صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


لمحات من تاريخ منطقة ابيي/د.امين حامد زين العابدين*
Nov 13, 2008, 03:28

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

لمحات من تاريخ منطقة ابيي

1755-1955

 

                                                                 د.امين حامد زين العابدين*

                                                                 الولايات المتحدة الامريكية

 

 

افتتاحية :-

 

 

يفتقر تاريخ جنوب كردفان ومنطقة ابيى الي المصادر والوثائق الكافية التى تساهم في رسم الصورة الكاملة لتاريخ المنطقة. ونجم عن ذلك اختلاف الآراء في تفسير بعض المسائل الهامة التى تتناول تاريخ المنطقة مثل تحديد تاريخ وصول نقوك الي شمال بحر العرب وجنوب كردفان والمديرية التي كانت تتبع لها مدينة ابيى قبل الغزو الاستعماري البريطانى للسودان. وعادة ما يلجأ المؤرخون لاكمال المعرفة التاريخية في المسائل التي تعوزها الوثائق الى منهج طرح الاسئلة الصحيحة والاستعانة بالوثائق القليلة المتناثرة لربط الاحداث واستنتاج بعض الحقائق التى يدعمها التحليل المنطقي وتنال القبول تبعاً لذلك الي حين ظهور وثيقة او معلومة جديدة تؤكدها أو تستوجب تغييرها.

    وفيما يلي فصل من كتاب قيد النشر بعنوان "مشكلة أبيى والتحكيم الدولى" يحاول الاجابة على السؤال التالي :متي وصل نقوك الي شمال بحر العرب ومديرية كردفان؟ وسنقدم فيما بعد فصلا اخراً يحاول الاجابة على السؤال التالي: هل تم تحويل مدينة ابيى من بحر الغزال الي كردفان في عام 1905؟ ونجادل ان دعوي بروتوكول ابيى حول هذا الامر باطلة واثبات ذلك بالحقائق الثابتة والحجة القاطعة. كما يجادل  احد فصول الكتاب ان خبراء مفوضية حدود ابيي قد تجاوزوا الصلاحية التي منحها لهم بروتوكول أبيى.

 

 

 

 

 

 

"سيطر الدينكا علي جزيرة الزراف بأكملها وكل المناطق من الزراف الي البيبور ومن تخوم اراضي الشلك الي الحدود الاثيوية باستثناء مستوطنات الانواك النهرية. وانتزع النوير من الدينكا هذه المناطق بعد الهجوم الضخم الذي شنوه ضدهم في منتصف القرن الثامن عشر، كما استوعبوا العديدين منهم بالزواج والمصاهرة . وكان دينكا نقوك الذين استوطنوا في جنوب السوباط المجموعة الوحيدة التي لم تتعرض لهجوم النوير لقلة ماشيتهم وفقر مراعيهم، كما أتاحت لهم اسطورة دينية الحصانة من الهجوم."

Ferdinand Werne,Expedition zur Entedekung zer Quelle der Weissen Nil,1840-41.

Quoted in E.Evans-Pritchard, The Nuer (1940) p.127

 

 

 

 

تعد مسألة أسبقية وصول المسيرية او دينكا نقوك الي منطقة أبيي والمناطق المجاورة للرقبة الزرقاء ورقبة ام بييرو وبحر العرب من اهم  المعايير لحسم النزاع بينهما حول ملكية هذه المناطق. واعتمد المسيرية في اثبات ملكيتهم هذه المناطق ووقوعها في ديارهم  علي الحقيقة التاريخية لهجرتهم الي جنوب كردفان في مطلع القرن الثامن عشر وانتقالهم في موسم الجفاف الي مناطق الرقبة الزرقاء وبحر العرب. و لقد حاول تقرير لجنة خبراء حدود أبيي دحض حجة المسيرية بالاستناد علي ماذكره ك.هندرسون (الذي استقي معلوماته من القسيس نيبيل حسب الروايات الشفهية لدينكا نقوك) بان نقوك قد وصلواالي المناطق المذكورة في عام 1755 وملاحظات الرحالة براون الذي زار المنطقة في عام 1798 وأشار الي وجود مجموعة من الدينكا في المناطق المتاخمة لبحر العرب بدون تحديد الفرع الذي ينتمون اليه من ضمن الفروع المختلفة لقبيلة الدينكا.

    ونجادل في هذا الفصل بأن التحليل النقدي التاريخي للادلة الموجودة والفترات الزمنية لتعاقب زعماء نقوك علي زعامة القبيلة تشير الي حقيقة وصول المسيرية الي المناطق المذكورة في جنوب كردفان  منذ مطلع القرن الثامن عشر بينما وصل اليها دينكا نقوك في عشرينيات القرن التاسع عشر بعد الفيضانات التي تعرض لها موطنهم الاصلي في وادي الزراف في جنوب السودان.

 

     تقع منطقة أبيي المتنازع عليها في شمال بحر العرب في جنوب غرب كردفان في المنطقة المعروفة بديار المسيرية. وتعرضت كردفان منذ القرن السادس عشر لغزو وحكم ممالك سنار ودارفور المجاورة لها "واتفقت كل الروايات علي انها كانت مسرحا للصراعات الدموية بين حكام هذه الدول القوية."1 . وينتمي الأقوام الأصليون الذين سكنوا هذه المنطقة إلى قبائل النوبة

 ،الشات،  التاجو،الداجو البيقو والنينقولقوليه وهم من المجموعات الأثنية التي استوطنت في شمال السودان منذ أقدم العصور. ويشكل البيقو الطبقة العليا ضمن هذه المجموعات حيث قاموا بحكم الشات في المجلد(2) وانتشرت مجموعة من الشات فيما وراء وادي شيلانقو وسيطروا على وارينا، نيوكري، تيري، تمانليك ودار الكبيرة(3) وكان البيقو والتاجو والنينقولقوليه حكاما في جنوب دارفور في الماضي، وانتشروا في المناطق المجاورة للرقبة الزرقاء ونهر لول ونهر بونقو قبل وصول الدينكا من المناطق الجنوبية الشرقية والبقارة من الشمال الشرقي. 4 .واستمر حكم النينقولقوليه في دواخل مديرية بحر الغزال في مناطق نهر بونقو الي اواخر فترة الحكم التركي عندما أفلح الحاكم لوبتون في هزيمتهم في عام 1884 واعتقال واعدام زعيمهم يانكو.5  وذكر هندرسون أن رؤساء هذه القبائل يرجعون أصولهم ونسبهم إلى أحمد الداق.(6)

  ويرجع أصل المسيرية الي قبائل جهينة العربية الذين جاءوا من شمال افريقيا الي حوض نهر شاري في تشاد في عام 1650 ،وبدأوا الاستقرار في المنطقة بعد أن هزموا قبائل البيجو.7 وواصل بعضهم الهجرة بقيادة زعيمهم عينة القادم في مطلع القرن الثامن عشر لتجنب دفع الضرائب الباهظة التي كان يفرضها عليهم صابون سلطان مملكة وداي. وكان من ضمن اتباعه الحمر، الزرق،اولاد حميد، الهبانية، المهرية، النفيبة والمحاميد.8 .وتعتبر مخطوطة الفكي النور موسي المؤرخة في عام 1100 هجرية الموافق 1700 م أقدم أثر لوجود المسيرية في منطقة جنوب كردفان، ووصلوا الي المجلد ما بين 1765- 1775 .9 . وتمكنوا من هزيمة الداجو والشات وطاردوا دينقا ملك الشات بعد هروبه عن طريق الترده وتم قتله بالقرب من حسوبة وسيطروا بعدها علي المجلد والمناطق التي تقع في جنوب كردفان.10. وذكر الرحالة والمؤرخ التونسي ان المسيرية قد تحالفوا مع هاشم سلطان المسبعات لصد هجوم السلطان تيراب حاكم دارفور ضد مملكته في عام 1785 .11 وأشار الرحالة براون في كتابه عن جولاته في افريقيا ومصر وسوريا من سنة 1792 إلى 1798 الي أن نفوذ المسيرية قد امتد جنوباً إلى السهول المليئة بالأعشاب في الضفة اليسرى لبحيرة أبيض والرقبة الزرقاء وهي أحد روافد بحر العده أو بحر العرب في ميليم ووصف الأقوام في أحد أجزاء ذلك النهر بأنهم قبائل عربية "يطلق عليها المسيرية ويقومون بتمشيط شعرهم إلى الخلف ولفه وشده في شكل ذنب العقرب"(12) .

   واندلعت عدة معارك بين قبائل المسيرية في مطلع القرن التاسع عشر انتهت بطرد الحوازمة من المجلد مما اضطرهم الي الهجرةشرقا نحو وادي الجلاء والاستقرار مع النوبة في مقاطعات الجبال الشمالية والجنوبية.13 . كما اندلع القتال بين المسيرية الزرق والحمر في الفترة ما بين 1835 و1845 ونجح زعيم المسيرية الحمر علي ابوقرون في هزيمة ابو اجبر زعيم المسيرية الزرق وأجبره علي الهروب جنوبا الي التردة حيث تم قتله.14 .وهاجم المسيرية الزرق بعد طردهم من المجلد قبيلة الحوازمة الذين اضطروا الي التقهقر شرقا الي منطقة الدلنج واستقروا في المنطقة ما بين ابوزبد والسنط شمالا والي لقاوة وبحيرة كيلك  جنوبا.15 . وحاولت بعض مجموعات من قبيلة الرزيقات في الفترة ما بين 1845 – 1855 طرد الحمر من منطقة المجلد ونجح الحمر  في صد هجومهم بعد معركة استمرت ثلاثة ايام وترسيخ وجودهم في المنطقة منذ تلك الفترة.16 .

   أضافت سلطات الحكم التركي المصري اقليم بحر الغزال الي مديريات السودان في عام 1873  وتم تعيين الزبير رحمة أول حاكم للمديرية.17 . وتدخل الزبير رحمة في الصراعات بين قبائل المسيرية لحماية قوافل الرقيق المتجهة الي كردفان ، وتجاوز صلاحياته باعترافه بعلي مسار ناظرا للمسيرية الحمر  رغم تعيين حاكم كردفان  لعثمان حماد صويلح  ناظرا للمسيرية. 18 . وقام الزبير باشا رحمة بتعيين تاجر الرقيق والسلاح صباحي في منصب السنجك لقبيلة المسيرية بعد وصوله الي المجلد في عام 1875 وهو في طريقه الي القاهرة للاعراب للخديوي عن احتجاجه لعدم تعيينه حاكما لدارفور بعد نجاحه في القضاء علي مملكتها وضمها الي مديريات السودان في عام 1874. 19 . واستدعي غردون باشا حكمدار عام السودان اثناء زيارته لكردفان صباحي لمقابلته في الاضية في عام 1879 وأمره بالكف عن نشاطه في تجارة الرقيق لكي يحتفظ بمنصب السنجك. وتم بعد مكافحة تجارة الرقيق وضع نهاية لتدخل تجار مديرية بحر الغزال في شؤون قبائل المسيرية " وخضوع البقارة العرب لصلاحيات حاكم المديرية في الابيض"20 .

 كان الموطن الأصلي لدينكا نقوك في الجزء الشمالي لوادي الزراف حيث اضطروا للهجرة منه بسبب فيضان النيل وهجوم النوير علي الدينكا. وقال بول هاول في هذا الصدد "يصعب تحديد التاريخ الحقيقي لهذه الحادثة، ولكن من خلال الدراسة المقارنة لأجيال ومجموعات عمرية وسط النوير وخرائط الرحالة الأوائل ، فإن غزو النوير لوادي الزراف يكون قد تم في القرن التاسع عشر"21

ويعتقد النوير ان الهجوم علي الدينكا وسلب ماشيتهم واجب تمليه معتقداتهم الدينية 22 . كما ان شن الغارات علي الدينكا من اجل الماشية احد الوسائل الاساسية لتزجية الوقت "وتهاجم  كل قبيلة منهم الدينكا مرة علي الاقل في كل عامين او ثلاثة اعوام ، كما ان  بعض مناطق الدينكا تتعرض للهجوم سنويا"23 .وشن النوير  في منتصف القرن الثامن عشر هجوما ضخما ضد الدينكا الذين استوطنوا في جزيرة الزراف بأكملها  والمناطق الممتدة من بحر الزراف  الي البيبور في شمال نهر السوباط، وتمكنوا من احتلال مناطقهم بسرعة فائقة  عدا بعض المناطق القليلة في السوباط،فيلوس واتار.24 . ونجحوا في دمج واستيعاب  العديد من الدينكا عن طريق الزواج كما يتضح من اصول العديد من النوير الذين تعود اصولهم الي الدينكا.25 .وقال المستكشف الالماني فردناند فيرن  الذي تجول في جنوب السودان في الاعوام 1840-1841 ان المجموعة الوحيدة من الدينكا الذين لم يتعرضوا لهجوم النويرفي منتصف القرن الثامن عشر هم دينكا نقوك "الذين كانوا يسكنون في جنوب السوباط حيث تركوهم في سلام لقلة ماشيتهم وفقر مراعيهم ،كما أتاحت لهم اسطورة دينية الحصانة من الهجوم."26  .وتثبت مشاهدات المستكشف فيرن  ان عدم تعرض نقوك للهجوم الذي شنه النوير ضد الدينكا في منتصف القرن الثامن عشر أنهم ظلو في موطنهم الاصلي  الي العقد الثالث من القرن التاسع عشر وان نزوحهم باتجاه الغرب الي مناطق بحر الغزال  وجنوب بحر العرب  قد كان بسبب الفيضانات التي احتاحت وادي الزراف في عشرينيات القرن التاسع عشر. 27.

  وذكر د.دوجلاس جونسون (أحد خبراء مفوضية حدود ابيي) في دراسة نشرها في عام 1980 ان الاضطرابات التي تعرضت لها حياة السكان في الضفة الغربية لبحر الجبل في عام 1820 قد كانت بسبب الفيضانات وليس الحرب.28 وأجبر الفيضان الذي تعرضت له الاراضي المجاورة لبحر الجبل قبيلة نوير لاك وقبيلة نويرثيانغ الي الهجرة منها باتجاه الاراضي العالية التي استوطن فيها اللو في اقصي شمال جزيرة بحر الزراف حيث تمكنوا من طرد اللو واحتلال مناطقهم.29 واضطر اللو بدورهم الي الدخول في صراع مع نقوك وفروع اخري من الدينكا أثناء عبورهم بحر الزراف.30 ولاشك ان ظروف الفيضان وضغوط النوير علي نقوك في هذه الفترة قد كانت العامل الحاسم وراء هجرتهم الي مناطق بحر الغزال وجنوب بحر العرب.

  حاول تقريرلجنة خبراء مفوضية حدود ابيي التشكيك في حقيقة هجرة دينكا نقوك في هذه الفترة لاثبات وجودهم في مناطق بحر العرب  في تسعينيات القرن الثامن عشر. واستند التقرير علي اشارة الرحالة براون بانه قد وصل بعد مسيرة يوم من التردة الي جنقوين حيث شاهد قوما يمتازون بطول القامة والبشرة السوداء ويمتلكون الابقار ويعتمدون علي الذرة البيضاء في غذائهم. 31 . وتقع منطقة جنقوين في الضفة الجنوبية لبحر العرب او نهر كير خاصة اذا ما وضعنا في الاعتبار ان الرحالة براون قد وصل بعد يوم من مغادرتها الي منطقة قبيلة نينقولقوليه الذين استوطنوا في راجا التي تقع بين نهري لول وبونقو وكانوا"يعبدون الاصنام ويرتدون ملابس منسوجة من القطن"32. ولاحظ هندرسون ان وصف الرحالة براون  للمنطقة جنوب شرق جنقوين اقرب للشبه لموطن دينكا ملوال من تبوسايا 33 مما يرجح ان دينكا ملوال هم قبيلة الدينكا المجهولة التي يصعب تحديد أصلها(كما جادل الانثروبولوجي هاول كما سنوضح فيما بعد) والتي توغل بعض اعضائها الي مناطق بحر العرب قبل وصول دينكا نقوك اليها في القرن التاسع عشر . وأثار تقرير الخبراء الشكوك حول دور الفيضانات وهجوم النوير في هجرة دينكا نقوك بحجة  عدم وجود سجلات ووثائق تثبت هجرة دينكا نقوك باتجاه الغرب نحو بحر الغزال 34.ولا شك ان عدم وجود السجلات والوثائق  أمر متوقع بالضرورة لعدم شيوع الكتابة بين  سكان حنوب السودان في تلك الفترة ولان لغاتهم- ولايزال اكثرها- غير مكتوبة وليس عندهم أبجدية.أضف الي ذلك غياب ادلة وثائقية توضح موقع مشيخات دينكا نقوك ووضعهم الاداري في عام 1905 رغم حرص الادارة البريطانية علي كتابة وتوثيق القرارات والمعاملات المتعلقة باالشؤون الادارية. وأشار د. هاول الي وجود فرع من دينكا نقوك مازالوا يعيشون في منطقة ابونق علي طول نهر السوباط" ويشير اليهم دينكا نقوك الذين استقروا في كردفان بأنهم قومنا وأهلنا ولكن لاتوجد صلات بينهما لاجيال عديدة" 35 وتؤكد هذه الحقيقة ان وادي الزراف والمناطق المجاورة لنهر السوباط هي الموطن الاصلي لدينكا نقوك حيث اضطروا للهجرة منه الي بحر الغزال وضفاف بحر العرب بعد الفيضانات التي اجتاحت النيل الابيض في القرن التاسع عشروهجوم النوير علي فروع الدينكا الاخري.

     هاجر دينكا نقوك بقيادة زعيمهم جوك الذي كان له أربعة أبناء بيار الذي أصبح زعيماً لدينكا تويج في بحر الغزال، وديون الذي تزعم دينكا الربيك،وبولابيك وأويل الذي صار زعيما لدينكا نقوك. (36) وذكر د. هاول بان دينكا نقوك لم يجدوا المنطقة التي تقع شمال بحر العرب خالية من السكان عند وصولهم اليها،اذ كان يوجد فيها الي جانب الاقوام الاصليين المستوطنين في جنوب كردفان مجموعة من الدينكا لاينتمون الي دينكا نقوك ويصعب تحديد اصولهم" وذلك مثل كل قبائل الدينكا الذين تعرفت عليهم حيث يغلب علي انسابهم التشويش والاضطراب ولا يمكن الاعتماد عليها، وعليه فان الغموض مازال يكتنف أصل هذه القبيلة"37 .وبدأ وصول دينكا نقوك الي شمال بحر العرب في عشرينيات القرن التاسع عشرفي عهد زعيمهم اويل جوك، أي بعد اكثر من نصف قرن من استقرار المسيرية في المنطقة. وتم اول اتصال بين الدينكا والمسيرية في عهد زعيم المسيرية الحمر علي ابو قرون(في الفترة مابين 1823-1835 ) الذي خاض معركة في هذه الفترة ضد زعيم المسيرية الزرق ابو أجبر ونجح في هزيمته واجباره علي الهروب جنوبا الي التردة.واستطاع علي ابوقرون اللحاق به واقنع ثور جوك (وهم احد فروع دينكا نقوك) للتعاون معه في محاصرة ابو اجبر في فوط حيث تم قتله والقضاء علي معظم اتباعه.38

 

  وبعد وفاة اويل جوك، ذهب بعض افراد القبيلة للبحث عن ابنه كوال ديت، الذي آثر البقاء في وطنهم الأصلي في جنوب بحر العرب لكي يتولى زعامتهم في مستقرهم الجديد (39) وذكر د.فرانسيز دينغ ان زعامة كوال ديت " قد صادفت اضطرابات القرن التاسع عشر التي تعتبر اصعب الفترات في تاريخ الدينكا عندما تم سبي العالم بواسطة تجار الرقيق والقبائل العدوانية." 40

وقاد كوال ديت قومه بعد زعامته لهم نحو الرقبة الزرقاء على امتداد نجول واستقروا في المنطقة من تبسايا إلى حقنة أبو عرف.(41) وخلف كوال ديت في زعامة دينكا نقوك الزعماء الور ، بيونق والسلطان اروب بيونق الذي عاصر المهدي. وساورت السلطان اروب المخاوف من ان تمتد غارات تجار الرقيق من الرزيقات والجلابة علي دينكا ملوال الي قومه الذين يسكنون في جنوب كردفان مما دفعه الي تأييد ثورة المهدي  لكي يحمي قومه من تجار الرقيق.42 . وذهب  السلطان اروب مع بعض اعيان دينكا نقوك لمقابلة المهدي " في منطقة تقع ما بين كوستي وتندلتي وقدموا له بعض الهدايا  وأعلنوا تأييدهم له وولائهم للاسلام، ثم  قاموا بتأدية صلاة الجماعة مع المهدي وغادروا بعد ذلك الي ابيي. "43

 

.   ويمكن ان نستنتج من فترة حكم علي ابو قرون للمسيرية(1823-1835) وافتراض ان متوسط عمر الشخص في تلك الفترة 50 عاما وقترة حكم زعيم دينكا نقوك لقومه 20 عاما الجدول الزمني الاتي لفترة حكم زعماء دينكا نقوك منذ وصولهم الي شمال بحر العرب وجنوب كردفان :

اويل جوك 1815-1823 ، كوال ديت:1823-1843 ،الور:1843-  1863 ، بيونق:1863-1881 ،اروب بيونق:1881-1905 ،كوال اروب:1905-1944 . ويوضح هذا الجدول خطأ افتراض ك.هندرسون بان كوال ديت قد وصل مع قومه الي الرقبة الزرقاء في الفترة مابين 1745-1755 الذي سمعه من الاب نيبيل رئيس الارسالية التبشيرية في كاجوك حسب الروايات الشفهية للدينكا.44 . ومما يؤكد خطأ هذه الرواية وافتقارها الي الدقة في تحديد تاريخ تعاقب زعماء دينكا علي الحكم انه اذا تم افتراض ان كل زعيم من زعماء دينكا نقوك قد حكم قومه لمدة 30 عاما ابتداء من عام 1745 ، فان ذلك سيجعل فترة حكم السلطان اروب في الفترة ما بين 1835 – 1865 الامر الذي يتناقض مع اجتماعه مع  المهدي في عام 1882 . كما ان افتراض ثلاثين عاما كفترة حكم كل زعيم من زعماء دينكا نقوك ابتداء من عام 1800  ستجعل بداية حكم السلطان اروب في عام  1920 وهو أمر لا يستقيم عقلا اذا ما علمنا أنه قد توفي في عام 1905 .

.

 ويذكر المسيرية في رواياتهم التاريخية الشفهية بأن حدود دينكا نقوك في بداية هجرتهم من موطنهم الاصلي قد كانت في منطقة تقع  جنوب خور ابو نفيسة والذي يعتبرونه الحدود الجنوبية لدار المسيرية حيث دفن زعيمهم علي بو قرون(يلقب ابو نفيسة).45 .وذكروا ايضا ان الناظر علي الجلة قد سمح لدينكا نقوك بناء علي طلب  من السلطان اروب بعبور خور ابو نفيسة الي الشمال  بسبب تعرضهم لهجوم دينكا تويج وقوقريال ، واستقروا في موقع  سمي فيما بعد السلطان اروب.46 .ويشك المرء في صحة الرواية التي تري ان  دينكا نقوك قد استقروا في شمال بحر العرب للمرة الاولي  في عهد الناظر علي الجلة خاصة اذا ما وضعنا في الاعتبار ان بعض اعضائهم  قد استقروا في شمال بحر العرب  في القرن التاسع عشر كما يتضح من زيارة السلطان اروب للمهدي في عام 1882  قبل زعامة علي الجلة للمسيرية في مطلع القرن العشرين.

تقهقر الرزيقات بعد فشل محاولتهم لاحتلال المجلد من المسيرية في عام 1855 جنوبا وسيطروا علي منطقة دواس ورقبة ام بيرو الي عام 1898. 47 . وبدأوا من هذه المناطق شن غارات لاسترقاق دينكا نقوك مما دفع الزعماء اروب بيونق والور جينق الي مغادرة قراهم في حوض بحر العرب والذهاب مع قومهم الي مناطق امنة في جنوب السودان.48 . وأدرك الشيخ مادبو زعيم الرزيقات ان اضطرار اعضاء قبيلته لعبور بحر العرب الي جنوب السودان في موسم الجفاف يستلزم التصالح مع دينكا نقوك لحفظ المصالح المشتركة بينهما. وطلب من السلطان اروب الحضور لمقابلته ، ورحب به بعد وصوله حيث تم عقد اتفاقية سلام بين الرزيقات ونقوك "واختار مادبو احد رجاله للذهاب مع السلطان اروب ليكون ممثلا له وسط الدينكا" 49 . كما تعهد الشيخ مادبو للسلطان اروب بأن لايقوم الرزيقات بشن غارات هجوميةلاسترقاق نقوك وارجاع اي شخص منهم في حالة أسره.50 . وسمح السلطان اروب لعزوزه،وهو احد شيوخ المسيرية، واعضاءقبيلته بالاستقرار معه في مقر اقامته في ميثانق في جنوب بحر العرب ،كما سمح لبعضهم بالاستقرار في في مناطق ديم،قونق بيال، قونق مو .51 .    وتؤكد حقيقة بقاء السلطان اروب في الضفة الجنوبية لبحر العرب في منطقة ميثانق ان اغلبية دينكا نقوك قد استقروا في الموطن الاصلي للقبائل النيلية في جنوب بحر العرب واقليم بحر الغزال بينما استقرت اعداد قليلة منهم في اطار الحدود الجغرافية لمديرية كردفان في شمال بحر العرب. ويؤكد هذه الحقيقة ماذكره الناظر آدم دينج في افادته الي مفوضية حدود أبيي بقوله:"لم تنقطع صلتنا ببحر الغزال ،اذ ظل جدنا اروب بيونق مقيماً في ماثيانق عبر نهر كير.وسأله الانجليز عندما جاءوا وقال لهم انه ينتمي الي الشمال والي كردفان."52 .وقام الميجور ويلكنسون بزيارته في عام 1902 في مقر اقامته الذي يقع علي بعد 50 ميل في الضفة الجنوبية لبحر العرب التي تعرف بمنطقة  ميثانق  .(53) ولم يدخل دينكا نقوك في معارك ضد سلطات الحكم الثنائي بعد غزو السودان في عام 1898 مثل دينكا تويج ودينكا ملوال والرزيقات " وأفلح زعيمهم السلطان كول اروب في تجنيب قومه عبْ هذه المشاكل وتفاهم مع الحمر علي علاقات حسن الجوار واعتماد نفسه في الابيض كأحد الرعايا حيث يخضع وقومه لصلاحيات مديرية كردفان" 54 .

 

   ودفن السلطان أروب بعد وفاته في المقر التقليدي لمدافن زعماء دينكا نقوك التي تقع في منطقة ميثانق في جنوب بحر العرب"التي ما زالت موجودة وتنال كل الرعاية والاهتمام إلى اليوم" (55). وتجدر الاشارة الي ان اعضاء مفوضية حدود ابيي قد قاموا بزيارة مدافن زعماء دينكا نقوك في المنطقة المذكورة في مايو 2005  .56 وكان كوال ابن السلطان  اروب وولي عهده يقيم في الموطن الاصلي لدينكا نقوك في جنوب السودان عندما توفي والده ، واضطر الي السفر عبر مناطق النوير الي الابيض لتقديم فروض الولاء لسلطات الادارة البريطانية في كردفان وتولي زعامة قومه في ابيي .57  . ويبدو ان انتشار دينكا نقوك بين مديريتي بحر الغزال وكردفان والحرص علي تجنب التعقيدات التي ستنجم عن تقسيم القبيلة بين المديريتين قد دفعت السلطات الاستعمارية الي منح دينكا نقوك الخيار بين رجوع الاقلية الذن يسكنون في شمال بحر العرب الي جنوب بحر العرب الانضمام مع اخوانهم الي مديرية بحر الغزال او الاستمرار في البقاء في شمال بحر العرب الذي يترتب عليه الانضمام الطوعي لمديرية كردفان والخضوع لصلاحياتها بحكم أيلولة المنطقة التي يسكنون فيها في شمال بحر العرب الي المديرية.

 

وقررت ادارة الحكم الثنائي في عام 1905  أيلولة  ملكية belong  موطن السلطان اروب زعيم دينكا نقوك على نهر كير او بحر العرب الى مديرية كردفان خاصة وان بعضهم يعيش فيها كاقلية وسط الاغلبية الساحقة للقبائل الشمالية المستوطنة في المديرية. لذلك يكون حقيقة ما حدث  في عام 1905  هو الانضمام الطوعي لدينكا نقوك كأشخاص الي مديرية كردفان وليس تحويل منطقة ابيي من مديرية بحر الغزال الي مديرية كردفان كما حاول بروتوكول أبيي ايهام القارئ .

    وتم إبرام ميثاق إخاء في عام 1905 بين الناظر علي الجله زعيم المسيرية والسلطان كوال الذي تزعم دينكا نقوك بعد وفاة والده السلطان أروب، وقد ساهم هذا الميثاق في ازدياد هجرة دينكا نقوك إلى أبيي كما ذكر مفتش المركز ديبوي في تقريره لعام 1920-1921. (58)  وأشار حاكم بحر الغزال في خطاب بتاريخ 21 يوليو 1927 الي هجرة البونقو احد فروع دينكا نقوك الي ابيي "اذ كانت العلاقة مع  العرب جيدة وترعي ماشية العرب والدينكا جنبا الي جنب في الاجزاء السفلي من رقبة ام بيرو،وأبدي فرع البونقو ثقتهم في العرب حيث امتدت قراهم الدائمة في مناطق شمال الجرف"59

 

أصدرت الإدارة البريطانية الحاكمة في عشرينيات القرن الماضي قانون المناطق المقفولة كخطوة أولية للحد من انتشار الثقافة العربية الإسلامية إلى شرق وجنوب أفريقيا التي اعتبرتها مناطق نفوذها.(60) واستمر هذا التوجه كما يتضح في المنشور الذي أصدره ماكمايكل في عام 1930 بخصوص سياسة الحكومة الجديدة تجاه جنوب السودان والتي تهدف إلى تأسيس سلسلة من الوحدات القبلية المكتفية ذاتياً مع بنية تنظيمية تستند على العادات والتقاليد المحلية واستبعاد المآمير واستبدالهم بكتبة وفنيين محليين والسيطرة على الجلابة وتطوير اللغات المحلية (61) وتم في ظل هذه السياسة التي كانت تهدف في المدى البعيد إلى فصل الجنوب عن شمال السودان وضمه إلى إحدى المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا، إجراء تعديل إداري في عام 1930 (62) تم بمقتضاه نقل صلاحية إدارة شئون شئون دينكا تويج من مديرية كردفان إلى مديرية بحر الغزال بعد استتباب الأمن والسلام فيها ولكي يتم ضمان بقاء أراضي دينكا تويج في إطار الحدود الجغرافية لجنوب السودان في حالة ضمه إلى المستعمرات البريطانية في شرق أفريقيا.

   وآثر السلطان كوال أروب الحفاظ على الوضع الراهن بتبعية دينكا نقوك لمديرية كردفان لتعودهم على المنطقة التي استقروا فيها في ديار المسيرية ورسوخ علاقات الود والإخاء التي نشأت بينهم وبين سكان المنطقة وإدراك زعيمهم بأنهم سيفقدون الأرض إذا ما قرروا الرجوع إلى موطنهم الأصلي لتكون تبعيتهم الإدارية لمديرية بحر الغزال. وقال د. فرانسيز دينغ في هذا الصدد: "صرح كوال أروب لاحقاً لزعماء الدينكا في اجتماع خاص بأن اختياره لم يكن تفضيلاً للعرب على أهله الدينكا، لكنه كان وسيلة لحماية أرضهم ومصالحهم ، فاذا زادت اعداد قومي في أحد الايام فأنهم يعرفون انهم شعب واحد مع اهلهم الدينكا وسيرجعون الي وطنهم الاصلي لللانضمام معهم. وإذا كان نقوك قد قرروا الانضمام للجنوب فإنه كان يخشى أن يطالب العرب بالأرض على أنها ملكهم ويتحولوا إلى جيران معادين ويجبروا الدينكا على الخروج منها" (63) واشارعز الدين حريكة المحافظ السابق لمحلية ابيي الي هذه الحقيقة في افادته الي لجنة خبراء مفوضية حدود ابيي بقوله" عندما طرح الانجليزعلي كول اروب ودينج ماجوك فيما بعد خيار الرجوع الي بحر الغزال، تشاور هؤلاء السلاطين الحكماء مع قومهم وأخبروهم بانهم اذا ما قرروا الرجوع الي مديرية بحر الغزال فسوف لن يسمح لهم المسيرية بان يأخذوا معهم منطقة ابيي لاعتقادهم بانها جزء من ديارهم واراضيهم"64 .

  ويمكن أن نستننتج من مخاوف السلطان كوال بأن تكون نتيجة انضمام دينكا نقوك إلى بحر الغزال فقدانهم منطقة أبيي في جنوب كردفان أن أبيي قد كانت في فترة الحكم التركي المصري وفترة المهدية وما زالت منذ الغزو الإنجليزي الاستعماري في إطار الحدود الجغرافية لمديرية كردفان.

   و أدرك السلطان كول اروب أن قبوله خيار الحاق الشؤون الإدارية للمشيخات إلى مديرية بحر الغزال قد يثير شكوك المسيرية بأن تلك الخطوة ستقود إلى إعادة ترسيم الحدود وضم منطقة أبيي إلى الحدود الجغرافية لمديرية بحر الغزال مما يؤدي إلى ظهور العداوة والبغضاء وتهديد المصالح المشتركة بينهما.كما أدرك ببصيرته الثاقبة أن طبيعة حياة دينكا نقوك والمسيرية تعتمد على الانتقال الموسمي مع ماشيتهم عبر أراضي بعضهم بعضا في شمال أو جنوب بحر العرب، والتي أدت إلى تمتين روح الإخاء والمصالح المشتركة بينهما، تفرض عليه الموافقة على استمرار التبعية الإدارية لمشيخات دينكا نقوك إلى مديرية كردفان.وانعكس عمق الاخاء والتضامن بين المسيرية ودينكا نقوك في تحالف دينكا نقوك مع المسيرية في القتال ضد ابناء عمومتهم دينكا اويل ودينكا تويج في مارس    1948 عندما حاولوا التوغل بماشيتهم في مراعي مناطق ابيي والرقبة الزرقاء. وتشير مبادرة المسيرية لصد محاولات القبائل المجاورة  للتوغل في اراضي ابيي وشروعهم في القتال ضدهم الي اعتقادهم الجازم بملكيتهم لهذه الاراضي التي تقع في اطار حدود ديارهم.كما تضامن دينكا نقوك مع المسيرية"ككتلة واحدة ضد الجنوبيين بما فيهم اهلهم الدينكا من الفروع الاخري في مجالس القبائل المتداخلة التي تعقدها المديريات ذات الحدود المشتركة سنويا"65

  قررت الادارة البريطانية ادخال نظام الحكم المحلي في عام1948، وبدأت في تطبيقه بعد اصدار قانون الحكومات المحلية في عام 1951 الذي تم بمقتضاه تأسيس المجالس الريفية طبقا للحدود القبلية المعروفة مثل مجلس ريفي المسيرية، الكبابيش،الحمر،الدراميد،الشكرية..الخ.66 .وتم تأسيس فرع لمجلس ريفي دار المسيرية في ابيي بسبب عدم وجود حدود بين المسيرية ودينكا نقوك وذلك بالاضافة الي فروع في المجلد،الفولة ولقاوة. 67 .ومما يؤكد عدم وجود حدود قبلية لدينكا نقوك في مديرية كردفان عدم تحديد دائرة انتخابية لهم في انتخابات عام  1954 باعتبار انهم يعيشون في اطار الحدود القبلية للمسيرية الحمر والزرق الذين حددت لكل منهما دائرة انتخابية.68

  وحاول المسؤولون الانجليز بعد تأسيس مجلس ريفي دار المسيرية اقناع دينكا نقوك بالذهاب الي مديرية بحر الغزال "بدعوي انهم يختلفون عرقيا وثقافيا عن أغلبية السكان الذين يشاركونهم في المقاطعة والمديرية"69 وزار مايكل تيبس مفتش المركز منطقة أبيي وقدم لدينكا نقوك ثلاثة خيارات:

1-   الإنضمام إلى مجلس المسيرية

2-    الإنضمام إلى مجلس قوقريال

    3- الإنضمام إلى المجلس الجديد الذي سيتم تأسيسه في بانتيو في مديرية أعالي النيل70.

. وذكر د.فرانسيز دينغ ان الاعتقاد الشائع في تلك الفترة بأن السلطات الاستعمارية كانت تخطط لفصل الجنوب من الشمال بهدف استمرار الحكم الاستعماري في الجنوب بعد استقلال شمال السودان قد كان وراء قرار والده باستمرار بقاء دينكا نقوك في مديرية كردفان لكيلا يتم تنفيذ الخطة الاستعمارية.71 . وبذل حاكم بحر الغزال، الذي نال اعجاب وتقدير دينكا بحر الغزال وكردفان، غاية جهده للتأثير علي زعماء الدينكا لاقناع زعيم دينكا نقوك بالعودة والانضمام الي مديرية بحرالغزال.72  وقام وفد من زعماء دينكا قوقريال بزيارته وقالوا له" عليك ان تغادر كردفان وتتحد معنا وسنجعلك درعنا وزعيمنا. ولا يمكنك ان تأخذ درعنا وتسلمه للعرب، اذ يجب عتيك ان تأتي لتكون درعنا."73 ولم ينجحوا في اقناعه،اذ قرر السلطان دينغ ماجوك في اخر الامر البقاء في مديرية كردفان مثلما قرر والده في عام 1931 ،واتفق معه في الرأي اغلبية زعماء مشيخات دينكا نقوك.74 وعندما ادركت السلطة الاستعمارية أن زعماء الدينكا يفضلون استمرار وضعهم الراهن بالاستقرار في جنوب كردفان والمشاركة في مجلس دار المسيرية، تمت إفادتهم بأن السلطات قد تخلت عن فكرة إلحاق أبيي بمجلس في بحر الغزال "... وبدا ارتياح كبير على زعماء وأهالي الدينكاعندما تم إبلاغهم بهذا في مجلس .." (75)

 

تجدر الاشارة الي أنه في حالة انفصال جنوب السودان وتحول الحدود الداخلية بين الشمال والجنوب إلى حدود دولية واستمرار النزاع حول ملكية منطقة أبيي بعد ذلك، فإن قرار دينكا نقوك بالبقاء في إطار الحدود الجغرافية لشمال السودان في السنوات 1905 ، 1930 و 1953 سوف يدرج تحت مبدأ مهم من مبادئ القانون الدولي وهو القبول الطوعي دون جدال Acquiescence بالبقاء في الأراضي الإقليمية لشمال السودان وعدم الالتحاق إدارياً بمديرية بحر الغزال. واقرب مثال لتطبيق مبدأ القبول الطوعي ما حدث في الشكوى التي قدمتها هوندوراس ضد السلفادور لمحكمة العدل الدولية وادعائها ملكية جزيرة مينقوارا Meanquara والتي كانت تخضع لسيادة سلفادور منذ القرن التاسع عشر. وأشارت المحكمة في الحكم الذي أصدرته لصالح سلفادور إلى وجود سلفادور في المنطقة المتنازع عليها لفترة طويلة بدون أي اعتراض أو احتجاج من هوندوراس ولا توجد في الوثائق المقدمة إلى المحكمة أي وثيقة توضح احتجاج هوندوراس سوى في مرة واحدة" جاءت بعد تاريخ طويل من أعمال سيادية لسلفادور في مينقوارا وقدم الاحتجاج في وقت متأخر جداً بحيث لا يمكنه التأثير على مبدأ الرضوخ أو القبول الطوعي من جانب هوندوراس لسيادة سلفادور على المنطقة المتنازع عليها . ويوضح سلوك وتصرف هندوراس تجاه السلطة الفعلية لسلفادور على المنطقة قبول أو اعتراف أو رضوخ أو اي شكل من أشكال الموافقة الضمنية على الوضع".(76)

واختتمت المحكمة الحكم بقولها "على ضوء الوضع المبهم وغير الواضح للملكية والسلطة الفعلية على منطقة النزاع في العهد الاستعماري فإن تأكيد سلفادور لمطالبتها بالجزيرة إضافة إلى ملكيتها وسيطرتها الفعلية عبر فترة طويلة يعتبر كافياً في حد ذاته ، ويجب ملاحظة أنه إذا كان هناك أدنى شك فإن موقف سلفادور قد جعل حاسماً ونهائياً بالقبول والرضوخ الطوعي لهندوراس" (77)

 

     وصل المسيرية الي جنوب كردفان منذ اوائل القرن الثامن عشر، واستطاعوا في فترة وجيزة الاستيلاء علي العديد من مناطق قبائل الشات والداجو والنوبة. وامتدت مساحة الاراضي التي امتلكوها بحق الفتح الي الرقبة الزرقاء ورقبة ام بيرو وبحر العرب . ولم يغادردينكا نقوك موطنهم الاصلي في وادي الزراف في منتصف القرن الثامن عشر لعدم تعرضهم للهجوم الضخم الذي شنه النوير ضد الفروع المختلفة للدينكا في ذلك الوقت كما ذكر المستكشف الالماني فيرن.وتؤكد هذه الحقيقة ان الفيضانات التي اجتاحت النيل الابيض في عشرينيات القرن التاسع عشرقد كانت العامل الاساسي الذي دفعهم الي الهجرة نحو مناطق بحر الغزال وجنوب كردفان وبالتالي بطلان افتراض ك.هندرسون بأنهم قد وصلوا الي جنوب كردفان في الفترة ما بين 1745 و 1755 . ويثبت تولي خمسة رؤوساء لزعامة قبيلة نقوك ( وهم اويل،  كول ديت ،الور ،بيونق واروب ) بعد هجرتهم باتجاه الغرب الي بحر الغزال وحوض بحر العرب ، ومقابلة السلطان اروب للمهدي في عام 1882 بأن هجرتهم الي المناطق المذكورة قد كانت في القرن التاسع عشر وليس في القرن الثامن عشر.

 

 

*د.امين حامد زين العابدين، عضوسابق بهيئة التدريس ورئيس سابق بقسم التاريخ ،كلية الاداب، جامعة الخرطوم.يعمل الان باحثاً مستقلاً بمنطقة واشنطون بالولايات المتحدة .صدر له في 2007 كتاب اتفاقية السلام الشامل وخلفية الصراع الفكري عن دار جامعة الخرطوم للنشر.

 

 

 

 

 

 

الهوامش

 

 

 

 

1- R. O’Fahey,” Kordofan in the 18th century”54 Sudan Notes And Records(1973)p.34

 

2- K. D. Henderson “The migration of the Misseria into southwest Kordofan”22 Sudan Notes and Record. Pt.1 (1939)p.54

 

3- Ibid.p.55

 

4-K.D.Henderson, Sudan Republic (New York,1965)p.152

 

5- Ibid.p.155

 

6- K.Henderson “The migration of the Misseria…”p.56

 

7- File No./secret/66/D/A,Misseriya people’s rural council, Al-Fula,pp.79-86, updated Appendix B, entitled: ”Ahistory of the entry of the Misseriya Arab into the Sudan” .Cited in Abdelbasit Saeed, The state and socioeconomic Transformation in Sudan. Unpublished Ph.D thesis.University of Connecticut, 1982. p.121

 

8-K.Hendeson “The migration of the Misseria..”p.58

 

9- Ibid.

 

10- Ibid.p.62

 

11- Ibid. p.59

 

12- Ibid. p.60

 

13- History of the entry of the Misseiya Arab into Sudan.File 66/D/A. Al-Fula.Cited in A.Saeed.op.cit. p.122

 

14- Ibid p.122. ; K.Henderson, “The migration of the Misseria..”p.

 

15- History of the entry of the Misseriya Arab into Sudan.Cited in A.Saeed. op.cit.p.122

 

16-Ibid.

 

17- R.Hill, Egypt in Sudan (Oxford University Press, 1959) p.135

 

18- K.Henderson, “The migration of the Misseria…”p.67

 

19- Ibid.p.68

 

20-Ibid.

 

21- P.Howell, “Note on the Ngork Dinka of Western Kordofan”32 Sudan Notes and Records, pt.1.(June,1951)p.241

 

 22- E.Evans-Pritchard ,The Nuer (Oxford University Press,1940)p.125

 

23- Ibid. p.126

 

24-Ibid.p. 127

 

25- Ibid.

 

26- Ferdinand Werne, Expedition zur Entdekung der Quelle des Weissen Nil:1840- 41.( 1848) Quoted in E.Evans-Pritchard , The Nuer, p.127

 

27- Douglas Johnson, “Reconstructing a history of local floods in the upper Nile region of the Sudan” 25 International Journal of African Historical Studies,3 (1992)

 

28-D. Johnson, “Tribal Boundaries and Border Wars:Nuer-Dinka Relations in the Sobat and Zaraf Valleys” 23 Journal of African History(1982)p.185

 

29- Ibid.

 

30-Ibid.See also ,The Equatorial Nile Project and its Effects on the Anglo-Egyptian Sudan,1,(Khartoum,1954)p.208 ;P.Howell,”The Zaraf Hills”26 Sudan Notes and Records,2 (1945)p.320. Appendix to chapter 2 in Lienhardt, Divinity and Experience (Oxford,1961)p.98

 

 

31-K.Henderson “The migration of the Misseria…”p.60

 

32- Ibid

 

33-Ibid.

 

34- Abyei Boundaries Commission Report,July,2005. p.31

 

35- P.Howell, “Note on the Ngork Dinka…”p.241

 

36- Ibid. p.242

 

37- Ibid. p.241

 

38- K.Henderson “The Migration of the Misseria…”pp.63-64

 

39- P.Howell, “Notes on Ngork Dinka…”p.242

 

40-F.Deng, War of Visions: Conflict of identities in Sudan (Washington,D.C.,1995)P.254.

 

41- K.Henderson “The migration of the Misseria…”p.58

 

42- H.Salih et.al.; Abyei Report:Main report of the socioeconomic survey(Khartoum,1978)p.8 .Quoted in A.Saeed, op.cit.p.163.

 

43- Ibid.

 

44- K. Henderson, “The migration of the Misseria…”p.57

 

45- A. Saeed,The state and socioeconomic Transformation in Sudan.p.163

 

46- Ibid.pp.163-64

 

47- K. Henderson, “The migration of the Misseria..” p.65

 

48- F. Deng, Wars of Vision; p.255

 

49- Ibid.p.256

 

50- Ibid.p.

 

51- Ibid.pp.257-58

 

52-Abyei Boundaries Commission Report.p.142

 

53- Count Gleichen, The Anglo-Egyptian Sudan (London,1905)pp.154-56 Quoted in Abyei Commission Reportpp.192-94

 

54- K .Henderson “ The migration of the Misseria..”p.71

 

55- P. Howell, “Notes on the Ngork Dinka..”p.

 

56- “Yesterday, this commission while it was meeting visited the graves of Arop Biong at Mathiang. Wehad compared what had been written by the British with the reality in the ground .” Ambassador Dirdeiri. Abyei Boundaries Commission Report.p.97

 

57- F. Deng, Dynamics of Identification.(Khartoum University Press,1973)p.51

 

58- Kordofan province report,1920-1921.

 

59- The Sudan Intelligence Report.July,1927

 

60- R.Collins, Shadow in the Grass (Yale University Press,1983)p.170

 

61- M. Daly, Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan (Cambridge University Press,1986)p.170

 

62- Abyei Boundaries Commision Report.p.84

 

63-F. Deng, Dynamics of Identification.p.52

 

64- Abyei Boundaries Commission Report.p.84

 

65- F.Deng, Dynamics of Identification.p.53

 

66-Abyei Boundaries Commission Report.pp.84-85

 

67- Ibid.

 

68- Ibid.p.86.

 “I do not know any boundaries except the border between the southern provinces and the northern provinces “ Abdulla Deng. Abyei Boundaries Commission Repore.p.146.

  “So between us and the Misseriya there are no geographical boundaries.We are surprised by our brothers who talk of 1905….in the map of `1905 let them show us the tribes that were living there….” Ayom Matet. Abyei Boundaries Commission Report.p.146.

 

69- F .Deng, Dynamics of Identification.p.53

 

70- Ibid.p.54.

 

71- Ibid. pp.53-54.

 

72- Ibid. p.53

 

73- Ibid.p.54

 

74- Ibid

 

75- Kordofan province, Monthly Diary;April,1951. Point No. 4073.

 

76- International Court of Justice Reports. El-Salvador/Hondouras(1992)

 

77- Ibid. p.579.

 

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج