تحليلات اخبارية من السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

متي يعود المغتربون؟! وكيف يجتازون( سور الجمارك العظيم )؟! بقلم:سيف الاسلام أبوبكر ـــ السعودية

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
10/16/2005 8:26 م

بسم الله الرحمن الرحيم

متي يعود المغتربون؟! وكيف يجتازون( سور الجمارك العظيم )؟!

في البدء أزجي أسمي وأجزل عبارات الشكر والتقدير لكل الذين أشادوا بمقال( الاغتراب في الزمن المحتسب بدل الضائع) المنشور في منتداكم العامر , أما هذا المقال فنعتذر مقدما بسبب ( الجرعة الزائدة ) فيه ( Overdose ), التي ربما تكون أشبه بـ ( الكينين ) .

يبدو أن للاغتراب عجائب مثل( عجائب الدنيا السبع) والفرق أننا لا نعرف عدد عجائب الاغتراب ولكننا نعتقد أن أولها( جهاز شؤون العاملين بالخارج ), والثاني( سور الجمارك العظيم) مثله مثل( سور الصين العظيم) المعروف , وثالثها( نظام الكوتة ) ذلك النظام الذي تم فرضه في القبول للجامعات علي أبناء المغتربين , ونذكر هنا (ثلة أكرمين) من الأساتذة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالظهران ,هم نجوم زواهر وسفراء حقيقيون للوطن , مثلوا السودان خير تمثيل , جعلوا رايته ترفرف عالية خفاقة فوق الأعالي في شموخ واعتزاز, تخرج علي أيديهم من يتبوأون الآن مناصب عليا في المملكة , فهم عظماء ولا ننسي أسرهم الكريمة التي يشهد لها القول المشهور (وراء كل رجل عظيم امرأة) , ومنهم من تحول للعمل بدولة خليجية مجاورة ليكمل نفس المشوار في سفارة الوطن مع اخوة أفاضل هناك , و ( ثلة الظهران) اجتهدوا وسهروا الليالي مقتطعين من أوقات راحتهم مقترحين (النظام المئني) للقبول في الجامعات الذي يعدل بين أبنائهم الطلاب واخوانهم في الوطن , بعد أن ثبت أن (نظام الكوتة) لا يسنده العلم ولا (المنطق) , ولكيلا نظلم (نظام الكوتة) عموما فهو يصلح ويناسب توزيع(المواد التموينية) , وبعد الاجتماعات المتكررة مع أهل الشأن في الوطن أومأوا باقتناعهم بالمقترح , وفوجئ أصحاب (النظام المئني) بمواصلة القبول بـ(نظام الكوتة) الذي انتقده الجميع وكتبوا عنه في (عشم ام زين في جامعة الخرتوم) والتبس الاسم بـ(الكتكوتة),نسأل الله العظيم السلامة منها لنا و لـ ( الادارة العامة للقبول). أما اذا كان هنالك عجائب أخري فنترك المجال لرفقاء الدرب من المغتربين لتوضيحها.

الآلاف من المغتربين ينظرون الي الوطن وهم في حيرة من أمرهم والسبب أن لديهم الكثير من المشاريع الاستثمارية والأفكار ولكنهم عندما يبدأون في الحسابات والتكاليف فانهم يصطدموا بأكبر عائق وحاجز علي الاطلاق وهو( سور الجمارك العظيم) الذي لا يستطيع أي مغترب مهما أوتي من قوة أو واسطة( فيتامين- و) أن يجتازه , لذلك الكثير منهم يتركون كل مشاريعهم في الأدراج المقفلة أو يرمون بها في سلة المهملات , ويلجأون مضطرين لاستثمار مدخراتهم بشراء الأراضي والعقارات والذي يعرف عند أهل الاقتصاد ب (الاستثمار الجبان). ونحن نناشد كل الجهات المسؤولة وخاصة وزارة الاستثمار ازالة كل العوائق والحواجز والأسوار أمام أبناء الوطن فربما اتفقت مجموعة منهم للاستثمار في مشاريع تعود بالنفع علي أهلهم وعلي الوطن و تسهم في ايجاد فرص عمل للكثير من المواطنين من الخريجين وغيرهم وتسهم أيضا في استئصال( سرطان البطالة) الذي أعجز الدول المتقدمة, وكلنا أمل في رئاسة الجمهورية في اتخاذ (القرار الشجاع) بفتح باب الاستثمار ( علي مصراعيه) لابن الوطن البار الذي يمكن أن نسميه( المستثمر الأصيل) والذي نعتقد أنه أولي وأحق من (المستثمر الأجنبي ) وكذلك الاعلان الرسمي لاعفاء العائدين نهائيا من الاغتراب من كل متأخرات الرسوم والضرائب والجمارك . ونكرر نفس العبارة في المقال السابق وهي أن هذه الاعفاءات في ظاهرها خسارة مئات الآلاف من الدولارات , ولكننا نؤكد أن الوطن رابح بعودة أبنائه البررة لدفع عجلة التنمية وبناء الوطن ورابح مرة ثانية بعودة علماء وأساتذة أجلاء في جميع التخصصات علي مستوي عال من التقدم من خلال الخبرات المتميزة التي اكتسبوها ,والاكتساب أقوي وأعمق من التعلم عند الانسان كما هو معروف عند علماء النفس.

لقد سمعنا ونسمع بمؤتمرات المغتربين, واللجان, وورش العمل واللجان الفرعية ... (وهلم جرا) وكلها ربما تندرج تحت ما يمكن تسميته بـ (الاجراءات التخديرية) , ونحن لا نقصد بهذه العبارة ( أن نبخس الناس أشياءهم) , فكل الجهود التي بذلت محل تقدير واحترام , فقط نود أن نذكرهم بأن العصر الحالي هو عصر ( القرارات الحاسمة) و( الحلول الجذرية), والمغتربون لا يعتمدون علي الدولة في أي شئ , فقط مطلبهم الأهم أن تتركهم وشأنهم أي بلا (رسوم) ولا (ضرائب) ولا (جمارك) , نسأل الله ألا تكون( نجوم السماء أقرب لهم من ذلك ).

و اليكم ببعض النماذج من آراء المغتربين في الجمارك والرسوم التي المكتوبة في منتدي الفضائيةالسودانية العامر و كذلك بقية المنتديات فهي تفيض بالآراء والتعليقات فكتب مشارك بتوقيع ( radona ) يقول :
تصدق مرة كنت عائد للسودان في اجازة قبل 18 سنة
وأحضرت معي(12 ملعقة طعام ) تم مصادرتها لانها كمية تجارية.
وكتب ( ابن وداعة) يقول:

يســــــتوقفني كثيراً حال الاخوة المغتربين الذين يدفعون أموالاً طائلة كل عام وخاصة في الجمارك التي تأخذ كل مالديهم ...وما يحيرني أن أغلبهم يكافحون ليل نهار لتوفير لقمة شريفة لأسرهم في الاغتراب وفي الســـــــودان الوطن ...انهم يلحقون الناس في الحارة
انهم يمدون يد المســــاعدة لكل من يحتاج ... وخاصة في اجازاتهم الســـنوية التي تبدأ بالهدايا لاســرهم المحتاجه وكســـاء من يرونه محتاجاً ... انهم يعطون دون أي تأخير ... حتى الجيران... لاينســــون أحداَ من معارفهم وذويهم ... وعند قدومهم يأتيهم عامل لنقل العفش ويأخذ نصيبه المكتوب ... ويأتي دور الجمارك ان وجد أشـــياء كهربائيه ... ياســـاتر من جماركها ... ثم يأتي دور رسوم القدوم ناهيك عن أجور التاكســـي أو البوكس الذي يحمل أمتعته حتى الســــكن ... بالاضافة الى المصروفات التي تكثر بنودها المحســـوبة منها والغير محســــوبه ... وتبدأ مســلســـلات تأشيرة العودة وملحقاتها من رسوم مغادرة وخلافه ... ناهيك عما يدفعه من ضرائب وتجديد جواز السفر وخلافه ... كم من المال يدفع هذا المســكين الذي يتحمل كل شيء دون أي نقص؟ ... أما حال تعليم الأبناء فهذا أمر آخر الحديث فيه يطول ويطول ...ونأمل أن تجد أصواتنا من يســـمعها والله المســــتعان.

وعلق علي كلامه كل من مشرف منتدي في الواجهة( aquod) و ( yaseralhosen ) و(المنصوري) و ( ود الأبيض ) و( ابن الأحمدي) الذي اختتم حديثه بأبيات رائعة:

فالقلب ان ختمت عليه ضلالة نظر الامور بذلك المنظارا

والعين ان مرضت أقول صراحة من شأنها أن تنكر الأنوارا ( أ.هـ)

وألمح لي الأخ الفاضل/ الطيب بالتساؤل عن المساهمات التي قدمها المغتربون من (عرق جبينهم) وتعبهم وشقائهم علي مر السنين مثل مشروع حفر ترعتي( كنانة) و(الرهد) و القناة الفضائية وغيرها ومساندة الدولة حتي وضعت الحرب أوزارها وشفي الله جرحاها ( دمغة الجريح) فبماذا يكافأ المغتربون خاصة عند عودتهم نهائيا من الاغتراب ؟ وكيف يفرضون عليهم كل هذه المبالغ الطائلة لتعليم أبنائهم في الجامعات والمعاهد العليا ؟ نسأل الله أن يكون جزاؤهم ( الاحسان) لا ( جزاء سنمار). وكل هذه الأعباء من الرسوم والضرائب التي ذكر لي رفيق الدرب الأخ/المهندس أنها مثل (الكلابة) أو ( الكجامة ) التي لا يستطيع أن يفلت منها أحد , .ومن أكبر الآثار لهذه الأعباء أنها جعلت بعض الأهل في السودان في حالة يأس من أبنائهم المغتربين واعتبروهم مثل ( الحيطة المائلة), ومن الجانب الآخر اضطر بعض المغتربين لاتخاذ (اجراءات تكتيكية) احترازية من (المراوغة ) و(الزوغان) و(الزربقة) التي عرفني بمصطلحها الأخ/الأكرم/ياسر, وهذه( الاجراءات التكتيكية ) أحيانا قد تطال بعض الأهل والأصدقاء ونعتذر لعدم التفصيل تحاشيا (للاحراج) مع( زملاء المهنة) , ويفعلون ذلك كله خوفا من (كشف الحال) ومعروف أن الانسان في حالة الخوف يفعل أشياء لا يستطيع تفسيرها ولا تبريرها ومنها أفعال قد تكون (خارقة للعادة) كما هو معلوم عند أساتذتنا وزملاءنا الأفاضل في علم النفس . لكننا لا نظلم فئة أخري من المغتربين الذين لا زالوا متمسكين ب (الأصول) والكرم والشهامة الي يومنا هذا الذي يمر فيه المغتربون بأحلك الظروف , ونخص بذلك المقيمين بمناطق مكة المكرمة والمدينة المنورة ( علي ساكنها أفضل الصلاة والتسليم ) وجدة فهؤلاء لم يتغيروا ولم يتنكروا , أمثال العم الفاضل الأكرم/ ( ابو الأمين) و صنوه الحميم (ابو أحمد) و (ابو معاذ) و( أبو محمد الدكتور) و الدكتور / صاحب الوزارتين ( اللغة الانجليزية و اللغة العربية ) و ( أبو سفيان ) و ( أبو أشرف ) و (أبو علي) و (أبوأحمد) وجارنا العزيز/ أبومحمد و (أبو عبدالله ) ورفاقهم الكرام , ولا ننسي الذين عادوا الي الوطن وقد تركوا جيلا تبوأ أعلي المناصب يذكرهم بطيب المعشر و الخير والفضل في ( القراءات والتفسير ) و ( التاريخ والحضارة الاسلامية ) و (النقد والبلاغة ) و ( العروض والقوافي ) هم وزوجاتهم أمهاتنا و خالاتنا واخواتنا العزيزات , نسال الله عز وجل أن يجزيهم خير الجزاء ويضاعف لهم أجورهم, فالواحد منهم جدير بأن نطلق عليه كما يقول أهلنا (ضي القبيلة) و( فارس الحوبة ) و( عشا البايتات ) ونأسف لعدم الترجمة للجيل من الشباب الذي استبدل تحية الاسلام ب (هاي) و (باي).

والاغتراب فيه تيار مادي عنيف قد يهوي بالمغترب في مكان سحيق , واذا لم يدرك نفسه ربما يتأثر قلبه فيصل مرحلة (التحجر) (Fossilization) المعروفة عند أساتذتنا و زملاءنا الكرام في علم الآثار (Archaeology) , وقد يصاب المغترب بالامراض و (المتلازمات ) الغريبة علي الطب مثل (النفاق الاجتماعي) , ونحول الأمر لأساتذتنا وزملائنا الأفاضل في علم الاجتماع للدراسة والافتاء . وللأسف الشديد فان الانسانية و القيم النبيلة, , والمثالية, والأخلاق الفاضلة, والمعاملة الطيبة الكريمة, والمبادئ جميعها في بلاد الغربة (ما بتأكل عيش ), لأن الحياة هناك طاحنة وقيمة المغترب في هذا العصر هي مقدار ما يملكه من أوراق تقدية (كاش) , حتي الأطفال صغار السن لم يسلموا من ذلك التيار , فتراهم حريصين علي ( الريالات ) و ( الدولارات ) و (الدنانير ) , وتجد أن علاقتهم تتوثق مع عمهم أو خالهم أو قريبهم ( صاحب الكاش) و أما غيره فتراهم ( عنه قد مالوا ) .

و يظهر تأثير ذلك التيار علي بعض المغتربين الذين ربما يجاملونك ببعض العبارات البراقة ولكن تكون (الدوائر الداخلية ) مشغولة بالمشاريع والاستثمارات والحسابات الخاصة التي تفسد الخشوع في الصلاة , نسأل الله الكريم قلبا خاشعا , ولسانا ذاكرا , وعلما نافعا , وعملا مقبولا. لذلك تجد البعض من المغتربين يعتبرون متابعة معاناة الأهل والجيران والأصدقاء وتفقد أحوالهم مضيعة لزمنهم الذي يعتبرونه أغلي من الذهب والماس. واننا نذكر هؤلاء بالعبارة المشهورة ( العشرة مابتهون علي الناس البعزوها ) والمعروف أن الخيل تظهر أصالتها في ( اللفة ) ونعني بها هنا الاغتراب. فالعلاقة بين المقيمين في السودان والمغتربين في الآونة الأخيرة طغي عليها ( الجفاء) , لذلك تجد بعض المقيمين في حالة من الاستغراب و الدهشة من أقاربهم أو أصدقائهم للعلاقة التي كانت تربطهم قبل الاغتراب وما آلت اليه بعده , فتجد المغترب في حالة يرثي لها من ( الاحراج) بسبب الأعباء التي تثقل كاهله من (الرسوم) و (الضرائب) و (الجمارك ) ومتطلبات المعيشة و الأسرة وغيرها , فهو لا يستطيع مواصلة و زيارة الأقارب والأصدقاء ولا الاتصال بهم (سلكيا) ولا حتي (لاسلكيا) ومبادلتهم الود والتقدير بالهدايا والمشاركة في المناسبات ,( وما يبرئ كاتب المقال نفسه من ذلك ) , ومن الزاوية الأخري فان المقيمين في السودان في نيتهم وصل حبل الود و الاتصال بأقاربهم وأصدقائهم من المغتربين , ولكنهم( يمتنعون ) خوفا من الظن بانهم طامعين في ( الجيب) أو ( الشنطة) , ونحن لا نلقي باللوم عليهم فلهم الحق في ذلك . واننا في هذا السياق نسهم بهذا المقال للتوسط لازالة الفجوة بينهم وبين المغتربين وذلك بايجاد تعريف لمصطلح ( مغترب ) في عصرنا هذا الذي اختلف كثيرا عن الماضي ونعتقد بأن التعريف المناسب هو أن ( المغترب انسان مغلوب علي أمره , أجبرته ظروف مختلفة لهجرة وطنه , هربا أو استياء من الواقع , وهو مكره لا بطل , واجب التماس العذر له في جميع الأحوال ). وكما نعلم جميعا أن المغترب في الماضي عندما يأتي في الاجازة لزيارة الوطن تجده يصر و ( يحلف ) علي دفع الحساب في المطعم أو المتجر أو لأجرة السيارة , وفي الآونة الأخيرة تغير الأمر , فعندما علم المقيمون في السودان بالأعباء الثقيلة من ( الرسوم ) و ( الضرائب الباهظة ) و ( الجمارك ) الملقاة علي عاتق المغترب قال لي أحد الأصدقاء أن ( الموضة ) أو ( النكتة ) عند دفع الحساب ( يحلفوا ) علي المغترب قائلين ( ما تدفع انت مغترب ).

ونلا حظ أن هناك ظاهرة عامة في عصرنا هذا و في كثير من الدول ولكنها أكثر وضوحا عند المغتربين خارج أوطانهم , وهي أنك أحيانا عندما تقابل أحد أبناء الوطن ممن لا تعرفهم وحينما تبادره بتحية الاسلام من باب المحبة بين المسلمين و ( افشاء السلام ) تشعر كأنه ينظر اليك وفي عينيه التوجس من أنك ربما بسلامك هذا تريد بعد ذلك أن تسأله ( مساعدة مالية) أو شيئا من هذا القبيل , وتحليلنا لهذه الظاهرة هي أنه ربما يكون البعض من المغتربين قد أصيب بما يمكن تسميته ( وسواس الاغتراب القهري ) , نسأل الله العظيم السلامة لنا ولكم منه, ونحول الظاهرة لأساتذتنا وزملاءنا الكرام في علم النفس للدراسة و الافتاء. وكما سبق ذكره في المقال السابق أننا اذا أردنا أن نتطرق للعلاقات الاجتماعية والمالية بين المغتربين , نكرر نفس العبارة ( حدث ولا حرج ) . وسمعت الكثير من المغتربين يقولون أنهم قد يكونوا في دولة أو مدينة واحدة ولكنهم لا يلتقون الا في الاجازة السنوية في السودان و ذلك ربما وسط زحام اجراءات العودة وصفوف (الرسوم). فالمغتربون في الآونة الأخيرة أصبحت( حالتهم واحدة ) , فهم مثقلون ب (الرسوم ) و ( الضرائب ) و ( الجمارك ) ...( وهلم جرا ) حتي وان كان المغترب (دكتور) أو حتي ( بروفيسور) يعني كلهم أصبحوا ( في الهوا سوا ).

وندق ( ناقوس الخطر ) من عنف ذلك التيار الذي جرف الكثيرين و أن يتوخوا الحذر و نوصيهم وأنفسنا بالمعاملة الحسنة وألا ينسوا فضل أهلهم و ألا يجرحوا أحدا بكلمة أو عبارة خاصة عند( الطلبات ) و ( التحويلات ) دون أن يشعروا ونذكرهم بقول الشاعر :

جراحات السنان لها التئام ولا يلتام ما جرح اللسان

والكثير من المغتربين يحسبون الأموال التي حولوها والذهب والفضة التي ألبسوها ( هدايا اخواتنا المغتربات العزيزات ) والمباني التي شيدوها والمركبات التي جلبوها أو اشتروها ( أمجاد, ركشات , حافلات ) يحسبونها أفضالا علي أهلهم ولكننا نرد عليهم( بالنفي القاطع ) ( لا وألف لا) والشاهد قول الشاعر :

كالبحر يمطره السحاب وما له فضل عليه لأنه من مائه

فقد كان ابنهم المغترب في الماضي صغيرا يافعا يأخذ ( المصروف ) للمدرسة و (العيدية ) الي أن تخرج ونال الدرجات العليا فنذكره بألا يتوه كما يقول المثل الشعبي ( النسي قديمو تاه) , اذن فليعود كل مغترب بالذاكرة الي الوراء ويستعرض ( شريط الذكريات ) ويتذكر أساتذته المبجلين و زملاء الدراسة و أيام السكني مع ( العزابة ) و ( الميز ) و ( الداخلية ) أي أيام (القفص الحديدي ) قبل الاغتراب ودخول (القفص الذهبي ) وبالتحديد نقصد زمن ( الفلس ) قبل ( الأرصدة ) و ( بطاقات الصراف الالكترونية ) , و نشير هنا الي ملاحظة وهي أنه أحيانا عندما يقابل المغترب أحد الذين يعرفهم يسلم عليه بكل بشاشة وشوق و تجده محرجا لمحاولة تذكر اسم ذلك الشخص , ولكن الذاكرة لا تسعفه فالأسماء ازدادت وتراكمت عليه بازدياد سنين الغربة منها العربية والأعجمية , وانه يتذكر الشخصية بكل تفاصيلها من أيام دراسة أو مؤسسة أو منطقة ولكن يضيع الاسم وسط المشاغل , لذلك نرجو من المقيمين أن يلتمسوا له العذر و ألا يلقوا عليه اللوم ( حسب نص تعريف المغترب ).

و علي المغتربين مواصلة ما انقطعوا عنهم خاصة ( صلة الرحم ) التي تسأل الله رب العرش العظيم أن يصل من وصلها ويقطع من قطعها فلها (الأولوية القصوي ). نعم نحن متفقون باعترافنا بالتقصير والسبب أنه ليس هناك زمن يكفي كل هؤلاء ونستشهد بقول والدنا الشيخ / عبد الرحيم البرعي (رحمه الله تعالي ):

يا من سميع وبصير سامحنا في التقصير

أصبح زمنا قصير و بقت شمسنا عصير

اذن علينا اخلاص النية لأن ( الأعمال بالنيات ) و (نية المرء خير من عمله ) وذلك بأن تكون في نيتنا مواصلتهم كلما وجد الانسان الوقت الذي يمكنه من زيارتهم لا للأغراض و(المصالح الدنيوية) , و نستشهد هنا بقول فضيلة الشيخ / محمد متولي الشعراوي طيب الله ثراه في كتابه ( السيرة النبوية) (ص 327 ) : ( ان القلب هو مصدر النية التي يتبعها السلوك ... فالقلب هو ينبوع لكل المشاعر ... و لم تكن المسألة في تأليف القلوب مسألة احتياج الي مال , لأن المال لا يمكن أن يعطي الحب الحقيقي , ولذلك فهناك بين الناس ارتباط مصالح , وارتباط عقيدة مستقرة في القلوب , وارتباط المصالح ينتهي بمجرد أن تهتز أو تنتهي هذه المصالح , لكن ارتباط العقيدة تزيده الأزمات قوة وصلابة, وأنت لا تستطيع أن تجعل انسانا يحبك مهما أعطيته من مال , لأن الحب الحقيقي لا يشتري ولا يباع , انما يشتري النفاق والتظاهر , و المؤمنون الذين ألف الله بين قلوبهم لم يكن يهمهم المال بقدر ما يهمهم نصرة دين الله الذي آمنوا به , ونصرة رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي صدقوه ) .

ويبدو أننا بحاجة الي تأسيس علاقات من نوع حديث ومعاصر وهي ما يمكن تسميته بـ ( العلاقات الروحية الأبدية ) لأنها هي التي تبقي وتدوم حتي وان رحل من تربطك بهم هذه العلاقة الي الدار الآخرة , فالعلاقة لا تنقطع أبدا وذلك بالدعاء لهم والتصدق علي أرواحهم , فالترابط الروحي أقوي و أعمق بين الناس, وهناك أشياء تظهر بين الناس الذين تفصل بينهم المسافات عموما مثل التخاطر ( Telepathy ) وبالرجوع للموسوعة الاسلامية فان التخاطر يعتبر أحد الظواهر الروحية , لم يحظ بالبحث العلمي الا حديثا رغم أنه ظاهرة تعج بها حياتنا العادية , وهو يحدث عادة بين أعضاء الأسرة الواحدة , وبين المرتبطين بروابط عاطفية , وبين الأصدقاء الحميمين. وكلنا نعلم أننا في أمس الحاجة ( للتقوية الروحية ) حتي نستطيع مواجهة التيار المادي الذي يطوقنا في جميع نواحي الحياة, والتواصل الروحي ( الاتصالات الروحية ) التي تفوق تقنية الاتصالات ( السلكية ) و ( اللاسلكية ) , وذلك بالدعاء ( بظهر الغيب ) للأهل والاخوان والأصدقاء , ونوصيكم وأنفسنا بالتراحم و( التواصي بالحق ) و ( تفقد أحوال المسلمين ) والتزاور ( في الله ) لا ( الزيارات الاصطناعية ) من نوع ( أداء واجب ) و ( تحصيل حاصل ) و ( عدي من وشك ) .

أما الأمواج الهائجة و المتلاطمة في عصرنا هذا تذكرنا مرة ثانية بوالدنا الشيخ / عبد الرحيم البرعي وبالقصيدة التي نظمها ابان مرض الأستاذ العالم الراحل /فراج الطيب, طيب الله ثراهم وأنزل عليهم شابيب رحمته , ومطلعها ( يا عالم ويا فراج عافي جني الطيب فراج ) فدعا الله عز وجل السلامة من هذه الأمواج قائلا :

أسلم من موج الدنيا الهاج وألهج بذكر الرب الهاج

لذا نوصي أنفسنا واياكم باحياء الدين في أنفسنا بالتعاون والتكاتف داخل الوطن وفي بلاد الغربة , وأن نكون( كالبنيان المرصوص) وأن نقف مع بعضنا عند الشدائد والمحن لننال الثواب العظيم .

وعلي الرغم من اقتناع أغلب المغتربين بعدم جدوي الاغتراب في الآونة الأخيرة , وذلك بسبب المبالغ التي ينفقونها في الايجار وفي متطلبات المعيشة والعلاج و الرسوم و مشاكل الاقامة وتعليم الاولاد وغيرها , لكنهم مواصلون في الاغتراب مضطرين من أجل بناء ( ضل ) ومصدر رزق لأبنائهم أو أهلهم. و هنالك ظاهرة في فرنسا معروفة منذ زمن طويل تسمي ظاهرة ( العائدون ) (Les Revenants ) , وهؤلاء هم الأجانب المقيمين هناك من شتي الجنسيات , و مشكلتهم أنهم سئموا الحياة في فرنسا , و مقتنعون بالعودة الي أوطانهم وعدم جدوي الاستمرار بالعيش فيها , فهم في بداية كل عام يصممون ويعزمون علي العودة لأوطانهم قائلين ( هذا العام سيكون آخر عام لنا في فرنسا ) ,ثم يأتي العام الذي يليه ويكررون نفس العبارة وهم مواصلون لعملهم وحياتهم هناك , وكذلك العام الذي بعده وهكذا وتمر السنين وهم يكررون نفس العبارة والحال مستمر علي ما هو عليه, فربما تكون هذه الظاهرة قد تفشت وسط المغتربين السودانيين في مختلف الدول .

لقد رايت أحد المغتربين بدأ في تنفيذ فكرة مراجعة حساباته الشهرية بطريقة اقتصادية , في ( المصروفات ) و ( ميزان المدفوعات ) و (الصادر ) و ( الوارد ) و ( سعر الصرف ) , فأصبحت كلما أقابله أسأله عن آخر أخبار ( النشرة الاقتصادية ) , و لكي تكون الصورة الاقتصادية أكثر وضوحا نجد اخواننا الكرام المتخصصين في الميكانيكا يصفونها بعبارة بسيطة من مصطلحات لغة التعامل بينهم قائلين أنهم ( ماشين بجاز المصافي ) أي أن خزان الوقود فارغ والتي ترمز الي عدم ( الرصيد ) و ( المدخرات ) , و أخيرا حاولنا أن نهون علي صاحبنا الأمر بأنه لا داعي لكل هذا التعب و ( التلتلة ) , لأنه وبتطبيق كل الطرق والنظريات الرياضية والاحصائية في الاغتراب من ( احتمالات ) و ( مصفوفات ) و ( انحراف معياري ) و ( وسط حسابي ) فان الناتج النهائي يكون ( بالسالب ) , والحل الوحيد هو ( الاستعانة بالصبر والصلاة ) لكيلا يضيع الأجر والثواب الي أن يجعل الله له هو وأسرته مخرجا من هذه ( الورطة ) , وعليه مواصلة المشوار حسب نص المثل الشعبي ( اللتبلبل يعوم ). ونرجح أيضا أن أي مغترب ينطبق عليه القول المشهور ( عزيز قوم ذل ) . وذكرني الأخ العزيز/ عطا بالكلمات التي يشدو بها المطرب / حمد الريح : ( صغارك مشتهين ترجع ... مش حرام تسيبهم للريح ... وانت عارف القاسو ما شوية ... ودار الغربة ما بترحم ) ونذكركم وأنفسنا بالعبارة التي ذكرنا بها شيخنا الأكرم الأستاذ/ هاني ( أبو عبدالله ) التي تزيد الجميع صبرا جميلا وهي ( ما يجبر علي المر الا الأمر منه ) .

و يزداد المغتربون حيرة عندما يفكرون في العودة الي الوطن , فتجدهم يتوجسون خيفة الجلوس ( علي الرصيف ) و ( ضل الضحي ) , واذا فكروا في اصطحاب ممتلكاتهم وسياراتهم الفارهة يقف أمامهم السد المنيع ( سور الجمارك العظيم ) و ( العوائق الأخري ) , فتصيبهم الحسرة و خيبة الأمل و اليأس و ( النفسيات ) التي تؤثر سلبا علي صحة الانسان , لذا كان حصاد الكثير منهم في بلاد الغربة الامراض مثل ( الضغط ) و ( السكر ) , وآخرون ( اشتعل رأسهم شيبا ) , والشعراء كتبوا في الشيب أبياتا كثيرة منها :

اذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له في ودهن نصيب

وقال آخر :

عيرتني بالشيب وهو وقار ليتها عيرتني بما هو عار

وكتب شاعر يصف أثر سنين الغربة عليه قائلا :

أودعها وقد أطلعن صبحا يضيئ بلمتي بعد السواد

والبعض الآخر كان نصيبه تساقط شعر الرأس ( الصلعة ) أو تضخم عضلات البطن ( الكرش ) .

وقبل الختام نذكر اخواننا المغتربين في المملكة العربية السعودية اذا وجدوا أنهم لم يجمعوا ثروة من المال أو الممتلكات أو المصوغات من الذهب والفضة ( رأسمال اخواتنا المغتربات العزيزات ) , فانه يكفيهم ( الحج ) و ( العمرة ) و زيارة المصطفي عليه أفضل الصلاة والتسليم التي توجب شفاعته لهم , وعليهم أن يشكروا الله سبحانه وتعالي علي هذه النعم التي هي أفضل من كنوز الدنيا وزخرفها .

ختاما يبدو أن عصر الهجرة الي المال والجاه قد فات أوانه , وآن أوان الاستزادة من الأعمال الصالحات وأن يغتنم الفرصة الذين يقيمون في بلاد غير المسلمين بالدعوة الي الدين الحنيف , تحقيقا لوصية المصطفي عليه أفضل الصلاة والتسليم ( بلغوا عني ولو آية ) جنبا الي جنب مع ( الأحباب ) لينعموا بالرحمة ورضاء الله العزيز التواب .

والله الموفق والمستعان ,

أخوكم / سيف الاسلام أبوبكر ـــ السعودية



للمزيد من االمقالات

للمزيد من هذه الاخبار للمزيد من هذه البيانات و المنشورات
الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر العام| دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر العام للنصف الاول من عام 2005

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |English Forum| مكتبة الاستاذ محمود محمد طه | مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان | مواقع سودانية| اخر الاخبار| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
SudaneseOnline.Com All rights reserved