مقالات واراء حرة من السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة عامان

إلى متى ينزف القلب دما ؟بقلم أبوبكر حسن خليفة -رفاعة

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
3/6 12:28م

إلى متى ينزف القلب دما ؟!
"قطرة من دموع الحيارى!"


فاتحة :
قد ظننت أنني كتبت شيئا فيما سبق عن الفراق والافتراق , وأما لحظة رحيلكم عنا فقد أعلمتني أنني ما قلت شيئا . بعد أن اضطربت الأشياء والأحياء والنفوس معا, وحقا لها أن تضطرب ! حينها لم يكن شيئا يودي وظيفته حتى السماء تلوّت,وأحمـر وجهها ثم أجهشت ببكاء وعويل,والأرض لطمت خدّها وشـقت جيبها وأعلنت حربها,وأما نحن فقد أنكرنا أنفسنا حتى بدأنا نتحسس ذواتنا بأيدينا إثباتا لما هو موجود وليس بموجود !
زمن طويل وأنا أبحث عن نهاية الألم فها هو القلب المجـروح الذي عانى أكثر ما عانى الفراق ...
قد اعتصرناه سنين وأُخر...
حتى يخرج الألم قطرة قطرة ...
فلا تبقى فيه قطـرة ...
ولكن هيهات !!!
هيهات بلوغ المرتجـى ...
و"هاهي الأرض تغطت بالتعب"...
نعم .....
فمــاءه ودمــاءه الألم
وعشبه ومسكنه الندم
وحياته ومماته العدم
وإلي متى نطارد شبه المستحيل ونرتحل ؟!
********
بدأت أولى ليالي القرن الحادي والعشرين بزلزال توسنامي الفظيع ؟!
لتستمر تلك الأيام الفواجع بمؤامرة مقتل الرجل (الحريري) الناجح..حتى تعيد للأذهان المشاهد الفظيعة للحروب الأهلية في لبنان .. المسقطة أهلية الشعوب عن ركب الحضارة والرقي والتحضر . وفي الوقت ذاته ترتكب جريمة نكراء بحق أستاذة جامعية ببلادنا على طريقة مقتل جين موريس (مع الفارق بالطبع) وإن كان استشهاد الأستاذة ابتهال عبد الرحيم حميدو بصورة أبشع من كل ما سبق . فهل يا ترى يقف والدها في المحكمة ويدلي بشهادة شبيهة بشهادة والد(جين) حين قال عن مرتكب الفعل المباشر " مصطفى سعيد " أنا لا ألومه ؟! ولكن فقط أشعر بحزن عميق !! وهل وقف المثقف والناقد البنيوي .. عند مقولة الرجل تلك ؟! الرجل الذي فقد فلذة كبده ثم قال هذا القول ..حدثوني بالله عليكم كيف يفكر هذا الأب ومن يدين ـ بعد أن برأ الفاعل المباشر ـ؟! أم أن الفعل يبدأ بخواطر فطيره تخيطه أيادي خفية تتداخل فيها العوامل الاجتماعية بصور معقدة كما يرى ميشيل فوكو في أطروحة القهر الاجتماعي!
ليشتد بنا الكرب بوفاة أبونا الشيخ العارف الحبيب عبد الرحيم البرعي الرجل الحر الذي يفكر كما يريد ويقول كما يفكر ويعمل كما يقول بحيث لم تكن نتيجة عمله إلا برا وخيرا وبركة بالأحياء والأشياء كما قال وكان الأستاذ محمود محمد طه.. وتأبى روح أبونا البرعي إلا أن تأخذ معها من تحب فينتقل البروفيسور عبد العال الإدريس والشيخ أحمد الأحمدي والأستاذة الوديعة ابتهال بهذه الصورة العنيفة التي تمثل منازعة القدر ! في الوقت الذي يتجلى فيه التسليم بغير نزاع في أبها صوره عند رحيل الدكتور الطاهر العاقب والشيخ الخواض أحمد الخواض . الخواض ذاك الرجل الذي بانت لي ملامحه في بيروت في صورة ابنه الشاعر المبدع والناقد الحصيف أسامة وابنه الصديق الأستاذ عثمان الذي التقيته في دمشق ومن ثم كان التواصل بالسودان بين امتداد ناصر ومربعات أبو سعد التي يسكن ...
ولهذا لم أكن أحسن حالا في تلك اللحظات التي ظننت نفسي فيها سعيدا ..
إنها مجرد سكرة قادتني إلى أن أنسى حقيقة ذلك المخلوق التعيس الذي كُتب عليه أن يتجرع كل تلك المرارات التي جعلت من فؤاده موطنا للحزن والألم .
وهذه النشوة التي قادتني إليها لحظة من لحظات التذكُّر أثبتت إلي أن الماضي لا يعود بالرغم من أن التاريخ يجري مِنّا مجرى الدم , ولو استنطقت خلايا أجسادنا لهتفت بأننا قوم تاريخيون إلا أن آباءَنا الذين ضاعوا في دهاليز الزمن لم يكن بالإمكان إرجاعهم تارة أخرى .. هكذا قضت الحقيقة أن تكون .. ولو جاءوا لأصبح ماء جاف وعدما محض ! كما لا أريد أن أبعثر فكر أحد غير أن الخبر الذي وصلني كان عاريا تماما من كل شيء وليس من الحقيقة وحدها !! إنه سراب يحسبه الظمآن ماء.. ولم يكن بوسعي عدم التفاعل معه على الرغم من أنه كان يخالف منطق حياتي وكم معرفتي إنه اختار المكان والزمان المناسبين . أما المكان فقد كنت بعيدا عن كل شيء حتى من نفسي التي بين جنبي والزمان كذلك . فقد خرجت من حلبة عقارب الساعة لست بطلا لكيما أتوج بانتصار كما لست مهزوما حتى أرمى بالفشل . ولكنني غير قانع بتلك الدائرة المليئة بالظلمة والحبور .. وما أنا الذي أكون مع رداءة الزمن .. ولكن سقط الخبر علي كما يسقط الماء على البقل فيخرجه من أرضه من غير حول منه ولا قوة. وكما يقع اللهب على الهشيم فيحرقه بغير حول من اللهب ولا قوة من الهشيم . حقا استطاع الخبر أن يسكرني بهذه السرعة على الرغم من أن جسمي غير كحولي , وهذه السرعة هي نفس سرعة العربة التي حولت خبر قدوم صديقي السعيد من عناء سفر طويل إلى سفر أطول!فأصبح الأمر أمر من الحنظل , وكانت أتعس اللحظات كيف لا؟! وهي اللحظات التي تحول فيها الوجود إلى عدم , والسعادة إلى شقاء والاجتماع إلى افتراق بغير لقاء إلا إذا اجتمع الليل مع النهار في مائدة واحدة تحت رابعة النهار أو عند ضوء القمر المنير !
وهذه هي عين الأسباب التي قادتني إلى أن ألتفت عند الطريق ذو الاتجاه الواحد يمنة ويسرا ! ولا أريد أن أعترض على واقع كان ولا أمر قُدِّر أن يكون . ولكن أريد أن أسأل إلى متى سنظل غارقين في حلم لا يتحقق ؟!
وأمل لا يرتجى وسعادة لن تكون ؟!
إلى متى يظل القلب ينزف دما ؟!
وأنا الذي لم أستطع الخروج من تأثير الأحداث التي أصبحت تحاصرني من كل الجيهات .. وفي كل تلك الأزمنة والأمكنة المختلفة باختلاف وجوه أصحابها .. ومن شقائي أن كتب علي تجرع كأس ألم الغير بنفس القدر الذي وضع لأصحابه. هكذا خيم علي الألم ودق أوتاده في كبدي ناسيا أو متناسيا أنه أفقدني صورة وجه أمي الحنون .. وما أشد حاجتي إلى دفء صدرها الرحب وأنا أرتعد من زمهرير جبل لبنان المتجمد الذي لم تستطيع دموعي بالرغم من كثافتها وحرارتها أن تذيبه !! فما ذنبي أن كان جبل جليدي غير متناهي الأطراف .
نعم فقدت هذا الوجه الأسطوري منذ الأزل وإلى أقصى مدى ممكن أن يعيشه ذلك المخلوق التعيس على وجه البسيطة الرقطاء .. ولم يكتفي بذلك محاولا جاهدا أن يضع الضباب الكثيف على وجه أبي الذي لم اسعد بنصائحه طويلا فقد فقدته وأنا بمقتبل العمر وفي أمس الحاجة إلى هضم صورته التي تمثل لي الجذور العميقة والأرضية الصلبة المفروض أن اقف عليها رافعا رأسي إلى عنان السماء غير متطلعا لدونه !
هكذا أرادت إرادة الحياة غير ما أريد , ولكنني ما زلت مكافحا ومنازعا غبار الزمن عسى أن أنتصر فلا يستطيع أن يسدل الستار على وجهه بعد أن فعل بحياته .. وهو القيمة النادرة التي لم يتبقى لي من الرأفة والحنان إلا قطرات من عشقيات الحلول ووحدة الكون التي تسع حُبنا أما غير ذلك فلا ..
ولم أستطيع أن أعصر ذلك القلب المجروح موقفا النزيف من الألم , ولم ينضب القلب أو حتى يذبل فأرتاح من كل تلك المعاناة التي بعثرت حياتي وأفقدت كياني حاسة الذوق إلا من تلك المرارات .. وأوجدت نفسي في موضع خالي من المكان بكل ما يحويه والزمان بكل ما يعنيه .
هكذا دوما كلما حاولت الإمساك بالقلم وجدته ينزف دما ..
فالنتركه قليلا ..
وبعدها فاليترنّح القلم ..
وليصلب الألم ..
وليبقى الأمل 0
ولهم من الله الرحمة وكامل الرضوان
ولنا الصبر والسلوان .
آمين ...

أبوبكر حسن خليفة (رفاعة)
[email protected]
جوال 966501220086
الأربعاء 2/3/2005م

الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر الحر | دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر الحر

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |تعارف و زواج|سجل الزوار | اخبر صديقك | مواقع سودانية|آراء حرة و مقالات سودانية| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
Bayan IT Inc All rights reserved