صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : ترجمات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


تيلهارد دي شاردن: "مكان الإنسان في الطّبيعة"*: مقدّمة وفاتحة وإشارة ومدخل [ترجمة: إبراهيم جعفر].
Apr 26, 2008, 00:37

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

تيلهارد دي شاردن: "مكان الإنسان في الطّبيعة"*: مقدّمة وفاتحة وإشارة ومدخل

 

[ترجمة: إبراهيم جعفر].

 

مُقدّمة

 

ها هو تيلهارد دي شاردن يُوافي، أخيراً، مآلَه ويشرع هدف حياته في التحقق، فالعوائق على سبيلِ نشرِ رؤيته للعالم قد أزيلت الآن.  لكنّ تيلهارد دي شاردن كان هيئةً فريدةً شقّت لها سبيلاًً خلال ما كان هو، بمعنىَ ما، غابات عذريّة للواعية ومن ثمّ هو ووجه ببعضٍ من سوءِ الفهمِ اشتركت في مصدرهِ- معاً- دوائر دينيّة وعلميّة.  لكنَّ الأمر ما كان له، بالكادِ، أن يصيرَ إلى خلافِ ذلك فتيلهارد دي شاردن قد عَيْنَنَ [من "عَيْنِيْ- المترجم]، على مستوىً غريب السّمُوِّ ونسيج وحده، مسعيين للإنسان- هما الدين والعلم- طالما تجاهل واحدهما الآخر لقرون.

 

بالنّسبةِ لتابعين رسميين للمسيح أُنشِئُوا على تقليدٍ لم يتغيّر، إلا طفيفاً، منذ عهد التوفيق الأرسطوطالي-التّومائي بين الدين والعلم في القرن الثالث عشر الميلادي لم يكن لقسّيسٍ يسوعيٍّ أيُّ شأنٍ باستكشافِ الآفاقِ البانوراميّة الشّاسعة التي فتحها علينا في القرن العشرين، من جهةٍ، علم الفلك، علم الفيزياء، علم البايولوجي والعلوم الأخرى.  كما ولم يكن لتيلهارد دي شاردن، كذلك، بالنسبةِ لرفاقٍ له مستكشفين لطبيعة العالم الفيزيائي، أيّ شأنٍ بتجاوز حدود ما هو، تجريبيّاً، ممكن التحقّق منه.

 

هذا وقد فاقمَ من شينِ ذلك السّوءِ في فهم تيلهارد دي شاردن الكميّة المعجزة من المعرفة المتاحة، الآن، للإنسان، الشيء الذي يُدخلُنَا ("يُورِّطُنَا") في مزيدٍ ومزيدٍ من التخصصات.  عليه إن كان الثيولوجيّون الذين كانوا هم أوّل من قرأوا بيير تيلهارد دي شاردن على جهلٍ بالفيزياء الحديثة، أو علم البايولوجي، كذلكَ كان بعض الفيزيائيين على جهلٍ بعينِ شروط (مصطلحات) الإيمان، أو مسوّغاته الممكنة، وفقَ، على التّعيين، حسّ القدّيس بطرس (كما وتيلهارد دي شاردن) بـ"مادّة ["جوهر"] الأشياء المرجوّة؛ بالدّليلِ على الأشياء التي لا تظهر للعيان".  ثمّ لم يُيسّر من أمرِ هذه الوضعيّةِ، إلا قليلاً، حقيقةُ أنّ تيلهارد دي شاردن كان عليه أن يصوغَ، لنفسهِ، لغةً جديدةً كي يعبّر بها عن مفاهيم جديدة ليس من بينها، فحسب، مفهومه عن "النّوسفير"، مثلاً، بل، فوق كلّ ما عداه، مفهومه وكلامه عن "نقطة الأوميغا" الذي بدا، للا أدريِّيين الميتافيزيقيّين، حينما قرأ أولئكَ لأوّلِ مرّةٍ كتابه المسمّى "ظاهرة الإنسان"، وكأنّه لم يكن سوى شعراً تهويميّاً ولا يفيد معه التحقّق منه كما ولا يمكن التثبّت من "صحّتِهِ" عبر أيِّ إجراءٍ تجريبي. 

 

وحينَ أُعقبت تلك الرؤيا للعالم وفق تصورات النشوء الكوني باستكمالٍ ونُشِرَ، من بعدِ "ظاهرة الإنسان"، كتابٌ آخر لتيلهارد دي شاردن اتّخذ اسم Le Milieu Divin- وكان مشتملاً على "أصواتِ" القديس إقناتيوس اللَّويولِي، القدّيس يوحنّا المعمدان، ثمّ باسكال (الذي لم يكن جانسنيّاً)، مُعبَّرَاً عنها بمصطلحات إنسان القرن العشرين المُحتوش تماماً بأزمته "النّشوئيّة الكونيّة"- صار الإختلاط (بشأن تيلهارد دي شاردن)- هنا وهناك- أزيد، فأزيد، في مقداره لذا لئن كان لهذه الحاشية أن تَتَّبِع نوايا تيلهارد دي شاردن فإنّها ستحتاج للتمعّن في نقطتين أولاهما هي مسألة عصف الثّورة التي هي- الآنَ- مُولجٌ فيها الإنسانُ المعاصر وثانيهما هي المسألة الخاصّة بطبيعةِ الإيمان.

 

حينما كتب باسكال، قبل بضعة أربعمائة عامٍ خلونَ، أنّ "الصّمتَ الأبديَّ لتلكَ الفضاءات اللا نهائيّة يخيفه" كان عدم ارتياحه ذلك مبنيّاً على تصوّرٍ علميٍّ للكونِ كان قد سبق وأن غدا أوسع بكثيرٍ من ذلك التَّصوّر الإستاتيكي للكون الذي كان قائماً عند القدّيس توماس أكوايناس (توما لاكويني) ودانتي.  لكنّ كونَ باسكال نفسه يبدو، بالفعل، ضئيلاً إن هو يُقارن بصورة الكون التير كشفت لنا عنها العلوم المعاصرة.  إنّ علم الفلك، الآن، يتقصّى، أبعد فأبعد، أجواز الفضاء، في كلِّ شهرٍ، فيحسب المسافات بعداد الملايين من سنينه الضوئية.  ثم إنّ علم الفيزياء المعاصر قد أوصلنا، حاليّاً، إلى وجهةِ نظرٍ عن المادّةِ وبُنيتها يبدو أنها قد أطاحت بأساساتِ كلّ قناعاتنا الراسخة السابقة.  ثمّ، فضلاً عن ذلك، هنالكَ، الآنَ، احتمالات لوجود الحياة في الكواكب الأخرى ولإنشاء الحياة، أو محوها، الشيء الذي ليس هو- حاليّاً- موضوعاً لقصص "الخيال العلمي"، فحسب، وإنّما هو، كذلكَ، أمراً حقيقيّاً بما فيه الكفاية.  ثمّ هناكَ، أيضاً، القفزات التطوريّة الكبيرة في علمي السيبرناطيقا وصناعة الأدوية.  لكنّ علم تحليل النّفس البشريّة يبدو أنّه ربّما ما يزال، حتى الآن، في عهدِ طفولتِهِ.

 

تلك هي، تقريباً، المنظورات التي يُناقشُ تيلهارد دي شاردن، من عندها، مكان الإنسان في الطبيعة.  ثمة- الآن- أدبُ قلقٍ حول وضعيّةِ الإنسان يذهب لمدى أبعد كثيراً مما كان قابلاً لأن يُفكّرَ فيهِ (أو يُتصوّر) في زمانِ باسكال حينما أنشأ عمله عن "التناسب".  وهناك، على الأقل، خلفيّةُ فزعٍ كامنة وراءَ عُصَابَاتِنَا إن نكن في خطرٍ من الإكتئابِ واليأس.  علاوةً على ذلكَ، غدا تقدّم العلم، الآن، ليس منسارعاً، فحسب، بل مُدوّخَاً بحيث أننا في سنةٍ واحدةٍ تكن لنا حاليّاً، تطوّراتٌ على ذاكَ السّبيلِ أكثرَ من تلكَ التي كانت تستغرق، في أزمانٍ سابقةٍ، قرناً بكامله.  يبدو أنّ هنالك حدوداً منظورةً قليلةً لهذا الإندفاع [الجهود التي بذلتها "رينكونتريس انترناشونال" لإقامة ملتقىً، في جنيف، جامعٍ لخبراءٍ في مختلفِ العلومِ وأفراد متعلمين آخرين لمناقشة المُنطويات المستقبلية لهذا الإندفاع قد مسّت أوجهاً من هذه النقطة.  ومن تلك الأوجه وجه أنّ إنساناً ما من الطراز الأول في حقل تخصص ما سيعيش في عالم متجاوزٍ لكلِّ الحدود والواجهات وسيُلقى رفاقٌ له في كلِّ المجتمعات "المرتقية"، فحاجز اللغة هنا سيكن شيئاً غير ذي بالٍ مقارنةً بحاجز الأفكار (بمعنى أن فقط زملاء ذلك الإنسان في حقل علمه وتخصصه سيفهمونه- الكاتب) وذلك يشير ضمنياَ- من جهةٍ أخرى- إلى أنّ جمهرة الناس، حتى في أكثر البلدان "رقيّاً"، ليس لهم أي إدراكٍ معتبرٍ بمدى سرعة وشسع هذا التقدم العلمي العاصف].  إنّ منظورنا للتاريخ قد غُيّرَ كليّاً.  لذا نحن نتساءل، هنا والآن، فنقولُ إنّ الإنسانَ منّا قد يحتاجُ جذوراً، لكنّه أين سيلقى هاتيكَ الجّذور؟ 

 

كان تيلهارد دي شاردن أكثرَ اكتمالاً، من معظم الناس، في يسر علاقته وهذه الرؤية (الرؤيا) الجديدة المختلفة للعالم.  فالأمر معه يبدو كأنّه، حينَ اعتَبَرَ تركيب المادة أو الشساعة غير المحدودة للفضاءِ، قالَ، مِن عندَ كتابِ صلواته الرومانيّةِ، بثقةِ طفلٍ:- Caeli enarrant gloriumDei et opusmanuum ejus annuntiat firmamentum.

 

ولأنّ صفاء عقيدة تيلهارد دي شاردن- المعبّر عنها في تلك الكلمات اللاتينيّات- قد يبدو شيئاً شاذاً في حينٍ يشعر فيه معظم الأُنْسِيّيين الذين هم- وفق أحد التصورات المفضّلة لدى تيلهارد دي شاردن- "عند رأسِ رمحِ التّطوّر" بأنّهم مقيّدون باتّخاذِ موقفٍ لا أدريٍّ من "الأشياء التي لا تُرى"، ولأنّ تيلهارد دي شاردن (كما تشهد على ذلك جماهيريّة أعماله) يهب، في ذاتِ الوقتِ، شجاعةً للخائفينَ فإننا قد نلقى أنفسنا معذورينَ إن نحنُ تمعّنّا قليلاً في هذا الأمر- أي في شأنِ نقطتنا الثانية بخصوص مقاصدهِ. 

 

إنّ إيمان تيلهارد دي شاردن بـ"الأشياء التي لا تُرى" لا يمكن له أن يُفصل عن حماسته لأجرأ التفكّر وأكثره تقدّماً في شؤونٍ منها ما هو ممكن التحقق منه علميّاً ومنها، كذلك، لم يُتَحَقّقْ، بعد، منه علميّاً.وعند تيلهارددي شاردن تُرى الكينونةُ توحيديّة والكونُ "متقاطعاً" ويظلُّ، مع ذلك، كما أظهرت حياته، إيمانه هو القوة الدافعة وراءَ، وفي، كلِّ ما فعله منذ البدء.  إنّ الإيمانَ لا يمكن له أن "يُبرهن"، أو "لا يُبرهن"، بوسيلة الكشف العلمي.  لكنّ إيمان تيلهارد دي شاردن يبقى، مع ذلكَ، شَأنَاً واقعيَّاً يُمكن للجميع التّحقّق منه [أحيل القارئ هنا ليس فقط إلى كلود سيونوت بل، كذلكَ، إلى الكتاب الذي ألفه هنري دي لوباك عن تيلهارد دي شاردن (دار آرثيمي فييارد Artheme Fayard- 1964).   وهنري دي لوباك هو رفيقٌ يسوعيٌّ لتيلهارد دي شاردن كان جيّد المعرفه بتيلهارد دي شاردن رغم أنه كان، لحدٍّ ما، أصغر  منه عمراً فهو قد اجتهد، أكثر من أيِّ شخصٍ آخرٍ، على سبيلِ إجلاءِ غوامضٍ بشأن ’أرثوذوكسيّة‘ تيلهارد، عقيدةً وممارسةً- الكاتب).  ولئن تبدو اللّغة التي عبّر بها تيلهارد عن إيمانه مُفترقةً، "ببونٍ مهولٍ"، عن تلك التي اتخذها الوجه الرسمي للمسيحية أداةً لتقديمه لنفسه للكثيرينَ حتي تاريخٍ قريبٍ، بل وإلى الآن، فإنّ ذاكَ الإفتراقُ ليس هو، في غايةِ الأمرِ، أكثَرَ شُسعاً من الفرقِ الكائنِ بينَ التّصوّر اللأرسطوطالي-التّومائي، أو التّصوّر ما قبل-الكوبرنيكسي، عن المادةِ والكونِ وما بينَ العالمِ الديناميكيِّ النّشوئيِّ الذي كُشِفَ لنا عنه الآن. 

 

بعباراتٍ أخر، لم يكن إيمان تيلهارد دي شاردن، بأيِّ معنىً، قائماً في "حجيرةٍ" منفصلةٍ آرائه العلميّة، ثمّ هو، أكثر من ذلك، لم يكن، كذلك، شكلاً ما من أشكالِ الظّواهرِ "المَرَضِيّةِ"، بمدلولِ نيتشة، التي تجعل الإنسان ينشد "سلواناً" عن احتواشه بمخاوفِ الليلِ (الكونيِّ) ورعبهِ.  لا، إنّ مركز الكون ومعناه ومقصده، عند تيلهارد دي شاردن، هو المسيح؛ "غايته" هي سرُّ تجربة (رؤيا) القديس بولس؛ قُوّتُه الدافعةُ هي الحب.  تلك رؤيا كينونيّةٌ كلُّ شيءٍ فيها يكن "متمركزاً عندَ المسيح" مثل التناغم العصر-وسطوي الشهير.  ثمّ إنّها العقيدة المعبّر عنها الآن بالمنظور المختلف تماماً عن منظور العصور الوسطى وهو منظور الكينونة الفيزيائيّة.  لم يكن قبول تيلهارد بهذه العقيدةِ إسميّاً أو لفظيّاً فقط.  وذلك تشهد عليه حياته العينيّة التي اشتملت على نذورِ الفقرِ، العفّةِ والطّاعة التي ألزمَ نفسه بها لعهدٍ حياتيٍّ طويلٍ حينما صار سالكاً على سبيلِ "الطّريقةِ اليسوعيّةِ" ورأى فيها تحقّقَهُ الذّاتيَّ وتَمَامَه.  

 

في "مكان الإنسان في الطبيعة" لم يكن تيلهارد دي شاردن معنيّاً بهذه الأوجه من الكينونة التي هي من شؤون الإيمان أكثر من كونه، مثلاً، كان كذلكَ في الجزء الثاني من "ظاهرة الإنسان"، في "Le Milieu Divin " وفي "ترنيمةٌ للكون" أو في مقدارٍ عظيمٍ من رسائلهِ ومكاتباتهِ الشخصيّة التي نُشرت الآن.  فهنا نحن نلقى تيلهارد دي شاردن الذي كان علماً ذا هالة- لكنه ليس مرئيّاً إلا قليلاً- في الرّدهاتِ العلميّة في أوربا وأمريكا.  مع ذلك، ربّما، حتى بهذه المناسبة، ينبغي أن يُورَدَ هنا تعليقٌ إضافيٌّ موجّه لرفاقه عند رأس رمحِ "النّشوءِ الإنسانيِّ على الأرض"، كما ولـ"المسيحيين" الذين نادراً ما كانوا متوقدين كما قد كان هو كذلك.  ليس هنالك تتابعاً "منطقيّاً" بين إفادات تيلهارد دي شاردن العلمية وتلك الشّهادات التي تفيض من إيمانه.  كما وليس هناكَ من "برهان" على تصوره الخاص بنقطة الأوميغا مما يلي النّشوء الحاضر والمستقبلي للإنسان.  إنّ أعمال تيلهارد دي شاردن لا تشكّل أيَّ شكلٍ من أشكالِ الخلاصةِ المطلقة أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل.  إنه ليس ثيولوجيّاً محترفاً أو فيلسوفاً.  إنه لا يُنشئ أيّ نظريّةٍ عن الفنونِ والآدابِ وعلاقتها- أو انتفاءِ علاقتها- بنشوء الإنسان وتطوره أو بنشوء وتطور العلوم.  ثم إنّه ليس لديهِ أدنى نيّةٍ لكي يتّخذَ موقفَ "النبيِّ المعتزلِ" في شأن مسألةِ مكانِ الإنسانِ في الطّبيعةِ على ضوءِ معضلات الإنسان المعاصر.  وذلكم كلّه لأن رؤياه عن سرُّ تجربة (رؤيا) القديس بولس (أو الـ"plemora") إنّما هي كانت شهادةً عن الكيفيّةِ الخلاقةِ التي رأي هو بها- بحسٍّ وخيالٍ مستمدّين من كونه إنسانٍ ذي إيمانٍ قوي- توكيدات الوحي المسيحي وهي ناشطة و"متمظهرة" في هيئة الكون الذي يعلم العلم، الآن، أننا قاطنين فيه- ذلك "العالم" الذي وصفه هو بفيضانٍ غزيرٍ من الحبِّ والثّقة. 

 

ثمة نقطة أخيرة.  كان تيلهارد دي شاردن، في عام 1940، في منتصف كتابته لـ"ظاهرة الإنسان" وذلك آناء فترة حياته الثانية في بكين (فهو قد أنفق سنين الحرب في معسكر اعتقال ياباني).  ثمّ، في عام 1944، وصلت مسودة الكتاب إيّاه، أخيراً، إلى روما كي تُجرى عليها "الرقابة السّماويّة" فأسفر ذلكَ عن علم تيلهارد دي شاردن، في شهر أغسطس من ذلك العام، بأنّ إذنَ النّشرِ الذي نشده قد حجب عنه.  إنّ تيلهارد دي شاردن يمكن له، وفق هذا، أن يعدَّ بطلاً لكلّ أصحابِ الرسالاتِ من الناس الذين عملوا في ظلِّ شروطٍ رقابيّةٍ أو سوءِ فهم.  لكنّه ثابرَ على ما هو فيه.  ثمّ، في عام 1950، عرض مؤلّف تيلهارد دي شاردن المُسمّى "مكان الإنسان في الطّبيعة" على "السّلطات السّماويّة" فأخبر تيلهارد دي شاردن بأنّه قد كانَ، آنذاكَ، ماضياً، تماماً كما فعل في السابق، خارج حدود مجال الكتابة العلميّة الخالصة.

 

سيبلغ هذا الكتابُ [قياساً على عام 1977- المترجم]، قريباً، عيد تأليفه العشرين.  ومنذ عهد البابا يوحنا الثالث والعشرين كان هنالك تغيّر في تصوّرِ روما لأمورٍ عديدةٍ، الشيء الذي كان تيلهارد دي شاردن ذا رجاءٍ في حدوثهِ.

 

ثمة تطورات كثيرة قد حدثت- منذ وفاة تيلهارد دي شاردن المفاجئة في نيويورك وفي يومِ الأحدِ من عطلةِ عيد الفُصحِ من العام 1955- في ميدان الإستكشاف العلمي وشملت مجالات عديدة امتدّت فيما بينَ مسألة "نظريّة الفوضى" وما بينَ سؤال أصل الحياة.  أنا على يقينٍ بأنّه ما من إنسانٍ كان سيرحّب بهاتيك التّطوّرات ويبتهج بها ابتهاجاً كبيراً مثل تيلهارد دي شاردن.   

 

بيرنارد وول Bernard Wall

 [تمت الترجمة، إلى العربيّة، في 14 مارس 2008].

فاتحة

 

حكى تيلهارد دي شاردن، ذات مرّة، كيف أنّه توصّل لأن يرى، فيما بين الفكرتين المتصلتين عن الهيئة الجينيّة للحيوان والهيئة الجّينيّة للقارات (الأرض)، فكرة ثالثة عن الهيئة الجّينيّة للنّوع الإنسان.  منذ ذلك الوقت وُجّهتْ كلُّ جهودِ تيلهارد دي شاردن نحو إنشاء علم إنسان تكويني anthropogenesis، أي علم للإنسان يُفهم على أنه امتداد للعلم الباحث في شأنِ الحياة.  كان ذلك تعهّداً ضخماً لكنّه ناسب عقلاً شديدَ القوى كعقلِ تيلهارد دي شاردن.  لكنّ تيلهارد دي شاردن قد رحل عنّا، قبل أن يُتمّم مهمته، وكان- عند رحيله- مكتمل الحيوية الذهنيّة والثقافيّة، بيد أنّه لم يكن سعيداً.  مع ذلك ترك لنا تيلهارد دي شاردن، من بعدِ وفاتهِ، الخطّة العامّة لمهمّته تلك فيما منحتنا مقالات شتى كان قد ضمّنها، على حدّ تعبيرهِ الخاصِّ، كلَّ ذلكَ الذي كان قيِّمَاً في تجربته الخاصّةِ واللُّبِّ الجّوهريِّ لرؤيته تعبيراً ناضجاً عن آرائه بشأنِ مسائلٍ أساسيّةٍ عديدة. 

 

ثمة وجهِ من أوجهِ علم الإنسانِ التكوينيِّ قد درِسَ، بتفصيلٍ، في هذا الكتاب.  نعم، كان ذلكَ وجهاً كلاسيكيّاً من أوجهِ العلمِ المعنيِّ (إذ أنّه اتّصل بمشكلة مكان الإنسان في هيكلِ الطبيعةِ وما ينطوي عليه ذلك المكان من قيمة) لكنّه عوملَ، من قبل تيلهارد دي شاردن، بطريقة جديدة. 

 

يهبنا عمل تيلهارد دي شاردن هذا ثمرة تأملاته الشخصية ثم هو، في صورةٍ أخّاذةٍ، يتتبّع، كذلك، "الصعود" النشوئي نحو الإنسان الذي تكمن فيه الأهميّة العظمى لعلم الكونيات التكويني cosmogenesis .

 

ليس الحياة تركيباً صُدفِيّاً لعناصر ماديّة، مُنتَجَاً طارئاً لسيرورةِ تاريخ العالم، وإنّما هي الشّكل الذي تتخّذه المادة حينما تصل درجة معيّنة من التّعقيد.  إنّها تَصِلُنَا- حينذاكَ- بنظامٍ جديدٍ هو "البايوسفير" المتّصف بسماتٍ خاصّة.  إنّ البايوسفير ليس له أن يتهيّأ لناظره على أنّه صورة مكانيّة، مجرّد غلاف متقاطع، دائريّاً، مع "اللثوفير" و"الهايدروسفير"، إطارٌ ما مُحتَوَشَةً في داخله الحياة وإنّما، على الأوفق، طبقة هيكليّة من كوكبنا، "نظامٌ يمكنُ لنا أن نرى فيهِ الوشائج التي تربط معاً، في داخلِ ذاتِ الدّيناميّة الكونيّة، علمي البيولوجيا والفيزياء وعلم الفلك".

 

ثم أنّ الحياةَ سرعانَ ما تُظهر أحد منازعها الأساسيّة، وهو ذلك المنزع نحو التّشعّب آناء تقدّمها على سبيلها.  وفي هذا السّياقِ فإنه ما من كاتبٍ آخرٍ غير تيلهارد دي شاردن قد أبرزَ لنا، مثل تيلهارد دي شاردن، أهميّةَ فكرةِ "خطِّ الإنحدارِ السّلاليِّ" أو "شعبة التّصنيف السّلالي" التي هي الوحدة الأوّليّة الحقيقية للبايوسفير.  هذه الشعبة، أو الوحدة، تُحوِّلُ نفسها، بدورها، إلى جمهرةٍ من "خطوطِ الإنحدارِ السُّلاليِّ" فتتمثّلُ، بذلكَ، على هيئةِ هيكلٍ نسيجي.  فضلاً عن ذلكَ لا تستمرُّ الحياةُ، أبداً، لزمانٍ طويلٍ، على ذاتِ الإتّجاه، فعاجلاً أو آجلاً كلُّ خطٍّ من تلك الخطوطِ معرّضٌ لأن يُبَدَّلَ، ثمّ أيضاً يُطَوَّلَ لحدٍّ ما، بفعلِ نشوءِ خطٍّ جانبيٍّ بحيثُ أنّ الهيكلَ النّسيجيَّ للبايوسفير يبدو، في نفسِ الوقتِ، وكأنّه- أيضاً- هيكلاً مُدَرّجَاً كالحرافيش. 

 

عندَ النّظرةِ الأولى قد يعطي هذا النّمُوُّ الغابيُّ للحياة، لرائييهِ، انطباعَ تنوّعٍ معقّدٍ يستعصي على التّحليل، إنطباعَ وفرةٍ يستحيلُ، إزاءها، اكتشافَ أيِّ نظامٍ طبيعي.  وفي واحدٍ من تلك الأفرعِ المركّبة، إثر تحوّرٍ شبيهٍ بكلِّ التّحوّراتِ (التحوّلاتِ) الأخرى، ظهر الإنسان لذا نحن هنا نستطيع أن نتخيّلَ أنّ سيادته التي حاز عليها بتدرّجٍ بطيءٍ لم تكن أكثرَ من صدفةٍ حياتيّةٍ طارئة. 

 

هل هذه، على كلٍّ، هي الصّورة الحقيقيّة للظاهرة المعنيّة؟  أليس هنالكَ، في كلِّ ذلكَ التّكاثُرِ والتّفرُّعِ، خطوطُ نشوءٍ بذاتها مُفضّلَةً على الأخرى؟  إلى أيِّ حدٍّ، على كُلٍّ حالٍ، يكن مُبَرّراً لنا أن نُدخل، في سياقِ مشكلةٍ كهذه، فكرةَ أو تصوُّرَ، القيمة؟  تلك هي الأسئلة التي يجيبُ عليها تيلهارد دي شاردن.     

 

بدءاً من مستوىً معيّن من التّعقيد تصير المادة "مُحَيْوَيَة" ثمّ، عند هذا الحيث، تبدأ صفات جديدة في البروز.  بعض تلك الصفات، مثل التمثّل وإعادة التّوليد، ستنوجد أيضاً، عمليّاً وبذاتِ الهيئةِ، في السّلسلةِ العظيمةِ المشتملةِ على الحيوانات المَتْزَوِيَّة (أي ذات الخلايا الكثيرة).  من الناحيةِ الأخرى تستجلبُ النَّفْسَنَةُ- في عهدٍ يمتدّ، في ماضويّتهِ، إلى مجالٍ تحت-إنسانويّة- عاملاً تراتُبيّاً، مقياساً لدرجاتِ توهّج الحيويّة.    

 

إنّ تكثُّف النَّفسَنَةِ هو الذي يُفرّق ما بين خطّي الإنحدار السّلالي الأساسيّين للحيوانات المَتزَوِيّة (ذات الخلايا الكثيرة)- وهما خطّي الآرثروبودِيّات (المَفصليّات) والفقاريّات- بحيثُ تكن الآرثروبوديّات مُطوّرةً أكثرَ عندَ جهةِ الغريزةِ فيما تُطوّر الفقاريّات أكثرَ عند جهةِ الذّكاء. 

 

عبر كلّ خطّ انحدارِ الفقاريّات- الذي هو الوحيد الذي يهمّنا هنا من وجهة نظر الأنثروبولوجيا التّكوينيّة- نحن نرى زيادةً في الذّهنَنَةِ، بدءاً بالأسماكِ وانتهاءاً بالثّديَّات.  وفي داخل المجموعة الأخيرةِ هنالك مجموعة واحدة تُحظى- من حيثُ ذاتِ وجهةِ النّظر- بالأسبقيّةِ على المجموعاتِ الأخرياتِ وهي مجموعة الثَّدِيَّاتِ العليا.  تلكَ تُمثّلُ محوراً مشمولاً برعايةِ خاصّةٍ من محاور النّشوءِ والإرتقاء.  في ذاتِ الحينِ فإنّ ذلك "الجّهد" الذي تبذله الحياة، عند مجالي تفرعاتها المختلفة، كي تسعى به نحو الذّهنَنَة يأتي، عاجلاً أو آجلاً، إلى محطّةِ وقوفٍ وذلكَ بعلّةِ فشل النّفسَنَة في عبورِ العتبةِ الفاصلةِ بينها وبين الوعيِ التّأمّلي.  فقط في حالة الإنسان يستطيع "الوعي أن يجذب السّلسلة" ففي الإنسان يجد مطمح ظاهرة الحياة تعبيره الأكمل.  ورغم انتفاء انقطاع الإستمراريّة فيما بين الإنسان وما قبله إلا أنّ وصولَ الإنسان وبروزه في ساحة الطبيعة يُوسمُ الحياةَ بمستوىً جديدٍ تماماً ومُساوٍ، في أهمّيّتِهِ، لذاكَ الذي مثّله ظهور الحياةِ نفسها وقد نُعرّف ذاك المستوى الجّديد بأنّه تأسيسُ إسفيرٍ (مجالٍ) مُفكّرٍ في كوكَبِنَا منطبعاً على، أو فوق، الإسفير البايولوجي (البايوسفير) وهو النّوسفير.  إنّه لفي هذا يبلغ جُهد الذّهنَنَةِ الشّاسعِ الذي بدأ في عهدِ الأرضِ الطّفلةِ تحقّقه فيُمعِنُ في اتّجاهِ التّنظيمِ الجّمعيِّ أو المُجتَمَعِيّة.

 

في الجّزءِ الأخيرِ من هذا الكتابِ قد يبدو تيلهارد دي شاردن، بصورةٍ جليّةٍ، كاتِبَاً، بالفعلِ، مثلما يكتُبُ فيلسوفٌ وليس عالم.  عليه فإنّ كثيرينَ ممّن أُعجِبُوا بتفسيرهِ، كبالونتولوجست (كعالم إحاثة)، لسيرورةِ تطوّرِ العالمِ الحيِّ قد يجدونَ صعوبةً في متابعةِ ما يُبدِعه من رؤيا مستقبليّة.  لكنّا نقولُ إنّه ما من أحدٍ، على كُلٍّ، سيفشلُ في أن يُؤخَذَ، في تيلهارد دي شاردن، بقُوّةِ وجلاءِ فكرِ وتمكّنِ أحدٍ من أعظمِ العقولِ التي عرفها العالم.

 

جين بيفيتو Jean Piveteau   

 

إشارة

 

كما يُوضّح العنوان فإنّ ما يلي لا يزعمُ، أبداً، أنّه يقدّم تعريفاً شاملاً للإنسانِ فهو، ببساطةٍ، محاولةٌ لتبيانِ ملامحهِ "الظّاهراتيّة" وذلكَ بقدرِ كونِ ما هو إنسانيٌّ (كما هومرئيٌّ ممّا يلينا نحنُ، سُكّانُ الأرض) مشروعٌ له أن يُعاملَ، من قِبلِ العلمِ، كامتدادٍ ونقطةِ تتويجٍ- مؤقّتةٍ، على كلّ حالٍ- لما هو حيٌّ. 

 

إنّ هدف هذا العمل الذي هو بين أيديكم لمحدودٍ جداً، فهو منطوى على محاولة لتعريف تجربي لاستمراريّة ما هو إنسانيُّ خلل التحديد البنيوي (الهيكلي) والتاريخي لموقعه الحاضر وهيئة علاقته بشكول الحياة الأخرى المُتَّخَذَة، فيما حولنا وعبر سيرورة العصور، من قشبلِ مادّةِ الكون.  كما وأنّ غرض ذات العمل محدود، كذلك، من جهةِ فترته ومداه.  لكن ما هو مثير، على نحوٍ مطلقٍ، بشأنهِ هو أنّه، إن لم أكن مخطئاً، يسمح لنا ببلوغِ موضعٍ مُمَيّزٍ نرى (نحس) من عندهِ، بشعورٍ عميقٍ، أنّه إن لم يعد الإنسان (كما يُستطاع أن يُتصوّر سابقاً) المركز الثابت لعالمٍ سابقِ الإكتمالِ والتّمامِ فإنّه، من الجّهةِ الأخرى، سينزع، منذ الآنَ فصاعداً، إلى أن يُمثّل، في تجربتنا، عينَ البُرعمِ الجّديد القائدِ لكونٍ هو، على التّوازي، في حالِ عمليّتَي "تعقيدٍ" و"تركيبيّةٍ" ماديّةٍ واستبطانيّةٍ نَفسَانيَّةٍ متواصلتي التّسارع.

 

إنّ تلكَ لرؤيا حريٌّ أَثرها بأن يَهُزَّ عقولنا بقوّةٍ هي من الشّدّةِ بحيثُ أنّها تُرَفِّع، إلى مستوىً أسمىً، أو هي- بالفعلِ- تُثَوِّر، فلسفتنا عن الوجود.

 

تيلهارد دي شاردن، باريس، 15 يناير، 1950.

 

مدخل

 

كما يُظهر العنوان يسعى هذا الكتاب على سبيلِ دراسةِ هيكل المجموعةِ الأحيائيّة الإنسانيّة والإتّجاهات النّشوئيّة التي تتّبعها.  وذلك، ببساطة، هو سبيل آخر لتقديم المشكلة الكلاسيكيّة الخاصّة بـ"مكان الإنسان في الطّبيعة" ومن ثمَّ هو محاولة جديدة لحلّها.

 

مكان الإنسان في الطّبيعة؟  قد نتساءل مليّاً، كيف أنّه، مع تقدّمِ العلمِ، تصير هذه المسألة، باستمرار، أكثر أهميّةً وفتنةً بالنّسبةِ لنا......  لا شكَّ في أنَّ مَرَدَّ ذلكَ هو، في المقامِ الأوّلِ، سببٌ أزليٌّ، ومُطلق الذّاتيّة (لذا هو مشتبه به على نحوٍ ما)، مُتمثّلٌ في أنّ المسألة إيّاها تمسُّ شيئاً قريباً جدّاً منّا وذلكم هو، على التّعيينِ، أنفسنا.  فضلاً عن ذلكَ (وليس هنا ثمة إيحاءٍ بنقطةِ ضعفٍ فينا أو تحيّزٍ أنثروبولوجيٍّ ما) نحن، على كلِّ حالٍ، نازعونَ، حاليّاً، إلى التّأمّلِ في تلكَ المسألةِ بسببِ أنّنا بادئونَ، الآنَ، في التّحقّقِ العقلانيِّ- وتلك هي ثمرة مباشرة لمعظم التّطوّراتِ الحديثةِ في معرفتنا- من أنّ الإنسان يحتلُّ وضعاً مِفتاحيّاً في العالم، وضعاً يمكن له أن يُوصفَ بأنّه أساسيٌّ، قُطبيٌّ ومركزي.  ويبلغ ما ذهبنا إليهِ هنا شأواً بعيداً من الصّحّة بحيثُ أنّنا إن نُريد- نحن- أن نفهم العالم سيكن كافياً لنا، حينذاك، أن نفهم الإنسان، بل ونزيد القولِ (هنا أيضاً) إنّ الكونَ، كذلكَ، سيبقى خارج حدودِ قهمنا إن نحنُ ما كنّا قادرين على أن نُولج، بانسجامٍ ودونَ تشويه أو "تفكيك"، الإنسانَ، بجماعِهِ، في كيانهِ.  إنّ الإنسانَ بتمامهِ- أقول هنا بتوكيدٍ مقصودٍ- لا يشتمل فقط على أعضائهِ الجّسديّةِ وإنّما، كذلكَ، على فكره.

 

سنكونُ، قطعاً، مَعمِيِّينَ جدّاً بقربِ بروزِ ظاهرةِ الإنسانِ (التي نحنُ منغمسون فيها) بحيثُ لا ننطوي على وعيٍ أكثرَ حيويّةً بكيف أنّ ذلكَ "الحدث"- حتّى ولو هو رؤيَ فقط من جهةِ طبيعته الظّاهريّة- إنّما هو، في الحقِّ، حدثٌ باهر الفرادة. 

 

إنّ الإنسانَ، في مظهرهِ الخارجيِّ، "نوع"، شأنه في ذلكَ شأن غُصينٍ، شأنَ نبتةٍ على فرعِ الثّدِيَّات.  لكنّا- مع ذلكَ- نرى، في تلكَ "النّبتةِ"، ازدهاراً بخصائصٍ بايولوجيّةٍ معجزةٍ تماماً.  هو- الإنسانُ- شيءٌ عاديٌّ في هيئتهِ البَرّانِيّةِ.  لكنّه، مع ذلكَ، مجذوبٌ إلى آفاقٍ قائمةٍ وراءَ حتّى الذي هو غير عادي......  ولأنّ "المادّة المؤنسنة" (التي هي الموضوع المباشر الوحيد للإهتمامِ العلميِّ) قد كانت قادرةً على أن تجلب، بعنفوانها، كلّ تلك الآثار بعيدةَ المدى والمتمثّلة في غزوِ وتبديلِ كلِّ ذلكَ الذي يحيطُ بها فإنّها ينبغي عليها، حقّاً وكذلكَ، أن تحتوي في داخلِ ذاتِها على قوّةٍ مُعجزةٍ؛ ينبغي عليها أن تكن هي الحياةَ نفسها آنما تكون الحياةُ مُساقةً إلى حدّها الأقصى؛ ثمّ هي ينبغي عليها، بقولٍ آخرٍ، أن تُمثّل، عند منتهاها، مادّة الكون في أقصى أشكالِ اكتمالٍ وتمامِ تحقّقٍ مُدركَةً لجماعِ تجربتنا الإنسانيّة.  وعندما نذكر أنه، خلال عهدٍ كاملٍ من العهود الأولى للمعرفة العلميّة اشتمل- عمليّاً- على كلّ القرنِ التاسع عشر الميلادي، كان الإنسانُ ذا قدرةٍ على اختبارِ عوالمٍ أخرى دون أن يبدو، أبداً، مُنشَدِهَاً إزاءَ "حقيقةِ" نفسهِ ذاتها ألا يُودِي ذلك بنا إلى إلى أن نقرّ بأننا في هذا السّياقِ بالذّاتِ (ودونَ غيرهِ من السّياقاتِ) إزاءَ حالةٍ منذرةٍ لنا بالوقوعِ في خطرِ (خطأ) رؤيةِ الأشجارِ وهي مُخفيَةً عنّا الغابة، أو الأمواج وهي مُخفيةً عنّا جلالَ البحرِ المحيط؟ 

 

كثيراً ما يبدو لنا الجّنسُ البشريٌّ، آنما هو يُنظر إليهِ من مسافةٍ مفرطةٍ في القربِ- أي من حيثُ (فحسب) الرّتبةِ المكانيّةِ والزّمانيّةِ الفنائيّةِ لحيواتنا الفرديّة- مجرّد حركةٍ ضخمةٍ، مُضطربةٍ ومتكررةٍ حول بقعةٍ واحدة.  لكنّي، في الخمسةِ فصولٍ الآتيةِ، سأسعى إلى أن أُظهر كيف أنّه من الممكنِ لنا، إن نحن ننظر إلى الأشياءِ من موقعٍ رفيعٍ بما يُكفي، أن نرى اختلاط التفاصيل الذي نظنُّ أنّه مُلقٍ بنا في التّيهِ ينمزج (أو يمتزج) في عمليّةٍ عضويّةٍ واحدةٍ، شاسعةٍ وذاتِ مغزىً واتّجاهٍ بحيثُ أنّ كلَّ واحدٍ منّا يلقى لنفسهِ فيها مكاناً قد نقرُّ بأنّه ضئيلٌ و"ذرّيٌّ" لكنّنا، في ذاتِ الوقتِ، نُدركُ أنّه فريد ولا يُستبدل......!  إنّ الشّأنَ هنا هو شأنُ الإنسانِ آنما هو يُصَيِّرُ التّاريخَ ذا معنىً- الإنسانُ، ذلكَ الباروميتر المطلق النّشوء والإرتقاء.

 

إنّها لخمسةَ فصولٍ- قد قلت.  لذا هي مُصاغةٌ على هيئةِ خمس درجات، خمس مراحل منتقاة لتُعطي وتُصوّر مشهد "الأنثروبوجينيسس" العظيم ومعنونةً أجزاؤها كما يلي:-

1.      مكان وأهميّة الحياة في الكون:- عالمٌ مُلتفٌّ على ذاتهِ.

2.       إنتشارُ البايوسفير وانفراق المفصليّات.

3.       ظهور الإنسان أو "مُستَهَلُّ الفِكر".

4.       تَشَكُّل النّوسفير:-

أ‌.       مرحلة الإنفساح:- الحضارة والفَرْدَنَة.

5.      تَشَكُّل  النّوسفير:-

        ب. مرحلة الإنضغاط:- الشَّمْلَنَة والشَّخْصَنَة.

 

الآنَ علينا أن نسعى على سبيلِ تمحيصٍ مُفصّلٍ وأوفى لهذه المسائل الخمس، متناولينَ كُلاًّ منها على حدة. 

 

تيلهارد دي شاردن

 

* دي شاردن، تيلهارد، مكان الإنسان في الطّبيعة (المجموعة الأحيائيّة الإنسانيّة)، ترجمة:- رينيه هيقوب Rene Hagub، دار كولنز للنّشر (فاونت بيبر باكس)، الطّبعة الثالثة، قلاسقو Glasgow، مارس 1977.    


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

ترجمات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • المتصوّفون الضّاحكون*/تحريرُ وترجمة:- إبراهيم جعفر
  • اسقاط النظام في ثلاثة أيام!!!
  • روبرت فيسك: ثمة أشياء لم اكتبها بعد !/ترجمة معتصم كدكي
  • fuzzy wuzzy للشاعر الإنجليزي روديارد كبلنج /عبد المنعم خليفة خوجلي
  • لماذا يجب ان يكون الرفيق سلفاكير ميارديت رئيساً للسودان فى 2009 /إزيكيل جاتكوث
  • دكتور: بشير عمر محمد فضل الله – كأحد الخمسمائة زعيم عالمي للقرن الجديد – ترجمة وتقديم : بقادى الحاج أحمد
  • رئيس حركة تحرير السودان يصبح محط أنظار الكثيرين في الوقت الذي يصاب فيه رئيس جمهورية السودان بالهلع و الذعر./بقلم / إستيف باترينو- من صحيفة سودان تريبيون الإكترونية ترجمة- حجرين جاموس
  • المدعي العام لمحكمة الجزاء الذي يريد احضار البشير للعدالة مطالب بالاستقالة ( الديلي تلغراف)/ترجمة مصعب الأمين
  • من هو أوكامبو عبدالله يوسف عبد الله
  • رحيل الماشية وعودتها في بوروندي 1/2 من كتاب: الأدب في أفريقيا- القسم الخامس- النثر المكتوب- أعداد: بقادى الحاج احمد
  • دارفور .... حقيقة أم خيال بواسطة البرفيسور آنن يارتلت /ترجمة / محمد سليمان.
  • تيلهارد دي شاردن: "مكان الإنسان في الطّبيعة"*: مقدّمة وفاتحة وإشارة ومدخل [ترجمة: إبراهيم جعفر].
  • تـقريــر "فـرنسـا والـعولـمة" ترجمة وعرض : مؤيد شريف
  • الفصل بين الأولاد و البنات في التعليم العام* ترجمها بتصرف: محمد عربان
  • أورويل في البيت الأبيض!* أنيتا رَوْدِك**ْ
  • السُّكونُ يُضيءُ عزلةَ الموتْ شعر- عبد المنعم عوض/Translated by: Ibrahim Jaffar
  • قصة الدبدوب السوداني تكشف عقدة الدونية الإسلامية* وليد علي ** ترجمة محمد عثمان ابراهيم
  • بيتر شيني*:- أحد روّاد الآركيولوجيا الأفريقية الأوائل*/بقلم:- بيتر كلارك/ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • بيتر هولت.. مؤرِّخ الشََّرق الأوسط والسُّودان-ترجمة الدكتور عمر مصطفى شركيان
  • أهل الخير يمارسون الشر في دارفور/آرلين غيتز*-ترجمة : محمد عثمان ابراهيم
  • من دفاتر المخابرات : أوراق الأحمق/جوناثان بيقينس-ترجمة : محمد عثمان ابراهيم
  • كيف ضل الغرب مالكوم فرايزر*/ترجمة : محمد عثمان ابراهيم
  • الراهب الباطني*/ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • فصل من كتاب ** التنمية كاستعمار للكاتب Edward Goldsmith ترجمها عن الانجليزية أحمد الأمين أحمد و حنان بابكر محمد
  • صدقُ الحائر:- حالُ "الحيرةِ" ما بين دريدا وابن عربي...* بقلم:- إيان ألموند/ترجمه عن اللغةِ الإنجليزيّة:- إبراهيم جعفر
  • سياسة التعريب في ( تُلس ) كما وصفتها صحيفة اللوس انجلز تايمز/سارة عيسي
  • "لا أحدَ أنشأَأفلاماً مثله"* [إهداء الترجمة:- إلى الصديق العزيز والناقد السينمائي الأستاذ:- محمد المصطفى الامين]./ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • صحيفة /القارديان/ البريطانية تنعى السينمائيّ السويدي انقمار بيرقمان/ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • خللَ زُجاجٍ؛ بوضوح:- رحيل انقمار بيرقمان (ترجمة:- إبراهيم جعفر)
  • البــدو (المجاي/ البجا) والفراعـنـة بقـلــم : روبـــرت بيـــرج/ترجمة / محمد جعفر أبوبكر
  • صحيفة "القارديان" البريطانية تنعي سمبين عثمان*/(ترجمة:- إبراهيم جعفر).
  • دارفور: لعبة التسميات* بقلم بروفسير محمود مامدانى /ترجمة الصديق الأمين
  • بحوث تستكشف التخلص من شبكة الانترنت الحالية لصالح أخري حديثة /ترجمة د./ عباس محمد حسن
  • العلماء يقتربون من صنع قناع (عباءة) الإخفاء/ترجمة د./ عبـاس محمد حسن
  • دارفور وسيناريوهات مجلس الأمن ../متابعة وترجمة واستخلاص : توفيق منصور (أبو مي)
  • الثقافه والإعلام فى المجتمع البريطاني المعاصر/ترجمه : أحمد الأمين أحمد..
  • فصل من كتاب: ملامح من المجتمع البريطاني المعاصر/ترجمة:أحمد الأمين أحمد
  • بمناسبة يوم المرأة العالمي: تصوير المرأة في روايات الكاتب النيجيري Chinua Achebe /ترجمة : أحمد الأمين أحمد
  • الجزء الأول من رد الدكتور كول جوك للأستاذ/السنجك/ترجمة : سارة عيسي