صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

اخر الاخبار : حـــوار English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


حوار الشيخ النيل أبو قرون حول مراجعاته الفكرية وأحوال العالم (الحلقة الأولى)
Oct 23, 2008, 05:21

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

حوار الشيخ النيل أبو قرون حول مراجعاته الفكرية وأحوال العالم  

(الحلقة الأولى)

أعد الحوار: مؤيد شريف

 

تمهيد:

شخصية بطبعها مثيرة للجدل ؛ البعض يعتبره شيخاً صوفيا ملتزما ولا يميزه عن سائر شيوخ الصوفية ، وآخرون يرون فيه عالماً ومفكراً خرج عن مألوف أهل التصوف الي التفكير فيما يجمع العالم ويثبت الأمن والسلامة للناس كافة . دبج الكتب والمؤلفات وبعث نفساً تجديدياً قل أن يتوفر عند نظراءه من أهل التصوف ، وقد يكون مبعث هذا (التضارب) أنه وُلد وتربى بين يدي جده الشيخ محمد ابو قرون وأبوه المعروف بالخليفة الجيلي فساح في عوالم من محبة الرسول (ص)،وفي ذات الوقت تداخل وخالط كافة طبقات المجتمعات السودانية علي تنوعها الكثيف وتدرج في مراحل التعليم حتى تخرجه من كلية القانون بجامعة الخرطوم في العام 1970م ليلتحق بالهيئة القضائية وتدرج في وظائفها حتى عُين ملحقاً قضائياً برئاسة الجمهورية ثم وزيراً للشؤون القانونية في العهد المايوي ، وهو العهد الذي خرجت علي أيديه فيه قوانين سبتمبر وما خالجها ويخالجها من لغط وسيكون لنا معه وقفات عديدة وصريحة عن تلك الفترة وقضية اعدام المفكر محمود محمد طه وموقفه من قوانين سبتمبر وحدود دوره فيها . وله العديد من المؤلفات : الصراط المستقيم / الوصية / الخواطر / أحاديث في العقيدة / التراث الشعبي / في رحاب الرسالة / مراجعات في الفكر الاسلامي ، وفي الطريق : كلية الانسان / قراءات .

ويقول عنه البعض أن منهجه يقوم علي مرجعية القران وعصمة وتنزيه الذات النبوية الشريفة ومرجعيتها وعدم قبول ما يمسها من أي كان أو مصدر كان وهو منهج ، كما يقولون ، واضح في تنزيه الذات المحمدية وهو أصل معاركه الفكرية ، كما يؤكدون، والتي يقولون أنه تحملها بصبر وعزم للصالحين وهي ، في نظرهم ن القاعدة الذهبية التي يجب استصحابها عند اي قراءة لفكره . كما وله ديوان من المديح النبوي بعنوان (بوارق الحب)..وندلف من بعد لمحاور اللقاء ونأمل أن نوفق في ذلك.

 

 

 

(1) كيف ترى حال العالم اليوم ؟ أهل الاستراتيجيا يسمونه – عالم متغير – monde incertain  ؛ كل شيء فيه حفّ ووصل الي نهاياته اللامنطقية ، حتى النزاعات والصراعات لم تعد تشبه في سماتها ومخرجاتها وآثارها ما خبرناه مسبقا من صراعات ونزاعات : أصبحت أكثر تعقيداً وعصية علي الحلحلة وأكثر دموية وتدميرا ، دعنا نقلب في الاسباب ونستشرف المآلات ؟

لَم يَبعثْ الله الرسل برسالات إلا لخَلق مجتمعات فاضلة، وفي ذلك نقول كما قال الله تعالى )لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ(1. وقد تضمن القران التصديق علي الرسالات السابقة والرسل، وما جاء النبي محمد صلى الله وبارك عليه وآله برسالته لإلغاء ما سبق من ديانات، بل أكّد علي صحتها. والله سبحانه وتعالى لم يأتِ بالدين عبر الرسل مناطحاً بعضهم ببعض، ولم تأت الأديان لتناطح بعضها البعض، وما كانت الرسالات إلا رحمة للعباد، فالمناطحات بين الأديان يكون منها الفساد في الأرض وسفك الدماء، والرسول صلى الله وبارك عليه وآله يقول: (لَخراب الدنيا أهون على الله من إراقة دم)، ويقول صلى الله وبارك عليه وآله: (لايزال المسلم في فسحة من أمره ما لم يصب دماً ). ولو توفرت هذه النظرة إلى الدين وكان هناك التزام بها فهي ما جاءت به الأديان كلها عن طريق الرسل عليهم السلام، عيسى وموسى والخاتم محمد صلى الله وبارك عليه وآله. فالدين عند الله هو الإسلام، والإسلام (في الأديان كلها) عَرَّفه الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله في سلوكه وفيما جاء به من الذكر الحكيم، إذ جاء بالحرية التامة، والحرية بدأت منذ بداية الدعوة، فبدأها بالتبليغ )وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُُ2( ولو كانت الدعوة علي غير أسلوب الحرية، لَوَقَف الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في الصحن الحرام وقال لهم: (أنا رسول الله وبعثني الله وهذا جبريل معي والويل لمن لا يستَجيب ). قلنا أن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله هو المُبَيِّن لكل الأديان، وكان أسلوبه في الدعوة خالٍ من القهر أو الإكراه علي أي شاكلة من الصور، وليس فيه إجبار أو إكراه علي الدين )وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر3(.. )وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُُ4(.. )أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ5(. هكذا بدأت الدعوة وهكذا كان سلوك النبي صلى الله وبارك عليه وآله.

ثم نأتي من بعد إلي الرؤية التي حَجَّمَت سعة الحرية الإسلامية، وإذا نظرنا إلى السلوك المحمدي خلال ثلاثة وعشرين سنة، نجد أنه لم يُكرِه أحداً قط على قول لا إله إلا الله أو كونه هو رسول الله، ولكن هناك ما هو موجود في المصادر الإسلامية ما يضاد ما ذكرناه، فيما يسمونه بغزوة بدر وأُحُد والأحزاب التي يدعون أنها غزوات لوجود النبي صلى الله وبارك عليه وآله فيها. وهي في حقيقتها ليست بغزوات البَتَّة ولا تُسعِفُهم لُغةٌ ولا مِنطِقٌ ولا عُرف، اللهم إلا إن كان القصد أن يجعلوا النبي غازياً من أجل الدين، وهو أمر لا يسنده القرآن ولا سلوك النبي صلى الله وبارك عليه وآله. فقد دارت بدر في المدينة وكانت دفاعاً عنها، إذن هي ليست بغزوة، والغزو يكون فيه الغازي معتدياً، وما كان القصد منها أن يُحمل الناس علي قول لا إله إلا الله. ففيها أراد المشركون أن يفرضوا قوَّتهم علي المسلمين فكانت المعركة وليست الغزوة.

وفي أُحُد أيضاً كان المشركون هم الغزاة ودارت المعركة في المدينة فما هي بغزوة، والأحزاب (أو الخندق) كذلك، كانت دفاعاً عن المدينة، إذ هاجمها المشركون.

أما في فتح مكة فيمكن تسميتها بالغزوة حيث تحرك الرسول صلى الله وبارك عليه وآله بجيشه نحوها، فماذا قال لهم: (ماذا تظنوني فاعل بكم؟) قالوا: (أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم) فماذا كان الجواب المحمدي : (اذهبوا فأنتم الطلقاء). ولو كان ما ورثناه من المصادر المنقولة والموجودة صحيحاً لأمَرَهم صلى الله وبارك عليه وآله بأن يقولوا لا إله إلا الله، و لكنه لم يفعل. وأكبر سؤال كان يجب على كل مسلم أن يسأله هو: "لم لم يقل النبي صلى الله وبارك عليه لأهل مكة بعد فتحها قولوا لا إله إلا الله بدلاً عن قوله (اذهبوا فأنتم الطلقاء)؟"، فأهلُ مكة كانوا ينتظرون منه أن يوجِّههم لفعل أي شيء فيفعلوه، فهو الفاتح المنتصر. وهناك حديث خطير جداً موجود في الصحاح: (أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله ما يؤيده، بل الموجود هو: )ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةَِ6(.

في القرآن كله لا يوجد أمرٌ للنبي صلى الله وبارك عليه وآله بالقتال لتبليغ الرسالة ولا يوجد سوى الدعوة بالحسنى، والسلوك المحمدي ليس فيه قتال للناس على الإسلام، قال تعالى: )فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ( 7، فانتفي التَّسلُّط على الناس وعلى أهل الديانات الأخرى، وكيف يكون هناك تسلطٌ وقد جاءت الرسالة المحمدية مصدقةً لما كان قبلها، قال تعالى: )مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ8( والهيمنة الواردة هنا هي ليست الإلغاء أو الشطب، إنما هي لتبيين ما سبق، قال تعالى: )وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ 9(، لأن أصحاب الديانات السابقة مسلمون، إذا آمنوا برسلهم، وإذا لم يؤمنوا بهم فهم كفار، والقرآن واضح في تبيان هذا الأمر، قال تعالى: )الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا(10 ، ولم يقل الله سبحانه بأن يهجر أهل الانجيل انجيلهم، بل قال: ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ(11. والله سبحانه وتعالى أورد علي لسان الحواريين أن )وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ( 12، وسيدنا موسى قال )..يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِين(13 وسيدنا نوح قال: )وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين( 14 وسيدنا إبراهيم كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، ورب العزة يقول لعيسى عليه السلام: )وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ(15 وليس إلى بعثة محمد صلى الله وبارك عليه وآله؛ إذن، كل من تَبِع رسوله من الأمم السابقة هو مسلمٌ، ومن لم يؤمن برسوله في الأمم السابقة هو كافر. هكذا يجب تصنيف الكفار والمسلمين، ولا ينبغي أن يوصف مِن آمن برسوله من الكتابيين بأنه كافر. وحينما نتكلم عن الإسلام ينبغي عدم حصره فقط في الرسالة الخاتمة، إلا بمعنى أنها شملت جميع الرسالات السابقة – دون إلغائها، ومفهوم الهيمنة الواردة في قوله تعالى : )وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ16( لا تعني الإلغاء للديانات السابقة، بل شمولية الرسالة الخاتمة لها. فيجب الإيمان بها وبصحتها حيث تضمنتها الرسالة الخاتمة وأقرَّتها وصدَّقت بها، ومَن لم يؤمن بها وبصحّتها ويُصَدِّق بكتبها فهو كافر بما جاء به محمد صلى الله وبارك عليه وآله.

أساس الصراعات ينشأ أولاً من الغلو في الاعتداد بالذات، حيث تكون الرؤية للآخر من علٍ، ولذلك حتى القبول من الآخر أو استيعاب ما عنده يكون ضعيفاً، وهذا قد يدفع الآخر أو صاحب الرأي المستعلى عليه لسلوك طرق غير تحاورية إذا ووجه بالرفض لما عنده أو إذا أحس بهذا التعالي.

وثانياً، الفهم الخاطئ للنص المقدس وما يُبنى عليه من مسلمات، وقد تبنى أيضاً مسلمات على نصوص تسمى صحيحة (من حيث النقل، اعتماداً على شروط الجرح والتعديل) وهي تُصادِم القرآن والسلوك النبوي الشريف. فإلزام الناس بِفَهمِ الآخَرِ للنص أمرٌ لا يستقيم، فالقداسة للنص وليس لِفهمٍ مُعَيَّن للنص. وهذا ما يريد أن يفرضه الذين يُسَمُّون أنفسهم بالسلفيين على كل العقول المسلمة بالإكراه.

أما الصراعات والنزاعات فهي قديمة قدم الإنسان، واختلافها الآني من اختلاف وتباين الحياة نفسها، أما هي من حيث هي فلم تتغير، وأصبحت أكثر عنفاً بسبب التطور في أساليب القتال وآلياته المستخدمة، فأداة القتال قبلاً كانت السيوف أما الآن فتطورت أسباب التدمير وأصبحت أكثر فتكاً وتقتيلا...

(2)ليس في الأديان ما يفرق . هذا تقرير يقول به الكثيرون ، إلا أن الملاحظ أن الكثيرين أيضا من أهل التطيف والتمذهب والتسيس أصبحوا يستخدمونها في بث الكراهية وشق الصفوف وغرس الفتن بحثاً عن المكسب الخاص الضيق والسياسي القاصر والمتحصلات الذاتية المحدودة ، كيف ترى هذا الخطر الماثل؟ هل هو جدي وله ما بعده وقادر علي الأثير ؟ أم مرحلي وقتي وإلي إنحسار وزوال ؟

الأديان أنزلها الله رحمة للعالمين، والله سبحانه وتعالى يقول: )إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ(17، فلا يعقل أن تكون الأديان التي أنزلها الله مداراً للتطاحن والاحتراب، ففي ذلك تضادٌ للرحمة الموصوفة (رحمتي سبقت غضبي)، فجاء الدين (وهو الأصح في التسمية من دون الجمع) وهو عند الله الإسلام وجاء كل الأنبياء من عند الله بالدين الذي هو الإسلام، ويحتم علينا شرعنا أن نؤمن بقوله تعالى: )لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ(18، ولا يتم إيماننا نحن المحمديون إلا بالتصديق الكامل بالرسالات السابقة، والإيمان بمن جاءوا بها، ولم تأت الرسالة المحمدية لاغيةً لما قبلها من أديان، كما يطن كثير من المسلمين، وأحسبه لغرض سياسي قديم، وتعالى الله أن يُنزل رسالة معيبة، ليتداركها في التي تليها، كما ويستحيل أن يكون في فعله جَلَّ وعلا خطأ، فوجب الإيمان بالرسالات السابقة وصحتها وصحة كتبها والايمان بالرسل الذين جاءوا بها، وهذا ما جاءت به رسالة خاتم الأنبياء، فأعطت كل ذي حق حقه، ولم تنتقص شيئاً مما أنزل الله من أديان سابقة، ولا من جاءوا بها، فقال صلى الله وبارك علي آله: (من آذى ذمياً فأنا خصيمه يوم القيامة) وجاء القران بالإشارة لِوحدة دور العبادة قال تعالى : ]وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً[19.

وحَصَرَ كثيرٌ من الناس الإسلام في الإسلام التاريخي مِن البعثة المحمدية وما تلاها، وأغفلوا كلام الله الذي يؤكد أن الرسل السابقين ما جاءوا إلا بالإسلام، ولهذا الإغفال وقع التنافر فيمن ظن ذلك أو جهله ومن تَعَمَّدَه. وإذا دَقَّقنا النظر في محاولةٍ لفهم قوله تعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً[20 لوجدنا أن الدعوة إلى الله تشغل جزءاً من الكمال المحمدي فكانت الآية: )ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةَِ21( خاليةً مِن الإكراه ومُناسِبةً لِخُلُقِ مَن جاء بها، قال الله سبحانه وتعالى : ]وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ[22 وكان إذا احتاج لها موقف من المواقف يُؤمر بها فيقول له الحق سبحانه وتعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[23 . فكانت رسالته في واحد مِن أعظم مشاهدها الحسية، وهو فتح مكة، تأكيداً علي حرية المعتقد، إذ لم يأمرهم حتى أن يقولوا لا اله الا الله وتركهم طلقاء مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر، وكان هذا ما ترك النبي الناس عليه وأكَّده الحق سبحانه وتعالى لِختم الرسالة قال الله تعالى: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً[24، وكانت تأكيداً لِما بُعِث به النبي صلى الله وبارك عليه وآله حيث قال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).

ولابد مِن زوال التَّمذهُب، لأن فيه نوع من العصبية التي تقود إلى التَّفَرُّق والتَّشّيُّع ]كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[25، فالإسلام دعوة للوحدة لا تحده حدود جغرافية، إذن فهو ليس دولة، لذلك لم يأت الرسول صلى الله وبارك عليه وآله حاكماً أو أميراً ولا سلطاناً، بل قال تعالى: ]لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ(26 والدولة لا تقوم إلا على السيطرة والتسلط، وهذان مخالفان لأسلوب الدعوة التي يفترض فيها الحكمة والموعظة الحسنة. ومِن جَرّاء الفهم الخاطئ للدين، رَكَضَ أصحابُ الرغبة في السلطانِ لِنَشرِهِ عن طريق السُّلطة. فأصبح الدين مصدراً للخصام والاحتراب والتفرقة وموسوماً بالإكراه ونَشرِهِ بالسيف.

(3)الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية ؛ تاريخ طويل من التقابل والاحتكاك ، دعنا نقلب في جذور بواعث التضاد والتقابل والتواجه (في حال وجوده) ؟ وكيف ولماذا تقدمت هي مادةً ومدنية وتراجعنا نحن روحاً وحضارة ؟

أما عن الحضارة الإسلامية فقد كان لها السبق، إلا أنها تضاءلت بسبب الفتاوى التحجيمية والمسنودة بالتسلط المستمد من الحكومات، ومثال ذلك علم (الخط) أو ما يسمى بعلم (الرمل) فجاء في حديث عن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في باب الكهانة في صحيح مسلم (قال يا رسول الله: منا أناس يذهبون الي الكهان، قال: لا تذهب اليهم، قال: ومنا أناس يتطيرون، قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم، قال ومنا أناس يخطون، قال: كان نبي من الانبياء يخط فمن وافق خطه فذاك.) وهذا دليل على صحة علم الخط وأن الذي يوافق خطه ما كان عليه ذلك النبي فلا يخطئ. فتجيء الفتوى من بعض أدعياء العلم مُحَجِّمةً ومُلاحِقةً صاحب علم الخط الذي يعتبره الكثير أنه شعبذة، فخاف كل عالِمٍ على ما عنده فوقفت الحضارة الإسلامية لا تبرح مكانها بِكَبت العلم والعلماء وتكفيرهم وربما قتلهم، بينما انطلق الفكر الغربي في إبداعاته فوصل إلى ما وصل إليه، مع الالتزام بالصدق وحسن السلوك لوجود الحرية وعدم التحجير، وهنا في دول المسلمين يسيطر الخوف علي العلماء والخوف هو العامل الأول في المدعاة للكذب، فلا تجد في السلوك المدني الغربي تصرفاً يوصف بالغش والكذب، بينما يتوفر في المجتمعات الإسلامية عرباً وعجماً ... وقد جاء عن النبي صلى الله وبارك عليه وآله حينما سئل أيكذب المؤمن قال كلا ]إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ[27.

 

(4)في أي سياق تقرأ ظهور ما يسمى بـ(الارهاب ) وما خلفه من (حرب علي الارهاب )؟

ما صدر عن علماء المسلمين فيما يسمى قفل باب الاجتهاد هو في الحقيقة حكم بالقصور الفكري على كل من خلق الله من المسلمين منذ زمن أئمة المذاهب إلى قيام الساعة وتحجيرٌ على الله أن ينزل من فيض رحمته على من يشاء من عباده بعد ذلك الزمان، وأوقفوا الفيض الإلهي في العلم على من سبق فأصبح الذي يتحدث عن فهم جديد لنص مقدس محل اتهام وخروج عن السلف الذين اتخذ السلفيون فهمهم مقدساً كالنص الذي فهموا منه، بينما لا توجد قدسية لفهم، إنما القدسية للنص وليس لأحد الحق في تحجير رحمة الله ووقفها على السلف الذين لا عصمة لهم .

وقد وجد فيما جاء عن السلف أو بعضهم تفاسير لنصوص في القران وقبول لأحاديث تصطدم مع نصوص القران، ما أدى إلى وجود فهم إكراه الناس علي الدين، ولو نظرنا إلى كتاب الله جل وعلا من أول سورة البقرة ]الم[28 إلي آخر كلمة في كتاب الله ]النَّاسِ[ 29 لا نجد فيه آية واحدة تحث على إرغام الناس على دين الله، كما نجد فطرة المسلمين غير قابلة لأن يوصف الإسلام بأنه فُرض قَسرياً على الناس، ولذلك رَفَض كل المسلمين وعلماء المسلمين ما قال به البابا بينديكت، حينما قال إن الإسلام فُرض بالسيف، بينما نجد حديثاً في الصحاح الست يُنسب إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله)، وقد ثبت أنه فتح مكة ولم يقل لهم قولوا لا اله إلا الله كما ذكرنا آنفاً، فانتفي الإكراه في الدين في القران العظيم وفي سلوك المصطفى الكريم، بينما نجد من يحاول أن يروج لفرض الإسلام بهذا الحديث المصطدم مع القران ومع فعل النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وهذه القلة التي تروج لهذا المعنى هي التي جلبت للإسلام ما أُلصق به من إرهاب لا علاقة له بالإسلام على الإطلاق.

فالإصرار على عدم قبول فهم مغاير لفهم من سبق من السلف الذي ليس له قداسة هو الذي أدى لعدم وجود التحاور الذي به يكون الخروج من التصادم المفضي إلى العنف. فما جاء الإسلام لاغياً لما سبق من أديان بل أوجب الإيمان بها وصَدَّق عليها وأعطى الحرية في العقائد والأديان لكل الناس قال تعالى: ] وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ[30، فالذي جاء به رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله هو تبيان لما سبق من ديانات وطرحٌ دون إكراه لكل الناس قال تعالى: )وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر31(.

فالذين تشبعوا بالفكر السلفي الوهابي الذي يرفض الآخر صارت تصرفاتهم نابعة من هذه الأفهام، وبالتالي يلجأون إلى تطبيقها في الواقع من زاويتين: أولاهما فيما يعتقدونه من نشر الدين بالعنف الذي يرفضه الدين، وثانيها في تصرفهم مع الآخر بالنظرة الدونية إليه وافتراض صحة ما هم عليه والحكم علي الآخر بالرفض لدرجه ترقى إلى إفنائه باعتقاد أن في ذلك إقامة للدين وتصحيح للمجتمع وهو معاكس تماماً لما جاء به الإسلام وما جاءت به الأديان السابقة التي كلها الإسلام قال تعالى: )لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ(32.

أما الرد علي الفهم الخاطئ لما جاء به الإسلام كان يجب أن يكون بمنطق وفهم صحيح و رجوع لصحة مقصد البعثة. ولكنه كان أكثر إمعاناً في الخطأ من الذين جاءوا بتلك الدعوة، واستُغِلَّ ذلك من الجهات التي تسعى إلى التسلط والمصالح للوصول إلى مرادها، فقوبل العنف بعنف وهذا ما زاد الطين بلة، وأوقر الصدور، وأدى إلى رفض الآخر، فتضاءلت الحريات حتى في مجتمعات كانت تسمى راعية لها، فأصبحت الإدانة بالخروج عن الملة أقرب إلى الذي ينادي بالسلام والتفكير في تقارب الملل والإقرار بصحة الديانات السابقة وكتبها ورسلها.

(5)هناك تشخيص عالمي لموجة متصاعدة وهادرة من (التدين السياسي الايديولوجي) وفي كل العالم نتلمس مظاهرها علي اختلاف الملل والعقائد ، وتُشخيص هذه الموجة في شقها السياسي بصعود اليمين المتطرف هناك والاسلام السياسي هنا ، كيف يمكن ان تقرأ التأثير المتبادل في الدين علي السياسة والسياسة علي الدين ؟ البعض يصفها بـ (الصحوة) وآخرون يرون فيها (إنتكاسة) : أي أن الدين يوظف لصالح السياسة والدين مطلق وثابت والسياسة متغير قابل للمراجعة .؟

أولاً، الدين حقيقة لا علاقة له بالسياسة قط، وهذا يشمل كل الأديان، إذ لم توجد دولة إبراهيمية أو موسوية أو عيسوية ولا دولة محمدية، فما كان محمد صلى الله وبارك عليه وآله حاكماً ولا متسلطاً ولا مسيطراً. قال تعالى: ]وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ [<a href="http://docs.google.com/Ra



© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

حـــوار
  • ترايو: لست رجل أميركا في الحركة
  • المسؤول السياسى لجبهة القوى الثورية المتحدة يوسف ابراهيم عزت: تربطنى بالشيخ موسى هلال علاقة دم ولحم و لكن...!!!
  • لا يستمع لوردي لأنه غنى لمايو.. عصام الترابي: سأعطي صوتي لأمي لو ترشحت لرئاسة حزب الأمة!
  • أنور الهادي نائب رئيس اتحاد أكتوبر يروي لـ( الصحافة) تفاصيل الإنتفاضة (1-2)
  • مراجعـــة الإتفاقيات...سيناريو الحل
  • مستشار رئيس الجمهورية منصور خالد: البعض يعتقد على عثمان باع القضية
  • أنور الهادي نائب رئيس اتحاد أكتوبر يروي لـ( الصحافة) تفاصيل الإنتفاضة (1-2)
  • حوار الشيخ النيل أبو قرون حول مراجعاته الفكرية وأحوال العالم (الحلقة الأولى)
  • حوار الشيخ النيل أبو قرون حول مراجعاته الفكرية وأحوال العالم (الحلقة الثانية)
  • ين ماثيو شول: اشعر بالفخر و الاعتزاز بان اكون تحت قيادة عرمان
  • القائد باقان أموم فى حوار متعدد المسارات
  • نضال يوسف كوة مكى: درست فى مدرسة مسيحية ووالدى لم يعترض على ذلك
  • شريف حرير: انا من حرض على الثورة فى دارفور
  • حوار الدكتور مارك لافرينج منسق لجنة خبراء الأمم المتحدة للسودان(1)
  • لوكا بيونق: واثقون من الفوز برئاسة الجمهورية
  • سيد شريف عضو المجلس الثوري لحركة تحرير السودان فصيل الوحدة في حوار لم ينشر ل((الصحافة)) حاورته من أمستردام / أمل شكت
  • موسى محمد أحمد::خلافاتنا في غاية البساطة لكن آمنة «اتغيرت»
  • حوار مع فاولينو ماتيب
  • وزير الخارجية الاريتري:هذه هي المشكلة التي ستواجه السودان
  • لقاء اوكامبو في قناة الجزيرة
  • البشير لـ«الحياة»: لا تسوية أو صفقة مع المحكمة الدولية
  • الوسيلة: لا توجد موانع تعيق سفر الرئيس للخارج.
  • مناوى فى حوار مع راديو مرايا
  • على الحاج:هذا الصحفى مرتشى وينسج حولى الأساطير ويقبض الثمن
  • ميلاد حنا:الجنوب سينفصل عن الشمال (مافيش كلام)
  • حوار الملفات الخاصة جدا مع دكتور على الحاج محمد حاوره عبر الهاتف عبدالباقى الظافر
  • النائب الأول، رئيس حكومة الجنوب في حوار الملفات الساخنة.. «3-3»
  • وليامسون: نشجب ما يجرى للمدنيين فى دارفور و محكمة مجرمى الحرب لسنا طرفاً فيها ويجب ان لا تكون هنالك حصانة لاحد من منها
  • النائب الأول، رئيس حكومة الجنوب في حوار الملفات الساخنة.. «2-3».. الجنوبيون لا يثقون في الشماليين.. وأنا احمل نفس الفكرة
  • النائب الأول رئيس حكومة الجنوب في حوار الملفات الساخنة 1-3
  • د. لبابة الفضل .. من ظهر حمار الى ظهر الحركة الاسلامية..
  • خليل ابراهيم: نحن البديل المنتظر في السودان في ظل رفض الخرطوم للسلام
  • مصطفى احمد الخليفة فى حوار شامل
  • رئيس وزراء السودان السابق: يجب أن لا نضع جميع القيادات الحزبية في سلة واحدة.. هناك «الدرة» و«البعرة»
  • المتحدث الرسمي باسم البعثة المشتركة لحفظ السلام :القوات الهجين ترافق النسوة في الخروج إلى الاحتطاب
  • روجر ونتر مستشار حكومة الجنوب فى حوار الساعة من جوبا
  • حوار القناة القومية وأسئلة التنوع
  • مبروك:إتفاق الشرق يسير فى الإتجاه الصحيح ووالحكومة أثبتت جديتها فى التنفيذ
  • السفير المصري بالسودان:حلايب موضــوع مغلـق!!
  • الزهاوى إبراهيم مالك:الحرب الإعلامية الغربية أخطر مانواجه من حروب تستهدف وحدة السودان واستقراره
  • حوار مع الأستاذ / بحر ابو قردة رئيس حركة العدل والمساواة القيادة الجماعية ورئيس الجبهة المتحدة للمقاومة !!
  • حوار: أسرار 19 يوليو "انقلاب هاشم العطا" :لماذا وصف هاشم العطا بيان ثورته بالأرعن؟؟؟
  • حوار ساخن مع القيادى بالحركة الشعبية ازيكيل جاتكوث رئيس بعثة حكومة الجنوب فى واشنطن
  • حوار رئيس البرلمان السودانى من أسماء الحسينى
  • حوار مع الدكتور :جمال عبد السلام المدير التنفيذى للجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب بالقاهرة
  • مبروك سليم: فتح مكتب لحركة تحرير السودان بإسرائيل لا يزيد أو ينتقص من عداوتها لبلادنا
  • الم نقل ان جبهة الشرق صنهة اريتري ؟ القيادي بجبهة الشرق صالح حسب اللة يستنجد باريتريا لتغيير القيا
  • اللواء توماس..أشهر ضابط مغامرات بالحركة الشعبية يقول:هجوم جوبا حقق مراده..ولم أقتل زملائي بالعنبر .
  • تيراب: السلطة الانتقالية فوضوية تحتاج للتصحيح وإلا...؟/حوار: فتح الرحمن شبارقة
  • محمد فتحى إبراهيم صاحب جائزة الحكم الرشيد:الجائزة رسالة أمل لإعادة الثقة للأفارقة بأنفسهم وبقارتهم السمراء
  • حوار صريح مع الأستاذ ميرغنى حسن مساعد القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي