صوت من لا صوت له وطن من لا وطن له
الصفحة الرئيسية  English
المنبر العام
اخر الاخبار
اخبار الجاليات
اخبار رياضية و فنية
تقارير
حـــوار
أعلن معنا
بيانات صحفية
مقالات و تحليلات
بريـد القــراء
ترجمات
قصة و شعر
البوم صور
دليل الخريجين
  أغانى سودانية
صور مختارة
  منتدى الانترنت
  دليل الأصدقاء
  اجتماعيات
  نادى القلم السودانى
  الارشيف و المكتبات
  الجرائد العربية
  مواقع سودانية
  مواضيع توثيقية
  ارشيف الاخبار 2006
  ارشيف بيانات 2006
  ارشيف مقالات 2006
  ارشيف اخبار 2005
  ارشيف بيانات 2005
  ارشيف مقالات 2005
  ارشيف الاخبار 2004
  Sudanese News
  Sudanese Music
  اتصل بنا
ابحث

مقالات و تحليلات : ترجمات English Page Last Updated: Jul 11th, 2011 - 15:37:55


صدقُ الحائر:- حالُ "الحيرةِ" ما بين دريدا وابن عربي...* بقلم:- إيان ألموند/ترجمه عن اللغةِ الإنجليزيّة:- إبراهيم جعفر
Aug 23, 2007, 15:08

سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com

ارسل الموضوع لصديق
 نسخة سهلة الطبع

صدقُ الحائر:- حالُ "الحيرةِ" ما بين دريدا وابن عربي...*

 

                                   بقلم:- إيان ألموند

(أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة البسفور، استانبول- تركيا)

                      [ترجمه عن اللغةِ الإنجليزيّة:- إبراهيم جعفر]. 

 

***

 

إهداء الترجمة:-

 

إلى الصديق العزيز:- مولاّنا محمد علي نقد، الذي واتاني بهذا المقال المركّب، المميّز وتحدّى به قدرتي على إيصاله لقارئي، في داخلِ نسجِ لغةٍ أخرى غير التي كتب بها أصلاً، ولْيَكُنْ على محبّة!......

 

إبراهيم جعفر.

 

شكر وعرفان:-

 

الشكر والعرفان، على التعيينِ، للأصدقاء د. نجاة محمد علي، الأُستاذ عادل عثمان والشاعر المنماز حافظ خير (المحرّر المُدقّق) على عونهم الهميم لي، خلل "المنبر الديمقراطي" في موقع "سودان للجميعwww.sudan-forall.org " الإلكتروني، على العثور على مقابل الشيخ محيي الدين ابن عربي، في الفتوحات المكيّة، لهذه الترجمة الإنجليزية لجملةٍ من جمله:-

 

Were he to come out of a thing, it would cease to be.

 And were he to be within a thing, it would cease to be.

 

إبراهيم جعفر.

 

*************************************************

سأتدبّرُ، في هذا المقال، شأنَ المنحى الإيجابيّ الذي انفتَح به كلٌّ من العارف الشيخ محيي الدين ابن عربي وجاك دريدا على فكرةِ "الحيرة".  في شوف ابن عربي تكن "الحيرةُُُُُ" تمهيداً للقاءِ الحقيقيِِِِِّ.  إذا كانت الإنشاءات والتراكيب العقلانية عقبات على سبيل تواصلنا العارف مع الله [أو، "الألوهة"، بالأحرى- المترجم]، كما وإذا كانت الحيرة هي ما يُعجز ملكاتنا العقلانية فإنّ الحيرةَ، بمقتضى ذلك، لا تُعدّ إشارةً إلى الفشل (الإنكسارِ) الرّوحيّ والزّعزعة، بل إمكانَ معرفةٍ أحقَّ بالله.  سأنظُرُ، فيما يخصّ مقارنتي هذه، في ما قد سبقَ لدريدا من كتابةٍ عن tout autre، عن كيف أنّنا لا نَسْتَبْصِرُ حقّاً شأن الآخر إن لم تكُنْ حقّاً ملتبسةً علينا السّبلْ.  ذلكم لأنّهُ، رُغمَ تَفارُقِ هيئةِ اللّغةِ، عند كلٍّ من التّفكيكيِّ والصّوفيِّ، تظلّ النقطةُ الأساسيّةُ واحدةْ: آنما نكونُ على التباسٍ نرى أشياءَ تفتقرُ إلى ’عِيانِها‘ آنما نظنّ أنّنا على معرفةٍ بما نكُنْ فاعلينْ؛ نرى اختلاف الإختلاف.

 

أنا لا أثقُ بكلّ بُناةِ الأنظمةِ النّسقيّةِ و أتجنّبهُم.  إنّ إرادةَ بناءِ الأنظمةِ والأنساقِ هي نقصٌ في التّكامُل.

 

نيتشة، غسقُ الأوثان

 

[يا ربّي] زِدْنِي فيكَ تحيّراً...

 

الشيخ محيي الدين ابن عربي، فصوص الحكم

 

تأخذنا الحيرةُ حينما نُدركُ أنَّ ملكاتنا العقلانيّة ليست كافيةً لفهمِ جارياتِ الأمورْ.  ذلكم حينما تكونُ تلكَ الجّارياتُ قد وقعتْ في لغةٍ لا تتحدّثها ملكاتُنا العقليّةْ.  فعلى معنىً ما تقع الحيرةُ بـ"سببِ" عقلانيّتنا، بعلّةِ تشبّثنا بشيءٍ مُعْمٍ لنا عن "الوضعيّةِ الحقيقيّةِ" للوجُودْ.  ما سيُمتَحَنُ في هذه الدّراسةِ هو تشوّقٌ بعينهِ إلى "التّحيّرِ" بادٍ في الفكرِ الصّوفيِّ والتّفكيكيِّ معاً؛ تصوّرٌ لـ"الحيرةِ" على على أنّها إمكانٌ أكثرَ خلُوصَاً للإنفتاحِ على الحقيقةْ.  إنّ كلماتٌ مثل "اللّبس" و"الحيرة" تُمكّنُنا من لمحِ ثريدِ فكرٍ شبيهٍ ما بين دريدا والمفكّر الإستسراريِّ الصّوفيِّ ابن عربي (1165-1240).  وذلكم هو التّوكيدُ على الإختلاطِ (اللّبْسِ) على أنّهُ حالٌ صعبٌ، شُجاعٌ ومَصْبُوٌّ إليهِ...

 

لأولئكَ الذين ليسوا على إلفةٍ مع مُفكّرِ القرنِ الثّالث عشرْ العربيِّ-الإسبانيِّ محيي الدين ابن عربي (الذي شُهِرَ باسمِ "الشّيخِ الأكبر") نقولُ إنّهُ يُمثّلُ هيئةً محوريّةً في تاريخ الفكر الإسلامي.  ورُغمَ أنّ عمله الفلسفي، الذي هو تقطيرٌ مُركّبٌ ومُنماز الفرادة (الأصالة) للفكر الإفلاطونيّ المُحدث والروحانيّة الإسلاميّة الباكرة، قد أُنْشِئَ من ما يربو على عدّةِ آلافٍ من العناوينِ إلاّ أنّ كتابهُ الضّخم الفتوحات المكّيّة ومؤلّفهُ الأقصر كثيراً، بيد أنّه أوغلَ في معرفة الخواص (المُصطفينْ)، فصوص الحكم هما النّصّان اللّذان اشتُشهِدَ بهما وتُرجما أكثرَ من خِلافِهِمَا.  ويُحسبُ مدى تأثر  ابن عربي، الذي كثيراً ما نُظِرَ إليهِ في على أنّه ماستر إيكهارت إسلامي، على العالمِ الإسلاميّ في القرون التي تلت وفاته مُقاربَاً، في الحقِّ، لذاكَ الذي انماز به توماس أكوايناس (توما لاكويني)، بل أنّ مفكّرين أوربيّين من أمثالِ آسن بلاسيوس قد مدّوا أثرَ الشّيخِ الفِكريِّ بعيداً حتّى بلغوا به دانتي.  وتلكُمُ فكرةٌ تهكّمَ منها، أو بها، الرّوائيُّ التّركيُّ أورهان ياموك في روايته الموسومة الكتاب الأسود.  لكنْ تظلُّ قائمةً حقيقةُ أنّ تحفّظات ابن عربي، مَثلُهَا في ذلك مَثَلُ تحفّظات ماستر إيكهارتْ، بشأنِ العقلِ والتّفكيرِ العقلانيِّ (الذّهنانيِّ) آنما يُولجُ ذينكُما في أمرِ الحديثِ عن ذاكّ الّذي ’يندُّ عن الحديث‘ تحملُ معها بعضَ تضميناتٍ تبدو، ويا للدّهشة!، مألوفةً لديّ قُرّاءِ النّظريّة المعاصرةْ.

 

لا يبدو أيٌّ من ابن عربي وجاك دريدا على هيئة الخائف من الحيرة أو، على الأدقِّ، التّحيّر.  فلئن يكن الشأن هنا هو شأن تلك "الآفاق السّيموطيقيّة المتفجّرة"، على نحوٍ ديموميٍّ، من النّصِّ المنبثِّ (دريدا a1987،45)، أو هو شأن الهدى الذي يعني حال المرء إذ "يُهدى إلى الحيرة" (عفيفي: 200؛ أوستن 1980: 254)، أو شأن "قبول الاتساق اللاّ متّسق" (دريدا 1987: 224؛ أنظر باس: 151)، أو هو شأن ذاك الإله الذي هو، معاً، في كلّ مكان وفي لا مكان يظلّ دريدا وابن عربي، معاً، مُفارقَيْنَ لتقليدٍ فلسفيٍّ وقرآنِيٍّ يرى الإلتباسَ شيئاً مرادفاً للخطأ، الفشل، اللاحقيقة والخطيئة. 

 

رُؤِيَ الإلتباسُ، في الغرب، على نحوٍ دجائمٍ تقريباً، على أنّه "مشكلة" الفلسفة...  ويُلخّص وتقينشتايِنْ تلك الفكرة على أفضلِ وجهٍ إذ يقول: "يعمهُ الفيلسوفُ في انفلاتِهِ، صارخاً بقلّةِ حيلةٍ، حتّى يأتي إلى قلبِ التباسِهِ" (كيني: 271).  ولئن يكن الأمرث هو أمرُ رغبةِ اسبينوزا في أن يفهم طبيعة الأفعال الإنسانيّة، أو أمر مشروع ديكارت الآمل في الغَلَبَةِ على قلقِ ارتيابهِ الخاص يبقى خوفٌ من الإختلافِ والشّكِّ، دوماً، هو القوّة الدافعة القائمة خلف معظم المشاريع الفلسفيّة...  بذاتِ المعنى السالب فُهمتْ كلمة "الإلتباس" (الإختلاف، الإنبهام) في الفلسفة الإسلاميّة حيث وُصفَ الإختلاطُ بانّهُ رديفٌ لأيِّ حالٍ من الإرتدادِ العقليِّ أو الرّوحي، أو لعدم القدرةِ على فهمِ إرادةِ اللهِ، أو قٌلْ هو، عندهم، عاقبة قصور همّة المرء إزاءَ فعلِ ذلك.  ولعلّ ذاكَ النّوعُ من الإختلاط فيه شبهٌ من الإختلاط الذي شعر به عينُ القضاةِ الحمدانيّ قبل قراءته، أخيراً، لمؤلفات الإمام الغزالي :- "كان قلبي بحراً موّاراً بدونِ شاطئينٍ غُمِرَتْ فيهِ كلُّ الغاياتِ والبداياتْ" (ناصر وليمان: 115)...  يصرّ ابن تيميه، في مُقدّماتِ التّفسير، على أنّ النّبيَّ قد أُرسلَ ليُبيّنَ، بجلاءٍ، أيَّ شيءٍ نبغي معرفته (ناصر وليمان: 390).  إن يُسلّم بهذه المقدّمة يكُن ثمةُ مفرٍّ من أن يَتّخذَ ’الإختلاطُ‘ (اللّبسُ)، في الإسلامِ، معنىً سلبيّاً تقعُ تَبِعَتُهُ على أولئكَ الذين لا يستطيعون، أو لا يشاؤونَ، أن يفهوما.  عليهِ يكُن اللهُ، رغم كونه الهادي للمهتدين، المضلّ أيضاً للفاسقين إذ هو يُشتّت ويُبهت اولئكَ الذين يعرضونَ عن رشادهِ ويتّبّعونَ الشّر.  وحقيقةُ أنّ ابن عربي يجرؤ على أخذِ "موتيفةٍ" قرآنيّةٍ (دعكَ من كونِها إنجيليّةِ كذلك) أُنموذجيّةٍ كـ"اللّبس" (الإختلاط) ويُفعمُها بمعنىً إيجابيِّ- لحدّ اعتبارِ الحيرةِ هبةً من اللهِ للعبد- لا تشهدُ، فحسب، على أصالةِ الشّيخِ الجّسورةِ وإنّما هي تدلُّ، كذلكَ، على مدى الرّاديكاليّة الذي لا يخشى الشّيخُ بلوغهُ في إعادةِ تفسيرهِ (أو تأويلهِ) لآيٍ من القرآنِ الكريمِ مثل سورة نُوح.  إنّ إعادةَ تفاسيرِهِ تلكَ (أو تآويلِهِ)، كما سنرى، سوف تستدعي مساءلةَ بعضٍ من المزاعمِ المألوفةِ- التي تتموضعُ في مركزِ الفِكرِ الإسلاميِّ الشّائع- عن كونِ ابن عربي كان، في أصلهِ، "أرثوذوكسيّاً" و"تقليديّاً" (ربّما كان محمود الغُراب، الذي يرى في ابن عربي ليس فقط امرئً سلفيّاً وإنّما، كذلكَ، "مرآةً محمّديّةً بالغةَ الجّلاءِ، التّناسبِ والإستواء، هو الساند الرئيس لهذا الرأي- أنظر: هِرْتنشتايِنْ وتيرنان: 224).

 

 

التّفكيك، حلّ العقد، إحباط الانظمة

 

ثمةُ شيءٍ سلبيٍّ مضمرٍ في كلمة "تفكيك".  ذلكم رغم أنّ دريدا اقترح، في بعضِ كتاباته، "اللانمذجة"de-structuration (مترجما،ً في ذلك، كلمة هايدقر الألمانية destruction) كتعبيرٍ أوفى في إيصالِ حسّ المصطلحِ المعنيِّ (مدقلي: 16).  إنّ تنوّع الصور التي يمدّنا بها دريدا لوصف آثارِ الإختلاف و"التّناثُر" مُحيرٌ/مُلبِسٌ في حدّ ذاتهِ..  إنّ الإختلافَ لفوضَوِيْ.  إنّهُ "يُغري بهدمِ كلّ مملكةٍ" (22:1982)، إنّهُ يندُّ عن كلّ هيئةٍ ويُخلخلُ بُنيتها" (1987أ: 84)، إنّه "يفرطُ عقدَ" النّصِّ، "يُهلهلُ نسجَهُ" (1987أ: 85).  كما وهو "يفجّر الافق السيمانتيكيَّ" لموضوعهِ (1987أ: 45).  تلكَ هي تعبيراتٌ (أو مصطلحاتٌ) تُبيّنُ الطبيعةَ المتناقضةَ لاشتقاقاتِ الكلامِ عن "الإختلاطِ" بما فيهِ من حسِّ تقاطعٍ وافتراقٍ متوازيينْ.  إنّ كلمةَ :الإختلاطَ" تعني، حرفيّاً، "تواثُبَ الأشياءِ معاً".  لكنّنا غالباً ما نستعملُ ذلكَ بمعنىً مخالفٍ لهذا إذ نصفُ به وضعيّةً تحدثث فيها أشياء عديدة في وقتٍ واحد.  الإختلافُ يجعلُ الأشياءَ، في ذاتِ الآنِ، مختلطةً وأكثرَ بساطةً.  إنّه يكسر التراكيبَ إلى جزيّئاتها، يستغني عن التعقيداتِ ويُفكّك البناءات إلى مكوناتها الشّتّى.  لكنّه، في ذاتِ الوقتِ، يجعلُ أيَّ نصٍّ مستعصياً على القراءةِ إذ هُو يُعجزُ حسّهُ الأوّليَّ (الأساسيَّ) كي يُطلقَ منهُ فرطاً من المعاني الثانويّةِ ويُغصبُ عنهُ، بذلكَ، دفّتهُ السيموطيقيّة بحيثُ لا يُمكنُ أن يُقالَ، من بعدِ ذلكَ، عنهُ أنّهُ كان مُبحراً في اتّجاهٍ مخصوصْ. 

 

هذا التأكيدُ على الإختلافdifference، من حيثُ كونهِ شيئاً يُحلحلُ/يُخلخلُ النّصَّ، يشتغلُ، بوضوحٍ، على معنىً ذي صلةٍ بأصولِ كلمةِ نص (التي هي منحدرة من الكلمة اللاتينية textus ، أي قماش)...  إنّ النّصّ قِماشٌ يُهدّدُ الإختلافُ، أبديّاً، بأن يُحلحلَ نسجَهُ.  "إنّ التّشظّي يفتحُ، بلا نهايةٍ، شقّاً في الكتابةِ لا يمكن له، من بعد، أن يُخاطَ كما كان" (دريدا 1972: 26): "le dissemination ouvre, san fin, cet accroc de l'ecriture qui ne se laisse plus recoudre   " .  ليس من عملٍ يمكنُ لهُ أن يهربَ من هذا ’التّرتيق‘، هذا الإمكان الموروث، الحاضر أبداً، لأن يُهلهلَ تَمَامُهُ...  من الشّائقِ هنا أن نذكُرَ أنّ اللفظَ العربيَّ الذي يستعملهُ ابن عربي، بكثرةٍ، للإشارةِ إلى الإيمان (وهو لفظ اعتقاد/عقيدة) يلقى جذر معناهُ في فعلِ توثيقِ عقدةٍ أو ربطِ شيءٍ ما بإحكامْ (جيتيك 1989: 335).  لذا حين يقول ابن عربي كيف أنّ "ما من جماعةٍ إلا وآمنوا بشيءٍ ما، بتصوّرٍ ما، حول الله" فإنّ ما يعنيه، حينذاك، أنّ "ما من جماعةٍ إلا وهي قد عقدت عُقدةً بذاتها حول الله" (جيتيك 1989: 339؛ يحيى: 15.266.1) .  وكون شأن الله هذا يندّ، بالتباسٍ، عن أن يُفكّرَ فيهِ يفُكُّ أيَّ عقدةٍ أُنشئتْ بشأنه، تماماً كما تُخلخلُ/تُحلحلُ حركةُ الإختلافِ، التي تندّ- كذلكَ- عن الفكر، أيَّ نصٍّ داخَلَتْهُ. 

 

رُغم تنوّع الإستعاراتِ التي يعبّر بها دريدا عن معنيي الإختلاف و’التّناثر‘ (التّشظّي) ينبغي ألا يُنسَى أنّ دريدا هنا لا يُشوّشُ (عمداً) النّصّ وإنّما يُظهرُ كيفَ أنَّ النّصَّ، في حدّ ذاتِهِ، سابق التّبلبل والتّشَوّش.  إنّ التّفكيكَ عمليّةٌ كشفيّةٌ وليست تنبيهيّة.  فـ"الإنزياحُ الجّوهريُّ للنّصِّ" (دريدا 1982: 317) يسبقُ أيَّ تدخّلٍ نظريْ.  ذاكَ يعني أنّ النصوصَ تكُنْ، دوماً ومُسبقاً، في حال انزياح.  ولئن يجلب التّفكيكُ فوضى إلى النّصِّ فذلكَ فقط بإظهارِ كيفَ أنّ تلكَ العناصرَ اللامنضبطة في النّص قد كانت، باستمرارٍ، مائجةً ومثابرةً على مشغلةِ انزياحها تحت واجهةٍ هادئةٍ للوحدة والإتّساق.  إنّ الإختلاط واللااستقرار هما الوضعيّة المسبقة لأيِّ نصٍّ، دون اعتبارٍ لما إذا كان ذاك النّصّ قد تمّ تحليله أم لا.  على ذاتِ النّحوِ تسبق، عند ابن عربي، طبيعةُ اللهِ، المحيرةُ جوهريّا،ًأيَّ محاولةٍ، من قِبلِ الأشعريّينَ أو المُعتزلةِ، لقولِ كلامٍ ذي معنىً اتّساقيٍّ عن الله:- "إنَّ اللّه هو جذرُ كُلِّ خلافٍ في المُعتقداتِ في داخلِ الكون" (جيتيك 1989: 338؛ يحيى: 111 . 465 . 25).  هذا يُرينا أنّه لدى دريدا وابن عربيٍّ معاً يبدو الإختلاط والإلتباسُ متقدّماً علىْ، وكائناً تحت،أيِّ محاولةٍ لتشكيل نظامٍ ما.  وفي ذلكُم اعتقادٌ يؤدّى، حتميّاً، إلى تفعيمِ الرّغبةِ (التّوقِ) في (إلى) الإلتباسِ (الإختلاطِ) بعنصرِ صدقٍ وشجاعةٍ (وقد يُذكّرنا هذا بـ"الصّدْقِ- مع- الذّات " النّيْتْشَوِيْ).  تلكَ هي الرّغبةُ لتبصّرِ حالٍ للشؤونِ أكثرَ "حقيقيّةً"، أكثرَ التباساً ولانتفاءِ الإستسلامِ لغوايةِ بناء الأنظمة العقليّة (الفلسفيّة) الكلانيّة.  يُعاينُ هذا التّقريظُ للإلتباس (الإختلاط)، في حالةِ دريدا، بأجلى وضُوحٍ، في مقالِِ كتبه في عام 1985 وسمّاه "Des Tours de Babel"   .

       

مقالُ دريدا عن  بابل Des Tours de Babel

 

يُظهرُعنوانُ المقالةِ المعنيّة- المنطوية ُ على تحليلٍ لمقالةِ بنجامين الشهيرة عن الترجمة والموسومة بـ"مهمّة المترجم"- مُفارقةً جليّةً. (ذلكم مع صرف النّظر التّام عن اللّبس الذي يكتنف عبارة " "Des Toursالواردة في العنوان إيّاه من حيثُ ما عنى بها المؤلف في استعماله لها:  هل هي تعنى، في تخريجه، "بعض خدع"؟  بعضَ بروجِ؟  بعضَ انحرافِ أو انعطاف؟)

 

كان من المتوجّبِ على مقال دريدا حول التّرجمةِ أن يبدأ بحديثٍ عن سفر التكوين (1:11-

9)، عن دمار برج بابل الذي كان، في ذات الحين، إيذاناً بميلادِ المترجم/المفسّر والحدث الإثنولوجيّ الضارب في العراقة الذي جعل الترجمة (المُفسّرةَ) ممكنةً.  إنّ مِن أشدَّ الأشياءِ لفتاً للإنتباهِ المباشر في ذاك المقال (De Tours de Babel) هي تلك الطريقة التي يُعيدُ بها دريدا تفسير حكاية (حدّوتة) بابل، مستخدماً عباراته الخاصة.  فهو يروي، من جديدٍ، تلك القصة الواردة في العهد القديم مثلما قد يفعلُ ذلك مُصنّفٌ  من العصور الوسطى.   لكنّه لا يُمسِّحُ (من "مسيحيّة") الأمورَ هنا كذاكَ، يُركّبُ الفصل المعنيّ من سفر التكوين على هيئةِ ما بعدِ- بُنائيٍّة كي يُحوّلهُ إلى أمثولةٍ تفكيكيّة.   فالجزء 11: 1-9  من سفر التكوين لا يُعدُ هنا مجرّد قصّةٍ عن زهو الإنسان الذي أُحبِطَ كِبَرُهُ بفعل القدرة الكليّة لله وإنّما، كذلك، حكايةً عن بناء ٍ(هيكلٍ) لم يتم، عن مشروعٍ ذي بعدٍ حضاريٍّ (ثقافيٍّ) ولغويٍّ واحدٍ وذي مقاصدٍ كونيّة (عالميّة) وهو "المشروع السّامِيْ" الذي ما أُحبطَ بفعلِ الرّعدِ والزلازل وإنما بفعل اللّغةِ ذاتها:- "الآن صارت للعالم جميعه لغةٌ واحدةٌ وأسلوبُ حديثٍ واحدٍ سائد" (سفر التكوين 11: 1).  إنّ "الحدّوتة" البابليّة،  بجانب كونها تطرح نفسها كتفسيرٍ إنجيليٍّ لتعدّد لغات البشر، تُوسّمُ لنا، كذلكَ، حسب رؤيةٍ إنجيليّةٍ، علائم بدايةِ اختلاطِ شأن الإنسان (فهمه وحياته) في هذه الدنيا.  إنّها تؤرّخُ لبدايةِ تفكّكِ ثقافاتٍ، تشتّتِ (توزُّعِ) ألسُنةٍ مختلفةٍ، ثم الإستقدام المتعمّد لتعدّديّةٍ مُفسدةٍ (ومُنزّلةٍ بالأمرِ الإلهيِّ أيضاً) إلى داخلِ مشروعِ السّاميّين الشّموليْ.  ليس من المدهش، والحال هكذا، أن يستبينَ دريدا مُتوازيات جليّة مشيرة لمعنى التّفكيكِ في كلّ هذا:

 

    في سعيهم إلى أن "يُخلّدُوا لنفسهم ذكرا"، لأن يشيّدوا، في ذاتِ الوقتِ، لساناً عالميّاً لهم ونسباً فريدا، يريد السّاميّون أن يؤسّسوا العالم على أنموذجِ عقليّةٍ واحدةٍ يكن بمقدورها أن تعني، في ذات الآن، عنفاً كولوناليّاً (ما دامت ساعيةً لتعميم- فرض- أنموذجها على العالم كلّه) وشفافية سلميّة للمجتمع الإنساني (كامول: 253؛ دريدا 1987ب: 210).

 

لم يعدالساميّون، ببساطةٍ، بُناةَ برجٍ وإنّما بُناةَ أنظمةْ.  إنّهم قد صاروا مؤمنين بحقائق عالميّة(كونيّة)، مهندسي بناءٍ ميتافيزيقيٍّ، فهم كانوا يطمحونَ إلى هيكلٍ، إلى بناءٍ يرمزُ إلى تفوّقهم، كما ويبثُّ ويُعمّمُ ’فكرة‘ أنّ ذاكَ التّفوّقَ، كذلك، ليس  فقط هو قائمٌ لهم على الناس الآخرين (بفعلِ "العنف الكولونيالي") وإنّما، أيضاً، على اللّغة.  إنّ السّاميّينَ يريدونَ ان يستحوذوا على الوظيفة الإلهيّة المتعلّقة بتسمية الأشياء وأن "يُخلّدُوا لأنفسهم ذكرا"، أن يخضعوا اللغةويسيطرونَ عليها، أن يُقرّروا ما قد يُسمّونَ بهِ وما قد لا يُسمَّونَ به، أن يُحدّدوا أيَّ مدلولاتٍ يمكنُ لها أن تُقرنَ بأيِّ دوالٍ (أيّ "معانٍ" يُمكنُ لها أن تُقرَنَ بأيِّ "علامات").  بخلافِ تسريبها، بغرابةٍ، شيئاً إنجيليّاً في عينِ تفكيكيّةِ دريدا (وذاك ممّا يدعو للتساؤل هنا:- هل كان دريدا، على نحوٍ ما، جريمياه معاصراً يرغي ويزبد ضدّ الدعاوي البابليّة القائمة على معرفة ظاهرية (قشوريّة) بشؤؤونٍِ متعلّقةٍ بالبنائيّة والفينومينولوجي، العلم والسوسيولوجي؟) تؤكّدُ الفقرةُ السابقةُ المقتبسة عن دريدا كيف أنّ خُيّلاء الساميّين قد أعمتهم عن لا جدوى مشروعهم.  وذلكم، على وجهِ التحقيق، ما تمثّله بابل لدريدا:- "عدمُ اكتمالٍ، استحالةُ إتمامِ الأشياءِ، استعصاؤُها على الشذموليّة (الكُلانيّة) وتعذّر احتوائها، بتمامٍ، في ضمن تراتُبيةِ نظامٍ ما وأنساقٍ هندسيّة" (كاموف:244؛ أنظر أيضاً دريدا 1987ب: 203).  قد أمضى دريدا حياةً كاملةً في استكشافِ الإستحالةِ الأبديّةِ لأيّ إمكانٍ (لأيِّ مسعىً) لإلزامِ المعنى بحدٍّ ما يقفُ عندهُ، بإلزامِ نصٍّ ما بان يقولَ شيئاً واحداً، ملتحماً ومُتّسقاً منطقيّاً، شيئاً واحداً أحدَا.  عليهِ يرى دريدا أنّ لا جدوى مشروع الساميذين هي، أيضاً، ذاتُ لا جدوى مشروع هوسرل- ذلك المشروع الدّيكارتيّ الذي أرادَ أن "يؤوبَ إلى الأشياءِ ذاتِها" وينشدُ عندها "أساساً للموضوعيّة"- ولا جدوى مشروع فوكوه في كتابه تاريخ الجّنون [أو تاريخ العيادة] حيثُ اعتقدَ أنّه بإمكانهِ أن يتحدّث بطريقةٍ عقلانيّةٍ- تحليليّةٍ عن الجّنونِ دونَ أن يقعَ، أبداً، في أحابيلِ ذاتِ ثنائيّةِ العقلانيِّ- اللا عقلانيّ التي يتصدّى لنقدها، كما وهي، كذلك، في تصوّرِ دريدا، ذاتُ لا جدوى رؤية ليفيناس في كتابه المسمّى الكليّة واللا نهائيّة والتي تهدف إلى إعادةِ تأسيسِ علاقةٍ "لا عُنفيّةِ" مع الآخر الكُلاني )(أو الكُلّي)، فتلكَ لم تنكشف لدريدا إلا بوصفها ليست شيئاً سوى "حُلُمٍ" وسمه دريدا بأنّهُ " حُلُمُ فكرٍ خالصِ الهُجنة" le reve d'une perse' purement heterologique [Derrida 1967: 151]   .  في كلّ تلك الحالات تكن- إذاً- قناعةُ الساميّين المخطئة بانّ بناءهم الذي بنوا (أو ’هيكلهم‘ الذي بنوا) سوف يُهيّئ لهم سيطرةً كليّةً على اللّغةِ (وتسميةِ الأشياءِ) مُكَرّرَةً ومُستَنْسَخَةْ. 

 

الشيءُ الأكثرَ جذباً للإهتمامِ هنا، فوقَ ذلكَ التمثيل الإستعاري المعاصر للخُيّلاء الإنجيليّة، هي الطريقةُ التي يرى بها دريدا الله كرديفٍ لفعل التّفكيكِ (والتّفكيكيّة).  إنّه لمن الإسم العَلَم "الله" نُوثرت الألسن وأُبهمت وتضاعفت" (كاموف: 249؛ أنظر أيضاً دريدا: 1987ب: 207).  إنّ الله هو المُفكّك الأعظم في تلك الحكاية.  إنّه هو من أبهمَ نظام علامات الساميّين بتشظيتِهِ، بتكسيره مُزُقَاً وبجعله يتضاعف مرتينَ، فثلاثاً حتّى لم يعد الساميّون يعلمون من هم وما الذي كانوا يُخطّطونَ كي يفعلون.  لكن، مع كلّ كسره للنّفوسِ، إرغامه للساميّين على الإتّضاعِ وإبهامه لنظام علاماتهم لا يكن إلهُ دريدا هو الله الفاعل للتفكيك فحسب لكنّه، على نحوٍ ما، يكن هو، أيضاً، الله الذي يُفكّك نفسهُ (ذاتهُ):- "إنّ الإسم العَلَم "الله" (الذي سمّى الله به نفسه) مُنقسمٌ مُسبقاً، في الألسُنِ، بما يُكفي.  ذلكم بحيثُ يدلّ، أيضاً، على نحوٍ ملتبسٍ، على ’الإلتباس‘ (الإختلاط).  والحرب التي يعلنها قد أُضرمت، في البدءِ، داخلَ ذاتِهِ:- مُنقسمٌ، مُتوزِّعٌ، متقلّب الهوى ومتعدد المعاني- هكذا يُفكّكُ اللهُ ذاته" (دريدا: 1987ب: 207).       

 

ذلكم شيءٌ قالهُ دريدا عدّة مرّاتٍ:- إنّ الله نفسهُ ليس بمستطاعهِ أن ينفكّ عن الإختلاف.  ولئن يُرى هذا في تعابيرٍ أكثرَ علمانيّةً فإنّه يقولُ إنّ الناقد التفكيكيّ نفسهُ ينبغي له أن يقع فريسةً لذاتِ التّنازُعاتِ السيمانيكية (السيمانطيقية) التي يستشفّها في الآخرين.  إن التفريقَ، المُناسبَ لمحلّه، بين المُفكِّكِ والمُفَكَّكِ يغدو هنا مُنحلاًّ.  فدريدا يرى أنّه ليس من ثمةِ أحدٍ أو شيءٍ، لا الله، لا ’البين- قوسينيّة‘ الهوسلريّة، لا آنيّة Sein هايِدْقََرْ، لا الـbricolier  عند ليفي شتراوس يستطيع أن ينفكّ عن "التّواطئِ الميتافيزيقيِّ"  للغة (دريدا 1967: 281).  فمنذ أن نبدأ في التفكيك- يقول دريدا- نكن قد سبق وفكّكنا أنفسنا.  وحين أوقع الله الإختلاط والفوضى على تصاميمِ السّاميّين كان يُوقعُ، في الحقّ، بنفسه عليهم. 

 

كما أنّ الله يسبقُ التّاريخُ يسبقُ الإختلاطُ النّظام.  أو، كما قد يقول دريدا، إنّ الإختلاط يقطنُ النّظام، ينفذُ في النّظام، يُعطي معنىً للنّظام.  وفي سفر التكوين، كما يُفسّرهُ دريدا، ليس هنالك  ألوهيّة رصينةٌ، مُتعاليةٌ، تُفكّكُ ’البرجَ البابليَّ‘ وإنّما هنالك، بالأحرى، منحىً من الإختلاطِ يبتعثُ، أو يلدُ، منحىً آخراً من الإختلاط.  وذلكم ما يجعلُ مقال دريدا عن برج بابل Des Tours de Babel شديد الأهميةِ بالنّسبةِ لحجّتنا الخاصّة، فهو من كتابات دريدا القلائل التي اشترك فيها، بالفعل، مع ابن عربي في استخدام الإختلاطِ بوصفه إسماً إلهيّاً.  الذي فعله دريدا، في ذاك المقال، هو مساءلةَ بساطةذات الله (أو ’سذاجتها‘، إن شئتْ)، نقد الصور السائدة، والشديدة التبسيط، عن الألوهيّة وتذكيرنا بالتّركيبيّة المُلْبِسَةِ لفكرة ’الله‘.  ذلكم معنىً (مضمونٌ) مسّه دريدا، بالتّأكيدِ، في موضعٍ سابقٍ آخر.  فقبل عشرينَ سنةً خَلَونَ، في مقالٍ له عن جابَيْ [جابر؟] Jabes  (الذي كان، على أنحاءٍ كثيرةٍ، الأكثرَ تأثّراً  بالكابلاّء  من بين كتابات دريدا)، يقارن دريدا "الله" الذي نستطيع أن نعرفهُ بـ"الله" الذي لا نستطيع أن نعرفه:- 

 

لئن يبتدر الله السؤال عن "الله"، ولئن يكن هو ذاتُهُ ابتدارَ ذاك السؤال فلن يكن هنالك محلٌّ لتصوّرِ بساطة (سذاجة) ذات الله.  عليه يصير هنا ذاك اللا يمكن التفكّر فيهِ عند العقلانيين الكلاسيكيين هو الواضح بعينه.  وحيثُ يُوغلُ داخلاً في ازدواجيّةِ إمكانِ طرحِ المساءلةِ بشأنهِ لا يسلك الله سبيل أبسط الطّرق؛ إنّه ليس صرفاً في حقيقيّته؛ إنّه ليس ’مخلصاً‘(دريدا 68:1967).

 

يسألنا دريدا هنا، مثل ابن عربي ، أن نزيد حيرتنا بشأن الله.  فـ"سذاجة" الله- ذاك الإعتقاد بأنّ الله يتصرّف ويفعل على أنحاءٍ هي، جوهريّاً، واضحةً وذاتَ معانٍ جليّةٍ للنّاظر- مُعارَضَةً، عندهُ، بالتّركيبيّة اللا كلاسيكيّة والإلتباس المُميّزين لشأن الله.  إنّ رفض دريدا لتلك "السّذاجة" يستنسخُ، لحدٍّ ما، تذكرةَ ابن عربي القرآنيّة المتواترة بأنّ الله ليس مثل أيّ شيءٍ نستطيع نحنُ أن نُدركُهُ. 

 

كلُّ ذلك يؤدّى إلى هذا السؤال:- ما الذي يقوله دريدا، بالضّبط، في مقاله عن بابل، عن الإختلاط؟  هل هو قائلٌ، هناكَ، إنّ "الإختلاط" شيءٌ مرغوب؟  هل هو قائلٌ، هناكَ، إنّه غير مرغوب؟  هل هو قائلٌ، هناكَ، إنّ "الإختلاطَ" هو مبعثُ ميلادِ شيءٍ جديدٍ وإيجابيٍّ، أم هو فقط قائلٌ، هناكَ، إنّ "الإختلاط" ما هو إلا قدرٌ محتومٌ فاتكٌ، في النّهايةِ، بكلّ مشروعٍ نُلزمُ أنفسَنا بهِ؟ 

 

يبدو الإختلاط (الإلتباس)، أوّلاً وقبل كلّ شيءٍ، وكأنّه عقوبةٌ تُنزلُ، خصوصاً، بأولئك الذين يريدون الخلاص من اختلاطهم الخاص.  إنّ السّاميّين- بحسب دريدا- لمُدانونَ بجُرمِ هذه الخطيئة الأساسيّة:- "تعالوا، دعنا نبني لأنفسنا مدينةً وبُرجا.../ دعنا نُخلّدُ لأنفسنا ذكرا/ ذلكم حتّى لا نتناثرُ شتاتاً على جِمَاعِ أقطارِ الأرض" (كاموف: 248).  ناظرينَ إلى العالمِ ليس على أنه مكانٌ للتّحقّقِ والتّوكّدِ وإنّما على أنّه مكانٌ للتسيطُر لم يكن الساميّون سعيدينَ بتجوالهم في الآفاقِ، بوضعيّتهم اللا مسمّاة- إنّه لَعَيْنُ هذا اللا رضا على وضعيّتهم كبدوٍ هو الذي استوفزَ عقوبتهم.  ثمةُ شيءٍ من التّناقضِ الباهتِ هنا:- "إنّ التّشرّد الحقيقيّ والإختلاط لا يُوقعانَ إلا على أولئك الذين لا يرغبانهما".  ذلكم كأنّما تعلّمُ المرءِ أن يُحبَّ حيرتَهُ هو دوماً السّبيلُ الوحيدُ إلى تحرّره منها.       

 

يكمنُ جزءٌ من خطيئةِ الساميّين، كما قد يبدو، في رفضهم ليس فقط لأن يتيهوا في الآفاق بل، كذلك، لقبولِ تركيبيّة (تعدّديّة) اللغة.  إنّ الإسمَ "العَلَم" الحقيقيّ الوحيد هو اسم "يهوه".  ولخشيةِ الساميّين من حقيقةِ أنّ اسمهم قد يتّخذ معانٍ مختلفةٍ لأناسٍ مختلفين تاقوا إلى جلاءٍ كذاك الجّلاء (أي جلاء الإسم "العّلّم" يهوّه).  بهذا المعنى يكن برج بابل (في كلماتِ ريتشارد رورتي) "محاولةً لتجنّب العلائقيّةْ...، للتحدّثِ بكلمةٍ لها معنىً، حتّى وإن لم يكن لها مكانٌ في ممارسةٍ إجتماعيّةٍ ما" (قِيُوقْنَون: 353).  إنّ خطيئةَ السّاميّين هي توقهم إلى المعنى في حدّ ذاتِهِ، صفيّاً، جليّاً، مُمكنَ الإستعادةِ وليس واقعاً تحت رحمةِ السّياقاتِ أو مُنزاحاً في وضعيّاتٍ أجنبيّة.  يفشلُ الساميّون، بالطّبعِ،  في تحقيقِ هذا، فقناعةُ دريدا بـ"استحالةِ ختمِ" إنشاءِ أمثالِ تلك الأبراج- المشاريع تعكسُ، فحسب، الإستحالةَ الأكثرَ عموميّةً من ذلكَ وهي استحالةَ أن يعنى أيُّ اسمٍ علمٍ (بما في ذلك الإسمُ يهوّه ذاتُهُ) أبداً شيئاً واحداً فحسب، شيئاً واحداً فقط ولا غير.

 

الشيء الثاني هنا هو أنّ مقالَ دريدا إيّاه يبدو مُعارِضَاً الإختلاطَ بالعنف- ذلكَ، على الأقلِّ، بنوعٍ خاصٍّ من العنف:- "العنف الكولونيالي".  إنّ رغبة الساميّين في أن "يُعولِمُوا مثالهم" (كاموف: 253)، في أن يجعلوا العالم كلّه يتحدث بلغتهم ويتّبع سبيل ثقافتهم (حضارتهم) تنتمي، في منتهاها، إلى ما سبق وسماه دريدا (معيداً صياغةِ حديثٍ لليفيناس) فكرةَ "الواحدالمتماثل مع ذاته".  بكلماتٍ أُخريات، نحنُ هنا- بحسب دريدا- إزاء ميتافيزيقيا "هي أصلُ كلّ الاضّطهاد الذي في العالم" (دريدا 1967: 83).  تصير إيماءة الله هنا، إذاً، ذات مغزى ثقافي (حضاري) تعددي بالمعنى الأكثر مفارقة لهذا التعبير، فاختلاط الساميين يُحبط مقاصدهم الإمبريالية، يُلبس الأمور على مهندسيهم البنّائين، يبعثر جيوشهم ويفتّ في عضدهم فيزيائياً، كما وسيميائياً.  إنّ الإختلاط (الإلتباس) يعني هنا فقدان كلّ الأسباب التي قد تدفع بشريّاً ما لأن ينزع نحو السيطرة على بشريٍّ آخرٍ وإخضاعه، كما وهو يعني، كذلك، صعوبةَ فعلِ إرغامِ شخصٍ ما على أن يتماثل (يتطابق) مع لوغوسٍ واحدٍ في حين أنّ تعدّديّةً من اولئكَ وافرة.  ولئن تكن الميتافيزيقيا العقلانية هي "مصدر كلّ اضّهاد"، ولئن يكن الإختلاطُ هو، بالتحديد، ذلك الذي يُعجز إرادةَ أن يُفكّر المرءُ ميتافيزيقيّاً فلن يكن، إذاً، مدهشاً أن يُرى كيف أن بإمكان دريدا ان يكتشف ظلال باسيفيكية في فكرة التّحيّر.  فالإختلاط يغدو، وفق ذلك، ليس بمثابة ذاك الحال الذي يحبط العدل أو ينشئ أرضاً خصبةً لتفريخ اللا عدل (الظّلم) وإنما، بالأحرى، يصيرُ، بالفعلِ، حالاً معجزاً لميكانيزمات التسلّط، مُفكّكاً للشموليّات العنيفة وآلةً دوّارةً مُشِلّةً يُلقَى بها في آلةِ الدكتاتور الرهيبة. 

 

لكنّ دريدا، كما هو متوقع منه تماماً، يُسائل هذه الفكرة مباشرةً بعد تعبيره عنها فيقول إنّ المشروع البابلي "يستطيع أن يعني، في ذات الوقت، عنفاً كولوناليّاً وشفافيّةً سلاميّةً للمجتمع" (كاموف: 253).  إنّ ذاكَ الإبطال الإلهيّ لهيمنةِ لسانٍ مُفردٍ- يُفكّرُ دريدا- قد يُحبطُ أهدافَ "إمبرياليّةٍ لغويّةٍ" ممكنة، لكنّه أيضاً يُزيلُ شكلاً من اشكالِ الإتّصال.  وهنا يتبدّى، على الفور، سؤالٌ صعب:- هل موضوع الجزء 11: 1-9 من سفر التكوين هو إفشال قيام إمبراطوريّة أم تدمير مجتمع؟  هل إزالةُ "عنفٍ كولونياليّ" ذي كيانٍ واحدٍ عاتٍ هي، فحسب، مقدّمةٌ لقيامِ عددٍ من كياناتٍ أصغرٍ متداخلة الإثنيّات وموازيةً لذاكَ في عنفها؟..  إنّ تلك لعبارةً "دريديّةً" مدهشةً في كرمها، خصوصاً وأنّ دريدا لم يكن ذي تعاطفٍ وكلماتٍ مثل كلمة ’المجتمع(التي يرى هو فيها "تهديداتَ كثيرةً بقدرِ ما فيها من وعود" [كوارد و فوشيْ: 292])- دَعْكَ من الإشارةِ هنا إلى  سيوف مقارعته الشهيرة التي بارز بها، فكريّاً، هابرماس وعقله الإتّصالي.  إنّ ذاك المثال (السّاميّ) العام، ولو يكن مفروضٌ على نحوٍ كولونيالي، سيخفّضُ، على الأقل، من إمكان وقوعِ سوء تفاهمٍ في داخل المجتمع الموحّد، فالتعابير، الأفعال والإيماءات التي يُتخاطبُ بها اجتماعيّاً ستكن، حينذاكَ،  كلّها ذات "شفافيّةٍ" نسبيّة.  إنّ لعبة الساميين اللغويّة هنا ستكون، كولوناليّاً، واحدةً وقوانينها ( ولو أنها مُهيمنةٌ وغير قابلةً لأن تُنازع) ستكون واضحةً بشفافية.  ورغم أنّ دريدا يبدو قائلاً، في مقاله عن بابل، إنّ تفكيك الله للبرج إنّما هو مثالٌ لما سماه، في موضعٍ آخرٍ، "تفكيكاً عادلاً" (مِدقِلِي: 34) إلا أنّ "الشفافيّة السلاميّة" المحتملة لمجتمع الساميّين تلكَ تسمُ المقال إيّاهُ بصفةِ تَنَازُعٍ موقفيٍّ (عاطفيٍّ) طاغٍ. 

 

ليس للدهشة أن تصيبنا آنما نرى دريدا المُنشئَ للمقالِ عن بابل يبدو غير متحمّسٍ لأن يُواجه الجَميع- جِهاراًً-  بإعلانه أنّ الإختلاط (الإلتباس) هو، في الحقِّ، وضعيّة باسيفيكيّة،  فهو لا يرغب في إثبات معنى ذلك الإعلان المفيد بأنّ سبيلَ الحيرة (الإختلاط/الإلتباس) هي السبيلُ الوحيدةُ لاستقبال الآخرِ على نحوٍ باسيفيكيٍ ولا عنفَ فيه.  وكما علمنا مسبقاً ًمن قراءتنا لكتابه المسمّى حول علم النّحو يبدو دريدا كثير الحذر، حين يستخدمُ كلماتٍ مثل كلمة "عنف" وكلمة "كولونيالي"، من أن يستنسخَ خطأ ليفي شتراوس ويقع في شراك ثنائياتٍ متقابلةٍ مثل ثنائية الجلاد/الضحية أو ثنائية الآثم/البرئ.  ورغم أن دريدا يؤمن بأن ليس هنالك نظامٌ ما أو مجتمعٌ ما يمكنه أن يكون حرّاً من أيّ شكلٍ ما من أشكالِ العنف إلا أنه يستدرك ذلك بقوله إنه لا يعني به، بأيةِ حالٍ، أن الفوضى (أو اللا مجتمعيّة، إن شئتْ) هي- بالتعريفِ- شكلٌ من أشكال اليوتوبيا المباركة.  وذلكم يرينا أن غالبَ ما يمكننا قوله بشأن موقف دريدا من الإختلاط (الإلتباس) هو أننا حينما نكون على حال اختلاطٍ أو حيرةٍ فإننا نكون على ميلٍ أقلّ لأن نختذل وعينا بـ"الآخرِ" في صورة عنهُ واحدةً ونافيةً لكلِّ ما عداها.  وذلكم يوازي موقف العارف عند ابن عربي آنما يكون في حال حيرةٍ تامة، فهو، آنذاك، يتجرد من قدرته على أن يكون مريداً لأن يُسقط، من لدُنهِ، صورةً معيّنةً ما على هيئة ما هو عينيٌّ و حقيقيْ. 

 

والأمر الثالث بشأن جاك كلمات دريدا عن بابل هو أنّها تنطوي، تحتيّاً، على ملمحٍ واحدٍ مُتَوافِقٍ في جِماعِ كيان عمله الفكري المتفاوت التنوّع والإختلاف، وذاك هو احتفاؤهُ بالتّركيبيّةِ على حسابِ الوحدة.  فعند دريدا يكن المُتفارقُ المُختلفُ مُحبّذاً، بشكلٍ لا نهائيٍّ، على المتقاطع المؤتلف، والجّزئيّاتُ المُفردة تكن أكثرَ إثارةً للفكرِ من ما هو كُلّيّ، كما ويكن، كذلك، المُتكثّرُ مُحبّذاً على الواحد.  إنّ التّحيّرَ والإنبهام- في حدّ ذاتهما- مُشجّعان هنا وغير مُقاوَمَيْنْ.  وذلكم يُرينا أن  ّ المزاعم التي وُجّهت إلى دريدا مُتّهمةً إيّاهُ بالفوضوية هي صحيحةٌ إلى حدٍّ ما، رُغم أنّها  مُبالغةٌ في نبرتها وغيرُ صائبةٍ في دوافعها.  إنها تتعلّقُ بمفكّرٍ مهتمٍّ بشأنِ التحلّلِ (التفكّكِ) بذات القدر الذي هو مهتمٌّ به بشأن التّصميم والتّخطيط. إنّ "تبعثرَ" الساميّين ("قد بعثرهم يهوّه من حيثُ كانوا إلى كلّ أقطارِ الأرض/ فكفّوا عن بناء مدينتهم" [كاموف: 248 ؛ انظر أيضاً دريدا 1972: 206-207])، الذي هو استعارةٌ فاعلةٌ متعلّقةٌ بتفكيكِ كلّ ما قد يصيرُ نظاماً، هو ذاتُ نوع الإختلاط (الإلتباس) الذي ينشُدُ دريدا أن يوكّدهُ.  وهذا المنزع الضدّ-إفلوطينيّ العميق في كتابة دريدا يؤّكُدُ، بدلاً عن أن ينشدَ عودةً مستحيلةً إلى الواحد، تحلّل الواحدِ إلى الكثرة.  وذلكم مُسبّبٌ بأشياءٍ يكفي أن نذكرَ منها أنّه، في الأصلِ، لم يكن هنالك أبداً- فيما يبدو- ثمةُ واحدٍ "صفيٍّ" و"غيرِ متبدّلٌ" لكي يبدأ المرءُ منهُ:

 

إنّ شبهاً من "معنى" التّشظّي (التّبعثر) هو استحالةُ العودةِ إلى وحدةِ المعنى المُعادُ وصْلُها معاً وتعديلُها....  هل يكون التّشظّي (التّبعثر)، بهذا التّوصيف، هو خسارةَ ذاك النّوعِ من الحقيقةِ، المنعَ السّلبِيِّ لكلّ منفذٍ قد يُودِيْ لمدلولٍ كذلِكَ؟....  إنّ التّشظّي (التّبعثر) لا يفترضُ أنّ هُنالِكَ ثمةُ مادّةٍ عذراء سابقةً عليهِ وقائمةً ومُشرِفَةً على شأنِهِ، مُناثِرَةً أو مُمْسِكَةً نفسها في جُواءِ لحظةٍ ثانيةٍ (أو ’اُخرى‘) سلبيّة وإنّما هو يُوثِّقُ ذاتَ سيرورةِ توالُدِ المعنى التي هي، دوماً ومُسْبَقاً، مُنقَسِمَةْ (دريدا 1972: 300). 

 

هذا النفي لأيّ "وحدةٍ أصليّةٍ" أو "كُلانيّةٍ" ("مادّة عذراء") قد تكونُ سابقةً، في الأصلِ، للكثرةِ هو ما يُشكّلُ، على وجهِ الإحتمالِ المُرجّحِ، الفرق البيّن والأشدّ أهميّة بين ابن عربي ودريدا.  ولئن يُستبعدُ هذا الفرقُ الأساسيُّ من المقارنةِ يبقى هنالكَ كثيرٌ من نقاط التّشابه بين ذينكما المفكّرِ والصّوفيِّ في موقفيهما تجاه مسألتي العقلانيّة والحيرة (الإلتباس/الإختلاط).  إنّ الفقرة المقتبسة السابقة تُكشفُ لنا عن أنّ دريدا هو أكثرَ المفكّرين لا إفلوطينيّة [الإفلوطينيّة هي "الأفلاطونيّة الجديدة"- المترجم]، وذلكم شيءٌ مدهشٌ للمرءِ إن يستعدْ بعضاً من الأسماءِ المحبّذة في لائحة دريدا الأثيرة (بنجامين وبلانشوت، مثلاً).  ثمةُ فراغٍ/خلاءٍ يكمنُ، بدلاً عن الواحد، هُنا في قلبِ التّشظّي (التّبعثر) الدّريدِيْ، وذاكَ هو ’مكانٌ‘ لم يعدْ فيهِ أيُّ حيثٍ لأيِّ "عمقٍ معنويْ" (دريدا 1972: 350).  هذا يجعلُ الوضعيّة "الفعليّة"َ للأشياءِ ، في مرأى دريدا، لا نهائيّةً من الإحالات والإبدالات الشتّى المتكاثرة، وضعيّةً بلا بدايةٍ ولا نهاية، بلا مركزٍ ولا هامشٍ ولا يكفُّ الغافلُونَ عن حقيقتها، أبداً، عن أن يُحاوِلُوا أن يُقيمُوا، في مَعْمَعَانِها، نظريّاتهُم وبناءاتهُمْ وحقائقهُمْ غيرَ مُدركِيْنَ أنَّ أبراجَهُمْ الميتافيزيقيّةَ ليستْ مُتّكئةً إلاّ على رمالٍ لا تنفكُّ مُطلقاً عن الإنزِياحْ. 

إبنُ عربي وحديثُ الطُّوفان

 

لو خرج [هو] عن شيء لم يكن [هو] ولو كان [هوَ] في شيء لم يكن [هو].

 

أو

 

لو خرج [هو] عن شيء لم يكن [الشيء] ولو كان [هو] في شيء لم يكن [الشيءُ] .

 

 

الفتوحات المكيَّة، 11. 661. 10

 

 

قرب مبتدر كتابه عن ابن عربي يكتب وليام جيتيك:- "أن تجد الله هو أن تقع عميقاً في التحيّر" (3:1989).  ليس ثمة جملة تلخّص، بدقّةٍ أوفى، الموقف الصوفي من الالتباس/الاختلاط.  ويستعي ابن عربي، خَلَلَ كلّ عمليه الباطنيّين، الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم، استعارات شتّى يصف بها حال التحيّر.  إنّ تلك الحالَ، كما نُخَبَّرُ، هي موقفٌ (بالمعنى الصوفي)، هبةٌ، اسمٌ إلهيٌّ، أداةٌ، معرفةٌ ثمّ هي، في حدّها الأقصى، كما قد يخطرُ للمرء، "وضعيّةٌ فعليّةٌ" تحتانيّةٌ لكلّ شيءٍ نعتقد أنّنا نعرفه.  "العجزُ عن الإدراك [في شأن الله] إدراك"، يقول أبوبكر (عفيفي: 62؛ أوستن 1980: 65).  وتلكم جملة سقراطية خالية من الادّعاء ما انفكّ ابن عربي عن اقتباسها.  إن نظرة ابن عربي الإيجابية للتحيّر تتجذّع، مباشرةً، عن رؤياه الراديكالية في شأن عدم قابليّة الله لأن يُتفكّرَ فيه.

 

ذلكم، في جِماعهِ، يُودي بنا إلى ’الفهم‘ أنّ اقتباس ابن عربي، المتواتر فيما يكتب، للحديث النبوي القائل "يا ربّي، زدني فيكَ تحيّراً" إنّما يعني، في الحقّ، سؤاله الله أن " يُلبسَ عليه ويُبهت التحديدات التبسيطيّة التي كان قد يحاول أن يحبسهُ في جُوائها ".  ومن سبيل ذاك الفهم يصير التحيّر أفضل طريقة يتّبعها المؤمن للإنفكاكِ من الشرك الميتافيزيقي المتمثّل في منظوراته الخاصّة.  لكن هذا لا يتأتّى، والحال كذاك، عبر تأدية لغوية إضافيّة- أو مخصوصة- ما (مثل اسمٍ سرِّيٍّ أو إشارة/علامة ما) وإنما خَلل استحضار تركيبة من تصوّرات آلهةٍ مختلفةٍ- بعضها أرثوذوكي، بعضٌ آخرٌ هرطيقيٌّ (زنديقيٌّ)، بعضُ ذو مُحايثةٍ حميميّةٍ، ثمّ بعضٌ مُتباعدٌ وترانسيندينتالي- تُلبسُ على المؤمنِ أمرهُ.  وفي زخمٍ تنوّعٍ هذه التصوّرات المتداخلة، المختلفة، المُنذرة والمُبهتَة يبدأ المرءُ، حقّاً، في فهم شأن كيف "أنّ الوضعيّة الفعليّة للألوهة ليس لها أن تُقيّدَ أو تُحصرَ، ثمّ هي تبقى غير مُدركة" (جيتيك 1989: 348)؛ يحيى: 11: 211: 29).  إنّ وفرةً من معتقداتٍ شتّى كتلكَ تغدو، عند ابن عربي، شهادةً على استعصاءِ الله المُطلق على التفكّر (العقلاني) فيهِ. 

 

إنّ هذه ’الفلسفةَ‘ القائمةَ على فكرة أنذ فهم ماهيّة الله يتأتّى عبر التباس أو اختلاط تصوّرات متضاربة ذاتُ تاريخٍ ونسبٍ جدِّ عريقٍ في القدم.  إنها ترجع، تاريخيّاً، إلى عهدِ ثيولوجيّ النّفيِ negative theologians في عصر الكنيسةِ الباكر، على أقلِّ تقدير.  كما وهي تُظهرُنا على الإمكانات الإيمائيّة المُضْمِرةِ apophatic لابن عربي باعتباره من ثيولوجيّ النّفي، ثمّ على كونِ أنّهُ صائرٌ، على نحوٍ متزايدٍ، على علاقةٍ بكتابة دريدا النقدية الخاصة بالتّوصيفِ الإيمائيِّ المُضمِر via negativa. 

 

ربما يهبنا ديونيزيوس، الذي عاش في القرن السادس الميلادي، أكثر الأمثلة شَهرةً في ثيولوجيا النّفي بشأن كيف أنّه إن تُفكّكَ بناءاتَ مختلفة خاصة بأمر الله فإنّها سوف تُطلعنا، بالفعل، على حسٍّ أفضل بما تعنيه عصمة الله.  ففي آناتٍ معيّنة من كتابيه الثيولوجيا الصوفيّة (أو الثيولوجيا المُستسِرّة) و التراتبيّة السماويّة نجده يُوافينا بالتّوكيدِ المُنماز بأنّنا إن ندعو الله سكراناً أو بائتاً على سكرٍ يكُنْ أنسب لنا من أن ندعوهُ خيّراً أو حكيماً.  ذلكم- يُوكّد ديونيزيوس- لأن  "اللا تماثلات اللا منسجمة" تجعلنا أكثرَ إدراكاً لآخريّة الله التي تندّ عن أن ’يُمسكَ‘ بها من الصفات المتعادلة في ’نهائيّتها‘، مثل كُلاّنيّة  القدرة و كُلانيّة المعرفة، التي يُمكنُ- من جهةٍ أخرى- أن يُصف بها الله (ديونيزيوس المُترائي: 58).  ويرى الأريوباقاتيّون Areopagite the أنّ تسمية الله، في ذات الوقتِ، "كليََّ القدرةِ" و "دودةً"، "حكيماً" و"سكراناً" هي السبيل الأكثرَ دقُّة في مُخاطبةِ (مواجهة) ما سمّاه أحدُ النّاقدين "حقيقة الله الهازمة للّغة" (تيرنر: 278)...  إنّ ديونيزيوس قد استخدم، بوعيٍ ذاتيٍّ، بناءات متناقضةَ لهيئة الآخر الإلهيّ كي يُصلنا بحسٍّ أكثرَ واقعيّةً بالاستحالة الخالصة للتّفكّرانيّة في الله.  ولأنّ بناء وتفكيك تركيبة تصوراتِ مخترعةٍ شتّى بشأن الله تمُدّنا بها الثيولوجيا التوكيديّة يُقدّمُ- للمرءِ- استراتيجيةً اضماريّة-ايمائيّة مثيرة للاهتمام يمنحنا ديونيزيوس محاولةً لفهم الذي ليست له صورة ليس عبر هجرانه للصّور وإنّما، بالأحري، عبر مجابهتنا بالتباسية المتضاربات منها.

 

ورغم أن ابن عربي مضى بعيداً على سبيل أن يُظهِرُنا على كيف أنّ "معرفة الله التباسٌ، وأنّ معرفة الخلقِ التباسٌ كذلك" (جيتيك 1989: 380؛ يحيىIV :..279 (26، تظلٌّ هنالك لحظاتٌ، في نسج كتابة الفتوحات والفصوص معاً، سُوئِلَتْ فيها فكرة الحيرة هذي من حيثُ كونِها محطة وقوفٍ غائيّةٍ صوفيّةْ.  فتلك "الحيرة-الإلتباس" قد صُوّرتْ أحياناً، من قِبَلِ الشّيخِ العارف، ليس على أنها وضعيّةً أساسيّةً للأشياءِ وإنّما على كونها وضعيّةُ تمهيدٌ مؤقّتٌ وقَلِقٌ لحال العِرفان أكثرَ من كونِها معبّرة، في حدّ ذاتِها أو بذاتها، عن أيّ نوعٍ بعينِهِ من المعرفة.  ففي منتصف حوارٍ له عن الـ"الحقيقة المتعالية/المتجاوزة" التي هي، في ذاتِ الوقتِ، "المخلوق النسبي" (أوستن 1980: 87) كتب ابن عربي عن كيف أنه ذاك الذي يفهم، بحقٍّ، ما كان هو له مبيناً لن يداخلهُ التباسٌ في نفسه، الشيء الذي يعني، عنده، أنّ صاحب الغلتباس ليس هو، في الحقّ، صاحب الفهم.  عليه يكن الفهم، وليس الإلتباس، هو الشيء الأخير الذي يُخبرُ، عند ابنة عربي، قبيلَ الوصلِ مع الألوهيِّ.  هذا الإعتقادُ بأنّ نشدان معرفة الله ينتهي، معرفياً، عند لحظةِ سكينةٍ (وسلامٍ) وليس عند آنِ عصفٍ قد وكّدَ أكثرَ بختامِ الشيخ لفصله عن لوط ما يعني بأنّ السّرُّ قد بانَ (للعارف) و"أتاه" الأمرُ، كما وأُدرجَ فيه ذاك الذي هو وِترٌ في (ذاتِ) ذاك الذي هو شِفعٌ (عفيفي: 131؛ أوستن 1980: 162). 

 

هنا تبرزُ إشكاليّةٌ:- لأيّ من هذين الكلمةُ الأخيرةُ عندابن عربي:- المفردات التي ترى الله على أنّه كائنٌ (أو، على الأدقِّ، مُحقّقٌ) في حال التباسٍ مقدسة، أصليّة ومنبهمةً فيها الفروق؟  أم تلكَ التي التي تسوق المعتقد (السالك) ليس إلى الإلتباس بل خلاله ونحو شيءٍ يندّ (بإطلاقٍ) عن الوصف- ذاك "السّرُّ" الذي كثيراً ما اشار ابن عربي إليهِ؟  هل الله، في ذاته، التباسٌ وحيرةٌ مطلقين أم "شيئاً" كائناً عندَ "الناحيةِ الأخرى" من كلّ جماعِ كلِّ حيرتنا والتباساتنا؟

 

لئن بدا سِفرُ فصوص الحكم ذا استجابتين مختلفتين تجاه هذا التساؤل- إذ أنّ فصوله الخاصة بنوح ومحمد توحي بتوكيد الحال الأولى للألوهة فيما توحي أقسامه الخاصة بإينوخ وهود بتوكيد الحال الثانية لها- فلا بأس بذلك، فثمة شيءٍ من العون يواتينا، إزاءَ هذه الوضعية، من شارحٍ متأخّرٍ لابن عربي وهو عبد الرحمن جامي الذي عاش في القرن الخامس عشر.  [في وقت ما بعد كتابة "فصوص الحكم" أخرج ابن عربي كتاباً ثانياً مُلخّصاً له، في الأساس، ثمّ متوسعاً في مضامينه الأساسية.  ولأهمية "الفصوص" كان ذاك العمل الثاني (الذي وسم بـ"نقش الفصوص") ملفتاً لنظر بعض المعلقين المتخصصين الذين كتبوا عنه.  ومن بين ما كتب عنه، آنذاك، سفر جامي الخاص المسمى "نقد النصوص في شرح نقش الفصوص"، المؤلَّف في عام 1459 والمترجم، لاحقاً وإلى الإنجليزيةِ، من قبل ويليام ق. جيتيك].  قد أبان جامي، أساساً، ورود ثلاثة أنواعٍ، أو شكولٍ، من معنى الإلتباس (الحيرة) في الفصل الختاميّ من كتاب "الفصوص".  أولى تلك الشكول من الحيرة هي ما سمّاها جامي "حيرة المبتدئين" (جيتيك 1982: 91).  تلك "الحيرة"،  يقول جامي، إنما هي "حيرةٌ عامّةٌ"، التباسٌ عامٌّ قد يشعر به معظم أصحاب الإيمان؛ إنها اضطراب أولئك الذين ينشدون المعنى لكنهم لا اعتقاد لهم أو حسّ سبيلٍ عليه يرتحلون، لذا هيَ عادةً ما يُزالُ حالُها بـ"شحذ قوة التصميم في نشدانٍ ما" (المرجع السابق- 91).  عند "السواد الأعظمِ" من الناس- يستطردُ جامي- ذلكَ يؤدي للسكينةِ.  لكنه، على كلّ حالٍ، يُودي ببعض الناس إلى اختبار مرحلةٍ ثانيةٍ من الحيرة (الإلتباس).  وتلك المرحلة، في شوفِ جامي، مسببة مبدئياً بنظرِ أولئك فيما حولهم ورؤيتهم أن ذوي العقيدة "قد انشقوا إلى فرقٍ عددا"، الشيء الذي يُصيّرُ من يكن مؤمناً منهم ملتبساً في ذاته وغيرَ عارفٍ أيَّ عقيدةٍ من عقائد أولئكَ هي، في الحقّ، الأكثرَ استقامةً أو صحّةً.  وإزالة هذه الهيئة من التحيّر تتمُّ، عند جامي، "حينما لا تبقى هنالك رغبةٌ في نفس المعتقد لأن يتهيّأ له الحضور الإلهيّ من عندَ وجهٍ أو محلِّ نظرٍ معيّنينِ بذاتيهِما (المرجع السابق- 92).  آنما يتحقّقُ هجران المعتقد لكلّ هاتيك الشكول من المنظورات والـ"الإيّات" [في النص الإنجليزيّ isms- المترجم] يبلغ المُعتقِدُ ما يسميه جامي مرحلة "أهل الحيرة النهائيةِ" (المرجع السابق- 93).   

 

ومن الباعث على الإهتمام أنّ ذلك، عند جامي، مقامٌ لا يستطيع تجاوزه حتى "أعظم المستنيرين روحياً"، فأولئكَ، في شوفِهِ، "لا يفتؤون يترقون في مدارجهِ أبداً، فأبدا".  وإذ يكتب بعد ما يشارف مائتين عاماً منذ عهد "الفصوص" يظل جامي يرى "متقدمه" هذي ليس مثل جسر مؤقت مؤدٍّ،في غايته، إلى حلٍّ نهائيٍّ مُجلٍ للحيرة (والإلتباس) وإنما، بالأحرى مثل أرضٍ غريبةٍ كائنةً في "ما بعد" الله، حيث الغنوصيون الحقيقيون يهيمون، حسب علائقهم وتلقاءاتهم، عندَ كلّ السّبل والجهات.  إنهم، فيما يبوح جامي، يَلِجُونَ، حينذاكَ، في تأمّلهم الهيمان بالله، "الصحراء التي لا سبلَ مرقومةً بها، فحيرتهم تكن، وقتذاكَ، من الله خلل الله، وفي الله"(المرجع السابق، 93). 

 

تجلب تعليقات عبد الرحمن جامي هذه، إلى الضوءِ، ثلاثة أوجه مهمة من "حيرة" الشيخ.  وتلك أوجه، كما سنرى، ستنعكس على سيرورة مقارنتنا له بجاك دريدا.  وأول تلك الأوجه هو أن هنالكَ شكولٌ مختلفةٌ من الإختلاط، شكولٌ شتّى من الإلتباس، يُواجهُ بها المُعْتَقِد.  لكن في بعض الحالات تُرى محاولةُ تخطّي ذاك الإختلاط/الإلتباس على أنّها ضرورةٌ روحية فيما "يُفهم"، في حالاتٍ أخر، أنّ أيّ محاولةٍ كتلك ليست حكيمةً وغيرَ ذاتِ جدوى.  وثاني الأوجه إياها هو أن جامي قد استجلى، بحقٍّ (ودون أن يكن انتقاديّاً)، صفويّة معينة عند ابن عربي، وذلكم لأن تجربة الإختلاط، في شوفِهِ، ليست شأناً مفتوحاً للجميع.  فبمعزل من تلك الأرواح النادرة (الإستثنائية) التي يكن بوسعها أن ترسخ عند مقام حيرةٍ متواصلةٍ تبقى الأغلبية العظمى من ذوي العقيدةِ (الذين يدعوهم جامي باسم "أهل المواقف"- جيتيك 1982: 92) قاصرين عن بلوغ "الحيرة النهائية" ومتخذينَ ملاذاتَ لهم عندَ موقفِ وضوحٍ ما أو آخر.  إن الإنسان يكاد أن يستجلي هنا تراتبيّةً من التحيّر، الإلتباس، جُعلت ممكنةً ليس بفعلِ "المعرفة" وإنّما، بالأحرى، بفعل "اللا معرفة".  وذلكم يُصيّر أولئك الذين هم عند قاعدة تلك التراتبيّة أصحابَ أكثرَ الأفكارِ وضوحاً فيما هو يجعل أولئك الذين هم على مشارفِ قمّتها أكثر الأنسِ اختلاطاً، فهم من بلغوا أقربَ منالٍ ممكنٍ من سرّ الألوهةِ، ذاك الذي يندُّ، أصلاً، عن إمساكِ الفكرِ والخاطرِ وتُبْهَتُ دونه الألباب.  وثالث الأوجه المعنية هو أن تلك "الحيرة النهائية" التي يشير إليها جامي تجعلنا نتساءل عما إذا كانت الغاية الحقيقية، في جملة آثار ابن عربي، هي ليست، على الأكثر، حالة الإلتباس في ذاتها وإنّما هي،بالأحرى، "سلوك" القبول الهادئ لوضعيةٍ بعينها، بل وربما تكن هي عين فعل الإحتفاء بآنٍ وضعيّةٍ كتلك.  طبعاً يبقى هنا السؤال الممكن عن المدى (والكيف) الذي قد تكن به (وعليه) حالةُ الإحتفاءِ تلكَ ماضيةً إلى جهةٍ قريبةٍ من ذلك "التوكيدِ النيتشويِّ البهيجِ للعبِ العالمِ [الكينونيِّ]" (دريدا 1967: 427) الذي نحنُ نقرأُ عنهُ في تلك الفقرات الختامية الشهيرة من مؤلَّف دريدا الموسوم بـ"البنية، العلامة واللعب" شيئاً يتطلّبُ فِكرا.

 

إنّ النحو الذي يعالج به ابن عربي شأن الصورة الواحدة والسبعين من القرآن (سورة نوح) يمثل أنموذجاً جيداً لكيف يحيّر الشيخ قارئيه ويبهتهم إذ هو يقدم تفاسير لمقاطع معروفة من القرآن تكاد تقف عند حدّ النقيض التام لذات ما يبدو أن تلك المقاطع تعنيه.  إنّ التأويلات المنطوي عليها كتاب "الفصوص" تشكل، بحدّ ذاتها، درساً في التلبيس والتّبهيم، فهي مشتملة على خونة وطغاة يتم التعامل معهم بتعاطف فيما يُظهرُ الابطالُ فيها على أنهم جاهلين أو مضلَّلِين، كما وفيها يُعادُ تأويلُ آياتُ الإدانةِ على أنها آياتُ مدحٍ ويُظهرُ فيها عبدةُ الأوثانِ على أنّهم مستنيرون.  وكما سنرى في فصلٍ لاحقٍ فإن قناعة ابن عربي بأنّ "حقيقة الله كائنةٌ في كلّ الأشياء" تُترجمُ، بتمامٍ، في عينِ شروحهِ للقرآن، وذلكم لأنّ مقاصدَ نصِّ اللهِ المقدّسِ كامنةٌ، في شوفِ ابن عربي، في كلّ القراءات الممكنة له، بما في ذلك أكثرَ هاتيكَ تناقضاً أو نزوعاً نحو الإختلاف أو المغالاة.  لكنّا الآنَ معنيين فحسب، بما يقوله فصلُ كتابِ "النّصوصِ" الخاصُّ بنوح عن التّحيّرِ والإلتباس، ومن ثمّ، غائيّاً، الكيفيّة التي يُقارَنُ بها ذاكَ وأفكارُ دريدا الخاصة بشأنِ الإختلاط والإلتباسْ.

يتّبع ابن عربي، في إعادة حكايته/تأويله لقصة نوح، سبيلاً قريباً، على هيئةٍ ما، من ذاك الذي يتخذه دريدا في معالجته لموضوعة "بابل".  وذلكم بقدر ما يكن الكاتبان معاً يتعاملان مع كارثةٍ (أو حاقّةٍ) مُنزلةً من السماء، بيدَ أنهما يختارَا أن يُعيدا وصف/تأويل ما تنطوي عليهِ تلكَ من عقوبة (أو عاقبة) على أنه فعلٌ مُبارِكٌ أكثرَ من كونه فعلَ تأديب، سيرورةُ إنماءٍ وتقدُّمٍ أكثرَ من كونهِ فعلَ إمحاقٍ وتدمير.....  إنّ ما يرويه القرآن بشأن واقعة الطوفان لا يختلفُ، على صورةٍ أساسيّةٍ، عن ذاك الذي يورده الإنجيل بخصوص الأهميّة القصوى لتلك الواقعة، فكلاهما يُعللانَها إجمالاً، بأنها كانت استجابةً من الله ضدّ الفساد المتنامي للإنسان وإيغاله في الخطيئة، الشيءُ الذي تطلّبَ من اللهِ أن يعصفَ بالكافرينَ من على ظهر البسيطةِ بطوفانِ مياهٍ عظيمٍ يمحقهم جميعاً ولا يُستنقذُ منه إلا نوحَ ومن استقاموا معه على سبيل الإيمان.  ولا يختلفُ- أقولُ- القرآنُ عن هذا إلا بحسبانهِ كان مُصَوّراً، ببعضِ تفصيلٍ، لقنوطَ نوحٍ آنما كان يحاولُ، دون جدوى، أن يستميلَ قومه إلى مفارقةِ أوثانهم ومن ثمّ للتوبةِ عن غوايتها ولمناشدته الله ألاّ يَذَرْ واحداً من أولئكَ الكافرين التّيّاهينَ حيّا. 

 

لكي يفهم المرء إعادة قراءة ابن عربي الراديكالية للصورة القرآنية المعنية (سورة نوح) ينبغي عليه أن يتذكّرَ (أو يستعيد) توكيده المتواصل على أنّ اللهَ ذا كينونةٍ هي، في ذاتِ الوقتِ، محايثة وترانسيندينتاليّة (متعالية).  عليه فإن نوحَ، في مسعاه لـ"هداية" اللا مؤمنين، لم يُمتدح، عند ابن عربي، بوصفه ذائداً وحيداً عن الإستقامةِ والصّلاحِ في عالمِ انحلالٍ وتفسّخٍ وإنما بات مُنتَقَدَاً، فحسب، لتوكيده ما هو متعال (ترانسيندينتال) في كينونة الله دون أن يشير، في ذات الآن، لما هو مُحايث (مُبَاطِن) في ذاتِ الكينونة.  وعلى هذا السبيل يقول ابن عربي لو أنّ نُوحاً كان قد أتى، لقومِهِ، بقولٍ مثل ذاك [أي فيه، فضلاً عن التوكيدِ على تعالِيَ (ترانسيندينتاليّة) الله، إشارةٌ أيضاً إلى محُايثَتِهِ] لكانوا قد استجابوا له (عفيفي: 70؛ أوستن 1980: 76). لكنّ ابن عربي لا يكفكف أطرافَ كلامهِ عند هذا الحدِّ ويصمت، بل هو يُوغلُ بعيداً في مخالفته للسائد ويُأوّل الغرق النهائي لغير المؤمنين ليس على أنّه عقوبة عادلة ضدّ خطاياهم وإنّما على أنّه غرق الأولياء في بحور الله الشاسعة التي ليس لها شواطئ، فهو يقولُ عن أولئكَ أنّهم قد غرقوا "في بحارِ العلمِ باللهِ وهو الحيرة [التشديدُ من عندي- المترجم]" (عفيفي: 73؛ أوستن 1980: 79). إنّ عابدي الأوثان، أولئكَ "العامهينَ في غيّهم"، يصيرون فجأةً، رغم الوفرة المربكة لأصنامهم ذات المسمّياتِ الشّتّى (وادٍ، صوان، ياقوت (أو ياغوث) وياوق- نصر 71: 23)، منعوتين، لدى ابن عربي، بأنّهم متعهّدي حيرة روحية فيما يندُّ ذلك عن نوح الموصوفَ بأنّه هيئةٌ بشريّةٌ لا تزالُ متشبّثةً برؤيةٍ للهِ ذاتِ بعدٍ واحدٍ فحسبْ إذ لا تكن متعلقةً إلا بالوجهِ المتعالي (الترانسيندينتالي) لكينونته.

 

إنّ النحو الذي يرى عليهِ ابنُ عربيٍِّ نوحاً يبقى مهماً لأنه يُخبّرُنَا بأشياءٍ عن موقفِ "الشيخِ الأكبر" من الإلتباس.  ومن تلك الأشياء، أوّلاً وتخصيصاً، أنّ الكثرةَ (التّعدُّديّة) لم تُرَ عِنْدَهُ على أنّها مشكلة بل على أنها وسيلة سائقة إلى الحلّ المنشود.  وذلكم لأنّه، في فهم ابن عربي، لا يتأتّى الإلتباسُ الضّرُورِيُّ المؤدّي إلى التّطوّرِ الرّوحيِّ إلا عبر سبيلِ الكثرة (التّعَدُّديّة) وقد تمثل ذلك، في حالة نوح، في كثرة (تعددية) الأوثان المسببة للـ"الإختلاط" فيما بين قومِ نوح.  فقط الإختلاط (الإلتباس)- يقول ابن عربي- هو ما يستطيع أن يقربنا أكثر من الله.  وذلكم لأنّ موضوعاً واحداً للعبادةِ لا يكن كافياً إذ هو يخدع الجاهل بوهمِ وضوحٍ معيّنٍ، يَكِفُّ عن تصوّرِ فكرةً مركّبةً عن الله، ثم هو يجعلُ ذو العقيدة يفلكّرُ بأنّ المقدّسَ إنّما هو مقصورٌ التمثالِ أو الرّسمِ الذي كان عابداً له.  وذلكم لأنه ما أن تتبدّى تعدّديّةٌ في الأوثانِ حتّى يُستدعى موضع المقدّس- وبالتالي طبيعة المُقدّس ذاتها- للمساءلة.  فالإلتهاءُ يُصيّرُ هنا أداةً ضدّ-ميتافيزيقية، أي أداة تُستعمل لرفعِ الواعيةِ ونزعها من حيّزٍ معيّنٍ إلى حيثُ فهمٍ أكثرَ حريّةً للأشياء.  والإلتباسُ الذي يختبره المؤمن عند موقف تعقّد (أو، قل، تَرَكّب) الإحتمالات هذا يحضّ فيه نزوعاً نحو تقصٍّ أكثرَ إخلاصاً في طبيعةِ الله، تقصٍّ سوف يقوده (كما يؤمن الشيخ) إلى التحققِ الكليَّ الأهميّةُ من أنّ الحقَّ حاضرٌ في أيّما محلٍّ وأيّما شيءْ.

 

هنا، خصوصاً، يرى المرءُ كيفَ أنّ مقولة "اللا نهائية" تؤدّي دوراً مهماً ومركزياً في فكري جاك دريدا وابن عربي معاً.  فأشكال ما هو حقيقي، كما المعاني الممكنة للنصّ التفكيكيِّ، لا نهائيّةً في العدد، فليس هنالك من حدٍّ لـ"رقعة الشطر التي لا قعر لها" والتي تُمارسُ عليها لعبة الإختلاف (دريدا 1982: 22) بأكثرِ مما ليس هنالكَ من حدٍّ، كذلكَ، لبحورِ الله المحيطة اللا نهائية (فـ"الله يملك علائق، وجوه وحقائق ليس لها من قيدٍ أو حدٍّ [شيتيك 1989: 156؛ يحيى: 11. 671. 5]).  وذلكم يبيّن أنّ الإختلاطَ الذي يترتّب على لا نهائيةِ الحقيقيِّ/النّصِّ الجّاك دريديِّ يُرى، من قِبل جاك دريدا وابن عربي معاً، على أنّهُ شيءٌ مرغوبٌ تماماً رغم تأديته، عند كلٍّ منهما، إلى اتّجاهٍ مختلفٍ راديكاليّاً عن الآخر.  فعند دريدا لم تكن خُلاصةُ إمكاناتِ النّصِّ المربكة في لا نهائيتها مؤدّيةً إلا لنتيجةٍ واحدةٍ هي أنّ النّصَّ فارغٌ دلاليّاً (سيموطيقيّاً) ولا يعدو كونه صفحةً من رموزٍ مجرّدةٍ من العمق.  أما الشيخ ابن عربي فإنه، عند نظرهِ فب بلبالِ تعدّدِ معتقداتِ الناسِ، لا ينتهي، على أيِّ وجهٍ من الوجوهِ، إلى أيِّ خلاصةٍ مؤدّاها أنه ليس هنالكَ إلهٌ لكنّه، بالأحرى، يخلص إلى أنّهُ ثمةِ هنالكَ "شيءٌ يندُّ عن أن يُعرف" وموسومٌ، في ذاتِ الوقتِ، بأنّه يُجسّد كلَّ هاتيكَ التمظهراتِ اللا نهائيّةِ في عينِ الآنِ الذي يكن هو ذاتُهُ مُجسَّدَاً في جِماعِها.       

تلك مسألة واحدة.  أما المسألة الثانية التي ينبغي أن تُذكر هنا فهي أنّ فشل نوح في تبشيره الدّعويَّ لخلاص غير المؤمنين من الطوفان يتجذّع في رفضه لأن يُظهر الله على أنّه "حيرةٌ قُدسيّة" فـ"نوح"، في شوفِ الشيخ الأكبر، "دعا قومه ’ليلاً‘ من حيث عقلهم وروح نيّاتهم فإنها غيب.  و’نهاراً‘ دعاهم أيضاً من حيثُ ظاهرِ سُراهِمْ وحسّهم وما جمعَ في الدّعوةِ مثالَ ’ليس كمثله شيء‘" (عفيفي:70-71؛ أوستن 1980: 76).  إنّ نُوحَ هنا يأبى، حرفيّاً، أن يُشَوِّشَ اتّساقِ فكرةِ اللهِ في نفسهِ عبر إظهاره له كحضورٍ هو، بِتَسَاوُقٍ، ملتقىً جامعاً لمتناقضين (وذلكم بمعنى أنه، في ذاتِ الحينِ، حضورٌ مُحايثٌ وحضورٌ ترانسيندينتالي أي "مُتعالٍ").  وهذا الإرتباطُ المونولوجيُّ، أو الواحديُّ، بفهمٍ تبسيطيٍّ بشأنِ اللهِ، ثمّ، جوهريّاً، فقدان نوح لحاسّةِ استذواق الإلتباس هو، في بصيرةِ ابنِ عربي، ما يسبّب "نفورَ" اللا مؤمنين عن نوح ويمنعهم عن الصعود معه إلى مركبه.  إنّ ذلكم هو لتصويرٌ غيرُ تقريظيِّ لنوحٍ، من قِبل ابن عربي، فهو يبدو وكأنه يصنّف نوح ضمن نصراء "علم الكلام" والفلاسفة الأخر الذينَ يعقلُون (من "عِقال") أنفسهم إلى مربطِ تصوّرٍ واحدٍ عن الله.  ولعلّ ابنُ عربيٍّ، حرصاً منه على أن يحفظ لموقفه شيئاً من روح "الأرثوذوكسية" الإسلامية، يحسّ هنا حاجةً لأن يُقابلَ جهل نوحٍ الضّمنيِّ هذا بحكمةِ النّبيِّ محمّدٍ الأشدّ بصارةً إذ أنّها (في رأي الشيخ) فَهِمَتْ، بجلاء، شيئاً عن الله لم يفهمه نوح.  يقولُ الشّيخُ عن ذلك:-

 

ففي ’ليس كمثله شيء‘ إثباتٌ المثالِ ونفيه، وبهذا قال عن نفسه صلى الله عليه وسلّم إنّه يُؤتى جوامع الكلم [في معرفة الله].  فما دعا محمّدصلى الله عليه وسلّم [بخلاف نوح] قومه ليلاً ونهاراً، بل دعاهم ليلاً في نهارٍ [أي دعوة داخلية مضمرة في دعوة خارجية] في ليل [مما يعني إضمار الحقيقة الداخلية في الحقيقة الخارجيّة] (عفيفي: 71؛ أوستن 1980: 76-77- مابين الأقواس المربّعة مُضَافٌ من قِبَلِ أوستن).

 

يختلف النبيُّ محمد عن نوح في أنّه مُدركٌ، بتبصّرٍ، لحقيقةِ "الوضعيّة الفعليّة" هنا، فهو لا يؤكّد على الظاهر ولا على الباطن على حسابِ أحدهما الآخر وإنّما هو ينزع، بالأحرى، نحو تغشية التمييز بينهما.  وعلى غير ما عليه نوح لا يخشى النبيُّ محمّد، كذلكَ، من التباسيّةِ كينونةِ الله.  وهذه المسافة الطبيعية بين محمد ونوح لا تُقاس، عندَ ابنِ عربي، وفق معايير الإحترام أو الإصطفاء الإلهيِّ وإنّما، على الأدقِّ، بحسبِ الكيفيّةِ التي يكن بها أيٌّ من النبيّين أقربَ، من صاحبهِ الآخرِ، إلى قبولِ الحيرةِ بوصفها وضعيّةً كينونيّةً متعلّقةً بالألوهيِّ في حدِّ ذاتِهِ. 

 

ومن الإستعارات الأشدّ استثارةً للتأمّلِ نشير هنا إلى استعارةِ الطّوفانِ وذلكم حينما يستخدمها ابنُ عربيٍّ لوصفِ حال تلك الحيرة وذاك الإلتباس موحياً، بذلك، بذاتِ الصورةِ الدينيّةِ المألوفةش عن الله بوصفهِ "محيطاً لا حدَّ له ولا شاطئان".  تلك الإستعارةُ- نقول- هي ذاتُ الإستعارةِ التي تُقدِّمُ لنا، في معرض إعادة قراءة ابن عربي لسورة نوح، أكثرَ الإقتراحاتِ جرأةً فهي متعلقةً بتاويلِ الشيخِ لرفضِ اللا مؤمنين الإنضمامَ إلى نوح والصعود معه إلى مركبِهِ ليس على أنّه خطاٌ فادحٌ بل، بالأحرى، على أنّه قرارٌ ينمُّ عن حكمةٍ روحيذةٍ أكبرَ إذ أنّه يُنقذُ أولئكَ من الأنطولوجيا الثِّيولوجيّة الضَّيّقة المنطوي عليها شأنُ سفينةِ نوح ويُهيّئُ لهم الغرقَ، بنشوةٍ، في بحارِ "معرفةِ اللهِ" الأكثرَ رحابةً وشسوعاً (أوستن 1980: 79).  إنّ أولئكَ، برفضهم الإستجابة لنوح والإصغاء لدعوتهِ لإلهه المتعالي (الترانسيندينتالي)، إنّما يرفضون، في شوفِ ابن عربي، وضوحاً غيرَ مستنيرٍ في سبيلِ حقيقتهم الخاصّةِ الملتبسةِ والمحيرةِ وهم يبذلون، كما فعل الحلاّج، حيواتهم ثمناً لذاكَ الإختيار.  مع ذلك توصف المرتبة الروحية التي وصل إليها أولئك اللا مؤمنين بفعل رفضهم ذاك، من قِبلِ ابن عربي، بأنها أعلى كثيراً في مقامها من مرتبة نوح.  فأولئكَ القوم إن همو، إثر انجراف الفيضان بهم بعيداً، كانوا، أبداً، سيلقون، من بعدِ ذلكَ، أرضاً يرسونَ عليها مرّةً أخرى (كما فعل نوح) لما شكّلَ لهم ذلكَ إنقاذاً، بل هبوطاً روحيّاً.  وذلكم لأنه إن كان نوح حينذاكَ، كما يقول ابن عربي، نازلاً بهم إلى "شطِّ الطّبيعةِ" لكانَ، في الحقِّ، هابطاً بهم عن "درجاتٍ رفيعاتْ" (عفيفي: 73؛ أوستن 1980: 80)، فعند الغنوصيّين الحقيقيّين البحارُ، لا غروَ، يعلو شَأوُهَا، بانميازٍ، عن السّفائنْ.

 

في "الفتوحات المكيّة" يؤدّي ابنُ عربيٍّ ذاتَ الإيماءةِ الإشكاليّةِ إذ هو يُصيّرُ الإدانات القرآنيّة المعهودة لمن هم غافلين وتيّاهين إلى نقيضها التّامِّ بحيثُ أنّ دلالاتها الظاهريّة تُحوّلُ، عِنْدَهُ، إلى أوصافٍ لقلّةٍ مصطفاةٍ ومُنمازةٍ من عن "جِماعِ النّاسْ" (شيتيك 1989: 380) بما انطوت عليهِ من كشفٍ عن معاني (أو مغاني) الحيرة الحقيقيّة الخَلُوصَة.  فعلى سبيلِ المثالِ هو يفسّر، بل يؤوّل، في المجلد الاخير من "الفتوحات المكيّة"، شأنَ أولئكَ الضّالّين الموصوفين، قرآنيّاً وفي الآيةِ السابعةِ عشرةِ من سورةِ البقرةِ، بأنهم لا يرونَ ولا يسمعون وبأنّهُم بكمٌ وعمي فهم لا يرجعون، على هيئةٍ مختلفةٍ فهم، في شوفهِ، "كائنينَ في ظلامٍ" فيه لا يبصرونَ ولا يسمعونَ ولا ينطقونَ بموجبِ أنّهم "لا يفهمونَ" إذ أنّهم، أحياناً، يقولون عن شأنهم مع الله تعالى بأنّهم، في ذاكَ الشّأنِ، "هم هم وهو هو" فيما هم يقولونَ عن ذاتِ الشّأنِ وعمّا هم فيه إِزَاءَهُ، في أحيانٍ أو "أحوالٍ" أُخَرْ، بأنّه تعالى يكن، في هاتيكَ الأحيان أو "الأحوال"، كائنٌ على أنّه "هو هم وهم هو" (شيتيك 1980: 380).

إنّ الظُّلمةَ (الإعتامَ)، اللا فهم، اللا هدفيّة (الشّرود)، هي، عند الشيخ الأكبر، هباتُ أولئكَ الحائرين الذّاهلين فهم لن يؤوبوا، أبداً، إلى "الصّراطِ المستقيم" فحيرتهم وانذهالهم إنّما يعنيان، فيما يعنيان، فقدان الوجهة وانبهام السّبيلْ.  لكنّ تلكَ "اللا عودة الأبديّة" إلى "الصراط المستقيم" تبدو هنا ، فجأةً، مشتملةً على استنارةٍ وليسَ على جهل، فابنُ عربي يُفْعِمُ فكرةَ التّهيامِ بحسٍّ إيجابيٍّ تصعبُ مصالحتُهُ والإسلامُ الأرثوذوكسيُّ إن اعتبرنا هنا أهميّة استواء السّبيل المسلم الأرثوذوكسي على "صراطٍ مستقيم" ومعادلة ذاك الإستواء بقواعد وتقاليد الشريعة الإسلاميّة السّلفيّة.  وفي فصله عن النبيّ نوح يحلل ابن عربي هذا الفرق بين اللا حائر اللا ذاهل- الذي يمضي على سبيلٍ معطىً نحو هدفٍ هو، كذلكَ، "مُعطىً"- والحائر الذّاهلُ الذي لم يعد، في شوفهِ، هنالكَ أيُّ مركزٍ يرتحلُ صوبه فذاك الذي يُكابدُ مثل تلك الحيرة لا يكن، أبداً، عند ابن عربي، منفكّاً عن التمركزِ عند القطب (الذي هو الله)، فيما ذاك السالكُ للدربِ المستطيلِ (نحوَ إلهٍ بعيدٍ) يكن، دوماً، مائلاً خارجَ المقصد الأسمى وطالباً، حيثما هو مائلٌ، ما هو، أزليّاً، كائنٌ فيه فلا يكن، فعليّاً، إلاّ جارياً، آنذَاكَ، وراءَ خيالٍ كان (دون أن يُبصِرَ) هدفاً له.  هو، ذاك السّالكُ، قد اتّخذَ، كما يقول ابنُ عربي، نقطةَ بدءٍ خياليّةٍ وما يفترضُ أنّه هدفٌ وما هو بينهُمَا فيما الإنسانُ الذي مَرْكَزُهُ وقُطْبُهُ هو الله لا يكن عندهُ قيدٌ على البدءِ أو النِّهايةِ إذ هو يكن، بكيفيّتِهِ تلكَ، حائزاً على أكثرِ هيئاتِ الوجودِ شمولاً ومن ثمّ مُتَلَقّيَاً للحقائقِ والدّقائقِ الإلهيّة (عفيفي: 73؛ أوستن 1980: 79). 

 

تُقابَلُ الحَيْرَةُ الإبنُ عربيّةِ هنا بالحركة فالإختلافُ يغدو، وفقها، وضعيّةً شالّةً (من "شلل") إذ هو يَنْزَعُ عن المؤمنِ الحسَّ بهدفٍ ما، موضوعٍ ما أو غاية، فما أن يكتشف المرءُ أنّ الله حاضرٌ (بمُحَايَثَةٍ) في نفسهِ، تماماً كما هو حاضرٌ، في ذاتِ الوقتِ، خارج نفسه (على هيئة متعالية) لا يعد المرءُ في حاجةٍ لأن يحجَّ، فالمقام المقدّس يكن، آنذاكَ، سابق الوجود (الحضور) في عينِ ذاتِ الحاج.  عليهِ لا يغدو، والشّأنُ هكذا، الشّللُ (أو الصّعقُ) الذي يُودِي إليهِ الإختلاطُ بالإنسانِ المتمركز عند قطبِ الله (ذاكَ الحائرُ)، بأيّةِ حالٍ، شيئاً سلبيّاً وإنّما، ببساطةٍ، صيرورةَ رحلةٍ وهميّةٍ، أو مُتَوَهّمَةٍ، إلى شيءٍ (حالٍ) يَسْبِقُ المرءُ أن يكونَ عليهِ أمراً غيرَ ضروري.

 

النقطةُ الأخيرةُ التي ينبغي أن تُذكرَ بخصوصِ تأمّلاتِ ابن عربيٍّ في "ثيمةِ" نُوحٍ تتعلّق بالمُتَضَمّناتِ الإجتماعيّةِ للحيرةِ الإبنِ عربيّةِ وما تشتملُ عليهِ من إمكانٍ ناقضٍ أو هدّامْ.  إنّ الفصلَ الخاصَّ بنُوحٍ يشكّلُ واحداً من المواضعِ القليلةِ في "الفصوصِ" التي يُلمّحُ فيها، دون استكشافٍ تامٍّ أو مُفَصّلٍ، إلى الإمكاناتِ السياسيّةِ المومئ إليها، إيماءاً خفيفاً، في وصفِ ابن عربي للحيرةِ بوصفها اكتشافُ الكينونةِ الحقيقية في داخلِ الذّاتِ المفردة.  ثمةُ نقاد محدثين ذوي أجندة سياسية كثيراً ما يُلْفَونَ وهم يعيدون تأويل صوفياتٍ شتّى من القرونِ الوسطى فيتعاملونَ معها على أنّها ذاتُ قاموسٍ ثوري.  وذاكَ يُطبّقُ خصوصاً على أشكالها التي تنزع نحو توكيد ما هو إلهي في عينِ ذاتِ ما هو إنساني.  وأوضح أنموذجٍ لذلكَ ربّما يتمثّلُ في قراءةِ أيرنست بلوخ Ernest Bloch الماركسية، في مؤلّفهِ المسمّى Atheismus Im Christentum ("نزوعُ إلحادٍ في المسيحيّة")، لصُوفِيِّ القرونِ الوسطى المسيحيّة ماستر إيكهارتْ.  ففي تلك القراءة يُصيّرُ توكيد إيكهارت على وحدةِ اللهِ والنّفسِ إلى إيماءةٍ هدّامةٍ، إيماءةٍ إنعتاقيّةً (تحريرية) ترى، في حدّها الأقصى، "الكنز الذي هو في السموات" على أنّه "ملكٌ للإنسان" (بلوخ: 95).  وذلكم لأنّ إيكهارت، كما في رؤية بلوخ، لا يُواتينا بـ"مادّةٍ مُلهمةٍ" فحسب وإنّما، كذلكَ، بـ"مملكةِ سماءٍ مُنزّلةٍ [للأُنْسِ] ومفتوحةٍ على مصراعيها" (المرجع السابق، 287).

 

لكنّ ذلكَ كلّه لا يُعني أن نقولَ، وفقه، إنّ قراءةً لابن عربي مماثلةً لتلكَ في تحرريتها ينبغي لها أن تُحاول، فالقيود الوحيدة التي يعتني ابن عربي بشأن كسرها هي، في الأصل، قيود ميتافيزيقية خالصة.  وهذا يسوقنا إلى أن نزعمَ أنّ ما يستحقُّ الملاحظةَ هنا في حديثِ ابن عربي عن نوح هو، على الأوفق، الهيئة التي يُلاشى بها حضورُ المتحيّرين (أو تهيّؤهم) تراتبيّة اجتماعيّة معيّنة، ومن ثمّ- كذلك- الكيفيّة التي تستحضرُ بها كلماتٌ لنوحٍ إلتباسَ اللا مؤمنين وتصفه بأنّه تهديدٌ ممكنٌ للمجتمعِ قد يتأتّى له الإنتشارُ إن هو لم يُكبَحْ في وقتِهِ. 

 

يقول ابن عربي عن ذلك إنّ ما يُخاطب به نوح الله تعالى، في هذا الشأن عن من لم يتّبعوه، حينما يقول له تعالى "إنك تذرهم وتتركهم يضلّوا عبادك" إنما يعني به أن يقول له (تعالى) إنه، بذاك الذّرِّ والتّركِ، إنّما هو يُهيّئ لأولئكَ أن يُحيّروا عباده "فيخرجوهم من العبوديّاتِ إلى ما فيهم من اسرارِ الربوبيّات فينظرون أنفسهم اربابا" (عفيفي: 74؛ أوستن 1980: 80).

 

لئن يكن الله هو ماحي الفروق والتمييزات (بمعنى أنّه "لا صفاتَ له"- شيتيك 1989: 73) فإنّ أيّ فردٍ، بصرفِ النظر عن موقعه الإجتماعي، سيكن، آنذاكَ، حاملاً في ذاتهِ قدرة عهلى تفكيكِ جماعِ التّراتبيّات.  وخشيةُ نوحٍ، في هذا السياق، إنّما تكمنُ في هذا التهديد المُتصَوّر الذي ينطوي عليه اكتشافُ الذات، فالحيرةُ هنا تسمقُ بالمولى عن عبوديتهِ فتجعل، وقتذاكَ، كلّ شيءٍ يومضُ ويتحوّلُ إذ تعيدُ مَوْقَعَةَ ما هو إلهيٌّ ليس فقط في داخلِ افئدةِ الخلفاءِ والملوكِ وإنّما حتى في أفئدةِ أدنى غمارِ النّاسِ درجةً في السّلّمِ الإجتماعيِّ التّراتُبِِيْ.  تلك فقرةٌ (من "الفصوص") تُذكّرنا بملاحظة بلوخ بخصوص ماستر إيكهارت، فعند ابن عربي تُبدِّلُ الإستنارةُ الحقيقيّةُ الموالي إلى أربابٍ ولورداتْ. 

 

إنّ موقفي دريدا وابن عربي هذين- اتّسامهما الراسخ بعدم الثقة في الأنظمة وبناة الأنظمة، تصويرهما المتواتر للوضوح على أنه وهمٌ مبنيٌّ على الجهلِ بوضعيّةِ معيّنةٍ، فهمهما بأنّ هنالكَ قوّةٌ ديناميكيّةٌ تغزو وتتشرّب كلّ التمظهراتِ/النّصوصِ دون أن تكشفَ أبداً عن نفسها، ثمّ اعتقادهما بأنّ وضعيّة الحيرةِ (والإلتباس) تتيحُ للمرءِ أن يستبصرَ "آخراً" متملّصاً يبقى لا مرئيّاً (أو خفيّاً) عن جِماعِ اولئكَ الّذينَ يحاولونَ التّفكّرَ فيهِ- يقوداننا، في جِماعِ ملاحظاتهما، إلى جُملةٍ من النّقاطِ، أو الإستنتاجاتِ، العامّة.  

 

الحيرةُ هي "وضعيّةٌ فعليّة"

 

ينمّ الإختلاطُ، عندَ المُفكّرينَ معاً، عن حالةٍ أصليّةٍ معيّنةٍ للشؤونِ يبدو أنّها "متقدّمةً" على الله/النّصِّ وعلى كلّ محاولةٍ للحديثِ عنها.  فالبنسبة لابن عربي يرى الغنوصيُّ الحقيقيُّ (دون تقليلِ شأنٍ) ما هو كائنٌ وراءَ (أو قبل) تنظير وتفلسف نظرائه، فهو يفهم أنّ الأمرَ كلّه هو أمرُ حيرةٍ والتباس (أوستن 1980: 254)، أي أمر سيولةٍ إلهيّةٍ كائنةً، أساساً، تحتَ كلّ صورةٍ ومفهومٍ يمكن لهما أن يُقدَّمَا (فيما بعد) في بابِ الكلامِ عن حقيقتها.  أما الناقد التّفكيكي فه

يُرجّع صدى تقدّم (أو أسبقيّة) المعنى تلك خلل معادلتها بالإختلاط، وذلكم عبر رؤيته لما وراء السّكونِ الظّاهريِّ للنّصِّ وإدراكه أنّ "ثمةَ ’تنافرٍ من قوى مختلفة‘ كائنٌ تحته" (دريدا 1982: 18) ومتهيّئٌ، قبليذاً ودوماً، لأن ينقضَّ على ويقوّضَ، بغتة أو في أيِّ لحظةٍ قادمةٍ، أيَّ، وكلَّ،  تفسيرٍ ممكن.

 

الحيرة هي وضعيّة حتميّة

 

إنّ الإختلاطَ/الإلتباسَ الذي يُجذّرُهُ ويُدوّمُهُ مفهوما "الإختلاف" و"الحق"، عند جاك دريدا وابن عربي، لن يُستطاعَ لهُ تطويعاً، فليس هنالكمن ثيولوجي ما بمقدورهِ أن يحصر ما هو حقيقي (على المستوى الأنطولوجي) عند شكلٍ واحدٍ، آمنٍ ومستقرٍّ من بذاتِ القدرِ الذي ليس به هنالك من هيرمينوطيقا بعينها بإمكانها أن تمنع "الإنزياح الأساسي للنص" (دريدا 1982: 317).  وذلكم لأنّ ما هو- انطولوجيّاً- حقيقيٌّ يتحرّكُ خلل تمظهراتٍ ملتبسةٍ عديدةٍ (من "ظاهرٍ إلى ظاهرٍ"، كما في قولِ الشّيخِ الأكبر) بهيئةٍ مماثلةٍ لتلك التي يتحرك بها النصُّ خلل سلسلةٍ ملتبسةٍ، بذاتِ القدرِ، من التأويلاتِ المتفاوتة.  إنّ جاك دريدا وابن عربي يضمران اتفاقاً بأنّ انثيال المعاني والتمظهرات المحير هذا لا يمكن له إمّا أن يُضبطَ أو أن يُقاومَ فالحيرةُ عندهما حقيقةٌ دلاليّةٌ من حقائقِ الله.

 

الحيرةُ هي وضعيّةُ صدقٍ عسيرة

 

إنّ كلمة "كافر" ("غير مؤمن" أو "غيرمعتقد") هي، أصلاً، ذاتُ جذرٍ عربيٍّ هو لفظ "كَفَرَ" الذي ينطوي على فعل السّترِ، الإخفاءِ أو التّغطية.  وإيتمولوجيّاَ (أي لفظيّاً) الكافرُ هو من شخصٌ يُخفي الحقيقة في قلبه (أوستن 1984: 7).  عند ابن عربي هذا قد يعني رفض الإقرار بالتباسية "الوضعية [الأنطولوجيّة] الفعليّة" للأشياء والتي تشي بأنّ ما هو حقيقي هو، في ذاتِ الوقتِ، الخَلقُ وما هو ليسَ الخَلْقُ وبأنّ الـ"هو" هو، في ذاتِ الآنِ، محايث (أنطولوجيّاً) ومتعالٍ.  وهذا يعني، في شوفِ ابن عربي، أنّ سرّ النَّفسِ الإخباريّة- الذي يشتمل على أنها جزء مما هو، أنطولوجيّاً، حقيقي- هو سرٌّ مخفيٌّ والعلّةُ، في ذاكَ الإخفاء، تعود إلى التوكيد الأحادي على نصف-الحقيقة الأنطولوجية المتمثل في مفهوم وفعل التنزيه.  "نحنُ نمنع التفكّر [في ذاتِ اللهِ وأنطولوجيّتهِ] كُلّيّةً"، هكذا يكتب الشيخ ابن عربي،"آنما يكن التفكّر مودياً بصاحبه إلى خداعِ الذات وانتفاء الأصالة" (شيتيك 1989: 203؛ يحيى 11. 253. 2)...  إنّ "تخفية"، أو "تعمية"، حقيقة الإستعصاء الراديكالي لكينونة الله على التدبّر والتفكير بدثار نُسخِ تصوراتنا الثيولوجية الخاصة عن الألةهيّة نُصيّر حيواتنا الروحيّةَ أكثرَ يُسراً وسهولةً لنا.  وذلكم لأنّنا إن نكن نرغب في مواجهةٍ حقيقيّةٍ مع ما هو- أنطولوجيّاً- حقيقيٌّ فإنّه ينبغي لنا، في شوف ابن عربي، أن نكونَ مهيّئينَ لأن نكابد الحيرة والغلتباس وليس أن ننشد، ببساطة، تطميناتٍ نفسانيّةٍ متمثّلةٍ في صورٍ أنطولوجيّةٍ مريحةٍ ومألوفة. 

 

في حوارٍ معه تحدث جاك دريدا (في سياقٍ مسيحيٍّ دقيقٍ) عن إمكانِ نهوضِ "حركةٍ تفكيكيّةٍ مسيحيّة" فاقترح، على ذاك السبيل، بعض تطبيقات ثيولوجية تفكيكية مثيلة لتطبيقاته تهتم- أكثر من أيِّ شيءٍ آخرٍ- بشأنِ "كشفِ الغطاء" عن أصالةٍ روحيّةٍ ممكنة.   وقال دريدا، في هذا المتعلّق، إنّ النقطة المهمة هنا قد تبدو هي مسألة تحرير الثيولوجيا ممّا طُعّمَ بها من ميتافيزيقيات وفلسفيّات مثّلت لها "أناها العليا" حتّى يُستطاع كشفُ الغطاءِ عن أصالةٍ روحيّةٍ حقيقيّةٍ لـ"الإنجيل" وللرسالة التبشيرية في جماعها.  بناءاً على هذا يستطيع التفكيك، على الأقل، أن يكونَ، من منظورٍ عقيديٍّ، تكنيكاً مفيداً جداً آنما يتوجّب نقد الأرسطوطالية أو التّومائيّة، بل وحتى حينما، من منظور مؤسسي، يكن ذاك الذي يُراد نقده مؤسسة ثيولوجية كاملة يفترض أنها حجبت وطمست، بما ران عليها، رسالة مسيحية أصيلة.  وذلكم، بحسب دريدا، يمثل، فيما يبدو، إمكاناً حقيقياً للعقيدة- ليس فقط عند هوامشها وإنما، كذلك، قريباً جدّاً من مركزِ "نصّها المقدّس"- بأن تعاش على هيئةٍ مغامرةٍ، خطرةٍ وحرّة (بلوند: 262).

 

رغم اختلاف السياقين يقول دريدا هنا شيئاً هو، فعليّاً، شبيه، على نحوٍ بائنٍ، ببعضِ ما يتخاطر به ابن عربي.  فالبناءات "الميتافيزيقية-الفلسفية" التس سعت، آناء القرون، مؤسسات مختلفة (كمؤسستي الأشاعرة والمعتزلة) لأن تُبسّط بها وتقنن طبيعة الله قد أنشئت جميعها على خلفيّةِ "تغطيةٍ" و"تعميةٍ" للكينونةِ الإلهيّةِ الحقّةِ، الشيء الذي يُصيّرُ "حيرةَ" ابن عربي، على أوجهٍ عديدةٍ، مقدِّمَةً لسابقةٍ إسلاميّةٍ حاضّةٍ على إقامةِ عقيدةٍ "تُعاشُ على هيئةٍ مُغامرةٍ، خطرةٍ وحرّة"، عقيدةٍ متحرّرةٍ من الميتافيزيقيا، من الأقنعةِ والتّلبّساتِ، الصّورِ والأوثانْ.         

 

الحيرةُ هي وضعيّةٌ مُرامة

 

في كلِّ من المنزعين التّفكيكي والصّوفي (أي الدّريديّ والإبن عربيٍّ) تظلّ النقطة الأساسيّة واحدةً وهي أنّه عندما عندما نكن نحنُ على اختلاطٍ فإننا سنرى أشياءَ ما كنّا سنميّزها في آنِ اعتقادنا بأننا ندرك طبيعة ما نكن له، حينذاكَ، فاعلين.  وذلكم يشي بأننا، في آناتِ الحيرةِ والإلتباسِ، ندرك، وفقاً لرؤيتي جاك دريدا والشيخ محيي الدين ابن عربيٍّ معاً، "حقيقة الإختلاف الكائنة في الإختلاف".  هايدقر، أيضاً، كثيراً ما يقول أشياءَ شبيهةً بذلك.  فهو يلاحظ- مثلاً- أنّه عندما يخطئ شيءٌ ما مساره- كما في حال انكسارِ أداةٍ، حدوثِ مصابٍ غيرَ متوقّعٍ أو خيانةِ شريكٍ حميمٍ- فتنهارُ، تبعاً لذلكَ، مشروعاتٌ تخصّنا فإننا نرى، لوهلةٍ، حقيقةَ (أو واقعةَ) كيف أنّ عالمَنا مركّبٌ ومتقارنٌ (متناصٌّ) حولنا على هيئةٍ تضفي عليهِ معنىً معيّناً.  في مثلِ لحظةِ "الإنهيارِ" تلكَ، يقول هايدقر، نحن نلمح "عالمانيّةَ العالم". 

 

إنّ التركيبةَ المحيرةَ للتّمظهراتِ تُمكّنُ، في شوفِ ابن عربي، المؤمنَ المصعوقَ من استبصارِ "ألوهيّةِ اللهِ"، تماماً مثلما تُمكّنُ صور "الآخرِ" المتتاليةَ التّفجُّرُ دريدا من رؤيةِ "آخريّة الآخر".  عليه يجد اعتراضٌ مشتركٌ، فيما بين الصّوفيّة والتّفكيكيّة، على الفكرِ العقلانيِّ/الميتافيزيقيِّ، استجابةً مشتركةً، كذلكَ، متمثّلةً في الإفادةِ الآتية:- لئن تكن الميتافيزيقيا مُعميةً، أو حاجبةً، لنا عن الوضعيّةِ (الأنطولوجيّةِ) الفعليّةِ للأشياءِ- ولئن يكن الإختلاطُ/الإلتباسُ هو ذاك الذي يُبطل فاعليّةَ قدرتَنَا الإراديّةَ على عقلنةِ الأشياءِ ضمنَ أسورةِ أنظمةٍ مفهوميّةٍ بعينها- فإنّنا، وقتئذٍ، سوف لن نُفتح، بالفعلِ، على "رؤىً" حقيقيّةً إلا حينما نتعلّمُ أن نتوقَ إلى الإختلاطِ والإلتباسِ ولا نتّخذَ لنا منهُ مهربا.

 

                                                ترجمة:- إبراهيم جعفر. 

[اكتملت الترجمة في يوليو 2007].

 

قائمةُ المراجع:-  

 

1.     عفيفي، أ. إ، فصوص الحكم (للشيخ محيي الدين ابن عربي)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1946.

2.  رالف أوستن، فصوص الحكم (الترجمة الإنجليزية (The Bezels of Wisdom، Nahwah NJ: Paulist Press, 1980.

3.     "Meditations Upon the Vocabulary of Love and Union in Ibn 'Arabi's Thought", Journal of The Muhyiddin Ibn'Arabi Society, 1984.

4.     Bloch, Ernest, Atheismus Im Christentum (found in Gesamjausgable), Frankfurt Am Main: Suarkamp, 1968.

5.     Blond, Philip, Post Secular Philosophy, Routledge: London, 1998.

6.   شيتيك، ويليام، نقش الفصوص Imprint of The Bezels of Wisdom، مجلة جمعية محيي الدين ابن عربي، العدد 1، 1982.

7.  شيتيك، ويليام ق.، سبيل المعرفة الصوفيّة The Sufi Path of Knowledge، ألباني:- دارنشر جامعة الدولة بنيويورك، 1989.

8.  كوارد، هارولد وت. فوشي، دريدا والثيولوجيا السالبة Derrida And Negative Theology ، دار نشر جامعة الدولة بنيويورك، 1992.

9.  دريدا، جاك، الكتابةُ والإختلافWriting And Difference  L'Ecrture et la Difference ، ترجمة ألان باس، برايتون، هارفيست بريس، 1982.    

10.دريدا، جاك، إنتثار La Dissimination، ترجمة [إلى الإنجليزية] باربارا جونسون، أثلون بريس، لندن، 1972.

11.دريدا، جاك، هوامش الفلسفةMargins of  Philosophy ، ترجمة [إلى الإنجليزية] ألان باس، برايتون، هارفيست بريس، 1982.

12.دريدا، جاك، مواضع Positions ، ترجمة [إلى الإنجليزية] ألان باس، لندن، 1987.

13.Psyche: Inventions de l'autre. Paris: Editions Galilee,  1987

14.Guignon, Charles, A Cambridge Companion To Heidegger, Cambridge: Cambridge University Press, 1983.       

15.Hertestein, S., and Michael Tiernan, Muhyiddin Ibn'Arabi: A Commemorative Volume, Dorset: Element, 1993.                    

16.Kamuf, Peggy, A Derrida Reader, Exeter: Wheatsheaf, 1991.        

17.  Kenny, Anthony, A Wittgenstein Reader, London: Blackwell, 1994.       

18.Midgley, Nick, "Responsibilities of Deconstruction", University of Warwick Journal of Philosophy, 1997.                 

19.Nasr, S.H., and Oliver Leaman, History of Islamic Philosophy, London, Routledge, 1996.                                         

20.Netton, Richard, "Allah Transcendent: Studies in the Structure and Semiotics of Islamic Philosophy", Theology and Cosmology, London: 1989.                                                           

21.Nietzsche, F., Twilight of The Idols, trans. by R.J. Hollingdale, London, Penguin, 1990.                                              

 

حاشية مهمّة:-

 

*  نشر المقال في مجلّة الأكاديمية الأمريكية للفكر الديني Journal of the American Academy of Religion, September 2002, Vol. 70, No 3, pp. 515-537.         


© Copyright by SudaneseOnline.com


ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات ,الاخبار و البيانات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى bakriabubakr@cox.net كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

أعلى الصفحة



الأخبار و الاراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

ترجمات
  • تشارلز تيلور يكتب من لاهاي هاشم بانقا الريح*
  • المتصوّفون الضّاحكون*/تحريرُ وترجمة:- إبراهيم جعفر
  • اسقاط النظام في ثلاثة أيام!!!
  • روبرت فيسك: ثمة أشياء لم اكتبها بعد !/ترجمة معتصم كدكي
  • fuzzy wuzzy للشاعر الإنجليزي روديارد كبلنج /عبد المنعم خليفة خوجلي
  • لماذا يجب ان يكون الرفيق سلفاكير ميارديت رئيساً للسودان فى 2009 /إزيكيل جاتكوث
  • دكتور: بشير عمر محمد فضل الله – كأحد الخمسمائة زعيم عالمي للقرن الجديد – ترجمة وتقديم : بقادى الحاج أحمد
  • رئيس حركة تحرير السودان يصبح محط أنظار الكثيرين في الوقت الذي يصاب فيه رئيس جمهورية السودان بالهلع و الذعر./بقلم / إستيف باترينو- من صحيفة سودان تريبيون الإكترونية ترجمة- حجرين جاموس
  • المدعي العام لمحكمة الجزاء الذي يريد احضار البشير للعدالة مطالب بالاستقالة ( الديلي تلغراف)/ترجمة مصعب الأمين
  • من هو أوكامبو عبدالله يوسف عبد الله
  • رحيل الماشية وعودتها في بوروندي 1/2 من كتاب: الأدب في أفريقيا- القسم الخامس- النثر المكتوب- أعداد: بقادى الحاج احمد
  • دارفور .... حقيقة أم خيال بواسطة البرفيسور آنن يارتلت /ترجمة / محمد سليمان.
  • تيلهارد دي شاردن: "مكان الإنسان في الطّبيعة"*: مقدّمة وفاتحة وإشارة ومدخل [ترجمة: إبراهيم جعفر].
  • تـقريــر "فـرنسـا والـعولـمة" ترجمة وعرض : مؤيد شريف
  • الفصل بين الأولاد و البنات في التعليم العام* ترجمها بتصرف: محمد عربان
  • أورويل في البيت الأبيض!* أنيتا رَوْدِك**ْ
  • السُّكونُ يُضيءُ عزلةَ الموتْ شعر- عبد المنعم عوض/Translated by: Ibrahim Jaffar
  • قصة الدبدوب السوداني تكشف عقدة الدونية الإسلامية* وليد علي ** ترجمة محمد عثمان ابراهيم
  • بيتر شيني*:- أحد روّاد الآركيولوجيا الأفريقية الأوائل*/بقلم:- بيتر كلارك/ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • بيتر هولت.. مؤرِّخ الشََّرق الأوسط والسُّودان-ترجمة الدكتور عمر مصطفى شركيان
  • أهل الخير يمارسون الشر في دارفور/آرلين غيتز*-ترجمة : محمد عثمان ابراهيم
  • من دفاتر المخابرات : أوراق الأحمق/جوناثان بيقينس-ترجمة : محمد عثمان ابراهيم
  • كيف ضل الغرب مالكوم فرايزر*/ترجمة : محمد عثمان ابراهيم
  • الراهب الباطني*/ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • فصل من كتاب ** التنمية كاستعمار للكاتب Edward Goldsmith ترجمها عن الانجليزية أحمد الأمين أحمد و حنان بابكر محمد
  • صدقُ الحائر:- حالُ "الحيرةِ" ما بين دريدا وابن عربي...* بقلم:- إيان ألموند/ترجمه عن اللغةِ الإنجليزيّة:- إبراهيم جعفر
  • سياسة التعريب في ( تُلس ) كما وصفتها صحيفة اللوس انجلز تايمز/سارة عيسي
  • "لا أحدَ أنشأَأفلاماً مثله"* [إهداء الترجمة:- إلى الصديق العزيز والناقد السينمائي الأستاذ:- محمد المصطفى الامين]./ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • صحيفة /القارديان/ البريطانية تنعى السينمائيّ السويدي انقمار بيرقمان/ترجمة:- إبراهيم جعفر
  • خللَ زُجاجٍ؛ بوضوح:- رحيل انقمار بيرقمان (ترجمة:- إبراهيم جعفر)
  • البــدو (المجاي/ البجا) والفراعـنـة بقـلــم : روبـــرت بيـــرج/ترجمة / محمد جعفر أبوبكر
  • صحيفة "القارديان" البريطانية تنعي سمبين عثمان*/(ترجمة:- إبراهيم جعفر).
  • دارفور: لعبة التسميات* بقلم بروفسير محمود مامدانى /ترجمة الصديق الأمين
  • بحوث تستكشف التخلص من شبكة الانترنت الحالية لصالح أخري حديثة /ترجمة د./ عباس محمد حسن
  • العلماء يقتربون من صنع قناع (عباءة) الإخفاء/ترجمة د./ عبـاس محمد حسن
  • دارفور وسيناريوهات مجلس الأمن ../متابعة وترجمة واستخلاص : توفيق منصور (أبو مي)
  • الثقافه والإعلام فى المجتمع البريطاني المعاصر/ترجمه : أحمد الأمين أحمد..
  • فصل من كتاب: ملامح من المجتمع البريطاني المعاصر/ترجمة:أحمد الأمين أحمد
  • بمناسبة يوم المرأة العالمي: تصوير المرأة في روايات الكاتب النيجيري Chinua Achebe /ترجمة : أحمد الأمين أحمد
  • الجزء الأول من رد الدكتور كول جوك للأستاذ/السنجك/ترجمة : سارة عيسي