السودان
ترحب سودانيزاونلاين بجميع الاراء الحرة و المقالات لنشرها فى هذه الصفحة.ويمكنك لزوارنا الكرام ارسالها الى [email protected] كما نرجو ذكر الاسم الحقيقى و الكامل و مكان الاقامة مدة بقاء المقال فى هذه الصفحة 10 اعوام

جلــيس عــلى المــائدة. بقلم صـــلاح شـــكوكو

سودانيزاونلاين.كوم
sudaneseonline.com
6/6/2005 2:10 ص

جلــيس عــلى المــائدة

( صـــلاح شـــكوكو )

قادتني الصدفة البحتة الى أحد المطاعم في ركن قصي من أركان هذه المدينة الناعسة .. بعد رحلة تسوق مجهدة وأنا أدلف من محل الى آخر وأحمل في يدي قائمة الطلبات والسفر .. حتى سمعت هاتفا من أعماقي ينادي .. فاستجبت للنداء .. وتوجهت الى أحد المطاعم القريبة .

المطعم يعج بشتى صنوف البشر ومن مختلف بقاع العالم .. وبينما كنت في إنتظار طلباتي دخل أحد الإخــوة ( من أبناء البلــد ) الى ذات المطعـــم .. وهو يرسل البصر بحثا عن طاولة خالية في مناحي هذا المطعم .. وبينما هو شاخص في المكان وقع بصــره عليّ .. ولم أكن أعــرفه ولكنه حينما رآني أرسل رسالة أثيرية سريعــة مبتسمة في وجهي ثم جلس في كرسي قصي ريثما يجـــد كرسيا مناسبا ينتقـــل إليه .

وبينما كان صاحبي يتفحص الموقف العام ويرسل بصره هنا وهناك وهو يتنقل من مكان الى آخر إذا بالمقعد المقابل لي يضحى خاليا فيأتي صاحبي للإنضمام الى مجموعتي في الطاولة .. وكدأب السودانيين دلفنا في طيات الحوار بتلقائية و دون مقدمات بدءا بقضية الساعة وهي مباراة السودان ومصر بدءا بالهزيمة المرة وقبل أن نستقر فيها تحولنا الى بعض القضايا الأخرى ذات الطابع السياسي ثم ولجنا الى طيات موضوعات أخرى متداخلة ومتشعبة وكأننا نستبق الزمن ..

كان الحـــوار عاديا في منظوره العام فالناس عندنا قد تعودوا هــذا اللون من الموضوعات الطازجة والقزات العالية والتي يحملون فيها مواقف جاهزة ولا يجدون حرجا في تناولها مع الآخرين كمقبلات ومشهيات للذوبان في الآخر .. لكن ما أزعجني في هذا الحوار هو صوت محدثي فقد كان صوته قويا و مرتفعا بحيث إستدارت أعناق الرجال والنساء حولنا أكثر من مرة متتبعة هذا الصوت الذي هيمن على المكان .

حقيقة تواريت خجلا وبدأت في قتل أطراف الحوار ببعض كلمات لا تثير لواعج الحديث ولا تفتح بوابات حوار جديدة كأن تقول :- ( حاجة عجيبة .. كلام غريب .. تعمل شنو ؟؟ .. أهو حال الناس .. ربك كريم .. دايره صبر ) لكـــن صاحبي لم يكــــن من أولئك الــذين يقتلـــون الحـــديث بهذه البساطة فقـــد صب جــام غضبه على كل شيء بدءا من لاعبي الفريق القومي وإنتهـــاءا بالــــفريق البشير ( المشير ) ولا أدري لماذا كان مصرا على الرتبة القديمة للرئيس .

بينما كان صاحبي مستقرقا في الحــوار من جانب واحد كنت أنا أشــير لطاقم الخدمة لإستعجال الطلبات لتجاوز مرحلة المقبلات كي أفرغ سريعا من الأكل الذي كان يردُ تباعا وبنوع من التأني مما ساعد في طول فترة الأكل والتناول .. فقد بدأ عمال المطعم بالسلطات والمقبلات والحواشي ريثما يتم إعداد الطلب الأصلي .. مما جعل مساحة التلاقي بيني وبين صاحبي كبيرة ومتداخلة .

والقضية الأخرى التي كان لها أثر في إستثارة الناس هي أن صاحبي وجليسي كان بجلبابتة السودانية التي لا تخفى على أحد .. ذات الجيوب المتعددة ومن الإتجاهين المتقابلين مع رقبة عارية تماما .. والغريب أنني أثناء الحوار كنت قد عرفت حتى إسم الخياط الذي قام بتفصيل وحياكة جلبابته .. وربما يكون بعض الناس في هذا ا لمطعم قد ظنوني أول الأمـــر ( أصما ) بسبب إجاباتي المقتضبة الإختزاليــة حيث كانت ردودي إيماءات مختصرة .. وبين الفنية والأخرى كان صاحبي يتلقى مكالمات هاتفية متعددة تسبقها رنة سودانية ممتميزة للفنان عثمان حسين وحالما يضع صاحبي سماعه الهاتف فإنه ينفصل عن الموجة المحلية ليدخل موجة الحديث عبر الهاتف وبذات الصوت الهادر وبلا أدني حرج يلج في طيات الحديث الذي تتخلله ضحكات منتشية .

وقبل أن نفترق أثار صاحبي قضية هامة أثارت إنتباهي وهي أنه يتحسر لكونه مغتربا منذ أمد طويل ولم يقوم بزيارة بعض الدول مثل سوريا ومصر ولبنان .. بإعتبارها مدن عريقة إذ كان لابد من التعرف عليها بإعتبارها لعبت دورا تاريخيا معينا .. وهنا سألت صاحبي :- هل زرت كل مدن السودان أجاب بلا .. فقلت له مخففا عن همه .. إن شاء الله في قادمات الأيام .. لكن صاحبي يبدو أنه إنزعج للإجابة التسوفية التي أبديتها وتحمس في الحديث ..

فوجه حديثه اليّ في حدة مستترة وسألني عن الدول التي زرتها وعندما إكتشف زيارتي لبعض الـــدول التي وردت في قائمته قال لي :- ( بالله ... كيف ؟؟؟ والله أنا نادم لعدم زيارتي لها ) وبينما كان صاحبي في حديثة الممجوج هذا تذكرت معلومة هامة وجدت أنها تناسب الموقف .. فقلت لصاحبي :- ( كان الشيخ / إبن باز رجلا كفيفا .. وكان دائما مايقول :- تمنيت أن يعيد الله اليّ بصري للحظات فقط ثم أعود كفيفا .. وحين سئل عن سبب ذلك .. وكان الناس يظنون أنه سيقول لكي أرى الكعبة أو وآلداي أو أي شيء آخر لكنه قال :- ( لكي أري الجمـــل ) وحينما سئل :- لمــاذا الجمـــل ؟؟ قال :- لأن الله قال فيه :- ( أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت ) فكأن وردود الجمل في القرآن وإستشهاد المولي به آية تستحق الحرص والتأمل .

هنا فقط توقف الفم الذي عكر صفو المطعم وكأن الرجل قد أصابته نوبة من الإفاقة .. و الدهشة وكأن رسالة الجماهير قد وصلته متأخرة .. وإذا بالمطعم يسترد هدؤه من جديد وإذا بالطاقم المكلف بالضيافة وتقديم الطعام يرسل بصره نحونا إستجلاءا للموقف الذي تغير فجأة وتبدل حاله من الصياح للهدوء .. وقد إنهيت مهمتي مع الطعام فودعت صاحبي وأنا أهم بالخروج فإذا بصاحبي يناديني وسط هذا الزحام بعبارة ( الأخو .. إبن البلد .. ياهــوي ) فالتفت اليه فإذا هو ممسك بتلابيب كيس ( التمباك ) ودنما إكتراس للحضور يعــــد لغما بحريا تحت شفتــــه وهــو يسألني :- ( يا أخوي بتعرف هنا قهوة حبشية إسمها عصب ؟؟ ) لم أرد عليه وأنا أتوارى عن القوم خجلا وألملم أطرافي مغادرا المكان .

ولو عدنا لآخر جزئية في حديث الرجل سنجد أن صاحبي يبدو عليه أنه من تلك الفئة التي تزور المقاهي الحبشية المنتشرة في بعض العواصم الخليجية والتي تكتظ بالسودانيين وبعض المتسكعين منهم الذين يقضون جل أوقاتهم بين الفتيات اللائي يوزعن بعض عبارات المجاملة هنا وهناك لإستقطاب هذا الجمع الهائل من السودانيين والذين أصبح تواجدهم يشكل ظاهرة ملفته للآخرين .

حتى أن بعض الصحف المحلية في هذه الدول تناولت هذه الظاهرة العجيبة بنوع من التهكم والإستهجان .. خاصة وأن مرتاديها من بينهم رجال أكل الدهر منهم وشرب بل أيبس الكبر مفاصلهم .. ومازالوا يلهثون كالصبية والمراهقين خلف فتيات جل همهم جمع قدر من المال ولو على حساب التنازل عن بعض ما يمكن أن يكون كرامة آدمية شخصية .

وكثيرون من هؤلاء يعيشون بين وهمين الأول وهم الغواية والمراهقة المتأخرة ووهم آخر هو التنفيس السيء للعواطف المكبوتة تحت مظلة الإغتراب .. بينما لا يرضى هؤلاء ذات التصرافات إن جاءت من قبل أبناءهم .. مهما كانت المببرات .

صحيح أن لكل إنسان حرية شخصية ولكل شخص أن يفعل مايريد كيفما يريد طالما أنه ظل يفعل ذلك في إطار القانون ولكن حينما تتحول هذه الممارسة الى ظاهرة .. ثم تسيء هذه الظاهرة الى جنسية معينة فإن الحرية تصبح نوعا من الفوضي التي تحمل الإساءة .. خاصة حينما تجد رجلا في العقد الخامس من عمره أو يزيد يلامس أو يجالس فتاة في عمر بناته على مرمى المشاهدة و فضول البشر ..

أما إصطحاب الأسر الى مضامير السباق في مظهر يدعو الى الرثاء وتجول الفتيات المراهقات في تلك الساحات المفتوحة وهن بملابسهن الضيقة والشفيفة والبنطلونات اللصيقة وهنّ يترنحن ويوزعن النظرات يمنة ويسرى .. وخلفهن رهط من الشباب المطارد .. لهي صورة أخرى لدرجة من درجات التفسخ الإجتماعي .. والرده والإنهزامية للقيم الإجتماعية والدينية التي تربى عليها أهل السودان .

وأستودعكم وداعة من لا تضيع ودائعه ..

محطــــات ملونــــــة :-


أكاد أجزم بأن جليسي كان أكثر حماسة وحسا وطنيا من لاعبي الفريق القومي .. بل ربما يكون أكثر حرصا على سمعة السودان من أولئك الذين مرقوا سمعتنا في تراب الإنهزام ووحل الخيبة .

بعض إعلاميينا يتحدثون عن ( عـقــدة ) مصرية ناسين أن العقــدة في حـدود الندية والإنهزام بسوء الطالع بهــدف أو هدفين ولكن حينما يكون الإنهزام مهينا فلا مجـال للعقــدة لأنها تفـوق مستمر و بمهانة ..

من قرأ الأعمدة التي كتبها المصريون قبيل المباراة لتحركت في أعماقة كوامن الكرامة والعزة وأجزم أن شكل اللقاء ماكان ليكون مثلما كان .

التحيــة للمركز الإجتماعي السوداني خاصة السكرتارية الرياضية بقيادة السيد / ياسر وهي ترسم ملامح الإبداع في كل إحتفائية سودانية .. التحية لهم وهم يعطرون ليالينا ببعض لمحات من الزمن الجميل .

صــلاح محمــــد عبــــــد الدائم
( شكـــوكو )
[email protected]

للمزيد من االمقالات

للمزيد من هذه الاخبار للمزيد من هذه البيانات و المنشورات
الأخبار المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع


| اغانى سودانية | آراء حرة و مقالات | ارشيف الاخبار لعام 2004 | المنبر العام| دليل الخريجين | | مكتبة الراحل على المك | مواضيع توثيقية و متميزة | أرشيف المنبر العام للنصف الاول من عام 2005

الصفحة الرئيسية| دليل الاحباب |English Forum| مكتبة الاستاذ محمود محمد طه | مكتبة الراحل المقيم الاستاذ الخاتم عدلان | مواقع سودانية| اخر الاخبار| مكتبة الراحل مصطفى سيد احمد


Copyright 2000-2004
SudaneseOnline.Com All rights reserved