د. عمر مصطفى شركيان>>التعدُّديَّة الحزبيَّة في عهد الإنقاذ .. التسلُّطيَّة بوجه ديمقراطي (1)

سودانيز اون لاين
10/5 4:24pm

التعدُّديَّة الحزبيَّة في عهد "الإنقاذ"... التسلُّطيَّة بوجه ديمقراطي (1)
د. عمر مصطفى شركيان
shurkian@yahoo.co.uk


مقدِّمة
الدِّيمقراطيَّة، التي هي حكم الشَّعب بالشَّعب وللشَّعب، قد باتت أحد دعامات الأسس السَّليمة في أي حكم يعتمد التعدديَّة نهجاً في العمليَّة السياسيَّة؛ ولا يمكن أن تكون هذه العمليَّة معافاة ما لم تكن هناك مفاصلة بينة بين الأجهزة التنفيذيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة والصحافيَّة (السلطة الرَّابعة). وتقول الفلسفة الدِّيمقراطيَّة الحديثة منذ القرن الثامن عشر الميلادي "إنَّ الطريقة الدِّيمقراطيَّة هي التقنية الدستوريَّة لإدارة أو معالجة القرارات السياسيَّة التي تحقق الصالح العام أو المصلحة المشتركة، ويكون ذلك باطلاع الشَّعب بنفسه لترجيح كفة الميزان بانتخاب الأشخاص الذين يجتمعون لتنفيذ إرادته".(1) ففي حالة الأنظمة الشموليَّة، يحاول قادتها إيهام جماهيرهم والمجتمع الدولي بأنَّهم يطبِّقون "الديمقراطيَّة الموجهة" (Guided democracy)، أو ما كان يسميها الرئيس المصري السابق – محمد أنور السَّادات- "ديمقراطيَّة ذات أنياب". هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يزعم هؤلاء الشُّموليُّون بأنَّهم ينفِّذون الدِّيمقراطيَّة حسب الأعراف والتقاليد المحليَّة في الدولة المعنية، وذلك بعيداً عن "الديمقراطيَّة الغربيَّة". إذ أنَّ هذا الزَّعم ما هو إلاَّ وسيلة لمخادعة النَّفس الأمارة بالسوء ومحاولة للهروب من الإلتزام الأخلاقي بمبادئ أساسة في النَّهج الدِّيمقراطي، مثل حرية العقيدة، والتَّعبير، والتجمع، والحركة، والحريات المدنيَّة الأخرى، وإنَّ السُّودان لواحد من عدة دول التي انتهجت المسلك الشمولي في نظامه "الإنقاذي". فعندما جاء نظام "الإنقاذ" بمشروع قانون تنظيم التَّوالي السِّياسي لسنة 1998م كان "أكثر مواده غموضاً والتباساً هي تلك التي تعلَّقت بالحريَّة والتعدُّديَّة السياسيَّة".(2) وحين تكون بعض بنود الدِّستور غامضة، فإنَّها تسمح بظهور تفسيرات شخصيَّة مختلفة. فقد تضمَّنت المادة 26 من دستور السُّودان العام 1998م بنوداً تتعلَّق بالحريَّات العامة، وذلك حسبما جاء في فقرتين: الأولى قرَّرت أنَّه: "للمواطنين حق "التَّوالي" والتَّنظيم، لأغراض ثقافيَّة أو اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة أو مهنيَّة أو نقابيَّة، لا يُقيَّد إلاَّ وفق القانون". أمَّا الثَّانية فنصَّت على أنَّه "يكفل للمواطنين الحق لتنظيم "التَّوالي السياسي"، ولا يُقيَّد إلا بشرط الشُّورى والدِّيمقراطيَّة في قيادة التَّنظيم واستعمال الدَّعوة لا القوَّة الماديَّة في المنافسة والالتزام بثوابت الدَّستور، كما ينظِّم ذلك القانون".
ففي الباب الأول من هذا الدَّستور، وتحت عنوان الدَّولة والمبادئ الموجهة، يذكر الدَّستور أنَّ "الحاكميَّة في الدَّولة لله خالق البشر، والسيادة فيها لشعب السُّودان المستخلف، يمارسها عبادة لله وحملاً للأمانة وعمارة للوطن، وبسطاً للعدل والحريَّة والشُّورى، وينظِّمها الدَّستور والوطن". فقد أدخل الإسلامويُّون مفردات وألفاظ في خطابهم السياسي دون ربط هذه الألفاظ بالمجتمع الذي نحن فيه عائشون. ومن بين التَّعبيرات التي وجدت سبيلها إلى أدبنا السياسي وشاعت بين النَّاس، وأضحت تُردَّد ترداداً لا يخلو – في أكثر الأحايين – من ببغاويَّة مقيتة تعبيرات "الحاكميَّة"، و"المشروع الحضاري"، و"الإجماع السكوتي"، و"نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع"، و"السَّلام من الدَّاخل"، وهلمجراً. وقد صحب هذه التَّعابير توليف وتخريج وشروح أفرغتها من كل محتوى، وجرَّدتها من كل معنى، وقاد هذا التَّخريج إلى الكثير من الممارسات غير المعافاة التي أدَّت إلى الاضطراب والاختباط، بل وفي بعض الأحيان إلى الإفساد والتَّخريب للأداء التَّنفيذي في الدَّولة. فقد أورد الدِّكتور منصور خالد تعريفاً مبسَّطاً "لمفهوم الحاكميَّة هذا في ظل الأنظمة الشموليَّة، بل وفي ظلِّها وحدها لأنَّ الحاكميَّة في الأنظمة التعدُّديَّة تتجاوز الحزب الغالب؛ تتجاوزه لتشمل الإعتراف بالأحزاب المشروعة المعارضة، وتشمل القضاء المستقل المحايد، وتشمل الخدمة المدنيَّة المحيدة، وتشمل السُّلطة الرَّابعة ألا وهي الصَّحافة المستقلَّة. ومن الناحية الأخرى، فإنَّ حاكميَّة الأنظمة الشموليَّة تركِّز على الفرضيَّة القائلة بأنَّ هذه التنظيمات هي وعاء كل السُّلطات ولهذا فهي المهيمن على العمل الوطني، والقائد الأوحد للتوجه السياسي والاقتصادي للدَّولة، وهذا السُّلطان - في مجمله، وفي كلمة واحدة – هو الحاكميَّة".(3) هذه هو لغز الحاكميَّة والفاعليَّة في تنظيم الإتحاد الإشتراكي السُّوداني في نظام مايو المباد (Ancien regime)، ذلكم التَّنظيم الذي كان فرضاً مفروضاً على كل المواطنين والعمال في القطاع العام بدليل خصم رسوم اشتراك العضويَّة من مرتب موظف وكل عامل، وكان الإشتراك كرهاً لا طوعاً. ومهما يكن من أمر الألفاظ ومدلولاتها، فإنَّ بقيَّة النَّص الدَّستوري في المادة سالفة الذِّكر ما هي إلا عبارة عن تلخيص لآيات قرآنيَّة في استخلاف الإنسان في الأرض بعد الجن "ليستخلنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم" (النُّور 34/55)، وحمل الأمانة بالرَّغم من ظلم الإنسان وجهله "إنَّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنَّها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنَّه كان ظلوماً جهولاً" (الأحزاب 33/72)، واستعمار البشر في الأرض "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود 11/62) – أي عمَّركم في الأرض وجعلكم سكَّانها، وبسط العدل "إنَّ الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين النَّاس أن تحكموا بالعدل إنَّ لله نعماً يعظكم به إنَّ الله كان سميعاً بصيراً" (النِّساء 4/58)، وجعل أمر المسلمين شورى بينهم "والذين استجابوا لربِّهم وأقاموا الصَّلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" (الشُّورى 42/38). إذ أنَّ هذ الأخلاط الرحمانيَّة لا تمت إلى الواقع السياسي والاجتماعي في السُّودان بشئ، ولا تدفع بعمليتي التَّنمية والنهضة قيد أنملة، لانَّ التَّنمية تأتي بالاقتصاد القوي والامتلاك الأصيل للتكنولوجيا والاستخدام السَّليم للعقل والعلم في رفاهية المواطنين ونشلهم من ثالوث المجاعة والمرض والجهل. غير أنَّ هذا التَّنظير الإسلاموي قد يقتنع به بعض المسلمين القانتين حتى لو كان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً، لذلك نجد أنَّ هذا التأطير الدِّيني قد أوهم فئة من الشَّعب السُّوداني وجعلها مشدودة تجاه الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة (المؤتمر الوطني والشَّعبي حاليَّاً) حين كانت في خضم معارضة حكومة السِّيد الصَّادق المهدي (1986-1989م)، ولكن بعد أن استولوا على السُّلطة، ووأدوا الدِّيمقراطيَّة بكل ما تعنيه اللفظة من وأدٍ لحريَّة التَّعبير والصَّحافة والنشر والتجمع والحركة وهلمجرَّا، حتَّى أساءوا استخدام نظام الحكم، وسخَّروا السُّلطة التَّنفيذيَّة (الحكومة) لإشباع رغباتهم الذَّاتيَّة وأطماعهم الحزبيَّة. وإذا التفتنا إلى مفهوم الحكم (Governance) – حسبما عرَّفه جان سميثيس وجورجيا ويبستر مقتبسَين أوزبورن وجيبلير – نجده يعني السَّبيل الذي به نحل مشاكلنا مجتمعين، وبه نواجه احتياجات المجتمع. ومن هذا المنطلق يختلف المفهوم عن الحكومة (Government) التي تعني هي الأخرى الجهاز أو الأداة التي يستخدمها الساسة لتنفيذ برامج الحكم. وبالرَّغم من أنَّه ليس هناك تعريفاً شاملاً للحكم الرَّشيد، بيد أنَّ الحكم الرَّشيد يمكن تعريفه بأنَّه ممارسة للسُّلطة السياسيَّة والاقتصاديَّة والإداريَّة لتسيير شؤون المجتمع؛ ويستخدم هذا الحكم الرَّشيد المعايير التَّالية: المشاركة والشراكة (Participation and partnership)، حكم القانون، الشفافيَّة، الاستجابة لرغبات المواطنين، التكييف الجماعي (Consensus orientation) وفقاً للحقائق والواقع، المساواة والعدالة، الجدارة والكفاءة (Effectiveness and efficiency)، المسؤولية، الرؤية الإستراتيجيَّة، الشرعيَّة، الاستخدام الأمثل للموارد الماديَّة والبشريَّة، حماية البيئة، تمكين المواطنين، التنمية البشريَّة المستديمة(Sustainable human development) – أو المستدامة، كما يفضِّلها البعض لفظاً ومعنى، ومحوريَّة المواطنين وتمكينهم لكيما يكونوا في بؤرة أجهزة الحكومة، وبناية أجهزة الحكم الشَّعبي للمجتمعات المحليَّة. ففي السُّودان نشهد أنَّ هذا الجهاز الحكومي مهترئ - أو في أسوأ الحالات غير موجود، وفاقد الشئ لا يعطيه - ولا بد من قيام حكومة تلبي رغبات كافة السُّودانيين وتستخدم سبل حكم أمثل – كما أوردنا سلفاً – في معالجة مشاكلنا التي تعاظمت حتى استعصى علينا حلُّها.
وعوداً للدَّستور "الإنقاذي" للعام 1998م، هل يا تُرى أنَّ القصد الحقيقي وراء هذا القانون هو الدِّيمقراطيَّة التعدُّديَّة، وحماية الحريات العامة، أم تزوير للدِّيمقراطيَّة على مستوى السُّودان كله باللُّجوء إلى هذه البدعة السياسيَّة وتفصيل الدَّستور لتقنين الحكم التسلُّطي؟ للإجابة على هذا السؤال ينبغي علينا أن ننظر إلى مسائل عدَّة من بينها الحقيقة التي لا مُراء فيها أنَّ الفريق عمر حسن أحمد البشير قد جاء إلى دست الحكم عن طريق إنقلاب عسكري في 30 حزيران (يونيو) 1989م لإجهاض النِّظام الدِّيمقراطي حينئذٍ، مهما كان نوعه وأسلوبه في إدارة دولاب الحكم عصرذاك. فالتعدُّديَّة تعني في جوهرها التَّسليم بالاختلاف واقعاً لا يسع عاقلاً إنكاره، والتَّسليم به حقَّاً للمختلفين لا يملك أحد، أو سلطة، حرمانهم منه، وهي تُوصَف بالموضوع الذي يكون حوله الاختلاف أو الذي ينحصر في نطاقه؛ فتكون سياسيَّة أو اقتصاديَّة أو دينيَّة أو عرقيَّة أو لغويَّة أو غير ذلك.(4) ولا نكون قد افترينا على الأخوان المسلمين كذباً إن قلنا إنَّهم أكثر الجماعات رفضاً للتحزُّب، إلاَّ إذا كان ذلك سيقودهم إلى السُّلطة. ففي العام 1937م طلب حسن البنا – مرشد الأخوان المسلمون في مصر – من الملك في مصر حل الأحزاب السياسيَّة القائمة مما يتيح المجال أمامه للتوحُّد في منظَّمة شعبيَّة واحدة تخدم الشَّعب بهدي من تعاليم الإسلام، زاعماً أنَّ الشُّعوب الإسلاميَّة تتمتَّع بأرضيَّة موحَّدة في الإجمال في توجُّهاتها الأساسة وأهدافها نظراً لكونها جميعاً تستقي توجُّهاتها فيما يخص مختلف جوانب الحياة البشريَّة من مصدر موحَّد. وكرَّر البنا تنديده بالأحزاب السياسيَّة المصريَّة، مؤكِّداً أنَّ تلك الأحزاب قد اُعتبِرت بالإجماع (!) أنَّها: "أكثر الشُّرور إفساداً في هذه البلد، ونواة التَّدهور الذي يسود المجتمع".(5) وقد ذكر أحد قادة الحركة الإسلاميَّة أنَّ فكر سيد قطب، الذي كان له التأثير في العشريَّة التي سبقت، قد ركَّز على المسألة العقديَّة والخلقيَّة وإهمال يكاد يكون كاملاً لمسألة الثَّروة، والدِّيمقراطيَّة، والحريَّات العامة. وكان تركيز فكره في أهم قيمه الاجتماعيَّة على قيم العزلة والجاهليَّة والتميُّز والمفاصلة. فكان من الطَّبيعي أن يصنع حركة لا تقدر على تطوير المجتمع، بل تقدر على مصادمته والعزلة عنه، لكنها بعيدة أن تكون فيه عنصر تطوير، وتحديث التَّفاعل بين الإسلام كعقيدة وبين هموم النَّاس في العيش والصَّحة والسَّكن والتَّعليم، وتتفاعل مع قضيَّة الحريَّة، وتجري الحوار مع الأطراف، وتتعاطف مع كل المناضلين من أجل العدالة والحريَّة الإنسانيَّة، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، وتوجد روابط العمل المشترك مع كل المناضلين من أجل الدِّيمقراطيَّة.(6)
لم يكن الإسلام – في مجمله ومظهره – رمزاً للوحدة؛ وهل تنقصنا الأمثلة أو اختيار الأدلِّة على ما نقول! أفليس "الشَّبيبة الإسلاميَّة"، وهي حركة إسلاميَّة ظهرت في المغرب، بدأت رافضة للملكية التي كان يتربع على عرشها الملك الحسن الثَّاني وهو من ذوي أصول شريفيَّة تؤصِّل نفسه في العائلة النَّبويَّة؟ أفليس الحزب الدِّستوري الذي أسسه الشَّيخ عبدالعزيز الثَّعالبي – أحد شيوخ الزَّيتونة في تونس – وهو حزب إسلامي، قد انشق انشقاقاً هائلاً إلى الحزب الدَّستوري القديم والحزب الدَّستوري الجديد؟ وبعد معارك طاحنة بين القديم، الذي هو عنوان للدِّين، والجديد، الذي يمثِّل العلمنة، كان من الطبيعي أن تكون الغلبة للتيار الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة بسسب ما ظلَّ راجحاً في الفكر الإسلامي من اهتراء وتخلُّف ورجعيَّة يمنعه من تصوُّر حديث للدَّولة، وعن تطوير لوسائل النِّضال ضد الاستعمار الفرنسي. أفليس الأحزاب السياسيِّة في أفغانستان كلها إسلاميَّة؟ وبالرَّغم من ذلك نجد أن هذه الدَّولة قد تسربلت بالدماء من جراء حروب أهلية في العقدين الماضيين. فقد كانت قوات المهندس قلب الدِّين حكمتيار – زعيم "الحزب الإسلامي" - تقصف العاصمة الأفغانيَّة، كابول، ما يقرب أربع سنوات، مما أدَّت عمليَّة القصف هذه إلى مقتل 30,000 وإصابة 100,000 آخرين على الأقل بجراح؛ وبعد اجتياح "حركة طالبان" مواقع حكمتيار، ذهب الأخير إلى كابول متحالفاً مع الرئيس الأفغاني يومئذٍ، البروفسير برهان الدِّين ربَّاني، وساعده الأيمن القائد (الطاجيكي) أحمد شاه مسعود، حيث مُنِح حكمتيار رئاسة الوزراء ووزارتي الدِّفاع والماليَّة (أي ما يسمَّى بوزرات السِّيادة عندنا في السُّودان) حسبما طالب بها. كما نجد أنَّ المعارضين مولوي محمد نبي محمدي، الذي كان يتزَّعم "حركة الإنقلاب الإسلامي" وكان الملا محمد عمر عضواً فيها قبل أن يصبح الأب الروحي "لحركة طالبان"، ومولوي يونس خالص وسيد أحمد جيلاني، وعبد العلي مزاري زعيم "حزب الوحدة الشيعي" الذي قتلته "حركة طالبان" في 12 آذار (مارس) 1995م عندما كان عناصرها ينقلونه أسيراً في طوافة، كلَّهم إسلامويين أبتعين وعلى قيادة أحزاب إسلامويَّة؛ كذلك نجد "حزب الوحدة" (جناح أكبري)، و"حزب الوحدة" (جناح خليلي)؛ وقد ضمَّت حكومة ربَّاني الأحزاب الإسلامويَّة الأتية: "الإتحاد الإسلامي" بقيادة الأستاذ سيَّاف، و"الحركة الإسلاميَّة" بقيادة آية الله محسني، و"جماعة الدَّعوة" بقيادة مولوي سميع الله، و"الجمعيَّة الإسلاميَّة". وباستثناء حركة التمرُّد التي كان يقودها الجنرال (الأوزبكي) عبدالرشيد دوستم، فكل هذه الحركات الأفغانيَّة – إضافة إلى "حركة طالبان" – تنظيمات إسلامويَّة. بالرَّغم من ذلك، استعصى على الأفغان حل المشكل الذي هم فيه مختلفون، حتى أنَّ مندوب الأمم المتَّحدة الخاص لأفغانستان، محمود المستيري، قد فشل هو الآخر واستقال من منصبه، وتمَّ تعيين مندوب جديد دون أن يأتي بشئ جديد. ولا يفوتنا هنا أن نذكر الفتنة الكبرى، التي فجَّرت فتنة الجمل التي أثارها المفسدون بغير اختيار السَّابقين، ثم جرت فتنة صِفِّين لرأي وهو أنَّ أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم – وهم كافون، ومزَّقت المسلمين في شبه جزيرة العرب - بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان - شر ممزق. بل إنَّ الانقسام الطَّائفي الذي يشهده العالم الإسلامي اليوم بين السنة والشيعة – كما انقسم العالم المسيحي، من قبل ومن بعد، إلى كاثوليك وبروتستانت – ورسَّخه عنصر النعرة الإثنيَّة-القوميَّة (عرب وفرس)، لا يمكن اعتبار هذا الانشقاق حلقة من حلقات تآمر الغرب على العرب "لمشاغلتهم في بلادهم وقرارهم". ثم نجد الانشقاقات العديدة التي شهدتها الحركة الإسلاميَّة في السُّودان وتفرقهم شيعاً وأحزاباً – كما سنرى لاحقاً – وكذلك الأحزاب الطَّائفيَّة-الدِّينيَّة (الأمة، والاتحادي، والأخوان الجمهوريين) في هذا البلد غير الأمين، حيث أنَّها لم تفكر في يومٍ ما في الالتحام في حزب واحد بالرَّغم من اتخاذها الإسلام مرجعيَّة لمشاربها السياسيَّة، وتكريس كل طاقاتها في الدَّعوة إلى دستور إسلامي من عدة أبواب، وكأنَّ بالدَّستور الإسلامي وحده يحيا الإنسان في السُّودان. هكذا نجد أنَّ الديِّن، سماوية كانت أو دنيويَّة، لم يكن في يومٍ ما عاملاً للوحدة، بل قد يكون رمزاً للفرقة والشتات.
وقد رأينا أنَّ الدُّعاة إلى إصلاح أوضاع النَّاس السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة المتردِّية يتَّخذون الإسلام لهم أساساً، ولا يعنون بتبيان حقائق الموقف الإسلامي في شؤون التَّنظيم السِّياسي لمجتمعاتهم، والتَّعامل مع قضاياهم الملحَّة، مكتفين بأنَّهم إلى عقيدة الأغلبيَّة يدعون، وقلَّ ما يعترض أحد على داعٍ إلى عقيدته، ومكتفين بشعارات دون أن يبذلوا الجهد المطلوب لترجمة هذه الشعارت إلى مسائل محدَّدة بها يفهم النَّاس عنهم ما هم بشعاراتهم يقصدون؛ وحين تُرجِمت هذه الشعارات في أرض السُّودان كانت نتائجها إخفاقاً وخذلاناً مبيناً. ولا نكون قد حدنا عن الحق إن قلنا إنَّ النِّزاعات السياسيَّة والصِّراعات الاجتماعيَّة في الحضارة العربيَّة-الإسلاميَّة، وفي بعض الحضارات التي هيمنت عليها الدِّيانات التَّوحيديَّة، قد اتَّخذت من الدِّين والتَّحزُّبات المذهبيَّة ستاراً لإخفاء المصالح المتناقضة الحقيقيَّة للجماعات والقبائل والأحزاب، فاختلطت العصبيات الإثنيَّة والقبليَّة بالانتماءات الطبقيَّة وبالمذاهب والفرق والطَّوائف؛ فاصطبغ الصِّراع السِّياسي والاقتصادي بهذه الصبغة المذهبيَّة، ولا يمكننا أن نستثني السُّودان من هذا التَّحليل. فالاستئثار بالدَّولة هو ما تطمح إليه الطَّبقات السياسيَّة الدِّينيَّة (الإسلاميَّة) لتحقيق المصالح الذاتيَّة لأفرادها، وممارسة القمع والكبت لمصالح الآخرين، وانتاج رعايا خانعين للاستبداد، قانعين به، وليس مواطنين يتمتَّعون بحقوق وواجبات تحدِّدها مرجعيَّة دنيويَّة مرنة وهم متساوون أمام القانون بغضَّ النَّظر عن الجِّنس والجنسيَّة والعرق واللَّون والمعتقد وتجاعيد الوجه. وعلى هذا المنوال جري التَّفكير في الحركة الإسلاميَّة في السُّودان منذ الأربعينيات من القرن الماضي حتَّى آلت إليهم الدَّولة في نهاية الثمانينيات من ذلكم القرن، فتنعَّموا بالثَّروة، وبالإثراء الفاحش على حساب الدَّولة التي سخَّروها رُخاءاً لمصالهم، وتمتَّعوا بالسُّلطة والنُّفوذ، واستخلصوا لأنفسهم ممن يشاءون، وألقوا بخصومهم السياسيين في غياهب السُّجون والمعتقلات الخاصة (بيوت الأشباح)، وألحوا على استخدام العنف المنظَّم والمدعوم عقائديَّاً، وتم تشريد آخرين كثر. ففي إحدى بياناته الأولى ضد العهد الديمقراطي المباد، عاب العميد وقتذاك عمر حسن أحمد البشير هاتيك الديمقراطيَّة التي كانت سائدة، ووصفها بالفوضى السياسيَّة، بدليل وجود أكثر من 40 حزب سياسي في الساحة، ولكن بعد حقبة من ذلكم التأريخ الذي فيه وقف العميد الإنقلابي لاعناً التعدديَّة الحزبيَّة ولها لاغياً، سمح نظامه بتسجيل أكثر من 40 تنظيم سياسي تحت مظلة "قانون تنظيم التوالي السياسي لسنة 1998م". فما هي هذه التنظيمات السياسيَّة المتوالية؟


تنظيمات التوالي السياسي

(1) المؤتمر الوطني

نشأت الحركة الإسلاميَّة في السُّودان كتنظيم طلابي في الجامعات والمدارس العليا، حيث كرَّس جل جهده في عداء الشيوعيَّة واستعداء جماهير الشَّعب السُّوداني لها، "وارتبط خطابها تأريخيَّاً بفكرة الإصلاح القانوني كأساس للتحول الحضاري، ولذلك تمحور خطابها حول فكرة الدَّستور الإسلامي التي أدَّت إلى استقطاب ما بين النُّحب الحاكمة والجماهير".(7) وقد وجد قادة الحركة الإسلاميَّة حينئذٍ الجو السياسي الذي به استطاعوا أن يطرحوا شعارهم نحو الدَّستور الإسلامي في الشَّارع السُّوداني ووسط الأحزاب السياسيَّة الأخرى بشئ من الغلواء، ذلكم الظرف قد تمثَّل في اللحظة التي فيها تم تكوين لجنة لصياغة دستور الحكم الذاتي للسُّودان الذي كان على وشك الاستقلال. بيد أن هذا الاتجاه الإسلاموي قد أمسى - حين أصبح الصًّبح – أداة للإبتزاز السياسي في بعض الأحايين، كما حدث في حادثة تعديل الدَّستور وطرد نواب الحزب الشيوعي السُّوداني من البرلمان العام 1965م، والتهديد والوعيد بالجهاد إذا لم يقدم الساسة الجدد على تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة، أو التجرؤ على إلغاء قوانين نميري "السبتمبريَّة"، بعد سقوط نظامه العام 1985م. وحين انتبهت الحركة الإسلاميَّة للمردود المحدود للدَّستور الإسلامي في النصف الثَّاني من عقد السبعينيات من القرن المنصرم، عندئذٍ عدَّلت خطابها وأصبحت تهتم بالخدمات الاجتماعيَّة والإغاثة والتَّعليم وبناء المساجد وحفر الآبار وإقامة المراكز الصحيَّة كرشاوي لاستمالة قلوب النَّاس لبرنامجهم السياسي، وفي مجتمع فقير حيث تظل الخدمات الاجتماعيَّة شحيحة وفي أولويات مطلوباته؛ وهكذا هامت الشبهات حول نشاطات "منظَّمة الدَّعوة الإسلاميَّة"، و"الإغاثة الإسلاميَّة"، و"المنظَّمة الأفريقيَّة للإغاثة"، و"منظَّمة البر الدوليَّة"، و"منظَّمة موفق الخيريَّة"، و"منظَّمة الشَّهيد" وغيرهما، حيث أنَّ هذه المنظَّمات سرعان ما باتت أجهزة استخباراتيَّة للحركة الإسلاميَّة؛ إذ أن الحركة الإسلاميَّة قد أخذت الفكرة نفسها من المنظَّمات الكنسيَّة التي سبقت الاستعمار في دخول أفريقيا، فكانت تحمل الكتاب المقدَّس في يد وتجمع المعلومات الأمنيَّة للدُّول الأوربيَّة في يد أخرى ريثما تقوم هذه الدُّول بغزو أفريقيا ونهب مواردها البشريَّة والماديَّة. فمهما يكن من أمر الاستعمار، ماذا يعني الأسلوب الابتزازي من قبل الحركة الإسلاميَّة في السُّودان؟ لا ريب أنَّ هذا الاتجاه الإسلاموي المصحوب بالعنف والغلظة يعني عدم اعتراف الحركة الإسلاميَّة بالدِّيمقراطيَّة منهجاً وعملاً، وكان هذا ديدنهم منذ الأربعينيات من القرن الماضي كما تمثَّل في إرهاب الطلاب الذين يخالفونهم في الرأي السياسي والرؤية المستقبلية للسُّودان، والتَّمادي في التعدِّي عليهم جسديَّاً، وتزوير انتخابات اتحادات الطلاب في الجامعات والمعاهد العليا، ولا غرابة أنَّ الذين يحكمون السُّودان اليوم هم خلاصة هذه الاتحادات الإسلامويَّة في جامعات السُّودان المختلفة ومعاهده العليا. كذلك أفرز هذا الاتجاه الاسلاموي - على مستوى القطر كافة - قضايا الذين لا يدينون بالإسلام عقيدة ولا هم للعروبة ينتمون، كما بدا جليَّاً ارتباط الإسلام بالعروبة. فمسألة التعدُّديَّة الدِّينيَّة (يهوديَّة ومسيحيَّة وإسلاميَّة وغيرها) والمذهبيَّة (كاثوليك/بروتستانت، سنة/شيعة وغيرها) والإثنيَّة (عرب وأفارقة) يمكن أن تكون عنصر قوة ومنعة في الدَّولة إذا أُحسِن تدبيرها، كما يمكن أن تكون عناصر فتنة واقتتال إذا أُسئ تسييسها وتحويلها إلى سلاح فرقة وشتات. وهذا ما أشار إليه الحاكم-العام البريطاني في السُّودان، السير روبرت هاو (1947-1955م) في حديث الوداع، أنَّ تباين السُّودانيين في أصولهم وعاداتهم يمكن أن يكون مورداً للقوة لأنَّ في التَّعدُّديَّة إنتاج للحيويَّة (In their diversity, they produce vitality)، وقد يمسي مصدراً للوهن، لأنَّه يمكن أن يفرز شجاراً عقيماً، وقد تنبَّهت لمسألة التعدًّديَّة هذه بعض الحركات القوميَّة منذ البداية وسارعت إلى تبني الحل العلماني كحل منطقي ومعقول لها. ففي الإسلام نجد أنَّ مصدر السُّلطات يتركَّز في سيادة الشَّرع وليس سيادة الشَّعب كما هو الحال في الغرب مثلاً، وهذا يعني تقييد حريَّة العقيدة والرأي، ويختلف هذا الحق - في شكله ومضمونه - عن الحريَّة الفكريَّة في المنظور الغربي التي تبيح للأفراد اعتناق ما يشاؤون من المعتقدات طالما لا يضر ذلك بالآخرين؛ ففهم الإسلام لحقوق الإنسان في حرية العقيدة، والتي تختلف عن حريَّة الرأي، لأنَّ الأخيرة قد تكون ضمن العقيدة الواحدة، ويمكن الاختلاف حول حقوق الإنسان في التَّصوُّرين الإسلامي والغربي في أنَّ أصل الإسلام حماية العقيدة – التي لا تحتاج إلى حماية في اعتقادنا، لأن الذي أنزلها كفيل بحمايتها "إنَّ نحن نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحافظون"(الحجر 15/9)، بينما في التصوُّر الغربي الأصل هو حماية الحريَّة نفسها.(8)
على أية حال، فقد كانت الحركة الإسلاميَّة، منذ بداية تكوينها، تطلب من أعضائها إشتراك رسم عضويَّة يمثل 5% من دخلهم، حيث يضعونه في صندوق كمال نقد الله، وكان من بين عضويتها ثلاثة تجار مقيمين في "جمهوريَّة المدن الثلاثة" وهم: كمال نقد الله، حيث كان تاجراً بأم درمان ويعمل في مجال الخردوات، وأحمد شريف الذي كان يعمل في مواد البناء بالخرطوم بحري والأثنان توفيا؛ أم الثالث فهو عبدالقادر حسن جعفر، ويعمل في مجال الأدوات الكهربائيَّة بالخرطوم. وحينما تأسس "بنك فيصل الإسلامي"، بدأ الأخوان المسلمون في مشاركات ومرابحات ومضارابات مع البنك، وكان من ضمنهم الشيخ عبدالباسط والطيِّب النص وبشير حسن بشير، كما أنَّ هجرة أغلب أعضاء الحركة الإسلاميَّة إلى دول الخليج والمملكة العربيَّة السعوديَّة في سنوات الطفرة الإقتصاديَّة لهذه الدول وتلقيهم مرتبات عالية – بحكم تأهيلهم الأكاديمي - حيث أودعوها في "بنك فيصل الإسلامي" كودائع، ثم عادوا إلى السُّودان واشتروا بها الأراضي والعقارات، واستثمروا أموالهم في الأعمال التجاريَّة المختلفة، وقد كانت بمثابة القاعدة الإقتصادية للحركة. كذلك كانت موافقة الأمير السَّعودي محمد الفيصل في تمويل البترول للسُّودان عبر "بنك فيصل الإسلامي" و"دار المال الإسلامي" في جنيف بسويسرا عقب تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في السُّودان العام 1983م وإحجام الدول الغربيَّة عن التمويل، قد عادت على الإسلامويين بأموال طائلة.(9) هذا فيض من غيض عن أولى مصادر التمويل الحزبي لدي الحركة الإسلاميَّة، قبل أن يلجوا إلى دهاليز السُّلطة وينفردوا بأموال الدولة، التي هي في الحق أموال الشَّعب السُّوداني.
وعليه، يقودنا هذا الجدال إلى الحديث عن ظاهرة تمويل الأحزاب السياسيَّة في السُّودان، حيث يرى البعض أن تمويل الدولة للأحزاب والتنظيمات السياسيَّة – ولو جزئياً – قد يكون حافزاً للنواب البرلمانيين لكي يكونوا معارضين نشطين، وبه تستطيع الأحزاب إنشاء فروع لها في الأقاليم النائية والريف القصي. فكم سمعنا من الأحزاب الطائفيَّة اتِّهام الآخرين بتلقي الدَّعم الأجنبي، بيد أنَّه من المعروف أنَّ حزب الأمة، وهو حزب الحكومة البريطانيَّة التي أنشأتها كترياق للحركة الوطنيَّة، قد قدَّمت له السلطات البريطانيَّة دعماً مكثَّفاً من ماكينة الدَّولة، وأقطعت لقادته الأراضي، وأغرقتهم بالقروض من "بنك باركليز". وقد أوفى الدكتور منصور خالد هذا الموضع حقاً من البحث في كتابه (The Government They Deserve, London, 1990). ولكي يرد الجميل للسلطات الاستعماريَّة نجد أنَّ قادة حزب الأمة قد شاركوا في المؤسسات الاستعماريَّة التي أنشأها الحكم الثنائي (البريطاني-المصري) في السُّودان، "كالمجلس الاستشاري لشمال السُّودان" العام 1943م، و"الجمعيَّة التشريعيَّة" العام 1948م، والتي رفضها ولفظها الزعيم إسماعيل الأزهري وحزبه "الأشقاء"، وقالوا عنها يومئذٍ – بعد الحملة الشعواء ضدها – "سوف لن ندخلها ولو جاءت مبرأة من كل عيب". ويورد باحث آخر أنَّه "في الانتخابات الأولى – أي العام 1953م – تلقَّى السيِّد عبدالرحمن المهدي، راعي حزب الأمة، هبة قدرها مليون دولار من الملك سعود الفيصل ومليون آخر كقرض للمساعدة في تمويل الانتخابات (...)، حيث تم رهن جميع أملاك الورثة بما فيها السراية والباقير لصالح الملك سعود، كما حصل الحزب – فوق ذلك – على تمويل من الإمبراطور الأثيوبي هيلاسلاسي". على أي حال، فقد طرق حزب الأمة أبواب دول غالباً ما تكون موضوع ابتزاز سياسي في السُّودان والعالم العربي، حيث تبحَّر باحثون آخرون في هذه المسألة في دراسات سابقة. إذ يقول المؤرِّخ السياسي محمد أبوالقاسم حاج حمد إنَّ إسرائيل بدأت "أولى خطواتها تجاه السُّودان في آب (أغسطس) 1954م، فمدَّت الجسور إلى قيادة حزب الأمة الذي كان يخوض صراعاً عنيفاً ضد وحدة وادي النيل، ومن بعد أن فجَّر مذبحة في الأول من آذار (مارس) 1954م إثر زيارة الرئيس المصري اللواء محمد نجيب إلى الخرطوم. وتمَّ أوَّل الاجتماعات في لندن، وحضره السيِّد الصدِّيق المهدي – والد السيِّد الصَّادق المهدي – وترد تفاصيل اللقاء في الوثيقة السريَّة البريطانيَّة – المفرج عنها بالرَّقم: (332 – 1/2/954 – وتأريخ 6 آب 1954م)؛ ثم انتقلت الاجتماعات إلى تركيا بإشراف (موشي شاريت). ملابسات عديدة فيما بعد أدَّت إلى توقُّف تلك المفاوضات، من ضمنها قيام إنقلاب الفريق إبراهيم عبود في السُّودان (1958-1964م)، وعلاقات المرحوم محمد أحمد محجوب (حزب أمة) – رئيس وزراء السُّودان – التي توثَّقت بمصر وجمال عبدالنَّاصر شخصيَّاً إثر مؤتمر اللاءات الثلاثة في الخرطوم العام 1967م، وتركيز إسرائيل كل جهودها على إثيوبيا هيلاسلاسي."(10) ففي محاولاته لتحجيم التدخل المصري في شؤون السُّودان، وفي بحثه الدؤوب عن ترياق مضاد ومجهوداته في الاستفادة من الصراع العربي-الإسرائيلي، سعى حزب الأمة وقتها للتحالف مع إسرائيل لمجابهة خصمه في السُّودان، أي الحزب الوطني الإتِّحادي الذي حصل على الأغلبيَّة البرلمانيَّة وبدأ يتحكَّم في وضع أسس وتحديد معالم السُّودان المستقل خلال الفترة الانتقاليَّة للحكم الذَّاتي (1954-1956م). فقد فشل حزب الأمة في الحصول على وعد جازم من السُّلطات البريطانيَّة للتدخل في السُّودان من خلال "ترتيبات دستوريَّة" يتفق عليها مسبقاً، وتكون هي المدخل المناسب لزعزعة استقرار حكومة إسماعيل الأزهري والدخول بها في مأزق دستوري؛ كذلك فشل الحزب في بحث السبل المناسبة للاتفاق على استخدام "نفس الأسلحة التي استخدمها المصريون"، فضلاً عن فشل الحزب في اقناع السُّلطات البريطانيَّة حتَّى في تدبير مبلغ في صورة قرض. إذ لم تقتنع الدوائر الأمنيَّة والسياسيَّة البريطانيَّة يومذاك بأنَّ حزب الأمة والأنصار هما أفضل مجموعة ذات أثر وفعاليَّة ضد النفوذ المصري في السُّودان، وشكوكها في صدقيَّة وحكمة قيادة حزب الأمة السياسيَّة كما ظهرت في معالجتها لأحداث آذار (مارس) 1954م. فقد دفع يأس حزب الأمة وقنوطه من الدعم البريطاني لمد يده تلقاء إسرائيل، ومن ثَمَّ تمَّت اللقاءات بين مندوبي الجانبين في لندن تحت حماية وتأمين فريق من المخابرات الإسرائيليَّة (الموساد).(11) كذلك حصل قادة "الجبهة الوطنيَّة" وأحزابها السياسيَّة من أمة وإتحادي ديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي (الأخوان المسلمين) على الملايين من المملكة العربيَّة السَّعوديَّة وليبيا؛ وقد نظَّمت وموَّلت ليبيا العمليَّة العسكريَّة ضد نظام جعفر نميري في السُّودان منطلقة من أراضيها العام 1976م، كما حصل حزب الأمة على دعم من مصادر مختلفة خارج السُّودان في انتخابات العام 1986م، وكذلك بعد خروج قادة الحزب من السُّودان بعد انقلاب البشير في حزيران (يونيو) 1989م واستنصارهم بالملوك والأمراء العرب. وبعد هذا وذاك يحدِّثنا السيِّد الصَّادق المهدي عن خطر "التدويل" في المشكل السُّوداني دون أن نحُط علماً بأنَّه – هو والذين معه في حزب الأمة وكيان الأنصار – قد تابوا إلى الله التواب من الاستعانة والاستغاثة بالأجانب متاباً.
ثم ندلف إلى الحزب الطائفي الآخر في السُّودان، أي "الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي". إذ لم يختلف الحزب كثيراً عن "حزب الأمة". فقد نشأ الحزب من نواة "حزب الأشقاء" – كما سنرى لاحقاً – ومن بعده "الحزب الوطني الإتحادي"، حيث كان يعتمد في التمويل على مصر، سواء علينا إن كان هذا الدَّعم مالياً أو سياسيَّاً. وكما جاء في تقرير وزير الخارجيَّة البريطاني في مجلس العموم (البرلمان) في يوم 5 تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1953م أنَّ مصر لعب دوراً رائساً في الحملة الانتخابيَّة لصالح "الحزب الوطني الاتحادي" كما ظهر في نشاطات وزير الدعاية المصري – الرائد صلاح سالم، وذلك بالمال وتشييد المدارس في الدوائر الجغرافيَّة لمرشحي الحزب،(12) وتوزيع المنح للأغراض التعليمية والدينيَّة، وتمويل زيارات قادة الأحزاب الاتحاديَّة إلى مصر، والدَّعم الإعلامي غير المحدود في الصحافة والإذاعة المصريَّة، هذا من جانب. ومن جانب أخر، قام موظَّفي هيئة الرَّي المصري في السُّودان، والجَّيش المصري في السُّودان ومكتب الخبرة الاقتصاديَّة المصريَّة في الخرطوم بدور فعول في هذه النشاطات الانتخابيَّة لصالح "الحزب الوطني الاتحادي". وفي مستهل تشرين الأول (أكتوبر) 1953م، قام النَّقيب محمد أبو نار، السكرتير الأول في وزارة الدعاية المصريَّة، واتَّخذ لنفسه منتجعاً في الخرطوم، وبات في اتِّصال مستمر مع قادة "الحزب الوطني الاتحادي". وفي هذه الأثناء، نقل نائب مسؤول شؤون السُّودان في الحكومة المصريَّة مسرح عملياته إلى الخرطوم، وبدأ في توزيع منح ماليَّة إلى مدارس سودانيَّة خاصة في الخرطوم والجزيرة. وفي ظاهرة لافتة للنَّظر، منحت السُّلطات المصريَّة يومذاك عطلة موقوتة لتتزامن مع الحملة الانتخابيَّة في السُّودان لأكثر من 1,100 سوداني مقيم في مصر، وقد جاءوا إلى السُّودان بالبواخر النيليَّة إلى وادي حلفا والقطار إلى مختلف أرجاء السُّودان، وقد شُوهِد بعضاً من هؤلاء وأولئك القادمين الجدد وهم في أزياء الجَّيش المصري، لذلك لم يندهش أحد بفوز "الحزب الوطني الاتحادي" في هذه الانتخابات ب51 نائباً في مجلس النواب البالغ عدده 97 عضواً، و22 عضواً في مجلس الشيوخ (من 30 عضواً).(13) وبعد خروج الشَّريف الهندي إلى الحبشة بعد انقلاب العقيد حينئذٍ جعفر محمد نميري العام 1969م، اعتمد الحزب على المساعدة التي قدَّمها له الإمبراطور الأثيوبي هيلاسلاسي، ومن بعد ذلك المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، ومن ثَمَّ ليبيا ثم العراق؛ فقد كان الحزب يتلقَّى معونة قدرها 5 ملايين دولاراً أمريكيَّاً سنويَّاً من العراق، عدا البعثات الدراسيَّة والعلاج وتذاكر الطائرات. كذلك تلقَّى الحزب دعماً ماليَّاً من صدام العراق في انتخابات العام 1986م، واستمر الدَّعم العراقي والكويتي والسَّعودي للحزب بعد استيلاء الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة على السُّلطة في حزيران (يونيو) 1989م. فإنَّ الأموال التي تلقَّاها الحزب في المرحلة التي انتهت بوفاة الشَّريف الهندي كانت تُنفَق في العمل الحزبي، ولكن بعد وفاة الشَّريف بدأ الاتحاديُّون يشكون حزنهم وبثَّهم من قلة الإنفاق الحزبي، "وقد جأر وأفصح بغياب التمويل الأستاذ سيد أحمد الحسين – أحد أقطاب الحزب، ووزير الدَّاخليَّة الأسبق – الذي قال وبالحرف الواحد إنَّ أربعة عشر عاماً قد مضت ولم يُصرَف على الحزب في الدَّاخل "فلس" (قرش) واحد"!(14)
لا ريب أنَّ مسألة تمويل الأحزاب السياسيَّة ذات أهمية قصوي في العملية الديمقراطيَّة وكأساس لأي حكم رشيد. ففي دول ذات الدِّيمقراطيَّة العريقة كبريطانيا لا ينبغي للأحزاب السياسيَّة أن تتلقَّى دعماً مالياً من دول أجنبيَّة حفاظاً على استقلاليَّة القرار السياسي إذا جاء هذا الحزب - المدعوم أجنبيَّاً – إلى السُّلطة، وتتطلَّب هذه العملية التفحيصيَّة شفافيَّة عالية وسط الحزب وفي قرارات البرلمان. وفي السُّودان حين يتلقَّى الحزب دعماً من السُّعوديَّة سوف يكون ذلك الدعم مشروطاً بتطبيق الشريعة الإسلاميَّة لحظة حصول الحزب على السُّلطة، وعندما يأتي الدَّعم المصري يكون مصحوباً بشروط التكامل السياسي والاقتصادي بين شطري وادي النيل، وحين تأتي الهبات الليبيَّة تعقبها مطالب الليبيين بالوحدة العربية الاندماجيَّة بين السُّودان وليبيا، دون مراعاة لحساسيَّة موضوع الشريعة الإسلاميَّة (في حالة السَّعوديَّة) والتكامل السياسي بين الشعبين (في حالة مصر) والوحدة العربيَّة (في حالة ليبيا) في مسألة الهويَّة السُّودانيَّة والمشكل السُّوداني النَّاجم من الغلو الدِّيني (الإسلامي) والعنصري (العربي).
ولعلَّنا نعلم أنَّ المهديَّة استغلَّت الإرث الإسلامي في المجتمع الشّمالي في السُّودان لتأجيج الثَّورة المهديَّة ضد الاستعمار التركي-المصري (1821-1885م)، وابتنى حزب الأمة الموروث المهدوي في تأسيس حزب الأمة وكيان الأنصار، واعتمد المراغنة على الإرث الختمي – الذي هو إسلامي طائفي – في إنشاء حزب الشَّعب الدِّيمقراطي؛ إلاَّ أنَّه قد يسأل سائل ما هي الخلفيَّة الفكريَّة التي رست عليها الحركة الإسلاميَّة في السُّودان؟ فلهؤلاء السائلين لهم نقول الإسلام كذلك، إلاَّ أنَّ قادة الحركة الإسلاميَّة منذ الستينيات من القرن الماضي ركَّزوا على الإسلام غلواً، واعتمدوا النهج البوليسي في تأطير التَّنظيم، وتبنوا الدعاية "الهتلريَّة" التي لا ترحم أحداً، ووجدوا في المنهج الغربي عائداً في اكتناز المال ولو سموه إسلاميَّاً تحبباً، وتقمَّصوا العسف "المافيوي" في مطاردة وملاحقة الخصوم السياسيين. هذه هي الظروف الماليَّة التي فيها نشأت الأحزاب الطائفيَّة في السُّودان، بما فيها الحركة الإسلاميَّة. فمن القيادات المؤسِّسين لهذه النَّاجمة (الجماعة الناشئة الجديدة) من الحركة الإسلاميَّة في الخمسينيات من القرن الماضي هم ميرغني النَّصري، مدثِّر عبدالرَّحيم، صادق عبدالله عبدالماجد، محمد الخير عبدالقادر، وعبدالله زكريا وغيرهم، حيث إهتمَّت الحركة الإسلاميَّة – فيما إهتمَّت – بالتَّربية الإسلاميَّة وتثقيف الشباب روحيَّاً، وكانت تلتقي "بأخوان" مصريين مثل الدكتور سعيد رمضان ومصطفى جبر والشَّيخ الباقوري وغيرهم؛ وتركَّز نشاطهم السِّياسي – كما أبنا سلفاً - في الصِّراع مع الحزب الشُّيوعي السُّوداني. وبعد عودة الدِّكتور حسن عبدالله التُّرابي من فرنسا وانعقاد المؤتمر "الأخواني" الرَّابع حدث انشطار في الحركة الإسلاميَّة إلى أربع شظايا؛ ففي ذلكم المؤتمر كان يرى التُّرابي بأن يتغيَّر اسم الأخوان إلى "جبهة الميثاق الإسلامي"، بينما أصرَّ صادق عبدالله عبدالماجد – ومن معه – بأن تبقى الجماعة على نفس الاسم، وهم بهذا الاسم ما زالوا متمسكِّين، بينما رأى ميرغني النَّصري وعبدالله زكريا بأن تكون التَّسمية الجديدة هي "الحزب الإشتراكي الإسلامي"، بينما ذهب المراقب العام للأخوان المسلمين – الرَّشيد الطَّاهر بكر – وعلى محمود حسنين وحسن أبو سبيب إلى الحزب الوطني الاتحادي قبل توحده مع "حزب الشَّعب الدِّيمقراطي" في العام 1967م وتكوين "الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي".(15)
مثلما هي الحال في الحكومات الشُّموليَّة، تلجأ هذه الأنظمة الديكتاتوريَّة إلى البحث عن تنظيمات سياسيَّة لكيما عليها تستند شعبيَّاً، ومنها تتَّخذ الشرعيَّة المفقودة. وبناءأ على هذا المفهوم والمنطق، تتشكَّل الهيكل التنظيمي للمؤتمر الوطني – أي الحزب الحاكم - على النحو التَّالي:
• يضم المؤتمر أكثر من 6,000 عضواً.
• يتم اختيار أعضائها عن طريق الانتخاب المباشر أو عن طريق الانتخاب والتصعيد من المؤتمرات الشعبية الأساسة، والمؤتمرات القطاعية وهي ثمانية قطاعات مهنيَّة: قانوني، إداري، دبلوماسي، دفاعي وأمني، اقتصادي، اجتماعي وثقافي، شبابي وطلابي، ونسوي.
• الفريق عمر حسن أحمد البشير (رئيس الجمهورية) هو رئيس المؤتمر.
• الشَّريف زين العابدين الهندي - نائباً لرئيس المؤتمر.
• الدِّكتور حسن عبدالله التُّرابي (رئيس المجلس الوطني - البرلمان) هو الأمين العام للمؤتمر - خلفاً للدكتور غازي صلاح الدِّين العتباني.
• الدِّكتور على الحاج محمد آدم، وعثمان عبدالقادر عبداللطيف أبوبكر، ولورانس لوال لوال هم نواب الأمين العام.
• يتكون مجلس الشورى من 600 عضواً، ويرأسه رئيس المؤتمر (عمر البشير)؛ ويتكوَّن أعضاء هيئة الشُّورى أساساً من كوادر الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة – المحلولة اسماً والحاكمة فعلاً – بالإضافة إلى عدد من الموظَّفين الرسميين وبعض القياديين المتساقطين عن الأحزاب السياسيَّة الأخرى الملتحقين بركب سلطة "الإنقاذ" في أعقاب إنقلاب 30 حزيران (يونيو) 1989م.
• يتكون المجلس القيادي من 100(110) عضواً، ويرأسه الأمين العام للمؤتمر ( الدِّكتور حسن عبدالله الترابي).
• يتكون المكتب القيادي من 30 عضواً: سيدتين هما: رجاء خليفة وسمية أبوكشوة؛ إبراهميم أحمد عمر، الدِّكتور نافع علي نافع أحمد، أحمد عبدالرحمن محمد، العميد (م) بكري حسن صالح، عبدالله حسن أحمد، الدِّكتور عوض أحمد الجاز، موسى المك كور، الدِّكتور لام أكول أجاوين أقو تذيق، والدِّكتور أحمد علي الإمام، نائبا رئيس الجمهورية (علي عثمان محمد طه وجورج كونقور)، الدِّكتور حسن عبدالله التُّرابي ونوابه الثلاثة. أن ينتخب هؤلاء مجتمعين سبعة آخرين لإكمال العدد إلى 30.
• هناك تسعة أمانات متخصصة:
(1) بدر الدِّين طه أحمد إبراهيم - أمين دائرة الشؤون الاجتماعيَّة.
(2) أقستينو أرنست أريمو إبراهيم – أمين دائرة الجنوب.
(3) على تميم أحمد فرتاك - أمين دائرة الاتِّصال الجماهيري.
(4) عمر طه عبد الرَّازق أبوسمرة - أمين دائرة الشؤون الاقتصاديَّة.
(5) الأستاذ/ محمد الحسن الأمين أحمد - أمين الدائرة السياسيَّة.
(6) الدِّكتور عبدالله سليمان العوض عبد الماجد - أمين دائرة العلاقات الشَّعبيَّة بالخارجيَّة.
(7) الفريق حسان عبدالرحمن علي (وزير الدفاع).
(8) الدِّكتور معتصم عبدالرحيم - أمين أمانة المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم.
(9) ....
فقد نادت "مذكرة العشرة" - فيما نادت، كما سنرى لاحقاً - بألا يرأس البشير ولا التُّرابي مجلس الشُّورى؛ وأن يترأس البشير المجلس القيادي بدلاً من التُّرابي. ويمثِّل كل من:
(1) الدِّكتور أحمد علي الإمام - رئيس مجلس الشورى.
(2) الدِّكتور إبراهيم هباني - مقرِّر مجلس الشورى.
كما يعتبر "المؤتمر الوطني" نظرياً سلطة أعلى من "المجلس الوطني" (البرلمان)، ويعين أكثر من 120 نائباً في البرلمان بانتخابهم عبر هيئته العليا المكوَّنة من خمس آلاف عضواً يمثِّلون كل مناطق السُّودان، إضافة إلى المنظَّمات النقابيَّة والشبابيَّة والنسويَّة.

(أ) ملخص الأهداف:
(1) تحقيق الوحدة ولاء لله جامعاً وتآلفاً يثريه التباين وتعاوناً على اقتسام السلطات والثروات.
(2) إقرار الحاكمية في الدولة لله وتسخير الحياة العامة والخاصة لعبادة الله.
(3) ترسيخ الحكم الشُّوري اللامركزي في السُّودان والتأمين على الوضع الانتقالي لجنوب السُّودان وفقاً لما أثبته الدَّستور.
(4) ارساء قيم المساواة والعدل واستقلال القضاء.
(5) رعاية نظام الأسرة وتيسير الزواج ورعاية الأطفال والشباب والسعي لتطهير المجتمع من الفساد والجريمة والجنوح.
(6) إعلاء قيم الجهاد والفداء في سبيل الحق والوطن بالتعبئة لبناء القوات النظاميَّة والشعبيَّة.
(7) السعي لتنمية الاقتصاد القومي وزيادة الانتاج وتحرير السوق ومحاربة الربا.
(8) تأكيد العز والاستقلال الحقيقي في السياسة الخارجية والانفتاح نحو الجيرة والعالم.
(9) إشاعة الاحترام والتوقير والحماية للدَّستور.
(10) تكثيف نظم التَّعليم ودفع العلوم والبحوث والتجارب العلميَّة.

(ب) ملخص الوسائل:
استخدام الوسائل السلمية وفق الموجهات والأحكام في الدستور والقوانين السارية وذلك بالآتي:
(1) النشر والإعلان والعرض والاتصال المباشر بجماهير الشعب بالاجتماعات والمسيرات والمؤتمرات وغيرها.
(2) الانتداء والمناظرة والمجادلة والتنسيق لتسوية خلافات الرأي.
(3) إنشاء المنظمات والمؤسسات وتحريك المبادرات اللازمة والدعوة والقدوة الحسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) التعاون مع التنظيمات القانونية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والمهنية.
فقد جعلت حكومة "الإنقاذ" من مايو أسوة حسنة مع تجنُّب الأخطاء، بالذات علاقة المدنيين بالعسكريين، فكرَّرت "الإنقاذ" نفس تجربة "الاتحاد الإشتراكي السُّوداني" حيث يقابله "المؤتمر الوطني"، و"مجلس الشَّعب" ونده "المجلس الوطني (البرلمان)"، وما يسمَّى بالتنظيمات الجماهيريَّة أو الشَّعبيَّة وتنظيمات النساء والشباب والطلاب، ثم تأميم الحركة العماليَّة، واحتكار أجهزة الإعلام المرئيَّة والمسموعة والمقروءة. هذه الملامح "المايويَّة" أمست سنة النظام الشمولي "الإنقاذي" في السُّودان، وزادت "الإنقاذ" الجرعة الأمنيَّة مع وجود تنظيم سياسي جاهز هو الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة التي تفرز كوادر وقيادات النظام والحزب المتحكِّم.(16) بيد أنَّ أداء هذا "المجلس الوطني" لم يكن بالصورة المثلى، ومن العبث الديمقراطي نجد أنَّ ظاهرة الغياب والتسيُّب قد باتت سمة ملازمة لعمل "المجلس الوطني"، إذ أنَّ هناك حالات دخول للجلسة والخروج منها بأسرع ما يمكن، أي كأنَّه رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، أو فصل في مدرسة ابتدائيَّة منه يهرب التَّلاميذ خيفة من حصة التسميع، ويأتي هذا الحضور المصحوب بالهروب السريع لضمان حافز الحضور البالغ 25,000 جنيهاً سودانيَّاً، وفي حالات أخرى اكتشفت قيادة المجلس توقيع بلا حضور. ففي إحدى الجلسات انتهت الجلسة بنصاب بلغ 77 عضواً فقط من جملة أكثر من 340 نائباً، ولم يكن حضور رؤساء اللجان بأحسن حالاً من حضور النواب؛ فقد وصل إلى 4 فقط من بين 15 عضواً وهم خارج القاعة الرئيسة لا يبدون اهتماماً بتقرير تقدِّمه لجنة الطاقة والصناعة، وتوزَّعوا ما بين بهو المجلس والكفتيريا ومقار اللجان المتخصصة، فيما كان الحضور الكلي في نهاية المداولات حوالي 122 عضواً خرج أكثر من 20 منهم في نهاية المداولة حول تقرير اللجنة، بينما أُحصِيت بعد مرور الساعة من إحدى الجلسات 127 عضواً كان يشكلون حضوراً. وحسب إفادات كل من الشيخ عباس الخضر – رئيس الهيئة البرلمانيَّة لنواب المؤتمر الوطني ونواب برلمانيين آخرين، يمكن تلخيص أسباب الغياب في الآتي:(17)
• عدم سخونة المواضيع المطروحة للنقاش في جدول أعمال "المجلس الوطني".
• انشغال النواب بقضايا دوائرهم الجغرافيَّة وارتباطهم المباشر بقواعدهم بشكل يؤثِّر على أدائهم لوظائفهم.
• وجود 25 وزيراً يجمعون ما بين الوزارة وعضويَّة "المجلس الوطني"، مما يجعل حضورهم إلى البرلمان ضعيفاً جداً.
• إنَّ البيان أو التقرير الخاص بالموضوع الواحد يوزع في ذات الجلسة التي تناقشه بينما الأوجب والأفضل توزيعه قبل فترة لا تقل عن 48 ساعة حتَّى يتمكن الأعضاء من الإلمام بالموضوع ودراسته وجمع المعلومات حوله، وبالتَّالي تكون لهم القدرة على المساهمة فيه بالنقاش والمداولة.
• تعتبر طريقة توزيع فرص الحديث غير منصفة، حيث يحرم رئيس الجلسة الكثير من النواب من الحديث في قضايا مهمة، مما أصابهم بإحباط.
• إنَّ نواب الولايات هم الأكثر حضوراً من نواب العاصمة، الذين ينشغلون بشؤونهم الخاصة؛ وإنَّ ارتفاع درجة الحرارة داخل القاعة الرئيسة جعل بعض النواب "الحناكيش" (الناعمين) لا يتحمَّلونه.
إننا لسنا مندهشين إذا كان هذا هو برلمان الشَّعب، والذي جاء بعض أعضائه منتخبين "بالإجماع السكوتي" وكحصيلة التَّلاعب بالأصوات (Vote rigging)؛ ولم نشهد عبثاً كهذا في أية بقعة في العالم؛ وأي برلمان هذا الذي إليه يحضر النواب لضمان صرف حافز الحضور، أو لسخونة المواضيع قيد النقاش، وفيه يحرم رئيس الجلسة بعض الأعضاء من حقهم في الحديث ازوراراً عن المواضيع المطروحة للنقاش خشية إحراج الوزير المعني أو الحكومة، وخاصة أنَّ النواب لصيقين بقواعدهم ولهم من الإلمام كثير بقضاياهم الملحة والجوهريَّة في مجالات التَّعليم والصحة والخدمات الاجتماعيَّة الأخرى.


مذكِّرة العشرة

المؤتمر الوطني أو الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، كأية حركة سياسيَّة موغلة في السياسة لا بد لها أن تشهد تصدعاً وانشقاقاً وتباين وجهات النَّظر والصِّراع حول المواقع وخلافها، مهما خرج به علينا البعض من تأويل باطني فيه يزبدون ويرغون، قائلين: "إنَّ الانقسام يحصل في الأحزاب ولكن الجَّبهة ليست حزباً، وإنَّما جماعة تتحدَّث باسم الإسلام وتحتكره". فماذ جرى في يوم 11 كانون الأول (ديسمبر) 1998م من عمليَّة الإنقلاب ضد طموحات الشِّيخ حسن التُّرابي؟ تقدَّم الدِّكتور حسن التُّرابي لدي انعقاد اجتماع هيئة الشُّورى بورقة لإعادة هيكلة المؤتمر الوطني، ليضم بعض الأمانات ويلغي أخرى كأمانة القوى النظاميَّة (الجَّيش والشرطة)، لتصبح القوات المسلَّحة – ولو شكليَّاً – مؤسسة قوميَّة. ففي هذه الأثناء تقدَّم مجموعة من قيادات الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة وكوادرها المنفِّذة وعددهم عشرة بمذكرة عُرفت فيما بعد "بمذكِّرة العشرة". فمذكِّرة العشرة، التي قدَّمها سيد الخطيب لإجتماع مجلس شورى المؤتمر الوطني – الحزب المتحكِّم؛ أشارت في مقدِّمتها إلى أنَّ الحركة الإسلاميَّة تقف في مفترق الطُّرق أمام القرن القادم، وأنَّ تجربة السنوات العشر أبرزت مشاكل مهمة تحتاج إلى حلول، وحدَّدت تحدِّيات الشُّورى وفاعليَّة القيادة والمؤسسة، وعمدت للنقد الذَّاتي، ووصف الشُّورى بأنَّها عانت من مشكلات استعلاء واستخفاف الشَّيخ حسن التُّرابي، ودعت إلى ضرورة مرونة الهياكل الشُّوريَّة لاستيعاب الآراء كلها، وتحدَّثت عن قلة فاعليَّة القيادة بسبب ترهل المنابر وضعف الصلة المؤسسيَّة وغموض العلاقة بين الحركة الإسلاميَّة والدَّولة، وأنَّ الإصلاحات وملابسة المشاكل ضرورة في الفترة القادمة لمواجهة التَّنافس مع الآخرين والصراع معهم (بما يتطلَّب ألاَّ نصطرع مع أنفسنا)، وأشارت إلى ضرورة انتخاب رئيس مجلس الشُّورى من غير رئيس المؤتمر (البشير) والأمين العام (التُّرابي)، كما فرضت المذكِّرة البشير أن يكون رئيساً للمكتب التَّنفيذي والمجلس القيادي للمؤتمر (30 عضواً بمثابة المكتب السياسي للتَّنظيم). وقد تجاسر البشير في ذلك الاجتماع على شيخه التُّرابي عندما تعلَّق الأمر بكرسي السُّلطة وتلك طبيعة بشريَّة منكورة دائماً".(18) وفي محاولة لمزيد من تقليص وتحجيم صلاحيات الدِّكتور التُّرابي تمَّ استحداث منصب جديد هو "مقرر هيئة الشُّورى"، ثم جاءت نتيجة التَّصويت لصالح البشير ب218 صوتاً مقابل 178 صوتاً.
لا مُراء أنَّه لم ينفجر الصِّراع بين البشير والتُّرابي على حين غرة، بل كان التَّصارع بينهما يغلي ببطء منذ زمن ليس بقصير حول مراكز السُّلطة. ويبدو أنَّ التُّرابي لم يع الدَّرس مما حدث له مع نميري في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حين زج به الأخير في السجن، هو والذين معه، حتى أخرجتهم الانتفاضة الشَّعبيَّة في نيسان (أبريل) العام 1985م دون أن يكونوا لهم فيها دوراً مشهوداً. فالبشير ليس، كما يعتقد كثيرون عن غير حق، عسكريَّاً غبيَّاً، وليس شخصاً بلا طموح، بحيث يمكن تسخيره لوقت معيَّن والاستغناء عنه في الوقت المناسب، أي كجدليَّة "المغفَّل النَّافع"، وهي العلاقة التي ربطت الحزب الشُّيوعي السُّوداني بالعقيد جعفر نميري في الأيام الأولى من عهد "مايو". وربما كانت هذه غلطة "الشَّاطر حسن"، فقد اثبتت الاستفتاءات والتحقيقات المكثَّفة لدراسة شخصيَّة البشير من خلال الذين عرفوه أو عايشوه أو زاملوه سمتين رئيستين: الأولى أنَّه مناور لدرجة جعلت العديد من التَّنظيمات السريَّة التي كانت تعمل داخل القوات المسلَّحة السُّودانيَّة تعتقد أنَّه ينتمي لها دون سواها، والثَّانية أنَّه "برجماتي" من طراز خطير لا تعرف قيم الوفاء والرَّحمة إلى قلبه سبيلاً، فهو مثلاً لم يتردَّد لحظة واحدة في إعدام صديق عمره ضمن الضباط الذين قادوا محاولة إنقلاب 23 نيسان (أبريل) العام 1990م ضد نظامه، بالرَّغم من أن تلك المحاولة لم تُطلَق خلالها رصاصة واحدة منذ بدايتها حتى النِّهاية، وإن اتَّخذ – إضافة إلى ذلك – الإنقلابيُّون الفاشلون نفس السبيل الذي سلكه هو من قبل. عليه، يمكننا أن نستنتج أن الذين دعموا البشير وتصدوا للتُّرابي كانوا ينتمون إلى ثلاث فئات: فئة تمثِّل كوادر الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة الحانقة على تهميشهم وتخطي دورهم من قبل التُّرابي الذي ما فتئ يجهلهم، وفئة ثانية ترى أنَّ السلوك الساسي للدِّكتور التُّرابي سيؤدِّي في النِّهاية إلى شق الصَّف وإلى تهديد أمني يمكن أن يؤدِّي للإنهيار الكامل "للمشروع الحضاري"، وهي العاناصر الأمنيَّة التي تري ألا مستقبل لها إلاَّ في استمرار النِّظام بغضَّ النَّظر عن النتائج المترتبة على مستوى الوطن برمته، والفئة الثَّالثة هي فئة المستوزرين من الفعاليات السياسيَّة، التي التحقت بقطار "الإنقاذ"، ويهمها أيضاً استمرار النِّظام بأي ثمن.(19) أو كما يقول قائل إسلاموي آخر: إنَّ "الكثرة الغالبة التي ناصرت الرئيس (البشير) بعد أحداث الرَّابع من رمضان كانوا أصنافاً مختلفة؛ بعضهم كان يضع نصب عينيه أنَّه لم يكن من سبيل غير مؤازرة الفريق عمر البشير الممسك بعنان سلطة "الإنقاذ" خشية أن تضيع "الإنقاذ"، وبعضهم ناصر الفريق بحسبانه الرئيس الذي قدَّمته الحركة (الإسلاميَّة) ولا بدَّ أن تكون له كلمة نافذة، ولا ينبغي للشيخ (حسن الترابي) أن تجرِّده من بعض سلطاته (...) وإنَّ الذي اتَّفقوا مع الشيخ أو اختلفوا معه يتفقون في أمر جوهري هو ضرورة إحترام مكانة الشيخ التأريخيَّة لدوره الجهادي المشهود في بناء أجيال الحركة (الإسلاميَّة) والذي لا يدانيه فيه أحد، ثم تقدير مكانته العلميَّة التي لا يضاهيه فيها أحد، بغض النَّظر عن بعض أفكاره الفقهيَّة المثيرة للجدل".(20)
فقد وصلت الحال إلى أنَّ الدولة أصبحت تسير برأسين، وغالباً في اتجاهين مختلفين، مما أحدث غموضاً في سياسة البلاد، واضطراباً في علاقاتها الدَّاخليَّة والخارجيَّة على حد سواء. فقد حدث هذا التغيير ضد التُّرابي وإنقلابه الدَّستوري، الذي كان ينوي القيام به من تمرير تعديلات دستوريَّة جوهريَّة تحد من سلطات البشير، بل وتقلِّصها تقليصاً معتبراً قد ينتهي في تداعياته المنطقيَّة إلى خلق نظام برلماني عوضاً عن النِّظام الرئاسي القائم؛ كذلك نجد أنَّ البشير قد أقدم على هذه الاجراءات الاحتراسيَّة حين نما إليه ما سعى إليه التُّرابي والسيِّد الصَّادق المهدي في لقائهما في جنيف بسويسرا. "فقد أوردت الدوائر المقرَّبة للتُّرابي أنَّ اجتماع جنيف قد تكلَّل باتفاقيَّة مكتوبة بين الزَّعيمين، احتفظ التُّرابي بنسخة منها، وأخذ الصَّادق النسخة الأخرى. ولا ريب أنَّ في إنكار الصَّادق لزملائه في التجمُّع وجود أي اتِّفاق بينه وبين التُّرابي قد أضرَّ كثيراً بسمعة ذلك الرجل الصَّادق. أهم بنود الاتفاق كان هو تعاون الطرفين على توحيد قواهما لزعزعة البشير من خلال العمل الجماهيري المشترك. وفي غيبة الأطراف الأخرى، سيرث الطرفان الأرض ومن عليها، ثمَّ يحدِّدان من بعد أحكام اللَّعبة للآخرين."(21) وقد فشل التجمُّع الوطني الدِّيمقراطي – الذي كان السيِّد الصَّادق المهدي فيه عضواً مشاكساً – فشلاً ذريعاً أن يعلم ماذا تمَّ في هذا اللقاء الثنائي حتَّى حين سأل التجمع السيِّد الصَّادق المهدي وألحوا عليه في السؤال وله قائلين: أيُّها الصَّادق ابن الصدِّيق أرنا ماذا جرى في ذلكم اللقاء، إنَّا نراك من الصَّادقين؟! ويقول قائل في معرض رده عن سؤال صحافي عن مستقبل "الوفاق الوطني" في السُّودان، في ظل تغيير الوجوه والأقنعة، إنَّه "يتعذَّر على المتأمِّل الحكم على مستقبل الوفاق الوطني من (خلال) حدث واحد أو جملة أحداث متفرِّقة، ذلك أنَّ المنطق الذي كان تتعامل به السُّلطة بواجهتيها - البشير والترابي – مع هذا الأمر كان معوجاً، والمنهج الذي كانت تتبعه لم يكن مستقرَّاً، فمرة يرفض الوفاق رفضاً قطعيَّاً ونهائيَّاً، لأنَّه يعني الرجوع عن مشروعهم الحضاري، وتارة يدعون المعارضة للنِّزال والقتال والمبارزة والمناجزة لتكون السُّلطة لمن يفوز، وطوراً يدعون المعارضة إلى العودة بشروطهم هم لتغرق في لجج تكويناتهم وتندغم في تنظيماتهم فيبتلعونها ابتلاعاً ويكونوا هم الأئمة والوارثين. وحين وهن ما اصطلحوا على تسميته التمكين بفعل العزلة المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة تنادى رأسا النِّظام آنذاك بالوفاق الوطني، وإليه سعيا، ولكن بذات المنطق المعوج، والمنهج غير المستقر؛ كانوا يسعون سعياً حثيثاً إلى وفاق يضمن لهم استدامة سلطتهم، وفك عزلتهم الخانقة في آنٍ واحد، فكانت جنيف مبادرة من التُّرابي في أوائل آيار (مايو) 1999م، وكانت جيبوتي مبادرة من البشير في 25 تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1999م، وفي المبادرتين كانت وسيلتهم هي الصَّادق المهدي، الذي أنسوا فيه عجلة مشهودة ظلَّت تلازمه منذ العام 1977م حين ترك حلفاءه في الجبهة الوطنيَّة وسارع إلى مصالحة نميري صلحاً لم يدم طويلاً وكان هو – أي الصَّادق – من الأخسرين."(22) على أي، فقد صبر البشير سنوات عدة ذاق فيه الأمرين من التُرابي، تصغيراً وتحقيراً وتحجيماُ وتقزيماً واستعلاءاً مقيتاً، فجاء الدور الذي فيه أقبل البشير على شيخه، الذي رفعه إلى أعلى عليين، وأوقع عليه عقوبات جزاءاً وفاقاً؛ فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد الله عزَّ وجلَّ أن يعرِّفه من ضعفه ما كان عنه مستوراً. فداخليَّاً، لم يعبِّر النظام عن إرادة سياسيَّة واضحة تقتضي – أول ما تقضي – التلخلي عن الدولة الدينيَّة، وينصرف إلى بناء دولة مدنيَّة عصريَّة قوامها الدِّيمقراطيَّة والتعدُّديَّة والتنوع ومعيار الحقوق والواجبات فيها هو معيار المواطنة بلا تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الدِّين أو الجهة؛ وإقليميَّاً صادف التغيير بعض الأطراف الإقليميَّة – مصر وليبيا – التي حسبت أنَّ الشر كله يأتي من التُّرابي لا من غيره، وكم يخطئ هؤلاء القوم الحساب؛ ودوليَّاً فقد جهرت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة بقولها إنَّها تهتم بالسياسات لا الأشخاص، وإنَّها تريد نظاماً للحكم في السُّودان ذا نهج ديمقراطي تعدُّدي تُراعى فيه حقوق الإنسان، وتحل المأساة السُّودانيَّة المترتِّبة على الحرب الأهليَّة وإحلال السَّلام في جميع أصقاع البلاد. أما غير ذلك، فإنَّ الذي حدث يمثِّل مجرَّد صراع حول السُّلطة بين طرفين يتقاسمان نفس الأيديولوجيَّة والفكر والمنهج ويؤمنان إيماناً صارماً بالدولة الدينيَّة.
حين عجز الأخوان المسلمون عن تضميد جراح الاختلاف وإصلاح ذات البين عزَّ عليهم الفراق، وخرج علينا التُّرابي والملأ من حوله بحزب المؤتمر الشَّعبي؛ وبعدئذٍ علم النَّاس – الذين كان في قلوبهم شك – أنَّ الطلاق بين أخوان الأمس مطلق لا رجعة فيه، وافترق القوم على غير فهم، ولا مودة، واختصموا اختصاماً عنيفاً كأقصى ما يكون العنف. فبالرغم من تسجيل المؤتمر الشَّعبي لدي مسجِّل "تنظيمات التَّوالي السياسي"، إلاَّ أنَّ الحزب ما زال محظوراً قانونيَّاً "للجوئه للعنف والقوة والجبروت مخالفة لحكم القانون في سبيل تحقيق غلبة أو كسب سياسي"، وعدم التزامه "بثوابت المبادئ والأحكام في الدَّستور والقانون"؛ ومع إطلاق هذه التُّهم – أو قل رغم هذه التُّهم – فشلت السُّلطات الحكوميَّة والدوائر القانونيَّة في إثبات هذا الزعم الغليظ، بدليل بقاء قيادات المؤتمر الشَّعبي في المعتقلات دون توجيه أيَّة تهمة ضدهم أو تقديمهم للمحاكم. تُرى ماذا يقول هؤلاء المؤتمرون الشَّعبيون في أنفسهم لأنفسهم بعدما مارسوا نفس العذاب ضد خصومهم السياسيين وبشئ من الساديَّة كثير، وشر البليَّة ما يثير السخريَّة في زمن التنكيد. وأخيراً اتَّهمت السُّلطات الحكوميَّة حركة العدل والمساواة، التي يتزعَّمها الدكتور خليل إبراهيم وإحدى الحركات المسلَّحة التي تخوض حرباً أهليَّة في دارفور ضد النِّظام، أكثر من مرة بأنَّها الجناح العسكري لحزب المؤتمر الشَّعبي. هكذا وصل النِّظام "الإنقاذي" بعد همهمة وغمغمة إلى منطقه الصريح العاري المكشوف مع أقرانه بالأمس، وتلاشت وهجات السُّلطة من قياديي الأمس، واختلف المآل عما كانت عليه الحال بالنسبه لهم في أولى أيام السُّلطة. ففي حزيران (يونيو) 1989م خرج علينا الإسلاميُّون بحكومة "الإنقاذ"، فكانت هذه الحكومة مدعاة دهشة ومثار عجب للأغيار، وإعجاب لأعضاء الحركة الإسلاميَّة أنفسهم في السُّودان قبل غيرهم في العالمين العربي والإسلامي. فقد أصاب الألم والإحباط أعضاء الحركة الإسلاميَّة أنفسهم بعدما أتي على الأغيار حيناً من الدهر، وساد قانون الإرهاب والعنف الدَّموي غير المبرَّر بين أطراف الجماعة ذاتها،(23) وابتعد شيئاً فشيئاً حلم الدِّيمقراطيَّة ومعه حلم العدالة، ولم يبق غير كابوس الحصار في الدَّاخل ومن الخارج. وفي خضم هذا التصارع الإسلاموي حول السُّلطة برزت فئة من الإسلامويين ممن حار بهم الدليل، فحاولوا التَّوفيق بين الجماعتين. فقد رفعت مجموعة منهم مذكرة لرئيس الجمهوريَّة – بصفته رئيساً لحزب الحكومة – فيها تنتقد "طريقة الأداء والتَّعاطي مع عدد من القضايا الوطنيَّة الملحَّة أبرزها أزمة دارفور والاتفاق مع الحركة الشَّعبيَّة والجيشَّ الشَّعبي لتحرير السُّودان، وطريقة التَّعامل غير القانوني مع حزب المؤتمر الشَّعبي."(24) وكان من موقَّعي المذكِّرة الدكتور الطيب زين العابدين (الباحث الأكاديمي المهتم بقضيَّة الجنوب)، وعبدالله بدري (الأمين السَّابق لحزب المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم)، والدكتور غازي صلاح الدِّين العتباني (مستشار رئيس الجمهوريَّة لشؤون السَّلام السَّابق)، والطيب مصطفى (وزير الدَّولة بوزارة الاتصالات)، والدكتور حسن مكي (المسكون بقضايا القرن الأفريقي كله)، والقاضي محمد يوسف محمد (أحد القيادات التأريخية للحركة الإسلاميَّة)، وأحمد عبدالرحمن محمد (أمين مجلس الصَّداقة الشَّعبيَّة). "فقد سعت مجموعات مشابهة لتحقيق ذات الأهداف، وأول هذه المجموعات كانت مجموعة القيادات الوسيطة أوائل التسعينات، ومن بينهم التجاني سينين، وجبريل النيل، وعباس علي السيد، وإبراهيم كرتي وآخرين، وكان حظها التَّشريد والتَّشتيت وتفرَّق دمها بين المحافظات البعيدة ووزارات الولايات، ولا يزال بعض شخوصها حاضرين في كل محاولات الإصلاح، ولكن غالبهم آثر الابتعاد."
فهناك قول على قول إنَّ السُّلطة قد وقد لا تفسد الذين يمتلكونها، وقول آخر مأثور ينذر أنَّ السُّلطة تفسد والسُّلطة المطلقة تفسد إفساداً مطلقاً (Power corrupts, and absolute power corrupts absolutely)، لكن لا مُراء أنَّ السُّلطة دائماً ما تفرِّق بين الذين في حوزتهم السلطات. والجدير بالذكر أنَّ ضغوط الحكم غالباً ما تكون شديدة حتى على الأعضاء المخلصين للأحزاب السياسيَّة تارة، وقد تظهر احباطات نتيجة الآمال العريضة التي لم تتحقق تارة ثانية، وتململ من قبل الأعضاء المخلصين لعدم حصولهم على وظائف تارة ثالثة؛ كما أنَّ تكلفة السنوات الطويلة في الحكم قد تنتج ميولاً مندفعة بعيدة عن مركز القرار (Centrifugal tendencies)، التي قد تنتهي عنيفاً بالنسبة للأحزاب الممسكة بزمام الأمور، ومن جانب آخر تمسي المعارضة جاذبة نحو هذا المركز (Centripetal). فبعد أن تصبح المعارضة دولة تستنفذ رصيدها المتألِّق الذي حقَّقته وقتما كانت في مرحلة المعارضة، فتذبل الأحلام الكبيرة، ويبدأ الواقع المرير الذي عجزت القيادة عن التَّعامل معه في فرض نفسها. هكذا ينشأ الصِّراع دائماً في الأحزاب السياسيَّة نتيجة لاختلاف فكري أو تصارع سلطوي، والحركة الإسلاميَّة في السُّودان واحدة من هذه الأحزاب التي مرَّت بهذا التعارك الحزبي منذ الستينيات من القرن المنصرم – كما أسلفنا قولاً – وكان الصِّراع يومئذٍ فكريَّاً، ولكن بعد المصالحة الوطنيَّة العام 1977م أخذ الاختلاف يدور حول إمكانيَّة تقبُّل الحركة المشاركة في سلطة نميري أم لا، فذهب المصالحون مع النِّظام المباد، وأصرَّ المعارضون على عدم تلقف الطُعمة التي ألقاها إليهم نميري، وطُرِد هؤلاء الرَّافضون من الحزب، أما الصِّراع في حكومة الفريق عمر البشير، التي هي حكومتهم والتي بها جاءوا، فيدور التَّصارع حول السُّلطة وليس من أجل الفكر، وذلكم بعد أن تنعَّموا بنعيم الجاه والسُّلطان وبدأ كل يريد أن ينفرد بالمقعد الأمامي في الحكم.
من البدهي أنَّ كل حزب سياسي – أي حزب – يتطلَّع إلى السُّلطة ينبغي أن يكون له برنامجاً تنمويَّاً واجتماعيَّاً وتعليميَّاً وصحيَّاً لتحسين أحوال النَّاس ومعاشهم في هذه الدنيا وقتما يصعد إلا دست الحكم، غير أنَّ الشعار الذي كان طاغياً قبيل الاستقلال هو "التَّحرير قبل التَّعمير". وبناءاً على هذا الشعار الوحيد أفلحت التنظيمات السياسيَّة يومئذٍ في حشد الجماهير نحوها، وذلك بالعزف على عاملين مساعدين آخرين هما الإثنيَّة العربيَّة والدِّين الإسلامي. وفي هذه الحالة الهستيريَّة، التي فيها علَّت أصوات السُّودانيين طلباً للحريَّة، علَّق أحد البريطانيين الذي كان يعمل ضمن فريق الخدمة السياسيَّة في السُّودان حينئذٍ، أنَّ السُّودانيين – بالرَّغم مما ليس لديهم من الحريَّة الوطنيَّة والسيادة على بلدهم – إلاَّ أنَّهم في حياتهم اليوميَّة أكثر حريَّة وأعظم أمناً مما كانت عليه حالهم من قبل؛ وسوف يأتي يوم فيه ينال السُّودانيُّون استقلالهم السياسي، وتنعدم هاتيك الحريات العامة التي هم بها متمتِّعون لدرجة الترف، ويصيب الطبقة الوسطى من الإحباط كثير، وتصل بهم الحال إلى زمان المخاطر والمهالك، ويجرِّبون الشيوعيَّة، ويعم الفساد وتنتشر قلة الكفاءات. فقد صدق قائلنا، وجاء ذلكم اليوم الذي يختلف عما كانت عليه الحال في الماضي. والجدير بالذكر أنَّ أحد عوامل الفشل الحزبي في السُّودان يتمثَّل في أنَّ التنظيمات السياسيَّة لا تعمل كجزء من العمليَّة الدِّيمقراطيَّة، بالرَّغم من أنَّها تطلق على نفسها صفة "الأحزاب"، بيد أنَّها تنظيمات جماهيريَّة تعمل كجبهات للطوائف الدينيَّة الرئيسة في البلاد، ولا تملك من أمرها رشداً، لذلك نجد أنَّ سياساتها عديمة المبادأة العمليَّة، ولم تكن تحمل برامج محدَّدة لحل ما يسمَّى "بمشكلة الجنوب"، والتنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.(25) على ما كان عليها – أو قل بها – من الاخفاقات المتعدِّدة، نجد أنَّ الحكومات الوطنيَّة التي تكوَّنت بعد الاستقلال كانت تشوبها قضيَّتان فيما يختص بمسألة الدِّيمقراطيَّة والتعدُّد الحزبي، وهما: غياب ثقافة وطنيَّة سياسيَّة مؤسسة، وغياب تنظيمات المجتمع المدني لكيما تعمل كمجموعات ضغط ضد السياسات الحكوميَّة الفاشلة.


(2) الأخوان المسلمون

وهم منقسمون إلى جناحين:
• جماعة صادق عبدالله عبدالماجد، وهي متوالية، وتضم: الدِّكتور عصام أحمد البشير، وعلي جاويش.
• جماعة الشيخ سليمان عثمان أبو نارو، الذي اُختير أميراً للجماعة العام 1991م خلفاً للدِّكتور يوسف الحبر نور الدائم.
إذ تعود خلفية الصراع في تنظيم الأخوان المسلمين في السُّودان إلى المؤتمر الجامع في نيسان (أبريل) 1969م، أو قبل ذلك التأريخ كما أبنا سلفاً. فقد تفرَّقوا إلى جبهة الميثاق الإسلامي، بزعامة الدِّكتور حسن عبدالله التُّرابي، وتيار التَّربية الإسلاميَّة، بزعامة الشيخ سليمان عثمان أبونارو؛ ويضم هذا التيار في عضويته كل من محمد صالح عمر، الدِّكتور جعفر شيخ إدريس، ومبارك قسم الله. وزاد التمايز بين الفئتين بشكل واضح بعد المصالحة الوطنيَّة العام 1977م وانخراط الدِّكتور حسن عبدالله التُّرابي في نظام جعفر نميري العام 1979م. كذلك نجد أنَّ مما زاد من الفجوة الخلافيَّة تبنَّى الدِّكتور حسن عبدالله الترابي أفكاراً يعتبرونها علمانيَّة، وتفسيره موقع السنة من التشريع ورد بعض النصوص المتفق عليها صراحة (لا عقوبة لمرتد)، وانكاره عصمة الرسول (ص) بقوله: إنَّ الرَّسول عليه الصلاة والسَّلام كان يفعل اللِّمم، ورده لحديث الذبابة. هذا على المستوى الفكري والعقائدي؛ أما على المستوى السياسي، فقد استطاع التُّرابي أن يجعل من الجماعة حزباً سياسياً يتعاطى السياسة من منظور نظام "مايو" المتمثِّل في "الاتحاد الإشتراكي السُّوداني"، وقام بحل نظم وأجهزة الأخوان المسلمين واستبدالها بأجهزة سياسية.


هوامش وإحالات

(1) سليمان حسن، دور وسائل الإعلام في ترسيخ الديمقراطيَّة، كتابات سودانيَّة، مركز الدراسات السُّودانيَّة، القاهرة، العدد السَّابع، مارس 1999م.
(2) صحيفة "الشَّرق الأوسط"، 4/5/1998م. انتقد الكاتب المصري الإسلاموي فهمي هويدي مشروع الدَّستور السُّوداني لعام 1998م، بإعتباره غير إسلامي بما فيه الكفاية. فقد رأي هويدي أنَّ "التَّوالي" بدعة سياسيَّة أضعفت مصداقيَّة المشروع، ولم يحسم معدِّي المشروع مسألة الهويَّة الإسلاميَّة للدَّولة بذات الدرجة من الوضوح الذي نصَّ فيه أنَّ العربيَّة هي اللُّغة الرسميَّة، ولم يشترط المشروع – وما زال التَّعليق لهويدي – أن يكون رئيس الجموريَّة مسلماً، كما ذكر أنَّ الشَّريعة الإسلاميَّة وُضِعت في سياق واحد مع الإجماع والدَّستور والعرف (الأفريقي).
(3) مشروع دستور جمهوريَّة السُّودان سنة 1998م، 28 مارس 1998م؛ مشروع قانون تنظيم التوالي لسنة 1998م؛ الدِّكتور منصور خالد، لا خير فينا إن لم نقلها، جامعة الخرطوم للنشر، مجموعة مقالات نشرها الكاتب في صحيفتي "الصحافة" و"الأيام" في الفترة 1978-1980م.
(4) محمد سليم العوَّا، التعدُّديَّة السياسيَّة من منظور إسلامي، مجلة "الإنسان"، باريس، أغسطس 1990م.
(5) محمد فتحي عثمان، الدِّيمقراطيَّة في أدبيات حسن البنا، مجلة "الإنسان"، باريس، مارس 1990م.
(6) راشد الغنوشي، نظرات حول الدِّيمقراطيَّة في المغرب العربي، مجلة "الإنسان"، باريس، مارس 1990م.
(7) أنظر الدكتور حسن مكي محمد أحمد، تأريخ حركة الأخوان المسلمون في السُّودان، جامعة الخرطوم، أكتوبر 1982م؛ المكوِّن الإسلامي في السياسة والثقافة السُّودانيَّة، صحيفى "الرأي العام"، 15/7/2004م، العدد 2488.
(8) الدكتور حيدر إبراهيم، الإسلام وحريَّة العقيدة، صحيفة "الاتحادي الدَّوليَّة"، 15/8/1998م، العدد 689.
(9) صحيفة "الصحافة"، 22/5/2004م، العدد 3944. من قيادات الحركة الإسلاميَّة الذين اشتغلوا بالتجارة هم عثمان خالد مضوي، والدكتور على الحاج محمد، وعلي عبدالله يعقوب، والأستاذ محمد عبدالله جار النبي، والأخير قد ذهب لاستثمار أمواله في تشاد.
(10) محمد أبوالقاسم حاج حمد، النظام السياسي السُّوداني بيم خيارين: تسليم مجلس الوزراء أو سقوط الشرق، صحيفة "الحياة"، 18/1/1997م، العدد 12379.
(11) الكدتور صلاح آل بندر، مركز الدراسات الأفريقيَّة، جامعة كيمبردج، مجلَّة "الدَّراويش"، يناير/فبراير 1994م، العدد الرَّابع، السنة الثَّانية.
(12) صحيفة "الصحافة"، 22/5/2004م، العدد 3944. استمر هذا الدعم المصري "للحزب الوطني الاتحادي" حتى بعد الانتخابات؛ فلدي زيارة الرائد صلاح سالم، الذي أصبح وزيرأ لشؤون السُّودان في حكومة 23 تموز (يوليو) 1953م، إلى سنكات العام 1955م تمَّ فتح ثلاث مدارس في إقليم البجة (بورتسودان ووقر وسنكات) بواسطة البعثة التعليميَّة المصريَّة في السُّودان، حيث أن صلاح سالم قد وُلِد في سنكات وقضى طفولته في هذه المدينة، وكان والده يعمل فيها وكيلاً للبريد والبرق في منتصف العشرينيات من القرن الماضي.
(13) Duncan, J S R, The Sudan’s Path to Independence, London, 1957; and Silberman, L, Democracy in the Sudan, Parliamentary Papers, Vol 12, 1958-1959.
(14) مجلة "الصباح الجديد"، صحيفة "أخبار اليوم"، 22/5/2004م، العدد 3450.
(15) صحيفة "الاتِّحادي الدَّوليَّة"، 9/3/1999م، العدد 837.
(16) صحيفة "الصحافة"، 22/5/2004م، العدد 3944.
(17) صحيفة "الرأي العام"، 5/4/2000م، العدد 1304. بلغت لجان المجلس الوطني (البرلمان) المتخصصة 15 لجنة، ورؤساء هذه اللجان هم: (1) الدِّكتور إسماعيل الحاج موسى (لجنة التَّشريع والعدل)، (2) الفريق (م) حسين عبدالله جبريل (الدفاع والأمن)، (3) عبدالرحمن الفادني (العلاقات الخارجيَّة)، (4) اللواء (م) مساعد النويري (العلاقات الإتحاديَّة)، (5) الدِّكتور إبراهيم عبيد الله (الشؤون الإقتصاديَّة)، (6) هجو قسم السيد (الشؤون الزراعيَّة والمائيَّة)، (7) الدِّكتور التجاني مصطفى (الطاقة والصناعة والتَّعدين)، (8) الدِّكتور إدريس يوسف (النقل والاتصال الأرضي)، (9) تاج السر عابدون (العمل والإدارة والحسبة)، (10) وليم أوتو (حقوق الإنسان والواجبات العامة)، (11) محمد نور محمد إسماعيل (الشؤون الاجتماعيَّة)، (12) مروة جكنون (تنمية المجتمع)، (13) الدِّكتور الحبر يوسف نور الدايم (التربية والتَّعليم والبحث العلمي)، (14) يوسف الكودة (الثقافة والإعلام والسياحة)، (15) هيلين أوكير (السَّلام). صحيفة "الرأي العام": 25/5/2004، العدد 2429. كما أصبح إبراهيم محمد إبراهيم – أميناً عاماً "للمجلس الوطني"، وكوثر أحمد سعيد – رئيسة لجنة الثقافة والإعلام.
(18) صحيفة "الشَّرق الأوسط"، 24/12/1998م، العدد 7331. إنَّ العشرة موقِّعي المذكِّرة هم: سيِّد الخطيب، عثمان خالد مضوِّي (من القيادات التأريخيَّة في للأخوان المسلمين ومن بعد لجبهة الميثاق الإسلامي)، الدِّكتور إبراهيم أحمد عمر (وزير التَّعليم العالي)، أحمد عثمان مكي (رئيس تحرير صحيفة "الرِّاية" النَّاطقة باسم الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة إبان العهد الدِّيمقراطي الثَّالث (1985-1989م)، وكان أحد مرافقي الدِّكتور الترابي في رحلته من الولايات المتَّحدة إلى كندا حين اعتدى عليهما لاعب الكاراتيه هاشم بدر الدِّين في أتاوا)، الدِّكتور قطبي المهدي (مسؤول الأمن الخارجي)، الدِّكتور بهاء الدِّين حنفي (مدير مركز الدِّراسات الإستراتيجيَّة التَّابع للقوات المسلَّحة)، الدِّكتور عبدالوهاب عثمان (وزير الماليَّة)، الدِّكتور غازي صلاح الدِّين العتباني (وزير الثَّقافة والإعلام)، العميد بكري حسن صالح (عضو مجلس الثَّورة السَّابق ووزير الدَّاخليَّة)، والدِّكتور نافع علي نافع (مدير جهاز الأمن السَّابق ووزير الزِّراعة).
(19) صحيفة "الإتحادي الدَّوليَّة"، 15/12/1998م، العدد 790؛ صحيفة "الإتحادي الدَّوليَّة"، 17/12/1998م، العدد 792.
(20) صحيفة "ألوان"، 24/7/2004م، العدد 2873.
(21) الدكتور منصور خالد، السُّودان: أهوال الحرب وطموحات السَّلام (قصة بلدين)، لندن، 2003م، صفحة 622.
(22) صحيفة "البيان"، 24/12/1999م، العدد 449.
(23) نشير هنا إلى مقتل كل من المهندس علي البشير ومحمد أحمد أبو الريش العام 2001م، واعتقال ناشطي المؤتمر الوطني من الطلاب وإبراحهم ضرباً وتعذيباً مما نتج عنه موت شمس الدين إدريس مسؤول الطلاب بمحافظة أم بدة (أم درمان)، والذي اُعتقل يوم الجمعة 10/9/2004م، وتوفَّى في اليوم الثاني "نتيجة الرضَّ في الدماغ والكدمات المتعدِّدة في الكتف الأيسر والسَّاقين والظهر"، كما ظهر في شهادة الوفاة بالرَّقم المسلسل 026249، وكذلك تعرُّض ناجي عبدالله المعتقل يوم الثلاثاء 6/9/2004م للتَّعذيب المنظَّم حتى كسر أضلعه تحت الضرب، وكذل عُذِّب ياسر موسى من أمانة الطلاب مما أُدخِل العناية المركَّزة بعد أن فقد وعيه تحت وطأة التَّعذيب.
(24) صحيفة "الحياة"، الأحد، 5/8/2004م؛ وصحيفة "الشَّرق الأوسط"، الأحد 5/8/2004م؛ محمد صديق عثمان، سودانيز أون لاين، 16/9/2004م.
(25) Khalid, M, Sudan: A Plea for Pluralism, Africa Report, July-August 1985.



اقرا اخر الاخبار السودانية على سودانيز اون لاين http://www.sudaneseonline.com

الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


اخبار السودان بالانجليزى | اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | نادى القلم السودانى | المنبر الحر | دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر الحر

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |تعارف و زواج|سجل الزوار | اخبر صديقك | مواقع سودانية|آراء حرة و مقالات سودانية| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد

contact Bakri Abubakr
Copyright 2000-2004
Bayan IT Inc All rights reserved