك أيها الانسان فسرعان ما ترمي بكل موبقات الزمن الآثم خلف ظهرك وتخرج للملأ كأنما ولدتك أمك للتو واللحظة! لا علينا هذه لحظات للتأمل ولكن ليس التأمل الذي يفضي إلى فلسفة الأشياء طالما أن للأرقام دوماً مفارقاتها التي تشحذ الذهن. أنظر يا سيدي بعد نحو خمسة سنوات وتسعة اشهر بالتمام والكمال حصلت على الجنسية الأمريكية في شهر سبتمبر الماضي، علماً بأنني عشت في الخليج ضعف هذه الفترة، وعشت في الشرق الأوسط ما ينقص عنها قليلاً، وعشت في القرن الأفريقي ما مقداره مرة ونصف الفترة المذكورة، أما وطني الذي عشت فيه نصف سنوات عمري فقد ابتلاه الله بشرذمة بسطت ذراعيها بالوصيد وجلست أمام بواباته ثم اوصدتها تماماً في وجه كل وطني مخلص واصبح الولاء وحده هو (جوازاتها) للعبور، ولا جناح ولا تثريب على البلدان المذكورة التي عشت فيها سنوات - قصرت أم استطالت - وكنت خلالها أيها المفترى عليه تحمل صفات المغترب أو المهاجر أو الوافد، ولكن بنفس القدر من ذا الذي منح الحاكمية للعصبة ذوي البأس لتعز بها من تشاء وتذل من تشاء؟

(8)

قلت لصديق عزيز لقد ادركت أن واحدة من آيات المخاتلة السودانية تقديمنا الخبر على المبتدأ وذلك في قول معظمنا من المهاجرين إلى أمريكيا أنهم حصلوا على الجواز الأمريكي ولا يقولون لك الجنسية الأمريكية؟ وبلا مراء فالقول المائل هذا ينطوى على انتهازية مبطنة علماً بأن الجنسية الأمريكية لا تغمطك حقك في حمل أي هوية أخري إن شئت، بمعني أنه ليس من شروطها اسقاط الجنسية السودانية أو المصرية أو الكينية، والواقع أن قانون الجنسية السودانية يمنح الحق نفسه، كما أن قانون الجنسية الأمريكية لا يسلبك مكان ميلادك، فالناس تراه بوضوح مكتوب على شهادة الجنسية، ولهذا جنح التصنيف الأمريكي إلى اعتبارات الكيانات القومية كأن يقال، الأفارقة الأمريكيون أو الآسيويون أو الهايسبنك (أي الناطقين باللغة الاسبانية)..ألخ. ثم أن أمريكيا بلد ليست مِلكاً لأحد والمرء فيها بقدر عطائه وتفاعله مع المجتمع، إذ أنها مستودع ثقافات العالم حيث تتصاهر وتتمازج وتتعايش المئات منها في مناخ سلمي فريد، وعليه ليست هناك ثقافة أمريكية بقدر ما هناك ثقافات أمريكية، وأسوأ ما في هذا الواقع من يتحلحل من ثقافته وينبذها كأنها عبء ثقيل ويتلبس ثقافات الآخرين، وأجمل ما في هذه الواقع من يأتي بماعونه الثقافي ويضيفه لماعون الآخرين، ويأسرني دوماً على المستوى الشخصي عدم المزايدة الوطنية، فإذا استرقت السمع ذات يوم ستسمع رئيسها ومواطنيها يقولون (هذا البلد) This country ولم أسمع أحدهم يقول (بلدي) My country وبغض النظر عن الاحتكار غير المبرر في اللفظ الثاني، فقد علمتنا التجارب أن ليس كل متشدق بالوطنية هو بالضرورة وطني، فالفاسدون والديكتاتوريون واللصوص وشذاذ الآفاق وحتى العصبة أولي البأس هم في زمرة من يتمنطق بها ليل نهار ومع ذلك فأنظر افعالهم، وعموماً يكفي القول أنه ليس كل (جواز) أمريكي (جنسية) وإن كانت كل (جنسية) أمريكية هي (جواز) ذلك لأن للجنسية الأمريكية أو غيرها من جنسيات العالم حقوق وواجبات، وعلى المستوى الخاص قلت لنفسي ليس من الحكمة بعد أن قذفت بي الأقدار في بلد أعيش بين ظهراني اهله ولا أُمارس فيه واجباتي واتمتع بحقوقي، لا سيما، فقد استجرت به ووصلته في الأساس بهوية لاجيء، ولتلك قصة تفتل من ذات المأساة حبالاً!

(9)

مكافأة لي على معارضتها منذ الساعة صفر، قامت الانقاذ بسلب (هويتي) بعد شهور قليلة من وصولها إلى سدة السلطة، وشرفتني به كأول اجراء تقوم به تجاه معارضيها، وامعاناً في التأكيد أو - إن شئت فقل في المذلة - قاموا بلا حياء بمنحي شهادة توضح جرم ما إغترفت ايديهم (انظر الوثيقة) وتحمس لذلك سفيرها في دولة الكويت (غفر الله له فقد اصبح في ذمة ربِّه) وقال لي في مواجهة مشهودة أنه ينفذ أوامر جاءته من العصبة، وهو الاجراء الذي تعمم بعد ذلك وشمل كثير من المعارضين الشرفاء، وإن لم يجرؤ أحد بمنحهم شهادة كتلك التي كلل بها هآمتي المذكور، وكنت آنذاك اعمل في صحيفة الوطن الكويتية، وشاءت (الأقدار السياسية) أن تصبح الكويت نفسها في ذمة الله، فقد نُمُنا فيها كالعادة ليلة 1/8/1990 وأصبحنا لنجد أنفسنا في ما يسمي بالمحافظة العراقية رقم 19 يوم 2/8/1990 وعنى ذلك بالنسبة لي بداية رحلة ديسابورا بين العواصم بحثاً عن بلد يحتويني أو قل يحتوي محنتي، فأنخت بعيري أولاً في الأردن وبعد شهور اتضح لي صعوبة خياري، فيممت وجهي شطر القاهرة فوجدت أخوة لنا سبقونا وآخرين بدأوا يتوافدون عليها من عواصم الدنيا المختلفة للأسباب نفسها، إلى جانب كثيرون تدفقوا عبر المنافذ البرية والبحرية هرباً من ممارسات جاهلية الانقاذ الأولى! ولم يكن ثمة مناص أن تُكيّف الناس حياتها وفق المتاح، مما استدعى تقشفاً وعيش على الكفاف. وأذكر في الوقت الذي كانت تتحدث فيه صحف النظام عن معارضة الخمس نجوم، كان زميلنا المرحوم وديع خوجلي - الذي رحل عن دنيانا من قبل أن يرى حلمه يتحقق - يسألك بعض سندوتشات (فول وطعمية) كوجبة مرفهة عزَّ الوصول إليها!

بالنظر أن لكل أجل كتاب، فقد انتهت صلاحية الجواز الذي أحمله، لكن الله جلَّت قدرته هيأ لمعشر المعارضين الذين واجهوا ذات الظرف مخرجاً في هروب المعارض سابقاً نجيب الخير عبد الوهاب الذي كان يشغل منصب قنصل سفارة السودان بأثيوبيا، ولأنه رجل يعرف من أين تؤكل الكتف لم يشاء أن يهرب صِفر اليدين، فحمل معه اختام السفارة المختلفة، ومن باب التندر قمنا بتعيينه قنصلاً للتجمع الوطني الديمقراطي في حكومة المنفي، فبدأ عمله بهمة في تزوير جوازاتنا، ولك أن تعرف يا عزيزي القارىء في انعطافة حادة أن نجيب الذي كان يزوِّر لنا جوازاتنا تلك أصبح فيما بعد وزير دولة في وزارة الخارجية، وبعد أن ركل مبارك الفاضل الذي أوصله لذلك المنصب خلع جلبابه وارتدى جلباب المؤتمر الوطني، وحالياً يشغل منصب سفير في الاتحاد الأوروبي ببروكسل ممثلاً للحكومة التي عارضها، فتأمل يا صاحٍ محن أهل السودان! ومع ذلك لسنا بجاحدين فذهابه للمعسكر الآخر لا يمنعنا أن نشكره على حسن صنيعه وقتذاك!

تمتعنا بذلك التزوير ردحاً من الزمن فتجولنا أينما شئنا التجوال دون أن يقول لنا أحد في مطار ما أفٍ أو ينهرنا بدعوي أن أوراقنا الثبوتية مزورة، وارتحنا أن دولاً في طرفها حور كانت تناصب الانقاذ العداء غضت الطرف عن فعلنا رغم علمها به، ولأن لكل أجل كتاب أيضاً لم تدم سعادتي طويلاً فقد أنتهت أوراق جوازي بمفارقة أن سنوات تجديده العشر تمطت حتى وصلت إلى أثنتي عشر عاماً، والغريب في الأمر لم أجد من يقول لي لقد تجاوز المزورون المدى؟ وكنت يومها قد حطيت رحالي في القرن الأفريقي، وواجهني ظرف قاس بعد سنتين من وصولي وهو أنني كنت أرغب في السفر للعلاج من طارىءٍ ألمْ بي، وتزامن ذلك مع وصول جحافل المعارضين خلفي إلى العاصمة الاريترية وقد سبقتهم بتأسيس علاقات ما زلت أعتز بها مع الأصدقاء في الجبهة الشعبية الاريترية، وعندما شرحت لهم ظروفي تجابوا معي وفكوا كربتي وشكرتهم على حسن صنيعهم، وكان ذلك شرف ناله من بعدي معظم المعارضين بدءً برئيسنا في الكيان، وانتهاءً بالعقد الفريد من أعضاء هيئة القيادة، وفي أواخر العام 2002 غادرت اريتريا وسلمت أصدقائي هويتهم التي تشرفت بحملها زمناً، ثم قطعت المحيط الأطلسي حاملاً هوية لاجىء صادرة عن المفوضية العليا لشئون اللاجئين إلى الولايات المتحدة الامريكية التي تقبلتنا بتلك الصفة للإقامة في اراضيها!

(10)

لكن المحن والأحن تواصلت بأحداث لم تخل من مفارقات طريفة، فقبل سنوات شجعتني عودة زملائي المعارضين إلى أرض الوطن لأحذو حذوهم استثماراً لنيفاشا واخواتها كما نزعم، وفي قطر شقيق ذهبت إلى السفارة السودانية أحمل جوازى القديم الذي ليس فيه موطأ ختم، وزادت سنواته على العشر كما ذكرت لاستخراج آخر يعينني على الوصول إلى مبتغاي، فسألني ضابط الجوازات إن كنت أملك جوازاً قديماً، فرديت بالايجاب وناولته ذاك الجواز كثير المشاكل وبدا في تصفحه بمهل حتى ظننت أنه يقرأ في قصيدة شعر...كلما وصل للنهاية اعاد الكرة مرة أخري، وعندما بدأ الملل يدب في نفسي قلت له عن ماذا تبحث يا جنابك؟ فقال لي عن ختم الخروج! فقلت له ببساطة لن تجده! فنظر إلىّ نظرة تحمل الكثير من علامات الاستغراب، فأردفت لن تجده ليس لأنه غير موجود فهو بالفعل موجود، ولكن وسط هذا الركام من الأختام سيضيع زمنك وزمني أيضاً ولكني أود أن أختصر زمنينا معاً، فأسمع يا سيدي أنا لي ثمانية عشر عاماً لم تطأ قدمي سفارة سودانية في الخارج وهذه هي المرة الأولي، وللأمانة جئتها مكرهاً أخاك لا بطل، الأمر الثاني أن الجواز الذي بين يديك هو جواز مزوَّر، وإن كنت لا تعرف الأسباب فالذي كان يقوم بالتزوير هو سفير الآن في بروكسل يمكنك أن تتصل به وتسأله لماذا كان يفعل لنا ذلك؟ والأمر الثالث بعد أن وضحت لك هذا اذا أردت أن تقضي حاجتي فلك الشكر الجزيل وإن لم تشاء فما عليك إلا أن تعيد لي أوراقي هذه ولاغادر هذا المبني غير آسف! كان الرجل قد رسم خطوطاً من الدهشة على جبينه وجحظت عيناه حتى تظن أن أحد ما بلغه بقيام الساعة بعد حين، وبدا لي كأنما القلم نفسه تجمّد في يده وبالفعل وقف صاحبنا في العقبة لا يلوي على شىء، اتضح لي أن رجلاً كان يقف بالقرب منَّا أظنه استمع لحديثي كله، فسمعته يقطع حيرة الرجل ويأخذ من أمامه الورق وووقع عليه، ثم أعاده له قائلاً (يا أخي ما في وضوح اكثر من كده) وأدار ظهره دون أن ينبث نحوي ببنت شفة، بل حتى دون أن ينتظر مني كلمة شكر!

كانت افكاري التي تهادت على هدهدة المترو قد شارفت النهاية فغادرته صوب منزلي وما زال في النفس بقايا حديث لم يكتمل... وأرَقٌ بين وطن يمنحك هوية وابناء وطن يسلبونك ذات الهوية!

 

عن (الأحداث) 24/11/2008

 

الوثيقة ادناه تنشر للمرة الأولي بعد 18 عاماً من صدورها

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج