صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


مِمّ يعتذرون ؟! ومَنْ أحق بالاعتذار؟! هاشم الإمام محيي الدين/فرجينيا/ الولايات المتحدة
Nov 17, 2008, 22:26

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

 

مِمّ يعتذرون ؟! ومَنْ أحق بالاعتذار؟!

 

هاشم الإمام محيي الدين

فرجينيا/ الولايات المتحدة

 

دعا بعض الساسة ، وأكثرهم من الحاطبين في هوى الحركة الشعبية، إلى أن يعتذر أهل شمال السودان إلى أهل جنوبه عمّا اقترفوه في حقهم من جرائر، وما أوقعوه عليهم من مظالم ، وما ألحقوه بأرضهم ، وأنفسهم ، وأموالهم من دمار.

وما دعاة الاعتذار إلا متماهون مع الحركة الشعبية ، ومتغرّبة أصحاب أيدلوجيات معادية لماضي الأمة وتاريخها ،يتخذون من لادينية  بعض أهل الجنوب،  ومسيحية بعضهم،  ذريعة يردون بها توجهات الأمة العربية والإسلامية، ويخفون بها حقيقة توجهاتهم المعادية للأديان، خشية بوارها في مجتمع يُعلي شأن الدين ويوقّر أهله.

والاعتراف بأخطاء الماضي ، والاعتذار عنها ، ليس ضعفاً ،ولا استشعاراً بذل أو صغار، بل عزّة وقوة، ومرحلة متقدمة من الوعي السياسي ، وعرف دبلوماسي راشد ، يقرب بين الخصوم ، ويسل سخائم الصدور ، ويضمد جراحات الماضي ، ويستر عُرره.

وثقافة الاعتذار لها شواهد من التاريخ السياسي المعاصر، فقد تقدم برلمانيون أمريكيون باعتذار رسمي إلى الأمريكيين السود عمّا لحق بهم من قسوة ،وظلم ، ووحشية خلال فترة تجارة الرقيق ، او خلال سنوات التفرقة العنصرية،واعتذرت ولاية ميريلاند عن تجارة الرقيق ، كما اعتذر عنها أيضاً طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق. كذلك اعتذر سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا إلى الشعب الليبي عن فترة البغي(الاستعمار) التي امتدت ثلاثة عقود، وارتكب فيها البغاة الايطاليون أبشع أنواع القمع على الثوار الليبيين فقال:(إننا نعتذر أخلاقياً عمّا سببه البغي الايطالي للشعب الليبي من آلام وأضرار ونتطلع لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، فبالمحبة والصداقة لا بالبغي والكراهية يتحقق الرخاء ويعم السلام بين شعبينا ).

هذا وقد وُصف هذا الاعتذاربأنه مشهد تاريخي، وموقف مفصلي في العلاقات الدولية إذ كان في القاعة التي كان العلم الايطالي يرفرف فوقها ، وفي حضرة أحفاد البطل الشهيد عمر المختار.

ما كان أغناني عن هذه المقدمة في فضل الاعتذار وشواهده من التاريخ السياسي لولا حرصي على أن لا يُفهم حديثي على غير الوجه الذي أردت ، فكم من قول حُمّل من الأوجه ما لا يحتملها،وكم من حديث طار به المرجفون وأساءوا تأويله ، وكم من عبارات وضعت على ألسنة لم تقلها .

الدعوة إلى الاعتذار التي يتبناها بعض الساسة ذوي الألسنة الرّطاب إنما هي مكر مراوغ، وكيد مخادع، وتجريم للحقب السياسية الماضية بغير جريمة،وتشكيك في صنّاع الاستقلال وأبطاله،وثلمة في كرامة الشماليين يثلمها العجز والوهن الذي اصاب بعضهم من طول ملابستهم لفكر التبعية، ومقارفتهم لخبائثه.

مِمّ يعتذر الشماليون ؟ ومن أحق بالاعتذار ؟!

إنّ القضايا الرئيسة التي يثيرها دعاة الاعتذار ، ولا يملّون من تكرارها هي : الحرب وآثارها، والرق، والاستعلاء العرقي، والتهميش . ورغم تداخل هذه القضايا ،وأخذ بعضها برقاب بعض، إلا أنني سأتناول كلّ واحدة منها على حيالها، ولكن قبل أن أشرع في هذا أود أن أنبه على أمرين، أولهما: أن الحكم على وقائع الماضي خارج سياقها التاريخي،أو قراءتها بالمفاهيم الأخلاقية المعاصرة تدليس وتزوير، فكما لا يمكن قراءة التاريخ وفهمه بمعزل عن الأخلاق ، كذلك لا يمكن الحكم عليه من وجهة نظر  أخلاقية بحتة، ولا محاكمته بمعايير قد فرغت البشرية حديثاً من صياغتها وتبنّيها.والآخر: أن إلقاء الكلام إلقاء المسلمات المفروغ من صحتها أوغل في التدليس والتزوير، وأضر بعقل القارئ من الكذب الصريح، فأهل الشمال لايسلمون بدعاوى اضطهادهم للجنوبيين التي أكثر ساستهم من إذاعتها، وأعانهم عليها قوم آخرون، حتى أملّوا ،وكادت تكون من مسلمات العقول ، والكلام إذا قيل وكُرّر- إن صدقاً وإن كذباً- ترك أثراً  في النفس والعقل:

 

قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذبا           فما اعتذارك من قول إذا قيل

الحرب :

إنّ الذي يطالع أدبيات حرب الجنوب التي كتبها بعض الكتّاب الغربيين، المهتمين بنزاعات القارة الأفريقية، أو التي كتبها بعض الجنوبيين ، أوحلفائهم في الشمال ، ليخيل إليه أن هذا الجنوب كان قرية آمنة مطمئنة ، يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ، فعدت عليها عصابات مسلحة من الشماليين عملت في أهلها قتلاً وأسراً، وغلبة وقسراً،ونهباً واسترقاقاً، فأبدلتهم من بعد أمنهم خوفاً، ومن بعد وطاءة عيشهم جوعاً وعرياً،ونقلتهم من عز إلى ذل، ومن فرحة إلى ترحة ،ومن مسرة إلى حسرة.

لقد صوّرت أجهزة الإعلام الغربية حرب الجنوب أنها حرب بين الشمال العربي المسلم، والجنوب الأفريقي المسيحي،وأن أهل الجنوب ضحايا تمييزعرقي وديني، وشاع هذا الأمر حتى صار إنكاره ضرباً من خفة العقل، كأن هؤلاء الجنوبيين لم يبدأوا التمرد، وكأنهم لم يخرجوا يتدسسون في ليل دجوجي من ليالي توريت الآثمة، فقتلوا التجار والموظفين الشماليين أبشع قِِتلة، وكأن من تصدى لهذه الفعلة الشنعاء لم  تكن حكومة مسؤولة عن أمن المواطنين في أنحاء البلاد كافة !وكأن الحرب بين الفصائل الجنوبية لم تهلك الحرث والنسل، وكأن هذه الأنفس الشمالية التي عطرت أرض الجنوب بدمائها الطاهرة لا بواكي لها

يؤرخ لبدء الحرب الأهلية في الجنوب بعام1955م ولكن الصحيح أن بدايتها الحقيقية كانت عام 1963م بقيادة حركة الأنيانيا ،التي بدأت نشاطها العسكري  بحوالي 800 مسجون ، كانوا قد أدينوا بالاشتراك في حوادث توريت، وعفا عنهم الرئيس إبراهيم عبود ، عليه رحمة الله، ذكر ذلك ك. هندرسون في كتابه(Sudan Republic ) وقد نبهني إلى هذا الكتاب الذي صحح تاريخ بدء الحرب الأهلية في السودان، وأبان هوية الجنود الذين فجروها، العالم المؤرخ الدكتور أمين زين العابدين، رئيس شعبة التاريخ بجامعة الخرطوم سابقاً .

 انتهت هذه المرحلة من الحرب الأهلية  بتوقيع اتفاقية أديس أبابا في فبراير 1972م ،ونعِم الجنوب بعشرة أعوام من السلام والأمن. ثمّ اندلعت الحرب عام 1983م  بقيادة العقيد جون قرنق، واشتد القتال في التسعينيات ،واستحر القتل ، وذلك لاختلاف طبيعة التمرد في هذه المرحلة، وتعدد مراميه ، لا لاختلاف نظام الحكم في الخرطوم ، فقائد الحركة بدأ شيوعياً ،ثم تنازل عن شيوعيته قناعة أو تقية بعد سقوط الشيوعية ، وانهيار المعسكر الإشتراكي ، واتجه صوب الغرب،وأصبح أداة لمطامعه، وحليفاً استراتيجياً له، يتلقى المساعدات من حكوماته، ومن المنظمات اليمينية المسيحية المتطرفة فيه رغم دعوى العلمانية العريضة التي يتبناها.

كذلك تبدلت أهداف التمرد من المطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي إلى الوحدة في ظل سودان جديد، سودان يستبد به الزنج، ويرأسه غير مسلم، ويُعزَل فيه الدين عن مناشط الحياة، وتباح فيه الشهوات. ولو أن دعاة "السودان الجديد" دعوا إلى سودان تسود فيه الديمقراطية ، وتبسط فيه الحريات ، ويُقام فيه العدل، وتُراعى فيه حقوق الإنسان ،دون أن يُبشّروا  فيه بسيادة عرق ، أو يُشيروا فيه إلى لون رئيسه ودينه ، أو يحددوا فيه هويته الثقافية ، وتركوا الأمر لصناديق الاقتراع ورأي جمهور الناخبين ، لكانت دعوتهم أشبه بالحق ، ولكن سوء نيّاتهم ، وغلبة العنصرية على تفكيرهم ،وتآمرهم على الهوية العربية والإسلامية ، ضاقت به دواخلهم ، فظهر في فلتات ألسنتهم ، وسقطات أقلامهم . وما أطمع الحركة الشعبية في حكم السودان إلا ضعف الحكومات في الشمال ، وتقصيرها في تسليح الجيش، مما أتاح لها إحكام السيطرة على الجنوب، واحتلالها  أجزاء من أرض الشمال.ولعل من أهم العوامل التي أدّت إلى  اختلاف طبيعة الحرب في هذه الفترة، تحالف المعارضة مع الحركة الشعبية، واتخاذها وجيشها وسيلة  لإسقاط الحكومة ، وقد أثبتت الأيام أن قائد الحركة الشعبية قد استعمل المعارضة الشمالية بذكاء لبلوغ غاياته حتى إذا لاح له برق بلوغها، ركض إليها وحده ،ولم يسألهم حتى المشورة ، وما جرؤا على لومه ،أو سؤاله أن يشركهم في المحادثات، ولكنهم سلقوا الحكومة بألسنة حداد .

هذا ولمّا اختلفت أهداف الحرب، وكثرت التدخلات الأجنبية لصالح الحركة الشعبية، واشرأبت أعناق رجالها، ومَن هم وراءهم، إلى حكم السودان كله، شعر أهل الشمال أن الحرب تستهدف وجودهم ، وثقافتهم ، ودينهم، فكان حتماً أن تتسع مسؤولية التصدي لها ، وأن تتجاوز الجيش النظامي إلى كل قادر على حمل السلاح، كما كان لا بدّ أن تتبدل نية القتال ومحرضاته، فلم يعد الدفاع عن وحدة تراب الوطن  يغري أحداً بالقتال ، والتعرض للموت، لأن وحدة التراب لم تعد محل خلاف بين طرفي القتال ، ولكن الاختلاف على: مَن يحكم البلاد؟ وعلى ايّ نهج  تتوجه البلاد  فكرياً وعقدياً؟ فكان الدفاع الشعبي ، وكان الجهاد ، ولا أدري كيف فات على المتماهين مع الحركة الشعبية أن أنصارها لا يفرقون بين الشماليين،  فكلهم عندهم  (مندوكورو ) ولو أنهم كُتِب لهم أن يدخلوا الخرطوم عنوة، لدعا هؤلاء المتماهون معهم ثبوراً كثيراً.

ولعل سلوك حكومة الجنوب اليوم تجاه الشماليين في الجنوب ،وتجاه الجنوبيين المسلمين ليؤكد ما نقول.

 لم يكن الجهاد من أجل أسلمة الجنوب قسراً كما يقول المعارضون لثورة الإنقاذ ويذيعونه ،فالحرب كانت رحاها دائرة قبل  ثورة الإنقاذ ، وجيش الحركة الشعبية كان يحتل مدينة الكرمك ؛ لذلك كان حتماً على رجال الإنقاذ إعادتها ، وإعادة هيبة الجيش في أنفس مقاتلي الحركة بعد أن فقدها بسبب الهزائم المتلاحقة التي مُني بها  لضعف تسليحه، وغموض أهداف القتال لدى أفراده.

 والجهاد بابه واسع،وأسبابه كثيرة منها : حماية الأنفس، والعرض، والمال،ولو أن الجهاد  أُريد به قتال الجنوبيين حتى يسلموا، لكان غير هذا الوقت أنسب ؛ لأن الثورة وهي لازالت في أول أيامها، أجدر بها أن تثبت أقدامها ، وتحكم قبضتها على الشمال ،قبل أن تدخل في حرب قد تهوي بها ، وتذهب ريحها ، وسقوط الحكومات بسبب مشكلة الجنوب مشهور ، ومتداول في أدب السياسة السودانية ،ولا أحسب أنه قد فاتهم.

 لم يكن الجهاد في الجنوب من أجل أسلمته، أو فرض الثقافة العربية عليه كما أسلفت القول ، ولكن الجهاد كلمة ترعب الغربيين، وتُرجِف روانفهم ، وما يرعب الغربيين يرعب متغربة المسلمين ، ودعاة العلمنة الذين يجدون في الحركة الشعبية وفكرها ما يشبع أهواءهم ، وقد أدرك  جون قرنق بدهائه ، الغرض الأساس من تأييد بعض الشماليين له، فقال لهم في أحد لقاءاته في واشنطون  (عشان تجو تشربو عندنا مريسة في جوبا)، ورغم أن العبارة كانت عابرة ،وفي معرض الفكاهة، وفي الرجل فكاهة، ، إلا أنني أجزم أنه قصدها ،فهو  يعلم أنهم أهل أهواء ، لا أصحاب مبادئ ، فقد قال لهم: مَن أراد أن ينضم إلى الحركة الشعبية فليأ تنا في الغابة لا في واشنطون !و لا أعلم أحداً من متسكعة الحركة في واشنطون  قد ذهب إليه في الغابة.

والذي أعجب له أن دعاة التنوير، أو التزوير على الحقيقة لا المجاز ،الذين ازعجهم زجّ عامل الدين في الحرب ، وارتعدت فرائصهم من إعلان الجهاد ، لم يزعجهم أن تتولى المنظمات المسيحية المتطرفة كِبر الحرب في الجنوب وتمويلها ودعوتها إلى إقامة دولة مسيحية في الجنوب ، ولا تمعّرت وجوههم من دعوة البارونة كوكس إلى تقسيم السودان إلى عدة دُول ، ولا ضاقت أنفسهم من استغلال الحركة الشعبية  الدين لحشد الأنصار ، وجمع الأموال في الغرب ، ولا احتجوا على قرنق وهو يعقد لقاءاته ،ويقيم ندواته في كنائس واشنطن ، ولكن حين تُفتتح ندوة بالقرآن ،أو يبدأ متحدث   حديثه  بالحمدلة أو البسملة ، تعلو أصوات المحتجين الباكين زوراً  على حقوق الأقليات غير المسلمة ، ويجرحون المتحدث بأنياب وأضراس .

لم تكن الأنظمة السياسية المختلفة التي تعاقبت على حكم السودان قد شنت الحرب في الجنوب بدافع اختلاف الدين أو العرق، ولكنها كانت تنظر إلى الأمر من واقع مسؤوليتها في إشاعة الأمن بين مواطني الدولة، والحفاظ على وحدة تراب الوطن، وعدم التفريط في حدودها الموروثة من البغي (الاستعمار) البريطاني، فعندما بدأت الدول الإفريقية تنال استقلالها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي  ، أدرك قادتها ضرورة الالتزام بهذه الحدود الموروثة عن الدول الباغية(المستعمرة)، خوفاً من النزاعات الحدودية بين هذه الدول المستقلة حديثاً؛ لذلك كانت مسألة تأمين الحدود التي ورثتها الدول الأفريقية من الاستعمار، موضع اهتمام قادة الدول الأفريقية الذين شاركوا في المؤتمر التأسيسي لمنظمة الوحدة الأفريقية الذي عقد في أديس أبابا عام 1963م . وذكرت أثيوبيا في إحدى جلسات المؤتمر أن العديد من الدول الأفريقية ستزول من الوجود إذا ما تمت إعادة رسم الحدود على أسس دينية، أو عرقية، أو لغوية مما يجعل من مصلحة الأفارقة احترام الحدود التي رسمها الاستعمار في الخرائط  سواء أكانت جيدة أم سيئة، وأكدت ديباجة ميثاق المنظمة ضرورة تأمين استقلال وسيادة ووحدة أرضين الدول الأعضاء، كما أشارت في المادة الثالثة من الميثاق إلى أن أهداف المنظمة هو احترام سيادة ووحدة أرضين كل دولة( انظر: د. أمين زين العابدين:مشكلة أبيي والتحكيم الدولي، تحت الطبع)

وحق تقرير المصير الذي ظلت الحركة تنادي به حتى نالته وفق اتفاقية السلام التي وقعتها مع الحكومة عام2005م ، لم يكن حقاً مشروعاً من  قبل إلا للشعوب المستعمرة في إطار الحدود التي رسمها الاستعمار، وأقرتها الأمم المتحدة ، والمنظمات الإقليمية،وجعلتها مقدسة لا يجوز تعديلها أو تغييرها إلا أن يختار شعب بأكمله ، وبإرادته الحرة تغيير هذه الحدود والانضمام إلى دولة أخرى.

ويحمد للحزب الشيوعي ، وقليل فضله، وعيه المبكر بمشكلة الجنوب ، ودعوته إلى منحهم حكماً ذاتياً في إطار السودان الموحد، ومطالبته برفع الحواجز بين الحركة السياسية في الشمال ونظيرتها في الجنوب، رغم أن الأخيرة ذات روابط وصلات بنفوذ أجنبي(انظر مذكرات عزالدين علي عامر)، ولعله لو رُكن إلى هذا الرأي في ذلك الوقت لزالت الجفوة ، وصرنا إلى إحدى الحسنيين إما وحدة  عن رضى ،وإما فراق بإحسان.

السودان وقادته السياسيون والعسكريون وحكامه الذين خلفوا البغي البريطاني في الحكم،جزء من القارة الأفريقية تشكلت مفاهيمهم وفق معطيات عصرهم ، فما كان لأحد أن يحاكمهم بمفاهيم غير مفاهيم عصرهم ، ويطالبهم بالاعتذار عن حرب ما بدأوها ولو أنهم لم يتصدوا للتمرد لكان تقصيراً يؤخذ عليهم ، ولو أنهم أعطوا الجنوب حق تقرير المصير ، لصُبت عليهم اللعنات، ونعتوا بالخيانة والتفريط في وحدة البلاد ، ولعل هذا كان وراء نقض حكومة ما بعد الاستقلال لعهدها بإعطاء الجنوبيين الحكم الذاتي، وخفرها لذمتها.

والحرب تترك آثاراً اقتصادية، واجتماعية ،ونفسية مدمرة، وقد ارتكب طرفا الحرب مخالفات لآداب الحرب وأخلاقياتها ، وانتهاكات لحقوق الإنسان، وقد عظُمت آثارها لطول أمدها .

وإذا كانت مخالفات الجيش السوداني، ولا أبرئه، يمكن فهمها في إطار محاولة كسر شوكة العدو، واخضاعه مهما كان الثمن،أو كانت تصرفات فردية لا أوامر صادرة عن قادته،  فالذي حارت البرية فيه أن تكون انتهاكات الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ، والفصائل التي خرجت عليه ، أشد بطشاً وتنكيلاً بمواطني الجنوب من جيش حكومة السودان كما جاء في التقرير الذي أصدرته منظمة Human Rights Watch/Africaعن انتهاكات حقوق الإنسان من طرفي القتال في حرب الجنوب ، وكان نصيب الجيش الشعبي 190 صفحة من مجموع صفحات التقرير البالغة 250 صفحة بينما كان نصيب جيش حكومة السودان من هذا التقرير 60 صفحة ! أشار التقرير إلى فظائع وانتهاكات بالغة القسوة ارتكبها الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في حق مواطنيه الذين زعم أنه خرج يطلب النصفة لهم، وتنوعت هذه الانتهاكات فشملت:

·       الاعدام من غير محاكمات، والقتل العشوائي.

·       الاختفاء المفاجئ للقيادات والجنود الذين يعارضون توجه قائد الحركة ولا سيما من كانوا من غير قبيلته.

·       الحبس والتعذيب للمسجونين السياسيين في سجون الحركة.

·       خطف الأطفال من أسرهم والزج بهم في المعارك.

·       ترويع المواطنين ونهب أبقارهم وممتلكاتهم.

ولقد ساق الدكتور لام أكول، والأستاذ بونا ملوال، وغيرهما ممن تصدوا لدكتاتورية قرنق، في هذا المعنى فصلاً مُشبَعاً يجد فيه الباحث ما يغني ويقنع.

فاذا كان هذا ما فعله الجيش الشعبي في مواطني الجنوب ، وبينه وبينهم  شُجِنّة رحم ،ولُحمة نسب ، فمن أحق بالاعتذار لسكان الجنوب ؟!

وأكبر من هذه الجرائم ، وأعظم منها فتكاً بإنسان الجنوب ،مكايدة قائد الجيش الشعبي لحكومة الانتفاضة ، ومن بعدها حكومة الصادق المهدي، ومراوغته لهما هرباً من السلام رغم مناشدة الساسة له في الشمال والجنوب بالجنوح الى السلم، والتفاوض مع الحكومة الديمقراطية المنتخبة لحل هذه المشكلة المزمنة، ولكنه أبى ، لأن أهدافه أكبر من حل مشكلة الجنوب ، وأطماعه في السلطة والمال أوسع من أن يستوعبها اقليم الجنوب ، فهو يريد حكم السودان قاطبة ، ولن يتم له ذلك الا عنوة، فالحكومات الديمقراطية أضعف من أن تقف أمامه ، فليصبر حتى تستسلم الخرطوم طوعاً أو كرهاً ، وليعانِِ سكان الجنوب ما يعانون  من الموت والجوع والتشريد ، فمتى كان هذا همه!

وما منع قرنق وجيشه من محاولة الاستيلاء على السلطة في الخرطوم، خشية حكومتها ،ولا مهابة جيشها  ،ولكن نصحه خبراؤه ومستشاروه الأجانب بالتريث ريثما يتهيأ الشماليون لهذا التغيير الكبير، وأن يعتبر بحوادث الأحد.

هذا وما زال قرنق يتيه كبراً ، ويباري ظل رأسه، رافضاً المفاوضات مع أصحاب الشأن ، محاولاً إعطاء حلفائه من الساسة في الشمال فضل إبرام اتفاقية للسلام معه، ليتّجروا بها في سوق السياسة، ويدفعوا بها عنه تهمة تصعيد الحرب، حتى قامت ثورة الانقاذ عام 1989م ، وخرج له من تحت عباءتها فتية نذروا أنفسهم للذود عن دينهم ،وأرضهم ، وعرضهم ، ومالهم ، وجعلوا الصبر عند لقاء العدو معقلهم الذي اليه يلجأون ،وعدتهم التي بها يستظهرون ، فأروه بالصبر والبيض الحداد، والصدق والسمر الصعاد، ما تلين له الشم الصلاد، وعلّموه أن أهل الشمال ليسوا تجار حرب، ولكنهم متى استثيروا ثاروا ، ومتى استنهضوا نهضوا، وأنهم ليسوا كما تُخيل له سماديره،  قد  أخلدوا الى الأرض ، ولانت جلودهم ، ولم يعودوا قادرين على القتال . لولا هؤلاء الفتية، فتية الدفاع الشعبي ، ما جنح هذا  المغرور الى السلم ، ولا رجعت الحرب الى عُقر .

ولا يغرنك ما يسمى باتفاقية الميرغني ،  فإنما هي كيد الساسة،  اذ أراد بها قرنق أن يفرق بين الحكومة والمعارضة حتى  يخرق إجماع الساسة آنذاك  على وجوب جلوسه الى المفاوضات، وأراد بها الميرغني سبقاً سياسياً ، وانجازاً يباهي به الحكومة، ويبين به عجزها . لو كان قرنق جاداً في تنفيذ هذه الاتفاقية ، فما منعه أن  يبرمها مع الحكومة ؟! وهل يستطيع أن يفاوض غير الحكومة المنتخبة أحبها أو كرهها ؟!

وصفوة القول إن  الحكومات في الشمال لم تبدأ الحرب ، ولم تدرها انطلاقاً من تمييز ديني أو عرقي ، ولا رغبة في أسلمة الجنوب،  أو طمس هويته وثقافته  ونشر الثقافة العربية فيه ،فالحكومات في الشمال فُرضت عليها الحرب، وأججتها الأيدي الخفية في أوروبا الغربية ، وواشنطن، حيث العمالة مضروب سرادقها ، وتصدت الحكومات للتمرد من منطلق مسؤوليتها عن حفظ الأمن ، والحفاظ على الحدود الموروثة .وأما انتهاكات حقوق إنسان الجنوب ، فقد كان الجيش الشعبي أشد وحشية ، وأوغل في الدمار، وإهلاك الحرث والنسل،  من جيش الحكومة ، وما أطال الحرب ، ومد أمدها إلا أطماع قرنق الشخصية وشرهه على السلطة والمال ، وقد بان شرهه على السلطة في تفرده بالسؤدد، و جمعه لنفسه بين ثلاث وظائف، رغم تباعد أماكنها: نائب رئيس الجمهورية، ومقرها الخرطوم ،ورئيس حكومة الجنوب، ومقرها جوبا، وقائد الجيش الشعبي، وما كنا نعلم من قبل هذا أن الشيخ قرنق من أصحاب الخطوة!! وبان شرهه على المال في حيازته لمال الحركة وانفراده بالتصرف فيه ، وعيشه عيش الملوك في حله وترحاله .

فإذا كان هذا أمر الحرب كما سلف بيانه ،فمم يعتذر الشماليون ؟! ومن أحق بالاعتذار إلى  شعب الجنوب ؟ ألحكومات الشمالية  أم  الجيش الشعبي لتحرير السودان ؟! وإذا اعتذر قادة الشمال لشعب الجنوب،فهل يعتذر قادة الحركة الشعبية لشعب الشمال عن دماء أبنائهم التي أريقت ، وأنفسهم التي أزهقت ، وأموالهم التي نهبت في الجنوب ؟! وهل تعتذر الحركة الشعبية عن المجازر التي ارتكبها الجنوبيون في الخرطوم في حوادث الأحد المشؤوم، وفي جوبا ،ويوم موت قرنق ؟! وهل تعتذر عن إطالة الحرب التي تسببت في تعطيل التنمية في أقاليم السودان كافة؟!

وهل ينفع الاعتذار شيئاً؟ فقد اعتذر السيد الصادق المهدي ،وهو يمثل ثقلاً تاريخياً ،ودينياً، وشعبياً ، وسياسياً ، فهل زاده الاعتذار عندهم إلا بغضاً فيه؟!وهل يبغضون فيه إلا اعتجار عمامته في كل محفل معلناً اعتداده بإرثه الثقافي؟!

الرق :

الرق ظاهرة من أبشع الظواهر في تاريخ البشرية، وهي معرّة لم يخل منها مجتمع  من المجتمعات القديمة، ولكنها بلغت أبشع صورها، وشكلت أكبر هجرة إجبارية في التاريخ بين منتصف القرن الخامس عشر و أول القرن التاسع عشر الميلاديين ، أي على مدى ما يقرب من 400 سنةجرى خلالها شحن 28 مليون أفريقي في ظروف بالغة القسوة إلى القارتين الأمريكيتين حيث تمّ بيعهم في أسواق العبيد .وقد مارست بريطانيا وأسبانيا وهولندا هذه التجارة تحت ذريعة حاجة مزارع القطن والسكر والتبغ إلى أيد عاملة ، وكان هؤلاء العبيد عاملاً مهماً في بناء أمبروطريات الدول الأوروبية الباغية ، وانتاج الثروات التي فجرت الثورة الصناعية فيما بعد.

لم يكن تجار الرقيق يشعرون بتأنيب الضمير ، فهي في نظرهم نشاط مثل سائر الأنشطة التجاريةـ، ولكن بحلول عصر التنوير في القرن الثامن عشر بدأ العقل الأوروبي يتساءل عما إذا كان يحق للبشر معاملة المستضعفين منهم معاملة السلع التجارية! ولم تلغ الولايات المتحدة العبودية إلاّ عام 1865م بعد حرب أهلية دامت أربع سنوات،أي بعد نحو ستين عاماً من إلغائها في بريطانيا1807م.

هذا وإذا كان  الرق أمراً مستبشعا، مهما كانت مبرارته الإقتصادية والاجتماعية، فهو في حق المسلمين أشد بشاعة ؛ لأن الإسلام حرم استرقاق البشر  إلاّ معاملة بالمثل في الحروب، أما أن تدخل على قوم آمنين فتخطف رجالهم بغرض البيع فمما حرمه الدين قولاً واحداً ، وحتى الأرقاء الذين وجدهم الإسلام شرع لهم من الشرائع ما تنتهي بهم إلى الحرية ولكن بعض النفوس المريضة أغراهم المال ، وأغواهم الشيطان، فعملوا وسطاء لمؤسسات الرق الأوروبية والأمريكية. ولو أن المسلمين اتبعوا دينهم  لنالوا فضل تحريم الرق ولما تركوه إلى أوروبا تباهي به مع أنها بلغت الغاية في سوء معاملة الرقيق، ولكن قاتل الله الجشع !

كان الرق قديماً حالة اجتماعية سببها الحروب والخطف ، ولكنه في عهد البغي الأوروبي ارتبط بسواد البشرة؛ لذلك لما أُلغي، وشُرّعت الشرائع لمنعه،انتهى ولكن  بقي التمييز العنصري في النفوس تدعمه الدراسات الأنثربولوجية القديمة القائلة بتفوق الانسان الأبيض،وتخلف الأسود ، وعدّه طوراً من أطوار الحيوانية لم يبلغ الإنسانية بعد!

كان في السودان رق كسائر بلاد الدنيا ، ولولا أن الرق بكل أشكاله وصوره أمر تشمئز منه النفوس لما جاز أن يسمى الرق في السودان رقاً، وكذلك في بلدان العالم الإسلامي، لما كانوا يلقونه من حسن المعاملة ، فهم أقرب إلى خدم البيوت منهم إلى العبيد . ذكر السير جورج ماكسويل في المذكرة التي قدمها عن موضوع العبيد في الدول العربية والموجودة في مكتبة كلية الفنجستون الوثائقية في بومباي أن ( الطبقة الوسطى من المسلمين تعامل العبد معاملتها أحد أفرادها فهو يأكل من نفس الطعام ، ويلبس على نفس مستوى الأسرة ، وهو يقاسم الأسرة مقاسمة عادلة غرم الحياة وغنمها ، ويذوق معها حلاوة متغيرات الحياة  ومرارتها على حد سواء   )  ثم ذكر ماكسويل أن دوتي أكد في رحلاته في الجزيرة العربية ص 554 طبعة جامعة كمبردج عام 1888م أن( حال العبيد في كل الجزيرة العربية حال جيدة ، وأكثرهم سعداء بعيشهم ، وكل عبد منهم يعيش على أمل عتقه في لحظة من لحظات التقوى) ، كذلك ذكر أن الدون رتر قال في الجمعية الجغرافية الملكية بتاريخ 15 مارس عام 1933م : (العبودية في بلاد العرب – من الجانب المادي الجسدي هي في الواقع تعبير لا يعني أي سوء وليس فيه أية سلبية ، والعبيد في بلاد العرب هم بشر سعداء يحيون في أوضاع طبيعية هانئة كالآلاف من البشر السعداء في أرقى بلاد العالم حضارة وتمدناً ، وأكاد أقول إن عبودية في ظل المبادئ الإسلامية قد تكون أخذاً بالزنجي الجاهل إلى الوعي والحضارة إلى أن ينتهي الأمر بتحريره وتسريحه لوجه الله تعالى ........وبدون ضجة أو حاجة إلى القوانين والتشريعات فإن العادة المحكمة جرت على ضمان اجتماعي كامل لكل عبد يصبح عاجزاً أو مريضاً في البيت العربي حيث الكساء والغذاء والمأوى متاح لكل عبد له صلة بالبيت إلى أن يُتوفى ............والحقيقة أن الطبقات الفقيرة في أوروبا  لترحب بمثل هذه العبودية المكفولة لو أُتيحت لها، فليس في بلاد المسلمين حال مماثلة لما هو جار ٍ في أوروبا من أن العبد المنهك أو العامل المستنفد القوة يطرح منبوذا ًفي شيخوخته حتى يهلك جوعاً وبرداً كالكلاب الضالة )

وإذا كان هذا حال الرقيق في بلدان العالم الإسلامي،  فحالهم في السودان لا شك  أسعد، وإن كان هذا لاينفي معاناتهم  النفسية،  فالعبودية شر ولكن في الشر خيار. واتهام بعض الرموز التاريخية السودانية بممارسة تجارة الرقيق فيه نظر، وأرجو أن أفرد له حديثاً خاصاً.والتجار الشماليون المتهمون بتجارة الرق كانوا يمارسونها بالوكالة، فقد كانوا سماسرة للتجار الاوروبيين، وما كان لهم أن يدخلوا أحراش الجنوب،  وينتزعوا الرقيق من أيدي أهليهم ، لولا تعاون رؤساء القبائل معهم ، فالمعروف تاريخياً أن رؤساء القبائل  في أفريقيا، عاونوا الأوروبيين في استرقاق مواطنيهم  وأبناء قبائلهم لقاء ثمن بخس دراهم معدودات، لكن من يقول ( البغلة في الإبريق). فإن صح هذا فهم أحق بالاعتذار لإخوانهم من الذين باعوهم في زمان كان الرق فيه تجارة مشروعة، وإن لم يصح فكيف نفسر دخول هؤلاء التجار على قبائل شديدة البأس مثل قبائل الجنوب، وسوق رجالها سوق السائمة إلى أسواق العبيد ؟!

وإذا كانت الأمور توزن بموازينها الصحيحة ، لطالبَ الشماليون الحركة الشعبية بالاعتذار إليهم عن إشانة سمعتهم، وسط شعوب العالم، بادعائها أن الشماليين يسترقون الجنوبيين ، وأن الخرطوم تنتشر فيها أسواق العبيد، وشاع هذا الأمر، وتناقلته أجهزة الإعلام الغربية، حتى أخجلوا أبناءنا في المدارس والجامعات ، وصاروا ينظرون إلينا على أنناBad Guys   . ولولا أن قيض الله  لنا قسيساً صادقاً ،  كان يعمل في الجنوب، ويعرف لغة الدينكا ، ففضحهم في أحد البرامج  المشهورة في التلفاز الأمريكي ( 60 minutes) ،وأبان إفكهم ، ودجلهم، وذكر أن الحركة الشعبية، هي التي تعد تمثيليات بيع الرقيق أمام الأجانب، وتأتي ببعض أهل القرى،  ليمثلوا أمام الأجانب- لقاء أجر معلوم- أنهم كانوا أرقاء، بيعوا في أسواق العبيد في الشمال، واشتراهم أهلهم بخمسة عشر دولاراً ،ثمن الواحد منهم - لكانت أجهزة الإعلام الأمريكية لا تزال تعيد وتزيد في هذا الأمر، ولما استطعنا أن نعيد  ثقة أبنائنا فينا.

الاستعلاء العرقي :

كل المجتمعات تستعلي بعض طوائفها على بعض سواء أكانت هذه الطوائف تقوم على أعراق أو مهن أو غيرهما، ويخنس هذا الروح الاستعلائي ، أو يضعف ، أو تتبدل صورته بالوعي ، والتعليم، وانتشار ثقافة التسامح ، ولكنه لا يزول فهو مركوز في فِطر البشر ،مندس في خبايا أنفسهم، والمجتمع السوداني مجتمع قبلي تتفاخر فيه القبائل- دون استثناء- وتستعلي على بعضها بعضاً ، وتعتد بأصلها،وحسبها، ونسبها ولا سيما القبائل العربية منها، ففيها العزّة، والأنفة ، و الاستعلاء إذا كان بمعنى الاعتزاز بالنفس، والاعتداد بها ،فلا ضير ،ولكنه إذا أُريد به المعنى الاصطلاحي الشائع في الأدب السياسي، أي: التعصب العرقي ، وازدراء الآخرين ، والنظر إليهم  نظرة دونية، فهو شئ منتن وكريه . وإذا كان بعض العوام من القبائل الشمالية يتجاوزون بالاستعلاء معناه اللغوي الحميد ، إلى المعنى الاصطلاحي البغيض ، فالحال نفسها تجدها في القبائل غير العربية، بل قد تجدها فيهم اظهر وأنتن  ، فقبيلة الدينكا في جنوب السودان مثلاً، يرى أفرادها أنهم خُلقوا ليحكموا ، لذلك لا يدينون لغيرهم وينظرون إلى القبائل الجنوبية الأخرى نظرة احتقار وازدراء، ولم يسلم من هذه النظرة حتى المتعلمون منهم، ومما زادهم استعلاء أن اتفاقيتي السلام في أديس أبابا 1972 وفي نيفاشا 2005 مكّنتهم من الهيمنة على الجنوب والاستئثار بمفاصل الحكم فيه .

ليس من بأس أن يشعر المرء بالتميّز ، ولكن البأس كل البأس أن يظن هذا المرء أن تميّزه بسبب عرقه. والذي يجعل الاستعلاء العرقي داءً عضالاً أن يقنن وتشرع  القوانين لبقائه . والاستعلاء العرقي في السودان لم يتجاوز يوماً الشعور النفسي إلى التقنين والتشريع ،فقد ظل أبناء السودان على اختلاف أعراقهم وطبقاتهم الاجتماعية يخضعون لقانون واحد ، وتضمهم مؤسسات الدولة دون تفريق ، ويتنافسون على مقاعد الدراسة، ووظائف الدولة،  وفق مؤهلاتهم، لا انتماءاتهم القبلية.

هل يعتذر الشماليون عن اعتدادهم بانفسهم؟ وهل يعتذرون عن شعور فُطِر عليه البشر، ولم تسلم منه قبيلة؟! ولِم يطلب منهم الاعتذار دون غيرهم؟ ولِم يعتذرون عن خلجات أنفسهم إذا لم يترجموا ذلك إلى عمل يتضرر منه الآخرون ؟ وهل ينهي الاعتذار هذه الحالة القابعة في وجدان البشر جميعاً ؟ أليس من الخير أن نصرف جهودنا لمحاربة هذه الظاهرة  بدل أن نتلاوم على ما ليس بلوم؟

التهميش :

ما أكذب هذه الكلمة، وما أضلها، وما أبغضها إليّ ! فقد ظل الشعوبيون يرددونها في كل محفل حتى ظن العامة من الأمريكيين ، والأوربيين أن أهل الشمال يعيشون عيش السعداء ، ويستأثرون بالثروة، وأن غيرهم من أهل السودان ، يعيشون عيش الأشقياء، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء ، وما علموا أن بعض الحياة في بعض  أرض الشمال، عافتها حتى الوحوش و هجرتها الظباء.

لا ريب أن جنوب السودان أقل نمواً من بقية أقاليمه ، ولكن من المسؤول عن تخلفه؟ وهل كان ممكناً أن تقوم فيه تنمية في ظل حرب أهلية طال أمدها؟ وهل كانت هناك تنمية استأثرت بها أقاليم السودان الأخرى دون جنوبه ؟!

الذي شاهدناه ،ونشهد عليه، أن أقاليم السودان كافة، تفتقر إلى أسباب الحياة الحضرية وأن الفروق بينهما في درجة الوعي لا في مشاريع التنمية ، فالإقليم الشمالي تعاقبت عليه حضارات شتى وأديان شتى أورثت أهله وعياً لم يتوفر  لغيرهم، كما أن جفافه، وعسر الحياة فيه، حملا أهله على الهجرة داخل السودان وخارجه، يلتمسون أسباب كسب العيش، وقد استطاعوا بوعيهم وإرثهم الحضاري أن يؤثّروا في أقاليم السودان كافة. أما الإقليمان الشرقي والغربي فالحياة فيهما قاسية، وربما كان الإنسان في الجنوب ،لولا الحرب،أسعد عيشاً من إنسان الشمال والشرق والغرب ؛لأنّ مناخه وأرضه ييسران له  العيش بأدنى جهد. وأما وسط السودان فكان أوفر أقاليم السودان حظاً في النمو، إذ قام فيه مشروع الجزيرة الذي كان من بين شروط إقامته الإسهام في تنمية المنطقة اقتصادياً، واجتماعياً، وقد أصاب هذا الإقليم خيراً كثيراً وتدفق خيره فأصاب أهل السودان كافة، ثم عَدَت عليه عوادي الزمان فأصابه  ما أصاب مشروع الجزيرة من تدهور وكساد.

من همّش الجنوب ؟

لا نحمّل الإدارة البريطانية وزر تخلف الجنوب دفاعاً عن الحكومات الوطنية التي أعقبتهم على حكم البلاد، ولا هرباً من المسؤولية ، ولكن البريطانيين لم يهتموا بتطوير الإقليم الجنوبي ، ورغبوا في إبقاء سكانه على حالتهم البدائية بدعوى الحفاظ على تقاليدهم فساسوهم بما عُرف بسياسة المناطق المقفولة التي حدد معالمها قانون المناطق المقفولة عام1922م. واستمرت هذه السياسة إلى انعقاد مؤتمر جوبا في 12/6/ 1947 م حيث تم إلحاق الجنوب دستورياً بالشمال.

والحقيقة أن البريطانيين أرادوا بسياسة المناطق المقفولة عزل الجنوب عن المؤثرات العربية والإسلامية، والحد من انتشارها في شرق أفريقية وجنوبها اللتين تعدهما بريطانيا من بين مناطق نفوذها، وتعمل على نشر المسيحية والثقافة الأوروبية فيهما.

لم تهتم بريطانيا بنشر التعليم الحديث، وتطوير المشاريع الاقتصادية في الجنوب كما فعلت في الشمال، وهذه السياسة خلاف سياساتها في بقية مستعمراتها في أفريقية  فقد انحازت لغير المسلمين ونشرت التعليم الحديث بينهم مما مكّن الأقليات غير المسلمة أن تحكم الغالبية المسلمة في كثير من دول القارة الأفريقية بعد خروج البغي الأوروبي منها ، وأحسب أن انحياز البريطانيين لأهل الشمال لم يكن حباً لهم  ولا لدينهم ، ولكن كثرة الثورات  والانتفاضات في الشمال ضد الحكم البريطاني ،جعلتهم يفكرون في تغيير عقلية إنسان الشمال ووجدانه ، ولا يتم ذلك إلا بالتعليم الحديث ونشر الثقافة الأوروبية، وقد نجحت هذه الخطة وأتت أكلها لاحقاً في السودان وسائر بلاد العرب والمسلمين إذ نشأت فيها أجيال هي أشد تعصباً للثقافة الأوروبية من الأوروبيين أنفسهم .

كل ذلك أفرز اليوم ما يسمى ب(التهميش)، ولا أرى مسؤوليته تقع إلا علي البريطانيين ، فهم أحق بالاعتذار إلى أهل الجنوب !!

وإذا كان البريطانيون هم المسؤولون عن تهميش الجنوب إبان حكمهم، فمن المسؤول عنه بعد خروجهم ؟!

كانت الحرب الأهلية في الجنوب السبب الرئيس  وراء تخلف الجنوب بعد الاستقلال، فقد دمرت ما كان في الجنوب من بِنٍ تحتية، على قلتها، وعطلت المشاريع التنموية فيه، على ندرتها.

هذا  ولا أستطيع أن أبرئ بريطانيا من مسؤولية تأجيج الحرب في الجنوب ، فقد ظلت هي ودول الغرب  عامة وراء التمرد في الجنوب منذ بدايته ، وكذلك فعلت في كل مستعمراتها في قارتي أفريقيا وآسيا، فما خرجت من بلد إلا تركت فيه مشكلة عرقية أو دينية .

ومن أسباب تخلف الجنوب شح الموارد الاقتصادية في السودان ،وسوء إدارتها ؛ لذلك لم تكن هناك تنمية حقيقية لا في شمال السودان، ولا في جنوبه. كذلك التوتر وعدم الاستقرار السياسي في الشمال انعكس سلباً على تدفق رأس  المال الأجنبي الذي يعد  عاملاً أساسياً في التنمية ولا سيما في قطر مترامي الأطراف كالسودان. وما أبرئ الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم السودان  بعد خروج البريطانيين وإلى يوم الناس هذا، ولكن أخطاءهم لم تكن في حق الجنوبيين وحدهم فيعتذرون لهم  ، وإنما في حق الشعب السوداني كله ، فلِِم الاعتذار إليهم دون سائر السودانيين؟

ومما يذكره الجنوبيون أن الشماليين استأثروا بالوظائف بعد خروج البريطانيين ولم يكن نصيبهم منها إلا قليلاً ، وأذكر أن هذا الموضوع قد أثير في أحد برامج التلفاز القومي   وكان ضيف الحلقة الدكتور مضوي الترابي أستاذ العلوم السياسية والقطب الاتحادي المعروف ، فذكر أنه سأل رئيس لجنة السودنة عن هذا الموضوع فقال:  إنه عالج هذا الأمر من ناحية مهنية بحتة ،لا من ناحية سياسية ،فملأ الوظائف بما تحتاجه من مؤهلات، وقد حدث أن كان الشماليون المؤهلون اكثر من الجنوبيين لقلة التعليم بينهم، ولم يكن مراعاة الأقليات العرقية،  والتنازل لهم عن بعض مؤهلات الوظيفة  لاستيعابهم  قد  وجد طريقه إلى الأدب السياسي في تلك الحقبة. 

وماذا عن التهميش الثقافي ؟

كل جماعة متعددة الأعراق واللغات والأديان تريد أن تكون أمة واحدة تحت لواء  وطن واحد فلابدّ لها أن تتراضى على لغة  واحدة ، وهذه اللغة تسمى اللغة الرسمية، بها يتم التعليم، وتصدر المكاتبات في دواوين الدولة، وبها  يتم التفاهم والتواصل بينها ، وثقافة الجماعة اللغوية التي اختيرت لغتها لتكون اللغة الرسمية ستكون بالضرورة هي الثقافة الغالبة ، وربما تمددت هذه الثقافة وتلك اللغة فزاحمت الثقافات  الأخرى فغلبتها، أو صرعتها، حسب قانون الصراع اللغوي، إن لم تكن هناك ترتيبات لحمايتها.

السودان بلد يعج بالأعراق والثقافات، واللغات، ويذكر أن فيه أكثر من 250 عرقاً و150 لغة أو يزيدون، وحين أدخل البريطانيون التعليم الحديث في السودان اختاروا العربية لغة للتعليم لا حباً فيها و لا في أهلها، ولكن لأن الواقع الثقافي أجبرهم على ذلك ،ولأن العربية لغة واسعة الانتشار، وذات ماض ثقافي عريق، ووعاء حضارة عظيمة فلم يكونوا ينظرون إليها نظرتهم إلى اللغات والثقافات المحلية في جنوب السودان، إذ كانوا يعدّونها لغات وثقافات متخلفة ، وقد لاحظ الدكتور فرانسيس دينق نظرة البريطانيين التهميشية هذه في مقاله ( حرب الرؤى) الذي نشره جون فول ضمن سلسلة مقالات عن السودان جمعها في كتاب بعنوان (السودان : أزمة الدولة والمجتمع ) إذ يقول ( ورغم أن المجتمعات العرقية في الجنوب كانت تدار بوساطة قياداتها القبلية التقليدية ، وتُحمَى أو يُحافظ عليها، لتتطور تدريجياً مستصحبة ثقافاتها المحلية إلا أن البريطانيين لم يولوا الثقافات الأفريقية من العناية والتقدير والاحترام ما أولوه الثقافة العربية والإسلامية في الشمال ،فنظام التعليم الذي قدمته الإرساليات المسيحية ، واللغة المهجنة من الإنجليزية واللغات المحلية كرّسا القيم الغربية التي فصمت الشباب الجنوبيين المتعلمين من ثقافاتهم التقليدية ) ، واللغة العربية إلى جانب كثرة المتحدثين بها فهي اللغة الوحيدة التي يمكن أن يقبلها معظم سكان السودان، لأنها لغة دينهم ، ولغة رسولهم ،وهي اللغة التي لا تصح كثير من فرائض الإسلام إلا بها، فهي ليست لغة جماعة محدودة ولكنها لغة المسلمين أينما كانوا. ورغم أن الثقافة العربية ظلت مهيمنة  أزماناً متطاولة إلا أن ذلك لم يكن على حساب اللغات المحلية ،ولا الأنماط الثقافية الأخرى، فقد ظلت الجماعات غيرالعربية مسلمة وغير مسلمة تتحدث لغاتها فيما بينها، وتمارس عاداتها وتقاليدها دون حجرمن أية سلطة أو نظام سياسي مرّ على السودان، والذين يتحدثون اليوم عن التهميش الثقافي إنما ينطلقون من موقف أيدلوجي معاد للإسلام يفصحون عنه تارة ، ويخفونه أخرى ، فإن أرادوا حفظ الحقوق اللغوية والثفافية للأقليات فسبيل ذلك غير السبيل التي يسلكونها، وهي محاولة هدم الثقافة العربية، وبناء ثقافة أفريقية متوهمة على أنقاضها. وحالة الغلبة الثقافية في السودان ليست بدعاً، فقد فرض الأنجلو ساكسون في بريطانيا ثقافتهم على الاسكتلنديين ، والايرلنديين ،كما فرضوها في أمريكا على المهاجريين الجدد من ألمانيا،وفرنسا ،والسويد، وفرضت أسبانيا هويتها الثقافية على كل الأقطار والشعوب التي استعمرتها في أمريكا الجنوبية .

وإذا كان فرض لغة واحدة تقتضيه اقتصاديات التعليم، ووقت الطالب، والحاجة إلى تعلم اللغات الأجنبية، و منطق التعايش بين الجماعات العرقية المختلفة كما هو الحال  في بلدان العالم المتحضر، وإذا لم يكن هناك حجر على لغة أوثقافة في السودان وظلت الثقافات المحلية الأخرى تتعايش مع الثقافة العربية، فعلام يلام أهل الثقافة العربية ؟ ومِمّ يعتذرون؟!


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج