صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


أوباما, انتصار ثقافة الهوية : دروس لمصلحة الأمة العربية/حاج علي ـ السعودية
Nov 8, 2008, 21:09

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

أوباما, انتصار ثقافة الهوية : دروس لمصلحة الأمة العربية

لم تدم ولم تتوارث لعنة اجتماعية عبر التاريخ الطويل للإنسانية مثلما دامت وتوارثت لعنة اللون الأسود , فكتب التاريخ تحدثنا عن عجائب غريبة حول نشأة الأمم وتشكُل الإنسانية بدءً  بشريعة آدم الأول " أبونا " عليه السلام وحتى شرعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ! , وما بين هذه وتلك تكدست آلاف بل ملايين الأطنان من المجلدات المليئة بالإحن والمرارات والحروب والفظائع والنوادر أحياناً , المرتبطة باللون والعرق , ومن طرائف القدر ومفارقاته أن تأصلت هذه اللعنة أو سمها العقدة إن شئت , إلي درجة أصبحت معها جزءاً أصيلاً ومسلماً به في وعي الأمم والأجيال إلي يومنا هذا برغم تنامي الوعي وتطور العلم المرتبط بالعرق والجينات التي تُرجع البشرية كلها إلى أصلها الواحد , فضلاً عن الدين الذي رد الإنسانية كلها لآدم وحواء التي أُخذت من ضلعه , كتب الدينوري في الأخبار الطوال قائلاً : [ قال أبوحنيفة أحمد بن داود الدينوري رحمه الله , وجدت فيما كتب أهل العلم بالأخبار الأولى , أن آدم عليه السلام كان مسكنه الحرم , وأن ولده كثروا في زمان مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم , وكان سيد ولد آدم في دهره والقائم بأمره , وكذلك كان آباؤه إلي آدم عليهم السلام أجمعين , ووقع بينهم التنازع في الأوطان , ففرقهم مهليل في مهب الرياح الأربع , وخص ولد شيث بأفضل الأرض , فأسكنهم العراق ] , وكما سيأتي لاحقاً في التسلسل التاريخي لهذه السلالة التي حطت رحالها بأفضل الأرض , أنه ينحدر منها نبي الله نوح عليه السلام والذي من ذريته سوف تعمر الأرض كلها من مشارقها إلي مغاربها , وفي كتابه تاريخ الأمم والملوك أورد الطبري ما يلي : [حدثني القاسم بن بشر بن معروف قال حدثنا روح قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ولد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو الزنج ويافث أبو الروم ] , يتضح لنا من خلال هذه المقدمة القصيرة أن الخلق جميعهم , مهما اختلفت ألوانهم أو ألسنتهم إنما يلتقون في أصل واحد وهو ذلك " الآدم " الذي حكت عنه كتب الأولين من الأنبياء والمؤرخين , وعضد ذلك وأيده القرآن الكريم : [ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ] , والخليفة هو آدم هو هذا الإنسان الذي تكاثرت ذريته وتناسلت وتفرقت في مهب الرياح الأربع كما أخبر بذلك الإمام  الدينوري : في " أخباره الطوال " , فكان الأبيض وكان الأسود وكان الأشقر وكان الأجعد , ولكن أهم من كل ذلك كان اختلاف الأقاليم فكان تباين المناخ وتأثيراته التي طبعت كل قوم وميزت بصمتهم وخصوصية ملامحهم , ولأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي ولا يقوى علي العيش منفرداً , كانت الحاجة ماسة للتواصل مع الآخر فنشأت اللغة وكان اختلاف الألسن , ولأن العالم ولآمادٍ سحيقة كان يعيش في جزر منفصلة ومتباعدة عن بعضها البعض وليس هنالك إمكانية للانتقال أو الاتصال ـ كما هو الحال اليوم ـ لذا نشأت الأسطورة والقصص الشعبي والحكايات حول ما هو مجهول وماذا وراء الأفق الذي يحيط بكل شعب ؟ , فعبدت أقوام الشمس و النجوم الأخرى والكواكب وجعلت منها آلهة , أو ابتدعت لها آلهة فكان إله الشمس وإله المطر وإله الجمال وإله الخمر وإله الخصب وإله النماء و غير ذلك من آلاف الآلهة , وحتى الظواهر الطبيعية العلمية لم يكن بمقدور العقل البشري أن يفسرها أو يجد لها علة , فكان يردها لغضب الآلهة حيناً ولغواية الشيطان أحياناً أخرى , فظاهرة بسيطة مثل قوس قزح , والذي هو قوس لإله المطر الذي كان يدعى " قزح " في الأسطورة العربية , وأن هذه الظاهرة ـ وغيرها من الظواهر ـ , نجد في عالم اليوم أن بإمكان أي طفل يشاهد قناة " سبيستون " أن يحدثك عنها وبأنها انكسار الضوء الأبيض وتشتته لألوان الطيف السبعة ! , وحينما تكاثرت البشرية وتفرقت في الأرض وتناسلت واحتدم الصراع بينها ساد الظلم وعم الفساد و تنابزوا بالألقاب , تدخلت الحكمة السماوية وقالت كلمتها التي كُتبت في الأزل وخُطت علي لوحٍ قد حُفظ ولم يُنزل إلا بأجل ، فكانت الرسالات وكان الأنبياء والرسل , كلٌ بلسان قومه , وكلنا يعلم أن جميع الأديان قد جاءت كلها بكلمة واحدة وهي كلمة التوحيد , وأن هذه الكلمة لو أن تم استبصارها واستنزالها على أرض الواقع والتطبيق كما ينبغي لها أن تكون لكانت قد كفت الناس الكثير مما تكبدوه من مرارات وإحن أورثت المجتمع البشري ويلات وحروبٍ ودمار وتخلف ما زالت آثاره تمتد إلي اليوم وربما حتى غداً , و أن آخر تلك الرسالات هو الإسلام وما اتسم به منهجه العلمي من سمات تدعو الإنسان إلي التدبر والـتأمل والنظر في الكون وفيما حوله بغية إعمال العقل والفكر لأجل التحقق بالمقارنة والمشابهة بين العناصر المختلفة وبالتالي الوصول إلي الوحدانية التي دعت إليها كل الأديان ولينسجم  بذلك داخله ويتسق من ثم مع الآخر الذي يتقاسم معه العيش في الكوكب الواحد , ومن سمات ذلك المنهج أيضاً هو أن الكون خاضع لسنن إلهية ليس معها أي مكان للأسطورة أو الخرافة , كما أن ذات المنهج قد ذهب لأكثر من ذلك إذ أنه عمل على إزاحة كل ما يعوق العقل عن التفكير وتنقيته وتخليصه من كل مما علق به وران عليه من الماضي أو ما يلحق به من تأثيرات الحاضر , كما أن شريعة المنهج الإسلامي لم تغفل عن أن تحدد للناس مسارات واضحة فيما يلي العصبيات والعرقيات وهوى الأنفس , فحينما ورد الخطاب في هذا الإطار لم يأتِ ليخاطب قبيلة دون الأخريات أو يسمو بلونٍ على الآخر وإنما جاء الخطاب شاملاً أو قل جامعاً وموحِداً وموحَداً فكان قولاً فصلاً , قال تعالى :  {  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير } , تلك هي ملامح المنهج العلمي في القرآن الكريم ونظريته الاجتماعية المتكاملة التي لم تدع لا خلفها لا أمامها أي مجال للاجتهاد لأي متشكك أن يبني صرح مملكته ويقيم عرشه ويرسم أحلامه على أساس من عصبية العرق أو اللون إلا كبح جماحه , و مجتمعاتنا العربية والإسلامية , والعربية على وجه الخصوص , وهم الذين خصهم الله سبحانه وتعالى بنبي الرحمة الناطق بلسانهم العربي المبين , الخاتم للأنبياء والمرسلين , أين هم من ذلك المنهج ؟ وأين هم من تطبيقه وممارسته والعمل بموجبه ؟ بله نشره والدعوة إليه حتى يهتدي بنوره آخرين ليكون ذلك خيرٌ لهم من حُمر النعم ؟! , بل أين هم من منهج آخى بين عمار بن ياسر العربي الأبيض وبلال بن رباح الحبشي الأسود الذي أول من صدع في الإسلام بأن حي على الصلاة ؟ وأين هم من منهج جاء ليسوق البشرية على مكث نحو المساواة والتآخي , و في الحديث : { " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي " ، ولا يقل : عبدي وأمتي } , أربعة عشر قرناً وثلث القرن قد انقضت ومناهجنا  الدراسية العربية ما زالت تكرس للعصبية والتفرق , وإعلامنا يعج بالانتقائية والاصطفائية سواء في المعلومة أو في الوجوه , أعطوني مثالاً واحداً لفضائية عربية تطل إلي العالم وتدعي التميز والتفرد لا تبني اختيارها لمذيعيها على أساس من اللون والشكل ؟ أين الإبداع إذاً ؟ وأين الرسالة التي يتشدقون بها وأين النقلة الحقيقية والرسالة التربوية التي يناط للإعلام أن يقوم بها ؟ الإعلام العربي يهاجم الأنظمة العربية الرسمية ويكرس لأسوأ مما تقوم به تلك الأنظمة ! , أما المكتبة العربية وما تزخر به من مراجع وأمهات الكتب في التراث العربي والإسلامي و التي نعتز ونفخر بل ونباهي بها أمام العالم أجمع , لا تخلو هي الأخرى من التكريس لثقافة التعالي العرقي والاثني , والتي ربما لم تكن قد سلمت من أيدي المستشرقين من أصحاب الغرض والنزعة العرقية الاستعلائية ومن حذا حذوهم من أكاديميي العرب الذين داروا في فلك المستعمر ووقعوا في مصيدته , بل أن الأدهى والأمر أن تلك المادة التي تعج بها قد كانت ولم تزل مباحث ذات حضور مقدر في منصات الأكاديميات والجامعات العربية يُمنح بموجبها الطلاب أرفع الدرجات العلمية ! , فضلاً عن تدريسها لطلاب المدارس والجامعات , بما جاءت به على عللها , أقرأ معي ما جاء في مقدمة ابن خلدون , ذلك العبقري الموسوم " بأبي علم الاجتماع بلا منازع " و ماذا قال : {  وفي جنوبي هذا النيل قوم من السودان يقال لهم لملم وهم كفار، ويكتوون في وجوههم وأصداغهم، وأهل غانة والتكرور يغيرون عليهم ويسبونهم ويبيعونهم للتجار فيجلبونهم إلى المغرب، وكلهم عامة رقيقهم وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلا أناسي أقرب إلى الحيوان العجم من الناطق، يسكنون الفيافي والكهوف ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة، وربما يأكل بعضهم بعضاً وليسوا في عداد البشر. } !! , وددت فقط أن تتوقف معي عند عبارة " وليسوا في عداد البشر " , وأنظر ما فيها من قوة التأكيد وصرامته , ولمزيد من الدقة وصدق التحري للتيقن من قوة العبارة وخطورتها , دعنا نتأمل معاً بعض المواضع التي وردت فيها عبارة " وليس " في القرآن الكريم , قال تعالى في سورة البقرة : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) } , وقال تعالى في سورة آل عمران : { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36 } , تأمل هذين الموضعين الذين وردا في القرآن الكريم تكتشف قوة النفي ووضوحه وتأمل ما يتلو " ليس " , ودعنا نعطيك موضعاً آخر في القرآن الكريم في نفس سياق " وليس " , و بعدها لك أن تتخيل جرأة ابن خلدون وقطعه بنسف صفة البشرية عن أناسٍ هم من خلق الله , لا يُمِيزهم الله ولا يفضلهم عن غيرهم إلا بالتقوى ! , قال تعالى في سورة الأحقاف : {  وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) } , لم نقصد من هذا الاستطراد تجريم ابن خلدون ومحاكمته وإن لم يكن ليفلت من العقاب ولعنة التاريخ عبر الأجيال لما جناه على نفسه ببعض آرائه العنصرية المتطرفة , بيد أننا وبشكل صريح نريد محاكمة ابن خلدون في ثيابه الحاضرة , فعلى الرغم من أن الرجل قد قضى نحبه قبل زهاء الثمانية قرون , فهو لم يزل حياً يمشي بين الناس ويتجول في الأسواق وهو حاضرٌ في كل الأندية العربية على اختلاف مشاربها ، فأزمة اللون حاضرة في الرواية العربية وحاضرة في المسلسل اليومي وفي الجرائد الصباحية والمسائية وفي قاعات الدراسة تتقاسم مع التلامذة الخبز والعصير, وفي أفلام الأطفال الكرتونية وغيرها , وأهم من كل ذلك فهي حاضرة كل لقاءات الجامعة العربية , شكراً جزيلاً للشاعر العربي الفذ نزار قباني وهو حياً بفلسفته العبقرية متجلية في شعره , وأسكنه الله الفردوس الأعلى وهو مستريحاً في قبره , حين قال : [ ثقافتنا فقاقيع من الصابون و الوحل ****** فما زالت بداخلنا رواسب من أبي جهل ] , وأنا أحسب أن نزار قد كان متسامحاً حين قال : " رواسب " , و إذ كأني بأبي جهل حيٌ يرزق , فنموذج عنترة الذي لا يصلح إلا " للحلاب والصر " مازال مرتسماً في أذهان الكثيرين وموجهاً لخيالهم , بل أن هنالك من القبائل العربية من ترى أن الأذان لا يصلح إلا لبلال وأحفاد بلال !! , تأمل : كل هذا يحدث في عالمنا العربي المسلم , هذه الأمة التي أدخر لها الله من التراث ما لم يدخره لغيرها , فهي التي قد خُصت بكتاب نزل بلسانها , شَرّق العالم ما شرق وغرب ما غرب إلا وكانت الإجابة بين دفتيه , الاسترقاق وتجارة الرق حقائق تاريخية لا ينكرها أحد , وأنها ارتبطت بالقارة السوداء فتلك حقيقة أيضاً , إلا أن الحقيقة الكبرى هي أن دوافعها كانت استعمارية بالدرجة الأولى , فحينما أحكمت الدول الغربية أساس ثورتها الزراعية وبدأت تستشرف تخوم ثورتها الصناعية كانت حاجتها ملحة لليد العاملة الرخيصة والمنتجة التي تعمل جنباً إلي جنب مع الماكينة وتسهر معها وبكفاءة لا تقل عن كفاءتها , فكانت الأنظار كلها علي أفريقيا , أرض الماكينات البشرية والأيدي الفولاذية , أرض لوممبا ومانديلاو نكروما وجومو والفطرة السوية , فكتَبَ التاريخ ودون لنا في سجلاته تلك المآسي التي نعرفها جميعاً عن تجارة الرقيق ومعاناة الأفارقة وكيفية نقلهم وترحيلهم عبر سواحل الأطلسي , قرأت في أحد الكتب التي تتحدث عن تجارة الرقيق : " أن سفينة كانت محملة بالبضائع فتعرضت للغرق , ففقدت نصف ما كانت تحمل من تلك البضائع " , وهل تعلم أن البضاعة التي كانت تحملها السفينة هي " شحنة من العبيد " !! , فتجارة الرقيق كانت أسوأ وأخس ممارسة اقتصادية عرفتها الإنسانية على مر تاريخها الطويل , فهي قد جعلت من الإنسان سلعةً تباع وتشترى وتدخل سوق المزايدات والبورصات والمراهنات والمستودعات والمصارف ! , ومن سخريات القدر أنها كانت لها وكلاؤها " الحصريون " , وهم الذين كانوا يقومون بتجهيز البضاعة بالإنابة عن البيض حتى موعد استلامها , و مما يُحزِن أن هؤلاء الوكلاء كان بعضهم من المسلمين الذين ينتمون إلي القبائل العربية , نذكر على سبيل المثال لا الحصر أحد أولئك الوكلاء , الذين خلدهم التاريخ كما لم يخلد غيرهم في زمانه , فمن منا لا يعرف شارع الزبير باشا رحمة الذي يتوسط أرقى أحياء مدينة الخرطوم , العاصمة السودانية , فهذا الرجل والذي يوجد قبره بأحد ميادين القاهرة , قد صال وجال بخيله ورجله في الجنوب السوداني مطارداً للسود بائعاً لهم , ليبني من ذلك أمجاده , وليخلده من بعد التاريخ ويجعل من أحفاده أمراء !! , ومن أسمه شارعاً يدب عليه أحفاد " العبيد " ! , لم نقصد من هذا إثارة النعرة القبلية " فالفتنة أكبر من القتل " , ولكننا وددنا أن نقول أن ود رحمة ما زال حياً فينا , ومعاصراً ويقبع في قصورنا الملكية ويتمتع بحصانة دبلوماسية , وعزاء الأحفاد في أنها قد نسيت أو تناست أو قل تغابت حتى يستقيم لها الحاضر ويتسنى لها سيادته , جاء في الأمثال : {   ليس الغبي بسيدٍ في قومهِ  لكنَّ سيدَ قومهِ المتغابي } , ما أوردناه آنفاً يمثل نذراً يسيراً من تلك اللعنة التاريخية التي تدعى سواد , تاريخياً , وفي أنحاء وأزمان متفرقة من ثقافتنا وعالمنا العربي , ودعنا الآن ننتقل إلي : أمريـــــــــــكا والســـــــــــــــــــــود : ففي كتابه : أمريكا وإسرائيل وعقدة الدم , أورد الشيخ الدكتور : عبد العزيز بن مصطفى كامل , ما يلي : {  بعد فراغ القارة الأمريكية من العبيد ( الحمر ) قرر الأمريكيون استيراد عدة ملايين من العبيد ( السمر ) لخدمة ( الشعب المختار ) فتحول رعاة البقر إلى بحارة يجوبون السواحل الإفريقية لاصطياد " العبيد " وحشرهم في سفن الشحن } , وهنا تبدأ رحلة جديدة من رحلات اللون الأسود التي قاساها عبر تاريخه الطويل لتضيف إلي معاناته معاناة أخرى , غير أن الرحلة في هذه المرة ستكون عبر القارات و في إطار جغرافي مختلف ,  وربما كانت رحلة اللا عود بالنسبة للكثيرين وهي قد كانت كذلك , فمن سلالة أولئك المهجرين قد احتضن حوض الكاريبي بعض من الدول التي اتشحت كلها بالسواد ! , وانقطع فيها ذكر الأجداد عن الأحفاد  , دول بنتها شعوب قد اقتلعت من جذورها , شعوب لا تعرف تاريخها ولا منبت أجدادها إلا بالقدر الذي ترويه الحكايات أو تقرأه الكتب المشوهِة للتاريخ ! , جيوش من الأفارقة تم ترحيلهم إلي تلك البلاد فمنهم من هلك ومنهم من وصل , أقرأ معي تقرير منظمة اليونسكو الصادر في عام " 1987 م " , والذي أورده المصدر المذكور أعلاه : {  فقد جاء فيه أن إفريقيا فقدت من أبنائها في تجارة الرقيق نحو 210 ملايين نسمة ، وذكرت التقارير أن ما لا يقل عن خمسة وعشرين مليوناً من الأفارقة الذين تم شحنهم من أنحاء القارة في أفواج من ( جزيرة جور ) الواقعة في مواجهة العاصمة السنغالية ( داكار ) ؛ قد هلك أكثرهم قبل أن يصلوا إلى العالم الجديد مما لقوا في رحلات العذاب داخل سفن شحن المواشي ! } , وماذا كان حال السود عندما أستقر بهم المقام في العالم الجديد ، بلاد العم سام , لقد ظلت اللعنة تلاحقهم وتتعقب حركاتهم وسكناتهم , فلقد قاسى السود من الأبيض الأمريكي ردحاً من الزمان , وذاقوا شتى صنوف الأذى والعذاب الجسدي والنفسي , حتى قيض الله ذلك الرجل الذي يدعى إبراهام لنكولن أو " محرر العبيد " , فلأجل محاربة السود والأقليات الأخرى غير البيضاء , نشأ ما يُعرف بالهولوكوست " Holo- cost " , وهي كما جاء عنها في الموسوعة البريطانية :  { عصابات منظمة نشأت في ولايات الجنوب الأمريكية ، تعارض منح الزنوج الحقوق المدنية ، واتبعت الإرهاب المنظم ضد الزنوج والأقليات الأخرى غير البيضاء واتبعت طقوس معينة في أعمالها حيث تتشح بزي أبيض وقلنسوة لا تبرز منها إلا العيون وتمارس جرائمها في الليل وتقوم بحرق بيوت ومزارع الزنوج وشنقهم على أفرع الأشجار } , بل أكثر من ذلك فإن جميع الرؤساء الأمريكيين والشخصيات البارزة الذين ناصروا السود في قضيتهم قد تم اغتيالهم وتصفيتهم , فلنكولن مات قتيلاً ومن بعده جون كنيدي , وفي القائمة كذلك مارتن لوثر كنج زعيم الحقوق المدنية للسود , وغيرهم كثرٌ , واستمرت معاناة السود من الفصل العنصري و الاضطهاد العرقي الذي ظلت تمارسه عليهم الأكثرية البيضاء  حتى صدور قرار المحكمة العليا في عام "1961م " بمنع الفصل العنصري في المدارس والمطاعم والمناطق العامة ، ومن غرائب الصدف فإن هذا التاريخ هو نفس العام الذي ولد فيه أوبــــــامــــا المولود من أب كيني بُعث للدراسة بالولايات المتحدة  , وأم أمريكية الأصل من البيض , فبعد ما يقارب نصف القرن من الزمان ـ بعد مولد الرئيس المنتخب ـ توج نضال السود مدعوماً بقوة إرادة المؤسسة السياسية الأمريكية , من أن يلج رجلاً أسود البيت الأبيض ومن أوسع بواباته , لكننا في ختام مقالنا هذا نريد أن نطرح سؤالاً ـ نحسب أنه يشكل العصب المركزي لبحثنا ـ وهو : هل بفوز أوباما , يعني ذلك انتصار الأسود على الأبيض , أم انتصاف الثاني للأول ؟ , وللإجابة عن هذا السؤال نعود ونذكر بأن أمريكا دولة مؤسسية , فبرغم جراحات الماضي بين البيض والسود , ومخلفات الحرب الأهلية التي أودت بحياة أكثر من نصف مليون نسمة من الأمريكيين " نشبت الحرب الأهلية في 12 نيسان 1861م بين القوات الكونفدرالية الجنوبية والقوات الفدرالية في الشمال ،وانتهت في 9 نيسان 1865م بانتصار الشمال بعد أربع سنوات من القتال سقط فيها (360)ألف قتيل من الشمال و (260 ) ألف من الجنوب " , وبرغم العمر الزمني القصير للدولة نفسها "  حرب الاستقلال التي انتهت بتحرير الولايات الأمريكية من السيطرة البريطانية في 1776 م " ,  فبرغم كل ما ذكرنا آنفاً إلا أن المؤسسة السياسية تظل هي التي لعبت الدور الحاسم في وضع الأمور في أنصبتها الحقيقية بمنهجها المستقى من فلسفتها البراغماتية , " البراغماتية تعني المذهب العلمي أو فلسفة الذرائع ،وهي فلسفة أمريكية تتخذ من النتائج العلمية مقياساَ لتحديد قيمة الأفكار الفلسفية وصدقها. وأصبحت سمة للسلوك الأمريكي الجمعي " , المصدر : المورد , منير بعلبكي , نستنتج من هذه الشواهد التي أوردناها , حقيقة هامة وهي أنه ما كان لأوباما أو أي من بني جلدته أن ينتصر , لو أن ترشح بهويته الأفريقية أو ممثلاً لأبناء سحنته وذلك للأبعاد والأسباب الفلسفية التي أوردناها آنفاً , التي لم تدع نافذة للألوان ولا للأعراق لتطل منها , على الرغم من أن السود قد ناضلوا وكافحوا كفاحاً مريراً ، وعلى الرغم من أن أوباما أفريقياً أسوداً , وفوق كل ذلك فهو رجلاً استثنائياً متفرداً , فهو أول سيناتور أسود من بين مائة وخمسة كلهم من البيض , فالرجل لم يقدم نفسه بأنه مرشحاً للسود , وهو لم يهدي انتصاره للقارة السمراء ولم يقل إنها هي التي انتصرت , وإنما تغنى ببلاده , بأمريكا بلد الحرية , إذاً فالمنتصر الحقيقي هو تلك الثقافة السياسية , ثقافة الهوية الأمريكية التي أنتجتها بعد مخاض عسير في زمن قصير , قرنان وثلث القرن من الزمان , عمر الاستقلال الأمريكي عن الإمبريالية البريطانية , فأمريكا قد اختصرت الزمن وسلكت أقصر الطرق وحققت الهدف , الذي ظللنا " نحن العرب والمسلمين " نتنكب الطريق إليه كبوةً إثر كبوة , وهفوةً تتلوها هفوة , أسرى قيدنا " ما أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى " , أربعة عشر قرناً وثلث القرن من الزمان , فهلا وعينا الدرس ؟؟ , ولكن يبقى النصر ذا طعم خاص , ومذاق مختلف , وحلم جميل قد تحقق للمستضعفين , تعزفه لحناً هادئاً وترقص على إيقاعه بضع سنين , ما دام الأسود قد كفر الأبيض وجلله بالسمار .. !!

    

حاج علي ـ السعودية

 Saturday, November 08, 2008

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج