صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
 
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


على شرف أكتوبر/محجوب التجاني
Nov 2, 2008, 23:39

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

على شرف أكتوبر

 

 

خاص سودان اون لاين

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا

 

 

الى المفكر السوداني الاكتوبري:

جبخانة الكفار في أحشائه عنب كحب البندق

 

 

يونيو 1971، من وراء قضبان سجنه السياسي الذي اودعته جدرانه سلطة مايو الاستبدادية ( 1969 – 1985 )، خطّ المفكر السوداني عبدالخالق محجوب آخر برامجه الهادفة لتغيير حالة التخلف التنموي والرجعية السياسية في مؤلفه حول البرنامج، ولعله من اشد مؤلفاته اخذاً لدارس السياسة السودانية،  حركتها الجماهيرية  وغاياتها الثورية،  لما اكتنزه من طرح عملي جاد، واجندة محددة لاختيار طرائق التحديث والتقدم الاجتماعي والاقتصادي، وفتح افاق النهضة الثقافية الديمقراطية،  وقضايا اساسية مماثلة لانجاز التغيير الاجتماعي الصالح، وفق تجارب ومنطلقات تصوره الفكري لثورة سودانية دائمة للتقدم والنماء.

تعنينا في ابحاث علم الاجتماع السياسي افكار الكتاب السودانيين وتشدنا الى معانيها حقائق كثيرة. حقا ان عبدالخالق محجوب يخاطب برنامجا سياسيا لحزبه في المبدا والاساس. على ان افكاره، مع اقرارنا بذلك، لايجدر بدارس حبسها في حدود الحزبية واطرها التنظيمية، او المذاهب السياسية وثوابتها الايديولوجية. على نقيض ذلك، نجد افكاره انسانية، عميقة المحتوى، طليقة بحرية فكره وبلاغة تعبيره. نعلق بهذا الفهم على برنامج عبدالخالق الموجه لشعب السودان قبل ان يعتز به حزب محقا، او يخفق في ادراكه قارئ.

يعيش حول البرنامج حياًََ في قلب الديمقراطية، تمتد موضوعاته  تعانق في حبٍ هموم الفقراء وامال المساكين، تستنهض فيهم العزيمة، وتستجلي دروب الاصلاح في اتجاه لايحيد:

يرتبط ذلك الفكر ارتباطا لافصام له بتحديات العصر التي تاخذ بلا رحمة او هوادة برقاب العباد والبلاد؛ يقدم فكره مصادرا حيوية لمعالجة الازمة الطاحنة التي يقاسي سودان اليوم آلامها المريرة، مثلما عانى منها سودان الامس البعيد.

يقدم المفكر تصورا تطبيقيا لسودان جديد، يبشر مجتمعا جديدا ، ودولة وطنية متحضرة الاداء، راقية وفقا لديمقراطية جديدة، وثقافة ملتزمة عريضة. وبهذا عالج المخطوط من وراء القضبان حالة بلادنا في النصف الاخر من القرن العشرين الممتد الى القرن الجديد، بمنهج موضوعي يعتمد خلاصة التجارب وحكمة الابحاث ولغة الارقام – ديدن الكاتب طوال حياته الاجتماعية والسياسية النشطة. يهيئ المخطوط الساحة للتفكر في احتمالات المراجعة والتدقيق اذ يبين علاقات الاقتصاد السياسي وتشابكها المعقد بحرية العقيدة والتنظيم والتعبير، ومكانة المراة ودورها الرئيس في تطوير الدولة والمجتمع بلاقيد او شرط .

يتبوأ فكر عبدالخالق  بأساسه الجماهيري المتين، وامكاناته في ميادين التنبؤ العلمي، مقعدا طليعيا في ادب الثورة السودانية؛ تستدعي  بنوده ومفاهيمه اهتماما متجددا من الكتاب والساسة والمفكرين والدارسين. ويمثل ما توصل اليه من استراتيجيات تنموية لتحقيق جِّدة الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في السودان حقلا واعدا للبحث المقارن بالمعرفة والبرهان، لاحلال الموضوعية محل الضغمائية، واعداد اجيال الغد للمشاركة في ازالة معوقات النهوض، والتقدم بالفكر والحوار والاقناع والاقتناع.

تجديد البرنامج للمفكر محمد ابراهيم نُقُد يحمل قدرا كبيرا من التطابق مع برنامج المفكر عبدالخالق محجوب لبناء دولة سودانية ديمقراطية جديدة، في مجتمع جديد يعيش "مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية"، وهي تصور أفقاً سياسيا لحزبهما لحل ازمة الحكم والانتقال الى الديمقراطية المستقرة والمنتجة والمبدعة، التي يبشر بها المفكران شعب السودان عبر طريق الحركة الجماهيرية - الاساس الدائم للثورة السودانية من اجل حياة افضل لانسان السودان.

 وللدارس أن يلاحظ استغناء التجديد عن اصطلاح "الثورة" ومشتقاتها "الثورية" واستجلاء معانيها بمفاهيم تعتمد مع البرلمانية الليبرالية تجارب القوي الاجتماعية، ومشاركتها السياسية "المباشرة"، وديمقراطية القوميات، و تنويع "قطاع الدولة" ، واعتماد الوعي والمعرفة السياسية والموضوعية بديلا للايديولوجية والذاتية والاحادية.

يتفق تجديد البرنامج مع حول البرنامج في الالتزام بذلك التصورالايديولوجي، بوصفه استراتيجية دائمة ولامناص. فيواصل نُقُد في تجديده استعمال كثير من مصطلحات المفكر عبدالخالق ومفاهيم حزبه؛ وسيرى الدارس في عرضنا لاراء نُقُد مايؤكد هذا المنحى.

على أن ثمة مفارقات عديدة ينطوي عليها التجديد بشكلٍ سافرٍ في بعض الاحيان، مثل دعوة المفكر نُقُد للاطاحة بفكرة قيادة القطاع العام في الدولة لمسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومؤسساتها الكبرى، وهي فكرة تتقدم على سواها في برنامج عبدالخالق، دون ان يدعو تجديد البرنامج الى الغاء دور القطاع العام على الاجمال؛ مما يعد ادخالا مؤثرا لمراجعةٍ ليبراليةٍ في فكر الاشتراكية السودانية وتعليقا ربما للفكر الاشتراكي العام. وهناك جملة من المفارقات بشان الراسمالية الوطنية ودورها في المرحلة؛ بل ان مفهوم المرحلة نفسه من النواحي الفلسفية والنظرية لايسلم من محاولات المراجعة، ولعلها التمحيص والتدقيق.

يبرز في هذه الناحية دورا اوضح ظهورا للمفكر محمد الخاتم عدلان الذي يبين عرضنا لارائه ) ما المنفى ؟ وماهو الوطن؟ سودان اون لاين: 4 يناير 2007 (افتراقا واسع الشقة بين تصور الخاتم من جهة، وحول البرنامج، وتجديده الذي طرحه نُقُد من جهة اخرى.

تضع تلك الفوارق فكر الديمقراطية والاشتراكية في السودان في ميزانٍ دقيقٍ يستعرض بالضرورة تاريخ ذلك الفكر، وهو مالا نُّّّّرّكزعليه في هذا التحليل؛ ويتعرض بالنقد لما ناله من تغيير او تطوير، متأملا ماقد يقبل عليه من تحول أو رجحان، وهو ماينصرف له عرضنا في هذه الطبعة التي تعقبها أخري، باذن الله، تعالج الفكر الاشتراكي السوداني من زاوية الأدب العالمي بمدارسه الاشتراكية الكلاسيكية واتجاهاتها الليبرالية المعاصرة في بحث سوسيولوجي مقارن.

 ليس في وسعنا ان ندّعي في هذه الدراسة حيادا ما او تحيزا لمفكر دون اخر، او لرأي يفضل فكرة ما علي سواها. فالواقع ان المفكرين الثلاثة جمعت بينهم خطوط لاتنكر من اصول الفكر الاشتراكي كما سودّنها حزبهم، فضلا عن اواصرهم العملية التي لانتعرض لها في قليل او كثير في هذا البحث، مع ادراكنا لما تمثل تلك الاواصر من أثرٍ معينٍ على العلاقة والاتجاه، ومحتوى الافكار، في بعض الاحيان.

ما يهمنا في المبدأ والاساس، ان نقدم للدارس الكريم قطفةًً ً فريدةً من الفكر السوداني السياسي المعاصر، جديرة بالنقاش الدائم، مثيرة للحوار الموضوعي البناء، طاهرة المسعى في استهدافها الاعلى مصالح الفقراء والمساكين والعاملين والكادحين - الاغلبية الساحقة لشعبنا الحبيب. 

وبالله التوفيق،،،

 

محجوب التجاني

                           

                                        فبراير 2007 - مايو2008                                          


                                                             

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                        

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(1)

                           

 

دراسات في الاجتماع السياسي

حول البرنامج

للمفكر عبدالخالق محجوب

 

           مدخل المفكر السوداني عبدالخالق محجوب لاقامة دولة سودانية ديمقراطية طرح ثوري، بمعنى انه لايؤسس على اصطلاحات جزئية في البناء الاداري القائم حاليا في الدولة؛ ولكنه يرمي الى تاسيس جديد لاقتصاد الدولة، وتوجهها السياسي، ودورها الثقافي. ومن ثم، يمثل مدخلا شاملا وليس جزئيا.

تصور المفكرعبدالخالق محجوب للحياة السياسية السودانية طرح متقدم الافق في نفس الوقت، اذ انه يوضح المهام واجبة التطبيق على الدولة السودانية الديمقراطية، ويحدد قوى الانتاج القومي الكلي التي يجب ان تدعمها الدولة بوصفها الرافد الرئيس لاقتصادياتها، في ضوء ما بيّنه من سياسات، على الدولة ان تثابرعليها ضمن قضايا هامة اخرى لتحويل بيروقراطية الحكم الاستبدادي الى ديمقراطية ناجزة.

آراء المفكر جزء عضوي من الادب المعاصر في بلدان العالم الثالث حول الدولة، والطبقة، والاقتصاد السياسي، والثقافة الديمقراطية، كأدوات فكرية لازمة لصوغ البرامج العملية لادارة التنمية وتحقيق التغييرالاجتماعي الراشد، بعيدا عن التفكيرالحزبي المحدود، ومصالح البيروقراطية الحاكمة، على حساب مايدفعه الشعب من مال وجهد، وما يتوقعه في المقابل من حياة حرة ومجتمع سعيد وادارة راعية لسيادته الوطنية وعلاقاته الدولية.

لايصح، بسبب ماورد من حقائق محيطة بفكرعبدالخالق، ان يُدرس تصوره واطروحاته، وماخلص اليه من برنامج تطبيقي، بمعزلٍ عن عصر الحرب الباردة التي احتوت اثارها عقب الحرب العالمية الثانية كل ارجاء المعمورة، وفرَضت على مثقفي العالم الثالث على وجه الخصوص مسئولية كبرى للتعرف على اوضاع بلادهم، ونقدها، وتقديم الحلول والبدائل لمشكلات تنمية اقتصادها، وابتداع اشكال الحكم الواعدة بحلها والكفيلة بعملها.

 ماتوقفت عقلية الانتلجنسيا، بالتالي، عن معالجة هذه القضايا بما أُتيح لها من حرية للرأي والتعبير في وجه بطش السلطات وجبروت الحكام. وما توقف عقلٌ عن تحليل اجتماع الشعوب ومجتمعات العالم ، صناعية كانت ام زراعية ام بدوية، بادوات ومناهج علم الطبقات stratification، ومداخل الاقتصاد السياسي، راسمالية كانت ام اشتراكية، او مابين النموذجين – كلاهما من نتاج البشر.

وفي رأي علماء اجتماع معاصرين امثال ريتشارد شايفر (2001 ) ان مفهوم الطبقة "يقوم على معنى ما يسبغه النظام الاجتماعي على المجتمع من ترتيب اجتماعي، بناءا على موقع [الفرد او الجماعة] الاقتصادي الذي تؤثر فيه خصائص مكتسبة [مثل الاجور العالية، وغيرها من المميزات لاسيما الملكية الخاصة] على الحراك الاجتماعي [بين الفئات والشرائح والطبقات المختلفة في المجتمع] (ص 204 ).

 يغني عن البيان ان الموقع الاقتصادي يؤثر بدوره على نصيب الفرد او الجماعة في شئون السلطة والادارة العامة للدولة والمجتمع. ويغني عن البيان ايضا ان نصيب الافراد والجماعات من الخدمات العامة يتاثر بالموقع الاقتصادي؛ أي الموقع الطبقي بمعناه الواسع، وكافة منطلقاته الفكرية، ونظرة الفرد الحياتية وعلاقاته المجتمعية من خلاله الى الذات والاخرين.

هنا يورد شايفر دراسة اجريت على احدى عشر قطرا اوروبيا وفي امريكا الشمالية في التسعينيات من القرن الماضي. دلت مؤشرات الدراسة التي هدفت للكشف عن اثر الانتماء الطبقي في نيل الخدمات الصحية ومعدلات الدخل المالي للاسرة والعوامل الديمغرافية (توقعات الحياة ومعدلات الوفيات)، على ان المقدرات الاقتصادية والمالية  للاسرة ترتبط ارتباطا  وثيقا بالعوامل الديمغرافية، سلبا او ايجابا (ص 478 ).

ما توقفت طبقة عن الظهورفي سطح الحياة الاجتماعية؛ بل ان الطبقات تعلو وتهبط في سلم التمايز الاجتماعي بما يهيأ لها من تراكم وتبلور اقتصادي، وما تعجل به سلطات الدولة وسياساتها من قمع او تمكين للطبقات. فالانشاء والتطوير لظاهرة الترتيب الاقتصادي والاجتماعي لاتتولد عن افكارٍ ما لتتوارى  بذهابها الطبقات وليدة الانشاء والتطوير المجتمعي لقوى المجتمع  وديناميات الحراك الاجتماعي.

في قلب هذه القوى الدافعة تنطلق قوة العمل، عمالا او مزارعين او بدوا مترحلين، وما يتعلق بانتاجهم من اجور وعلاقات مع الدولة والراسمال ومؤسساته المصرفية والمالية، بما يمتلكه كل طرف من ملكية وتأثيرعلى الادارة والتصريف والتوزيع الاجتماعي لمجمل الانتاج، وسيطرة بالتالي على وسائل الانتاج.

الدولة في شكل المجتمع الراسمالي الراهن (الذي يظلل بفلسفته ومناهجه وادواته معظم بلدان العالم في الوقت الراهن) لم تعد اداة للطبقة المتنفذة وحسب؛ ولكنها اصبحت اداة منفعة في ذاتها ولذاتها كصيرورة  على شئ من الاستقلال واتخاذ القرار. وقد فطنت دراسات وبحوث كثيرة في علم الاجتماع السياسي وعلم الطبقات الاجتماعية والاقتصاد السياسي الى هذه الحقيقة؛ ولم يعد الحوارآبهاً بتقرير وجود الطبقة  او عدمها.

انتقل الحوار الى مجالات جديدة من التمعن في علاقات الدولة بالطبقات، ومدى التاثيرالمتبادل بين شرائح العاملين المختلفة في الدولة بأعلى السلم البيروقراطي ومستوياته الوسيطية والقاعدية ، ودور التنظيمات العسكرية والهيئات المدنية في ادارة الدولة، واثر السياسات الضرائبية على عوائد الدولة ودخلها المالي في الحال والمستقبل. وانصبة قوى الانتاج في التوزيع الاجتماعي للثروة والمشاركة في اتخاذ القرار، وما الى ذلك من مشكلات الحياة الفكرية والعملية في المجتمعات المعاصرة، بواقع التفاعل المعاش.

دراسة برنامج عبدالخالق محجوب لاحداث التقدم السياسي في بنية الدولة السودانية وسياساتها، ورعايتها لشئون الوطن والمواطنين، منوطة بالكشف عن عمق المفكر نفسه والمامه الموضوعي بتعقيدات الظاهرة السياسية، وتشابك برامجها الداخلية والخارجية. وبنفس القدر من الاهمية، تتناول الدراسة الجوانب التطبيقية والنظرية، وتطرح امكانية اعمال المناهج الاكاديمية الموضوعية والنقدية لتمحيصها، والاستعانة بعلم اجتماع المعرفة وعلم الاجتماع السياسي - جنبا الى جنب مع الاقتصاد السياسي- للتحليل والمقارنة .

لقد واكب برنامج عبدالخالق تجاربا لم تتوقف رحاها في افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين، بما عُرف في الفكر السياسي "بمرحلة التحرر الوطني". وانصّب اكتراث المرحلة الى مدى محسوس في اجندة الدولة الوطنية التي تتولى مهام انجاز البرامج القومية، التي يتفق عليها شعبيا ورسميا لاصلاح مسار التنمية، وتوسيع الانشطة الجماهيرية في اتجاه تثبيت الاستقلال الوطني، وتحسين اوضاع المفاوض القومي في ساحة العلاقات الدولية .

كانت علة المشاكل مع ذلك مجهولة او مهجورة؛ وهي تحويل الاستقلال الوطني برمزياته المعلومة من مقعد بالجمعية العمومية للامم المتحدة (بعد اعتراف دول العالم بالدولة الوليدة ورفع علمها وعزف نشيدها) الى استقلال حقيقي  بتطوير الاقتصاد، وكفالة عدالة التوزيع للناتج القومي، وضمان الحريات والحقوق لكافة المواطنين وفقا لدستور ديمقراطي مستقر.

لم يكن ذلك الانتقال امرا ميسورا؛ فقد عرقلته موروثات الحكم الاجنبي من ناحية، وابتداعات الحكم الوطني من ناحية اخرى: كلاهما يحجر على الجماهير حرياتها وحقوقها في الراي المستقل والتنظيم الحر. وقد أفشل الموروث ومبتدعاته مسيرة التنمية والديمقراطية، فكان لزاما على المفكرين، والثوريين منهم خاصة، التقدم بالفكرة والطرح والتنظيم والحوار - "الوعي" في كلمة واحدة، كما جمع فأوعى القائد الديمقراطي عبدالخالق امام جلاديه قادة انقلاب مايو 1969، يسالونه في محاكمته الصورية قبيل اغتياله : " ماذا حققتم ؟"

يقول لهم وللتاريخ والقابل: " الوعي قدمنا؛ للشعب والوطن".

النقد الموضوعي صنو الوعي، يعلم فكر عبدالخالق؛ فالنقد لايرتجى، ولايقبله ناقم او جاهل؛ ولكنه قدر المفكرين، وديدن الفلاسفة، وخيرما يدفع به جادة الكتاب في وجه الطاغوت وجلاوزة السلطان. وقد بذل عبدالخالق جهدا كبيرا بحجم معرفته الغنية بحاجات وطنه وقدرات شعبه ليسكب حكمة التجربة في برنامجه، ليساهم في الخلوص الى افضل صياغة لاصلاح السودان دولة وحياة. ولاغرو، فالسودان هو الوطن الذي احبه اكثر من أي محبوب اخر. وبهذا الدفق الطاهر، يرفض نظام الحزب الواحد الذي  انتجته تجارب التحول الشعبي في مصر والجزائر واخرين، مؤيدا في نفس الوقت وقفات الشعوب وقياداتها الوطنية الواعية في معاداة الاستعمار قديمه او حديثه، والتزامها الامين الراسخ والمؤمن على مصالح الفقراء وامال المساكين، الساعي لتفجير كوامن النهوض والثورة على التخلف والرجعية والفساد ومصادرة الحقوق وتقييد الحريات.

الوعي والنقد اذا يترادفان في ربط وثيق بمعنى الديمقراطية والثورة. فان لم تستهدف كل هذه المترادفات تحرير الشعب من الضيق السياسي والعوز الاقتصادي والتحكم البيروقراطي، لايصبح لها وجود، ولايصبح لها معنى.

من نافلة القول كذلك أن يتصورأن الاصول الفكرية لبرنامج عبدالخالق قائمة على تمذهب اشتراكي جامد، او نقل عن الماركسية اللينينية لاغير. ان برنامجه معقد التركيب: سداته ولحمه من ضلوع الحياة اليومية لعمال السودان ومزارعيه، وتجارب نقاباتهم، ومثقفي القطاع الحديث الملتزمين بمفهوم كادحي المدن من مهنيين وفنيين، وافكارهم لتغييرعلاقات الانتاج الى واقع يلبي حاجات الحياة والمستقبل السعيد.

من ناحية اخرى، يقرا الدارس اشارات واضحة في البرنامج الى "توحيد القوميات والقبائل واشاعة روح التعاون بينهم"، "الحرية والديمقراطية واتخاذ الدولة الوطنية الديمقراطية موقف المساعدة والتشجيع لا موقف القهروالتحكم"، و "حرية البحث العلمي"، و"تجارب جميع ثورات التغييرالاجتماعي الناجحة في قرننا هذا، بداية بثورة اكتوبر العظمى في روسيا ومرورا بهذه الثورات بعد الحرب العالمية الثانية في اوربا واسيا وامريكا اللاتينية"، وغيرها من مصادر المعرفة. القسط الاعظم مع هذا التنوع المعرفي يعود الى البيئة السودانية، انسانها، ومجتمعها، وعلاقاتها الداخلية والخارجية.

اما الفرضية العامة  القائلة بأن حركة يوليو التصحيحية ،1971 التي قادها تنظيم الضباط الاحرار في القوات المسلحة السودانية بزعامة الرائد هاشم العطا، وقعت احداثها تأثرا مباشراً ببرنامج عبدالخالق الحزبي، فيبدو واضحا بها الاشارة الى موضوعية البرنامج نفسه، دون ان تكون للفرضية نفسها اثرا لدليل، او برهانا على قيام المفكر نفسه بالانقلاب العسكري، او التحريض علي انفاذه.

حقا جاءت حركة يوليو71 كما أعلنت لتصحيح ما رآه تنظيم الانقلابيين تطبيقا خاطئا من طغمة مايو69 لبرنامج الاصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ وهو برنامج تعهدت به جماعة مايو العسكرية منذ بياناتها الاولى (1969 – 1970 ). في هذا الصدد، تستدعي الضرورة مناقشة الروابط الفكرية التي يمكن ان تصل ما بين 19 يوليو 1971 وبرنامج عبدالخالق الذي اعده في الاصل لمؤتمرحزبه، لا لانقلابٍ عسكري.

ما يقترحه الدارس من واقع الاحداث قبيل حركة يوليو التصحيحية، وما جد بعدها من تحولات سياسية واقتصادية كاسحة في غير ما جاءت له 25 مايو 69 او يوليو 1971 أصلا، أن فكر عبدالخالق يقدم برنامجا مدنيا يستلزم سلطة مدنية التوجه وجماهيرية في الاساس، هي "سلطة الثورة الديمقراطية والاقتصادية والثقافية" ، لاسلطة انقلابية.

 المعلوم ان الصراع الاساسي بين عبدالخالق وحزبه من جهة، وسلطة مايو العسكرية من جهة اخرى، كان مسرحه الرئيس ضغوط الشيوعيين على سلطة مايو للانتقال المباشر لسلطة الجماهير ودولة الديمقراطية  الثورية المنحازة الى مصلحة العمال والمزارعين، وكادحي المدن والجنود، والراسمالية الوطنية المتنورة بالمصالح الشعبية لتلك الجماعات، خلافا للراسمالية المستغلة المرتبطة بالاستعمار الحديث ودوائرها الاقليمية والدولية.

 تفاقم الصراع من خلافٍ ايديولوجي وفكري الى معركةٍ مكشوفة لتصفية الحزب من السلطة، وابعاده عن العمل الجماهيري. الا أن اتجاه حزب عبدالخالق لم يتغير بشان الانتقال الديمقراطي؛ وليس هناك ما يفيد بان انقلاب الضباط الاحرار على زملائهم قادة مايو العسكريين كان مقرونا بضماناتٍ تحول دون اندلاع نفس الصراع بين التنظيمات المدنية (بما فيها الحزب الشيوعي) والسلطة العسكرية الجديدة.

ولايعني اعتماد 19 يوليو 71 عناصرهامة من برنامج عبدالخالق ان تطبيقها للبرنامج كان سيحول دون احتدام صراعات متجددة بين المدنيين والعسكريين، اوالعسكريين ورصفائهم. وفي أبحاث الاجتماع السياسي يدل الواقع على ديمومة الصراع في ميدان السياسة والحكم، وأن حسم الصراع لصالح النقابات والتنظيمات الجماهيرية، او لمصالح القوى البيروقراطية والراسمالية الكبيرة في الداخل والخارج، لم يكن تلقائيا ولن يكون. ولكنه في الماضي والحاضر سيسير وفقا لموازنات القوى، ووعي الحركة الجماهيرية، وقدراتها على ادارة الصراع وحسمه لصالحها في مواجهة السلطة ايا كانت، وسياساتها .

لربما اجتذب برنامج عبد الخالق حركة يوليو التصحيحية؛ فهو فكرأخاذ في كل ما يتعلق بالدولة السودانية، وادائها، واقتصادها السياسي، ومواقفها من قضايا الثقافة، والدين، والمراة، والتنمية، وحريات الراي والتنظيم، وحكم القانون، وسيادة الوطن.

أرسى المفكرعبدالخالق حول البرنامج تصورا شاملا لدولة جديدة ومجتمعا جديدا، يحتويان عرضا دقيقا لخصائص "الثورة الوطنية الديمقراطية". ولعل هاشم العطا باعلانه أن انقلابه يمثل "سلطة الثورة الوطنية الديمقراطية" (أي تحالف النقابات الديمقراطية والاحزاب التقدمية والقوات المسلحة) طابق في قرارات الحركة موجهات المفكر العامة. الا أن استباق الاحداث بمثل تلك المقارنة السريعة لا يكفي للتدليل على توقع التوأمة الكاملة بين الفكر والانقلاب.

الفكر يستلزم ثورة شعبية شاملة، لا حركة عسكرية محدودة. والبرنامج مستقبل دولة، وحياة شعب في مجتمع جديد؛ وقد يستغرق عصراً كاملاً من النضال والانجاز، لا سنواتٍ وصنعة أجيال.

ولقد تعامل العطا وتنظيمه كقادة وطنيين ينشدون سيادة الوطن وكفالة مسيرته؛ وكانت قراراتهم على قصر ايام سلطتهم المحدودة حاسمةً بشان شكل السلطة التي سعوا لفرضها بتحالف قوى "المرحلة الثورية"، ولم يعينوا حكومة كما تفعل الانقلابات العسكرية لأنهم ارادوا لالة الحكم الجديدة ان يقود تكوينها ويعين وزراءها مصدر السلطة الشعبية، أي "النقابات الديمقراطية والاحزاب التقدمية"، حتى تكون قادرة على ممارسة صلاحياتها الادارية والسياسية في تطابقٍ وثيقٍ مع رغبات الجماهيرالعريضة، وكتغييرللسلطة السياسية بالعمل العسكري المباشر- أياً كان حاله.

 انتكست حركة يوليو 71 بعملٍ عسكري مغاير؛ ما بعملٍ شعبي.

      أيدت النقابات حركة يوليو71. وقدمت تضحيات جسيمة، مدفوعة بحرصها على استعادة استقلالها الموعود ببيانات الحركة، والامل في تحقيق مصالحها الاقتصادية والاجتماعية "بلا من او اذى" مما اختبرت ابان سلطة مايو 69. وكانت الاخيرة قد سامتهم خسفا، وحالت دون تطبيق قانون العمل الموحد، واستعانت بالقوانين المكبلة للحريات النقابية لمحاصرة ديمقراطية الحياة النقابية في غلظةٍ واستفزاز، نحو ما اكدته مذكرات النقابي الجليل محجوب سيد احمد (1998 )، التي قامت بنشرها المنظمة السودانية لحقوق الانسان - القاهرة.

ان ميل بعض الدوائر والاشخاص لالقاء اللائمة على فكرعبدالخالق محجوب بالنسبة لاخفاقات مايو، او حركة يوليو التصحيحية على حد السواء، يجب ان يُلقى مباشرة على مخططي الانقلابات ومنفذيها، لا على فكر، او تنظير، او برنامج لتحديث الدولة واصلاح المجتمع وتثوير النقد الاجتماعي. واللوم الاعظم يلقيه التاريخ على من خان عهد الولاء للجماهير، وخدع آمالها، وتسلق على اكتاف احزابها ونقاباتها بالبطش والطغيان: حكام مايو وأشياعهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(2)

 

 

كيف يُثّور اقتصادا ديمقراطيا ؟

        "لن تصل الثورة في بلادنا الى افق التغيير الاشتراكي باستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الا عبر الديمقراطية (ص 37 ). ليست هناك ديمقراطية "عامة" او "مطلقة". الديمقراطية دائما طبقية" (ص44).

 

بهذه العبارات الواضحة يضع فكرعبدالخالق شروطا محددة للانتقال من مهام العمل الوطني الديمقراطي هي الديمقراطية. وبتحديد دقيق، الديمقراطية للطبقات صاحبة المصلحة في انجاز تلك المهام. وهي ما طرحه في برنامج اقتصادي وثقافي وديمقراطي يتكامل مع برنامج ثقافي شامل.

وبما ان محتويات البرنامج طبقية غير عامة او مطلقة، يتضح للدارس أن منهج  تحقيق البرنامج يستلزم روحا لاتكل ولا تمل، وثابة متينة التنظيم، ملتزمة بحركة التغييرالتي يقودها البرنامج. وهو منهج ثوري بالتالي؛ وهو ما عبرعنه المفكربالنسبة لعناصر برنامجه ومجالاته واهدافه "بالثورة الديمقراطية" عبر"الثورة الاقتصادية" و"الثورة الثقافية الديمقراطية" و"اشاعة الديمقراطية والثورة السياسية" – الحركة الجماهيرية في تطورها الخاص بناءا على واقعها المادي، وقدراتها، ووعيها بدورها، ومشاركتها القرار والتطبيق والمتابعة والتقييم، لكافة انشطة الحياة الفكرية والعملية – في ارتيادها لأفق التغييرالاشتراكي المرام.

الثورة الاقتصادية والتنمية يمثلان القضية الجوهرية للديمقراطية السودانية كما راى المفكر عبدالخالق في الفصل الافتتاحي لمخطوطه حول البرنامج.

ويمكننا ان نشاهد أثر مفاهيم الفكر الماركسي حول العلاقات الراسمالية الطبقية وادواته التحليلية، على غرار"البرجوازية" و"المزارعين الفقراء والمنتجين الصغار، ومستوى المنتج المتوسط، والرسمالية المتوسطة المتنورة" بارزاً ودالاً بصورةٍ جليةٍ على مكونات البرنامج الاقتصادي وعلاقات انتاجه الطبقية. وقد ثابرت على اجلاء هذه الصورة في اجتهادٍ تجربة حزبه ومنظماته الاشتراكية وروابطه الايديولوجية مع النقابات العمالية والاتحادات المهنية، الى جانب مساهمات الاكاديميين من اقتصاديين وخبراء ماليين، وشرائح رجال الاعمال "والمنتج الصغير"، والعمال الموسميين، وأبحاث الاسواق الدولية كمصادر معرفية.

جاء البرنامج الاقتصادي في يونيو 1971 مشتملا على توصيف دقيق للبنى الزراعية والصناعية في السودان، وكاشفا بالتالي عن حالة التدهورالبادي في تنمية البلاد، وتقاصر قطاع الدولة بكل ما يملك من قاعدة انتاجية ومصادر بشرية وسياسية ضرائبية (بصرف النظرعن البترول الذي وضع للتبادل التجاري والاستهلاك في التسعينيات؛ وما افلت). والعلاج لذلك القصورلايمس اصلاحات ادارية وحسب على ماشّدد عليه حول البرنامج  بشأنها. ولكن العلاج المطروح لابد ان يكون جذريا ومتفاعلا في نفس الوقت مع علاقات الانتاج وقواها، ووسائل ادارتها بالديمقراطية الطبقية.

هنا يبين المفكر ضرورة التخطيط الاجتماعي، وانشاء سلطة تتفاعل مع جماهير العاملين بشكلٍ اساسي، ولا تتحكم ببساطةٍ في حياتهم ومصائرهم. وعليه، لايصح لمثل هذه الشروط تطبيق، ما لم يطرح البرنامج الاقتصادي موضع الحديث كبرنامج شعبي مكتمل المناقشة من جماهير الشعب – ليس مجهودا لبيروقراطيي الوزارات ودواوين العوائد والضرائب والمصارف بروتين حكومة السودان المحفوظ.

منهج البرنامج الاقتصادي اذاً مؤسس على الحركة الجماهيرية، ودافع لهمتها لتوجيه الدولة نفسها لمعالجة الازمة الاقتصادية، وتدني مستويات العدالة الاجتماعية في التوزيع والاستهلاك اللذين يفسران (بترتيبهما الطبقي لصالح كبار المنتجين والوسطاء) عملية التدهور الماثل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وازدياد فوارق المعايير المعيشية، والتمايز الحياتي الصارخ بين جماهير المنتجين في قاعدة الانتاج الزراعي والصناعي العريضة (على ما بها من اشكالات) وصفوة البيروقراطيين والشرائح الطفيلية الاخرى في الجانب المقابل.

يحدد مفكر حول البرنامج في صفاءٍ حاجة الثورة الاقتصادية اللازمة لاعادة هيكلة الِبنَى الاقتصادية وحساباتها الطبقية، لتمكين الجماهير المنتجة من الولوج الى العدالة الاجتماعية من اوسع ابوابها، بوعي المشاركة في التخطيط والقرار والتطبيق والتقييم. وهذا هو بالضبط مايعنيه  المفكر من مفهومه الخاص "بالثورة الاقتصادية واشاعة الديمقراطية". بالتالي، يستدعي المفهوم بسط الحريات العامة، وتقييد سلطات الاجهزة البيروقراطية التي تجهد على الدوام للتحكم والتسيطر على حركة الجماهيرالمستقلة، وتخشاها، وتكبل خطاها.

على أساس ذلك الفهم الصحيح من قبل المفكر، التوازن مطلوب في قوةٍ ومضاءٍ بين الدولة الديمقراطية الطبقية، وتحرر الحركة الجماهيرية من سلطة الدولة، وتولي الجماهير في نفس الوقت اعباء الريادة والقيادة والرقابة على مسيرة الحكم واداء التنمية.

وبعجز شرائح  الحكم السياسية والادارية، بما فيها البيروقراطية العسكرية في الجيش واجهزة الشرطة وما شاكلها، عن استيعاب هذه التركيبة المعقدة لتفجير الثورة الاقتصادية والتنموية (كما وقع بالفعل في فترات حكم انقلابيي مايو 1969 وانقلابيي يونيو 1989 وما تلاهما من انظمة  طبقية سلطوية) يعايش المجتمع تأزما كاملا في علاقات انتاجه الكلية، وانتهاجا متزايدا لقمع الحركة الجماهيرية والعمل على شلها وابعادها عن المشاركة في القرار القومي، والتنكيل والبطش برموزها  وقادتها، ومحاولة اسكاتها وتكميمها عن النقد والضغط بالديمقراطية على السلطة.

اختبر السودان كل هذه السلبيات الخطيرة في عهود الديكتاتوريات منذ الاستقلال الوطني الى الوقت الحاضر. وتسببت هذه الاوضاع المتداولة في تواصل الحروب الاهلية، في غياب نظام سياسي دستوري المنهج والأداء باتفاق القوى السياسية لاقرار الديمقراطية وحكم القانون، دون افتئات لموازين القوى كما احدثت اتفاقية نيفاشا، أو تسلطٍ مذهبي أوحزبي كما تفعل جماعة الاخوان المسلمين أوالجبهة الاسلامية القومية أوحزب المؤتمرالوطني، كما دَعَت نفسها مؤخرا.

تمزيق نسيج بلادنا الوطني والاجتماعي تحت وطأة الديكتاتورية والاستبداد السياسي يشكل دليلا متجددا على مصداقية المفكرعبد الخالق، وتاكيده الحقيقي لوشائج الثورة الاقتصادية بالديمقراطية. ويقودنا هذا الرأي الى مناقشة عناصر آخرى لاتقل اهمية وتنفذا في قضية الاقتصاد والتنمية، تستجمع أنحاءها هذه العبارة :

 

 "العدوالاستراتيجي الاساسي لثورتنا الوطنية هو الاستعمار الحديث والحلف البرجوازي شبه الاقطاعي في الداخل، وان الهدف الاول للثورة الوطنية هو دعم وتطور السياسة الوطنية. وهذا غير ممكن بدون النهوض الاقتصادي وبناء مجتمع صناعي زراعي متقدم" (ص8).

           التبعية الاقتصادية والحكم الاستبدادي هما الملامح التي تميز انحطاط التنمية في السودان دولةً وسياسة، لترجم المجتمع بالتخلف، وتشقي انسانه. يشهد على تلك الحالة اخفاق الاقتصاد السياسي للقطر منذ الخمسينيات الى الوقت الحاضر، تاسيسا على الفترة الاستعمارية واثارها الممتدة عبر الحقب فالتسلط الاداري للخدمة العامة، والتعيين الفوقي لمناطق التنمية وفرض مشاريعها علي المزارعين والرعاة، واستخدام الة الحكم القمعية لاضطهاد المجتمع المدني والقوى الحديثة من نقابات عمالية واتحادات مهنية والراي الاخر ممثلا في الاحزاب السياسية المعارضة، تحمل من خصائص الكبت والمصادرة والبطش ماتميزت به عهود الاستعمار السالفة، حتي قيل أن الاستعمار "الابيض" (الحكم العثماني والادارة البريطانية  قبل الاستقلال) غادر ليخلفه استعمارأهل البلاد. ولايزال الحكم الاستبدادي سائدا في البلاد باستمرار الفقر، والحرمان من التقدم الاقتصادي والاجتماعي لاغلبية السكان، لاسيما اهل الارياف والبوادي، في حين تنتهب شرائح قليلة من اصحاب الاعمال وبيروقراطيي الدولة القسم الاكبر من الثروة القومية عاماً من بعد عامٍ مع مستثمر الخارج .

يؤكد عبدالخالق انه ليس من اصلاح للدولة، ايا كان، قدرةً على حل ازمة التنمية السودانية وقد بُنيت على جرفٍ هارٍ ماقبل عهود الاستقلال، دون ان يكون هناك توجه طبقي صاف: أي طبقات تخدم الدولة في المقام الاول؟

ان البنية الاجتماعية للسودان متدهورة تنمويا لانها بنية مرتبة طبقيا، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا لمنفعة زمرةٍ من اشباه الاقطاعيين والملاك الطفيليين لوسائل الانتاج. عليه، ينفرج عن هذه البنية تمييز صارخ في نصيب المواطن من الدخل القومي العام، وعلاقات الانتاج القائمة عليه بالانتماء الطبقي، وماتقوده الدولة "بشرعية القانون" من علاقات النوع، وسيطرة الذكورعلى الاناث اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، وتكريس علاقات الانتاج والسيطرة الايديولوجية والسياسية بالتوزيع الجغرافي على اساس غير متكافئ في الثروة والحكم، وتصنيف السكان الى جماعات متخلفة واخرى مرفهة، بحسب موالاة الحكومات والاعراق والمعتقدات الدينية واللغة، ضمن عوامل تفريقية اخرى.

حقا برزت شرائح جديدة من رجال الاعمال والمستثمرين وعمال البترول، وتوسع القطاع العقاري، وتضخمت الخدمات على حساب التنمية الزراعية والصناعية ودعم مستويات الاداء المالي والاداري في الدولة. وبسبب استيلاء حزب الجبهة القومية الاسلامية بالانقلاب العسكري على الدولة منذ يونيو 1989 ظل القاسم المشترك الاعظم  بين الشرائح الاستثمارية الجديدة وبيوت السمسرة وادارة الاعمال  والمصارف التي تحميها الدولة وتغرقها بالاعتمادات المالية هو الولاء السياسي لحزب الجبهة القومية الاسلامية المنقلب.

هذا وضع لم تعهده البلاد انفا؛ اذ كان الاستثمارالاقتصادي متقاسما في بنيته بين الملاك والراسماليين من جماعات واحزاب مختلفة؛ وكان للسواد الاعظم من عمال الدولة ومزارعي القطاع المختلط ومشروع الجزيرة وامتداد المناقل، مثالا، هيئات نقابية تتعهدها بالدفاع عن مصالحها وحماية حقوقها. وكانت التنمية تتمتع بقدر من التباين والاختلاف وضع حكم الجبهة حدا له بتكالب حزبها الحاكم على الثروة والسلطة والاحتكار والاستغلال حتى بلغت حياة العامة انحطاطا لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان الحديث.

هذه التحولات لاتدحض او تضعف من طرح عبدالخالق الفكري، او تشريحه للاقتصاد السياسي للقطر. بل انها لتدعم من طرحه وتثبت صدقه في نقاط عديدة:

فهلا توقفت الطبقات عن التكون والنمو، اوالصعود أوالهبوط، أوالانقسام بالاتساع أوبالاندثار؟

وهل اقلع راس المال عن الفائدة او الربا؟

وهل توقف استغلال ملاك الارض ووسائل الانتاج غلة او مادة، زرعا او معدنا، شركة او استئجار مرابحة او مضاربة عن اخضاع المعدمين للمالكين، او اذلال الفقير بجبرة الغني، او انتهاب حق المستضعفين؟

وهل انهت ادارات مابعد الاستقلال مساوئ الاستعمار؟

هل ابقت على ماترك حكم الاجانب من مآثر في بعض القوانين والمعاملات والمشروعات على ماظلت تحتاجه من تطوير وتحديث وتحويل لمصلحة الجماهير؟

وهل احسنت حكومات ما بعد الاستقلال وضع السياسات الاقتصادية لتحرير الوطن من تحكم الشركات والمؤسسات متعددة الجنسيات، وفرضت مصالح الكادحين من قوى الانتاج المحرومة بالعوائد المنصفة وخدمات الصحة والتعليم المجاني والدراسات العليا، كما يجب ان تنال مما تستحق؟

وهل احكمت انظمة الحكم رباط الوطن بالتقوى المالية والفلاح السياسي بالحفاظ على روابط الاخاء الازلي بين اجزاء السودان الوطن الواحد، جنوبه وشماله وغربه وشرقه ووسطه ؟

وهل حققت حكومات السودان، عسكرية كانت ام مدنية، مصداقية الشعب بالوفاء لما تتعهد باسمه في المحافل الاقليمية والدولية من التزام بالمواثيق والعهود والاتفاقيات المرعية، خاصة اتفاقات حقوق الانسان والحريات العامة، وتحريم كافة انواع  التمييز العنصري والعرقي والديني والاجتماعي، وكفالة حقوق المراة والطفل في حياة ديمقراطية صحيحة؟

تناول برنامج عبدالخالق محجوب في حزمٍ كل هذه الاسس التي لايقوم مجتمع منتج، ولاتنهض دولة قوية في العصر الجاري دونها. يقف طرحه في استقامة وشموخ، بلا تردد او تراجع، مندفعا الى الامام، مناهضا لقوى التخلف والرجعية والاستغلال.

وبهذا الوضوح والثبات والرؤية الناظرة في ثقةٍ وايمانٍ بقدرات الشعب وجماهيره المنظمة احزابا تقدمية ونقابات مستقلة، يشكل فكرعبدالخالق وبرنامجه المطروح بالنقد والمراجعة، تحديا ثقيلا لأوضاع لاتزال ماثلة، يكاد كل حذفٍ لها او اضافة الا تزيد جديدا لها او تنفي قديما عنها. تدعم تحليلاته للاقتصاد السوداني ومسيرته، ايا كانت حالته في الوقت الراهن؛ وبصورةٍ اقوى تستنبئ تكوينات متلونة من تراكم الاستغلال المالي والاداري الذي انتفخت به شرائح البيروقراطية العسكرية والمدنية في الفترة الراهنة وانسلخت جماعات طفيلية "وهناً علي وهنٍ"- لاتسهم في الانتاج القومي شيئا يذكر. أثرت من الحروب الاهلية الدائرة في جنوب البلاد وغربها وشرقها  ليزداد بها الوطن جراحا وافتقارا. وتناولت سياسات الخصخصة مؤسسات القطاع العام، فما ابقت على رابحها، ولا أربحت خاسرها، الا لجيوب افراد ومصلحة حزب الجبهة القومية الاسلامية المنقلب على شرعية الحكم وذمة الامة.

وعلى نحوما اكده فكرعبدالخالق، تواصل انحطاط معيشة الشعوب وتأثرها بسلبيات الخراب الاقتصادي، المسمى زيفا وبهتانا "بتنمية البلاد"، وماهو في حقيقتة سوى"اكتنازالثروة القومية" من جهد الطبقات العاملة المستغلة بسلطة الطبقات الناهبة وشرائعها القمعية. وهو ماينعكس بكل جلاءٍ في الفوارق الفاحشة في رواتب الدولة واجورها ومعاشاتها ومكافاتها بين كبار البيروقراطيين في قمة اجهزة الخدمة العامة والقوات المسلحة والنظامية ومؤسسات الدولة من جهة، ومايناله سواد العمال والموظفين في قواعد السلم الوظيفي من فتات، وماينعكس بالمثل افقاراً علي افقارٍ في حالة المزارعين في القطاع الزراعي العريض؛ وما ينعكس ايضا في السياسات الضرائبية التي يقع حيفها الاعظم على كاهل اصحاب الاعمال الصغيرة، وشراسة الضرائب المباشرة على السلع الحيوية والمستهلكات الضرورية لعامة الشعب.

ان نقد المفكرالرصين لهذه الاختلالات لذو مضاءٍ، وعزمٍ لايلين .

     يقف برنامجه وقفة وقورة تجاه الاستثمارات الاجنبية. يطرح صيغة عاقلة مفيدة. فهو لاينبذ كل تعاون مثمر او خلاق بين الدولة والمتعاقدين بالخارج من دول او شركات او افراد؛ ولكنه يشترط الانصاف، والقسمة الطيبة، وتدريب الكادر الوطني، ورفض الاملاءات وفرض ارادة الاجانب وتحكمهم الاداري، واستئثار خبرائهم بالمشورة والقرارفي كافة جوانب التعاون او المنح او القروض. هذه هي الروشتة الوطنية لاصلاح الاقنصاد الوطني التي يرفضها صراحة او يغفلها المستثمر الأجنبي.

غياب هذا التوجه المستنيرعن معاملات القطرالاقتصادية والمالية مع الخارج اودت باقتصادنا الوطني الى حضيض التبعية والخضوع المستمر للقرار الخارجي في أخص الشئون الوطنية.

وقد اضافت حكومة الجبهة القومية الاسلامية وبالا على وبال لهذه الاوضاع البائسة بما اندفعت نحوه من عقود لاستثمار البترول مع الصين وماليزيا وتالسمان الكندية (قبل انسحابها تحت ضغوط جماعات حقوق الانسان والديمقراطية في الغرب) وقطر والمساهمين من باكستان وغيرها، عقودا لم تلزم متعاقد الخارج بتنمية اقتصادية او اجتماعية قومية، او استنهاضا لأحوال السكان الاصليين في بحيرات البترول جنوب البلاد وغربها؛ فبات مستفيدا أوحدا من عائد البترول غير المجزي لتقتات منه طفيليات الحكم بالاسواق والامن والبيروقراطية الاستبدادية.

انه لوضع شائن: وسيحكم التاريخ به على الدول الرافلة في استثمارات نظام الرأسمال الجائع لاثراء حزبه وسماسرته على حساب الشعب والدولة، بالانتهازية والفساد، والاغفال التام عن مصالح الشعب  السوداني في الحاضر والمستقبل .

ومثلما آل اليه حال البترول، لم تتردد شرائح الحكم الاستبدادي القائم في الهجوم على ثروة القطر الزراعية والحيوانية الضخمة. وفي ذلك الشان اشتمل خراب الجبهة القومية الاسلامية على تدمير الِشركة الاصلية في مشروع الجزيرة بين المزارعين والادارة والحكومة، بدلا عن تطويرها لتحسين معيشة المزارعين وتطمين مستقبل اجيالهم المظلومة.

ثم اتجهت الحكومة  للخصخصة وتمكين كبار المستثمرين في مناطق الرعي للتوسع في الزراعة الالية علي حساب البيئة والرعي. واقتنص النظام نشاط القطاع البدوي الهاجع باكمله لمصالح المستورد الاجنبي في مباع الماشية والصمغ العربي وغيره- سياسة طبقية واضحة لاضعاف القطاع الاقتصادي غير الموالي لايديولوجية الحزب الحاكم، وخلق الفرص لتقوية حلف اقتصادي/ سياسي/ايديولوجي عريض بين جماعات الاخوان المسلمين الانقلابية في الداخل، وخشومها الشرهة في الخارج .

يجدر بنا أن نذكر في هذه الناحية فطنة المفكرعبدالخالق وتقديره المبكر لخطرالاخوان المسلمين كتنظيم لاوطني وغيرمعياري في آن واحد، اذ أنه لا يابه بمصالح الشعب وحالة فقرائه، وواجب خلاصهم من الفاقة والاملاق والعجز، والالتزام بتطويرحياتهم الثقافية، وضمان استقلاليتهم السياسية، وكفالة الحرية التامة لهم لممارسة عقائدهم الدينية ومعتقداتهم الروحية.

نقيض كل ذلك تماما، يقوم فكرالاخوان المسلمين على نشر الكره واشاعة الخوف، ورفض الرأي الاخر وارهابه وقمعه، ومن ثم السعي المستمرلاستحواذ السلطة بلا قانون او نظام يتفق عليهما الشعب، للضرب بها بالارهاب، والحكم على كل رافضٍ او معارضٍ، مهما كان القرار خاطئا او التوجه بليدا او التطبيق مفسدا.

لهذا اعتبر المفكرعبدالخالق منذ الخمسينيات الاولى، التي شهدت تسلل فكر الاخوان المسلمين الاجنبي في اسلام السودانيين وثقافاتهم وحياتهم، أن فكرالاخوان "سرطان" يصيب الوطن في مقتل.

لسنا في حاجة اليوم وقد مضى على استيلاء الاخوان المسلمين السلطة في السودان جيل كامل يقارب العشرين عاما (1989- 2007) لتأكيد ماتطابق من سياسات الاخوان المسلمين وحزبهم الحاكم في السودان، بتاييد شامل من تنظيماتهم في الخارج، من تدميرٍ لحياة شعبنا المادية والروحية، وتخريبٍ لثرواته وهموم توزيعها العادل، ودولته التي بها ينخر الفساد وتتآكل دواوينها الفوضى ورعب الأمن، ومآسي الحروب الاهلية: دارفور بعد الجنوب، الشرق بعد دارفور، والشمال بعد الشرق، وهلم جرا.

الخلاص من هذه الكابة المُحرقة لروح الحياة، المحدقة بمداخلها ومعانيها، المُغَرقة في تدهور معايير المعيشة وانحطاط التنمية ليس أمرا مستحيلا. فكيف يكون؟

يطرح فكرعبدالخالق في تفاؤل ويقين: ان معارك الاستقلال الاقتصادي والنماء الثقافي والاجتماعي، بناءا على تمتع الشعب بالحريات الديمقراطية وحقوق الانسان، هي ما يجب ان تكرس له الجهود، ويكثف النضال، ويدعم حق التنظيم والراي والاجتماع والتعبير والمراجعة بالنقد البناء والتصحيح الفاعل - فالطريق َبيِّن: التطبيق المبدئي لديمقراطية الحياة العامة، وطريق التنمية التي ترعى قبل كل شئ اخر حاجات الطبقات العاملة عمالا ومزارعين وبدوا منتجين، ومثقفين كادحين ومهنيين، وجنودا نظاميين، ومستثمرين واصحاب اعمال، متنورين وملتزمين بمطالب الشعب.

حقا اختفى عن الوجود الاتحاد السوفيتي الذي كان عبدالخالق يكن له تقديرا كبيرا، لانه الدولة التي استطاعت ان توجه كثيرا من مقدراتها في خدمة العاملين والكادحين، واعانتهم على تحسين الحياة والتمتع بقدراتهم – وهي اجندة عاش عبدالخالق مناضلا في سبيليها .

اختفت عن الوجود بلدان اشتراكية كثيرة. على ان القضية الجوهرية في فكرعبدالخالق وبرنامجه لاتتعلق اساسا بوجود الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية، بقدر ما أن القضية تتعدى بحقٍ حدود ذلك الوجود لتؤكد في اصرارحق الشعب السوداني في اختيار طريقه للخلاص والتنمية والمستقبل، واخذ همومه والمضي بها عبر نضال الطبقات المنظمة والواعية بحاجاتها وحقوقها والسبيل الى تحقيقها.

لكل هذه التحديات، لم يتراجع المفكرلحظة واحدة عن اهمية حزبه للطبقات المنهوبة والمحرومة والمظلومة، وضرورة ان يتولى مثل ذلك الحزب واجب تنظيم ذلك النضال المشروع، والاضطلاع بمهام التعليم والتدريب، وتعميق الوعي ونشره في كل الأوساط، ومخاطبة المجتمع والعالم باسم تلك الطبقات والدفاع عنها وحماية مصالحها ومكاسبها، وتجويد مساهماتها الوطنية والاقليمية والدولية لعالم افضل حالا واسعد مآلا.

في قلب هذا المشروع التنظيمي النبيل يرتكز المفكر على ايمانه العميق بقدرة الشعب السوداني تأسيسا على تاريخه العريق، وحضارته التليدة، وتعدديته الزاخرة، وانتفاضاته المهيبة، وفضائله الفريدة.

فكره لذلك وطني تقدمي ديمقراطي؛ ولانه ينظر الى افق رحب بعيد يحمل قابلا رصينا من معاني الحياة العادلة والمنتجة، ولانه يأبى اتيان ذلك الافق بمغامرات القوة أو متقلبات السلطة، عاش عبدالخالق رافع الراس، متنزها عن التملق والنفاق، لاينحني لحاكم ولايخضع لسلطان، ولا ينكسر رأيه لارضاء سلطة او توظيف عسكر. فكانت مواقفه حازمة مناهضة ومصادمة لانقلابيي مايو 1969 حين عجزوا عن تحويل انقلابهم لحركة شعبية عريضة، لايحكمون فيها، بل ينخرطون في مسيرة خدامي الشعب. ومامن دليل ان مفكرا وسياسيا حريصا وراسخا بهذا العمق والمبدا – بمثل ما تميز به عبدالخالق – يسلم فكره، دع عنك حزبه، لانقلابٍ ما، ايا كان مقصده: الارجح، انه تمسك باستقلاليته واستقلالية حزبه بصرف النظرعما لحق بهما من بطش وتنكيل.

لعلنا نحاول الان ان نجد تعريفا لما تعنيه " الثورة " في فكر عبدالخالق.

ماكان  مفهومه للثورة مرادفا للتغيير بالعنف، كما يُعّرف الثورة كثير من مفكري الغرب. يشرح قولدستون (Goldstone,2002 ) من آرائهم فكرة هنتغتون ان الثورة " نادرة الوقوع في التاريخ؛ تغيير كاسح بعنف القوة للبناء الاجتماعي باكمله." وباشتراط التغيير الكاسح ، ارتُكبت اقسى الجرائم بحق البشر من ثوارالتاريخ في قارات العالم المختلفة.

أفهكذا يطرح عبدالخالق فكره الثوري ؟!

     في المبدا لايشتمل فكرعبدالخالق محجوب على اباحة العنف لاجتثاث البناء الاجتماعي بالقوة. وقد رفض تاميم سلطة مايو 1969 لاقتصاديات الوطن بمافيها تجارته وراسماليته الوطنية دون معارضة لتاميم الاحتكارات الاجنبية من حيث المبدأ. ومع ذلك، تعرض حزبه للنقد الشديد لعدم معارضته قيام سلطة مايو بالهجوم على معقل الانصار في الجزيرة أبا بعنف السلطة. الارسخ أن وجهة التغييرفي فكره ارتكزت على تنظيم الحركة الجماهيرية والنضال السلمي بالديمقراطية. وعندما دفع نظام الجبهة القومية الاسلامية حزبه، سنوات من بعد وفاة عبدالخالق، لقبول فكرة الانتفاضة بتسليح الجماهير، لم تخلو الساحة الفكرية من نقدٍ لذلك القبول، وحث حزبه والاحزاب المعارضة الاخرى على تكثيف العمل الجماهيري وتوسيعه بالداخل - ليس العمل العسكري - لمحاصرة نظام الجبهة الاستبدادي، واجباره كما اجبر سلفه الديكتاتوري على الانصياع لارادة الشعب، ولايزال المطلب متصاعدا: فالعمل العسكري وعنف السلطة "لاينهي ازمةً سياسية، ولا ينتصر في قضيةٍ وطنية"، كما شدد الفريق اول فتحي احمد علي القائد العام الشرعي للقوات المسلحة السودانية في مقابلةٍ تاريخية أجرتها معه دورية حقوق الانسان السوداني (1996 ).

أكد القائد العام فتحي بهذا الفهم الرشيد ادراكه النبيل لدورالقوات المسلحة في السلام والشرعية الدستورية والديمقراطية.

قبل ان نبرح برنامج عبدالخالق الاقتصادي الذي دعاه "الثورة الاقتصادية" باعتبارها برنامجا منحازا للطبقات العاملة والمنتجة، فينتزع حقوقها من الملاك والمستثمرين باتفاقات العمل المنصفة والسياسات العادلة والتفاوض المستقل والدولة الراعية للحقوق والحريات، نسجل عناء البرنامج بالتمويل والتقنية للبناءات التحتية، وملاحظته للدورالذي يمكن ان تلعبه الراسمالية السودانية المتنورة كي تدرك الصناعة، لا أن تستثمر في قطاعي الخدمات والعقارات فحسب، مع نبذٍ مقيمٍ "للراسمالية الكبيرة داخل القطر وخارجه التي لا تضع قدراتها في خدمة حاجات الدولة والشعب، وانما تستغل ما يقع في يدها لاذلال الشعب وتسخير الدولة لمنافعها الخاصة".

وقد رأى عبدالخالق ان للدولة التي "عَرّفها" الحق لتطلق يدها من اجل تحقيق مصالح الجماهير بارتياد كافة الطرق المشروعة التي تؤدي لازدهار التجارة الداخلية والخارجية، متحررة من سياسات الصناديق العالمية والاقليمية، ووكالات التمويل مركبة الفائدة بشروطها المجحفة وديونها الباهظة .

سنين عقب اغتيال سلطة مايو الجهلاء للمفكرعبدالخالق، تحرك البنك الدولي بفضل ضغوط دولية عارمة ليفرض شروط الاذعان لحقوق الانسان على الدول التي تطلب اعتماداته؛ الا ان هذه الخطوة الايجابية ساوقتها اجراءات البنك التقشفية على دعم الخدمات والسلع في الدول الفقيرة: فكان رد فعل جماهيرها ناقدا ورافضا لتدابير التقشف ما طالت الاثرياء في شئ، بل انهالت في لؤمٍ على ظهور الفقراء توسعها مجاعة.

وفي اعتى الدول الراسمالية صناعة ومواردا، مثل الولايات المتحدة واوروبا واليابان، تظاهرانفتاح أكبرومطلب أقوي في أجندة أحزاب على برامج الرعاية الاجتماعية والضرائب التصاعدية. ان هذه التوجهات في مجتمعات لاتشكو الفقر وانحطاط النمو تقدم دليلا اخرعلى مصداقية برنامج عبدالخالق، ومن ثم اولوية الحاجة لاعتباره في وطننا، بدلا عن الانغماس في سياسات الجبهة ونتائجها الطبقية السالبة التي تعبر في حقيقتها عن حكم برجوازي- شبه اقطاعي لاتعنيه الحداثة الا لنفخ ذاته.

القضية اذن فكرية وثورية في آنٍ واحد: فكرية تروم تحليلا وحلا سياسيا ناجزا ؛ وثورية لانها تصحح سياسات الاقتصاد وتوجه مسيرته توجيها طبقيا لا لبس فيه ولا رجوع، مستهدفا قلب الاقتصاد السياسي "رأسا على عقب"، بأعلاء اقتصاد القوى المنتجة، المناقض تماما لتحكم الدولة الطفيلية وسيطرة حزبها وتسخيره قدراتها لمصالح شرائحه المنتفعة في قمة الجهاز الاداري والعسكري والامني وسوق العمل والانتاج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(3)

 

حول البرنامج في قضايا الدين

كتب عبد الخالق في مؤلفه حول البرنامج:

 

 " توفر الثورة الوطنية الديمقراطية حرية العقيدة الدينية وممارستها لجميع سكان بلادنا وذلك بناء على الحقائق التالية :- ان تصور الانسان لتكامل نفسه ووحدتها ولمستقبل الانسانية امور تنبع من اقتناع الانسان نفسه ولايمكن لاي قوة ان تفرض عليه ارادتها في هذا المضمار. بغض النظر عن الاختلاف في العقيدة الدينية او الاختلاف حولها فان الطبقات تتخذ مكانها وموقعها من الثورة الاجتماعية وفقا لمصالحها، وبحكم مواكبتها لتطور حركة التاريخ او تخلفها عنه. ان الانسان "الاجتماعي" هو الذي يحدد ذلك الموقف ولاتحدده العقيدة الدينية" (ص 45).

 

يمضي المفكر قائلا :

 " يرفض النظام الوطني الديمقراطي استغلال الدين من اجل مصالح الطبقات الرجعية في بلادنا والتي تسعى الى اعادة العلاقات الانتاجية القديمة. وهي بهذا انما تسخر الدين من اجل استغلال الانسان وسلبه من انسانيته. هذا الاستغلال للدين يتعارض مع مصالح المجتمع ويتناقض مع المستقبل الافضل للانسان الذي يصيغه بعقله ويديه، وهو ينتقل من ساحة الحاجة الى ساحة الحرية. ولقد ادى استغلال الكادحين لبقائهم في حالة مزرية من الجهل والظلام. تولدت في هذا المستنقع الاسن  الطفيليات الاجتماعية مثل الطائفية، والدجل، واعمال السحر والشعوذة – والتي ظلت عونا للمستعمر ايام حكمه في بلادنا وسندا للحكم البرجوازي – شبه الاقطاعي فيما بعد. وليس ادل على تلك الاضرار في تاريخ الحركة السياسية السودانية من مسخ الدين وتحويل دعوته الى برنامج كامل لطريق الراسمالية والتبعية للاستعمار الحديث ( مشروع الدستور الاسلامي )" (45-46).

 

تُعّبر النصوص الواردة انفا عن التزام المفكرالشديد بكرامة السودانيين وقيمهم الروحية ونضالاتهم النقابية والسياسية من اجل الديمقراطية، والسلام، والتقدم الاجتماعي. لقد كان عبدالخالق عليما بنفاذ الدين في حياة السودانيين، وتعددية معتقداتهم الدينية، والحاجة لاحترام حق كل فرد في كافة انحاء السودان ليمارس في حريةٍ حياته الروحية. استلزم هذا الطرح التزام حزبه في تشديد على احترام المعتقدات الدينية ومحاسبة من ينتهك حرمتها.

لا يتعارض الالزام بتوقير المقدسات الدينية مع التزام المفكرأوتنظيمه بالفكر العلمي المنتقد لتزييف الدين واستغلاله لتحريف البسطاء عن قضايا المجتمع والدولة الاساسية، ولم يمنع احترام الدين المفكر من النضال المشروع لمنع الجماعات التي تستغل السكان وطبقاتهم المنتجة بتدليس القيم الروحية أو تسييسها لمآرب ذاتية. عكس ذلك تماما، ظل الفكر الانتقادي واهدافه السامية حافزا دائما لنقد التزييف والتحريف، وتثبيت القيم والحقوق في نفس الوقت، وتاكيد المعاني الراقية للدين: صون الاخلاق الفاضلة، وممارسة الابداع الفردي والجمعي، واعزاز كرامة الانسان، وتحقيق تكامله المادي والروحي في حرية واختيار، وحمايته من الارهاب والوصاية والاستغلال .

كان عبدالخالق مفكرا مثقفا خاليا من الكراهية والاحقاد نحو المؤمنين باختلاف الاديان؛ كان مفكرا تقدميا يناضل لاصلاح دولة السودان وانهاض مجتمعه والعمل على انجاز ارتقائه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وكان نضاله قائما على الفهم الصحيح لمواقف الشعب والاحترام العميق لهويات السودانيين وارثهم الحضاري. وبهذا الادراك الشعبي العميق، قام عبدالخالق بتطويرعلاقات واسعة مع جماعات المؤمنين بالاديان في انحاء البلاد المختلفة. وبوجهٍ خاص، ظل يثني في اعجاب على مكانة الفكر العقلاني في الاسلام، ويتحدث بالصوت العالي عن خلق نبي الاسلام العظيم وصحابته المكرمين.

وكان يؤكد ضرورة العمل على ربط العلمانيين بالقيم الدينية السامية للنضال من اجل تقدم الحياة وترقية المجتمع، منتقدا في حزم أي نزوع من أي فرد او جماعة او حكومة لابطال حق الناس في التامل والتصرف بعقلانية وتفكر لاستقصاء المسائل، وترجيح الاحكام، والجدل بالبينة والاثبات، للتوصل الى اتفاق الاقناع والاقتناع – فجماع هذه الوسائل ازكاء لحرية الراي والراي الاخر، ومساهمة حقة لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية، المنتوج النهائي للحركة الجماهيرية ببعدها الطبقي المعلوم .

افلحت حياة المفكر العامة في اكتساب ثقة العامة الغالية، واشاد به مواطنوه في الدائرة الجنوبية – ام درمان – ابان انتخابات الستينيات التي صار بها نائبا في البرلمان، وهي الدائرة التي كان يسيطر عليها الحزب الاتحادي، حزب الزعيم الوطني البارزاسماعيل الازهري. ان الطرق الصوفية التي تعج بها الدائرة منح كثير من اعضائها اصواتهم لعبدالخالق، تقديرا لفكره الالمعي، وشخصيته الجذابة، وخدمته المجتمع فكرا وعملا وخلقا .

الطريق لنيل ثقة الشعب مستقيم غير متعرج او ملتو: فالمفكر الذي تصدى في شجاعة واقدام لطواغيت السلطة وناهبي قوت الكادحين، ولم يساوم في حياته على آمالهم، ولم يتراجع عن حقوقهم ومطالبهم، ولم يخادعهم في معتقداتهم او يدعي القداسة لاستغلال طاقاتهم، اصبح بكل جدارةٍ قطب الدائرة السياسي، والعقل الساطع لوعي اهلها بشئونهم العامة. لقد كان فرحا غامرا وانتصارا شعبيا فوز عبدالخالق محجوب بالدائرة. فلم يكن مناسبة حزبية خاصة. ولم يقلل ذلك من نضاله شيئا؛ بل ضاعف الفرح الشعبي من جهد حزبه ودوره في الساحة قدرا كبيرا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(4)

 

أي ديمقراطية؟

يقطع المفكرعبدالخالق محجوب حول البرنامج بتعريفٍ محددٍ لايخلو من دقةٍ في ملامح "الديمقراطية القادرة على اجتياز مسيرة التحول الاقتصادي اللازم" للخروج بالقطر من براثن التخلف السياسي والثقافي "والانطلاق الى افق التغيير الاشتراكي"، الذي يمثل ارقى ترتيب حياتي في تقدير المفكرعبدالخالق. فالحياة في ظل الهيمنة الراسمالية بشرائحها المنتفعة، وفقا لما تمخض عنه واقع الدولة والمجتمع في السودان الحديث منذ الحكم العثماني المصري الى الحقب المعاصرة، لم يتحسن فيها حال الاغلبية الساحقة من الطبقات العاملة التي اصابها الافقار، واقعد بها عن التمتع الكامل بالحريات العامة وحقوق الانسان ما تعاقب من انظمة حكمٍ لا ديمقراطي او حكومات استبدادية، وان كان شكلها برلمانيا .

ما يعين حقيقة الديمقراطية في مفهوم عبدالخالق لا يرتبط بالشكل؛ انما يستند في المبدا والاساس على سياسة الانتاج، توزيعه وعلاقاته ومشاركة الطبقات المنتجة في ادارته، وتقاسم عائده القومي في عدل وانصاف، والتمتع بوضع سياسات الخكم قاطبة، وتطبيقها وتجويدها بالمراجعة والنقد البناء من هيئات الحركة الجماهيرية ، احزابا وتنظيمات، في المجتمع المدني العريض، المستقلة عن هيمنة السلطة التنفيذية او التشريعية، مع الضرورة القصوى لامتثال الجانبين (المجتمع المدني من جهة والحكومة من جهة اخرى) للقضاء المستقل .

الحق يقال، ان ديمقراطية اقتصاد السودان بهذا الشكل او الاداء لم تتحقق بعد. ولربما يمكننا ان نسجل للانظمة المنتخبة ديمقراطيا ( عقب انتفاضة اكتوبر64 وانتفاضة ابريل 1985 ) اقترابا من النموذج المطروح بعدت به عن التطبيق الناجز مختلف علاقات الانتاج عن الثورة الاقتصادية، دون تحسين أوتمكينٍ للطبقات المنتجة من المزارعين والعمال وكادحي المدن والرسماليين( المتنورين بمطالب الشعب المنتج وحاجات قطاعاته المختلفة للتنمية والتقدم ).

قبعت الحكومات الديمقراطية بسبب ذلك التخلف السياسي في مكانها من علاقات الانتاج الموروثة من عهود الاستعمار، وتركزت ميزانياتها في تسيير الفصل الاول من المرتبات والاجور والفصول الاخرى للانشاء والتعمير باملاءات المستثمر الخارجي، وسمسرة قومسنجي الداخل، مع مصارعة النقابات والاتحادات المهنية (القوي المستقلة الحديثة).

بالمقارنة، يمكننا ان نشير الى اداء الانظمة الديكتاتورية المزري في باب الاقتصاد السياسي. فالاولى (1958 ) عجزت خطتها العشرية عن تطوير الاقتصاد الوطني؛ وجمحت ديكتاتورية مايو جموحا في الانفاق الامني وتبديد المال العام في احتفالات الحزب الحاكم وفرض ولاء الهيكل البيروقراطي، مابزّ ذلك الخراب نظام سوى صنم الجبهة القومية الاسلامية بتوسعه في الحروب الاهلية، وفتحه ابواب الثراء الحرام لشرائح السماسرة من كل حدبٍ وصوبٍ لتمتص دماء الفقراء، وانهاكه الرسمالية السودانية المنتجة المتنورة واستبدالها باغنياء الحرب والبترول وطفيليات العقار الفاخر في تطاولٍ لم يعهده سابق في السودان او اقطاره المجاورة .

موعود العلاج الاجتماعي الناجع لذلك العجز النمطي في كلٍ من الانظمة، انتخابيةً كانت أم ديكتاتورية، هو النموذج الذي يطرحه المفكرعبدالخالق "الثورة الاقتصادية الديمقراطية باشاعة الديمقراطية".

لابد لنا هنا من وقفة اخرى: فالمنهج الفاعل لتحقيق الثورة الاقتصادية، المرمى الحقيقي للحركة الجماهيرية الديمقراطية والوسيلة الفضلى لضمان انجازها يتمثل في "اشاعة الديمقراطية".

خصائص الاشاعة غير مجهولة او منكورة: الحريات العامة، في ظلها يناضل المجتمع المدني باحزابه ومنظماته غير الحكومية، ليتمتع الشعب بحقوق الانسان وحرياته كما تنص علي اصالتها واستقلاليتها عن السلطات، اياً كانت، كافة المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية بلا قيدٍ او شرطٍ او تراجعٍ، ناهيك بسخف الأمانات الحكومية او تسلط الدواوين المعينة "للاشراف" على حقوق الانسان كأنها سلعة او وظيفة او تجارة بأوامرسلطان.

حركة حقوق الانسان حركة جماهيرية شعبية في الصميم، لايضرها شئ بمثلما يحيق بها من أضرارٍ بليغةٍ بتدخل الحكام والحكومات أوالاحزاب الحاكمة في شئونها. في ذلك، تقع منظمات حقوق الانسان في مضرب واحد مع النقابات العمالية واتحادات المهنيين والمزارعين؛ جميعهم هيئات شعبية لا تتنفس الا برئة الحرية الكاملة عن الحكومات وتدخلاتها السلطوية الجوفاء .

           يتقدم المفكر عبدالخالق حول البرنامج بتفصيلٍ بليغٍ موجزعن خصائص فكرته الكبرى "الثورة الديمقراطية": ثورة بلا عنف او ارهاب او تحكم. ثورة تنال بها جماهير الشعب وكافة طبقاته المنتجة حقوقها المستحقة بالحياة الدستورية الناصحة المستقرة، حتى تحقق شرط الحياة الصحيحة بعلاقات الانتاج الجديدة؛ علامة المجتمع الجديد والدولة الجديدة والسودان الجديد.

كتب يشرح هذه التوليفة الصريحة، قائلا:

 

 " تتطلب هذه الثورة الديمقراطية ايضا علاقات انتاج جديدة، وفقا لمنجزات الثورة الاقتصادية ... تتطلب تطبيق الديمقراطية في مركز الانتاج بقصد ووعي، وذلك بقيام مجالس الانتاج وفق تشريع واشتراك الجماهير الكادحة في ادارة  الوحدات الاقتصادية والادارية ... الخ، على ان تتم هذه المشاركة الفعلية وفقا للرغبات الديمقراطية الحرة للجماهير الكادحة  وباشتراك منظماتها الطبقية (من نقابات واتحادات ولجان ثورية وتعاونية ... الخ ). هذا استثمار لرفع الانتاجية ولزيادة مجمل الانتاج القومي، فيه تدريب ومران للكادحين على الادارة بما يسهم في تحقيق الاساس المادي لسلطة الشعب، ومساعدة الجماهير للسير في طريق التكامل واليقظة ومنع الغربة "(ص 38).

 

بهذا النص نختم هذا الجزء من فكر عبدالخالق؛ واضح فيه تصور حزبه لمراحل التغيير الاجتماعي، مرحلة تُقطع لمرحلة تُوضع؛ تقسيما طبقيا لبنية المجتمع، تاسيسا على علاقات الانتاج في كليته وادراك وسائله وقواه، وحالة توزيعه الاجتماعي، واعادة دورته؛ تغييرا لازما لتحقيق العدالة الاجتماعية والتمتع الكامل بالحقوق والحريات، لن يتم ابدا مهما بُزل في سبيله ما لم تُنجزالثورة الاقتصادية الديمقراطية لتبلغ مرقاها السياسي الأوفي، الثورة الديمقراطية.

القطاع العام في هذا النموذج الفكري هو القائد الاعلى لمسيرة التنمية واداء الدولة. وهو بهذا الشمول يتحتم ان يتغذى روحا وبدنا بالديمقراطية. وهي هنا، بدورها، تُترجم الى قوانين وعلاقات عمل وادارة جماهيرية تلعب فيها النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية دورا رئيسا، بالمشاركة والمراجعة والنقد البناء.

القطاع العام في هذا النموذج الديمقراطي ليس مجرد هيكل بيروقراطي يتحكم فيه بالاشارة والامارة من يحتل مواقعه العليا دون دور يذكر سوى الروتين البائر للملايين في قواعده الدنيا. وهو ما جعل فلاسفة الادارة وعلماء التنظيم الاجتماعي، وفي طليعتهم المفكر الشيوعي كارل ماركس والمفكر الليبرالي ماكس فيبر وغيرهما من علماء الفكر السياسي الحديث، يتبرأون من جميع أشكال البيروقراطية؛ رأى ماركس ضرورة تنقيتها من استبداد السلطان بتمكين الطبقات  المنتجة من مسك زمامها وتحويلها الى اداة لضمان مصالحهم الطبقية. وراى فيبرانه لامفرمن عنت البيروقراطية وسلبياتها المتجذرة بها أصلا .

اما عبدالخالق محجوب، المفكرالاشتراكي السوداني، فهو يقف في تقديرنا وقفة تاخذ بافضل ما يطرحه المفكران: بيروقراطية السودان، لاسيما جهاز الدولة، اداة رئيسة لتنظيم انتاج القطر، واداء ثورته الاقتصادية، وكفالة نجاح ثورته الديمقراطية – لايجب ان تُترك وهي بمثل هذه الاهمية دون ان يجتهد المفكرون والعاملون لجعلها اداة صالحة في يد الشعب.

قال، عندئذ تضحي ديمقراطية الدولة مرآة لديمقراطية الاقتصاد؛ فالاقتصاد وسياسته وادارته وجوه لعملة واحدة. عليه، يصارح المفكرجماهيرالشعب بحقيقة المشكلة وحلها:

مشكلة السودان في علاقات انتاجه. فمن الخطأ لذلك ان يشار الى المشكلة على انها تدني معدلات النمو القومي، او ضعف الدخل القومي فحسب، اذ ان التداعيات التي تنشأ وتتكاثر سلبا في اقتصاد البلاد مردها الرئيس الى علاقات الانتاج. ومن الناحية الاخرى، يستقيم امرعلاقات الانتاج وتعطي أحسن ريعها متى أُدير شانها بعلاقات الديمقراطية .


 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا (5)

 

 

تجديد البرنامج

للمفكر محمد ابراهيم نُقُد

 

أيقظت مساهمة المفكر محمد ابراهيم نُقُد مبادئ موحهة لتجديد البرنامج حوارا جماهيريا واسعا حول وضع حزبه خاصة، واليسار عامة، في الظروف الراهنة من مسيرة الشعب السوداني عقب انقلاب الجبهة القومية الاسلامية الرجعية التي اعادت في عنفٍ عقارب التاريخ الى الوراء، مستعيدة في بطش شديد علاقات ماقبل انتفاضة مارس/ابريل 1985 الرائعة التي اعاد بها الشعب السوداني قدراته الخارقة في مصارعة الطغيان واخضاعه وقذفه في مزبلة النسيان، والمضي قُدما بنضارة الثورة السودانية الفتية – الحركة الجماهيرية الناهضة التي لايعود فضلها لحزب او فرد ؛ وانما يتقاسم مجدها السودانيون بوطنيتهم الصادقة وحضارتهم العريقة وتراثهم الفريد، على امتداد الوطن.

طرح  نُقُد في تجديد البرنامج تساؤلات الجماهير، وأفرد لفكره وادبيات حزبه المجال للاجابة والاقتراح والابانة والانتقاد. ولاغرو، فللشعب ان يسأل كل احزابه ومجتمعه المدني بمنظماته وجماعاته الديمقراطية – مثلما للشعب ان يسأل ويطالب ويحاكم حكوماته فيُبقي عليها او يقتلعها اذا فشلت واستبدت وافسدت، وللشعب ان يقيم وضع الاحزاب ودورها واداءها في العمل العام ماضيا وحاضرا، وان يُثّمن رؤيتها للمستقبل، وماينتظره من برامجها ووعودها وجهدها.

باكراً في عام 1964، اياما قليلة قبل انتفاضة اكتوبرالمجيدة التي اطاح فيها الشعب بديكتاتورية جنرالات الجيش ( 1958 – 1964 )، أكد نُقُد في تصريح صحفي: "ان افق الثورة السودانية الأعلى هو ما يُقتَدى في نضالات الجماهير؛ فهي وحدها- اكثر من أي حزب او سلطة – التي تقود المسيرنحو ذلك الافق".

هذه النظرة البعيدة لديمومة الحركة الجماهيرية، وقدراتها، ومهامها، ظلت قائمة في فكرة الثورة السودانية كمفهوم سياسي لبرنامج التغييرالاجتماعي المطروح ومراحله المنظورة، وارتباطه بتاريخ الوطن ومايمربه من منعطفات ودروب، وتحول وانتقال. وهي فكرة يتمسك بها نُقُد وحزبه فيما يؤشر عليه تجديد البرنامج. وقد راينا آنفا حول البرنامج وضوحاً في هذه الرؤية، وتطويرا لبنود البرنامج الذي يُرجى بالتطبيق فلاحه، في عملية التحول الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي المنشود.

وعقب اغتيالات قادة الحزب، بمن فيهم عبدالخالق محجوب، واختيار نُقُد زعيماً للقيادة كانت مهمة تجديد الحزب ولاتزال أمراً عسيراً. ولعل اول مايتبادر لذهن الدارسين في هذا الشأن، جانباً عن الرغبة المتأججة من قوى الرجعية والتخلف لمنع الحريات العامة وتكبيل حقوق الانسان للاحزاب المعارضة والمجتمع المدني، ان معارك التغيير والمراجعة للتنظيمات المدنية التي تقوم على الفكر والمناهج الموضوعية لاتحسم الا بجنسها، أي بالفكر الموضوعي.

هذه شروط لاتتحقق على وجه الكمال الممكن الا بأجواء خالية من رقابة السلطة او ارهابها. والواضح ان احوال البلاد منذ ماقبل يوليو 1971 الى قيام انتفاضة ابريل 1985 المباركة، وما جثم على الوطن منذ 1989 من رعب الجبهة القومية الاسلامية ونظامها القمعي لم تحظ باستقرار اجواء الحرية على الاطلاق. ومع ذلك، فقد واصلت جماعات الفكر في كافة تنظيمات المجتمع المدني والاحزاب المعارضة جهودها الفكرية من وراء القضبان.

لثلاثين عاماً واكثر قليلا، ظهر المفكرمحمد ابراهيم نقد كقائد بارز لنضالات حزبه القومية والديمقراطية، وتوجهاته الاشتراكية. ولايزال نُقُد في الوقت الحاضر احد القلائل في المنطقة العربية والافريقية الذين يواصلون رمزية نادرة للكفاح الاشتراكي في الحقبه الراهنة، كما ثابرعليه في الحقب السابقة من حركة التحررالوطني للسلام والعدالة الاجتماعية والتقدم التنموي للجماهير الكادحة والمحرومة؛ وقد توج شعبيته بفوزه نائبا للبرلمان عن دائرة الديوم في انتخابات 1986 الديمقراطية.

مانبدأ الاستفسار عنه حول تجديد البرنامج يندرج تحت سؤال كبير: هل ابقى تجديد نُقُد على برنامج المفكر عبدالخالق محجوب، ام ان التجديد يغير مسيرة الحزب؟

المعروف ان برنامج عبدالخالق أُعد كمساهمة لمؤتمرقادم، وان ذلك البرنامج كان اقراراً ومطالبة بتواصل مبادئ الحزب، وجعل ادبياته مواكبة لظروف مابعد 1969، حين استولت شرائح البيروقراط المدني والعسكرعلى السلطة السياسية ومضت بها لاخر الشوط مع قوى الراسمالية الدولية – مناهضة ومحاربة في مضمون ادائها لحركة الجماهير واحزابها المستقلة عن السلطة.

سيجد القارئ في تجديد البرنامج لغةً ومفاهيم تذكره ببرنامج عبدالخالق، مثال ذلك اصطلاح الطبقة العاملة وفائض القيمة والثقافة الديمقراطية والثورة السودانية ... الخ .

مع ذلك، يحمل تجديد نُقُد محاولة تثيرالاهتمام لأبعد حد لاستخدامه مفاهيم البرنامج في اطار مرجعي معاصرحتى تقابل تحديات العصروهمومه عقب انهيارالاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية، وفرض نظام دولي جديد قوامه العولمه والتقليد.

 يقول نقد عن برنامجه :

 

 " البرنامج ايجازوتركيزللاهداف العامة، للمؤشرات العامة لوجهة التطور والصراع السياسي الاجتماعي – ليس مراسيم للتنفيذ او نماذج جاهزة للتطبيق "(ص 58 ).

 

           اذن، يتحلى تجديد بقدرٍ كبيرٍ من المرونه لاستشعار الحواروتشجيع الجماهيرعلى طرح رؤاها فيما يلبي تطلعاتها ويشبع حاجاتها الفكرية والمطلبية. ويمتد البعد الشعبي ليشمل : "الصراع النظري والساسي مفتوحا لاقيد عليه، والاحتكام والحكم لمعايير العلم ومحك الممارسة وادارة الشعوب والجماهير العاملة "(ص 57).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(6)

 

موجهات التجديد :

نهج الممارسة – المنهج والاجراء

في تجديده، يثبت المفكرمحمد ابراهيم ثوابت الحزب "النضال من اجل الديمقراطية والاشتراكية"، مع مطالعة بعيدة المدى لفتح كل المسالك لمعالجة اشكاليات التنمية الهابطة والتخلف الاقتصادي في حالة السودان اليوم.

يتحرى المفكرهذا المطلب القومي الاستراتيجي الهام في ضوء العصر الجديد للعلم والتغيير التقني والعولمة الراسمالية التي هي "ليست نهاية العالم" فيما يري. والارجح، كما يطرح المفكر، يتعلق بما ينبغي عمله لتقوية الكفاح من اجل الاشتراكية والديمقراطية في وجه كل هذه التغييرات الكاسحة في العالم المعاصر، وعلى كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والتقنية والمعلوماتية.

يؤكد نُقُد بدايةً، تواصل نهج حزبه في استخدام المنهج العلمي الموضوعي للالمام بالظاهرة موضع السؤال، وهي هنا التغييرات الدولية الجارية في الكوكب، متعهداً ومطالباً بمواصلة الدراسة والفهم لتلك التغييرات، وتقييمها في ضوء علاقاتها المتشابكة مع ما يجري في الساحات الوطنية والاقليمية، وبهذا النهج، يرى ضرورة قيام حزبه بمعالجة قضايا التغييرالاجتماعي الماثلة، وصوغ برامج حزبه، واجراء ما يلزم من تعديل عليها كي تلائم التحديات الضاغطة، وماينتج عنها من تحولات حياتيه معاصرة - ليس اقلها ثورة التقنية العالمية.

مهام التجديد صعبة عسيرة. تتطلب قدراً كبيراً من المعرفة المواكبة، وتقديرا سليما للتجارب السابقة لاستطلاع الافق بمنظورٍ يستجمع كلا من ثوابت الماضي، ومعاناة الحاضر، وامال المستقبل. يؤكد المفكر لذلك على الحاجة لجّرحزبه بعيدا عن الوان التفكير الضغمائي، وتفادي الجمود العقائدي، والتصلب في الهدف والراي وطرح البدائل .

ماهو اتجاه التجديد وماهي اجندته ؟ أي قوى اجتماعية يستدعيها التجديد لتؤدي مهامه؟ وماهي اكثر متطلبات التجديد ضرورة؟

لمعالجة هذه الاسئلة الجوهرية، يطرح المفكر، بعقلٍ مفتوح وتصميمٍ لايتزحزح، مساهماته النظرية  ومقترحاته التطبيقية للنهوض بالتزام حزبه بالحركة الجماهيرية السودانية، في مرحلة من اخطر المراحل التي تواجهها، وهي تجتاز لاتزال قضايا التخلف الاقتصادي، والاستبداد الاداري، والقمع السياسي، وتيبس الحياة الثقافية بآدابها وفنونها التعددية المعروفة – تحت حكم الجبهة القومية الاسلامية .

في رأي هذا الكاتب، بناءا على تعقيدات المعالجة السابقة، وعلى النحو الذي اشرنا اليه في الفقرات السابقة، لابد من تسجيل ماتعنيه مساهمة المفكر محمد ابراهيم من اضافة للفكر السياسي السوداني، وهي تؤام  لمساهمة  المفكر عبدالخالق محجوب من حيث الصياغة العارفة، والالمام بتعقيد الظاهرة السياسية، وتحليل علاقاتها العضوية بالظواهر المؤثرة الاخرى في المجتمع والدولة، واستخراجها بالاستنتاج الموضوعي ببرامج ممكنة التطبيق، وشحذ الهمم لمناقشتها ونقدها وتعديلها بعقول الجماهير المجربة. وهو الاسلوب الشعبي الذي ينفرد به حزبهما، ولايزال يميزه عن الاحزاب السودانية الاخرى التي تحصر همومها وافكارها وبرامجها وتقصرها على العضوية وحدها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا (7)

 

 

الاشتراكية بعد نهاية السوفيت

لم يتردد المفكر نُقُد في تسديد النقد الى النموذج السوفيتي في الاشتراكية العلمية. والحق يقال، ليست هذه هي المرة الاولي التي ينتقد فيها اشتراكيو السودان السوفيت اوأي قوى دولية او اقليمة اخري. وقد شهدت علاقات الطرفين توترات عديدة ومواجهات حادة، خاصة بالنسبة لمواقف السوفيت من سلطة مايو 1969.

أبدى السوفيت تاييدا كبيرا لسلطة مايو منذ خطتها الخمسية الاولى(1970 – 1971) وما بعدها، وهي خطة نقلها حزب نُقُد وعبدالخالق الى الشارع لتحظى بمناقشة شعبية واسعة لامثيل لها من قبل. عُرس السلطة والاشتراكية لم يبلغ محله، اذ احتدم الصراع بين اصرار الحزب على تقليص نفوذ  الانقلابين نظير توطيد حركة الجماهير المستقلة ودورها في تطبيق  الخطة من جهة، وتمسك المجلس العسكري وما دارحوله من قوى انتفاعية بالقرار ومصادرة المراجعة والنقد. ثم بلغ الصراع اوجه بمصادرة الانقلابيين لانشطة الجماهير، بما فيها الحزب ومنظماته، واعلان نظام الحزب الرئاسي الواحد؛ فانتقل الخصام الى قطيعة شاملة، لم يرضى السوفيت عنها.

يؤكد المفكر نُقُد فشل النموذج السوفيتي الاشتراكي في الاحتفاظ بعلمية النهج الاشتراكي، وتطوير الحياة بالديمقراطية. الا ان فشل السوفيت لا يعني بالضرورة في تقديره نهاية الفكرالاشتراكي نفسه، او رميه بالعجز الدائم عن التجدد والتقدم والارتقاء. من ثم، يؤكد المفكر السوداني أن فشل الاشتراكية السوفيتية يثيرالحاجة للتفكيرالموضوعي العميق بهدف اكتشاف النموذج الاشتراكي الذي يتاح له النجاح في قطر اخر، ربما. يقول:

 

 " ... نعيد النظر في الانتقادات التي وجهناها للتجارب العربية والافريقية في فترة الستينيات، من مطلق قصورها عن مواصفات النموذج او الموديل السوفيتي، أي افتقارها لنظرية ثورية وحزب ثوري وطبقة ثورية، فتوافرهذه الصفات في النموذج السوفيتي، اوحتى افتراض توافرها لم يعصمه او ينقذه من الفشل. لكننا في نفس الوقت نتمسك بالجوانب الموضوعية الصحيحة في انتقاداتنا، وبصفة خاصة اعتراضنا على نمط الحزب الواحد، ومطالبتنا بالديمقراطية للجماهيروتنظيماتها. وفي استخلاص دروس الفشل من كل النماذج الاشتراكية سالفة الذكر، ينداح افق بلا ضفاف لاسهام وابداع كافة المدارس الاشتراكية، دون أن تدعي أي منها امتلاك ناصية الحقيقة المطلقة او السلطة البابوية" (ص57 ).

 

     وفيما هو يؤكد على رفض حزبه لمفهوم دكتاتورية البروليتاريا [الطبقة العاملة المتميزة بالقدرة التقنية والتنظيمية  والمناط بها اقامة الاشتراكية على انقاض البرجوازية] ، يتمسك نُقُد بعناء الحزب بالطبقة العاملة السودانية [نرى انه ربما يقصد بها ما أدركنا من مفهوم عبدالخالق للقوى المنتجة اساسا] ، ويضاعف اهتمامه الخاص بالرسمالية الوطنية، والرأسمال الأجنبي.

مما لاشك فيه، ان تجديد البرنامج  ينطوي على اختلافات هامة بينه وبين برنامج عبدالخالق محجوب فيما يختص بشكل الديمقراطية، وسلطة الدولة، والقوى الاجتماعية اللازمة لتحقيق البرنامج الوطني الديمقراطي. فبينما يشدد حول البرنامج على "ديمقراطية الطبقة"، يتعهد تجديد البرنامج بتبني الديمقراطية الليبرالية بشكلها المعروف في الغرب الصناعي [فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في حكومة منتخبة بالاقتراع العام السري المباشر]، محرراً لها تماماً من قيادة الطبقات العاملة أوالالتزام بضمان مصالحها.

اما القوى الاجتماعي القادرة على انجاز برنامج الثورة الاقتصادية والديمقراطية، فيحددها فكر عبدالخالق في التصورالواضح فيما يلي:

 

 "سيرالتاريخ ودروبه المتاحة حتى الان اكدت انه مامن طبقة اجتماعية تسطيع الانحياز النهائي و الحاسم لمهام الثورة الوطنية الديمقراطية غيرالطبقة العاملة، كما انه من المستحيل تاريخيا بناء المجتمع الاشتراكي الا بقيادة هذه الطبقة وتحت نظام حكمها. ولهذا، فكل خطوة تتخذها الطبقة العاملة السودانية من اجل الوقوف في الصف الامامي لحركة الديمقراطية الثورية هو ضمان لانتصارالثورة، هو دعم للطابع غيرالرأسمالي الذي ينتقل به مجتمعنا نحو الاشتراكية" (ص49 ).

بالمقارنة، نرى في تجديد البرنامج أن المفكر نُقُد خَفّف من التاكيد على الدور المتوقع للطبقة العاملة السودانية التي يصورها عبدالخالق طبقة وحيدةً واعدة، اثبتت قيامها بأعباء مرحلة ماقبل الاشتراكية، التي لاتزال ممتدة قيد التامل والفكر والتنظيم والنضال في كلا من برنامج عبدالخالق وتجديد نُقُد، على مايحمل كلاهما من اختلاف واضح.

حقاً يدمج نُقُد قدرا كبيرا من برنامج عبدالخالق الذي ابدع آنفاً في صوغ بنيته، توليفة معقدةً من المفاهيم والشرح والامثلة العملية. لم يقدم المفكرنُُقد مع ذلك تأكيداً معادلاً لتلك التوليفة. فحُذفت من تجديده اصطلاحات الديمقراطية الثورية والثورة الاقتصادية والسلطة السياسية للطبقة العاملة والثورة الثقافية وغيرها من شروط المرحلة.

اكد نُقُد التزام الحزب بالديمقراطية الليبرالية دون ربطٍ لها بالطبقة العاملة وقيادتها المؤهلة للتحول الاقتصادي والديمقراطي، عبرعلاقات انتاج جديدة في مجتمع جديد.

ما اعترض عبدالخالق على البرلمان. ولكنه طرحه سبيلا مشروعاً امام الطبقة العاملة لتمارس نضالها لتامين حقوقها ومصالحها في ظل دولة تتجه اساساً نحو نفس الهدف، وتضع في مقدمة همومها، وتوجه بوصلة سياساتها باستقامة لازالة معاناة العامل المنتج، وتطوير مجتمعه، وتحقيق انسانيته المثلي قبل أي اجندة أخري.

فهل يُعّد تجديد نُقُد مشروعا لتحويل حزبه من تنظيم اشتراكي متشدد الى حزب ليبرالي اساساً، نوعا ما من التوجه "الاشتراكي" باعتبارأن المفكر نُقُد يلمح تلميحاً، على غير تحديد عبدالخالق الجازم، "باشتراكية" تستطلع، علها تفلح في قطرغيرالسوفيت؟

كيف تصون هذه النقلة الفكرية الحادة، ان كانت بحق نهاية المطاف، رصيد حزبه المتراكم لخمسين عاماً من اجل ترسيخ فكرة الاشتراكية السودانية وطبقتها العاملة الواعدة؟

والى أي مدى ينال هذا التحول النظري موافقة طبقات الفقراء من العمال والمزارعين وكادحي المدن والرحل االملتفين حول حزبه، اذا دُمجت طموحاتهم المستقلة في "فكرٍ ليبرالي" أساسا، تذوقوا في حكومات منتخبة ديمقراطيا مرارة ملاحقتها حياتهم ونقاباتهم وتشريد قادتهم وازدراء مطالبهم الحيوية لتغييرعلاقات الانتاج، وتصويب اخطائها التاريخية؟

أي ضمانات "ليبرالية" تكفل حقوقهم وتستنهض حياتهم ؟ وبأي سلطة ؟!

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا (8)

 

تعديلات أبعد أثراً في التجديد الاقتصادي

ادماج نُقُد الحذر لبرنامج عبدالخالق أدي على طول الخط الى سلسلة من التغييرات المقترحة في خطط حزبه السابقة لتثويرالاقتصاد السوداني. فالدور القيادي الهام للقطاع العام ليتولى ضمانات العدالة الاجتماعية  في علاقات الانتاج وتوزيعه واعادة توزيعه على الطبقات المنتجة وفق نظام استحقاقي عادل للاجور والعوائد والضرائب ....الخ، يكاد يُنتبذ في تجديد نُقُد.

 يدعو تجديد البرنامج في صراحةٍ قاطعةٍ الى المشاركة الكاملة للقطاع الخاص في الاقتصاد القومي لقطاع الدولة "ملكية خالصة للدولة تباشرموجبات وحدة الدولة مثال السكة حديد، النقل النهري، صك العملة، صناعات استراتيجية...الخ"، مع القطاع العام للدولة "شركات مختلطة، مؤسسات مستقلة، شركات مساهمة" الذي لايجب عليه في رأيه ان يواصل دورالقيادة.

 نعم؛ لم يتخلي المفكر نُقُد تماما عن مشاركة القطاع العام في الاقتصاد والتنمية ضمن تقييم "للجدوي الاقتصادية أوالموجبات السياسية والاجتماعية لقطاع الدولة" وتنويع مشاركاته؛ "الدفاع عن دور القطاع العام ليس دفاعا مطلقا – انما تقيده شروط ان يؤدي وظيفته الاقتصادية الاجتماعية" (ص 23). ولكن التجديد ينطلق، فيما يبدو، من عيوب "القطاع العام المايوي وامبراطورياته الادارية، وتحوله الي آلة تفريخ للفئات الطفيلية البروقراطية".

 في تبلوره النظري عن برنامج المفكرعبدالخالق للثورة الاقتصادية الطبقية، يقطع هذا التصورساق البرنامج الراكز، وعرق تربته النابت: القطاع العام الطبقي.

 

المصارف الاسلامية

 يدعو تجديد البرنامج الى تحرير المصارف السودانية. وكان حول البرنامج  قد دعا بقوة الى ان تقبض سلطة الدولة على شئونها المالية والاقتصادية، مع التذكير ان "الدولة" يقصد بها الكيان السياسي الملتزم بادارة البلاد، وفقا للثورة الاقتصادية والديمقراطية الطبقية. ولقد اجرى المفكر نُقُد تحولاَ كبيراً عن ذلك التصور الثوري، اذ طرح برنامجا ليبراليا للتعايش السلمي بين المصارف الاسلامية بمضارباتها ومرابحاتها، وبنوك الفائدة العاملة وفقا للنظام الراسمالي الغربي. وبلغة الاشتراكيين السودانيين يعني هذا التعايش وضع المستهلك بين سندانة ومطرقه!

من الناحية السياسية، هذه بالفعل قفزة ضخمة في اطروحات تجديد حزبه: فالمصارف الاسلامية الى وقت ما قبل اعلان تجديد البرنامج  ظلت مرمىً للنقد العنيف من قاعات الفكر والثقافة الاشتراكية (بما فيها صحيفة الحزب الشيوعي السوداني، الميدان) التي حملت في غلظةٍ على مؤسسات الاخوان المسلمين الربوية لأنها في رأيهم"فاقت" في تنكيلها بالمستهلكين والمقترضين من مصارفها " الاسلامية " المدعاة، الفائدة التي تجنيها مصارف الغرب ثمناً لخدماتها وخبرتها وتشغيلها لاموال المستهلك المصرفي اوايداعاته او اقتراضه. ويجدر ذكراَ أن تجديد البرنامج (1970) لم ينتقد المصارف الغربية مباشرة في شئ، ولم تكن المصارف الاسلامية موجودة في السودان ساعتئذ.

يتفق المفكر نُقُد (رغم ذلك الاختلاف البّين) مع برنامج عبدالخالق في الحاجة الى تقوية مشاركة الدولة في الاستثمارالاجنبي في البلاد، عبراتفاقات متوازنة تضمن المصالح المشتركة (وضرورة تدريب الكادر الوطني، ومقاسمته الكاملة صنع القرار والتقييم والمتابعة والمراجعة). المهم جداً في هذه النقطة تأكيد المفكرين لدورالراسمالية الدولية في تشييد البني التحتية (الطرق والكباري)، وتمويل الصناعه الثقيلة، وغيرها من المشاريع الكبرى في الزراعة، وكافة مناشط الانتاج القومي، حيث لايوجد مكون قومي لمقابلتها والانفاق عليها. يؤكد المفكران على المصالح الوطنية العليا، ورفض الاستغلال، ومناهضة الفساد في علاقات القطرالراسمالية بالداخل والخارج.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(9)

 

الدين في تجديد البرنامج

دعا تجديد نُقُد الى اعارة الانتباه الجاد والمساهمة الفكرية في توسيع، لتقوية اهتمام حزبه بالدين:

 

 "من أجل اعلاء تعاليم الدين التي تعادي التمييز الطبقي وحكم الطاغوت، وتعاليم الدين من اجل احترام الانسان بوصفه اكرم الكائنات، وفضح استغلال الدين وتسخيره من اجل استغلال الانسان وسلبه انسانيته" (ص37 ).

 

لقد حذف تجديد البرنامج مفهوم "الثورة الوطنية الديمقراطية"، موعود عبدالخالق النظري وقاعدة حزبه النظرية الكبرى. فعلى اساسها تتنجلي وتتفرع كافة التصورات والمفاهيم عن نشاط الحركة الجماهيرية،  وثورتها الاقتصادية، وثورتها الديمقراطية، وثقافتها الثورية. وهو حذف دراماتيكي في البناء النظري لحزب الاشتراكية. اما افكار نُقُد في الديانة ودورها  في المجتمع السوداني، فنرى انه امتداد لبرنامج عبدالخالق، وتعهدات حزبه السابقة.

كتب عبدالخالق محجوب عام 1971 :

 

 " توفر الثورة الوطنية الديمقراطية حرية العقيدة الدينية وممارستها لجميع سكان بلادنا... بغض النظر عن الاختلاف في العقيدة الدينية او الاتفاق حولها فان الطبقات تتحذ مكانها وموقعها من الثورة الاجتماعية وفقا لمصالحها، وبحكم مواكبتها لتطورحركة التاريخ او لتخلفها عنه... يرفض النظام الوطني الديمقراطي استغلال الدين من اجل مصالح الطبقات الرجعية في بلادنا والتي تسعى الى اعادة العلاقات الإنتاجية القديمة - وهي بهذا انما تُسّخر الدين من اجل استغلال الانسان وسلبه انسانيته. هذا الاستغلال للدين يتعارض مع مصالح المجتمع ويتناقض مع المستقبل الافضل للانسان الذي يصيغه بعقله ويديه وهو ينتقل من ساحة الحاجة الى ساحة الحرية" (ص45).

 

يشاطر المفكر نُقُد  برنامج محجوب التزامه القوي بكرامة السودانيين وقيمهم الاجتماعية ونضالاتهم  السياسية للتمتع بالديمقراطية والسلام العادل والتقدم الاجتماعي. وفيما استبان لنا آنفا، كان المفكر عبدالخالق ملما بنفوذ الدين في حياة السودانيين وتعددية معتقداتهم الدينية، والحاجة الدائمة لاحترام حق كل انسان في كافة انحاء القطر ليمارس في حرية تامة مايعتقده من ديانة.

التعهد الحازم الذي قطعته لائحة الحزب الشيوعي تلزم كل اعضائه ومؤيديه باظهار الاحترام والتوقير لحق الناس في المعتقد الديني والحياة الروحية، والضرورة القصوى لتجنب السخرية والاهانة، او اثارة المؤمنين بمصادمة ما يؤمنون به من دين. وهو التزام صحيح.

لم يمنع هذا الالزام الاجتماعي الاخلاقي والسياسي الاشتراكيين من التفكير العلماني او الانتقادي في مواضيع الدين؛ ولم يحّرم النضال السلمي المشروع في الحياة العامة لمحاربة تسخير الدين لاستغلال الانسان؛ والوقوف بحزم ضد الدجل والشعوذة وتاليب القوى الرجعية – سياسية كانت ام اقتصادية – للبسطاء على كل راي مخالف او فكر مستنير. يضع هذا الالزام معاني الدين السامية وتعاليمه الحية في حركة المجتمع الدافعة للتقدم الحياتي، والخلاص من الاستغلال والسخرة والكسب المادي الرخيص، وتزييف حقائق الدين، ويؤكد عقلانية قواعده وحق فقهائه في الاجتهاد ومنطلقاته الشرعية التاملية والقانونية، وتكامل الفكر المادي والروحاني.

وقد مضى علينا ما افلح المفكرعبدالخالق في انجازه بكسب ثقة الناخبين في ام درمان لاسيما المؤمنين منهم بالطرق الصوفية التي كان يوُدها ويحتفظ بصداقات عميقة مع خلفائها وزعمائها. ويمكننا ان نؤكد اهمية هذه العوامل في تألق نجم الزعيم الاشتراكي عبدالخالق محجوب بين الاوساط الشعبية التي تعلي مكانة الدين، وتفرز كل الفرز بين ادعياء الدين من السماسرة والطفيليين من جهة، والمثقفين الذين يكرمون حق الانسان في اختيار ما يشاء من عقيدة ويحترمون الدين والاخلاق من جهة اخرى.

ان الدارس يقدر ايضا ما واجهه الاشتراكيون في السودان منذ الخمسينيات الاولى من القرن الماضي بلا توقف، من عداءٍ لا اساس له من الدين من قبل قوى الرجعية والتخلف الثقافي والفكري؛ ومن ثم اتخذ حزب الاشتراكية السودانية في مؤتمره الرابع (1967 ) ، فيما يذكر المفكر نُقُد في تجديد البرنامج، سياسة محددة لتحقيق التقدم في تفكير افراده وهيئاته عن دورالدين في النضال من اجل التقدم الاجتماعي فقالوا:

 

 " اصبح لزاما على حزبنا ان يُنّمي خطه الدعائي حول قضية الدين الاسلامي وعلاقته بحركة التقدم الاجتماعي. لقد جرت محاولات من قبل بعض اعضاء حزبنا في هذا المضمار، ولكنها محاولات متقطعه وينقصها التوفرعلى الدراسة العميقة والالمام بعلم الفلسفة من جوانبه المختلفة، ولاتشكل خطا دعائيا ثابتا لحزبنا، ولا تقتصراهمية الخط الدعائي العميق على الردود لما يثار من قبل اجهزة الدعاية الرجعية، بل يتعدى ذلك لجعل الدين الاسلامي عاملاً يخدم المصالح الاساسية لجماهير الشعب، لا اداة في يد المستغلين" (ص37 ).

 

في تجديد البرنامج تشديد على كل هذه الموجهات. وقد سجل المفكر نُقُد راياً قاطعاً بشأن الحاد السوفيت الذي لم يتبعه اشتراكيو السودان في تاريخهم الطويل:

 

 "تبني السوفيت للالحاد كسياسة رسمية او شبه رسمية كان احد عوامل فشل التجربة الاشتراكية" (ص37).

 

لم يكتف المفكر بهذه الادانة السديدة. ولكنه قام بمساهمةٍ في تجديده لبرنامج حزبه لينطلق في شرح حقائق الدين واستخدام الشروح الدقيقة لخدمة حاجات الشعب ونضالاته التقدمية، بشئٍ من المقترحات الهامة التي تدعو لمعاملة قضايا الدين والمجتمع بالبحث العلمي الدقيق.

لعل كثيراً من الدارسين قد تسائلوا مع هذا الكاتب: لما لا نجد امثلة في التجديد علي تصحيح الاشتراكيين والاسلاميين المتنورين لأفكارالتخلف وممارسات الرجعية التي انتشرت انتشارالنار في الهشيم في الساحة السودانية، منذ قيام الجبهة القومية الاسلامية من خلال تحالفها مع حكم النميري (سبتمبر 1983)، واستيلائها الانقلابي اللاحق على السلطة في يونيو ، 89 وقيامها بتشويه دور الدين الاسلامي خاصة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وطمس ثقافات الشعب وتراثه بالغربة الروحية.

ان مجالات التصحيح والمراجعة تشمل كل وجه من اوجه النشاط المجتمعي، ومن ذلك المصارف الاسلامية وبطشها بالدائنين، والامن السياسي، والخراب المالي، والتمييز الثقافي، والارهاب، ورعب السلطة بكل ذنوبه ووحشيته وقياداته المكروهة لطغيانها السقيم.

تذكير هام اخر يقع في الالتفات الى ان حركة تصحيح الفكر والتطبيق في ميدان الابحاث والدراسات و "الفتاوى " الاسلامية لايمكن ان تصح من الناحية العلمية دون تاسيس لها على الالمام الكافي بالاسلام نفسه، فقهاً وفلسفة ومدارس وتاريخاً. ومن حسن الامثلة، مجهودات الطرق الصوفية المختلفة في اشاعة السلام والمحبة بين كافة افراد المجتمع وجماعاته على اختلاف اديانها ومعتقداتها، بناءا على ادراك الصوفية النقي للاسلام الحق ورسالته السامية في المجتمع؛ وهو مايرتبط اقوى ارتباط بتاريخ الاسلام وتطور المسلمين في بلاد السودان، في مواجهة تسييس الدين وتسخيره للمصالح الرخيصة والحزبية الضيقة.

من الامثلة الهامة على مساهمة الفكر المستنير في قضايا الدين والمجتمع، أخذاً بالحرية الفكرية والبحث المقارن، افكار المفكر محمود محمد طه الرامية لدمقرطة المجتمع بتجديد رسالة الدين. ومن مؤلفاته الحية في هذه الساحة الماركسية في الميزان حيث خلص الى ايجابيات في التحليل الماركسي وخالف ما راه سلبياً- نحو العنف الثوري – او غير صحيح – مثل دكتاتورية البروليتارا. والاخيرة نقداَ، يتفق معها اشتراكيو الحزب الشيوعي نحو ما قرانا للمفكر نُقُد في تجديد البرنامج . وقد تعمق المفكر طه في استنبات نظريته في تجديد الدين وهي الرسالة الثانية للاسلام، كانت ولاتزال مثار جدل فكري واسع في اوساط المهتمين بتجديد دور الدين في الحياة المعاصرة.

يلاحظ الدارس مقترحا هاما للمفكر نُقُد يتمثل في الاخذ بالدراسة والبحث في الاسلام والمسيحية. مع ذلك، لم نجد افكارا مفصلة عن اهتمام حزبه بالديانات الافريقية السودانية باعتبارها معتقدات روحية يكرمها من يؤمن بها غير الاسلام والمسيحية؛ وهي منطقة هامة للبحث العلمي لربما يشجع الاشتراكيون علماءهم لارتيادها واثراء علم الاديان المقارن. ولاشك ان استطلاع هذه الميادين سوف يسهم في اعانة علماء الاثار والثقافات السودانية للبحث في اوجه الارتباط والاختلاف بين الديانات التوحيدية والمعتقدات الافريقية القديمة، وقد اصبح الاتفاق على اصل البشرية الافريقي حقيقة ثابتة في عالم اليوم.

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(10)

 

قضايا المراة وحقوقها

تناول مقكر تجديد البرنامج حقوق المراة السودانية وتقدمها الاجتماعي والسياسي مواصلة لاهتمام حزبه بتقدم المراة على كافة الاصعدة المجتمعية منذ تاسيسه. فمن بعد ممارسته للنشاط العام، اعترف حزب الاشتراكية السودانية بحركة المراة، واعان تنظيمها المرموق "الاتحاد النسائي السوداني" على تطوير قدراته كتنظيم قومي مستقل، وليس كجزءٍ من الحزب. وهو وضع اعان الاتحاد على الانطلاق في رسالته الحيوية للدفاع عن حقوق المراة، ونشر الوعي السياسي بين نساء القطر ورجاله حول حركة المراة التقدمية .

يدعو المفكرنُقُد لتنشيط مشاركة النساء في الشئون الاجتماعية؛ يردد في تجديده دور المراة "مركزا للاسرة". وقد دعا لكفالة حقوق المراة وفقا لنضال النساء انفسهن وتنظيماتهن المستقلة، فاهل مكة ادرى بشعابها. وهو تقليد قديم في مسيرة حزبه الذي اسهم مساهمة مقدرة في تقديم حركة المراة.

لاتوجد لدينا احصاءات عن حجم عضوية النساء في الاتحاد النسائي او الاحزاب السودانية الاخرى. ولكننا نلاحظ ان حزب الاشتراكيين تميز منذ نشأته بتاييد مطالب المراة التقدمية. وينتثقد المفكر في حدة عقلية "الحريم" التي عاكست استنارة النساء، وحالت دون مشاركتهن الاقتصادية والادارية الكاملة في الدولة، واعاقت نشاطهن السياسي بين الجماهير.

يحمل المفكرعلى "التكفير" عقيدة مسيسة ضد روح الدين وتعاليمه السمحة، وحرية العقيدة الدينية للفرد والجماعة. والتكفيرهو ما ادخلته جماعات التطرف والرجعية في مجتمعنا المتسامح الكريم. ويرى ان حقوق المراة يجب أن يتناولها البحث العلمي

 

" كمعضلة سياسية اجتماعية يدور الصراع حولها في الميدان السياسي، وليس ميدان الايمان والعقيدة، او المتاجرة بالدين واستخدامه غطاء لبرنامج سياسي معاد للديمقراطية ومعاد لحقوق المراة واحتكار حق التفسير والاجتهاد والتاويل" (ص49).

 

في العبارة المتقدمة، يميز المفكر بين الديانة كعقيدة ايمانية، وهي حقيقة الحقائق في كل الاديان، والمحتويات السياسية والاجتماعية المختلفة تحتويها تعاليم الاديان في معرض حمايتها او نشرها العقيدة.

هنا يؤكد المفكر ضرورة الاحترام والتبجيل لمقدسات الدين؛ فيقول ان الحاجة تستدعي:

 

 "سن قانون للاحوال الشخصية ينسجم ويتكامل مع الدستور الديمقراطي والحقوق المدنية، يستلزم في مجتمعنا، الاجتهاد والتاويل المعاصر- دون المساس باصول العقيدة الاسلامية او تعاليم المسيحية او كريم المعتقدات الافريقية يصون للمراة السودانية حقوقها في القوامة والحضانة والشهادة والارث وعقد الزواج والطلاق والنفقة" (ص49).

 

الصيغة التصالحية بين الدستور الديموقراطي، والحقوق المدنية، واصول العقيدة الدينية  تستحضر التوضيح من المفكر نُقُد خاصةً، وقد خلى تجديده من الاشارة الى الاتفاقية الدولية لمنع كافة اشكال التمييز ضد المراة. وما يدعو التوضيح احتمالات اختلاف الفهم والتفسير، والالتزام باصول العقيدة الدينية . مثالا، يعطي الاسلام المراة بالفعل- وفقاً للقراءة الاخذة بالقران الكريم وحياة رسول الاسلام المطابقة والمبينة لمعاني القران الكريم الجلية – حقوقا لم يسبق لها مثيل في حضارات الاغريق او الروم او الفرس او مجتمعات العرب ما قبل الاسلام.

شملت تلك الحقوق الوراثة والحضانة واختيار القرين، والمشاركة في شئون المجتمع، وامتلاك الثروة والعمل والتجارة ... الخ. وفرض الاسلام مبدا الوجود البشري المتآخي الخالد الذي تتفرع عنه كل فلسفة او فكر مستنير يُعّظم مكانة الانسان في الارض، وهوخلق الانسان " من نفس واحدة"؛ وعلم رسول الاسلام أن "النساء شقائق الرجال". والحاجة للفهم الصحيح للدين وابراز تطورالاتفاقية الدولية وتكاملها مع الدين أولى.

قوى التخلف والرجعية، وعلماء السلاطنة والحكام كثيراً ما افتوا بحق الانظمة والمنظمات في مصادرة حقوق المراة او اضعافها. وعليه، اعترضت منظمات المراة السودانية التي ضمها التجمع النسوي السوداني ( القاهرة 1995) على نص التجمع الوطني الديمقراطي على كفالة حقوق المراة "بما لايتعارض مع الاديان" لخشيتها على حقوق المرأة من المساس بها من مفسري النصوص ومن ورائهم.

لاشك ان للمراة السودانية حقها الكامل في طرح وفرض حقوقها التي يكفلها لها الدين باحسن فهم وتفسير، ليس بمحض ما يطرحه الرجال، او يرغبون في مواصلته من تسيطر تاريخي على مكانة المراة  واستقلالية فكرها ومساهماتها في بناء المجتمع والدولة. وليس الاسرة وحسب؛ من موقع المشاركة الكاملة " شقائق للرجال".

كان راي التجمع النسوي السوداني(الذي ضم ممثلات حزب الامة، والاتحادي الديمقراطي، والحركة الشعبية، ويوساب، والاتحاد النسائي، واتحاد جبال النوبة، ورابطة شهداء رمضان) حريصاً على ممارسة ديمقراطية القرار. ولم يكن التجمع الوطني الديمقراطي راغباً في الاعتراف الكامل بحق التجمع النسوي في النص على المساواة التامة.

آنفا، طرح برنامج عبدالخالق محجوب نصاً قاطعاً في هذا الشان، نرى انه يؤكد بحقٍ تقدم فكره السياسي:

 

 " يجب ان تكفل الدولة الوطنية الديمقراطية للمراة السودانية المساواة التامة مع الرجل "(ص36).

 

حوى تجديد البرنامج مقترحاً هاماً نراه ايجابيا،ً اذا قُدرللتجديد ان يراجع ماورد بالتوضيح اللازم لشرط "عدم المساس بالعقيدة الدينية"، بما يكفل عدم تبني التفسير "الذي يعارض حقائق الدين ومعانيه الاصلية" . نكرر، ان اطلاق الشرط وتعميمه دون قيدٍ ُيعّرض الحقوق والحريات المشروعة (كما حدث دائما) لتسيطرلايتفق اصلاً مع الدين، خاصة الاسلام؛ وان الضرورة تستلزم تدقيق الصياغة بما يزيل التعارض.

في هذا الاتجاه، نرى ان مقترح المفكر نُقُد الاتي ايجابي، ويستحق نقاشاً موضوعياً شاملاً من تنظيمات المراة خاصة ً:

 

  "نحتاج لدراسات متخصصة لقضايا المراة، يتفرغ لها كادر متخصص، باعلى درجات التخصص العلمي الاكاديمي المتاح لنا ... يوفر ... دراسات ذات مستوى علمي وثقافي رفيع في محتواه وادائه وافصاحه – دراسات تصدر باسم الحزب، نطرحها على النساء والرجال كوجهة نظر تستدعي وتستحث وجهات اخرى، تفاعلاً يبعث الحركة في موات الفكر والثقافة" (ص49).

 

نمد النظر مؤملين ان تتعانق ابحاث حزبه المقترحة مع جهود الاحزاب الاخرى ودوائر الفكر والثقافة لاثراء الحياة الثقافية في بلادنا، بعد ان اصابها حكم الجبهة القومية الاسلامية الدخيل بالتيبس والتشوه، وبث في ارجائها "موات الفكر والثقافة"، ومسخ الديانة بالارهاب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(11)

 

 

تجديد حزبي في الحرب والسلام

يقدر الدارس اهتمام تجديد البرنامج بالسلام ورفض الحرب. هذه الوقفة تقتضي جهداً كبيراً لتصبح بحقٍ التزاما قومياً شاملاً لكل السودانيين، فقد قاسى القطرآلاما وخسائرلاتقدر بثمنٍ في الارواح والممتلكات، ربما لم تعانيه امة اخرى طوال النصف الثاني من القرن العشريين وفاتحة القرن الجديد .

ان السلطة العسكرية ذات الادراك والوطنية والنصح الامين، ممثلة في الفريق اول فتحي احمد علي القائد العام الشرعي للقوات المسلحة السودانية، اكدت مراراً وتكراراً داخل القيادة العامة التي ادارها في نبل وتوقير لارادة الشعب السوداني في الديمقراطية ورفض الانقلابات، و مواصلة النضال المستقيم باسم جماهير الشعب السوداني، ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي المعارض، الى اخر رمقٍ في حياته الشريفة: "ليس هناك نصر عسكري في الحرب الاهلية في السودان"؛ فالنصر الحقيقي هو تحقيق السلام العادل الدائم بين ابناء الوطن الواحد واقاليمه المختلفة، وهو ما عمل من اجله القائد العام في حزم وعزم لايلين.

أدان التجمع المعارض أجواء الحرب والخصومة السياسية الفارغة من قبل حكومة الجبهة القومية الاسلامية. ولم يفرض فكر"الانتفاضة المسلحة" لازالة نظام الجبهة الارهابي، الا من بعد ماتبين له مضي تلك الحكومة الرعناء في تاجيج نيران القتال ونشره داخل الحدود وخارجها، والتامر لاغتيال قيادات المنطقة وزعمائها بتسعير الحرب في جنوب الوطن وغربه وشرقه، واستفزاز شماله ووسطه بالتعذيب والاضطهاد، ومساندة الارهاب في الخارج.

ان محاسبة كل من قام بتخريب البلاد بهذا الجنون واشعال الحروب والاساءة الى سلطة الدولة وارتكاب الجرائم ضد الانسانية وابادة الانسان واتلاف الثروات القومية، لابد ان يحاسب حسابا عسيرا ويمثل عن كل جرائمه امام القضاء العادل المستقل.

مسئولية الافراد والجماعات عن خراب الوطن لايجب ان تستثني حكومة او معارضة. فالقانون الدولي لحقوق الانسان والقوانين الانسانية واتفاقات وبروتوكولات جنيف في حماية المنشات والمدنيين تقف بالمرصاد، وتكفل محاكمة الجناة. وليس هناك استثناء للمسئولية المادية والاخلاقية لمن يتسبب في تدمير المدارس والمستشفيات، ودور العبادة، والمناطق السكنية والاسواق، ولئن اغفلت اتفاقية السلام الشاملة النص الواضح على تلك المسئولية، فان القوانين السارية كافية للمحاسبة والمساءلة الجنائية. وعلى الاحزاب والمنظمات واجب تنوير الضحايا ومساندتهم لاستحصال الحقوق ومحاكمة المتهمين، بصرف النظرعن الرتبة او الوظيفة، او المركز الاجتماعي، او الديني، او السياسي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من وراء القضبان، الحرية لشعبنا، والتقدم لوطننا(12)

 

 

حول البرنامج ، تجديده وتجريده

فيما مضى من عرض وتحليل ونقد، يرى هذا الكاتب أن تصورالمفكرعبدالخالق محجوب حول البرنامج يطرح مشروعا سياسيا وثقافيا وايديولوجيا كاملا على قاعدة من الثورة الاقتصادية. فهو، كما كتب المفكر نفسه:

 

 " في عالم اليوم، وفي البلدان المتخلفة، لاطريق لزيادة معدلات النمو بصورة تخرج الجماهير من حالة الفقر والاملاق الابمواجهة قضايا التغيير الاجتماعي والسياسي- الاقتصادي (تركيب المجتمع)، وايضا بمواجهة التركيب الفوقي لذلك المجتمع" (ص9).

 

     واجه المفكر قضايا التغيير الاجتماعي بابعادها المختلفة، بما يطابق الى مدى نظري بعيد (من حيث الاصطلاح الفني والمحتوى الاقتصادي والسياسي) نماذج الفكر الماركسي الذي ينطلق من علاقات الانتاج ، قواها ووسائلها وتوزيعها واعادة انتاجها لتحليل وفهم المجتمع واصلاحه، والانتصارلقوي انتاجه العاملة. ويمكننا ان نطالع بالفعل ابتداع المفكر صيغة سودانية تخاطب المجتمع وثقافته وتركيبه، وتقترب بنموذجها النظري الخاص عبرمجهوده الحزبي العام من حقائق السودان وواقعه المدروس.

فهل تغير المجتمع بما لم يسعه النموذج؟ ام تقاعس النموذج فضاق بمن فيه؟ 

يحاول تجديد البرنامج، مااستطاع، ان يُدخل ما امكن من تغيرات المجتمع فيما يسعه النموذج؛ فاحتفظ بقدرٍ من المصطلح والمفهوم. ولكنه بلغ "بالتخفيف" حدا من التكثيف أدى الى الابعاد واعادة الترتيب، حتى صار النوذج في مواضع منه (القطاع العام ،المصارف الاسلامية ،حقوق المراة وفق اصول العقيدة كامثلة واضحة)اقل التزاما بالنموذج.

وبازالة المفكر نُقُد لاركان النموذج الايديولوجية (الثورة الاقتصادية ، الثورة الديمقراطية ، والثورة الثقافية) يكون تجديده البرنامج بالفعل تشكيلاً "جديداً" لحزب الاشتراكية العلمانية السودانية بما تبناه صراحة من نبذٍ وتخلٍ عن "ادب الطبقة الثوري"، ودعوته الكاملة للديمقراطية الليبرالية.

عليه، يرى الدارس ان "تجديد" البرنامج هو حقيقة "تجريد" البرنامج من مقوماته الثورية، واخراج برنامج ليبرالي ذى ميلٍ ما الى اشتراكية لا معالم لها على الصعيد النظري.

ومن شان ذلك التحول الضخم في مسير الحزب الشيوعي السوداني، اذا قُدر له ان يُطبق على الصعيد القومي، ان يعدد فرص الحزب في الالتحام السياسي والاقتصادي والثقافي مع احزاب الوسط، مع احتمال للتفاهم مع يمين الوسط، قطاعه الخاص، وتمتعه بتأطيرحقوق المراة، وممارستها لحرياتها العامة "وفقاً لأصول العقيدة"، كما يفسرها ويوجهها.

ولعل الدراسات والابحاث التي يقترحها المفكر تعين في جذب اليسار المفصوم من جديد الى دوره الثقافي الذي تلاشى رويداً رويداً، بتجريد البرنامج من ثوريته.

نقبل فيما يلي من دراسةٍ على مساهمات للمفكر محمد الخاتم عدلان الذي دعا بالقطع الى مزيد من التجريد للبرنامج الماركسي، مؤكداً :

 

 " سقوط جميع المشاريع السياسية والفكرية التي ظلت ترفعها الاحزاب السياسية طوال النصف الاخير من القرن الماضي، وهي على وجه التحديد المشروع الشيوعي الذي ظل يدعو له الحزب الشيوعي السوداني، والمشروع الحضاري الذي رفعته الجبهة الاسلامية على أسنة الرماح، ومشروع الدولة الدينية في صيغته الصادقية، ومشروع الجمهورية الاسلامية الذي دعا له في احدى المرات محمد عثمان المرغني... " (ص249 من كتاب ما المنفى وما هو الوطن ).

 

دعا المفكر عدلان بالتالي الى سلسلة من الاجراءات في بناء حزبه النظري والعملي، قبل ان يفارقه لينشئ حركة "حق" المستقلة عن الحزب الشيوعي. ومما دعى اليه، خلاص حزبه السابق من "المركزية الديمقراطية"، ومواجهة القضايا الفكرية بشان الاشتراكية والشيوعية "مواجهة صريحة ليس بصورة ضمنية وانهاء الطغيان القيادي في العلاقة القائمة بين مؤتمر الحزب ولجنته المركزية ومكتبه السياسي وسكرتاريته "...الخ (ص329-331 المرجع السابق ).

بوجه خاص، دعا المفكرعدلان الى "ترك المادية الجدلية، اذا كان يفهم منها المنهج الماركسي":

 

 [المادية الجدلية] بقوانينها الثلاث ومقولاتها غير المعروفة العدد، لم تعد منتجة للمعرفة. صار هذا المنهج الجدلي من العمومية بحيث لايفيد في معرفة الواقع المعقد الحالي... بل حلت محله مناهج علمية جديدة،... دون استنتاجات مسبقة... وفوق كل ذلك قيام التنظير الاجتماعي على اختيارات الناس الحرة، والتي لايمكن التنبؤ بها على وجه الدقة والحصر، ولايمكن  التعامل معها كاحتمالات مرجحة، كما يتعلق بالمجتمع ككينونة ديناميكية، متجاوزة لنفسها باستمرار، ومتجاوزة بالتالي لكل الصياغات المسبقة والتنبؤات حول اتجاهات تطورها..." (ص234-236).

 

يمضي المفكر عدلان فيرى منهج المادة التاريخية مثلما راى في المادية الجدلية :

 

 " فمع الصواب النسبي لاستبانة تشكيلات معينة في التاريخ، الا انه من الخطا المنهجي معاملة التكهنات حول مستقبلها وكانها حقائق علمية اكيدة ..." (ص235).

 

ويوجه المفكر انتقادات عديدة اخرى...

يود الدارس ان يشير الى ان ثمة سؤالاً يلح دون اجابة شافية عليه فيما يتعلق باشارة المفكرعدلان (بعد نبذه التام لادوات الفكر الماركسي ومناهجه المعروفة، ووصفها بالعقم وبطلان القدرة على انتاج المعرفة والتنبؤ) الى ان "بعض المقولات الجدلية الماركسية... لم تعد سوى خلفية بعيدة ممعنة في التواري في اساليب البحث الجديدة" (ص 234)- فهل هناك مقولات جدلية ماركسية اخرى، صالحة للتحليل والاستنتاج والتنبؤ؟

يستثير ذلك السؤال مجالا استطلاعيا واسعا في مدى ما راه المفكرعدلان في خصائص نموذج جديد على اساس التنظير الفكري لبناء المجتمع والدولة في السودان. والحديث يتعدى برامج الاحزاب ليخاطب القضية الفلسفية والمعرفية برمتها، على النحو الذي سكبه عبدالخالق حول البرنامج، والمحاورة التجديدية للمفكر ُنقُد.

وفيما يتعلق ايضا بتصفح الجزء التالي حول كتابات المفكرعدلان - الجيل اللاحق لمفكري حزبه السابقين، تجدر الاشارة الى بعض الخصائص ذات الاثر الماركسي التي تمسك بها فكره ؛ اذ تحى تأملا متجدداً:

 

 "بالطبع فانني اؤمن بملكية عامة (وليس الملكية العامة) لوسائل الانتاج... علينا ان نعيد تعريف البرنامج الوطني الديمقراطي..." (ص228-229).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

مقالات و تحليلات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • تنامي ظاهرة اغتصاب الاطفال ...! بقلم / ايـليـــا أرومــي كــوكــو
  • مؤتمر تمويل التنمية/د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم
  • بين مكي بلايل والعنصرية والحركة الشعبية /الطيب مصطفى
  • قالوا "تحت تحت" الميرغنى ماااااا "داير الوحدة"/عبد العزيز سليمان
  • الصراع الخفي بين إدارة السدود والمؤتمر الوطني (4-12) بقلم: محمد العامري
  • قواعد القانون الدولى المتعلق بحصانات رؤساء وقادة الدول/حماد وادى سند الكرتى
  • هل يصبح السيد مو ابراهيم حريرى السودان بقلم: المهندس /مطفى مكى
  • حسن ساتي و سيناريو الموت.. بقلم - ايـليـا أرومـي كـوكـو
  • الجدوي من تعديل حدود اقليم دارفور لصالح الشمالية/محمد ادم فاشر
  • صلاح قوش , اختراقات سياسية ودبلوماسية !!؟؟/حـــــــــاج علي
  • أبكيك حسن ساتي وأبكيك/جمال عنقرة
  • نظامنا التعليمي: الإستثمار في العقول أم في رأس المال؟!/مجتبى عرمان
  • صندوق إعادة بناء وتنمية شرق السودان .. إنعدام للشفافية وغياب للمحاسبة /محمد عبد الله سيد أحمد
  • )3 مفكرة القاهرة (/مصطفى عبد العزيز البطل
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان: الصادق حمدين
  • جامعة الخرطوم على موعد مع التاريخ/سليمان الأمين
  • ما المطلوب لإنجاح المبادرة القطرية !؟/ آدم خاطر
  • الجزء الخامس: لرواية للماضي ضحايا/ الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • مبارك حسين والصادق الصديق الحلقة الأولى (1-3) /ثروت قاسم
  • ماذا كسبت دارفور من هذه الحرب اللعينة !!/آدم الهلباوى
  • الأجيال في السودان تصالح و وئام أم صراع و صدام؟؟؟ 1/2/الفاضل إحيمر/ أوتاوا
  • النمـرة غـلط !!/عبدالله علقم
  • العودة وحقها ومنظمة التحرير الفلسطينية بقلم نقولا ناصر*
  • المختصر الى الزواج المرتقب بين حركتى العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان /ادم على/هولندا
  • سوداني او امريكي؟ (1): واشنطن: محمد علي صالح
  • بحث في ظاهـرة الوقوقـة!/فيصل على سليمان الدابي/المحامي/الدوحة/قطر
  • سقوط المارد إلى الهاوية : الأزمة مستمرة : عزيز العرباوي-كاتب مغربي
  • قمة العشرين وترعة أبو عشرين ومقابر أخرى وسُخرية معاذ..!!/حـــــــــــاج علي
  • لهفي على جنوب السودان..!! مكي المغربي
  • تعليق على مقالات الدكتور امين حامد زين العابدين عن مشكلة ابيي/جبريل حسن احمد
  • طلاب دارفور... /خالد تارس
  • سوق المقل أ شهر أسواق الشايقية بقلم : محمدعثمان محمد.
  • الجزء الخامس لرواية: للماضي ضحايا الأستاذ/ يعقوب آدم عبدالشافع
  • صاحب الإنتباهة ينفث حار أنفاسه علي باقان أموم/ الصادق حمدين
  • رحم الله أمناء الأمة/محجوب التجاني
  • قصة قصيرة " قتل في الضاحية الغربية" بقلم: بقادى الحاج أحمد
  • وما أدراك ما الهرمجدون ؟! !/توفيق عبدا لرحيم منصور
  • الرائحة الكريهة للإستراتيجي بائتة وليست جديدة !!! /الأمين أوهاج – بورتسودان
  • المتسللون عبر الحدود والقادمون من الكهوف وتجار القوت ماشأنهم بطوكر /الامين أوهاج